← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 22798

نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (6 530 стр.). Показаны 6301–6340 · переход к 6306.

стр. 6301

الأحاديث الواردة في ذمّ (موالاة الكفار) ١-* (عن عليّ- ﵁ قال: بعثنا رسول الله ﷺ أنا والزّبير والمقداد، فقال: «ائتوا روضة خاخ «١» فإنّ بها ظعينة «٢» معها كتاب. فخذوه منها» فانطلقنا تعادى «٣» بنا خيلنا، فإذا نحن بالمرأة، فقلنا: أخرجي الكتاب، فقالت: ما معي كتاب، فقلنا: لتخرجنّ الكتاب أو لتلقينّ الثّياب، فأخرجته من عقاصها «٤» . فأتينا به رسول الله ﷺ ، فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة إلى ناس من المشركين، من أهل مكّة، يخبرهم ببعض أمر رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : «يا حاطب، ما هذا؟» قال: لا تعجل عليّ يا رسول الله، إنّي كنت امرأ ملصقا في قريش (قال سفيان: كان حليفا لهم. ولم يكن من أنفسها) وكان ممّن كان معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أهليهم. فأحببت إذ فاتني ذلك من النّسب فيهم، أن أتّخذ فيهم يدا يحمون بها قرابتي، ولم أفعله كفرا ولا ارتدادا عن ديني. ولا رضا بالكفر بعد الإسلام. فقال النّبيّ ﷺ : «صدق» ، فقال عمر: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق، فقال: «إنّه قد شهد بدرا، وما يدريك لعلّ الله اطّلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم» فأنزل الله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ (٦٠/ الممتحنة/ ١) * «٥» . ٢-* (عن جرير بن عبد الله البجليّ- ﵁ أنّه قال: بعث رسول الله ﷺ سريّة إلى خثعم فاعتصم ناس منهم بالسّجود، فأسرع فيهم القتل فبلغ ذلك النّبيّ ﷺ فأمرهم بنصف العقل، وقال: أنا بريء من كلّ مسلم يقيم بين أظهر المشركين» قالوا: يا رسول الله، لم؟ قال: «لا تراءى ناراهما» ) * «٦» . ٣-* (عن ابن عبّاس- ﵄ أنّه قال: قال رسول الله ﷺ لأبي ذرّ: «أيّ عرى الإيمان أوثق؟» قال: الله ورسوله أعلم، قال: «الموالاة في الله، والمعاداة في الله، والحبّ في الله، والبغض في الله» ) * «٧» . ٤-* (عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جدّه ﵁ أنّه قال: قلت: يا نبيّ الله ما أتيتك حتّى حلفت أكثر من عددهنّ- لأصابع يديه- ألّا

стр. 6302

آتيك ولا آتي دينك، وإنّي كنت امرأ لا أعقل شيئا إلّا ما علّمني الله ورسوله وإنّي أسألك بوجه الله- بما بعثك «١» ربّك إلينا؟ قال: «بالإسلام» قال: قلت: وما آيات الإسلام، قال: «أن تقول أسلمت وجهي إلى الله- وتخلّيت، وتقيم الصّلاة، وتؤتي الزّكاة، كلّ مسلم على مسلم محرّم، أخوان نصيران لا يقبل الله- من مشرك بعد ما أسلم عملا، أو يفارق «٢» المشركين إلى المسلمين» ) * «٣» . ٥-* (عن يزيد بن عبد الله بن الشّخّير- رحمه الله تعالى- قال: كنّا بالمربد جلوسا، فأتى علينا رجل من أهل البادية فلمّا رأيناه قلنا: كأنّ هذا رجل ليس من أهل البلد، قال: أجل، فإذا معه كتاب في قطعة أديم، وربّما قال: في قطعة جراب، فقال: هذا كتاب كتبه لى رسول الله ﷺ ، فإذا فيه: «بسم الله الرّحمن الرّحيم، هذا كتاب من محمّد النّبيّ ﷺ لبني زهير بن أقيش- وهم حيّ من عكل- إنّكم إن أقمتم الصّلاة وآتيتم الزّكاة، وفارقتم المشركين، وأعطيتم الخمس من المغنم، ثمّ سهم النّبيّ والصّفيّ» ، وربّما قال: «وصفيّه، فأنتم آمنون بأمان الله ﵎ وأمان رسوله) * «٤» . ٦-* (عن ابن عمر- ﵄ أنّه قال: قال رسول الله ﷺ : «بعثت بالسّيف حتّى يعبد الله لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظلّ رمحي، وجعل الذّلّة والصّغار على من خالف أمرى، ومن تشبّه بقوم فهو منهم» ) * «٥» . ٧-* (عن جرير بن عبد الله البجليّ- ﵁ أنّه قال: قلت: يا رسول الله اشترط عليّ فقال: «تعبد الله لا تشرك به شيئا، وتصلّي المكتوبة، وتؤدّي الزّكاة المفروضة، وتنصح للمسلم، وتبرأ من الكافر» ) * «٦» .

стр. 6303

من الآثار وأقوال العلماء والمفسرين الواردة في ذمّ (موالاة الكفار) ١-* (قال عمر- ﵁ لأبي موسى وأمره أن يرفع إليه ما أخذ وما أعطى في أديم واحد وكان له كاتب نصرانيّ- فرفع إليه ذلك فعجب عمر وقال: إنّ هذا لحفيظ، هل أنت قارئ لنا كتابا في المسجد جاء من الشّام؟ فقال: إنّه لا يستطيع، فقال عمر: أجنب هو؟ قال: لا، بل نصرانيّ، قال: فانتهرني وضرب فخذي ثمّ قال: أخرجوه، ثمّ قرأ: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ) * «١» . ٢-* (قال عبد الله بن عتبة- ﵁: ليتّق أحدكم أن يكون يهوديّا أو نصرانيّا، وهو لا يشعر قال ابن سيرين: فظننّاه يريد هذه الآية: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ) * «٢» . ٣-* (قال ابن جرير- رحمه الله تعالى- عند قوله تعالى: لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ..: هذا نهي من الله- إلى المؤمنين أن يتّخذوا الكفّار أعوانا وأنصارا وظهورا توالونهم على دينهم وتظاهرونهم على المسلمين من دون المؤمنين وتدلّونهم على عوراتهم؛ فإنّه من يفعل ذلك فليس من الله في شيء، يعني بذلك، فقد برىء من الله تعالى وبرأ الله منه بارتداده عن دينه ودخوله في الكفر: إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً) يعني إلّا أن تكونوا في سلطانهم فتخافوهم على أنفسكم فتظهروا لهم الولاية بألسنتكم وتضمروا لهم العداوة، ولا تشايعوهم على ما هم عليه من الكفر، ولا تعينوهم على مسلم بفعل) * «٣» . ٤-* (قال القاضي ابن عطيّة- رحمه الله تعالى في معنى قوله تعالى- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ ... (المائدة/ ٥١) الآية: نهى الله تعالى المؤمنين بهذه الآية عن اتّخاذ اليهود والنّصارى أولياء في النّصرة والخلطة المؤدّية إلى الامتزاج والمعاضدة، وكلّ من هذين الصّنفين له حظّه من هذا المقت الّذي تضمّنه قوله تعالى فَإِنَّهُ مِنْهُمْ وأمّا معاملة اليهود والنّصارى في غير مخالطة ولا ملابسة فلا تدخل في النّهي) * «٤» . ٥-* (قال القرطبيّ- ﵀ عند قوله تعالى: بَشِّرِ الْمُنافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً* الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ ... (النساء/ ١٣٨- ١٣٩) : يقول الله تعالى لنبيّه محمّد ﷺ يا محمّد، بشّر المنافقين الّذين يتّخذون أهل الكفر بي والإلحاد في ديني أولياء، يعنى أنصارا وأخلّاء من دون المؤمنين تاركين موالاة المؤمنين معرضين عنها، يطلبون عند هؤلاء الكفّار المنعة والقوّة والنّفوذ، وما علم أولئك السّفهاء البلهاء أنّ العزّة لله جميعا) * «٥» .

стр. 6304

٦-* (قال ابن قدامة المقدسيّ- رحمه الله تعالى-: الأفضل لمن أكره على كلمة الكفر أو على موالاة الكفّار والموافقة على دينهم أن يصبر ولا يمتثل حتّى ولو أتى على نفسه) * «١» . ٧-* (قال ابن تيميّة- رحمه الله تعالى-: إنّ تحقيق شهادة أن لا إله إلّا الله يقتضي أن لا يحبّ إلّا لله، ولا يبغض إلّا لله ولا يوالي إلّا لله، ولا يعادي إلّا لله، وأن يحبّ ما أحبّه الله، ويبغض ما أبغضه الله) * «٢» . ٨-* (قال ابن كثير- رحمه الله تعالى- في معنى قوله تعالى: لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ ... (آل عمران/ ٢٨) : نهى الله ﵎ عباده المؤمنين أن يوالوا الكافرين وأن يتّخذوهم أولياء يسرّون إليهم بالمودّة من دون المؤمنين ثمّ توعّد على ذلك فقال: وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ أي ومن يرتكب نهي الله في هذا فقد برىء من الله) * «٣» . ٩-* (وقال أيضا عند قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِياءَ ... (المائدة/ ٥٧) : هذا تنفير من موالاة أعداء الإسلام وأهله من الكتابيّين والمشركين الّذين يتّخذون أفضل ما يعمله العاملون- وهي شرائع الإسلام المطهّرة المشتملة على كلّ خير دنيويّ وأخرويّ- يتّخذونها هزوا يستهزئون بها ولعبا يعتقدون أنّها نوع من اللّعب في نظرهم الفاسد) * «٤» . ١٠-* (قال الشّيخ عبد اللّطيف بن عبد الرّحمن بن حسن- ﵀ إنّ الموالاة تنقسم إلى قسمين: موالاة مطلقة عامّة وهذه كفر صريح، وهي بهذه الصّفة مرادفة لمعنى التّولّي، وعلى ذلك تحمل الأدلّة في النّهي الشّديد عن موالاة الكفّار، وأنّ من والاهم فقد كفر. موالاة خاصّة وهي موالاة الكفّار لغرض دنيويّ مع سلامة الاعتقاد وعدم إضمار نيّة الكفر والرّدّة كما حصل من حاطب بن أبي بلتعة في إفشاء سرّ رسول الله ﷺ في غزو مكّة كما هو مذكور في سبب نزول سورة الممتحنة) * «٥» . من مضار (موالاة الكفار) (١) تخرج المرء من الإسلام، وتلحقه بدين من والاه. (٢) دليل على بغض الله ورسوله ودين الإسلام. (٣) تحرم صاحبها من الجنان، وتورده النّيران مخلّدا فيها. (٤) تعين على هدم الإسلام وتقويض أركانه. (٥) تقوّي الكفر والباطل. (٦) توقع أعلى الأذيّة على المسلمين وعباد الله المؤمنين.

