← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 22798

نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (6 530 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

إخبار الذّئب بنبوّته ﷺ : - عن أبي سعيد الخدريّ- ﵁؛ قال: عدا الذّئب على شاة فأخذها فطلبه الرّاعي فانتزعها منه، فأقعى الذّئب على ذنبه فقال: ألا تتّقي الله؟ تنزع منّي رزقا ساقه الله إليّ؟ فقال: يا عجبي ذئب يقعي على ذنبه يكلّمني كلام الإنس! فقال الذّئب: ألا أخبرك بأعجب من ذلك؟ محمّد ﷺ بيثرب يخبر النّاس بأنباء ما قد سبق. قال: فأقبل الرّاعي يسوق غنمه حتّى دخل المدينة فزواها إلى زاوية من زواياها، ثمّ أتى رسول الله ﷺ فأخبره، فأمر رسول الله ﷺ فنودي: الصّلاة جامعة. ثمّ خرج فقال للرّاعي: «أخبرهم» . فأخبرهم. فقال رسول الله ﷺ : «صدق، والّذي نفس محمّد بيده لا تقوم السّاعة حتّى يكلّم السّباع الإنس، ويكلّم الرّجل عذبة سوطه، وشراك نعله، ويخبره فخذه بما أحدث أهله بعده. «١» - وفي رواية من حديث أبي هريرة- ﵁ عند ما كلّم الذّئب راعي الغنم فقال الرّجل: تالله إن رأيت كاليوم ذئبا يتكلّم. فقال الذّئب: أعجب من هذا رجل في النّخلات بين الحرّتين «٢» يخبركم بما مضى وما هو كائن بعدكم. وكان الرّجل يهوديّا، فجاء النّبيّ ﷺ فأسلم وخبّره فصدّقه النّبيّ ﷺ «٣» . معجزاته ﷺ في أنواع الجمادات: حنين الجذع شوقا إلى رسول الله ﷺ وشفقا من فراقه: وقد ورد ذلك- كما قال الحافظ ابن كثير- من حديث جماعة من الصّحابة بطرق متعدّدة تفيد القطع عند أئمّة الشّأن وفرسان هذا الميدان «٤» . ومن ذلك ما رواه البخاريّ عن جابر بن عبد الله- ﵄: «أنّ النّبيّ ﷺ ، كان يقوم يوم الجمعة إلى شجرة أو نخلة، فقالت امرأة من الأنصار- أو رجل-: يا رسول الله، ألا نجعل لك منبرا؟ قال: «إن شئتم» . فجعلوا له منبرا. فلمّا كان يوم الجمعة دفع إلى المنبر، فصاحت النّخلة صياح الصّبيّ، ثمّ نزل النّبيّ ﷺ فضمّه إليه،

стр. 632

يئنّ أنين الصّبيّ الّذي يسكن. قال: كانت تبكي على ما كانت تسمع من الذّكر عندها» » . وفي رواية أخرى عن جابر- ﵁؛ قال: «كان المسجد مسقوفا على جذوع من نخل، فكان النّبيّ ﷺ إذا خطب يقوم إلى جذع منها، فلمّا صنع له المنبر فكان عليه فسمعنا لذلك الجذع صوتا كصوت العشار «٢» ، حتّى جاء النّبيّ ﷺ فوضع يده عليها، فسكنت» «٣» . وفي رواية من حديث ابن عبّاس- ﵄ قال ﷺ : « ... ولو لم أحتضنه لحنّ إلى يوم القيامة» «٤» . وكان الحسن البصريّ ﵀، إذا حدّث بحديث حنين الجذع يقول: يا معشر المسلمين الخشبة تحنّ إلى رسول الله ﷺ شوقا إلى لقائه فأنتم أحقّ أن تشتاقوا إليه» «٥» . ونقل ابن أبي حاتم في «مناقب الشّافعيّ عن أبيه عن عمرو بن سواد عن الشّافعيّ قال: ما أعطى الله نبيّا ما أعطى محمّدا، فقلت: أعطى عيسى إحياء الموتى، قال: أعطى محمّدا حنين الجذع حتّى سمع صوته، فهذا أكبر من ذلك «٦» . انقياد الشّجر لرسول الله ﷺ : ومن معجزاته وأعلام نبوّته ﷺ انقياد الشّجر بين يديه في مرّات عدّة: - فعن جابر بن عبد الله- ﵄؛ قال: سرنا مع رسول الله ﷺ حتّى نزلنا واديا أفيح «٧» . فذهب رسول الله ﷺ يقضي حاجته. فاتّبعته بإداوة من ماء. فنظر رسول الله ﷺ فلم ير شيئا يستتر به. فإذا شجرتان بشاطيء الوادي «٨» . فانطلق رسول الله ﷺ إلى إحداهما فأخذ بغصن من أغصانها. فقال: «انقادي عليّ بإذن الله» فانقادت معه كالبعير المخشوش «٩» ، الّذي يصانع قائده. حتّى أتى الشّجرة الأخرى فأخذ بغصن من أغصانها.

стр. 633

فقال: «انقادي عليّ بإذن الله» فانقادت معه كذلك. حتّى إذا كان بالمنصف «١» ممّا بينهما، لأم «٢» بينهما (يعني جمعهما) فقال: «التئما عليّ بإذن الله» فالتأمتا. قال جابر: فخرجت أحضر «٣» مخافة أن يحسّ رسول الله ﷺ بقربي فيبتعد، فجلست أحدّث نفسي. فحانت منّي لفتة «٤» ، فإذا أنا برسول الله ﷺ مقبلا. وإذا الشّجرتان قد افترقتا. فقامت كلّ واحدة منهما على ساق. فرأيت رسول الله ﷺ وقف وقفة. فقال برأسه هكذا؟ وأشار أبو إسماعيل برأسه يمينا وشمالا ثمّ أقبل. فلمّا انتهى إليّ قال: «يا جابر هل رأيت مقامي؟» قلت: نعم يا رسول الله. قال: «فانطلق إلى الشّجرتين فاقطع من كلّ واحدة منهما غصنا. فأقبل بهما. حتّى إذا قمت مقامي فأرسل غصنا عن يمينك وغصنا عن يسارك» قال جابر: فقمت فأخذت حجرا فكسرته وحسرته «٥» . فانذلق «٦» لي. فأتيت الشّجرتين فقطعت من كلّ واحدة منهما غصنا. ثمّ أقبلت أجرّهما حتّى قمت مقام رسول الله ﷺ . أرسلت غصنا عن يميني وغصنا عن يساري. ثمّ لحقته فقلت: قد فعلت، يا رسول الله! فعمّ ذاك؟ قال: «إنّي مررت بقبرين يعذّبان. فأحببت، بشفاعتي، أن يرفّه عنهما «٧» ، ما دام الغصنان رطبين» «٨» . «٩» . - وعن عبد الله بن عمر- ﵄؛ قال: كنّا مع رسول الله ﷺ في سفر، فأقبل أعرابيّ، فلمّا دنا منه قال له رسول الله ﷺ : أين تريد؟» قال: إلى أهلي، قال: «هل لك في خير؟» قال: وما هو؟ قال: «تشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، وأنّ محمّدا عبده ورسوله» ، قال: ومن يشهد على ما تقول؟ قال: «هذه السّلمة «١٠» ، فدعاها رسول الله ﷺ وهي بشاطيء الوادي. فأقبلت تخدّ «١١» الأرض خدّا حتّى قامت بين يديه، فأشهدها ثلاثا فشهدت ثلاثا أنّه كما قال، ثمّ رجعت إلى منبتها، ورجع الأعرابيّ إلى قومه، وقال: إن اتّبعوني آتك بهم، وإلّا رجعت فكنت معك» «١٢» .

стр. 634

تسليم الحجر عليه ﷺ : - روى مسلم في صحيحه، عن جابر بن سمرة- ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّي لأعرف حجرا بمكّة كان يسلّم عليّ قبل أن أبعث. إنّي لأعرفه الآن» «١» . قال الإمام النّوويّ معلّقا على هذا الحديث: فيه معجزة له ﷺ وفي هذا إثبات التّمييز في بعض الجمادات وهو موافق لقوله تعالى في الحجارة: وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ «٢» وقوله تعالى: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ «٣» . «٤» . تسبيح الطّعام بحضرته ﷺ : أخرج البخاريّ في صحيحه عن عبد الله بن مسعود- ﵁؛ قال: كنّا نعدّ الآيات بركة، وأنتم تعدّونها تخويفا، كنّا مع رسول الله ﷺ في سفر فقلّ الماء، فقال: «اطلبوا فضلة من ماء» فجاءوا بإناء فيه ماء قليل، فأدخل يده في الإناء ثمّ قال: «حيّ على الطّهور المبارك، والبركة من الله» فلقد رأيت الماء ينبع من بين أصابع رسول الله ﷺ ، ولقد كنّا نسمع تسبيح الطّعام وهو يؤكل» «٥» . عصمته ﷺ من النّاس: لقي رسول الله ﷺ من أعدائه كثير الأذى وعظيم الشّدّة منذ أن جهر بدعوته، ولكنّ الله ﵎ حفظه ونصره وعصمه من النّاس. يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ «٦» وقد كان النّبيّ ﷺ يحرس قبل نزول هذه الآية من قبل بعض أصحابه فلمّا نزلت عليه قال: «يا أيّها النّاس انصرفوا عنّي فقد عصمني الله » «٧» . ومن عصمة الله لرسوله ﷺ حفظه له من أهل مكّة وصناديدها وحسّادها ومعانديها ومترفيها مع شدّة العداوة والبغضة ونصب المحاربة له ليلا ونهارا بما يخلقه الله من الأسباب العظيمة بقدرته وحكمته فصانه في ابتداء دعوته بعمّه أبي طالب إذ كان رئيسا مطاعا في قريش وجعل الله في قلبه محبّة طبيعيّة لرسول الله ﷺ لا شرعيّة، ولو

стр. 635

كان أسلم لاجترأ عليه كفّارها وكبارها ولكن لمّا كان بينه وبينهم قدر مشترك في الكفر هابوه واحترموه فلمّا مات عمّه أبو طالب نال منه المشركون أذى يسيرا ثمّ قيّض الله له الأنصار فبايعوه على الإسلام وعلى أن يتحوّل إلى دارهم وهي المدينة فلمّا صار إليها منعوه من الأحمر والأسود وكلّما همّ أحد من المشركين وأهل الكتاب والمنافقين بسوء كاده الله وردّ كيده عليه «١» . والأمثلة على عصمة الله لرسوله ﷺ وكفّ الأعداء عنه كثيرة نكتفي بذكر نماذج منها: - فعن أبي هريرة- ﵁؛ قال: «قال أبو جهل: هل يعفّر محمّد وجهه «٢» بين أظهركم؟ قال فقيل: نعم. فقال: واللّات والعزّى لئن رأيته يفعل ذلك لأطأنّ على رقبته. أو لأعفّرنّ وجهه في التّراب. قال فأتى رسول الله ﷺ وهو يصلّي. زعم ليطأ على رقبته. قال فما فجئهم «٣» منه إلّا وهو ينكص على عقبيه «٤» ويتّقي بيديه. قال فقيل له: مالك؟ فقال: إنّ بيني وبينه لخندقا من نار وهولا وأجنحة. فقال رسول الله ﷺ : «لو دنا منّي لاختطفته الملائكة عضوا عضوا» » . - وعن أبي بكر الصّدّيق- ﵁ في قصّة الهجرة النّبويّة قال: «فارتحلنا بعد ما مالت الشّمس، واتّبعنا سراقة بن مالك، فقلت: أتينا يا رسول الله، فقال: لا تحزن، إنّ الله معنا. فدعا عليه النّبيّ ﷺ فارتطمت به فرسه إلى بطنها فقال: إنّي أراكما قد دعوتما عليّ، فادعوا لي، فالله لكما أن أردّ عنكما الطّلب. فدعا له النّبيّ ﷺ ، فنجا، فجعل لا يلقى أحدا إلّا قال: كفيتكم ما هنا، فلا يلقى أحدا إلّا ردّه، قال: ووفّى لنا» «٦» . - وعن سلمة بن الأكوع- ﵁؛ قال: غزونا مع رسول الله ﷺ حنينا ... فولّى صحابة النّبيّ ﷺ ... فلمّا غشوا رسول الله ﷺ «٧» نزل عن البغلة، ثمّ قبض قبضة من تراب من الأرض، ثمّ استقبل به وجوههم، فقال: شاهت الوجوه «٨» » فما خلق الله منهم إنسانا إلّا ملأ عينيه ترابا. بتلك القبضة. فولّوا مدبرين. فهزمهم الله . وقسم رسول الله ﷺ غنائمهم بين المسلمين» «٩» .

