← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 22798

نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (6 530 стр.). Показаны 6021–6060 · переход к 6026.

стр. 6021

من مضار (القتل) (١) في القتل- بغير حقّ- اعتداء على المجتمع كلّه. (٢) القتل مجلبة لسخط الرّبّ تعالى. (٣) من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنّما قتل النّاس جميعا وفي ذلك ما فيه من تغليظ الجرم وبشاعة الذّنب. (٤) من قتل مؤمنا متعمّدا فجزاؤه جهنّم خالدا فيها. (٥) القتل من أكبر الكبائر. (٦) المنتحر قاتل للنّفس الّتي حرّم الله تعالى قتلها وهو من أهل النّار. (٧) حرص المسلم على قتل أخيه يجعله في النّار حتّى وإن لم يقتله فعلا. (٨) قتال المسلمين فيما بينهم جرم عظيم يصل بهم إلى الكفر. (٩) القتل من عادات الجاهليّة الّتي نهى عنها الإسلام. (١٠) القاتل يضيّق عليه في الدّنيا والآخرة. (١١) من حمل السّلاح على المسلمين فليس منهم وقد برئت منه ذمّة الله ورسوله.

стр. 6022

القدوة السيئة القدوة لغة: القدوة هي الاسم من الاقتداء، وكلاهما مأخوذ من مادّة (ق د و) الّتي تدلّ على اقتياس بالشّيء واهتداء، ومقادرة للشّيء حتّى يؤتى به مساويا لغيره، يقول ابن فارس: ومن ذلك قولهم: هذا قدى رمح أي قيسه، وفلان قدوة أي يقتدى به، ومن الباب: فلان يقدو به فرسه، إذا لزم سنن السّيرة، وإنّما سمّي ذلك قدوا لأنّه تقدير في السّيرة، وتقدّى فلان على دابّته، إذا سار سيرة على استقامة، وقيل: القدو (بالكسر) هو الأصل الّذي يتشعّب منه الفروع «١» . وقال الجوهريّ: القدوة: الإسوة، يقال: فلان قدوة يقتدى به، وقد يضمّ فيقال: لي بك قدوة وقدوة وقدة، ويقال: خذ في هديتك وقديتك. أي فيما كنت فيه، وأتتنا قادية من النّاس، أي جماعة قليلة وهم أوّل من يطرأ عليك، وقال الفيروز آباديّ: القدوة مثلّثة، وكعدة: ما تسنّنت به، والقدوى: الاستقامة، وقال ابن منظور: القدو هو أصل البناء الّذي يتشعّب منه تصريف الاقتداء (أي أنّ أصل المادّة (ق د و) ، والقدة كالقدوة وجمع القدوة قدى، وقال ابن الأعرابيّ: القدوة: التّقدّم، يقال: فلان لا يقاديه أحد، ولا يماديه أحد، ولا يباريه أحد ولا يجاريه أحد، وذلك إذا برّز في الخلال كلّها، والقدية: الهدية، والقدو: القدوم من السّفر، والقدو أيضا القرب، وأقدى إذا استوى في طريق الدّين «٢» . القدوة اصطلاحا: قال المناويّ، القدوة: هي الاقتداء بالغير ومتابعته والتّأسّي به «٣» . والقدوة السّيّئة هي: الاقتداء بأهل الباطل ومتابعتهم والتّأسّي بهم في فعل السّيّئات وترك الحسنات «٤» . حكم القدوة السيئة: إنّ من يقتدى بشخص ويتّخذه إماما له فلا شكّ أنّه يحبّه ويتمنّى أن يصير مثله، ويؤدّي الاقتداء بأهل الباطل إلى محبّتهم والدّفاع عن سيّئاتهم

стр. 6023

وشرورهم، والابتعاد عن الصّالحين ويدفع هذا بصاحبه إلى ارتكاب كبيرة نصّ عليها الأئمّة، يقول ابن حجر: الكبيرة الرّابعة والخمسون: محبّة الظّلمة أو الفسقة بأيّ نوع كان فسقهم، قال: وعدّ هذا من الكبائر هو مادلّت عليه الأحاديث «١» . [للاستزادة: انظر صفات: الابتداع- اتباع الهوى- موالاة الكفار- انتهاك الحرمات- الإساءة التفريط والإفراط. وفي ضد ذلك: انظر صفات: الأسوة الحسنة- الاتباع- الولاء والبراء- الطاعة- تعظيم الحرمات- الأدب- الإخلاص- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر] .

стр. 6024

الآيات الواردة في «القدوة السيئة» ١- وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ (١٩) وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (٢٠) أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ (٢١) بَلْ قالُوا إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ (٢٢) وَكَذلِكَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ (٢٣) * قالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكُمْ قالُوا إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ (٢٤) فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٢٥) «١»

стр. 6025

الأحاديث الواردة في ذمّ (القدوة السيئة) معنى ١-* (عن ابن عبّاس- ﵄ أنّ النّبيّ ﷺ ، قال: «أبغض النّاس إلى الله ثلاثة: ملحد في الحرم، ومبتغ في الإسلام سنّة الجاهليّة، ومطّلب دم امرىء بغير حقّ ليهريق دمه» ) * «١» . ٢-* (عن عبد الرّحمن بن سمرة- ﵄ قال: قال النّبيّ ﷺ : «أعاذك الله من أمراء يكونون بعدي» . قال: وما هم يا رسول الله؟. قال: «من دخل عليهم فصدّقهم وأعانهم على جورهم فليس منّي ولا يرد عليّ الحوض. اعلم يا عبد الرّحمن، أنّ الصّيام جنّة، والصّلاة برهان. يا عبد الرّحمن، إنّ الله أبى عليّ أن يدخل الجنّة لحما نبت من سحت فالنّار أولى به» ) * «٢» . ٣-* (عن جابر بن عبد الله- ﵄ قال: إنّ النّبيّ ﷺ قال: «أعاذك الله يا كعب ابن عجرة من إمارة السّفهاء» . قال: وما إمارة السّفهاء؟ قال: «أمراء يكونون بعدي لا يقتدون بهداي، ولا يستنّون بسنّتي، فمن صدّقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم، فأولئك ليسوا منّي ولست منهم ولا يردون عليّ حوضي، ومن لم يصدّقهم بكذبهم ولم يعنهم على ظلمهم، فأولئك منّي وأنا منهم، وسيردون عليّ حوضي، يا كعب بن عجرة، الصّوم جنّة، والصّدقة تطفىء الخطيئة، والصّلاة قربان- أو قال: برهان-» ) * «٣» . ٤-* (عن أسامة بن زيد- ﵄ قال: قيل له: ألا تدخل على عثمان فتكلّمه؟ فقال: أترون أنّي لا أكلّمه إلّا أسمعكم «٤» ؟ والله لقد كلّمته فيما بيني وبينه. ما دون أن أفتتح أمرا لا أحبّ أن أكون أوّل من فتحه «٥» . ولا أقول لأحد يكون عليّ أميرا: إنّه خير النّاس بعدما سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يؤتى بالرّجل يوم القيامة فيلقى في النّار. فتندلق أقتاب بطنه «٦» . فيدور بها كما يدور الحمار بالرّحى. فيجتمع إليه أهل النّار. فيقولون: يا فلان، مالك؟ ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فيقول: بلى. قد كنت آمر بالمعروف ولا آتيه، وأنهى عن المنكر وآتيه» ) * «٧» . ٥-* (عن أبي واقد اللّيثيّ- ﵁

стр. 6026

أنّ رسول الله ﷺ لمّا خرج إلى خيبر مرّ بشجرة للمشركين يقال لها ذات أنواط «١» يعلّقون عليها أسلحتهم، فقالوا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال النّبيّ ﷺ : «سبحان الله، هذا كما قال قوم موسى: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة، والّذي نفسي بيده: لتركبنّ سنّة من كان قبلكم» ) * «٢» . وزاد رزين: «حذو النّعل بالنّعل، والقذّة «٣» بالقذّة، حتّى إن كان فيهم من أتى أمّه يكون فيكم، فلا أدري: أتعبدون العجل، أم لا؟» . ٦-* (عن أبي سعيد- ﵁ أنّ رسول الله ﷺ ؛ قال: «إنّ الشّيطان قال: وعزّتك يا ربّ لا أبرح أغوي عبادك مادامت أرواحهم في أجسادهم. فقال الرّبّ ﵎: وعزّتي وجلالي لا أزال أغفر لهم ما استغفروني» ) * «٤» . ٧-* (عن ثوبان- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ الله زوى لي الأرض» أو قال- «إنّ ربّي زوى «٥» لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وإنّ ملك أمّتى سيبلغ ما زوى لي منها وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض «٦» ، وإنّي سألت ربّي لأمّتى أن لا يهلكها بسنة «٧» بعامّة، ولا يسلّط عليهم عدوّا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم «٨» وإنّ ربّي قال لي: يا محمّد، إنّي إذا قضيت قضاء فإنّه لا يردّ، ولا أهلكهم بسنة بعامّة، ولا أسلّط عليهم عدوّا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، لو اجتمع عليهم من بين أقطارها، أو قال بأقطارها، حتّى يكون بعضهم يهلك بعضا، وحتّى يكون بعضهم يسبي بعضا، وإنّما أخاف على أمّتى الأئمّة المضلّين، وإذا وضع السّيف في أمّتي لم يرفع عنها إلى يوم القيامة، ولا تقوم السّاعة حتّى تلحق قبائل من أمّتي بالمشركين، وحتّى تعبد قبائل من أمّتي الأوثان، وإنّه سيكون في أمّتي كذّابون ثلاثون، كلّهم يزعم أنّه نبيّ، وأنا خاتم النّبيّين- لا نبيّ بعدي، ولا تزال طائفة من أمّتي على الحقّ- قال ابن عيسى: «ظاهرين» ثمّ اتّفقا- لا يضرّهم من خالفهم حتّي يأتي أمر الله» ) * «٩» .

стр. 6027

٨-* (عن عبد الله بن عمرو بن العاص- ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّ الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتّى إذا لم يبق عالما اتّخذ النّاس رؤوسا جهّالا، فسئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلّوا، وأضلّوا» ) * «١» . ٩-* (عن عبد الله بن مسعود- ﵁ قال: انتهيت إلى النّبيّ ﷺ وهو في قبّة من أدم حمراء في نحو من أربعين رجلا. فقال: «إنّه مفتوح لكم، وأنتم منصورون مصيبون، فمن أدرك ذلك منكم فليتّق الله وليأمر بالمعروف، ولينه عن المنكر وليصل رحمه، ومثل الّذي يعين قومه على غير الحقّ كمثل البعير يتردّى، فهو يمدّ بذنبه» ) * «٢» . ١٠-* (عن أبي موسى- ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: «إنّما مثل الجليس الصّالح والجليس السّوء، كحامل المسك، ونافخ الكير. فحامل المسك، إمّا أن يحذيك «٣» ، وإمّا أن تبتاع منه «٤» ، وإمّا أن تجد منه ريحا طيّبة. ونافخ الكير، إمّا أن يحرق ثيابك، وإمّا أن تجد ريحا خبيثة» ) * «٥» . ١١-* (عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «خصلتان من كانتا فيه كتبه الله شاكرا صابرا، ومن لم تكونا فيه لم يكتبه الله شاكرا ولا صابرا، من نظر في دينه إلى من هو فوقه فاقتدى به، ونظر في دنياه إلى من هو دونه فحمد الله على ما فضّله به عليه كتبه الله شاكرا صابرا، ومن نظر في دينه إلى من هو دونه، ونظر في دنياه إلى من فوقه فأسف على ما فاته منه لم يكتبه الله شاكرا ولا صابرا» ) * «٦» . ١٢-* (عن حذيفة بن اليمان- ﵄ يقول: كان النّاس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير. وكنت أسأله عن الشّرّ. مخافة أن يدركني. فقلت: يا رسول الله إنّا كنّا في جاهليّة وشرّ. فجاءنا الله بهذا الخير. فهل بعد هذا الخير شرّ؟ قال: «نعم» فقلت: هل بعد ذلك الشّرّ من خير؟ قال: «نعم. وفيه دخن «٧» » قلت: وما دخنه؟ قال: «قوم يستنّون بغير سنّتي. ويهدون بغير هديي «٨» ، تعرف منهم وتنكر» . فقلت: هل بعد ذلك الخير من شرّ؟ قال: «نعم. دعاة على أبواب جهنّم «٩» ، من أجابهم إليها قذفوه