стр. 6305

الميسر* الميسر لغة: اسم لنوع من لعب الكفّار في الجاهليّة ماخوذ من مادّة (ي س ر) الّتي تدلّ على انفتاح شيء وخفّته «١» . ومن ذلك المعنى أخذ اليسر نقيض العسر، واليسار في معنى الغنى، يقول ابن فارس: ومن الباب الأيسار، أي القوم يجتمعون على الميسر، واحدهم يسر، والميسر: القمار «٢» . وهو وجوب الشّيء لصاحبه، يقال: يسر لي كذا إذا وجب» . وهو مأخوذ من اليسر «٤» وقيل: الميسر قمار العرب بالأزلام، والياسر اللّاعب بالقداح، يقال: يسر الرّجل ييسر. قال الجوهريّ: ولم تحذف الياء فيه ولا في يينع كما حذفت في يعد وما أشبهها لتقوى إحدى اليائين بالأخرى، واليسر والياسر بمعنى، قال أبو ذؤيب: وكأنّهنّ ربابة وكأنّه ... يسر يفيض على القداح ويصدع «٥» . ويسر القوم الجزور: اجتزروها واقتسموا أعضاءها. وقال ابن منظور: يقال يسر الرّجل يسر من باب وعد فهو ياسر وبه سمّي- الميسر على وزن مسجد، واليسر: هم الّذين يتقامرون أو يلون قسمة الجزور المقامر عليها، وقد يقال: يسر ييسر (بإبقاء فاء الفعل) إذا جاء بقدحه للقمار. والميسر: الجزور نفسه لأنّه يجزّأ أجزاء والياسر الجازر، ثمّ يقال للضّاربين بالقداح والمتقامرين على الجزور: ياسرون، ثمّ أطلق على اللّاعب بالقداح. وكان العرب إذا أرادوا أن ييسروا اشتروا جزورا نسيئة ونحروه قبل أن ييسرو، وقسّموه ثمانية وعشرين قسما أو عشرة أقسام، فإذا خرج واحد واحد باسم رجل رجل ظهر فوز من خرج لهم ذوات الأنصباء، وغرم من خرج له الغفل «٦» . الميسر اصطلاحا: إذا كان الميسر هو القمار فإنّه يعرّف بما يعرّف به ومن ثمّ يكون الميسر: هو أن يأخذ المقامر من صاحبه شيئا فشيئا في اللّعب «٧»

стр. 6306

قال الجرجانيّ: وهو في زماننا (أي في القرن الثّامن للهجرة حيث توفّي الجرجانيّ ٧٤٠ هـ) كلّ لعب يشترط فيه الغالب من المتغالبين أخذ شيء من الملعوب معه «١» . وذكر الكفويّ أنّ الميسر: كلّ شيء فيه خطر «٢» والمعنى كلّ لعب يؤدّي إلى المخاطرة بفقد المال نتيجة لذلك اللّعب، وقد أكّد الذّهبيّ هذا المعنى عندما قال: الميسر: هو القمار بأيّ نوع كان، مثل النّرد والشّطرنج أو الفصوص، أو الكعاب، أو البيض، أو الجوز، أو الحصى، أو ما شابه ذلك، وهو من أكل أموال النّاس بالباطل «٣» . لماذا نهى الإسلام عن الميسر ؟ للقمار أضرار عديدة منها: أنّه يوقع العداوة والبغضاء بين المتقامرين، وأنّه يلهي عن ذكر الله وعن الصّلاة وسائر الأعمال المفيدة، فضلا عن أنّه عادة جاهليّة، من دعا إليها أو مارسها فكأنّه حاكى الكفّار في لعبهم، وقد جاء النّهي عن ذلك عقب النّهي عن الحلف باللّات. وقال الطّيبيّ: الحكمة من ذكر القمار بعد الحلف باللّات في قوله ﷺ أنّ من حلف باللّات وافق الكفّار في حلفهم فأمر بالتّوحيد، ومن دعا إلى المقامرة وافقهم في لعبهم فأمر بكفّارة ذلك بالتّصديق. قال: وفي الحديث: أنّ من دعا إلى اللّعب فكفّارته أن يتصدّق، ويتأكّد ذلك في حقّ من لعب بطريق الأولى «٤» . قال الحكيم التّرمذيّ: نهى الشّارع عن النّرد وعن اللّعب به، وعن محالفة اللّاعب بالنّرد ونهى عن القمار كلّه وعن اللّعب بالجوز للصّبيان فهذا كلّه من القمار وهو الميسر. قال القاسم بن محمّد: كلّ ما ألهى عن ذكر الله وعن الصّلاة فإنّما نهى عن ذلك كلّه لأنّه الأمر الملهي يدعو إلى القمار، فأمّا بيع الشّطرنج والنّرد فهو شيء لا ثمن له؛ لأنّه لا نفع فيه ولو كسر وأحرق لم يضمن الكاسر شيئا، وقد رخّص ابن عمر للصّبيان في اللّعب بالجوز في أيّام العيد فيما روي عنه؛ لأنّ ذلك منهم غير طلب القمار والّذي جاء من النّهي عن رسول الله ﷺ تأديب لهم، واللّعب كلّه باطل، وما خلق الخلق للّعب «٥» . [للاستزادة: انظر صفات: اللهو واللعب- البغض- شرب الخمر- العصيان- الفسوق- انتهاك الحرمات- اتباع الهوى- التفريط والإفراط. وفي ضد ذلك: انظر صفات: الاستقامة- الذكر- الطاعة- العبادة- العمل- تعظيم الحرمات التقوى] .

стр. 6307

الآيات الواردة في النهي عن «الميسر» ١-* يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢١٩) «١» ٢- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١) «٢» الآيات الواردة في النهي عن «الميسر» معنى ٣- وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٨) «٣» ٤- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً (٢٩) «٤» ٥-* يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢١) «٥»

стр. 6308

الأحاديث الواردة في ذمّ (الميسر) ١-* (عن ابن عبّاس- ﵄ أنّ وفد عبد القيس قالوا: يا رسول الله فيم نشرب؟ قال: «لا تشربوا في الدّبّاء، ولا في المزفّت، ولا في النّقير، وانتبذوا في الأسقية» . قالوا: يا رسول الله فإن اشتدّ في الأسقية؟ قال: «فصبّوا عليه الماء» قالوا: يا رسول الله فقال لهم في الثّالثة أو الرّابعة: «أهريقوه» ثمّ قال: «إنّ الله حرّم عليّ- أو حرّم- الخمر، والميسر والكوبة» قال: «وكلّ مسكر حرام» قال سفيان: فسألت عليّ ابن بذيمة عن الكوبة، قال: الطّبل) * «١» . ٢-* (عن عبد الله يعني ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : «إيّاكم وهاتان الكعبتان «٢» الموسومتان اللّتان تزجران زجرا؛ فإنّها ميسر العجم» ) * «٣» . الأحاديث الواردة في ذمّ (الميسر) معنى ٣-* (عن عبد الله بن مسعود- ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: «الخيل ثلاثة: ففرس للرّحمن، وفرس للإنسان، وفرس للشّيطان، فأمّا فرس الرّحمن، فالّذي يرتبط في سبيل الله فعلفه وبوله وروثه وذكر ما شاء الله، وأمّا فرس الشّيطان فالّذي يقامر عليه ويراهن، وأمّا فرس الإنسان فالفرس يرتبطها الإنسان يلتمس بطنها، فهي ستر من فقر» ) * «٤» . ٤-* (عن رجل من الأنصار عن النّبيّ ﷺ قال: «الخيل ثلاثة: فرس يرتبطه الرّجل في سبيل الله- قيمته أجر، وركوبه أجر، وعاريته أجر، وفرس يغالق عليه الرّجل ويراهن؛ قيمته وزر، وركوبه وزر، وعاريته وزر، وعلفه وزر، وفرس للبطنة فعسى أن تكون سدادا من الفقر إن شاء الله» ) * «٥» . ٥-* (عن عبد الرّحمن بن سعيد قال: سمعت أبي يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «مثل الّذي يلعب بالنّرد ثمّ يقوم فيصلّي مثل الّذي يتوضّأ بالقيح ودم الخنزير ثمّ يقوم فيصلّي» ) * «٦» . ٦-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال:

стр. 6309

قال رسول الله ﷺ : «من حلف فقال في حلفه: واللّات والعزّى، فليقل: لا إله إلّا الله. ومن قال لصاحبه: تعال أقامرك فليتصدّق» ) * «١» . ٧-* (قال أبو موسى- ﵁: من لعب بالكعاب فقد عصى الله ورسوله) * «٢» . ٨-* (عن بريدة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من لعب بالنّردشير فكأنّما صبغ يده في لحم خنزير ودمه» ) * «٣» . من الآثار وأقوال العلماء الواردة في ذمّ (الميسر) ١-* (روي عن عليّ- ﵁ أنّه قال: الشّطرنج ميسر العجم) * «٤» . ٢-* (عن نافع أنّ ابن عمر رأى مع بعض أهله أربع عشرة فكسرها على رأسه) * «٥» . ٣-* (أخرج مالك في الموطّأ، أنّ سعيد بن المسيّب يقول: من ميسر أهل الجاهليّة بيع الحيوان باللّحم بالشّاة والشّاتين) * «٦» . ٤-* (عن إسماعيل بن أبي أويس قال: كان مالك بن أنس يكره «٧» اللّعب بالنّرد والشّطرنج) * «٨» . ٥-* (قال مجاهد- ﵀: كلّ شيء فيه قمار فهو من الميسر، حتّى لعب الصّبيان بالجوز) * «٩» . ٦-* (عن ابن سيرين قال: الشّرب من الميسر، والصّياح من الميسر، والرّيش من الميسر والقيام من الميسر) * قال أبو سعيد: هو أن يلاعب على شرب الماء، وغرز الرّيش في الرّأس، واللّحية، والقيام حتّى يلعب، ويصيح صياح الحمار، وصياح الدّيك وغير ذلك «١٠» . ٧-* (قال ابن حجر- ﵀: القمار حرام باتّفاق، والدّعاء إلى فعله حرام) * «١١» .