стр. 636

- وعن جابر بن عبد الله- ﵄؛ قال: غزونا مع رسول الله ﷺ غزوة قبل «١» نجد. فأدركنا رسول الله ﷺ في واد كثير العضاه «٢» . فنزل رسول الله ﷺ تحت شجرة. فعلّق سيفه بغصن من أغصانها. قال: وتفرّق النّاس في الوادي يستظلّون بالشّجر. قال: فقال رسول الله ﷺ : «إنّ رجلا أتاني وأنا نائم، فأخذ السّيف فاستيقظت وهو قائم على رأسي، فلم أشعر إلّا والسّيف صلتا «٣» في يده. فقال لي: من يمنعك منّي؟ قال: قلت: الله. ثمّ قال في الثّانية من يمنعك منّي؟ قال قلت: الله. قال فشام السّيف «٤» فها هو ذا جالس. ثمّ لم يعرض له رسول الله ﷺ «٥» . إجابة دعائه صلوات الله وسلامه عليه: كان رسول الله ﷺ ، كما وصفه ربّه : بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ «٦» فكان ينظر إلى أصحابه نظرة الرّحمة والشّفقة فكلّما ألمّ بأصحابه مكروه من عاهة أو مرض أو تفكير في أمر يشغل بالهم أسرع رسول الله ﷺ بالدّعاء لهم للتّخفيف عنهم ولكي ينالوا بركة دعوته ﷺ فيحصل لهم ما يريدون من دفع شرّ وجلب خير دنيويّ أو أخرويّ أو هما معا. أمّا بالنّسبة للكفّار والمشركين والمعاندين فقد كان رسول الله ﷺ يدعو عليهم حيث تشتدّ شوكتهم ويكثر أذاهم وتارة كان يدعو لهم حيث تؤمن غائلتهم ويرجى تآلفهم. وإذا دعا رسول الله ﷺ لأناس أو دعا عليهم فإنّك تجد ما دعا به قد تحقّق قطعا. وكثرة الحوادث في هذا الباب تجعل الإنسان على يقين كامل أنّ محمّدا رسول الله وأنّ الله تعالى يؤيّده ويسدّده ويستجيب دعاءه. وإجابة دعوة النّبيّ ﷺ لجماعة بما دعا لهم أو عليهم متواتر على الجملة معلوم بالضّرورة «٧» . ولرسول الله ﷺ من الدّعوات المستجابات ما لا يحصى كثرة ممّا حفلت به مصنّفات الحديث ومدوّنات السّيرة. وهذه نخبة مختارة من هذه الدّعوات على سبيل الإشارة:

стр. 637

- سرعة الإجابة: - فعن أنس بن مالك- ﵁: أنّ رجلا دخل المسجد يوم جمعة ورسول الله ﷺ قائم يخطب، فاستقبل رسول الله ﷺ قائما ثمّ قال: يا رسول الله، هلكت الأموال «١» وانقطعت السّبل «٢» . فادع الله يغيثنا. قال: فرفع رسول الله ﷺ يديه. ثمّ قال: «اللهمّ أغثنا «٣» . اللهمّ أغثنا اللهمّ أغثنا» . قال أنس: ولا والله ما نرى في السّماء من سحاب ولا قزعة «٤» . وما بيننا وبين سلع «٥» من بيت ولا دار. قال فطلعت من ورائه سحابة مثل التّرس «٦» فلمّا توسّطت السّماء انتشرت. ثمّ أمطرت. قال: فلا والله ما رأينا الشّمس سبتا. قال: ثمّ دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة المقبلة. ورسول الله ﷺ قائم يخطب. فاستقبله قائما. فقال: يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السّبل. فادع الله يمسكها عنّا. قال: فرفع رسول الله ﷺ يديه. ثمّ قال: «اللهمّ حولنا ولا علينا. اللهمّ على الآكام «٧» ، والظّراب «٨» ومنابت الشّجر» فانقلعت. وخرجنا نمشي في الشّمس» «٩» . وفي رواية قال أنس بن مالك- ﵁؛ أصابت النّاس سنة على عهد النّبيّ ﷺ فبينا النّبيّ ﷺ يخطب في يوم جمعة إذ قام أعرابيّ فقال: يا رسول الله، هلك المال، وجاع العيال، فادع الله لنا، فرفع يديه وما نرى في السّماء قزعة فو الّذي نفسي بيده ما وضعها حتّى ثار السّحاب أمثال الجبال، ثمّ لم ينزل عن منبره حتّى رأيت المطر يتحادر على لحيته ﷺ . فمطرنا يومنا ذلك، ومن الغد، وبعد الغد، والّذي يليه حتّى الجمعة الأخرى. وقام ذلك الأعرابيّ أو قال غيره فقال: يا رسول الله، وغرق المال، فادع الله لنا. فرفع يديه فقال: اللهمّ حوالينا ولا علينا. فما يشير بيده إلى ناحية من السّحاب إلّا انفرجت، وصارت المدينة مثل الجوبة «١٠» . وسال الوادي قناة شهرا، ولم يجيء أحد من ناحية إلّا حدّث بالجود «١١» . «١٢» .

стр. 638

يمهل ولا يهمل: «فعن عبد الله بن مسعود- ﵁؛ قال: بينما رسول الله ﷺ يصلّي عند البيت، وأبو جهل وأصحاب له جلوس، وقد نحرت جزور «١» بالأمس. فقال أبو جهل: أيّكم يقوم إلى سلا «٢» جزور بني فلان فيأخذه، فيضعه في كتفي محمّد إذا سجد؟ فانبعث أشقى القوم «٣» فأخذه. فلمّا سجد النّبيّ ﷺ وضعه بين كتفيه. قال: فاستضحكوا «٤» . وجعل بعضهم يميل على بعض. وأنا قائم أنظر. لو كانت لي منعة «٥» طرحته عن ظهر رسول الله ﷺ . والنّبيّ ﷺ ساجد، ما يرفع رأسه. حتّى انطلق إنسان فأخبر فاطمة. فجاءت، وهي جويرية «٦» ، فطرحته عنه. ثمّ أقبلت عليهم تشتمهم «٧» . فلمّا قضى النّبيّ ﷺ صلاته رفع صوته ثمّ دعا عليهم. وكان إذا دعا، دعا ثلاثا. وإذا سأل، سأل «٨» ثلاثا. ثمّ قال: «اللهمّ عليك بقريش» ثلاث مرّات. فلمّا سمعوا صوته ذهب عنهم الضّحك. وخافوا دعوته. ثمّ قال: «اللهم عليك بأبي جهل بن هشام، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عقبة» ، وأميّة بن خلف، وعقبة بن أبي معيط (وذكر السّابع ولم أحفظه) فو الّذي بعث محمّدا ﷺ بالحقّ لقد رأيت الّذين سمّى صرعى يوم بدر. ثمّ سحبوا إلى القليب، قليب بدر «١٠» . قال أبو إسحاق: الوليد بن عقبة غلط في هذا الحديث» «١١» . دعوة وهداية: عن أبي هريرة- ﵁؛ قال: كنت أدعو أمّي إلى الإسلام وهي مشركة، فدعوتها يوما فأسمعتني في رسول الله ﷺ ما أكره. فأتيت رسول الله ﷺ وأنا أبكي. قلت: يا رسول الله إنّي كنت أدعو أمّي إلى الإسلام فتأبى

стр. 639

عليّ. فدعوتها اليوم فأسمعتني فيك ما أكره. فادع الله أن يهدي أمّ أبي هريرة. فقال رسول الله ﷺ : «اللهمّ اهد أمّ أبي هريرة» فخرجت مستبشرا بدعوة نبيّ الله ﷺ . فلمّا جئت فصرت إلى الباب. فإذا هو مجاف «١» . فسمعت أمّي خشف «٢» قدميّ. فقالت: مكانك يا أبا هريرة وسمعت خضخضة «٣» الماء. قال فاغتسلت ولبست درعها وعجلت عن خمارها. ففتحت الباب. ثمّ قالت: يا أبا هريرة أشهد أن لا إله إلّا الله، وأشهد أنّ محمّدا عبده ورسوله. قال فرجعت إلى رسول الله ﷺ ، فأتيته وأنا أبكي من الفرح، قال قلت: يا رسول الله أبشر قد استجاب الله دعوتك وهدى أمّ أبي هريرة. فحمد الله وأثنى عليه وقال خيرا. قال قلت: يا رسول الله ادع الله أن يحبّبني أنا وأمّي إلى عباده المؤمنين، ويحبّبهم إلينا. قال: فقال رسول الله ﷺ : اللهمّ حبّب عبيدك هذا يعني أبا هريرة وأمّه إلى عبادك المؤمنين. وحبّب إليهم المؤمنين فما خلق مؤمن يسمع بي، ولا يراني، إلّا أحبّني «٤» . إخباره عن المغيّبات: من معجزات رسول الله ﷺ ودلائل نبوّته ما اطّلع عليه من الغيوب الماضية والمستقبلة وإخباره عنها، ومن المعلوم المقرّر أنّ علم الغيب مختصّ بالله تعالى وحده. وقد أضافه الله تعالى إلى نفسه الكريمة في غير ما آية من كتابه العزيز. قال تعالى: قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ «٥» . وقال تعالى: وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ «٦» ومن المعلوم أيضا أنّ الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام لا يعلمون الغيب ولا اطّلاع لهم على شيء منه. قال الله تعالى مخبرا عن غير واحد من رسله الكرام عليهم الصّلاة والسّلام أنّهم قالوا لأقوامهم قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ «٧» وفي صحيح مسلم عن عائشة- ﵂؛ قالت: «من زعم أنّ رسول الله ﷺ يخبر بما يكون في غد فقد أعظم على الله الفرية» «٨» . وكما جاءت الأدلّة تدلّ على أنّ الله ﵎ قد اختصّ بمعرفة علم الغيب وأنّه استأثر به دون خلقه، جاءت أدلّة أخرى تفيد أنّ الله تعالى استثنى من خلقه من ارتضاه من الرّسل فأودعهم ما شاء من غيبه بطريق الوحي إليهم وجعله معجزة لهم ودلالة صادقة على نبوّتهم. قال تعالى: وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلكِنَ

стр. 640

اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ «١» . وقال تعالى: عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً* إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً «٢» فتلخّص من ذلك أنّ ما وقع على لسان رسول الله ﷺ من الإخبار بالمغيّبات فبوحي من الله تعالى وهو من إعلام الله لرسوله ﷺ للدّلالة على ثبوت نبوّته وصحّة رسالته. وقد اشتهر وانتشر أمره ﷺ بإطلاع الله له على المغيّبات: - قال حذيفة بن اليمان- ﵄: قام فينا رسول الله ﷺ مقاما فما ترك شيئا يكون من مقامه ذلك إلى قيام السّاعة إلّا حدّثه حفظه من حفظه ونسيه من نسيه» «٣» . وقال عمرو بن أخطب الأنصاريّ- ﵁: «صلّى بنا رسول الله ﷺ الفجر وصعد المنبر فخطبنا حتّى حضرت الظّهر فنزل فصلّى ثمّ صعد المنبر فخطبنا حتّى حضرت العصر فنزل فصلّى ثمّ صعد المنبر فخطبنا حتّى غربت الشّمس فأخبرنا بما هو كائن إلى يوم القيامة فأعلمنا أحفظنا» «٤» . وقال عبد الله بن رواحة- ﵁: وفينا رسول الله يتلو كتابه ... إذا انشقّ معروف من الفجر ساطع أرانا الهدى بعد العمى فقلوبنا ... به موقنات أنّ ما قال واقع «٥» . وقال حسّان بن ثابت- ﵁: نبيّ يرى ما لا يرى النّاس حوله ... ويتلو كتاب الله في كلّ مشهد فإن قال في يوم مقالة غائب ... فتصديقها في صحوة اليوم أو غد «٦» . قال القاضي عياض: ... ما أطلع عليه من الغيوب وما يكون من جملة معجزاته المعلومة على القطع

стр. 641

الواصل إلينا خبرها على التّواتر لكثرة رواتها واتّفاق معانيها على الاطّلاع على الغيب» «١» ومعجزات هذا الباب لا يمكن استقصاؤها لكثرتها ووقوعها منه ﷺ في أكثر حالاته عن سؤال وغير سؤال في مناسبات تقتضيها وأحوال تستدعيها وهي أكثر أنواع معجزاته عددا. ولهذا السّبب فإنّ أحاديث هذا الموضوع كثيرة جدّا لا يمكن حصرها. والمغيّبات الّتي تغيّبها رسول الله ﷺ على أقسام ثلاثة: ١- قسم في الماضي: كإخباره عن القرون السّالفة والأمم البائدة، والشّرائع الدّاثرة ممّا كان لا يعلم منه القصّة الواحدة إلّا الفذّ من أحبار أهل الكتاب الّذي قطع عمره في تعلّم ذلك وقد كان أهل الكتاب كثيرا ما يسألونه تعنّتا وتعجيزا عن أخبار تلك القرون السّالفة. فينزل عليه من القرآن ما يتلو عليهم منه ذكرا كقصص الأنبياء مع قومهم وخبر موسى والخضر ويوسف وإخوته وأصحاب الكهف وذي القرنين. بالإضافة إلى ما جاءت به السّنّة المطهّرة من تفاصيل ودقائق عن أخبار تلك الأمم السّابقة والأنبياء السّابقين مع أقوامهم. وأشباه ذلك ممّا صدّقه فيه علمآؤهم ولم يقدروا على تكذيب ما ذكر منها بل أذعنوا لذلك فمن موفّق آمن بما سبق له من خير ومن شقيّ معاند حاسد. ٢- قسم في الحاضر: وهو ما أخبر به صلوات الله وسلامه عليه من المغيّبات فوقع في أثناء حياته. وهذه بعض نماذج للقسم الثّاني: قتل أميّة بن خلف: - فعن عبد الله بن مسعود- ﵁؛ قال: انطلق سعد بن معاذ معتمرا، قال: فنزل على أميّة بن خلف أبي صفوان، وكان أميّة إذا انطلق إلى الشّام فمرّ بالمدينة نزل على سعد، فقال أميّة لسعد: ألا انتظر حتّى إذا انتصف النّهار وغفل النّاس انطلقت فطفت؟ فبينا سعد يطوف إذا أبو جهل، فقال: من هذا الّذي يطوف بالكعبة؟ فقال سعد: أنا سعد. فقال أبو جهل: تطوف بالكعبة آمنا وقد آويتم محمّدا وأصحابه؟ فقال: نعم. فتلاحيا «٢» بينهما. فقال أميّة لسعد: لا ترفع صوتك على أبي الحكم، فإنّه سيّد أهل الوادي. ثمّ قال سعد: والله لئن منعتني أن أطوف بالبيت لأقطعنّ متجرك بالشّام، قال فجعل أميّة يقول لسعد: لا ترفع صوتك وجعل يمسكه فغضب سعد فقال: دعنا عنك، فإنّي سمعت محمّدا ﷺ يزعم أنّه قاتلك. قال: إيّاي؟ قال: نعم. قال: والله ما يكذب محمّد إذا حدّث. فرجع إلى امرأته فقال: أما تعلمين ما قال لي أخي اليثربي؟ قالت وما قال؟ قال: زعم أنّه

стр. 642

سمع محمّدا يزعم أنّه قاتلي. قالت: فو الله ما يكذب محمّد. قال: فلمّا خرجوا إلى بدر وجاء الصّريخ قالت له امرأته: أما ذكرت ما قال لك أخوك اليثربيّ؟ قال فأراد أن لا يخرج فقال له أبو جهل: إنّك من أشراف الوادي، فسر يوما أو يومين، فسار معهم يومين، فقتله الله» «١» . مصارع الطّغاة: - فعن أنس بن مالك- ﵁؛ قال: كنّا مع عمر بين مكّة والمدينة، فتراءينا الهلال. وكنت رجلا حديد البصر «٢» . فرأيته. وليس أحد يزعم أنّه رآه غيري. قال فجعلت أقول لعمر: أما تراه؟ فجعل لا يراه. قال يقول عمر: سأراه وأنا مستلق على فراشي. ثمّ أنشأ يحدّثنا عن أهل بدر فقال: إنّ رسول الله ﷺ كان يرينا مصارع أهل بدر بالأمس. يقول: هذا مصرع فلان غدا، إن شاء الله قال فقال عمر: فو الّذي بعثه بالحقّ ما أخطئوا الحدود الّتي حدّ رسول الله ﷺ . قال فجعلوا في بئر بعضهم على بعض فانطلق رسول الله ﷺ حتّى انتهى إليهم فقال: «يا فلان بن فلان ويا فلان بن فلان هل وجدتم ما وعدكم الله ورسوله حقّا؟ فإنّي وجدت ما وعدني الله حقّا» . قال عمر: يا رسول الله كيف تكلّم أجسادا لا أرواح فيها؟ قال: «ما أنتم بأسمع لما أقول منهم «٣» . غير أنّهم لا يستطيعون أن يردّوا عليّ شيئا» «٤» . الأعمال بالخواتيم: - عن سهل بن سعد السّاعديّ- ﵁؛ أنّ رسول الله ﷺ التقى هو والمشركون فاقتتلوا. فلمّا مال رسول الله ﷺ إلى عسكره. ومال الآخرون إلى عسكرهم. وفي أصحاب رسول الله ﷺ رجل لا يدع لهم شاذّة «٥» إلّا اتّبعها يضربها بسيفه. فقالوا: ما أجزأ منّا اليوم أحد كما أجزأ فلان «٦» . فقال رسول الله ﷺ : أما إنّه من أهل

стр. 643

النّار «فقال رجل من القوم: أنا صاحبه «١» أبدا. قال فخرج معه. كلّما وقف وقف معه. وإذا أسرع أسرع معه. قال فجرح الرّجل جرحا شديدا. فاستعجل الموت فوضع نصل سيفه بالأرض وذبابه بين ثدييه «٢» . ثمّ تحامل على سيفه فقتل نفسه. فخرج الرّجل إلى رسول الله ﷺ فقال: أشهد أنّك رسول الله. قال: «وما ذاك؟ قال: الرّجل الّذي ذكرت آنفا أنّه من أهل النّار. فأعظم النّاس ذلك. فقلت: أنا لكم به فخرجت في طلبه حتّى جرح جرحا شديدا. فاستعجل الموت. فوضع نصل سيفه بالأرض وذبابه بين ثدييه. ثمّ تحامل عليه فقتل نفسه. فقال رسول الله ﷺ ، عند ذلك: «إنّ الرّجل ليعمل عمل أهل الجنّة فيما يبدو للنّاس وهو من أهل النّار. وإنّ الرّجل ليعمل عمل أهل النّار فيما يبدو للنّاس وهو من أهل الجنّة» «٣» . ٣- قسم في المستقبل: وهو ما أخبر به ﷺ من المغيّبات زيادة على ما جاء في الكتاب العزيز فوقع بعد وفاته كما أخبر سواء بسواء. والأحاديث في هذا القسم بحر لا يدرك قعره ولا ينزف «٤» غمره «٥» اعتنى بذكرها عدد كبير من الأئمّة الأعلام كالبيهقيّ في «دلائل النّبوّة» وابن كثير في «البداية والنّهاية» والسّيوطيّ في الخصائص الكبرى» . ونقتصر على ذكر بعض النّماذج منها: ظهور الإسلام وعلوّه: - فعن خبّاب بن الأرتّ- ﵁؛ قال: «شكونا إلى رسول الله ﷺ وهو متوسّد بردة له في ظلّ الكعبة قلنا له: ألا تستنصر لنا، ألا تدعو الله لنا؟ قال: كان الرّجل فيمن قبلكم يحفر له في الأرض فيجعل فيه، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيشقّ باثنتين، وما يصدّه ذلك عن دينه، ويمشّط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب، وما يصدّه ذلك عن دينه. والله ليتمّنّ هذا الأمر حتّى يسير الرّاكب من صنعاء إلى حضر موت لا يخاف إلّا الله، والذّئب على غنمه، ولكنّكم تستعجلون» «٦» . وهكذا وقع فقد عمّ وظهر الدّين وغلب وعلا على سائر الأديان، في مشارق الأرض ومغاربها وعلت كلمته في عهد الصّحابة ومن بعدهم وذلّت لهم سائر البلاد ودان لهم جميع أهلها على اختلاف أصنافهم وألوانهم وصار النّاس إمّا مؤمن داخل في الدّين، وإمّا مهادن باذل الطّاعة والمال وإمّا محارب خائف وجل من سطوة الإسلام وأهله.