стр. 6028

فيها» فقلت: يا رسول الله؛ صفهم لنا. قال «نعم. قوم من جلدتنا. ويتكلّمون بألسنتنا» قلت: يا رسول الله فما ترى إن أدركني ذلك؟ قال: «تلزم جماعة المسلمين وإمامهم» فقلت: فإن لم تكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: «فاعتزل تلك الفرق كلّها. ولو أن تعضّ على أصل شجرة، حتّى يدركك الموت، وأنت على ذلك» ) * «١» . ١٣-* (عن جرير- ﵁ قال: كناّ عند رسول الله ﷺ فى صدر النّهار. قال: فجاءه قوم حفاة عراة مجتابى النّمار «٢» أو العباء «٣» متقلّدى السّيوف عامّتهم من مضر، بل كلّهم من مضر، فتمعّر «٤» وجه رسول الله ﷺ لما رأى بهم من الفاقة. فدخل ثمّ خرج فأمر بلالا فأذّن وأقام فصلّى، ثمّ خطب، فقال: يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ إلى آخر الآية. إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً (النساء/ ١) . والآية الّتى فى الحشر: اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ (الآية/ ١٨) تصدّق رجل من ديناره، من درهمه، من ثوبه، من صاع برّه، من صاع تمره (حتّى قال) : «ولو بشقّ تمرة» قال: فجاء رجل من الأنصار بصرّة كادت كفّه تعجز عنها. بل قد عجزت قال: ثمّ تتابع النّاس حتّى رأيت كومين «٥» من طعام وثياب حتّى رأيت وجه رسول الله ﷺ يتهلّل «٦» كأنّه مذهبة «٧» فقال رسول الله ﷺ : «من سنّ فى الإسلام سنّة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سنّ فى الإسلام سنّة سيّئة، كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء» ) * «٨» . ١٤-* (عن عبد الله بن مسعود- رضي الله

стр. 6029

عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تقتل نفس ظلما «١» إلّا كان على ابن آدم الأوّل كفل «٢» من دمها لأنّه كان أوّل من سنّ القتل» ) * «٣» . ١٥-* (عن أبي هريرة- ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: «لا تقوم السّاعة حتّى تأخذ أمّتي بأخذ القرون «٤» قبلها شبرا بشبر، وذراعا بذراع» . فقيل: يا رسول الله، كفارس والرّوم؟ فقال: «ومن النّاس إلّا أولئك؟» ) * «٥» . ١٦-* (عن أبي سعيد الخدريّ- ﵁ عن النّبيّ ﷺ ؛ قال: «لتتّبعنّ سنن من كان قبلكم شبرا شبرا، وذراعا ذراعا حتّى لو دخلوا جحر ضبّ تبعتموهم» . قلنا: يا رسول الله، اليهود والنّصارى؟. قال: «فمن؟» ) * «٦» . ١٧-* (عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «ليأتينّ على أمّتي ما أتى على بني إسرائيل حذو النّعل بالنّعل «٧» ، حتّى إن كان منهم من أتى أمّه علانية، لكان في أمّتي من يصنع ذلك، وإنّ بني إسرائيل تفرّقت على ثنتين وسبعين ملّة، وتفترق أمّتي على ثلاث وسبعين ملّة، كلّهم في النّار، إلّا ملّة واحدة» قالوا: ومن هي يا رسول الله؟ قال: «ما أنا عليه وأصحابي» ) * «٨» . ١٨-* (عن أبي سعيد الخدريّ- ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: «ما بعث الله من نبيّ ولا استخلف من خليفة إلّا كانت له بطانتان: بطانة تأمره بالمعروف وتحضّه عليه. وبطانة تأمره بالشّرّ وتحضّه عليه، فالمعصوم من عصم الله تعالى» ) * «٩» . ١٩-* (عن عبد الله- ﵁ قال: «من سرّه أن يلقى الله غدا مسلما فليحافظ على هؤلاء الصّلوات حيث ينادى بهنّ. فإنّ الله شرع لنبيّكم ﷺ سنن الهدى «١٠» وإنّهنّ من سنن الهدى. ولو أنّكم صلّيتم في بيوتكم كما يصلّي هذا المتخلّف في بيته لتركتم سنّة نبيّكم. ولو تركتم سنّة نبيّكم لضللتم. وما من رجل يتطهّر فيحسن الطّهور ثمّ يعمد إلى مسجد من

стр. 6030

هذه المساجد إلّا كتب الله له بكلّ خطوة يخطوها حسنة. ويرفعه بها درجة. ويحطّ عنه بها سيّئة. ولقد رأيتنا وما يتخلّف عنها إلّا منافق، معلوم النّفاق. ولقد كان الرّجل يؤتى به يهادى بين الرّجلين «١» حتّى يقام في الصّفّ» ) * «٢» . ٢٠-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من سنّ سنّة ضلال فاتّبع عليها كان عليه مثل أوزارهم من غير أن ينقص من أوزارهم شيء، ومن سنّ سنّة هدى فاتّبع عليها كان له مثل أجورهم من غير أن ينقص من أجورهم شيء» ) * «٣» . من الآثار وأقوال العلماء الواردة في ذمّ (القدوة السيئة) ١-* (قال عيسى- ﵇: «مثل علماء السّوء كمثل صخرة وقعت على فم النّهر لا هي تشرب الماء ولا هي تترك الماء يخلص إلى الزّرع، ومثل علماء السّوء مثل قناة الحشّ ظاهرها جصّ وباطنها نتن، ومثل القبور ظاهرها عامر وباطنها عظام الموتى» ) * «٤» . ٢-* (عن عمير بن سعد، وكان عمر ولّاه حمص؛ قال: قال عمر لكعب: إنّي سائلك عن أمر فلا تكتمني، قال: والله ما أكتمك شيئا أعلمه، قال: ما أخوف ما تخاف على أمّة محمّد ﷺ ؟ قال: أئمّة مضلّين. قال عمر: صدقت قد أسرّ إليّ وأعلمنيه رسول الله ﷺ » ) * «٥» . ٣-* (عن أبي الدّرداء- ﵁ قال: «إنّ من أشرّ النّاس عند الله منزلة يوم القيامة عالما لا ينتفع بعلمه» ) * «٦» . ٤-* (كان يحيى بن معاذ الرّازيّ- ﵀ يقول لعلماء السّوء: «يا أصحاب العلم: قصوركم قيصريّة، وبيوتكم كسرويّة، وأثوابكم ظاهريّة، وأخفافكم جالوتيّة، ومراكبكم قارونيّة، وأوانيكم فرعونيّة، ومآثمكم جاهليّة، ومذاهبكم شيطانيّة، فأين الشّريعة المحمّديّة؟» ) * «٧» . ٥-* (ويشهد لذلك ما حكي عن أبي عبد الله الخوّاص وكان من أصحاب حاتم الأصمّ قال: دخلت مع حاتم، إلى الرّيّ ومعنا ثلاثمائة وعشرون

стр. 6031

رجلا يريدون الحجّ وعليهم الزّرمانقات «١» وليس معهم جراب ولا طعام فدخلنا على رجل من التّجّار متقشّف يحبّ المساكين، فأضافنا تلك اللّيلة، فلمّا كان من الغد قال لحاتم: ألك حاجة فإنّي أريد أن أعود فقيها لنا هو عليل؟ قال حاتم: عيادة المريض فيها فضل والنّظر إلى الفقيه عبادة، وأنا أيضا أجيء معك. وكان العليل محمّد بن مقاتل قاضي الرّيّ، فلمّا جئنا إلى الباب فإذا قصر مشرف حسن، فبقى حاتم متفكّرا يقول: باب عالم على هذه الحالة؟ ثمّ أذن لهم فدخلوا، فإذا دار حسناء قوراء واسعة نزهة وإذا بزّة وستور فبقي حاتم متفكّرا. ثمّ دخلوا إلى المجلس الّذي هو فيه وإذا بفرش وطيئة وهو راقد عليها وعند رأسه غلام وبيده مذبّة، فقعد الزّائر عند رأسه وسأل عن حاله- وحاتم قائم- فأومأ إليه ابن مقاتل أن اجلس فقال: لا أجلس. فقال: لعلّ لك حاجة فقال: نعم، قال: وما هي؟ قال: مسألة أسألك عنها. قال: سل، قال: قم فاستو جالسا حتّى أسألك. فاستوى جالسا. قال حاتم: علمك هذا من أين أخذته؟ فقال: من الثّقات حدّثوني به، قال: عمّن؟ قال: عن أصحاب رسول الله ﷺ ، قال: وأصحاب رسول الله ﷺ عمّن؟ قال: عن رسول الله ﷺ ، قال: ورسول الله ﷺ عمّن؟ قال: عن جبرائيل- ﵇ عن الله- . قال حاتم: ففيم أدّاه جبرائيل- ﵇ عن الله إلى رسول الله ﷺ ؟ وأدّاه رسول الله ﷺ إلى أصحابه، وأصحابه إلى الثّقات، وأدّاه الثّقات إليك، هل سمعت فيه من كان في داره إشراف وكانت سعتها أكثر كان له عند الله- المنزلة أكبر. قال: لا. قال: فكيف سمعت؟ قال: سمعت أنّه من زهد في الدّنيا ورغب في الآخرة وأحبّ المساكين وقدّم لآخرته كانت له عند الله المنزلة، قال له حاتم: فأنت بمن اقتديت؟ أبالنّبيّ ﷺ وأصحابه- ﵃ والصّالحين- ﵏ أم بفرعون ونمروذ أوّل من بنى بالجصّ والآجرّ؟ يا علماء السّوء مثلكم يراه الجاهل المتكالب على الدّنيا الرّاغب فيها فيقول: العالم على هذه الحالة أفلا أكون أنا شرّا منه؟ وخرج من عنده فازداد ابن مقاتل مرضا. وبلغ أهل الرّيّ ما جرى بينه وبين ابن مقاتل فقالوا له: إنّ الطّنافسيّ بقزوين أكثر توسّعا منه. فسار حاتم متعمّدا فدخل عليه فقال: رحمك الله أنا رجل أعجميّ أحبّ أن تعلّمني مبتدأ ديني ومفتاح صلاتي كيف أتوضّأ للصّلاة؟ قال: نعم وكرامة، يا غلام هات إناء فيه ماء. فأتي به فقعد الطّنافسيّ فتوضّأ ثلاثا ثلاثا ثمّ قال: هكذا فتوضّأ. فقال حاتم: مكانك حتّى أتوضّأ بين يديك فيكون أوكد لما أريد، فقام الطّنافسيّ وقعد حاتم فتوضّأ ثمّ غسل ذراعيه أربعا أربعا فقال الطّنافسيّ: يا هذا أسرفت، قال له حاتم: فبماذا؟ قال غسلت ذراعيك أربعا. فقال حاتم: يا سبحان الله العظيم! أنا في كفّ من ماء أسرفت، وأنت في جميع هذا كلّه لم