стр. 6310

من مضار (الميسر) (١) الميسر مرض للشّيطان مسخط للرّحمن- .- (٢) يوقع العداوة والبغضاء بين النّاس ويوسّع شقّة الخلاف. (٣) يوقد نار الأحقاد والضّغائن بين اللّاعبين به. (٤) يفكّك عرى المجتمع ويجعله مجتمعا ممزّقا لا خير فيه. (٥) يلهي المسلمين عن الصّلاة ويصدّهم عن ذكر الله. (٦) الميسر والخمر من مصائد الشّيطان الّتي يوقع الإنسان فيها بالمعاصي. (٧) المقامر يتبلّد إحساسه ولا يعبأ بما يمسّ العرض والدّين. (٨) يذهل عن نفسه وأهله.

стр. 6311

[حرف النون] النجاسة النجاسة لغة: النّجاسة القذارة، وهي مأخوذة من مادّة (ن ج س) الّتي تدلّ على خلاف الطّهارة، وشيء نجس ونجس: قذر، وليس ببعيد أن يكون منها النّاجس: الدّاء لا دواء له. كأنّه إذا طال بالإنسان نجسه (أو نجّسه) أي قذره أو قذّره «١» . ويقال: نجّسه أي جعله نجسا، ونجّسه أيضا أزال نجسه «٢» ، وثوب نجس- بالكسر- اسم فاعل وبالفتح وصف بالمصدر، وقوم أنجاس، وتنجّس الشّيء ونجّسته، والنّجاسة في عرف الشّرع قذر مخصوص وهو ما يمنع جنسه الصّلاة كالبول والدّم «٣» . وتنجّس: فعل فعلا يخرج به عن النّجاسة، كما قيل: تأثّم، وتحرّج وتحنّث إذا فعل فعلا يخرج به عن الإثم والحرج والحنث. والتّنجيس: اسم شيء كانت العرب تفعله وهو تعليق شيء من القذر أو عظام الموتى، أو خرقة الحائض، كان يعلّق على من يخاف عليه من ولوع الجنّ به، كالصّبيان وغيرهم «٤» . النجاسة اصطلاحا: النّجاسة في الاصطلاح على ضربين: الأوّل: النّجاسة الحسّيّة أو العينيّة، وهي الّتي تدرك بالبصر. الآخر: النّجاسة المعنويّة: وهي الّتي تدرك بالبصيرة «٥» وهي النّجاسة العقديّة. وقد عرّف المناويّ النّوع الأوّل فقال: النّجاسة العينيّة: كلّ عين حرم تناولها على الإطلاق مع الإمكان حال الاختيار لحرمتها لا لاستقذارها ولا لضررها في بدن أو عقل «٦» . أمّا النّجاسة المعنويّة: فهي نجاسة النّفس الّتي لا تدرك إلّا بالبصيرة. يقول الرّاغب: وإيّاها قصد المولى بقوله: إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ (التوبة/ ٢٨) . وبقوله جلّ من قائل وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (المدثر/ ٥) . والنّفس النّجسة هي الّتي تتحرّى الخبيث؛ لأنّ من لم يكن طاهر النّفس لم يكن طاهر القول والفعل، فكلّ

стр. 6312

إناء بما فيه ينضح، ولهذا قيل من طابت نفسه طاب عمله، ومن خبثت نفسه خبث عمله «١» . وجمع ابن القيّم بين نوعي النّجاسة فقال: النّجاسة: هي المستقذر الّذي يطلب مباعدته والبعد منه بحيث لا يلمس ولا يشمّ ولا يرى «٢» . بم يتخلّص من النّجاسة ؟ تطهر النّفس وتتخلّص من النّجاسة بالعلم والعبادات، أمّا الّذي يطهر به البدن فهو الماء وقد نبّه المولى على ذلك فقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ (الأنفال/ ٢٤) فسمّى العلم والعبادة حياة من حيث إنّ النّفس إذا فقدتهما هلكت هلاك الأبد، وقال تعالى في صفة الماء وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ (الأنبياء/ ٣٠) . وقال ابن عبّاس- ﵄ في قوله- أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها (الرعد/ ١٧) عنى بالماء القرآن؛ إذ كان به طهارة النّفس، وبالأودية القلوب الّتي احتملته بقدر ما وسعته. والّذي يلزم تطهيره من النّفس هو قوّة الفكر بتهذيبها حتّى تحصّل الحكمة والعلم، وقوّة الشّهوة بقمعها حتّى تحصّل العفّة والجود، وقوّة الحميّة بإسلاسها حتّى تنقاد للعقل فتحصّل الشّجاعة والحلم، وجميع الرذائل تنبعث من فساد هذه الثّلاث «٣» . الفرق بين الرّجس والنّجس: قال الكفويّ: الرّجس أكثر ما يقال في المستقذر طبعا. والنّجس أكثر ما يقال في المستقذر عقلا وشرعا «٤» . حكم تناول النّجس: قال ابن حجر الهيتميّ: تناول النّجس (والمستقذر والمضرّ) من الكبائر، وقد صرّح بذلك بعض المتأخّرين من الفقهاء قياسا للنّجس على الميتة الّتي تحرم لنجاستها، وإذا كانت قد حرّمت للنّجاسة الّتي أسماها الله فسقا فيلحق بها كلّ نجاسة غير معفوّ عنها «٥» . [للاستزادة: انظر صفات: أكل الحرام- الشرك- الفجور- شرب الخمر- العصيان- الفسوق- انتهاك الحرمات. وفي ضد ذلك: انظر صفات: الطهارة- أكل الطيبات- النزاهة- تعظيم الحرمات- الإيمان- الصلاة] .

стр. 6313

الآيات الواردة في «النجاسة» ١- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٨) «١» الآيات الواردة في «النجاسة» معنى ٢- فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ كَذلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ (١٢٥) «٢» ٣- وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً (٣٣) «٣» ٤- وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥) «٤»

стр. 6314

الأحاديث الواردة في ذمّ (النجاسة) ١-* (عن أنس بن مالك- ﵁ أنّه قال: لمّا كان يوم خيبر جاء جاء. فقال: يا رسول الله أكلت الحمر. ثمّ جاء آخر. فقال: يا رسول الله أفنيت الحمر. فأمر رسول الله ﷺ أبا طلحة فنادى: «إنّ الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر. فإنّها رجس أو نجس. قال: فأكفئت القدور بما فيها» ) * «١» . الأحاديث الواردة في ذمّ (النجاسة) معنى ٢-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّه سمع النّبيّ ﷺ يقول: «إنّ ثلاثة في بني إسرائيل: أبرص «٢» وأقرع وأعمى. فأراد الله أن يبتليهم «٣» . فبعث إليهم ملكا. فأتى الأبرص فقال: أيّ شيء أحبّ إليك؟ قال: لون حسن، وجلد حسن، ويذهب عنّي الّذي قد قذرني النّاس. قال: فمسحه فذهب عنه قذره. وأعطي لونا حسنا وجلدا حسنا. قال: فأيّ المال أحبّ إليك؟ قال: الإبل (أو قال البقر. شكّ إسحاق) إلّا أنّ الأبرص أو الأقرع قال أحدهما: الإبل. وقال الآخر: البقر، قال فأعطي ناقة عشراء «٤» . قال: بارك الله لك فيها. قال فأتى الأقرع فقال: أيّ شيء أحبّ إليك؟ قال: شعر حسن، ويذهب عنّي هذا الّذي قذرني النّاس. قال: فمسحه فذهب عنه وأعطي شعرا حسنا. قال: فأيّ المال أحبّ إليك؟ قال: البقر. فأعطي بقرة حاملا. فقال: بارك الله لك فيها. قال: فأتى الأعمى فقال: أيّ شيء أحبّ إليك؟ قال: أن يردّ الله إليّ بصري فأبصر به النّاس. قال: فمسحه فردّ الله إليه بصره. قال: فأيّ المال أحبّ إليك؟ قال: الغنم. فأعطي شاة والدا «٥» . فأنتج هذان وولّد هذا «٦» . قال: فكان لهذا واد من الإبل. ولهذا واد من البقر. ولهذا واد من الغنم. قال ثمّ إنّه أتى الأبرص في صورته وهيئته. فقال: رجل مسكين. قد