стр. 644

ملك أمّة محمّد وممالكها: - عن ثوبان- ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : إنّ الله زوى «١» لي الأرض. فرأيت مشارقها ومغاربها. وإنّ أمّتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها. وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض» إنّي سألت ربّي لأمّتي أن لا يهلكها بسنة عامّة. وأن لا يسلّط عليهم عدوّا من سوى أنفسهم. فيستبيح بيضتهم «٣» . وإنّ ربّي قال: يا محمّد إنّي إذا قضيت قضاء فإنّه لا يردّ. وإنّي أعطيتك لأمّتك أن لا أهلكهم بسنة عامّة «٤» . وأن لا يسلّط عليهم عدوّا من سوى أنفسهم. يستبيح بيضتهم. ولو اجتمع عليهم من بأقطارها أو قال من بين أقطارها حتّى يكون بعضهم يهلك بعضا ويسبي بعضهم بعضا» «٥» . - وعن عديّ بن حاتم- ﵁؛ قال: بينا أنا عند النّبيّ ﷺ إذ أتاه رجل فشكا إليه الفاقة، ثمّ أتاه آخر فشكا إليه قطع السّبيل، فقال: يا عديّ، هل رأيت الحيرة؟ قلت: لم أرها، وقد أنبئت عنها. قال: فإن طالت بك حياة لترينّ الظّعينة «٦» ترتحل من الحيرة حتّى تطوف بالكعبة لا تخاف أحدا إلّا الله قلت فيما بيني وبين نفسي فأين دعّار «٧» طيّء الّذين قد سعّروا البلاد «٨» ؟ ولئن طالت بك حياة لتفتحنّ كنوز كسرى. قلت: كسرى بن هرمز؟ قال: كسرى بن هرمز. ولئن طالت بك حياة لترينّ الرّجل يخرج ملء كفّه من ذهب أو فضّة يطلب من يقبله منه فلا يجد أحدا يقبله منه. وليلقينّ الله أحدكم يوم يلقاه وليس بينه وبينه ترجمان يترجم له فليقولنّ: ألم أبعث إليك رسولا فيبلّغك؟ فيقول: بلى. فيقول: ألم أعطك مالا وأفضل عليك؟ فيقول: بلى. فينظر عن يمينه فلا يرى إلّا جهنّم، وينظر عن يساره فلا يرى إلّا جهنّم. قال عديّ سمعت النّبيّ ﷺ يقول: اتّقوا النّار ولو بشقّ تمرة، فمن لم يجد شقّة تمرة فبكلمة طيّبة. قال عديّ: فرأيت الظّعينة ترتحل من الحيرة حتّى تطوف بالكعبة لا تخاف إلّا الله، وكنت فيمن افتتح كنوز كسرى بن هرمز، ولئن طالت بكم حياة لترونّ ما قال النّبيّ أبو القاسم ﷺ : يخرج ملء كفّه» «٩» . - وعن سفيان بن أبي زهير- ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «يفتح الشّام فيخرج من المدينة

стр. 645

قوم بأهليهم يبسّون «١» والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون ثمّ يفتح اليمن فيخرج من المدينة قوم بأهليهم يبسّون والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون. ثمّ يفتح العراق فيخرج من المدينة قوم بأهليهم يبسّون والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون «٢» . - عن أبي ذرّ- ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّكم ستفتحون مصر. وهي أرض يسمّى فيها القيراط «٣» . فإذا فتحتموها فأحسنوا إلى أهلها. فإنّ لهم ذمّة «٤» ورحما «٥» أو قال: «ذمّة وصهرا «٦» . فإذا رأيت رجلين يختصمان فيها في موضع لبنة، فاخرج منها» قال: فرأيت عبد الرّحمن بن شرحبيل بن حسنة وأخاه ربيعة، يختصمان في موضع لبنة، فخرجت منها» «٧» . - وعن أبي هريرة- ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: لا تقوم السّاعة حتّى ينزل الرّوم بالأعماق، أو بدابق «٨» . فيخرج إليهم جيش من المدينة. من خيار أهل الأرض يومئذ. فإذا تصافّوا قالت الرّوم: خلّوا بيننا وبين الّذين سبوا «٩» منّا نقاتلهم. فيقول المسلمون: لا. والله لا نخلّي بينكم وبين إخواننا. فيقاتلونهم. فينهزم ثلث لا يتوب الله عليهم أبدا «١٠» . ويقتل ثلثهم. أفضل الشّهداء عند الله. ويفتتح الثّلث. لا يفتنون أبدا: فيفتتحون قسطنطينيّة. فبينما هم يقتسمون الغنائم، قد علّقوا سيوفهم بالزّيتون، إذ صاح فيهم الشّيطان: إنّ المسيح قد خلّفكم في أهليكم. فيخرجون. وذلك باطل، فإذا جاءوا الشّأم خرج، فبينما هم يعدّون للقتال، يسوّون الصّفوف، إذ أقيمت الصّلاة. فينزل عيسى ابن مريم ﷺ ، فأمّهم. فإذا رآه عدوّ الله، ذاب كما يذوب الملح في الماء. فلو تركه

стр. 646

لانذاب حتّى يهلك. ولكن يقتله الله بيده. فيريهم دمه في حربته» «١» . - وعن أبي هريرة- ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، والّذي نفس محمّد بيده لتنفقنّ كنوزهما في سبيل الله» «٢» . - عن جابر- ﵁؛ قال: قال النّبيّ ﷺ : هل لكم من أنماط «٣» ؟ قلت: وأنّى يكون لنا الأنماط؟ قال: أما إنّه ستكون لكم الأنماط. فأنا أقول لها يعني امرأته أخّري عنّا أنماطك، فتقول: ألم يقل النّبيّ ﷺ : إنّها ستكون لكم الأنماط، فأدعها» «٤» . - عن سفينة مولى رسول الله ﷺ ؛ قال: قال رسول الله ﷺ : الخلافة في أمّتي ثلاثون «٥» سنة ثمّ ملكا بعد ذلك» «٦» . بشارات لبعض الأصحاب: أ- أمّ حرام بنت ملحان: - عن أنس بن مالك- ﵁؛ أنّ رسول الله ﷺ كان يدخل على أمّ حرام بنت ملحان «٧» فتطعمه. وكانت أمّ حرام تحت عبادة بن الصّامت. فدخل عليها رسول الله ﷺ يوما فأطعمته. ثمّ جلست تفلي رأسه. فنام رسول الله ﷺ ، ثمّ استيقظ وهو يضحك. قالت: فقلت: ما يضحكك يا رسول الله؟ قال: ناس من أمّتي عرضوا عليّ غزاة في سبيل الله. يركبون ثبج «٨» هذا البحر. ملوكا على الأسرّة، أو مثل الملوك على الأسرّة «٩» .

стр. 647

(يشكّ أيّهما قال) . قالت: فقلت: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم. فدعا لها. ثمّ وضع رأسه فنام. ثمّ استيقظ وهو يضحك. قالت فقلت: ما يضحكك يا رسول الله؟. قال: «ناس من أمّتي عرضوا عليّ غزاة في سبيل الله، كما قال في الأولى. قالت فقلت: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم. قال: أنت من الأوّلين» . فركبت أمّ حرام بنت ملحان البحر في زمن معاوية «١» ، فصرعت عن دابّتها حين خرجت من البحر. فهلكت» «٢» . ب- عكّاشة بن محصن: - عن ابن عبّاس- ﵄؛ عن النّبيّ ﷺ ، قال: «عرضت عليّ الأمم. فرأيت النّبيّ ومعه الرّهيط «٣» والنّبيّ ومعه الرّجل والرّجلان. والنّبيّ ليس معه أحد. إذ رفع لي سواد عظيم. فظننت أنّهم أمّتي. فقيل لي: هذا موسى ﷺ وقومه. ولكن انظر إلى الأفق. فنظرت. فإذا سواد عظيم. فقيل لي: انظر إلى الأفق الآخر. فإذا سواد عظيم. فقيل لي: هذه أمّتك. ومعهم سبعون ألفا يدخلون الجنّة بغير حساب ولا عذاب، ثمّ نهض فدخل منزله. فخاض «٤» النّاس في أولئك الّذين يدخلون الجنّة بغير حساب ولا عذاب. فقال بعضهم: فلعلّهم الّذين صحبوا رسول الله ﷺ . وقال بعضهم: فلعلّهم الّذين ولدوا في الإسلام ولم يشركوا بالله. وذكروا أشياء. فخرح عليهم رسول الله ﷺ فقال: ما الّذي تخوضون فيه؟ «فأخبروه. فقال: «هم الّذين لا يرقون. ولا يسترقون. ولا يتطيّرون. وعلى ربّهم يتوكّلون» فقام عكّاشة بن محصن. فقال: ادع الله أن يجعلني منهم. فقال: أنت منهم» ثمّ قام رجل آخر فقال: ادع الله أن يجعلني منهم. فقال: سبقك بها عكّاشة» «٥» . ج- أمّ ورقة بنت نوفل: وعن أمّ ورقة بنت نوفل أنّ النّبيّ ﷺ لمّا غزا بدرا قالت: قلت له: يا رسول الله، ائذن لي في الغزو معك أمرّض مرضاكم، لعلّ الله أن يرزقني شهادة قال: «قرّي في بيتك، فإنّ الله تعالى يرزقك الشّهادة» قال: فكانت

стр. 648

تسمّى الشّهيدة، قال: وكانت قد قرأت القرآن فاستأذنت النّبيّ ﷺ أن تتّخذ في دارها مؤذّنا، فأذن لها، قال: وكانت قد دبّرت غلاما لها وجارية» فقاما إليها باللّيل فغمّاها بقطيفة لها حتّى ماتت وذهبا، فأصبح عمر فقام في النّاس فقال: من كان عنده من هذين علم، أو من رآهما فليجيء بهما، فأمر بهما فصلبا فكانا أوّل مصلوب بالمدينة» «٢» وفي رواية البيهقيّ في آخره؛ فقال عمر: صدق رسول الله ﷺ كان يقول: انطلقوا بنا نزور الشّهيدة» . - أمارات السّاعة: - عن عوف بن مالك- ﵁؛ قال: «أتيت النّبيّ ﷺ في غزوة تبوك وهو في قبّة من أدم فقال: «اعدد ستّا بين يدي الساعة: موتي، ثمّ فتح بيت المقدس، ثمّ موتان «٣» يأخذ فيكم كقعاص الغنم «٤» ، ثمّ استفاضة المال حتّى يعطى الرّجل مائة دينار فيظلّ ساخطا، ثمّ فتنة لا يبقى بيت في العرب إلّا دخلته، ثمّ هدنة تكون بينكم وبين بني الأصفر فيغدرون، فيأتونكم تحت ثمانين غاية، تحت كلّ غاية اثنا عشر ألفا» «٥» . فهذه علامات أخبر عنها رسول الله ﷺ تقع قبل قيام السّاعة: - موته صلوات الله وسلامه عليه. - وفتح بيت المقدس على يدي الخليفة الرّاشد عمر بن الخطّاب- ﵁ سنة خمس عشرة للهجرة. - وباء الطّاعون وهو طاعون عمواس وقع بالشّام في عهد عمر بن الخطّاب- ﵁ سنة ثماني عشرة للهجرة ومات فيه جماعات من سادات الصّحابة- ﵃ أجمعين. منهم معاذ بن جبل، وأبو عبيدة بن الجرّاح، وشرحبيل بن حسنة، وغيرهم. - استفاضة المال وهو كثرته وظهر ذلك في خلافة الخليفة الرّاشد عثمان بن عفّان- ﵁ عندما فتح المسلمون الفتوح العظيمة «٦» . - وعن أبي هريرة- ﵁؛ أنّ رسول الله ﷺ قال: «لا تقوم السّاعة حتّى تخرج نار من أرض

стр. 649

الحجاز تضيء أعناق الإبل ببصرى «١» » «٢» . وقد خرجت هذه النّار بالمدينة المنوّرة كما أخبر النّبيّ ﷺ . وكان ذلك سنة أربع وخمسين وستّمائة كما ذكر ذلك جمع من العلماء منهم النّوويّ في شرحه على مسلم «٣» ، والسّيوطيّ في الخصائص الكبرى «٤» . قال النّوويّ ﵀: وقد خرجت في زماننا نار بالمدينة سنة أربع وخمسين وستّمائة وكانت نارا عظيمة جدّا من جنب المدينة الشّرقيّ وراء الحرّة تواتر العلم بها عند جميع الشّام وسائر البلدان وأخبرني من حضرها من أهل المدينة «٥» . وقال الحافظ ابن حجر: قال أبو شامة في ذيل الرّوضتين «وردت في أوائل شعبان سنة أربع وخمسين كتب من المدينة الشّريفة فيها شرح أمر عظيم حدث بها فيه تصديق لما في الصّحيحين، فذكر هذا الحديث، قال: فأخبرني بعض من أثق به ممّن شاهدها أنّه بلغه أنّه كتب بتيماء على ضوئها الكتب، فمن الكتب ... فذكر نحو ما تقدّم» «٦» . - إفحام أهل الكتاب: كان أهل الكتاب كثيرا ما يسألون رسول الله ﷺ عن أشياء على سبيل الامتحان والتّعجيز وليس على سبيل الهداية والانصياع للحقّ فسألوه عن أشياء كثيرة فكان رسول الله ﷺ يورد الجواب على وجهه ويأتي به على نصّه كما هو معروف لديهم ومقرّر في كتبهم. وقد علموا أنّه صلوات الله وسلامه عليه أمّيّ لا يقرأ ولا يكتب ولا اشتغل بمدارسة ولم يتلقّ العلم على أيديهم. ومع هذا لم يحك عن واحد من اليهود والنّصارى على شدّة عداوتهم له وحرصهم على تكذيبه وكثرة سؤالهم له وتعنّتهم في ذلك، أنّه أنكر على رسول الله ﷺ جوابه أو كذبه بل أكثرهم صرّح بصحّة نبوّته وصدق مقالته، والمكابر منهم اعترف بعناده وحسده لرسول الله ﷺ . وها هي بعض النّماذج الّتي سئل فيها رسول الله ﷺ . فأجاب بما طابق الحقّ المقرّر عند أهل الكتاب: - فعن أنس بن مالك- ﵁ قال: «بلغ عبد الله بن سلام مقدم النّبيّ ﷺ المدينة. فأتاه فقال: إنّي سائلك عن ثلاث لا يعلمهنّ إلّا نبيّ، قال ما أوّل أشراط «٧» السّاعة؟ وما أوّل طعام يأكله أهل الجنّة؟ ومن