стр. 6032

تسرف؟ فعلم الطّنافسيّ أنّه قصد ذلك دون التّعلّم فدخل منزله فلم يخرج إلى النّاس أربعين يوما فلمّا دخل حاتم بغداد اجتمع إليه أهل بغداد فقالوا: يا أبا عبد الرّحمن أنت رجل؛ ولكن أعجميّ وليس يكلّمك أحد إلّا قطعته. قال: معي ثلاث خصال أظهر بهنّ على خصمي، أفرح إذا أصاب خصمي، وأحزن إذا أخطأ، وأحفظ نفسي أن لا أجهل عليه. فبلغ ذلك الإمام أحمد بن حنبل فقال: سبحان الله! ما أعقله! قوموا بنا إليه. فلمّا دخلوا عليه قال له: يا أبا عبد الرّحمن ما السّلامة من الدّنيا؟ قال: يا أبا عبد الله لا تسلم من الدّنيا حتّى يكون معك أربع خصال: تغفر للقوم جهلهم، وتمنع جهلك منهم، وتبذل لهم شيئك، وتكون من شيئهم آيسا. فإذا كنت هكذا سلمت، ثمّ سار إلى المدينة فاستقبله أهل المدينة فقال: يا قوم أيّة مدينة هذه؟ قالوا: مدينة رسول الله ﷺ ، قال: فأين قصر رسول الله ﷺ حتّى أصلّي فيه؟ قالوا: ما كان له قصر، إنّما كان له بيت لا طىء بالأرض، قال: فأين قصور أصحابه- ﵃؟ قالوا: ما كان لهم قصور إنمّا كانت لهم بيوت لاطئة بالأرض؛ قال حاتم: يا قوم فهذه مدينة فرعون، فأخذوه وذهبوا به إلى السّلطان وقالوا. هذا العجميّ يقول هذه مدينة فرعون. قال الوالي: ولم ذلك؟ قال حاتم: لا تعجل عليّ أنا رجل أعجميّ غريب دخلت البلد فقلت: مدينة من هذه؟ فقالوا: مدينة رسول الله ﷺ فقلت: فأين قصر ... وقصّ القصّة، ثمّ قال: وقد قال الله تعالى لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فأنتم بمن تأسّيتم أبرسول الله ﷺ أم بفرعون أوّل من بنى بالجصّ والآجرّ؟ فخلّوا عنه وتركوه. فهذه حكاية حاتم الأصمّ- رحمه الله تعالى-» ) * «١» . ٦-* (وأنشد بعضهم: يا واعظ النّاس قد أصبحت متّهما ... إذ عبت منهم أمورا أنت تأتيها أصبحت تنصحهم بالوعظ مجتهدا ... فالموبقات لعمري أنت جانيها تعيب دنيا وناسا راغبين لها ... وأنت أكثر منهم رغبة فيها) * «٢» . من مضار (القدوة السيئة) (١) من يكون قدوة سيّئة للنّاس يسخط الله عليه (٢) يأتي في الآخرة يحمل لواء الخزي لأتباعه. (٣) يتبرّأ يوم القيامة من أتباعه ويلعن بعضهم بعضا. (٤) يمقته النّاس ويحترسون منه. (٥) يكون سببا للغواية والضّلال ويدعو لاتّباع سبل الشّيطان. (٦) يكره نفسه الّتي بين جنبيه إذ يعرف حقيقة نفسه.

стр. 6033

القذف القذف لغة: مصدر قولهم: قذف يقذف إذا رمى بالشّيء، وهو مأخوذ من مادّة (ق ذ ف) الّتي تدلّ على الرّمي والطّرح، ومن ذلك قذف بالشّيء يقذفه إذا رمى به، وبلدة قذوف أي طروح لبعدها تترامى بالسّفر، ومنزل قذف وقذيف أي بعيد، والقذيفة: الشّيء يرمى به، والقذف بالحجارة، الرّمي بها، يقال: هم بين حاذف وقاذف، فالحاذف بالعصا والقاذف بالحجارة، والتّقاذف: سرعة ركض الفرس، وفرس متقاذف: سريع العدو، وأمّا ما جاء في حديث عائشة- ﵂ «وعندها قينتان تغنّيان بما تقاذفت به الأنصار يوم بعاث» أي تشاتمت في أشعارها الّتي قالتها في تلك الحرب» . وقال ابن منظور: يقال: قذف بالشّيء يقذف قذفا فانقذف: رمى. والتّقاذف: التّرامي، والقذف الرّمي بقوّة. قال اللّيث: القذف الرّمي بالسّهم والحصى والكلام وكلّ شيء. وقذف المحصنة أي سبّها ورماها بزنية. وفي حديث هلال بن أميّة: أنّه قذف امرأته بشريك. القذف هاهنا رمي المرأة بالزّنا، أو ما كان في معناه، وأصله الرّمي ثمّ استعمل في هذا المعني حتّى غلب عليه. وفي الحديث: إنّي خشيت أن يقذف في قلوبكما شرّا أي يلقي ويوقع «١» . واصطلاحا: قال البغويّ: القذف: الرّمي بالزّنا وكلّ من رمى محصنا أو محصنة بالزّنا فقال له: زنيت أو يازاني فيجب عليه جلد ثمانين جلدة إن كان حرّا. وإن كان عبدا فيجلد أربعين. وإن كان المقذوف غير محصن فعلى القاذف التّعزير، وشرائط الإحصان خمسة: الإسلام، والعقل، والبلوغ، والحرّيّة، والعفّة من الزّنا «٢» . وقال الكفويّ: القذف: يقال للإلقاء والوضع، ويستعار للشّتم والعيب والرّمي البعيد «٣» . قال المناويّ: القذف: الرّمي البعيد، واستعير للشّتم والعيب، كما استعير للرّمي (مطلقا) «٤» .

стр. 6034

حكم القذف: عدّ ابن حجر من الكبائر قذف المحصن أو المحصنة بزنا أو لواط أو السّكوت على ذلك، وقال: أجمع العلماء على أنّ المراد من الرّمي في الآية الكريمة: إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ.. هو الرّمي بالزّنا وهو يشمل الرّمي باللّواط كقوله: يا زانية، أو بغيّة، أو قحبة، لها أو لزوجها كقوله: يا زوج القحبة، أو لولدها كياولد القحبة.. ثمّ قال: عدّ القذف كبيرة هو ما اتّفقوا عليه، لما نصّت عليه الآيات عن لعن فاعله في الدّنيا والآخرة وهذا من أقبح الوعيد وأشدّه «١» . [للاستزادة: انظر صفات: الإساءة- الأذى- الإفك- البهتان- سوء الظن- شهادة الزور- الكذب- الفضح- إفشاء السر- الافتراء- الزنا- البذاءة- الفحش. وفي ضد ذلك: انظر صفات: تكريم الإنسان حسن الظن- الصدق- كتمان السر- إقامة الشهادة- الكلم الطيب- الأدب- الصمت وحفظ اللسان- الإحسان- الصبر والمصابرة- كظم الغيظ] .

стр. 6035

الآيات الواردة في «القذف» ١- وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥) وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦) وَالْخامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ (٧) وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكاذِبِينَ (٨) وَالْخامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها إِنْ كانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٩) «١» ٢- إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (٢٣) يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤) يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (٢٥) «٢»

стр. 6036

الأحاديث الواردة في ذمّ (القذف) ١-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: «أتدرون ما المفلس؟ «١» » قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. فقال: «إنّ المفلس من أمّتي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا. فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته. فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه. ثمّ طرح في النّار» ) * «٢» . ٢-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: «اجتنبوا السّبع الموبقات» . قيل: يا رسول الله وما هنّ؟ قال: «الشّرك بالله، والسّحر، وقتل النّفس الّتي حرّم الله إلّا بالحقّ، وأكل مال اليتيم. وأكل الرّبا، والتّولّي يوم الزّحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات «٣» » ) * «٤» . ٣-* (عن عبد الله «٥» ﵁ «أنّ رجلا من الأنصار قذف امرأته فأحلفهما النّبيّ ﷺ . ثمّ فرّق بينهما» ) * «٦» . ٤-* (عن صفوان بن عسّال- ﵁ أنّ يهوديّين قال أحدهما لصاحبه: اذهب بنا إلى هذا النّبيّ نسأله فقال: لا تقل نبيّ؛ فإنّه إن سمعها تقول نبيّ كانت له أربعة أعين، فأتيا النّبيّ ﷺ فسألاه عن قول الله- وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ. فقال رسول الله ﷺ «لا تشركوا بالله شيئا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا النّفس الّتي حرّم الله إلّا بالحقّ، ولا تسرقوا، ولا تسحروا، ولا تمشوا ببريء إلى ذي سلطان فيقتله، ولا تأكلوا الرّبا، ولا تقذفوا محصنة، ولا تفرّوا من الزّحف، شكّ شعبة: وعليكم يا معشر اليهود خاصّة لا تعدوا في السّبت» فقبّلا يديه ورجليه وقالا: نشهد أنّك نبيّ. قال: «فما يمنعكما أن تسلما؟» قالا: إنّ داود دعا الله، أن لا يزال في ذرّيّته نبيّ، وإنّا نخاف إن أسلمنا أن تقتلنا اليهود) * «٧» . ٥-* (عن أمّ سلمة ابنة أبي أميّة بن المغيرة زوج النّبيّ ﷺ قالت: لمّا نزلنا أرض الحبشة جاورنا بها خير جار، النّجاشيّ، أمنّا على ديننا، وعبدنا الله، لا نؤذى ولا نسمع شيئا نكرهه، فلمّا بلغ ذلك

стр. 6037

قريشا ائتمروا أن يبعثوا إلى النّجاشيّ فينا رجلين جلدين، وأن يهدوا للنّجاشيّ هدايا ممّا يستطرف من متاع مكّة، وكان من أعجب ما يأتيه منها إليه الأدم، فجمعوا له أدما كثيرا، ولم يتركوا من بطارقته بطريقا إلّا أهدوا له هديّة، ثمّ بعثوا بذلك مع عبد الله بن أبي ربيعة بن المغيرة المخزوميّ وعمرو بن العاص بن وائل السّهميّ، وأمروهما أمرهم، ... فيه: قالت: ثمّ أرسل إلى أصحاب رسول الله ﷺ فدعاهم، فلمّا جاءهم رسوله اجتمعوا ثمّ قال بعضهم لبعض: ما تقولون للرّجل إذا جئتموه؟ قالوا: نقول والله ما علمنا وما أمرنا به نبيّنا ﷺ كائن في ذلك ما هو كائن، فلمّا جاؤوه- وقد دعا النّجاشيّ أساقفته فنشروا مصاحفهم حوله- سألهم فقال: ما هذا الدّين الّذي فرّقتم فيه قومكم ولم تدخلوا في ديني ولا في دين أحد من هذه الأمم؟ قالت: فكان الّذي كلّمه جعفر بن أبي طالب، فقال له: أيّها الملك- كنّا قوما أهل جاهليّة: نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، يأكل القويّ منّا الضّعيف، فكنّا على ذلك حتّى بعث الله إلينا رسولا منّا، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه فدعانا إلى الله، لنوحّده ونعبده ونخلع ما كنّا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث. وأداء الأمانة، وصلة الرّحم، وحسن الجوار، والكفّ عن المحارم والدّماء، ونهانا عن الفواحش وقول الزّور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنة، وأمرنا أن نعبد الله وحده ولا نشرك به شيئا، وأمرنا بالصّلاة والزّكاة والصّيام، قال: فعدّد عليه أمور الإسلام- فصدّقناه وآمنّا، واتّبعناه على ما جاء به، فعبدنا الله وحده فلم نشرك به شيئا، وحرّمنا ما حرّم علينا، وأحللنا ما أحلّ لنا، فعدا علينا قومنا، فعذّبونا وفتنونا عن ديننا، ليردّونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله، وأن نستحلّ ما كنّا نستحلّ من الخبائث، فلمّا قهرونا وظلمونا وشقّوا علينا وحالوا بيننا وبين ديننا، خرجنا إلى بلدك واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك، ورجونا أن لا نظلم عندك أيّها الملك. قالت: فقال له النّجاشيّ: هل معك ممّا جاء به عن الله من شيء؟ قالت: فقال له جعفر: نعم. فقال له النّجاشيّ: فاقرأه عليّ. فقرأ عليه صدرا من كهيعص، فقالت: فبكى والله النّجاشيّ حتّى أخضل لحيته، وبكت أساقفته حتّى أخضلوا مصاحفهم حين سمعوا ما تلا عليهم، ثمّ قال النّجاشيّ: إنّ هذا والله والّذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة. انطلقا. فو الله لا أسلمهم إليكم أبدا ولا أكاد، ... الحديث» ) * «١» .