стр. 6315

انقطعت بي الحبال «١» في سفري. فلا بلاغ لي اليوم إلّا بالله ثمّ بك. أسألك، بالّذي أعطاك اللّون الحسن والجلد الحسن والمال، بعيرا أتبلّغ عليه في سفري. فقال: الحقوق كثيرة. فقال له: كأنّي أعرفك. ألم تكن أبرص يقذرك النّاس؟ فقيرا فأعطاك الله؟ فقال: إنّما ورثت هذا المال كابرا عن كابر «٢» . فقال: إن كنت كاذبا، فصيّرك الله إلى ما كنت. قال وأتى الأقرع في صورته فقال له مثل ما قال لهذا، وردّ عليه مثل ما ردّ على هذا. فقال: إن كنت كاذبا فصيّرك الله إلى ما كنت. قال وأتى الأعمى في صورته وهيئته فقال: رجل مسكين وابن سبيل. انقطعت بي الحبال في سفري. فلا بلاغ لي اليوم إلّا بالله ثمّ بك. أسألك بالّذي ردّ عليك بصرك شاة أتبلّغ بها في سفري. فقال: قد كنت أعمى فردّ الله إليّ بصري. فخذ ما شئت، ودع ما شئت، فو الله لا أجهدك اليوم «٣» شيئا أخذته لله. فقال: أمسك مالك. فإنّما ابتليتم. فقد رضي عنك وسخط على صاحبيك) * «٤» . ٣-* (عن عبد الله بن أبي أوفى- ﵄ عن النّبيّ ﷺ أنّه كان يقول: «اللهمّ لك الحمد ملء السّماء وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد. اللهمّ طهّرني بالثّلج والبرد والماء البارد. اللهمّ طهّرني من الذّنوب ونقّني منها كما ينقّى الثّوب الأبيض من الوسخ» ) * «٥» . ٤-* (عن جابر بن عبد الله- ﵄ أنّه قال: أتانا رسول الله ﷺ فرأى رجلا شعثا قد تفرّق شعره. فقال: «أما كان يجد هذا ما يسكّن به شعره؟» ورأى رجلا آخر وعليه ثياب وسخة. فقال: «أما كان هذا يجد ماء يغسل به ثوبه؟» ) * «٦» . ٥-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّه قال: قال رسول الله ﷺ : «أرأيتم لو أنّ نهرا بباب أحدكم يغتسل فيه كلّ يوم خمسا ما تقول ذلك يبقي من درنه «٧» ؟» قالوا: لا يبقي من درنه شيئا. قال: «فذلك مثل الصّلوات الخمس يمحو الله به الخطايا» ) * «٨» . ٦-* (عن أبي ثعلبة الخشنيّ- ﵁ أنّه قال: أتيت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله. إنّا بأرض قوم من أهل الكتاب. نأكل في آنيتهم. وأرض صيد أصيد بقوسي، وأصيد بكلبي المعلّم، أو بكلبي الّذي ليس بمعلّم. فأخبرني ما الّذي يحلّ لنا من ذلك؟ قال: «أمّا ما ذكرت أنّكم بأرض قوم من

стр. 6316

أهل الكتاب تأكلون في آنيتهم فإن وجدتم غير آنيتهم فلا تأكلوا فيها، وإن لم تجدوا فاغسلوها ثمّ كلوا فيها. وأمّا ما ذكرت أنّك بأرض صيد فما أصبت بقوسك فاذكر اسم الله ثمّ كل، وما أصبت بكلبك المعلّم فاذكر اسم الله ثمّ كل، وما أصبت بكلبك الّذي ليس بمعلّم فأدركت ذكاته فكل» ) * «١» . ٧-* (عن ابن عبّاس- ﵄ قال: مرّ رسول الله ﷺ على قبرين فقال: «إنّهما يعذّبان وما يعذّبان في كبير: أمّا هذا فكان لا يستنزه من بوله، وأمّا هذا فإنّه كان يمشي بالنّميمة، ثمّ دعا بعسيب رطب فشقّه باثنين فغرس على هذا واحدا، وعلى هذا واحدا ثمّ قال: لعلّه يخفّف عنهما ما لم ييبسا» ) * «٢» . ٨-* (عن عائشة- ﵂ أنّها قالت: وقد سألوها عن الغسل يوم الجمعة: إنّما كان النّاس يسكنون العالية فيحضرون الجمعة وبهم وسخ، فإذا أصابهم الرّوح سقطت أرواحهم فيتأذّى بها النّاس. فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فقال: «أو لا يغتسلون؟» ) *» . ٩-* (عن أبي سعيد الخدريّ- ﵁ أنّه قال: بينما كان رسول الله ﷺ يصلّي بأصحابه إذ خلع نعليه فوضعهما عن يساره فخلعوا نعالهم. فلمّا قضى صلاته قال: «ما حملكم على إلقائكم نعالكم؟» قالوا: رأيناك خلعت فخلعنا. قال: «إنّ جبريل أتاني- أو أتى- فأخبرني أنّ فيهما أذى- أو قذرا- فإذا جاء أحدكم المسجد فليقلّب نعليه فإن رأى فيهما أذى فليمط وليصلّ فيهما» ) * «٤» . ١٠-* (عن جبير بن مطعم بن عديّ- ﵁ أنّ النّبيّ ﷺ قال في أسارى بدر: «لو كان المطعم بن عديّ حيّا ثمّ كلّمني في هؤلاء النّتنى لتركتهم له» ) * «٥» . ١١-* (عن ابن عمر- ﵄ أنّه قال: نهى رسول الله ﷺ عن أكل الجلّالة وألبانها) * «٦» . ١٢-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّه قال: نهى رسول الله ﷺ عن الدّواء الخبيث «٧» ) * «٨» .

стр. 6317

١٣-* (عن ابن عبّاس- ﵄ أنّه قال: أنّ النّبيّ ﷺ نهى عن المجثّمة «١» ولبن الجلّالة وعن شرب من في السّقاء) * «٢» . ١٤-* (عن أنس بن مالك- ﵁ أنّه قال: بينما نحن في المسجد مع رسول الله ﷺ إذ جاء أعرابيّ فقام يبول في المسجد فقال أصحاب رسول الله ﷺ : مه مه «٣» . فقال رسول الله ﷺ : «لا تزرموه. دعوه فتركوه حتّى بال. ثمّ إنّ رسول الله ﷺ دعاه فقال له: «إنّ هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول، ولا القذر. إنّما هي لذكر الله- والصّلاة وقراءة القرآن- أو كما قال رسول الله ﷺ : فأمر رجلا من القوم فجاء بدلو من ماء فشنّه عليه» ) * «٤» . ١٥-* (عن أمّ ولد لإبراهيم بن عبد الرّحمن ابن عوف أنّها سألت أمّ سلمة زوج النّبيّ ﷺ فقالت: إنّي امرأة أطيل ذيلي وأمشي في المكان القذر فقالت أمّ سلمة: قال رسول الله ﷺ : «يطهّره ما بعده» ) * «٥» . من الآثار وأقوال العلماء والمفسرين الواردة في ذمّ (النجاسة) ١-* (قال ابن عبّاس- ﵄: إن وطئت على قذر رطب فاغسله، وإن كان يابسا فلا) * «٦» . ٢-* (أورد ابن حجر في الإصابة في تمييز الصّحابة (في ترجمة أمّ حبيبة زوج النّبيّ ﷺ أنّ أبا سفيان قدم المدينة فأراد أن يزيد في الهدنة فدخل على ابنته أمّ حبيبة، فلمّا ذهب ليجلس على فراش رسول الله ﷺ طوته دونه، فقال: يا بنيّة أرغبت بهذا الفراش عنّي أم بي عنه؟ قالت: بل هو فراش رسول الله ﷺ ، وأنت امرؤ نجس مشرك. فقال: لقد أصابك بعدي شرّ) * «٧» . ٣-* (قال ابن إسحاق- رحمه الله تعالى-: وكان إسلام عمر فيما بلغني أنّ أخته فاطمة بنت الخطّاب وكانت عند سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل كانت قد أسلمت وأسلم زوجها سعيد بن زيد وهم مستخفون بإسلامهم من عمر، وكان نعيم بن عبد الله النّحّام- رجل من بني عديّ قد أسلم أيضا مستخفيا بإسلامه من قومه، وكان خبّاب بن الأرتّ يختلف إلى

стр. 6318

فاطمة بنت الخطّاب يقرئها القرآن، فخرج عمر يوما متوشّحا سيفه يريد رسول الله ﷺ ورهطا من أصحابه، فذكروا له أنّهم قد اجتمعوا في بيت عند الصّفا، وهم قريب من أربعين من بين رجال ونساء، ومع رسول الله ﷺ عمّه حمزة وأبو بكر بن أبي قحافة الصّدّيق وعليّ بن أبي طالب- ﵃ في رجال من المسلمين ممّن كان أقام مع رسول الله ﷺ بمكّة ولم يخرج فيمن خرج إلى أرض الحبشة. فلقيه نعيم بن عبد الله فقال: أين تريد يا عمر؟ قال: أريد محمّدا هذا الصّابيء الّذي فرّق أمر قريش؟ وسفّه أحلامها، وعاب دينها، وسبّ آلهتها فأقتله. فقال له نعيم: والله لقد غرّتك نفسك يا عمر. أترى بني عبد مناف تاركيك تمشي على الأرض وقد قتلت محمّدا؟ أفلا ترجع إلى أهل بيتك فتقيم أمرهم؟ قال: وأيّ أهل بيتي؟ قال ختنك وابن عمّك سعيد بن زيد وأختك فاطمة فقد- والله- أسلما، وتابعا محمّدا ﷺ على دينه. فعليك بهما. فرجع عمر عائدا إلى أخته فاطمة وعندها خبّاب بن الأرتّ معه صحيفة فيها (طه) يقرئها إيّاها، فلمّا سمعوا حسّ عمر تغيّب خبّاب في مخدع لهم، أو في بعض البيت، وأخذت فاطمة بنت الخطّاب الصّحيفة فجعلتها تحت فخذها، وقد سمع حين دنا إلى الباب قراءة خبّاب عليها: فلمّا دخل قال ما هذه الهينمة «١» الّتي سمعت؟ قالا له: ما سمعت شيئا. قال: بلى والله لقد أخبرت أنّكما تابعتما محمّدا على دينه، وبطش بختنه سعيد بن زيد. فقامت إليه أخته فاطمة بنت الخطّاب لتكفّه عن زوجها فضربها فشجّها، فلمّا فعل ذلك قالت له أخته وختنه: نعم قد أسلمنا وآمنّا بالله ورسوله فاصنع ما بدا لك. فلمّا رأى عمر ما بأخته من الدّم ندم على ما صنع، وارعوى «٢» ، وقال لأخته: أعطيني هذه الصّحيفة الّتي كنتم تقرأون آنفا أنظر ما هذا الّذي جاء به محمّد- وكان عمر كاتبا- فلمّا قال ذلك قالت له أخته: إنّا نخشاك عليها. قال لا تخافي وحلف لها بآلهته ليردّنّها إذا قرأها إليها. فلمّا قال ذلك طمعت في إسلامه فقالت: يا أخي إنّك نجس على شركك، وإنّه لا يمسّه إلّا المطهّرون. فقام عمر فاغتسل فأعطته الصّحيفة وفيها (طه) ، فقرأها فلمّا قرأ منها صدرا قال: ما أحسن هذا الكلام وأكرمه! فلمّا سمع ذلك خبّاب ابن الأرتّ خرج إليه فقال له: والله يا عمر إنّي لأرجو أن يكون الله قد خصّك بدعوة نبيّه ﷺ ؛ فإنّي سمعته أمس وهو يقول: «اللهمّ أيّد الإسلام بأبي الحكم بن هشام أو بعمر بن الخطّاب» . فالله الله يا عمر. فقال عند ذلك: فدلّني يا خبّاب على محمّد حتّى آتيه فأسلم. فقال له خبّاب: هو في بيت عند الصّفا معه نفر من الصّحابة. فأخذ عمر سيفه فتوشّحه ثمّ عمد إلى رسول الله ﷺ وأصحابه فضرب عليهم الباب، فلمّا سمعوا صوته قام رجل من أصحاب رسول الله ﷺ فنظر من خلل الباب فإذا هو بعمر متوشّحا بالسّيف فرجع إلى رسول الله ﷺ وهو فزع. فقال: يا رسول الله: هذا عمر بن الخطّاب متوشّحا بالسّيف. فقال حمزة:

стр. 6319

فأذن له، فإن كان جاء يريد خيرا بذلناه، وإن كان يريد شرّا قتلناه بسيفه. فقال رسول الله ﷺ : «ائذن له» فأذن له الرّجل ونهض إليه رسول الله ﷺ حتّى لقيه في الحجرة فأخذ بحجزته أو بمجمع ردائه، ثمّ جذبه جذبة شديدة فقال: «ما جاء بك يا ابن الخطّاب؟ فو الله ما أرى أن تنتهي حتّى ينزل الله بك قارعة «١» » فقال عمر: يا رسول الله جئتك لأومن بالله ورسوله وبما جاء من عند الله. قال: فكبّر رسول الله ﷺ تكبيرة فعرف أهل البيت أنّ عمر قد أسلم، فتفرّق أصحاب رسول الله ﷺ من مكانهم وقد عزّوا في أنفسهم حين أسلم عمر مع إسلام حمزة، وعلموا أنّهما سيمنعان رسول الله ﷺ ، وينتصفون بهما من عدوّهم، قال ابن إسحاق: فهذا حديث الرّواة من أهل المدينة عن إسلام عمر حين أسلم ﵁ * «٢» . ٤-* (قال ابن زيد- رحمه الله تعالى- في معنى قوله تعالى وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ: كان المشركون لا يتطهّرون فأمره الله تعالى أن يتطهّر، وأن يطهّر ثيابه) * «٣» . ٥-* (قال ابن تيميّة- رحمه الله تعالى-: «الخطايا توجب للقلب حرارة، ونجاسة وضعفا» ) * «٤» . ٦-* (قال ابن القيّم- رحمه الله تعالى-: «من تطهّر في الدّنيا ولقي الله طاهرا من نجاساته دخل الجنّة بغير معوّق، ومن لم يتطهّر في الدّنيا- فإن كانت نجاسته عينيّة. كالكافر- لم يدخلها بحال، وإن كانت نجاسته كسبيّة عارضة دخلها بعد ما يتطهّر في النّار من تلك النّجاسة ثمّ لم يخرج منها» ) * «٥» . ٧-* (قال ابن كثير- رحمه الله تعالى- في تفسير قوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ (التوبة/ ٢٨) أمر تعالى عباده المؤمنين الطّاهرين دينا وذاتا بنفي المشركين الّذين هم نجس دينا عن المسجد الحرام وأن لا يقربوه بعد نزول هذه الآية- وكان نزولها في سنة تسع- وقال: دلّت هذه الآية الكريمة على نجاسة المشرك كما ورد في الصّحيح «المؤمن لا ينجس» ) * «٦» . من مضار (النجاسة) (١) النّجاسة المعنويّة تمنع من دخول الجنّة وقد تحرم منها بالكلّيّة. (٢) يبغضها الرّحمن ويحبّها الشّيطان. (٣) تورّث مقت النّاس وازدراءهم. (٤) تسبّب ضيق الصّدر وتعاسة النّفس.

стр. 6320

النجوى النجوى لغة: اسم مصدر من قولهم تناجى فلان وفلان إذا تسارّا، وقيل: هي مصدر من قولهم نجوت الشّيء أنجوه إذا خلّصته، وهي مأخوذة من مادّة (ن ج و) الّتي تدلّ على السّتر والإخفاء، ومن هذا المعنى قيل: النّجو والنّجوى: السرّ بين اثنين، يقال: ناجيته، وتناجوا وانتجوا، وهو نجيّ فلان والجمع أنجية، وانتجيته: اختصصته بمناجاتي «١» ، وقال الرّاغب: أصل النّجاء: الانفصال من الشّيء، والنّجو والنّجاة المكان المرتفع المنفصل عمّا حوله، وأصل المناجاة: أن تخلو (بمن تناجيه) في نجوة (مكان مرتفع) من الأرض، وقيل: أصله من النّجاة وهو أن تعاونه على ما فيه خلاصه، وقيل: المراد أن تنجو بسرّك أن يطّلع عليه غيركما، والنّجوى أصله المصدر كما في قوله تعالى: إِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ (المجادلة/ ١٠) وقد يوصف به فيقال: هم نجوى، وهما نجوى (يستوي فيه المثنّى والجمع) . وكذلك النّجيّ بمعنى المناجى، أي الّذي تسارّه يقال للواحد والجمع، وانتجيت فلانا: استخلصته لسرّي «٢» والنّجوى في قوله تعالى: لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ (النساء/ ١١٤) جمع المتناجين خرج مخرج السّكرى والجرحى، قال الطّبريّ: هذا أظهر معانيه، وقال القرطبيّ: أراد ما تفاوض به بنو أبيرق من التّدبير وذكروه للنّبيّ ﷺ «٣» ، أمّا قوله- : نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوى (الإسراء/ ٤٧) ، فالمراد بالنّجوى المتناجون في أمره وكانت نجواهم قولهم: إنّه ساحر وإنّه يأتي بأساطير الأوّلين، وقيل نزلت حين دعا عتبة أشراف قريش إلى طعام صنعه لهم، فدخل عليهم النّبيّ ﷺ ، وقرأ عليهم القرآن ودعاهم إلى الله فتناجوا (أي تسارّوا) يقولون: ساحر ومجنون، وقال الزّجّاج: المعنى في وَإِذْ هُمْ نَجْوى أي ذو نجوى أي سرار «٤» ، وقال الجوهريّ: جعلهم هم النّجوى وإنّما النّجوى فعلهم، كما تقول: قوم رضا، والنّجوى والنّجيّ كلاهما يكون اسما ومصدرا والنّجوة والنّجاء: المكان المرتفع الّذي تظنّ أنّه نجاؤك لا يعلوه السّيل، والنّجو السّرّ بين الاثنين يقال: نجوته نجوا إذا ساررته وكذلك ناجيته «٥» . وقال ابن منظور: والنّجوى والنّجيّ: السّرّ. والنّجو: السّرّ بين اثنين، يقال: نجوته نجوا: أي ساررته. وكذلك ناجيته، والاسم النّجوى، وناجى

стр. 6321

الرّجل مناجاة ونجاء: سارّه. وانتجى القوم وتناجوا: تسارّوا. والنّجوى والنّجيّ المتناجون: أي المتسارّون. وفلان نجيّ فلان أي يناجيه دون من سواه. وفي التّنزيل العزيز: فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا (يوسف/ ٨٠) : أي اعتزلوه متناجين، والجمع أنجية. وفي الحديث: «لا يتناجى اثنان دون الثّالث» وفي رواية «لا ينتجي اثنان دون صاحبهما» : أي لا يتسارران منفردين عنه لأنّ ذلك يسوءه «١» . النجوى اصطلاحا: قال القرطبيّ: النّجوى: السّرّ بين الاثنين وتكون أيضا بمعنى المسارّة «٢» (بين اثنين أو أكثر) . وقيل: النّجوى: ما يكون من خلوة اثنين أو أكثر يسرّون شيئا ويتناجون به، والسّرار ما كان بين اثنين «٣» . وقال الإمام البغويّ- ﵀ النّجوى: هي الإسرار في التّدبير. وقيل: النّجوى ما يتفرّد بتدبيره قوم سرّا كان أو جهرا «٤» . حكم التّناجي: يختلف حكم النّجوى باختلاف الأمر المتناجى فيه، فإن كان أمرا بمعروف أو نهيا عن منكر، فهذا لا شيء فيه، وقد استثنى المولى- من فعل ذلك من انعدام الخيريّة الغالبة على النّجوى فقال: لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ (النساء/ ١١٤) . وفيما عدا ذلك فالتّسارّ خصوصا في وجود الآخرين أمر مذموم يسوّل به الشّيطان ليقع سوء الظّنّ بين النّاس، مصداق ذلك قوله تعالى أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ وَيَتَناجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَإِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِما نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمَصِيرُ (المجادلة/ ٨) . وقد نزلت هذه الآيات في اليهود والمنافقين «٥» ، وقد اشتملت آية أخرى على المحمود والمذموم من التّناجي فقال- ناهيا عن التّناجي المذموم وآمرا بالتّناجي المحمود يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَناجَيْتُمْ فَلا تَتَناجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَناجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (المجادلة/ ٩) وعلى النّوع الأوّل يحمل قوله تعالى: إِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ (المجادلة/ ١٠) أي من تزيينه وغوايته ولا يكون ذلك منه إلّا فيما يؤذي المؤمنين «٦» . [للاستزادة: انظر صفات: الشك- سوء الظن سوء المعاملة. وفي ضد ذلك: انظر صفات: حسن الظن- حسن المعاملة- حسن العشرة- الفطنة- الحكمة- إقامة الشهادة] .