стр. 650

أيّ شيء ينزع «١» الولد إلي أبيه، ومن أيّ شيء ينزع إلى أخواله؟ فقال رسول الله ﷺ : خبّرني بهنّ آنفا جبريل. قال فقال عبد الله: ذاك عدوّ اليهود من الملائكة فقال رسول الله ﷺ : «أمّا أوّل أشراط السّاعة فنار تحشر النّاس من المشرق إلى المغرب. وأمّا أوّل طعام يأكله أهل الجنّة فزيادة كبد حوت وأمّا الشّبه في الولد فإنّ الرّجل إذا غشي المرأة فسبقها ماؤه كان الشّبه له، وإذا سبق ماؤها كان الشّبه لها. قال: أشهد أنّك رسول الله. ثمّ قال: يا رسول الله، إنّ اليهود قوم بهت «٢» ، إن علموا بإسلامي قبل أن تسألهم بهتوني عندك. فجاءت اليهود، ودخل عبد الله البيت، فقال رسول الله ﷺ أيّ رجل فيكم عبد الله بن سلام؟ قالوا أعلمنا وابن أعلمنا، وأخبرنا وابن أخبرنا. فقال رسول الله ﷺ : أفرأيتم إن أسلم عبد الله؟ قالوا: أعاذه الله من ذلك. فخرج عبد الله إليهم فقال: أشهد أن لا إله إلّا الله، وأشهد أنّ محمّدا رسول الله. فقالوا: شرّنا وابن شرّنا. ووقعوا فيه» «٣» . - عن ثوبان- ﵁؛ قال: كنت قائما عند رسول الله ﷺ . فجاء حبر «٤» من أحبار اليهود فقال: السّلام عليك يا محمّد فدفعته دفعة كاد يصرع منها. فقال: لم تدفعني؟ فقلت: ألا تقول يا رسول الله فقال اليهوديّ؛ إنّما ندعوه باسمه الّذي سمّاه به أهله. فقال رسول الله ﷺ : إنّ اسمي محمّد الّذي سمّاني به أهلي «فقال اليهوديّ: جئت أسألك. فقال له رسول الله ﷺ : «أينفعك شيء إن حدّثتك؟» قال: أسمع بأذنيّ. فنكت «٥» رسول الله ﷺ بعود معه فقال: سل» فقال اليهوديّ: أين يكون النّاس يوم تبدّل الأرض غير الأرض والسّماوات؟ فقال رسول الله ﷺ : «هم في الظّلمة دون الجسر «٦» » قال: فمن أوّل النّاس إجازة «٧» ، قال: «فقراء المهاجرين» قال اليهوديّ: فما تحفتهم «٨» حين يدخلون الجنّة؟ قال: زيادة كبد النّون» «٩» قال: فما غذاؤهم «١٠» علي إثرها؟ قال:

стр. 651

«ينحر لهم ثور الجنّة الّذي كان يأكل من أطرافها» قال: فما شرابهم عليه؟ قال: «من عين فيها تسمّى سلسبيلا «١» » قال: صدقت. قال: وجئت أسألك عن شيء لا يعلمه أحد من أهل الأرض. إلّا نبيّ أو رجل أو رجلان. قال: «ينفعك إن حدّثتك؟» قال: أسمع بأذنيّ قال جئت أسألك عن الولد؟ قال: ماء الرّجل أبيض وماء المرأة أصفر. فإذا اجتمعا، فعلا منيّ الرّجل منيّ المرأة، أذكرا «٢» بإذن الله. وإذا علا منيّ المرأة منيّ الرّجل، آنثا «٣» بإذن الله قال اليهوديّ: لقد صدقت. وإنّك لنبيّ. ثمّ انصرف فذهب. فقال رسول الله ﷺ : «لقد سألني هذا عن الّذي سألني عنه. وما لي علم بشيء منه. حتّى آتاني الله به «٤» . «٥» . - عن صفوان بن عسّال- ﵁ قال: قال يهوديّ لصاحبه: اذهب بنا إلى هذا النّبيّ. فقال صاحبه: لا تقل نبيّ، إنّه لو سمعك كان له أربعة أعين، فأتيا رسول الله ﷺ فسألاه عن تسع آيات بيّنات. فقال لهم: لا تشركوا بالله شيئا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا النّفس الّتي حرّم الله إلّا بالحقّ، ولا تمشوا ببريء إلى ذي سلطان ليقتله، ولا تسحروا، ولا تأكلوا الرّبا، ولا تقذفوا محصنة، ولا تولّوا الفرار يوم الزّحف «٦» ، وعليكم خاصّة اليهود أن لا تعتدوا في السّبت، قال: فقبّلوا يده ورجله. فقالا: نشهد أنّك نبيّ. قال فما يمنعكم أن تتّبعوني؟ قالوا: إنّ داود دعا ربّه أن لا يزال في ذرّيّته نبيّ، وإنّا نخاف إن تبعناك أن تقتلنا اليهود» «٧» .

стр. 652

الصّلاة على رسول الله ﷺ صيغ الصّلاة على رسول الله ﷺ ١- عن أبي مسعود عقبة بن عمرو الأنصاريّ- ﵁ قال: أتانا رسول الله ﷺ ونحن في مجلس سعد بن عبادة- ﵁ فقال له بشير بن سعد- ﵁ قد أمرنا الله أن نصلّي عليك، فكيف نصلّي عليك؟ قال: «قولوا: اللهمّ صلّ على محمّد، وعلى آل محمّد، كما صلّيت على آل إبراهيم، وبارك على محمّد، وعلى آل محمّد، كما باركت على آل إبراهيم، والسّلام كما قد علمتم» «١» . وزاد ابن خزيمة فيه: «فكيف نصلّي عليك إذا نحن صلّينا في صلاتنا ... » الحديث. ٢- عن أبي مسعود- ﵁ قال: أقبل رجل «٢» حتّى جلس بين يدي رسول الله ﷺ ، ونحن عنده، فقال: يا رسول الله أمّا السّلام عليك فقد عرفناه، فكيف نصلّي عليك إذا نحن صلّينا في صلاتنا صلّى الله عليك؟ قال: فصمت رسول الله ﷺ حتّى أحببنا أنّ الرّجل لم يسأله. ثمّ قال: «إذا أنتم صلّيتم عليّ فقولوا: اللهمّ صلّ على محمّد النّبيّ الأمّي، وعلى آل محمّد كما صلّيت على إبراهيم وآل إبراهيم ... » » . ٣- عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: لقيني كعب بن عجرة فقال: ألا أهدي لك هديّة؟ خرج علينا رسول الله ﷺ فقلنا: قد عرفنا كيف نسلّم عليك، فكيف نصلّي عليك؟ قال: «قولوا: اللهمّ صلّ على محمّد وعلى آل محمّد كما صلّيت على آل إبراهيم، إنّك حميد مجيد، اللهمّ بارك على محمّد وعلى آل محمّد كما باركت على آل إبراهيم إنّك حميد مجيد» «٤» . ٤- عن أبي حميد السّاعديّ- ﵁ أنّهم قالوا: يا رسول الله! كيف نصلّي عليك؟ فقال رسول الله

стр. 653

صلّى الله عليه وسلّم: «قولوا: اللهمّ صلّ على محمّد وأزواجه وذرّيّته، كما صلّيت على آل إبراهيم، وبارك على محمّد وأزواجه وذرّيّته، كما باركت على آل إبراهيم إنّك حميد مجيد» «١» . ٥- عن أبي سعيد الخدريّ- ﵁ قال: قلنا: يا رسول الله هذا السّلام عليك قد عرفناه، فكيف الصّلاة عليك؟ قال: «قولوا: اللهمّ صلّ على محمّد عبدك ورسولك، كما صلّيت على إبراهيم، وبارك على محمّد وعلى آل محمّد، كما باركت على آل إبراهيم» «٢» . ٦- عن طلحة بن عبيد الله- ﵁ قال: قلت: يا رسول الله كيف الصّلاة عليك؟ قال: «قل: اللهمّ صلّ على محمّد وعلى آل محمّد، كما صلّيت على إبراهيم إنّك حميد مجيد، وبارك على محمّد وعلى آل محمّد، كما باركت على آل إبراهيم، إنّك حميد مجيد» . وفي لفظ آخر عند النّسائيّ أنّ رجلا أتى نبيّ الله ﷺ فقال: كيف نصلّي عليك يا نبيّ الله؟ قال: «قولوا: اللهمّ صلّ على محمّد وعلى آل محمّد، كما صلّيت على إبراهيم، إنّك حميد مجيد، وبارك على محمّد وعلى آل محمّد، كما باركت على إبراهيم، إنّك حميد مجيد» «٣» . ٧- عن زيد بن خارجة- ﵁ «٤» قال: سألت رسول الله ﷺ : كيف الصّلاة عليك؟ فقال: «صلّوا واجتهدوا، ثمّ قولوا: اللهمّ بارك على محمّد وعلى آل محمّد، كما باركت على آل إبراهيم، إنّك حميد مجيد» «٥» . ٨- عن عبد الله بن مسعود- ﵁ قال: إذا صلّيتم على رسول الله ﷺ فأحسنوا الصّلاة عليه، فإنّكم لا تدرون لعلّ ذلك يعرض عليه. قال: فقالوا له: فعلّمنا، قال: قولوا: اللهمّ اجعل صلواتك ورحمتك وبركاتك على سيّد المرسلين وإمام المتّقين وخاتم النّبيّين محمّد عبدك ورسولك، إمام الخير وقائد الخير، ورسول الرّحمة، اللهمّ ابعثه مقاما محمودا يغبطه به الأوّلون والآخرون، اللهمّ صلّ على محمّد وعلى آل محمّد، كما صلّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنّك حميد مجيد، اللهمّ بارك على محمّد وعلى آل محمّد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنّك حميد مجيد» «٦» .