стр. 6038

٦-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: سمعت أبا القاسم ﷺ يقول: من قذف مملوكه وهو بريء ممّا قال «١» جلد يوم القيامة، إلّا أن يكون كما قال» ) * «٢» . الأحاديث الواردة في ذمّ (القذف) معنى ٧-* (عن أبي هريرة- ﵁ «أنّ رجلا أتى النّبيّ ﷺ فقال: يا رسول الله ولد لي غلام أسود. فقال: «هل لك من إبل؟» قال: نعم. قال: «ما ألوانها؟» قال: حمر. قال: «هل فيها من أورق؟» قال: نعم. قال: «فأنّى ذلك؟» قال: لعلّ نزعه عرق. قال: «فلعلّ ابنك هذا نزعه» ) * «٣» . ٨-* (عن ابن عمر- ﵄ «أنّ رجلا رمى امرأته فانتفى من ولدها في زمان رسول الله ﷺ ، فأمر بهما رسول الله ﷺ فتلاعنا كما قال الله، ثمّ قضى بالولد للمرأة، وفرّق بين المتلاعنين» ) * «٤» . ٩-* (عن أنس- ﵁ أنّ رجلا كان يتّهم بأمّ ولد رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ لعليّ: «اذهب فاضرب عنقه» فأتاه عليّ فإذا هو في ركيّ «٥» يتبرّد فيها. فقال له عليّ: اخرج. فناوله يده فأخرجه. فإذا هو مجبوب ليس له ذكر. فكفّ عليّ عنه. ثمّ أتى النّبيّ ﷺ فقال: يا رسول الله! إنّه لمجبوب. ما له ذكر» ) * «٦» . ١٠-* (عن ابن شهاب أنّ سهل بن سعد السّاعديّ أخبره أنّ عويمرا العجلانيّ جاء إلى عاصم ابن عديّ الأنصاريّ فقال له: يا عاصم أرأيت رجلا

стр. 6039

وجد مع امرأته رجلا أيقتله فتقتلونه أم كيف يفعل؟ سل لي يا عاصم عن ذلك رسول الله ﷺ فسأل عاصم رسول الله ﷺ عن ذلك فكره رسول الله ﷺ المسائل، وعابها حتّى كبر على عاصم ما سمع من رسول الله ﷺ . فلمّا رجع عاصم إلى أهله جاءه عويمر. فقال: يا عاصم ماذا قال لك رسول الله ﷺ ؟ فقال: عاصم لعويمر: لم تأتني بخير، قد كره رسول الله ﷺ المسألة الّتي سألته عنها، فقال: عويمر والله لا أنتهى حتّى أسأله عنها. فأقبل عويمر حتّى جاء رسول الله ﷺ وسط النّاس، فقال: يا رسول الله أرأيت رجلا وجد مع امرأته رجلا أيقتله فتقتلونه. أم كيف يفعل؟ فقال رسول الله ﷺ . قد أنزل الله فيك وفي صاحبتك فاذهب فأت بها. قال سهل: فتلاعنا، وأنا مع النّاس عند رسول الله ﷺ . فلمّا فرغا من تلاعنهما قال عويمر: كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها. فطلّقها ثلاثا قبل أن يأمره رسول الله ﷺ . قال ابن شهاب: فكانت سنّة المتلاعنين» ) * «١» . ١١-* (عن سعيد بن جبير قال: سئلت عن المتلاعنين في إمرة مصعب. أيفرّق بينهما؟ قال: فما دريت ما أقول: فمضيت إلى منزل ابن عمر بمكّة. فقلت للغلام: استأذن لي. قال: إنّه قائل «٢» . فسمع صوتي. قال ابن جبير؟ قلت: نعم. قال: ادخل. فو الله! ما جاء بك هذه السّاعة إلّا حاجة. فدخلت. فإذا هو مفترش برذعة. متوسّد وسادة حشوها ليف. قلت: أبا عبد الرّحمن، المتلاعنان. أيفرّق بينهما؟ قال: سبحان الله! نعم. إنّ أوّل من سأل عن ذلك فلان بن فلان. قال: يا رسول الله، أرأيت أن لو وجد أحدنا امرأته على فاحشة كيف يصنع؟ إن تكلّم تكلّم بأمر عظيم، وإن سكت سكت على مثل ذلك. قال: فسكت النّبيّ ﷺ فلم يجبه. فلمّا كان بعد ذلك أتاه فقال: إنّ الّذي سألتك عنه قد ابتليت به. فأنزل الله- هؤلاء الآيات في سورة النّور: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ (٢٤/ النور/ ٦- ٩) فتلاهنّ عليه ووعظه وذكّره. وأخبره أنّ عذاب الدّنيا أهون من عذاب الآخرة، قال: لا. والّذي بعثك بالحقّ! ما كذبت عليها. ثمّ دعاها فوعظها وذكّرها وأخبرها أنّ عذاب الدّنيا أهون من عذاب الآخرة. قالت: لا. والّذي بعثك بالحقّ! إنّه لكاذب. فبدأ بالرّجل فشهد أربع شهادات بالله إنّه لمن الصّادقين. والخامسة أنّ لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، ثمّ ثنّى بالمرأة فشهدت أربع شهادات بالله إنّه لمن الكاذبين. والخامسة أنّ غضب الله عليها إن كان من الصّادقين. ثمّ فرّق بينهما» ) * «٣» . ١٢-* (عن عائشة- ﵂ زوج النّبيّ ﷺ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يخرج أقرع بين أزواجه. فأيّتهنّ خرج سهمها خرج بها رسول الله ﷺ معه. قالت عائشة: فأقرع بيننا في غزوة غزاها فخرج فيها سهمي. فخرجت مع رسول الله ﷺ

стр. 6040

بعدما نزل الحجاب. فأنا أحمل في هودجي، وأنزل فيه. فسرنا حتّى إذا فرغ رسول الله ﷺ من غزوته تلك وقفل ودنونا من المدينة قافلين آذن ليلة بالرّحيل فقمت حين آذنوا بالرّحيل. فمشيت حتّى جاوزت الجيش. فلمّا قضيت شأني أقبلت إلى رحلي فإذا عقد لي من جزع ظفار قد انقطع، فالتمست عقدي وحبسني ابتغاؤه. وأقبل الرّهط الّذين كانوا يرحلون لي فاحتملوا هودجي. فرحلوه على بعيري الّذي كنت ركبت وهم يحسبون أنّي فيه، وكان النّساء إذ ذاك خفافا. لم يثقلهنّ اللّحم، إنّما يأكلن العلقة من الطّعام فلم يستنكر القوم خفّة الهودج حين رفعوه، وكنت جارية حديثة السّنّ فبعثوا الجمل وساروا. فوجدت عقدي بعدما استمرّ الجيش فجئت منازلهم وليس بها داع ولا مجيب، فأممت منزلي الّذي كنت فيه وظننت أنّهم سيفقدوني فيرجعون إليّ. فبينا أنا جالسة في منزلي غلبتني عيني فنمت وكان صفوان بن المعطّل السّلميّ، ثمّ الذّكوانيّ من وراء الجيش فأدلج، فأصبح عند منزلي. فرأى سواد إنسان نائم. فأتاني فعرفني حين رآني. وكان يراني قبل الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني. فخمّرت وجهي بجلبابي، والله ما كلّمني كلمة ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه. حتّى أناخ راحلته. فوطىء على يديها فركبتها، فانطلق يقود بي الرّاحلة حتّى أتينا الجيش بعدما نزلوا موغرين في نحر الظّهيرة، فهلك من هلك، وكان الّذي تولّى الإفك عبد الله بن أبيّ ابن سلول. فقدمنا المدينة، فاشتكيت حين قدمت شهرا، والنّاس يفيضون في قول أصحاب الإفك، ولا أشعر بشيء من ذلك، وهو يريبني في وجعي أنّي لا أعرف من رسول الله ﷺ اللّطف الّذي كنت أرى منه حين أشتكى. إنّما يدخل عليّ رسول الله ﷺ فيسلّم ثمّ يقول: «كيف تيكم؟» ثمّ ينصرف، فذاك الّذي يريبني ولا أشعر بالشّرّ حتّى خرجت بعدما نقهت، فخرجت معي أمّ مسطح قبل المناصع- وهو متبرّزنا وكنّا لا نخرج إلّا ليلا إلى ليل، وذلك قبل أن نتّخذ الكنف قريبا من بيوتنا، وأمرنا أمر العرب الأول في التّبرّز قبل الغائط فكنّا نتأذّى بالكنف أن نتّخذها عند بيوتنا فانطلقت أنا وأمّ مسطح- وهي ابنة أبي رهم بن عبد مناف. وأمّها بنت صخر بن عامر خالة أبي بكر الصّدّيق، وابنها مسطح بن أثاثة- فأقبلت أنا وأمّ مسطح قبل بيتي وقد فرغنا من شأننا، فعثرت أمّ مسطح في مرطها فقالت: تعس مسطح. فقلت لها: بئس ما قلت. أتسبّين رجلا شهد بدرا؟. قالت: أي هنتاه، أو لم تسمعي ما قال؟ قالت: قلت: وما قال؟ فأخبرتني بقول أهل الإفك. فازددت مرضا على مرضي. فلمّا رجعت إلى بيتي، ودخل عليّ رسول الله ﷺ تعني سلّم- ثمّ قال: «كيف تيكم؟» فقلت: أتأذن لي أن آتي أبويّ؟ قالت: وأنا حينئذ أريد أن أستيقن الخبر من قبلهما قالت: فأذن لي رسول الله ﷺ . فجئت أبويّ فقلت لأمّي: يا أمّتاه ما يتحدّث النّاس؟ قالت: يا بنيّة هوّني عليك، فو الله لقلّما كانت امرأة قطّ وضيئة عند رجل يحبّها ولها ضرائر إلّا أكثرن عليها قالت: فقلت: سبحان الله، أو لقد تحدّث النّاس بهذا؟ قالت: فبكيت تلك اللّيلة حتّى أصبحت لا يرقأ لي