стр. 6322

الآيات الواردة في «النجوى» ١-* لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً (١١٤) » ٢- وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً (٤٥) وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً وَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُوراً (٤٦) نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً (٤٧) «٢» ٣- فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتى (٦٠) قالَ لَهُمْ مُوسى وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ وَقَدْ خابَ مَنِ افْتَرى (٦١) فَتَنازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوى (٦٢) «٣» ٤- اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (١) ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٢) لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (٣) قالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٤) «٤» ٥- أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ وَيَتَناجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَإِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِما نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٨) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَناجَيْتُمْ فَلا تَتَناجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَناجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩) إِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضارِّهِمْ شَيْئاً إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٠) «٥»

стр. 6323

الأحاديث الواردة في ذمّ (النجوى) ١-* (عن عبد الله- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الآخر. حتّى تختلطوا بالنّاس من أجل أنّ ذلك يحزنه» ) * «١» . ٢-* (عن أبي سعيد الخدريّ- ﵁ قال: كنّا نتناوب رسول الله ﷺ فنبيت عنده تكون له الحاجة أو يطرقه أمر من اللّيل فيبعثنا فيكثر المحتسبون وأهل النّوب فكنّا نتحدّث فخرج علينا رسول الله ﷺ من اللّيل فقال: «ما هذه النّجوى؟ ألم أنهكم عن النّجوى» قال: فقلنا: نتوب إلى الله يا نبيّ الله، فذكر الحديث) * «٢» . ٣-* (عن عبد الله بن عمر- ﵄ أنّ رسول الله ﷺ قال: «لا يتناجى اثنان دون صاحبهما، ولا يقيم الرّجل أخاه من مجلسه ثمّ يجلس» ) * «٣» . ٤-* (عن ابن عبّاس- ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يتناجى اثنان دون الثّالث؛ فإنّ ذلك يؤذي المؤمن، والله يكره أذى المؤمن» ) * «٤» . ٥-* (عن عبد الله بن مسعود- ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: «إذا كانوا ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الثّالث» ) * «٥» . الأحاديث الواردة في ذمّ (النجوى) معنى ٦-* (عن ابن عمر- ﵄ أنّ رسول الله ﷺ قال: «لا يتسارّ اثنان دون الثّالث» ) * «٦» .

стр. 6324

من الآثار وأقوال العلماء والمفسرين الواردة في ذمّ (النجوى) ١-* (عن مجاهد في قوله تعالي: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ (المجادلة/ ٨) قال: اليهود وكذا قال مقاتل بن حيّان وزاد: كان بين النّبيّ ﷺ وبين اليهود موادعة وكانوا إذا مرّ بهم الرّجل من أصحاب النّبيّ ﷺ جلسوا يتناجون بينهم حتّى يظنّ المؤمن أنهم يتناجون بقتله، أو بما يكره المؤمن، فإذا رأى المؤمن ذلك خشيهم فترك طريقه عليهم، فنهاهم النّبيّ ﷺ عن النّجوى فلم ينتهوا وعادوا إلى النّجوى فأنزل الله أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ) * «١» . ٢-* (قال قتادة: قوله: إِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا (المجادلة/ ١٠) كان المنافقون يتناجون بينهم وكان ذلك يغيظ المؤمنين ويكبر عليهم) * «٢» . ٣-* (وقال أيضا في قوله تعالى: إِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ ... أي إنّما المناجاة من الشّيطان وعنى بذلك مناجاة المنافقين بعضهم بعضا) * «٣» . ٤-* (قال البغويّ في تفسير قوله تعالى: ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ (المجادلة/ ٧) أي من سرر ثلاثة يعني المسارّة، أي ما من شيء يناجي به الرّجل صاحبيه إلّا وهو رابعهم بالعلم. وقيل معناه: ما يكون من متناجين ثلاثة يسارّ بعضهم بعضا إلّا هو رابعهم بالعلم يعلم نجواهم ... ) * «٤» . ٥-* (قال البغويّ- ﵀ في تفسير قوله تعالى: إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوى (الإسراء/ ٤٧) يتناجون في أمرك يا محمّد. وقيل: ذو نجوى، فبعضهم يقول: هو مجنون، وبعضهم يقول: كاهن، وبعضهم يقول: ساحر، وبعضهم يقول: شاعر) * «٥» . ٦-* (وفي حديث الشّعبيّ: إذا عظمت الحلقة فهي بذاء ونجاء أي مناجاة يعني يكثر فيها» ) * «٦» . ٧-* (قال الإمام النّيسابوريّ في قوله تعالى إِنَّمَا النَّجْوى الألف واللّام فيه لا يمكن أن تكون للاستغراق أو للجنس، فمن النّجوى ما تكون ممدوحة؛ لاشتمالها على مصلحة دينيّة أو دنيويّة فهي إذن للعهد وهو التّناجي بالإثم والعدوان) * «٧» . ٨-* (وقال الإمام النّيسابوريّ في قوله تعالى لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ (النساء/ ١١٤) أشار

стр. 6325

إلى ما كانوا يتناجون به حيث يبيّتون ما لا يرضى من القول. والنّجوى سرّ بين اثنين وكذا النّجو، يقال نجوته نجوا، أي ساررته وكذلك ناجيته) * «١» . ٩-* (قال ابن جرير الطّبريّ في قوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَناجَيْتُمْ فَلا تَتَناجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ.. المجادلة/ ٩) يقول تعالى ذكره: يا أيّها الّذين صدّقوا الله ورسوله إذا تناجيتم بينكم فلا تتناجوا بالإثم والعدوان ومعصية الرّسول ولكن تناجوا بالبرّ..) * «٢» . ١٠-* (قال ابن كثير في قوله تعالى: ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ (المجادلة/ ٧) أي من سرّ ثلاثة» إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ وَلا.. أي مطّلع عليهم يسمع كلامهم وسرّهم ونجواهم) * «٣» . ١١-* (قال ابن كثير في قوله تعالى وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا (الأنبياء/ ٣) أي قائلين فيما بينهم خفية هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يعنون رسول الله ﷺ * «٤» . ١٢-* (قال ابن كثير في قوله تعالى وَيَتَناجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ (المجادلة/ ٨) أي يتحدّثون فيما بينهم بالإثم، وهو يختصّ بهم وَالْعُدْوانِ وهو ما يتعلّق بغيرهم ومنه معصية الرّسول ومخالفته يصرّون عليها ويتواصون بها) * «٥» . من مضار (النجوى) (١) من رجل الشّيطان وخيله ليحزن المؤمنين. (٢) من عمل المنافقين وأعداء المسلمين من يهود وغيرهم. (٣) النّجوى يمقتها الله- وينهى أن تكون بين المجتمع المسلم. (٤) تشكّل جيوب الغمز واللّمز، ثمّ التّفرقة والتّمزّق. (٥) هناك نجوى ممدوحة كالأمر بالصّدقة أو بمعروف أو إصلاح بين النّاس فهي مستثناة من النّجوى المذمومة.

стр. 6326

النفاق النفاق لغة: النّفاق اسم مأخوذ من مادّة (ن ف ق) الّتي تدلّ على الخروج، فالنّفق سرب في الأرض له مخلص إلى مكان، والنّفق: المسلك النّافذ الّذي يمكن الخروج منه «١» وعلى ذلك نبّه (القرآن الكريم) بقوله إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ (التوبة/ ٦٧) أي الخارجون من الشّرع. وقد جعلهم الله شرّا من الكافرين فقال إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ (النساء/ ١٤٥) «٢» . قال ابن منظور: نفق الفرس والدّابّة وسائر البهائم ينفق نفوقا: مات. وفي حديث ابن عبّاس: «والجزور نافقة» . أي ميّتة من نفقت الدّابّة إذا ماتت. ونفق البيع نفاقا: راج. ونفقت السّلعة تنفق نفاقا، بالفتح: غلت ورغب فيها، وأنفقها هو ونفّقها. والنّفقة والنّافقاء: جحر الضّبّ واليربوع، وقيل: النّفقة والنّافقاء موضع يرقّقه اليربوع من جحره. فإذا أتي من قبل القاصعاء ضرب النّافقاء برأسه فخرج. ونفق اليربوع ونفق وانتفق ونفّق، خرج منه. ويقال: نافق اليربوع إذا دخل في نافقائه. وقصّع إذا خرج من القاصعاء، وتنفّق: خرج. قال أبو عبيد: سمّي المنافق منافقا للنّفق وهو السّرب في الأرض، وقيل: إنّما سمّي منافقا لأنّه نافق كاليربوع وهو دخوله نافقاءه وله جحر آخر يقال له القاصعاء فإذا طلب من النّافقاء قصّع أي خرج من القاصعاء، فهو يدخل في النّافقاء ويخرج من القاصعاء، أو يدخل في القاصعاء ويخرج من النّافقاء، يقال: نفق به ونافق، وهكذا يفعل المنافق، يدخل في الإسلام ثمّ يخرج منه من غير الوجه الّذي دخل فيه. ومنه اشتقاق المنافق في الدّين. والنّفاق، بالكسر فعل المنافق. والنّفاق: الدّخول في الإسلام من وجه والخروج عنه من آخر، مشتقّ من نافقاء اليربوع، وقد نافق منافقة ونفاقا، وهو اسم إسلاميّ لم تعرفه العرب بالمعنى المخصوص به «٣» . وخلاصة القول: ما قاله ابن رجب: والّذي فسّره به أهل العلم المعتبرون أنّ النّفاق في اللّغة هو من جنس الخداع والمكر، وإظهار الخير وإبطان خلافه «٤» .