стр. 654

٩- عن عبد الرّحمن بن بشير بن مسعود «١» ، قال: قيل: يا رسول الله! أمرتنا أن نسلّم عليك، وأن نصلّي عليك، فقد علمنا كيف نسلّم عليك، فكيف نصلّي عليك؟ قال: «تقولون: اللهمّ صلّ على آل محمّد، كما صلّيت على آل إبراهيم، اللهمّ بارك على آل محمّد، كما باركت على آل إبراهيم» «٢» . طلب الصلاة من الله: في الصّيغ السّابقة لاحظنا أنّ الصّلاة عليه ﷺ تتحقّق من خلال طلبها من الله- أن يصلّي عليه، وهنا سؤال مهمّ هو: لماذا لا نصلّي عليه مباشرة وإنّما نطلب ذلك من الله ؟ وعن هذا السّؤال يجيب ابن القيّم فيقول: أولا: إنّ الصّلاة من الله تعالى من أجلّ المراتب وأعلاها، ومحمّد ﷺ أفضل الخلق فلا بدّ أن تكون الصّلاة الحاصلة له أفضل من كلّ صلاة تحصل لمخلوق فلا يكون غيره مساويا له فيها «٣» . ثانيا: إنّ الله تعالى أخبر أنّه وملائكته يصلّون عليه، ثمّ أمر بالصّلاة عليه ولا ريب أنّ المطلوب من الله هو نظير الصّلاة المخبر بها لا ما دونها، وهو أكمل الصّلاة وأرجحها لا الصّلاة المرجوحة المفضولة «٤» . كما كان أجر فضل صلاة الله- أعلى رتبة من فضل صلاة الإنسان بنفسه، فقد كان هذا الفضل- الحاصل بصلاة الله- عائدا على الإنسان له فائدة وأجر أعظم.

стр. 655

مواطن الصّلاة على رسول الله ﷺ (١) في آخر التّشهّد «١» : عن أبي مسعود عقبة بن عمرو الأنصاريّ- ﵁ قال: أتانا رسول الله ﷺ ونحن في مجلس سعد بن عبادة- ﵁ فقال له بشير بن سعد- ﵁: قد أمرنا الله أن نصلّي عليك، فكيف نصلّي عليك؟ قال: «قولوا: اللهمّ صلّ على محمّد، وعلى آل محمّد، كما صلّيت على آل إبراهيم، وبارك على محمّد، وعلى آل محمّد، كما باركت على آل إبراهيم، والسّلام كما علمتم» «٢» . وزاد ابن خزيمة فيه: «فكيف نصلّي عليك إذا نحن صلّينا في صلاتنا ... » الحديث. عن فضالة بن عبيد- ﵁ أنّ النّبيّ ﷺ ، سمع رجلا يدعو في صلاته فلم يصلّ على النّبيّ ﷺ ، فقال النّبيّ ﷺ : «عجل هذا» ثمّ دعاه فقال له أو لغيره: «إذا صلّى أحدكم فليبدأ بتحميد الله والثّناء عليه، ثمّ ليصلّ على النّبيّ ﷺ ، ثمّ ليدع بعد بما شاء» «٣» . عن ابن عمر- ﵄ مرفوعا، قال: «لا تكون صلاة إلّا بقراءة وتشهّد وصلاة عليّ» «٤» . (٢) في صلاة الجنازة بعد التّكبيرة الثّانية: عن أبي أمامة «٥» بن سهل أنّه أخبره رجل من أصحاب النّبيّ ﷺ ، أنّ السّنّة «٦» في الصّلاة على الجنازة أن

стр. 656

يكبّر الإمام، ثمّ يقرأ بفاتحة الكتاب بعد التّكبيرة الأولى سرّا في نفسه، ثمّ يصلّي على النّبيّ ﷺ ، ويخلص الدّعاء للجنازة في التّكبيرات لا يقرأ في شيء منهنّ، ثمّ يسلّم سرّا في نفسه «١» . عن سعيد بن المسيّب- ﵀ قال: «إنّ السّنّة في صلاة الجنازة أن يقرأ بفاتحة الكتاب، ويصلّي على النّبيّ ﷺ ، ثمّ يخلص الدّعاء للميّت حتّى يفرغ، ولا يقرأ إلّا مرّة واحدة، ثمّ يسلّم في نفسه» «٢» . عن أبي سعيد المقبريّ أنّه سأل أبا هريرة- ﵁: كيف نصلّي على الجنازة؟ فقال أبو هريرة- ﵁: أنا لعمر الله أخبرك، أتبعها من أهلها، فإذا وضعت كبّرت وحمدت الله تعالى وصلّيت على نبيّه ﷺ ، ثمّ أقول: اللهمّ إنّه عبدك وابن عبدك وابن أمتك كان يشهد أن لا إله إلّا أنت، وأنّ محمّدا عبدك ورسولك، وأنت أعلم به، اللهمّ إن كان محسنا فزد في إحسانه، وإن كان مسيئا، فتجاوز عن سيّئاته، اللهمّ لا تحرمنا أجره، ولا تفتنّا بعده» «٣» . (٣) في الخطب: كخطبة الجمعة، والعيدين، وغيرهما: عن عون بن أبي جحيفة قال: كان أبي من شرط «٤» عليّ، وكان تحت المنبر، فحدّثني أنّه صعد المنبر- يعني عليّا- ﵁ فحمد الله، وأثنى عليه، وصلّى على النّبيّ ﷺ ، وقال: خير هذه الأمّة بعد نبيّها أبو بكر، والثّاني عمر، وقال: يجعل الله الخير حيث شاء» «٥» . عن عبد الله بن مسعود- ﵁ أنّه كان يقول بعد ما يفرغ من خطبة الصّلاة ويصلّي على النّبيّ ﷺ : «اللهمّ حبّب إلينا الإيمان وزيّنه في قلوبنا وكرّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الرّاشدون، اللهمّ بارك لنا في أسماعنا وأبصارنا وأزواجنا وقلوبنا وذرّيّاتنا» . (٤) بعد الأذان: روى مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن عمرو- ﵄ أنّه سمع رسول الله ﷺ يقول: «إذا سمعتم المؤذّن فقولوا مثل ما يقول، ثمّ صلّوا عليّ فإنّه من صلّى عليّ صلاة صلّى الله عليه بها عشرا، ثمّ سلوا الله

стр. 657

لي الوسيلة فإنّها منزلة في الجنّة لا تنبغي إلّا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلّت له الشّفاعة» «١» . (٥) عند الدّعاء: وله ثلاثة مراتب: إحداها: أن يصلّي عليه قبل الدّعاء وبعد حمد الله تعالى. المرتبة الثّانية: أن يصلّي عليه في أوّل الدّعاء وأوسطه وآخره. والثّالثة: أن يصلّي عليه في أوّله وآخره، ويجعل حاجته متوسّطة بينهما. فأمّا المرتبة الأولى، فالدّليل عليها حديث فضالة بن عبيد- ﵁ قال: سمع رسول الله ﷺ رجلا يدعو في صلاته فلم يصلّ على النّبيّ ﷺ ، فقال النّبيّ ﷺ : «عجل هذا» ، ثمّ دعاه فقال له ولغيره: «إذا صلّى أحدكم فليبدأ بتحميد الله والثّناء عليه، ثمّ ليصلّ على النّبيّ ﷺ ثمّ ليدع بعد بما شاء» وقد تقّدم «٢» . عن عبد الله بن مسعود- ﵁ قال: كنت أصلّي والنّبيّ ﷺ وأبو بكر وعمر معه، فلمّا جلست بدأت بالثّناء على الله تعالى، ثمّ بالصّلاة على النّبيّ ﷺ ثمّ دعوت لنفسي، فقال النبيّ ﷺ : «سل تعطه سل تعطه» «٣» . عن عبد الله بن مسعود- ﵁ قال: «إذا أراد أحدكم أن يسأل الله تعالى فليبدأ بحمده والثّناء عليه بما هو أهله، ثمّ يصلّي على النّبيّ ﷺ ، ثمّ يسأل بعد، فإنّه أجدر أن ينجح أو يصيب» «٤» . وعن عليّ- ﵁ ما من دعاء إلّا بينه وبين الله حجاب حتّى يصلّي على محمّد ﷺ ، فإذا صلّى على النّبيّ ﷺ ، انخرق الحجاب، واستجيب الدّعاء، وإذا لم يصلّ على النّبيّ ﷺ ، لم يستجب الدّعاء» «٥» . قال المؤلّف: وهذه المواطن الّتي تقدّمت كلّها شرعت الصّلاة على النّبيّ ﷺ فيها أمام الدّعاء، فمفتاح

стр. 658

الدّعاء: الصّلاة على النّبيّ ﷺ ، كما أنّ مفتاح الصّلاة الطّهور. والصّلاة على النّبيّ ﷺ ، بمنزلة الفاتحة من الصّلاة، فصلّى الله عليه وعلى آله وسلّم تسليما. قال أحمد بن أبي الحواريّ: سمعت أبا سليمان الدّارانيّ يقول: «من أراد أن يسأل الله حاجته، فليبدأ بالصّلاة على النّبيّ ﷺ ، وليسأل حاجته، وليختم بالصّلاة على النّبيّ ﷺ ، فإنّ الصّلاة على النّبيّ ﷺ مقبولة، والله أكرم أن يردّ ما بينهما. (٦) عند دخول المسجد والخروج منه: عن أبي هريرة- ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: «إذا دخل أحدكم المسجد، فليسلّم على النّبيّ ﷺ ، وليقل: اللهمّ افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج، فليسلّم على النّبيّ ﷺ وليقل: اللهمّ أجرني من الشّيطان الرّجيم» «١» . وفي المسند والتّرمذيّ، وسنن ابن ماجه من حديث فاطمة بنت الحسين عن جدّتها فاطمة الكبرى قالت: كان رسول الله ﷺ إذا دخل المسجد قال: «اللهمّ صلّ على محمّد وسلّم، اللهمّ اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج قال مثل ذلك، إلّا أنّه يقول: أبواب فضلك» ولفظ التّرمذيّ: كان رسول الله ﷺ إذا دخل المسجد صلّى على محمّد وسلّم «٢» . (٧) على الصّفا والمروة: عن ابن عمر- ﵄ أنّ النّبيّ ﷺ كان يكبّر على الصّفا ثلاثا يقول: «لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كلّ شيء قدير، ثمّ يصلّي على النّبيّ ﷺ ، ثمّ يدعو، ويطيل القيام والدّعاء، ثمّ يفعل على المروة مثل ذلك» وهذا من توابع الدّعاء أيضا «٣» . وعن وهب بن الأجدع قال: سمعت عمر بن الخطّاب- ﵁ يخطب النّاس بمكّة يقول: «إذا قدم الرّجل منكم حاجّا، فليطف بالبيت سبعا، وليصلّ عند المقام ركعتين، ثمّ يستلم الحجر الأسود، ثمّ يبدأ بالصّفا، فيقوم عليها، ويستقبل البيت فيكبّر سبع تكبيرات، بين كلّ تكبير حمد الله وثناء عليه، وصلاة على النّبيّ ﷺ ، ومسألة لنفسه، وعلى المروة مثل ذلك» «٤» .