стр. 6041

دمع، ولا أكتحل بنوم حتّى أصبحت أبكي. فدعا رسول الله ﷺ عليّ بن أبي طالب وأسامة بن زيد- ﵄ حين استلبث الوحي يستأمرهما في فراق أهله. قالت: فأمّا أسامة بن زيد فأشار على رسول الله ﷺ بالّذي يعلم من براءة أهله، بالّذي يعلم لهم في نفسه من الودّ فقال: يا رسول الله أهلك وما نعلم إلّا خيرا. وأمّا عليّ بن أبي طالب فقال: يا رسول الله لم يضيّق الله عليك، والنّساء سواها كثير، وإن تسأل الجارية تصدقك. قالت: فدعا رسول الله ﷺ بريرة فقال: «أي بريرة هل رأيت من شيء يريبك؟» قالت بريرة. لا. والّذي بعثك بالحقّ إن رأيت عليها أمرا أغمصه عليها أكثر من أنّها جارية حديثة السّنّ تنام عن عجين أهلها فتأتي الدّاجن فتأكله، فقام رسول الله ﷺ فاستعذر يومئذ من عبد الله بن أبيّ ابن سلول فقال رسول الله ﷺ وهو على المنبر- «يا معشر المسلمين، من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في أهل بيتي؟ فو الله ما علمت على أهلي إلّا خيرا. ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلّا خيرا. وما كان يدخل على أهلي إلّا معي» فقام سعد بن معاذ الأنصاريّ فقال: يا رسول الله أنا أعذرك منه، إن كان من الأوس ضربت عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك. قالت: فقام سعد بن عبادة وهو سيّد الخزرج، وكان قبل ذلك رجلا صالحا ولكن احتملته الحميّة- فقال لسعد: كذبت لعمر الله. لا تقتله، ولا تقدر على قتله. فقام أسيد بن حضير- وهو ابن عمّ سعد بن معاذ- فقال لسعد بن عبادة: كذبت لعمر الله لنقتلنّه؛ فإنّك منافق تجادل عن المنافقين. فتثاور الحيّان الأوس والخزرج حتّى همّوا أن يقتتلوا- ورسول الله ﷺ قائم على المنبر- فلم يزل رسول الله ﷺ يخفّضهم حتّى سكتوا وسكت. قالت: فمكثت يومي ذلك لا يرقأ لي دمع، ولا أكتحل بنوم. قالت: فأصبح أبواي عندي وقد بكيت ليلتين ويوما لا أكتحل بنوم، ولا يرقأ لي دمع وأبواي يظنّان أنّ البكاء فالق كبدي. قالت: فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي فاستأذنت عليّ امرأة من الأنصار فأذنت لها، فجلست تبكي معي، قالت: فبينا نحن على ذلك دخل علينا رسول الله ﷺ . فسلّم ثمّ جلس. قالت: ولم يجلس عندي منذ قيل ما قيل قبلها، وقد لبث شهرا لا يوحى إليه في شأني. قالت: فتشهّد رسول الله ﷺ حين جلس، ثمّ قال: «أمّا بعد. يا عائشة: فإنّه بلغني عنك كذا وكذا. فإن كنت بريئة فسيبرّئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه؛ فإنّ العبد إذا اعترف بذنبه ثمّ تاب إلي الله تاب الله عليه» قالت: فلمّا قضى رسول الله ﷺ مقالته قلص دمعي حتّى ما أحسّ منه قطرة فقلت لأبي: أجب رسول الله ﷺ فيما قال. قال: والله ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ . فقلت لأمّي: أجيبي رسول الله ﷺ . قالت: ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ . قالت: فقلت- وأنا جارية حديثة السّنّ لا أقرأ كثيرا من القرآن-: إنّي والله لقد علمت لقد سمعتم هذا الحديث حتّى استقرّ في أنفسكم وصدّقتم به، فلئن قلت لكم إنّي بريئة- والله يعلم أنّي بريئة- لا تصدّقونني بذلك، ولئن اعترفت لكم بأمر

стр. 6042

- والله يعلم أنّي منه بريئة- لتصدّقنّي. والله ما أجد لكم مثلا إلّا قول أبي يوسف. قال: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ. قالت: ثمّ تحوّلت فاضطجعت على فراشي. قالت: وأنا حينئذ أعلم أنّي بريئة وأنّ الله مبرّئي ببراءتي، ولكن والله ما كنت أظنّ أنّ الله منزل في شأني وحيا يتلى، ولشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلّم الله فيّ بأمر يتلى، ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله ﷺ في النّوم رؤيا يبرّئني الله بها. قالت: فو الله ما رام رسول الله ﷺ ، ولا خرج أحد من أهل البيت حتّى أنزل عليه، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء، حتّى إنّه ليتحدّر منه مثل الجمان من العرق وهو في يوم شات من ثقل القول الّذي ينزّل عليه. قالت: فلمّا سرّى عن رسول الله ﷺ سرّي عنه وهو يضحك. فكانت أوّل كلمة تكلّم بها: «يا عائشة، أمّا الله- فقد برّأك» فقالت أمّي: قومي إليه. فقلت: والله لا أقوم إليه، ولا أحمد إلّا الله- وأنزل الله إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ ... العشر الآيات كلّها. فلمّا أنزل الله في براءتي قال أبو بكر الصّدّيق- ﵁: وكان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه وفقره: والله لا أنفق علي مسطح شيئا أبدا بعد الّذي قال لعائشة ما قال. فأنزل الله وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى وَالْمَساكِينَ وَالْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ قال أبو بكر: بلى والله إنّي أحبّ أن يغفر الله لي. فرجع إلى مسطح النّفقة الّتي كان ينفق عليه وقال: والله لا أنزعها منه أبدا. قالت عائشة: وكان رسول الله ﷺ يسأل زينب ابنة جحش عن أمري فقال: «يا زينب، ماذا علمت أو رأيت؟» فقالت: يا رسول الله أحمي سمعي وبصري. ما علمت إلّا خيرا. قالت: وهي الّتي كانت تساميني من أزواج رسول الله ﷺ . فعصمها الله بالورع، وطفقت أختها حمنة تحارب لها، فهلكت فيمن هلك من أصحاب الإفك) * «١» . ١٣-* (عن ابن عبّاس- ﵄ قال: لمّا نزلت وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً قال سعد بن عبادة وهو سيّد الأنصار أهكذا نزلت يا رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ يا معشر الأنصار ألا تسمعون إلى ما يقول سيّدكم؟ قالوا: يا رسول الله لا تلمه؛ فإنّه رجل غيور والله ما تزوّج امرأة قطّ إلّا بكرا وما طلّق امرأة له قطّ فاجترأ رجل منّا على أن يتزوّجها من شدّة غيرته. فقال سعد والله يا رسول الله إنّي لأعلم أنّها حقّ، وأنّها من الله تعالى ولكنّي قد تعجّبت أنّي لو وجدت لكاعا «٢» تفخّذها رجل لم يكن لي أن أهيّجه «٣» ، ولا أحرّكه حتّى آتي بأربعة شهداء! فو الله لا آتي بهم حتّى يقضي حاجته.

стр. 6043

قالوا: فما لبثوا إلّا يسيرا حتّى جاء هلال ابن أميّة. وهو أحد الثّلاثة الّذين تيب عليهم- فجاء من أرضه عشاء فوجد عند أهله رجلا فرأى بعينيه، وسمع بأذنيه، فلم يهيّجه حتّى أصبح فغدا على رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله إنّي جئت أهلي عشاء فوجدت عندها رجلا فرأيت بعيني وسمعت بأذني فكره رسول الله ﷺ ما جاء به، واشتدّ عليه، واجتمعت الأنصار فقالوا: قد ابتلينا بما قال سعد بن عبادة الآن يضرب رسول الله ﷺ هلال بن أميّة، ويبطل شهادته في المسلمين، فقال هلال: والله إنّي لأرجو أن يجعل الله لي منها مخرجا. فقال هلال: يا رسول الله إنّي قد أرى ما اشتدّ عليك ممّا جئت به، والله يعلم إنّي لصادق. والله إنّ رسول الله ﷺ يريد أن يأمر بضربه إذ أنزل الله على رسول الله ﷺ الوحي- وكان إذا نزل عليه الوحي عرفوا ذلك في تربّد «١» جلده- يعني فأمسكوا عنه حتّى فرغ من الوحي فنزلت وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ ... الآية فسرّي «٢» عن رسول الله ﷺ فقال أبشر يا هلال؛ فقد جعل الله لك فرجا ومخرجا فقال هلال: قد كنت أرجو ذاك من ربّي- فقال رسول الله ﷺ : أرسلوا إليها فأرسلوا إليها فجاء ت، فقرأها رسول الله ﷺ عليهما وذكّرهما، وأخبرهما أنّ عذاب الآخرة أشدّ من عذاب الدّنيا. فقال هلال: والله يا رسول الله لقد صدقت عليها فقالت: كذب. فقال رسول الله ﷺ : «لا عنوا بينهما» فقيل لهلال اشهد فشهد أربع شهادات بالله إنّه لمن الصّادقين فلمّا كان في الخامسة قيل: يا هلال اتّق الله فإنّ عذاب الدّنيا أهون من عذاب الآخرة وإنّ هذه الموجبة الّتي توجب عليك العذاب. فقال والله لا يعذّبني الله عليها كما لم يجلدني عليها، فشهد في الخامسة أنّ لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين. ثمّ قيل لها اشهدي أربع شهادات بالله إنّه لمن الكاذبين، فلمّا كانت الخامسة قيل لها: اتّقي الله، فإنّ عذاب الدّنيا أهون من عذاب الآخرة، وإنّ هذه الموجبة الّتي توجب عليك العذاب. فتلكّأت ساعة ثمّ قالت: والله لا أفضح قومي، فشهدت في الخامسة أنّ غضب الله عليها إن كان من الصّادقين. ففرّق رسول الله ﷺ بينهما، وقضى أنّه لا يدعى ولدها لأب، ولا ترمى هي به، ولا يرمى ولدها، ومن رماها أو رمى ولدها فعليه الحدّ، وقضى أن لا بيت لها عليه، ولا قوت من أجل أنّهما يتفرّقان من غير طلاق، ولا متوفّى عنها. وقال: إن جاءت به أصيهب «٣» أريسح «٤» حمش «٥» السّاقين فهو لهلال، وإن جاءت به أورق «٦» جعدا «٧» جماليّا «٨» خدلّج «٩» السّاقين سابغ الإليتين فهو للّذي رميت به» فجاءت به أورق جعدا جماليّا

стр. 6044

خدلّج السّاقين سابغ الأليتين فقال رسول الله ﷺ لولا الأيمان لكان لي ولها شأن» قال عكرمة: فكان بعد ذلك أميرا على مصر وكان يدعى لأمّه، وما يدعى لأبيه» «١» . من الآثار وأقوال العلماء والمفسرين الواردة في ذمّ (القذف) ١- عن عمرة بنت عبد الرّحمن- رحمها الله- قالت: إنّ رجلين استبّا «٢» في زمان عمر بن الخطّاب فقال أحدهما للآخر: والله ما أبي بزان ولا أمّي بزانية، فاستشار في ذلك عمر بن الخطّاب. فقائل يقول: مدح أباه وأمّه، وآخر يقول: قد كان لأبيه وأمّه مدح غير هذا- فجلده عمر الحدّ ثمانين» «٣» . ٢- عن ابن عبّاس- ﵄ في ولد الملاعنة: هو الّذي لا أب له، ترثه أمّه، وإخوته من أمّه، وعصبة أمّه، فإن قذفه قاذف جلد قاذفه» «٤» . ٣- قال أبو الزّناد- ﵀: جلد عمر بن عبد العزيز عبدا في فرية ثمانين، قال أبو الزّناد: فسألت عبد الله بن عامر بن ربيعة عن ذلك فقال: أدركت عمر بن الخطّاب وعثمان بن عفّان والخلفاء، هلمّ جرّا، فما رأيت أحدا جلد عبدا في فرية أكثر من أربعين» «٥» . ٤- «قال ابن كثير في قوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ... : هذا وعيد من الله تعالى للّذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات» «٦» . ٥- «وقال أيضا: وهي عامّة في تحريم قذف كلّ محصنة ولعنة من فعل ذلك في الدّنيا والآخرة» «٧» . من مضار (القذف) (١) يمقت الله القذف ويعدّ فاعله فاسقا ملعونا في الدّنيا والآخرة. (٢) القذف قد يكون فيه انتهاك لعرض مسلم أو مسلمة. (٣) عادة سائدة في المجتمعات السّاقطة يقع فيها السّذّج والأطفال. (٤) يسبّب العداوة والبغضاء بين النّاس. (٥) هو من علامات الإفلاس الخلقيّ والخواء الدّينيّ ومن الموبقات الّتي توبق صاحبها في النّار.