стр. 6327

واصطلاحا: قال الجرجانيّ: النّفاق: إظهار الإيمان باللّسان وكتمان الكفر بالقلب «١» . أقسام النفاق: ذكر الحافظ ابن رجب أنّ النّفاق ينقسم شرعا إلى قسمين: أحدهما: النّفاق الأكبر، وهو أن يظهر الإنسان الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ويبطن ما يناقض ذلك كلّه أو بعضه. وهذا هو النّفاق الّذي كان على عهد رسول الله ﷺ ، ونزل القرآن بذمّ أهله وتكفيرهم، وأخبر أنّ أهله فى الدّرك الأسفل من النّار. والثّاني: النّفاق الأصغر، وهو نفاق العمل: وهو أن يظهر الإنسان علانية ويبطن ما يخالف ذلك «٢» . وقال ابن الأثير: قد تكرّر في الحديث ذكر النّفاق «وما تصرّف منه اسما وفعلا» . وهو الّذي يستر كفره ويظهر إيمانه، وإن كان أصله في اللّغة معروفا. وفى حديث حنظلة «نافق حنظلة» أراد أنّه إذا كان عند النّبيّ ﷺ أخلص وزهد في الدّنيا، وإذا خرج عنه ترك ما كان عليه ورغب فيها، فكأنّه نوع من الظّاهر والباطن ما كان يرضى أن يسامح به نفسه. وفيه: «أكثر منافقي هذه الأمّة قرّاؤها» أراد بالنّفاق ها هنا الرّياء لأنّ كليهما إظهار غير ما في الباطن «٣» . والرّياء داخل في النّفاق العمليّ ويتّضح هذا من قول ابن رجب وقول ابن حجر عليهما رحمة الله: فالرّياء كما عرّفه ابن حجر: إظهار العبادة لقصد رؤية النّاس لها فيحمدوا صاحبها. فالمقصود في الرّياء والنّفاق واحد، هو إظهار غير ما في السّرائر. والله أعلم. وقال ابن حجر: الرّياء بكسر الرّاء وتخفيف التّحتانيّة والمدّ وهو مشتقّ من الرّئية. والمراد به إظهار العبادة لقصد رؤية النّاس لها فيحمدوا صاحبها. وقال الغزاليّ: المعنى طلب المنزلة في قلوب النّاس بأن يريهم الخصال المحمودة، والمرائي هو العامل. وقال ابن رجب: ومن أعظم خصال النّفاق العمليّ، أن يعمل الإنسان عملا ويظهر أنّه قصد به الخير، وإنّما عمله ليتوصّل به إلى غرض له سيّىء فيتمّ له ذلك ويتوصّل بهذه الخديعة إلى غرض ويفرح بمكره وخداعه وحمد النّاس له على ما أظهره ويتوصّل به إلى غرضه السّيّىء الّذي أبطنه «٤» . حكم النفاق: النّفاق إن كان عقديّا فهو كفر صراح، بل هو أشدّ منه، ولذلك جعلت للمنافقين درجة في جهنّم لايصلاها سواهم لعظم ضررهم، وشدّة خطرهم يقول الله تعالى إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ

стр. 6328

النَّارِ (النساء/ ١٤٥) وقد فضحهم الله تعالى في القرآن الكريم في أكثر من موضع، ووصفهم بأنّهم كذّابون يصدّون عن سبيل الله وأنّهم يستكبرون، كما وصفهم بأنّهم لا يفقهون شيئا ولا يعلمون «١» . وقد جعل الإمام ابن حجر هذا النّوع من النّفاق من كبائر الباطن قال- ﵀: «ومن الأمراض الّتي تعتور القلب وتعتريه الكفر والنّفاق والكبر والفخر والخيلاء والحسد والغلّ ... » » . أمّا إذا كان النّفاق عمليّا بمعنى أن يظهر الإنسان خلاف ما يبطن فهذا ينطبق عليه حكم الرّياء، والرّياء من الكبائر أيضا، وقد اتّفق على ذلك الإمامان: الذّهبيّ وابن حجر وذكرا الأدلّة على ذلك في كتابيهما «٣» . المداهنة من النفاق: المداهنة والإدهان: المصانعة واللّين، وقيل: المداهنة إظهار خلاف ما يضمر. والإدهان: الغشّ. ودهن الرّجل إذا نافق. وقال قوم: داهنت بمعنى واريت، وأدهنت بمعنى غششت. ومعنى داهن وأدهن أي أظهر خلاف ما أضمر، فكأنّه بيّن الكذب على نفسه «٤» . يقول ابن القيّم- رحمه الله تعالى-: المداهنة لأهل النّفاق من حيث إنّ المداري يتلطّف بصاحبه ليقرّه على باطله ويتركه على هواه «٥» . حكم التعامل مع المنافقين والمداهنين: ذكر العزّ بن عبد السّلام أنّه ينبغي الإعراض عن المنافقين مستدلّا بقوله تعالى: فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ «٦» (التوبة/ ٩٥) . قلت: وهذا الإعراض يستلزم عدم التّعامل أو التّعاون معهم وذلك لنجاسة معتقداتهم وسوء مقاصدهم، وذكر في موضع آخر أنّ علينا معشر المسلمين مجاهدة هؤلاء والغلظة عليهم وعلى الكافرين مستدلّا بقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ (التوبة/ ٧٣) «٧» . [للاستزادة: انظر صفات: الرياء- الفسوق- الخيانة- الغدر- الخداع- الكذب- الفجور- العصيان- الافتراء. وفي ضد ذلك: انظر صفات: الإخلاص- التقوى- الإسلام- الولاء والبراء- الإيمان- الصدق- الإحسان- الأمانة- كتمان السر- الوفاء- الاستقامة- إقامة الشهادة] .

стр. 6329

الآيات الواردة في «النفاق» التعجب من المنافقين أو التعجب من انقسام الرأى إزاءهم: ١- أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيداً (٦٠) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً (٦١) «١» ٢-* فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (٨٨) وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ حَتَّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (٨٩) «٢» ٣-* أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (١١) لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ (١٢) «٣» النفاق في سياق العقاب: ٤- إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا (١٣٧) بَشِّرِ الْمُنافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً (١٣٨) الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً (١٣٩) وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جامِعُ الْمُنافِقِينَ وَالْكافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً (١٤٠) الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ قالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ

стр. 6330

بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (١٤١) إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراؤُنَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (١٤٢) مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (١٤٣) «١» ٥- إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً (١٤٥) إِلَّا الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً (١٤٦) «٢» ٦- مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (٢٣) لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ إِنْ شاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (٢٤) «٣» ٧- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيداً (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فازَ فَوْزاً عَظِيماً (٧١) إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا (٧٢) لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (٧٣) «٤» ٨- هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (٤) لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَكانَ ذلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزاً عَظِيماً (٥) وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً (٦) «٥» ٩- يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ بُشْراكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢) يَوْمَ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ

стр. 6331

ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ (١٣) يُنادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قالُوا بَلى وَلكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمانِيُّ حَتَّى جاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (١٤) فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْواكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٥) «١» النفاق في سياق بيان لخائن أصحابه أو لتحذير منهم: ١٠- وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَراً وَرِئاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٤٧) وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ وَقالَ لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ وَقالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ (٤٨) إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هؤُلاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٩) «٢» ١١- يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِما فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِؤُا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ (٦٤) «٣» ١٢- الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٦٧) وَعَدَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْكُفَّارَ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ (٦٨) «٤» ١٣-* وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) فَلَمَّا آتاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٧٦) فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِما أَخْلَفُوا اللَّهَ ما وَعَدُوهُ وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ (٧٧) «٥» ١٤- الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٩٧)

стр. 6332

وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَماً وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٩٨) «١» ١٥- وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلى عَذابٍ عَظِيمٍ (١٠١) «٢» ١٦- وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِما فِي صُدُورِ الْعالَمِينَ (١٠) وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنافِقِينَ (١١) «٣» ١٧- وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً (١٢) وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِراراً (١٣) وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطارِها ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْها وَما تَلَبَّثُوا بِها إِلَّا يَسِيراً (١٤) وَلَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الْأَدْبارَ وَكانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُلًا (١٥) قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذاً لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٦) قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرادَ بِكُمْ سُوءاً أَوْ أَرادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (١٧) * قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقائِلِينَ لِإِخْوانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنا وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا (١٨) أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذا جاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً (١٩) يَحْسَبُونَ الْأَحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ فِي الْأَعْرابِ يَسْئَلُونَ عَنْ أَنْبائِكُمْ وَلَوْ كانُوا فِيكُمْ ما قاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا (٢٠) «٤» ١٨- إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ (١) اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٢) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ (٣)

стр. 6333

* وَإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٤) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٥) سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (٦) هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ (٧) يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ (٨) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٩) وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠) وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذا جاءَ أَجَلُها وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١١) «١» المنافقون في سياق التحذير منهم أو تحذيرهم: ١٩- يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً (١) وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (٢) وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا (٣) «٢» ٢٠- يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً (٤٥) وَداعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجاً مُنِيراً (٤٦) وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيراً (٤٧) وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ وَدَعْ أَذاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا (٤٨) «٣» ٢١-* لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إِلَّا قَلِيلًا (٦٠) مَلْعُونِينَ أَيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا (٦١) «٤»

стр. 6334

كشف المنافقين والأمر بجهادهم: ٢٢- وَما أَصابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (١٦٦) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لَاتَّبَعْناكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ (١٦٧) «١» ٢٣- يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٣) يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا وَما نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْناهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْراً لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذاباً أَلِيماً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (٧٤) «٢» ٢٤- يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٩) «٣»