стр. 659

(٨) عند اجتماع القوم وقبل تفرّقهم: عن جابر- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما اجتمع قوم ثمّ تفرّقوا عن غير ذكر الله وصلاة على النّبيّ ﷺ ، إلّا قاموا عن أنتن من جيفة» » . عن أبي هريرة- ﵁ عن النّبيّ ﷺ ، قال: «ما جلس قوم مجلسا لم يذكروا الله فيه ولم يصلّوا على نبيّهم إلّا كان عليهم ترة «٢» فإن شاء عذّبهم وإن شاء غفر لهم» «٣» . عن أبي هريرة- ﵁ عن النّبيّ ﷺ ، قال: «ما قعد قوم مقعدا لا يذكرون الله ويصلّون على النّبيّ ﷺ ، إلّا كان عليهم حسرة يوم القيامة وإن دخلوا الجنّة للثّواب» «٤» . (٩) عند ورود ذكره صلوات الله وسلامه عليه: عن أنس بن مالك- ﵁ أنّ رسول الله ﷺ ، قال: «من ذكرت عنده فليصلّ عليّ فإنّه من صلّى عليّ مرّة صلّى الله عليه عشرا» «٥» . وعن كعب بن عجرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «احضروا المنبر» فحضرنا فلمّا ارتقى درجة قال: «آمين» . فلمّا ارتقى الثّانية قال: «آمين» . فلمّا ارتقى الدّرجة الثّالثة قال: «آمين» . فلمّا نزل قلنا يا رسول الله! لقد سمعنا منك اليوم شيئا ما كنّا نسمع، قال: «إنّ جبريل عرض لي، فقال: بعد من أدرك رمضان فلم يغفر له، قلت: آمين، فلمّا رقيت الثّانية قال: بعد من ذكرت عنده فلم يصلّ عليك، فقلت: آمين، فلمّا رقيت الثّالثة،

стр. 660

قال: بعد من أدرك أبويه الكبر عنده أو أحدهما فلم يدخلاه الجنّة. قلت: آمين» «١» . وعن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «رغم «٢» أنف رجل ذكرت عنده فلم يصلّ عليّ، ورغم أنف رجل دخل عليه رمضان ثمّ انسلخ قبل أن يغفر له، ورغم أنف رجل أدرك عنده أبواه الكبر فلم يدخلاه الجنّة» «٣» . عن الحسين بن عليّ بن أبي طالب- ﵄ عن النّبيّ ﷺ قال: «بخيل من ذكرت عنده فلم يصلّ عليّ» «٤» . (١٠) عند طرفي النّهار: عن أبي الدّرداء- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من صلّى عليّ حين يصبح وحين يمسي عشرا، أدركته شفاعتي يوم القيامة» «٥» . (١١) عند الوقوف على قبره ﷺ : عن عبد الله بن دينار قال: رأيت عبد الله بن عمر يقف على قبر النّبيّ ﷺ ، فيصلّي على النّبيّ ﷺ ، ويدعو لأبي بكر وعمر- ﵄ «٦» . (١٢) عند الخروج إلى السّوق، أو إلى دعوة أو نحوها: قال ابن أبي حاتم: حدّثنا أبو سعيد بن يحيى بن سعيد القطّان، حدّثنا محمّد بن بشر، حدّثنا مسعر، حدّثنا عامر بن شقيق، عن أبي وائل قال: «ما رأيت عبد الله جلس في مأدبة ولا جنازة ولا غير ذلك، فيقوم حتّى يحمد الله، ويثني عليه، ويصلّي على النّبيّ ﷺ ، ويدعو بدعوات. وإن كان يخرج إلى السّوق، فيأتي أغفلها مكانا، فيجلس، فيحمد الله، ويصلّي على النّبيّ ﷺ ، ويدعو بدعوات» «٧» .

стр. 661

(١٣) في صلاة العيد: عن علقمة أنّ ابن مسعود وأبا موسى وحذيفة: خرج عليهم الوليد بن عقبة قبل العيد يوما فقال لهم: «إنّ هذا العيد قد دنا فكيف التّكبير فيه؟» قال عبد الله: «تبدأ فتكبّر تكبيرة تفتتح بها الصّلاة وتحمد ربّك، وتصلّي على النّبيّ ﷺ ، ثمّ تدعو وتكبّر وتفعل مثل ذلك، ثمّ تكبّر وتفعل مثل ذلك، ثمّ تقرأ، ثمّ تكبّر وتركع، ثمّ تقوم وتقرأ وتحمد ربّك وتصلّي على النّبيّ ﷺ ، ثمّ تدعو وتكبّر، وتفعل مثل ذلك، ثمّ تكبّر وتفعل مثل ذلك، ثمّ تكبّر وتفعل مثل ذلك، ثمّ تركع» . فقال حذيفة وأبو موسى: «صدق أبو عبد الرّحمن» «١» . (١٤) يوم الجمعة وليلتها: عن أوس بن أوس- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ من أفضل أيّامكم يوم الجمعة: فيه خلق آدم، وفيه قبض، وفيه النّفخة، وفيه الصّعقة، فأكثروا عليّ من الصّلاة فيه، فإنّ صلاتكم معروضة عليّ» قال: قالوا يا رسول الله، وكيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت «٢» ؟ يقولون بليت، فقال: «إنّ الله حرّم على الأرض أجساد الأنبياء» «٣» . عن أنس ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «أكثروا الصّلاة عليّ يوم الجمعة وليلة الجمعة، فمن صلّى عليّ صلاة صلّى الله عليه بها عشرا» «٤» . عن أبي مسعود الأنصاريّ- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أكثروا الصّلاة عليّ في يوم الجمعة، فإنّه ليس أحد يصلّي عليّ يوم الجمعة إلّا عرضت عليّ صلاته» «٥» . (١٥) عند ختم القرآن: قال ابن القيّم- ﵀: من مواطن الصّلاة عليه ﷺ ، عقب ختم القرآن، وهذا لأنّ

стр. 662

المحلّ محلّ دعاء، وقد نصّ الإمام أحمد- ﵀ على الدّعاء عقيب الختمة، وفي رواية أبي الحارث: «كان أنس- ﵁ إذا ختم القرآن جمع أهله وولده» ، وإذا كان هذا من أكبر مواطن الدّعاء وأحقّها بالإجابة فهو من أكبر مواطن الصّلاة على النّبيّ ﷺ » «١» . (١٦) عند القراءة: قال الإمام أحمد بن حنبل- ﵀: إذا مرّ المصلّي بآية فيها ذكر النّبيّ ﷺ ، فإن كان في نفل صلّى عليه ﷺ «٢» . قال ابن سنان: سمعت عبّاس العنبريّ وعليّ ابن المدينيّ يقولان: ما تركنا الصّلاة على النّبيّ ﷺ ، في كلّ حديث سمعناه «٣» . قال عبد الله بن عمرو- ﵄ حدّثني بعض إخواني ممّن أثق بهم قال: رأيت رجلا من أهل الحديث في المنام، فقلت: ماذا فعل الله بك؟ قال: رحمني أو غفر لي، قلت: وبم ذلك؟ قال: إنّي كنت إذا أتيت على اسم النّبيّ ﷺ ، كتبت « ﷺ » «٤» . قال سفيان الثّوريّ: لو لم يكن لصاحب الحديث فائدة إلّا الصّلاة على رسول الله ﷺ ، لكفته فإنّه يصلّي عليه ما دام في ذلك الكتاب ﷺ » «٥» . (١٧) عند الهمّ، والشّدائد، وطلب المغفرة: عن أبيّ بن كعب- ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ ، إذا ذهب ثلثا اللّيل قام فقال: «يا أيّها النّاس، اذكروا الله، جاءت الرّاجفة تتبعها الرّادفة، جاء الموت بما فيه، جاء الموت بما فيه» . قال أبيّ: قلت: يا رسول الله إنّي أكثر الصّلاة عليك، فكم أجعل لك في صلاتي؟ فقال: «ما شئت» . قال: قلت: الرّبع؟ قال: «ما شئت، فإن زدت فهو خير لك» . قلت: النّصف؟ قال: «ما شئت، فإن زدت فهو خير لك» . قال: قلت: فالثّلثين؟ قال: «ما شئت، فإن زدت فهو خير لك» . قلت: أجعل لك صلاتي كلّها؟ قال: «إذا تكفى همّك ويغفر لك ذنبك» «٦» . والمعنى أنّ من يجعل دعاءه صلاة على النّبيّ ﵊ يكفيه الله ما أهمّه من أمر دينه ودنياه.

стр. 663

(١٨) عند خطبة الرّجل المرأة في النّكاح: عن ابن عبّاس- ﵄ في قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ.. «١» الآية.. قال: يعني أنّ الله تعالى يثني على نبيّكم، ويغفر له، وأمر الملائكة بالاستغفار له يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ أثنوا عليه في صلاتكم، وفي مساجدكم، وفي كلّ موطن، وفي خطبة النّساء فلا تنسوه. (١٩) الصّلاة في كلّ مكان: عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تجعلوا بيوتكم قبورا. ولا تجعلوا قبري عيدا. وصلّوا عليّ فإنّ صلاتكم معروضة تبلغني حيث كنتم» «٢» . (٢٠) آخر القنوت: عن عبد الله بن الحارث أنّ أبا حليمة معاذا «٣» كان يصلّي على النّبيّ ﷺ ، في القنوت. قال ابن القيّم- ﵀: وهو مستحبّ في قنوت رمضان.

стр. 664

فضائل الصّلاة على رسول الله ﷺ (١) صلاة بصلوات: عن أبي هريرة- ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: «من صلّى عليّ واحدة صلّى الله عليه عشرا» «١» . وعن أنس بن مالك- ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: «من ذكرت عنده فليصلّ عليّ، ومن صلّى عليّ مرّة صلّى الله عليه عشرا» «٢» . وعن عامر بن ربيعة- ﵁ قال: سمعت النّبيّ ﷺ يقول: «ما من عبد يصلّي عليّ إلّا صلّت عليه الملائكة ما دام يصلّي عليّ، فليقلّ العبد من ذلك أو ليكثر» «٣» . وعن عبد الله بن عمرو بن العاص- ﵄ قال: «من صلّى على رسول الله ﷺ صلاة صلّى الله عليه وملائكته سبعين صلاة فليقلّ من ذلك أو ليكثر» «٤» . (٢) رفع للدّرجات وحطّ للسّيّئات: فعن أبي طلحة الأنصاريّ- ﵁ قال: أصبح رسول الله ﷺ يوما طيّب النّفس يرى في وجهه البشر. قالوا: يا رسول الله: أصبحت اليوم طيّب النّفس يرى في وجهك البشر. قال: «أجل، أتاني آت من عند ربّي ، فقال: من صلّى عليك من أمّتك صلاة، كتب الله له بها عشر حسنات، ومحا عنه عشر سيّئات، ورفع له عشر درجات، وردّ عليه مثلها» «٥» . وعن أنس بن مالك- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من صلّى عليّ صلاة واحدة صلّى الله عليه عشر صلوات وحطّ عنه عشر خطيئات ورفعت له عشر درجات» «٦» . (٣) كفاية الهموم ومغفرة الذّنوب: عن أبيّ بن كعب- ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ ، إذا ذهب ثلثا اللّيل قام فقال: «يا أيّها

стр. 665

النّاس، اذكروا الله، جاءت الرّاجفة تتبعها الرّادفة، جاء الموت بما فيه، جاء الموت بما فيه» . قال أبيّ: قلت: يا رسول الله إنّي أكثر الصّلاة عليك، فكم أجعل لك من صلاتي» ؟ فقال: «ما شئت» . قال: قلت: الرّبع؟ قال: «ما شئت، فإن زدت فهو خير لك» . قلت: النّصف؟ قال: «ما شئت، فإن زدت فهو خير لك» . قال: قلت: فالثّلثين؟ قال: «ما شئت، فإن زدت فهو خير لك» . قلت: أجعل لك صلاتي كلّها؟ قال: «إذا تكفى همّك ويغفر لك ذنبك» «٢» . (٤) سبب لنيل شفاعته ﷺ : عن عبد الله بن عمرو بن العاص- ﵄ أنّه سمع النّبيّ ﷺ يقول: «إذا سمعتم المؤذّن فقولوا مثل ما يقول، ثمّ صلّوا عليّ فإنّه من صلّى عليّ صلاة صلّى الله عليه بها عشرا، ثمّ سلوا الله لي الوسيلة فإنّها منزلة في الجنّة، لا تنبغي إلّا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلّت له الشّفاعة» «٣» . عن أبي الدّرداء- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من صلّى عليّ حين يصبح عشرا وحين يمسي عشرا، أدركته شفاعتي يوم القيامة» «٤» . عن رويفع بن ثابت ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «من صلّى على محمّد وقال: اللهمّ أنزله المقعد المقرّب عندك يوم القيامة وجبت له شفاعتي» «٥» . (٥) سبب لعرض اسم المصلّي على رسول الله ﷺ : فعن أبي بكر الصّدّيق- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أكثروا الصّلاة عليّ، فإنّ الله وكّل بي ملكا عند قبري، فإذا صلّى عليّ رجل من أمّتي، قال لي ذلك الملك، يا محمّد إنّ فلان بن فلان صلّى عليك السّاعة» «٦» . وعن عمّار بن ياسر- ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ لله تعالى ملكا أعطاه سمع