стр. 6045

القسوة (الغلظة والفظاظة) هذه الأمور الثّلاثة (القسوة- الغلظة- الفظاظة) متقاربة إلى حدّ كبير، وفيما يلى تعريف بكلّ منها لغة واصطلاحا. القسوة لغة: مصدر قولهم قسا يقسو إذا غلظ قلبه، وهو مأخوذ من مادّة (ق س و) الّتي تدلّ على شدّة وصلابة، ومن ذلك الحجر القاسي أي الصّلب، والقاسية: اللّيلة الباردة، قال الرّاغب: القسوة: غلظ القلب، وأصل ذلك من الحجر القاسي، والمقاساة معالجة ذلك (أي القسوة) . قال تعالى: ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ (البقرة/ ٧٤) أي خلت من الإنابة والإذعان لآيات الله تعالى، قال القرطبيّ: القسوة هي الصّلابة والشّدّة واليبس «١» . وقال عزّ من قائل: فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ (الزمر/ ٢٢) فالمراد تلك القلوب الصّلبة الّتي لا تعي خيرا ولا تفعله «٢» . ويقال: أقساه الذّنب (جعله قاسيا) ، والذّنب مقساة للقلب، ويوم قسيّ أي شديد من حرّ أو برد، وقولهم: قسا الدّرهم يقسو قسوا: معناه زاف أي ردؤ فهو قسيّ، وأرض قاسية: لا تنبت شيئا، وقول الله تعالى: وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً (المائدة/ ١٣) ، وقرىء قسيّة أي ليست قلوبهم بخالصة، من قولهم: درهم قسيّ وهو جنس من الفضّة المغشوشة فيه قسوة أي صلابة، وقال ابن منظور: القسوة: الصّلابة في كلّ شيء، والقسوة في القلب ذهاب اللّين والرّحمة والخشوع منه، يقال: قسا قلبه قسوة، وقساوة وقساء بالفتح والمدّ: وهو غلظ القلب وشدّته، والمقاساة: مكابدة الأمر الشّديد وقاساه أي كابده. ويوم قسيّ، مثال شقيّ: شديد من حرب أو شرّ «٣» . القسوة اصطلاحا: قال المناويّ (تبعا للرّاغب) : القسوة غلظ القلب «٤» . وقال العزّ بن عبد السّلام: القسوة تصلّب القلب ونبوته عن اتّباع الحقّ، ورقّته (أي القلب) ولينه بخلاف ذلك «٥» . وقال الجاحظ: القساوة: هي التّهاون بما يلحق الغير من الألم والأذى، وهي خلق مركّب من البغض والشّجاعة «٦» . الغلظة لغة: الغلظة والغلاظة والغلظ ضدّ الرّقّة، والفعل من ذلك غلظ وغلظ، والوصف غليظ وغلاظة «٧» ، ويقول ابن منظور: الغلظ ضدّ الرّقّة في الخلق والطّبع والفعل

стр. 6046

والمنطق والعيش ونحو ذلك، يقولون: أرض غليظة: أي غير سهلة، وتغليظ اليمين تشديدها وتوكيدها، وفي فلان غلظة: أي شدّة واستطالة، ورجل غليظ: فظّ فيه غلظة أي قساوة وشدّة، وأمر غليظ: شديد صعب، وعهد غليظ كذلك، وبينهما غلظة ومغالظة: أي عداوة «١» . الغلظة اصطلاحا: قال المناويّ: الغلظة ضدّ الرّقّة، وأصله أن يستعمل في الأجسام، لكن قد يستعمل في المعاني أيضا «٢» . أمّا غلظ القلب: فكونه خلق صلبا لا يلين ولا يتأثّر «٣» . الفظاظة لغة: الفظاظة كالفظظ أصلها ماء الكرش يعصر ويشرب في المفاوز (الصّحراوات) ، وقولهم: رجل فظّ، معناه: غليظ الجانب، سيّء الخلق، قاسي القلب، خشن الكلام «٤» ، وفي اللّسان: الفظظ: خشونة الكلام، ورجل فظّ: أي ذو فظاظة جاف غليظ، في منطقه غلظ وخشونة «٥» . الفظاظة اصطلاحا: قال أبو حيّان: الفظاظة قيل هي بمعنى غلظ القلب، وقيل هي الجفوة قولا وفعلا «٦» . حكم القسوة: عدّ ابن حجر قسوة القلب من الكبائر مستدلا بما روي عنه ﷺ أنّه قال: اطلبوا المعروف من رحماء أمّتي تعيشوا في أكنافهم، ولا تطلبوه من القاسية قلوبهم فإنّ اللّعنة تنزل عليهم، وبما ذكره الخرائطيّ في مكارم الأخلاق.. ولا تطلبوها من القاسية قلوبهم فإنّهم ينتظرون سخطي. قال ابن حجر: وعدّ هذا كبيرة هو صريح هذين الحديثين لأنّ اللّعنة والسّخط من علامات الكبيرة لما فيها من الوعيد الشّديد «٧» . القسوة والغلظة قد يطلبان أحيانا: قال الجاحظ: القساوة مكروهة من كلّ أحد إلّا من الجند وأصحاب السّلاح والمتولّين للحروب؛ فإنّ ذلك غير مكروه منهم إذا كان في موضعه «٨» . أمّا الغلظة فإنّها مطلوبة، بل ومأمور بها في التّعامل مع الكفّار والمنافقين وخاصّة في مجال الجهاد (انظر الآيات/ ٨- ١٠) ، ولكنّها منهيّ عنها في التّعامل مع المؤمنين شريطة ألّا تفضي إلى تضييع حقّ من حقوق الله تعالى «٩» . [للاستزادة: انظر صفات: العنف- الأذى- الجفاء- سوء المعاملة- سوء الخلق- الكبر والعجب العتو- الطغيان- العدوان- الظلم- القتل- عقوق الوالدين. وفي ضد ذلك: انظر صفات: الرأفة- الرحمة- الرفق- الشفقة- كفالة اليتيم- اللين- البر- بر الوالدين- تكريم الإنسان- التودد- الرحمة- صلة الرحم- حسن العشرة- حسن المعاملة- البشاشة] .

стр. 6047

الآيات الواردة في «القسوة» ١- وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيها وَاللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٧٢) فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى وَيُرِيكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٧٣) ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٧٤) «١» ٢-* وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً وَقالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ (١٢) فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣) «٢» ٣- وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (٤٢) فَلَوْلا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا وَلكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٤٣) «٣» ٤- وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢) لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ (٥٣) «٤» ٥- أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢٢) «٥» ٦-* أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ (١٦) «٦»

стр. 6048

الآيات الواردة في «الغلظة والفظاظة» ٧- فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩) «١» الآيات الواردة في «الغلظة مع الكفار والمنافقين» ٨- يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٣) يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا وَما نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْناهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْراً لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذاباً أَلِيماً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (٧٤) «٢» ٩- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٢٣) «٣» ١٠- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ (٦) يا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا وَاغْفِرْ لَنا إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٨) يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٩) «٤»

стр. 6049

الأحاديث الواردة في ذمّ (القسوة) ١-* (عن أبي مسعود- ﵁ قال: أشار النّبيّ ﷺ بيده نحو اليمن: «الإيمان هاهنا مرّتين. ألا وإنّ القسوة وغلظ القلوب في الفدّادين «١» حيث يطلع قرنا الشّيطان ربيعة ومضر» «٢» ) * «٣» . ٢-* (عن ابن عمر- ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله؛ فإنّ كثرة الكلام بغير ذكر الله قسوة للقلب، وإنّ أبعد النّاس من الله القلب القاسي» ) * «٤» . ٣-* (عن عبد الله بن عمرو بن العاص- ﵄ أنّ عطاء بن يسار سأله أن يخبره عن صفة رسول الله ﷺ في التّوراة، قال: أجل. والله إنّه لموصوف في التّوراة ببعض صفته في القرآن: يا أيّها النّبيّ إنّا أرسلناك شاهدا ومبشّرا ونذيرا وحرزا للأمّيّين، أنت عبدي ورسولي، سمّيتك المتوكّل، ليس بفظّ ولا غليظ ولا سخّاب «٥» في الأسواق، ولا يدفع بالسّيّئةّ السّيّئة، ولكن يعفو ويصفح، ولن يقبضه الله حتّى يقيم به الملّة العوجاء بأن يقولوا: لا إله إلّا الله، ويفتح بها أعين عمي، وآذان صمّ، وقلوب غلف «٦» » ) * «٧» . ٤-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّ رجلا شكا إلى رسول الله ﷺ قسوة قلبه، فقال له: «إن أردت أن تليّن قلبك فأطعم المسكين، وامسح رأس اليتيم» «٨» . من الآثار وأقوال العلماء والمفسرين الواردة في ذمّ (القسوة) ١-* (أخرج ابن جرير عن قتادة في قوله ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ قال: من بعد ما أراهم الله من إحياء الموتى، ومن بعد ما أراهم من أمر القتيل. فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ثمّ عذر الله الحجارة فقال: وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ» «٩» . ٢-* (أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عبّاس- ﵄ في قوله تعالى: وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ ... الآية، أي إنّ من الحجارة لألين من قلوبكم، لما تدعون إليه من

стр. 6050

الحقّ) * «١» . ٣-* (أخرج ابن جرير عن مجاهد قال: كلّ حجر يتفجّر منه الماء، أو يتشقّقّ عن ماء، أو يتردّى من رأس جبل فمن خشية الله. نزل بذلك القرآن) *) * «٢» . ٤-* (قال أبو إسحاق- ﵀ في قوله تعالى: ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ تأويل قست في اللّغة غلظت ويبست وعست. فتأويل القسوة في القلب ذهاب اللّين والرّحمة والخشوع منه) * «٣» . ٥-* (استعمل أبو حنيفة- ﵀ القسوة في الأزمنة، فقال: من أحوال الأزمنة في قسوتها ولينها، قال الرّاجز: «ويطعمون الشّحم في العام القسيّ» أي عام ذو قحط) * «٤» . ٦-* (قال عبد الله بن مسعود- ﵁: «إنّ بني إسرائيل لمّا طال عليهم الأمد فقست قلوبهم اخترعوا كتابا من عند أنفسهم استهوته قلوبهم، واستحلته ألسنتهم واستلذّته- وكان الحقّ يحول بينهم وبين كثير من شهواتهم- فقالوا: تعالوا ندع بني إسرائيل إلى كتابنا هذا، فمن تابعنا عليه تركناه، ومن كره أن يتابعنا قتلناه. ففعلوا ذلك، ... الحديث) * «٥» . ٧-* (أخرج ابن المنذر عن ابن جريج لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ قال: المنافقون وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ يعني المشركين وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ قال: القرآن وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ قال: من القرآن عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ قال: ليس معه ليلة) * «٦» . ٨-* (قال ابن كثير- ﵀ في تفسير قوله تعالى: أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ أي هل يستوي هذا ومن هو قاسي القلب بعيد من الحقّ؛ لقوله- أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها ولهذا قال تعالى: فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أي فلا تلين عند ذكره، ولا تخشع ولا تعي ولا تفهم أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) * «٧» . ٩-* (قال مالك بن دينار: ما ضرب عبد بعقوبة أعظم من قسوة قلب وما غضب الله على قوم إلّا نزع الرّحمة من قلوبهم) * «٨» . من مضار (القسوة والغلظة والفظاظة) (١) القسوة تذهب اللّين والرّحمة والخشوع من القلب. (٢) أنّ صاحب القلب القاسي بعيد من الله بعيد من النّاس. (٣) القسوة تزيل النّعم وتحلّ النّقم. (٤) في الفظاظة وغلظ القلب مع المسلمين ما يؤدّي إلى تفرّق كلمتهم وطمع العدوّ فيهم. (٥) الفظاظة والغلظة تؤدّيان- خاصّة في مجال الدّعوة إلى الله- إلى انصراف النّاس عن الدّاعية، ونفورهم منه.

стр. 6051

قطيعة الرحم القطيعة لغة: هي الاسم من قولهم: قطع فلان كذا يقطعه، وهو مأخوذ من مادّة (ق ط ع) الّتي تدلّ على صرم وإبانة شيء من شيء، يقال: تقاطع الرّجلان، إذا تصارما وبعثت فلانة إلى فلانة بأقطوعة، وهي شيء تبعثه إليها علامة للصّريمة، والقطع: الطّائفة من اللّيل كأنّه قطعة، وقطعت الطّير قطوعا، إذا خرجت من بلاد الحرّ إلى بلاد البرد، أو من تلك إلى هذه، ويقولون لليائس من الشّيء: قد قطع به، كأنّه أمل أمّله فانقطع. والقطع: إبانة بعض أجزاء الجرم من بعض فصلا. قطعه قطعا وقطيعة وقطوعا. والقطع والقطيعة: الهجران ضدّ الوصل، ورجل قطوع لإخوانه ومقطاع: لا يثبت على مؤاخاة، وتقاطع القوم: تصارموا. وتقاطعت أرحامهم: تحاصّت «١» . وقطع رحمه قطعا وقطيعة وقطّعها: عقّها ولم يصلها. والاسم القطيعة. ورجل قطعة وقطع ومقطع وقطّاع يقطع رحمه. وفي حديث صلة الرّحم: «هذا مقام العائذ بك من القطيعة» ، والقطيعة: الصّدّ وهي فعيلة من القطع، ويريد به ترك البرّ والإحسان إلى الأهل والأقارب وهي ضدّ الصّلة. وقوله تعالى: أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ أي تعودوا إلى أمر الجاهليّة فتفسدوا في الأرض وتئدوا البنات، وقيل: تقطّعوا أرحامكم، تقتل قريش بني هاشم وبنو هاشم قريشا. ويقال: رحم قطعاء بيني وبينك إذا لم توصل. وقال القرطبيّ: تُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ بالبغي والظّلم والقتل، من التّقطيع على التّكثير «٢» ، وقال الطّبريّ: أي تعودوا لما كنتم عليه في جاهليّتكم من التّشتّت والتّفرّق بعدما جمعكم الله بالإسلام وألّف به بين قلوبكم «٣» . ويقال: مدّ فلان إلى فلان بثدي غير أقطع: أي توسّل إليه بقرابة قريبة «٤» . الرحم لغة: انظر: صفة «صلة الرحم» . قطيعة الرحم اصطلاحا: لم تذكر كتب الاصطلاحات قطيعة الرّحم مصطلحا ويمكن أن نعرّف ذلك في ضوء ما ذكروه عن صلة الرّحم وقطيعته فنقول:

стр. 6052

قطيعة الرّحم: هي أن يعقّ الإنسان أولى رحمه وذوي قرابته فلا يصلهم ببرّه ولا يمدّهم بإحسانه. ويختلف ذلك بحسب حال القاطع والمقطوع، فتارة يكون ذلك بمنع المال، وتارة بحجب الخدمة والزّيارة والسّلام، وغير ذلك. حكم قطيعة الرحم: قال القاضي عياض- رحمه الله تعالى-: سمّي العقوق قطعا. والعقّ الشّقّ كأنّه قطع ذلك السّبب المتّصل. ثمّ قال- ﵀: ولا خلاف في أنّ صلة الرّحم واجبة في الجملة، وقطيعتها معصية كبرى والأحاديث تشهد بذلك، ولكنّ الصّلة درجات بعضها أرفع من بعض، وأدناها ترك المهاجرة وصلتها بالكلام ولو بالسّلام، ويختلف ذلك باختلاف القدرة والحاجة فمنها واجب ومنها مستحبّ، ولو وصل بعض الشّيء ولم يصل غايتها لا يسمّى قاطعا، ولو قصّر عمّا يقدر عليه وينبغي له لا يسمّى واصلا «١» . بم تكون القطيعة: قال الصّنعانيّ- رحمه الله تعالى-: اختلف العلماء بأيّ شيء تحصل القطيعة للرّحم. فقال الزّين العراقيّ: تكون بالإساءة إلى الرّحم. وقال غيره: تكون بترك الإحسان لأنّ الأحاديث آمرة بالصّلة ناهية عن القطيعة فلا واسطة بينهما، والصّلة: نوع من الإحسان. كما فسّرها بذلك غير واحد، والقطيعة ضدّها وهي ترك الإحسان. وقال الحافظ ابن حجر: القاطع الّذي لا يتفضّل عليه ولا يتفضّل «٢» . قطيعة الرحم من الكبائر: قال صاحب العدّة- رحمه الله تعالى- في معرض بيان الكبائر بعد أن ذكر كلام القاضي أبي سعيد الهرويّ والقاضي الرّويانيّ: أكل الرّبا، والإفطار في رمضان بلا عذر، واليمين الفاجرة، وقطع الرّحم، وعقوق الوالدين والفرار من الزّحف، وأكل مال اليتيم، والخيانة في الكيل والوزن، وتقديم الصّلاة على وقتها، وتأخيرها عن وقتها بلا عذر، وأخذ الرّشوة، والسّعاية عند السّلطان، ومنع الزّكاة، وترك الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر مع القدرة، ونسيان القرآن بعد تعلّمه، وإحراق الحيوان بالنّار، وامتناع المرأة عن زوجها بلا سبب، واليأس من رحمة الله، والأمن من مكر الله، ويقال الوقيعة في أهل العلم وحملة القرآن «٣» . [للاستزادة: انظر صفات: الجحود- عقوق الوالدين- نكران الجميل- الإساءة- سوء المعاملة- سوء الخلق- الجفاء. وفي ضد ذلك: انظر صفات: البر- بر الوالدين- تكريم الإنسان- التودد- الرحمة- صلة الرحم- الاعتراف بالفضل- الإحسان- حسن العشرة- حسن المعاملة- حسن الخلق] .

стр. 6053

الآيات الواردة في «قطيعة الرحم» ١-* إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ (٢٦) الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٢٧) «١» ٢-* أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ (١٩) الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ (٢٠) وَالَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ (٢١) وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (٢٢) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ (٢٣) سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (٢٤) وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٢٥) «٢» ٣- فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ (٢٢) أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ (٢٣) «٣»

стр. 6054

الأحاديث الواردة في ذمّ (قطيعة الرحم) ١-* (عن رجل من خثعم أنّه قال: أتيت النّبيّ ﷺ وهو فى نفر من أصحابه، فقلت: أنت الّذى تزعم أنّك رسول الله؟ قال: «نعم» . قال: قلت: يا رسول الله، أيّ الأعمال أحبّ إلى الله؟ قال: «الإيمان بالله» قال: قلت يا رسول الله! ثمّ مه «١» ؟ قال: «ثمّ صلة الرّحم» . قال: قلت: يا رسول الله، ثمّ مه؟. قال: «ثمّ الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر» . قال: قلت: يا رسول الله، أيّ الأعمال أبغض إلى الله؟ قال: «الإشراك بالله» . قال: قلت: يا رسول الله، ثمّ مه؟. قال «ثمّ قطيعة الرّحم» . قال: قلت: يا رسول الله! ثمّ مه؟ قال: «ثمّ الأمر بالمنكر والنّهي عن المعروف» ) * «٢» . ٢-* (عن عقبة بن عامر- ﵁ قال: خرج رسول الله ﷺ ونحن في الصّفّة «٣» . فقال: «أيّكم يحبّ أن يغدو كلّ يوم إلى بطحان «٤» أو إلى العقيق «٥» فيأتي منه بناقتين كوماوين «٦» في غير إثم ولا قطع رحم؟» فقلنا: يا رسول الله، نحبّ ذلك. قال: أفلا يغدو أحدكم إلى المسجد فيعلم أو يقرأ آيتين من كتاب الله- خير له من ناقتين. وثلاث خير له من ثلاث وأربع خير له من أربع. ومن أعدادهنّ من الإبل» ) * «٧» . ٣-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ أعمال بني آدم تعرض كلّ خميس ليلة الجمعة فلا يقبل عمل قاطع رحم» ) * «٨» . وفي رواية الأدب المفرد، أنّ أبا هريرة- ﵁ جاء عشيّة الخميس ليلة الجمعة فقال: أحرّج «٩» على كلّ قاطع رحم لما قام من عندنا. فلم يقم أحد. حتّى قال ثلاثا. فأتى فتى عمّة له قد صرمها (يعني تركها) منذ سنتين. فدخل عليها. فقالت له: يا بن أخي، ما جاء بك؟ قال سمعت أبا هريرة يقول كذا وكذا. قالت: ارجع إليه فسله لم قال ذلك؟. قال: سمعت النّبيّ ﷺ يقول: وذكر الحديث ... » ) * «١٠» . ٤-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: إنّ رجلا قال: يا رسول الله، إنّ لي قرابة أصلهم

стр. 6055

ويقطعوني. وأحسن إليهم ويسيئون إليّ. وأحلم عنهم ويجهلون عليّ. فقال: «لئن كنت كما قلت فكأنّما تسفّهم الملّ «١» . ولا يزال معك من الله ظهير «٢» عليهم، مادمت على ذلك» ) * «٣» . ٥-* (عن أنس- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ الرّحم شجنة «٤» متمسّكة بالعرش تكلّم بلسان ذلق اللهمّ صل من وصلني واقطع من قطعني، فيقول الله ﵎: أنا الرّحمن الرّحيم، وإنّي شققت للرّحم من اسمي. فمن وصلها وصلته، ومن نكثها «٥» نكثته» ) * «٦» . ٦-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ الله خلق الخلق، حتّى إذا فرغ من خلقه قامت الرّحم فقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة، قال: نعم، أما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى يا ربّ. قال: فذاك لك» . ثمّ قال رسول الله ﷺ : «اقرؤوا إن شئتم فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ» ) * «٧» . ٧-* (عن عبد الله بن عمر- ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «إيّاكم والشّحّ فإنّه أهلك من كان قبلكم، أمرهم بالظّلم فظلموا وأمرهم بالقطيعة فقطعوا، وأمرهم بالفجور ففجروا، وإيّاكم والظّلم، فإنّ الظّلم ظلمات يوم القيامة، وإيّاكم والفحش فإنّ الله لا يحبّ الفحش ولا التّفحّش» ، فقام إليه رجل فقال: يا رسول الله، أيّ المسلمين أفضل؟ قال: «من سلم المسلمون من لسانه ويده» . فقام هو أو آخر فقال: يا رسول الله، أيّ الجهاد أفضل؟ قال: «من عقر جواده وأهريق دمه» قال أبي: وقال يزيد بن هارون في حديثه: ثمّ ناداه هذا أو غيره فقال: يا رسول الله، أيّ الهجرة أفضل؟ قال: «أن تهجر ما كره ربّك، وهما هجرتان، هجرة للبادي وهجرة للحاضر. فأمّا هجرة البادي، فيطيع إذا أمر ويجيب إذا دعي، وأمّا هجرة الحاضر فهي أشدّهما بليّة وأعظمهما أجرا» ) * «٨» . ٨-* (عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إنّ لي ذوي أرحام أصل ويقطعوني