стр. 666

العباد، فليس من أحد يصلّي عليّ إلّا أبلغنيها، وإنّي سألت ربّي أن لا يصلّي عليّ عبد صلاة إلّا صلّى عليه عشر أمثالها» «١» . وعن ابن مسعود- ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: «إنّ لله تعالى ملائكة سيّاحين في الأرض يبلّغوني من أمّتي السّلام» «٢» . (٦) طهرة من لغو المجلس: عن جابر- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما اجتمع قوم ثمّ تفرّقوا عن غير ذكر الله وصلاة على النّبيّ ﷺ ، إلّا قاموا عن أنتن من جيفة» «٣» . عن أبي هريرة- ﵁ عن النّبيّ ﷺ ، قال: «ما جلس قوم مجلسا لم يذكروا الله فيه ولم يصلّوا على نبيّهم إلّا كان عليهم ترة «٤» فإن شاء عذّبهم وإن شاء غفر لهم» «٥» . عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما قعد قوم مقعدا لا يذكرون الله ويصلّون على النّبيّ ﷺ ، إلّا كان عليهم حسرة يوم القيامة وإن دخلوا الجنّة للثّواب» «٦» . (٧) سبب في إجابة الدّعاء: عن عليّ بن أبي طالب- ﵁ قال: «كلّ دعاء محجوب حتّى يصلّى على النّبيّ ﷺ » «٧» . (٨) انتفاء الوصف بالبخل والجفاء: عن الحسين بن عليّ بن أبي طالب- ﵄ عن النّبيّ ﷺ قال: «البخيل من ذكرت عنده فلم يصلّ عليّ» «٨» .

стр. 667

وعن أبي ذرّ- ﵁ أنّ رسول الله ﷺ ، قال: «إنّ أبخل النّاس من ذكرت عنده فلم يصلّ عليّ» «١» . وعن الحسن البصري- ﵀ قال: قال رسول الله ﷺ : «بحسب امرىء من البخل أن أذكر عنده فلا يصلّي عليّ» «٢» . وعن قتادة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من الجفاء «٣» أن أذكر عند رجل فلا يصلّي عليّ» «٤» . (٩) دليل إلى الجنّة: عن ابن عبّاس- ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «من نسي «٥» الصّلاة عليّ خطىء طريق الجنّة» «٦» . وعن أبي جعفر محمّد بن عليّ الباقر- ﵀ قال: قال رسول الله ﷺ : «من ذكرت عنده فلم يصلّ عليّ فقد خطىء طريق الجنّة» «٧» .

стр. 668

الفوائد والثّمرات الحاصلة بالصّلاة عليه ﷺ قال المؤلّف- ﵀: ومن الفوائد والثّمرات الحاصلة بالصّلاة عليه ﷺ : الأولى: امتثال أمر الله . الثّانية: موافقته سبحانه في الصّلاة عليه ﷺ ، وإن اختلفت الصّلاتان. الثّالثة: موافقة ملائكته فيها. الرّابعة: حصول عشر صلوات من الله على المصلّي مرّة. الخامسة: أنّه يرفع له عشر درجات. السّادسة: أنّه يكتب له عشر حسنات. السّابعة: أنّه يمحى عنه عشر سيّئات. الثّامنة: أنّه يرجى إجابة دعائه إذا قدّمها أمامه، فهي تصاعد الدّعاء إلى عند ربّ العالمين. التّاسعة: أنّها سبب لشفاعته ﷺ إذا قرنها بسؤال الوسيلة له، أو أفردها. العاشرة: أنّها سبب لغفران الذّنوب. الحادية عشرة: أنّها سبب لكفاية الله العبد ما أهمّه. الثّانية عشرة: أنّها سبب لقرب العبد منه ﷺ يوم القيامة. الثّالثة عشرة: أنّها تقوم مقام الصّدقة لذي العسرة. الرّابعة عشرة: أنّها سبب لقضاء الحوائج. الخامسة عشرة: أنّها سبب لصلاة الله على المصلّي وصلاة ملائكته عليه. السّادسة عشرة: أنّها زكاة للمصلّي وطهارة له. السّابعة عشرة: أنّها سبب لتبشير العبد بالجنّة قبل موته. الثّامنة عشرة: أنّها سبب للنّجاة من أهوال يوم القيامة. التّاسعة عشرة: أنّها سبب لردّ النّبيّ ﷺ الصّلاة والسّلام على المصلّي والمسلّم عليه. العشرون: أنّها سبب لتذكّر العبد ما نسيه كما تقدّم. الحادية والعشرون: أنّها سبب لطيب المجلس، وأن لا يعود حسرة على أهله يوم القيامة. الثّانية والعشرون: أنّها سبب لنفي الفقر كما تقدّم. الثّالثة والعشرون: أنّها تنفي عن العبد اسم البخل إذا صلّى عليه عند ذكره ﷺ .

стр. 669

الرّابعة والعشرون: أنّها ترمي صاحبها على طريق الجنّة وتخطىء بتاركها عن طريقها. الخامسة والعشرون: أنّها تنجي من نتن المجلس الّذي لا يذكر فيه الله ورسوله ويحمد ويثنى عليه فيه، ويصلّى على رسوله ﷺ . السّادسة والعشرون: أنّها سبب لتمام الكلام الّذي ابتدىء بحمد الله والصّلاة على رسوله. السّابعة والعشرون: أنّها سبب لوفور نور العبد على الصّراط. الثّامنة والعشرون: أنّه يخرج بها العبد عن الجفاء. التّاسعة والعشرون: أنّها سبب لإبقاء الله سبحانه الثّناء الحسن للمصلّي عليه بين أهل السّماء والأرض، لأنّ المصلّي طالب من الله أن يثني على رسوله ويكرّمه ويشرّفه، والجزاء من جنس العمل، فلا بدّ أن يحصل للمصلّي نوع من ذلك. الثّلاثون: أنّها سبب للبركة في ذات المصلّي وعمله وعمره وأسباب مصالحه، لأنّ المصلّي داع ربّه أن يبارك عليه وعلى آله، وهذا الدّعاء مستجاب، والجزاء من جنسه. الحادية والثّلاثون: أنّها سبب لنيل رحمة الله له، لأنّ الرحمة إمّا بمعنى الصّلاة كما قاله طائفة، وإمّا من لوازمها وموجباتها على القول الصّحيح، فلا بدّ للمصلّي عليه من رحمة تناله. الثّانية والثّلاثون: أنّها سبب لدوام محبّته للرّسول ﷺ وزيادتها وتضاعفها، وذلك عقد من عقود الإيمان الّذي لا يتمّ إلّا به، لأنّ العبد كلّما أكثر من ذكر المحبوب واستحضاره في قلبه واستحضار محاسنه ومعانيه الجالبة لحبّه تضاعف حبّه له وتزايد شوقه إليه، واستولى على جميع قلبه، وإذا أعرض عن ذكره وإحضاره وإحضار محاسنه بقلبه، نقص حبّه من قلبه، ولا شيء أقرّ لعين المحبّ من رؤية محبوبه، ولا أقرّ لقلبه من ذكره وإحضار محاسنه، فإذا قوي هذا في قلبه، جرى لسانه بمدحه والثّناء عليه، وذكر محاسنه، وتكون زيادة ذلك ونقصانه بحسب زيادة الحبّ ونقصانه في قلبه، والحسّ شاهد بذلك. الثّالثة والثّلاثون: أنّ الصّلاة عليه ﷺ سبب لمحبّته للعبد، فإنّها إذا كانت سببا لزيادة محبّة المصلّى عليه له، فكذلك هي سبب لمحبّته هو للمصلّي عليه ﷺ . الرّابعة والثّلاثون: أنّها سبب لهداية العبد وحياة قلبه، فإنّه كلّما أكثر الصّلاة عليه ﷺ وذكره، استولت محبّته على قلبه، حتّى لا يبقى في قلبه معارضة لشيء من أوامره، ولا شكّ في شيء ممّا جاء به، بل يصير ما جاء به مكتوبا مسطورا في قلبه، لا زال يقرؤه على تعاقب أحواله، ويقتبس الهدى والفلاح وأنواع العلوم منه، وكلّما ازداد في ذلك بصيرة وقوّة معرفة، ازدادت صلاته عليه ﷺ . الخامسة والثّلاثون: أنّها سبب لعرض اسم المصلّي عليه ﷺ وذكره عنده.

стр. 670

السّادسة والثّلاثون: أنّها سبب لتثبيت القدم على الصّراط، والجواز عليه، لحديث عبد الرّحمن بن سمرة الّذي رواه عنه سعيد بن المسيّب في رؤيا النّبيّ ﷺ وفيه: «ورأيت رجلا من أمّتي يزحف على الصّراط ويحبو أحيانا ويتعلّق أحيانا، فجاءته صلاته عليّ فأقامته على قدميه وأنقذته» «١» . السّابعة والثّلاثون: أنّ الصّلاة عليه ﷺ أداء لأقلّ القليل من حقّه، مع أنّ الّذي يستحقّه لا يحصى علما ولا قدرة، ولا إرادة، ولكنّ الله سبحانه لكرمه رضي من عباده باليسير من شكره وأداء حقّه. الثّامنة والثّلاثون: أنّها متضمّنة لذكر الله تعالى وشكره، ومعرفة إنعامه على عبيده بإرساله، فالمصلّي عليه ﷺ قد تضمّنت صلاته عليه ذكر الله وذكر رسوله، وسؤاله أن يجزيه بصلاته عليه ما هو أهله كما عرّفتنا ربّنا وأسماءه وصفاته، وهدانا الله بها إلى طريق مرضاته، وعرّفنا ﷻ ما لنا بعد الوصول إليه، والقدوم عليه، فهي متضمّنة لكلّ الإيمان، بل هي متضمّنة للإقرار بوجوب الرّبّ المدعوّ وعلمه وسمعه وقدرته وإرادته وحياته وكلامه، وإرسال رسوله، وتصديقه في أخباره كلّها، وكمال محبّته، ولا ريب أنّ هذه هي أصول الإيمان، فالصّلاة عليه ﷺ متضمّنة لعلم العبد ذلك، وتصديقه به، ومحبّته له، فكانت من أفضل الأعمال. التّاسعة والثّلاثون: أنّ الصّلاة عليه ﷺ من العبد هي دعاء، ودعاء العبد وسؤاله من ربّه نوعان: أحدهما: سؤاله حوائجه ومهمّاته وما ينوبه في اللّيل والنّهار، فهذا دعاء وسؤال، وإيثار لمحبوب العبد ومطلوبه. والثّاني: سؤاله أن يثني على خليله وحبيبه، ويزيد في تشريفه وتكريمه وإيثاره ذكره، ورفعه، ولا ريب أنّ الله تعالى يحبّ ذلك ورسوله يحبّه، فالمصلّي عليه ﷺ قد صرف سؤاله ورغبته وطلبه إلى محابّ الله ورسوله، وآثر ذلك على طلبه حوائجه ومحابّه هو، بل كان هذا المطلوب من أحبّ الأمور إليه وآثرها عنده، فقد آثر ما يحبّه الله ورسوله على ما يحبّه هو، فقد آثر الله ومحابّه على ما سواه، والجزاء من جنس العمل. فمن آثر الله على غيره، آثر الله على غيره.
следующие страницы →