стр. 6056

وأعفو ويظلموني وأحسن ويسيئون. أفأكافئهم؟ قال: «إذا تشتركون جميعا، ولكن خذ بالفضل وصلهم، فإنّه لن يزال معك ملك ظهير من الله- ما كنت على ذلك» ) * «١» . ٩-* (عن ابن عبّاس- ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «احفظوا أنسابكم تصلوا أرحامكم، فإنّه لا بعد بالرّحم إذا قربت، وإن كانت بعيدة، ولا قرب بها إذا بعدت، وإن كانت قريبة، وكلّ رحم آتية يوم القيامة أمام صاحبها، تشهد له بصلة إن كان وصلها، وعليه بقطيعة إن كان قطعها» ) * «٢» . ١٠-* (عن عائشة- ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «الرّحم معلّقة بالعرش تقول: من وصلني وصله الله. ومن قطعني قطعه الله» ) * «٣» . ١١-* (عن عبد الله بن عمرو- ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «ليس الواصل بالمكافىء، ولكن الواصل الّذي إذا قطعت رحمه وصلها» ) * «٤» . ١٢-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّه قال: قال رسول الله ﷺ : ليس شيء أطيع الله فيه أعجل ثوابا من صلة الرّحم، وليس شيء أعجل عقابا من البغي وقطيعة الرّحم، واليمين الفاجرة تدع الدّيار بلاقع) * «٥» . ١٣-* (عن أبي بكرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من ذنب أجدر أن يعجّل الله لصاحبه العقوبة في الدّنيا مع ما يدّخر له في الآخرة من البغي وقطيعة الرّحم» ) * «٦» . ١٤-* (عن جبير بن مطعم بن عديّ- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يدخل الجنّة قاطع. قال ابن أبي عمر: قال سفيان: يعني قاطع رحم» ) * «٧» . ١٥-* (عن عبادة بن الصّامت- ﵁ أنّه قال: قال رسول الله ﷺ : «ما على الأرض

стр. 6057

مسلم يدعو الله بدعوة إلّا آتاه الله إيّاها، أو صرف عنه من السّوء مثلها، ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم» فقال رجل من القوم: إذا نكثر. قال: «الله أكثر» ) * «١» . الأحاديث الواردة في ذمّ (قطيعة الرحم) معنى ١٦-* (عن المغيرة بن شعبة- ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: «إنّ الله حرّم عليكم عقوق الأمّهات ومنعا وهات، ووأد البنات، وكره لكم قيل وقال، وكثرة السّؤال، وإضاعة المال» ) * «٢» . ١٧-* (عن ابن عبّاس- ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ الله ليعمّر بالقوم الدّيار، ويثمر لهم الأموال وما نظر إليهم منذ خلقهم بغضا لهم. قيل: وكيف ذلك يا رسول الله؟ قال: لتضييعهم أرحامهم» ) * «٣» . ١٨-* (عن عبد الله بن عمرو- ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ من أكبر الكبائر أن يلعن الرّجل والديه. قيل: يا رسول الله وكيف يلعن الرّجل والديه؟ قال: «يسبّ الرّجل أبا الرّجل فيسبّ أباه، ويسبّ أمّه فيسبّ أمّه» ) * «٤» . ١٩-* (عن أبي كبشة الأنماريّ- ﵁ قال: أنّه سمع رسول الله ﷺ يقول: «ثلاث أقسم عليهنّ وأحدّثكم حديثا فاحفظوه، قال: فأمّا الثّلاث الّذي أقسم عليهنّ: فإنّه ما نقص مال عبد من صدقة، ولا ظلم عبد مظلمه فيصبر عليها إلّا زاده الله بها عزّا، ولا يفتح عبد باب مسألة إلّا فتح الله له باب فقر. وأمّا الّذي أحدّثكم حديثا فاحفظوه فإنّه قال: إنّما الدّنيا لأربعة نفر: عبد رزقه الله مالا وعلما فهو يتّقي فيه ربّه فيصل فيه رحمه، ويعلم لله- فيه حقّه. قال: فهذا بأفضل المنازل. وعبد رزقه الله- علما ولم يرزقه مالا قال: فهو يقول: لو كان لي مال عملت بعمل فلان، قال: فأجرهما سواء، قال: وعبد رزقه الله مالا ولم يرزقه علما فهو يخبط في ماله بغير علم لا يتّقي فيه ربّه- ولا يصل فيه رحمه، ولا يعلم لله فيه حقّه فهذا بأخبث المنازل قال: وعبد لم يرزقه الله مالا ولا علما فهو يقول لو كان لي مال لعملت بعمل فلان قال: هي نيّته فوزرهما فيه سواء» ) * «٥» .

стр. 6058

٢٠-* (عن ابن عمر- ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة: العاقّ لوالديه، ومدمن الخمر، والمنّان عطاءه، وثلاثة لا يدخلون الجنّة: العاقّ لوالديه، والدّيّوث «١» ، والرّجلة «٢» » ) * «٣» . ٢١-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «رغم «٤» أنف، ثمّ رغم أنف، ثمّ رغم أنف.» قيل: من يا رسول الله؟ قال: «من أدرك أبويه عند الكبر، أحدهما أو كليهما فلم يدخل الجنّة» ) * «٥» . ٢٢-* (عن أبي بكرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ألا أنبّئكم بأكبر الكبائر؟ (ثلاثا) الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وشهادة الزّور (أو قول الزّور) ، وكان رسول الله ﷺ متّكئا فجلس. فما زال يكرّرها حتّى قلنا ليته سكت» ) * «٦» . ٢٣-* (عن جرير بن عبد الله البجليّ- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من ذي رحم يأتي ذا رحمه فيسأله فضلا أعطاه الله إيّاه فيبخل عليه إلّا أخرج الله له يوم القيامة من جهنّم حيّة يقال لها شجاع فيطوّق به» ) * «٧» . من الآثار وأقوال العلماء الواردة في ذمّ (قطيعة الرحم) ١-* (قال عمر بن عبد العزيز- رحمه الله تعالى- يوصي ميمون بن مهران: إنّي أوصيك بثلاث فاحفظهنّ. قلت: يا أمير المؤمنين ما هنّ؟ قال: لا تخل بامرأة ليس بينك وبينها محرم وإن قرأت عليها القرآن، ولا تصاف قاطع رحم فإنّ الله- لعنه في آيتين من كتاب الله- ﵎ آية في الرّعد، قوله ﵎: وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ (الرعد/ ٢٥) وفي سورة محمّد فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ (محمد/ ٢٢) * «٨» . ٢-* (قال عمرو بن ميمون- رحمه الله تعالى-: «لمّا تعجّل موسى- ﵇ ربّه- رأى في ظلّ العرش رجلا فغبطه بمكانه فقال: إنّ هذا لكريم على ربّه- . فسأل ربّه أن يخبره باسمه فلم يخبره وقال: أحدّثك من عمله بثلاث، كان لا يحسد النّاس على ما آتاهم الله من فضله، وكان لا

стр. 6059

يعقّ والديه، ولا يمشي بالنّميمة) * «١» . ٣-* (قال يونس بن عبيد- رحمه الله تعالى- كانوا يرجون للرّهق بالبرّ الجنّة، ويخافون على المتألّه بالعقوق النّار) * «٢» . ٤-* (قال جعفر الصّادق- رحمه الله تعالى «مودّة يوم صلة، ومودّة سنة رحم ماسّة، من قطعها قطعه الله- » ) * «٣» . ٥-* (قال الطّيبيّ- رحمه الله تعالى-: «إنّ الله يبقي أثر واصل الرّحم طويلا فلا يضمحلّ سريعا كما يضمحلّ أثر قاطع الرّحم» ) * «٤» . ٦-* (قال ابن بطّال- رحمه الله تعالى-: «إنّ الرّحم المأمور بصلتها والمتوعّد على قطعها هي الّتي شرع لها ذلك. فأمّا من أمر بقطعه من أجل الدّين فيستثنى من ذلك (الوعيد) ولا يلحق بالوعيد من قطعه لأنّه قطع من أمر الله بقطعه، لكن لو وصلوا بما يباح من أمر الدّنيا لكان فضلا، كما دعا ﷺ لقريش بعد أن كانوا كذّبوه فدعا عليهم بالقحط ثمّ استشفعوا به فرقّ لهم لمّا سألوه برحمهم فرحمهم ودعا لهم) * «٥» . ٧-* (قال القرطبيّ- رحمه الله تعالى-: اتّقوا الأرحام أن تقطعوها» ) * «٦» . من مضار (قطيعة الرحم) (١) قطع الصّلة بالله، والبعد عن رضاه. (٢) ضيق في الرّزق وقلّة البركة في العمر. (٣) يكسب سخط الرّبّ وبغض النّاس. (٤) تقطيع أواصر العلاقات الاجتماعيّة بين أفراد الأسرة الواحدة والأسر المرتبطة بالمصاهرة حتّى يسود المجتمع كلّه. (٥) يوجب دخول النّيران. (٦) يخرّب الدّيار العامرة.

стр. 6060

القلق القلق لغة: القاف واللّام والقاف كلمة تدلّ على الانزعاج. يقال: قلق يقلق. وقال ابن منظور: القلق الانزعاج يقال: بات قلقا وأقلقه غيره فقلق. وأقلق الشّيء من مكانه وقلقه: حرّكه. وقد أقلقه فقلق، وفي حديث عليّ: «أقلقوا السّيوف في الغمد» أي حرّكوها في أغمادها قبل أن تحتاجوا إلى سلّها ليسهل عند الحاجة إليها. القلق: الانزعاج، من قولهم: قلق الشّيء قلقا فهو قلق. وقلق الهمّ وغيره فلانا أزعجه، وقلق يقلق قلقا: لم يستقرّ في مكان واحد ولم يستقرّ على حال، وقلق فلان: اضطرب وانزعج فهو قلق، وأقلقت النّاقة: قلق ما عليها، والمقلاق الشّديد القلق، يستوي فيه المذكّر والمؤنّث، يقال: رجل مقلاق، وامرأة مقلاق. ومقلاق الوشاح، أي لا يثبت الوشاح على خصرها لرقّته «١» . القلق اصطلاحا: لم تذكر كتب المصطلحات القديمة القلق ممّا يعنى أنّ المعنى واحد في اللّغة والاصطلاح، ولكنّ القلق قد اكتسب في العصر الحديث أبعادا نفسيّة واجتماعيّة جديدة ممّا جعل المحدثين يذكرون له التّعريفات الآتية: القلق: حالة انفعاليّة مصحوبة بالخوف أو الفزع تحدث كردّ فعل لتوقّع خطر حقيقيّ خارجيّ «٢» . وقال مؤلّفا كتاب الصّحّة النّفسيّة في ضوء علم النّفس والإسلام: القلق حالة نفسيّة مؤلمة تنتج عن شعور الإنسان بالعجز في مواقف الإحباط والصّراع «٣» . وقالا- في موضع آخر: القلق: شعور عامّ غامض، غير سارّ، مبالغ فيه، له أعراض نفسيّة وجسميّة عديدة «٤» . وقال حامد زهران: القلق هو حالة توتّر شامل ومستمرّ نتيجة توقّع تهديد خطر فعليّ أو احتماليّ يصحبها خوف غامض وأعراض جسميّة ونفسيّة «٥» . أقسام القلق: قسّم العلماء المحدثون القلق تقسيمات عديدة أهمّها: أ- التّقسيم باعتبار الأشخاص الّذين يصابون به، وهنا نجد نوعين من القلق هما: ١- القلق الاجتماعيّ: وهو الاحتكاك والإحباط في علاقات الجماعات وهو نوعان: غير محدّد السّبب، ويسفر عن الاضطرابات والتّفكّك. محدّد السّبب، ويظهر في أفعال مختلفة يتوقّف
следующие страницы →