стр. 6335

الأحاديث الواردة في ذمّ (النفاق) ١-* (عن أنس- ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: «آية الإيمان حبّ الأنصار، وآية النّفاق بغض الأنصار» ) * «١» . ٢-* (عن أبي هريرة- ﵁: أنّ رسول الله ﷺ قال: «آية المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان» ) * «٢» . ٣-* (عن أسماء- ﵂ قالت: أتيت عائشة وهي تصلّي، فقلت: ما شأن النّاس؟ فأشارت إلى السّماء، فإذا النّاس قيام. فقالت: سبحان الله! قلت: آية، فأشارت برأسها- أي نعم- فقمت حتّى تجلّاني الغشي» ، فجعلت أصبّ على رأسي الماء. فحمد الله- النّبيّ ﷺ وأثنى عليه ثمّ قال: «ما من شيء لم أكن أريته إلّا رأيته في مقامي، حتّى الجنّة والنّار. فأوحي إليّ أنّكم تفتنون في قبوركم مثل، أو قريب- لا أدري أيّ ذلك قالت أسماء- من فتنة المسيح الدّجّال، يقال: ما علمك بهذا الرّجل؟ فأمّا المؤمن، أو الموقن- لا أدري بأيّهما قالت أسماء- فيقول هو محمّد رسول الله جاءنا بالبيّنات والهدى، فأجبنا واتّبعنا، هو محمّد (ثلاثا) . فيقال: نم صالحا، قد علمنا إن كنت لموقنا به. وأمّا المنافق، أو المرتاب- لا أدري أيّ ذلك قالت أسماء- فيقول: لا أدري، سمعت النّاس يقولون شيئا فقلته) * «٤» . ٤-* (عن عبد الله بن عمر- ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «أربع من كنّ فيه كان منافقا خالصا. ومن كانت فيه خلّة منهنّ كانت فيه خلّة من نفاق. حتّى يدعها: إذا حدّث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا وعد أخلف. وإذا خاصم فجر» غير أنّ في حديث سفيان «وإن كانت فيه خصلة منهنّ كانت فيه خصلة من النّفاق» ) * «٥» . ٥-* (عن قيس قال: قلت لعمّار: أرأيتم صنيعكم هذا الّذي صنعتم في أمر عليّ. أرأيا رأيتموه أو شيئا عهده إليكم رسول الله ﷺ ؟ فقال: ما عهد إلينا رسول الله ﷺ شيئا لم يعهده إلى النّاس كافّة. ولكن حذيفة أخبرني عن النّبيّ ﷺ : «في أصحابي اثنا عشر منافقا «٦» . فيهم ثمانية لا يدخلون الجنّة حتّى يلج الجمل في سمّ الخياط «٧» . ثمانية منهم تكفيكهم الدّبيلة «٨» وأربعة. لم أحفظ ما قال شعبة فيهم» ) * «٩» . ٦-* (عن أبي مسعود- ﵁ قال:

стр. 6336

أمرنا بالصّدقة. قال: كنّا نحامل «١» . قال: فتصدّق أبو عقيل بنصف صاع. قال: وجاء إنسان بشيء أكثر منه. فقال المنافقون: إنّ الله لغنيّ عن صدقة هذا. وما فعل هذا الآخر إلّا رياء. فنزلت: الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ (التوبة: ٧٩) » ) * «٢» . ٧-* (عن أبي سعيد الخدريّ- ﵁: أنّ رجالا من المنافقين، في عهد رسول الله ﷺ كانوا إذا خرج النّبيّ ﷺ إلى الغزو تخلّفوا عنه. وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله ﷺ . فإذا قدم النّبيّ ﷺ اعتذروا إليه. وحلفوا وأحبّوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا. فنزلت: لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ (آل عمران: ١٨٨) * «٣» . ٨-* (عن جابر- ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قدم من سفر. فلمّا كان قرب المدينة هاجت ريح شديدة تكاد أن تدفن الرّاكب. فزعم أنّ رسول الله ﷺ قال: «بعثت هذه الرّيح لموت منافق» فلمّا قدم المدينة، فإذا منافق عظيم من المنافقين، قد مات) * «٤» . ٩-* (عن عبد الرّحمن بن عوف: أنّ قوما من العرب أتوا رسول الله ﷺ المدينة، فأسلموا، وأصابهم وباء المدينة، حمّاها، فأركسوا «٥» ، فخرجوا من المدينة، فاستقبلهم نفر من أصحابه، يعني أصحاب النّبيّ ﷺ فقالوا لهم: ما لكم رجعتم؟ قالوا: أصابنا وباء المدينة فاجتوينا «٦» المدينة. فقالوا: أما لكم في رسول الله أسوة؟ فقال بعضهم: نافقوا، وقال بعضهم: لم ينافقوا، هم مسلمون، فأنزل الله : فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا ... (النساء/ ٨٨) الآية) * «٧» . ١٠-* (عن عبد الله بن عمر- ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ المؤمن يأكل في معى واحد، وإنّ الكافر، أو المنافق، فلا أدري أيّهما قال عبيد الله- يأكل في سبعة أمعاء» ) «٨» . ١١-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّ النّاس قالوا: يا رسول الله، هل نرى ربّنا يوم القيامة؟ قال: «هل تمارون في القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب» ؟ قالوا: لا. يا رسول الله. قال: «فهل تمارون في الشّمس ليس دونها سحاب» ؟ قالوا: لا. قال: فإنّكم ترونه كذلك. يحشر النّاس يوم القيامة فيقول:

стр. 6337

من كان يعبد شيئا فليتّبع، فمنهم من يتّبع الشّمس، ومنهم من يتّبع القمر، ومنهم من يتّبع الطّواغيت، وتبقى هذه الأمّة فيها منافقوها، فيأتيهم الله- فيقول: أنا ربّكم، فيقولون: هذا مكاننا حتّى يأتينا ربّنا، فإذ جاء ربّنا عرفناه. فيأتيهم الله فيقول: أنا ربّكم، فيقولون: أنت ربّنا، فيدعوهم فيضرب الصّراط بين ظهراني جهنّم، فأكون أوّل من يجوز من الرّسل بأمّته، ولا يتكلّم يومئذ أحد إلا الرّسل، وكلام الرّسل يومئذ: اللهمّ سلّم سلّم. وفي جهنّم كلاليب مثل شوك السّعدان «١» ، هل رأيتم شوك السّعدان؟ قالوا: نعم. قال: «فإنّها مثل شوك السّعدان، غير أنّه لا يعلم قدر عظمها إلّا الله، تخطف النّاس بأعمالهم، فمنهم من يوبق بعمله، ومنهم من يخردل «٢» ثمّ ينجو. حتّى إذا أراد الله رحمة من أراد من أهل النّار أمر الله الملائكة أن يخرجوا من كان يعبد الله، فيخرجونهم، ويعرفونهم بآثار السّجود، وحرّم الله على النّار أن تأكل أثر السّجود. فيخرجون من النّار، فكلّ ابن آدم تأكله النّار إلّا أثر السّجود، فيخرجون من النّار قد امتحشوا «٣» ، فيصبّ عليهم ماء الحياة، فينبتون كما تنبت الحبّة في حميل السّيل «٤» ، ثمّ يفرغ الله من القضاء بين العباد، ويبقى رجل بين الجنّة والنّار، وهو آخر أهل النّار دخولا الجنّة مقبلا بوجهه قبل النّار، فيقول: يا ربّ، اصرف وجهي عن النّار، قد قشبني ريحها وأحرقني ذكاؤها «٥» . فيقول: هل عسيت إن فعل ذلك بك أن تسأل غير ذلك؟ فيقول: لا. وعزّتك. فيعطي الله ما يشاء من عهد وميثاق، فيصرف الله وجهه عن النّار، فإذا أقبل به على الجنّة رأى بهجتها، سكت ما شاء الله أن يسكت، ثمّ قال: يا ربّ، قدّمني عند باب الجنّة. فيقول الله له: أليس قد أعطيت العهود والميثاق أن لا تسأل غير الّذي كنت سألت؟ فيقول: يا ربّ، لا أكون أشقى خلقك. فيقول: فما عسيت إن أعطيت ذلك أن لا تسأل غيره. فيقول: لا. وعزّتك لا أسأل غير ذلك. فيعطي ربّه ما شاء من عهد وميثاق، فيقدّمه إلى باب الجنّة، فإذا بلغ بابها فرأى زهرتها وما فيها من النّضرة والسّرور. فيسكت ما شاء الله أن يسكت، فيقول: يا ربّ، أدخلني الجنّة. فيقول الله: ويحك يا ابن آدم، ما أغدرك! أليس قد أعطيت العهود والميثاق أن لا تسأل غير الّذي أعطيت؟ فيقول: يا ربّ لا تجعلني أشقى خلقك. فيضحك الله- منه، ثمّ يأذن له في دخول الجنّة، فيقول: تمنّ، فيتمنّى. حتّى إذا انقطع أمنيّته قال الله- : زد من كذا وكذا- أقبل يذكّره ربّه- حتّى إذا انتهت به الأمانيّ قال الله تعالى: لك ذلك ومثله معه» .

стр. 6338

قال أبو سعيد الخدريّ لأبي هريرة- ﵄ إنّ رسول الله ﷺ قال: «قال الله: لك ذلك وعشرة أمثاله» قال أبو هريرة: لم أحفظ من رسول الله ﷺ إلّا قوله «لك ذلك ومثله معه» قال أبو سعيد الخدريّ: إنّي سمعته يقول: «ذلك لك وعشرة أمثاله) * «١» . ١٢-* (عن زيد بن ثابت- ﵄ أنّ النّبيّ ﷺ خرج إلى أحد. فرجع ناس ممّن كان معه. فكان أصحاب النّبيّ ﷺ فيهم فرقتين. قال بعضهم: نقتلهم. وقال بعضهم: لا. فنزلت: فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ (النساء: ٨٨) * «٢» . ١٣-* (عن العلاء بن عبد الرّحمن، أنّه دخل على أنس بن مالك في داره بالبصرة. حين انصرف من الظّهر. وداره بجنب المسجد. فلمّا دخلنا عليه قال: أصلّيتم العصر؟ فقلنا له: إنّما انصرفنا السّاعة من الظّهر. قال: فصلّوا العصر. فقمنا فصلّينا. فلمّا انصرفنا قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «تلك صلاة المنافق. يجلس يرقب الشّمس. حتّى إذا كانت بين قرني الشّيطان. قام فنقرها «٣» أربعا. لا يذكر الله فيها إلّا قليلا» ) * «٤» . ١٤-* (عن عبد الله بن عمر- ﵄ أنّه لقي ناسا خرجوا من عند مروان، فقال: من أين جاء هؤلاء؟ قالوا: خرجنا من عند الأمير مروان، قال: وكلّ حقّ رأيتموه تكلّمتم به وأعنتم عليه، وكلّ منكر رأيتموه أنكرتموه ورددتموه عليه؟ قالوا: لا والله، بل يقول ما ينكر، فنقول: قد أصبت أصلحك الله. فإذا خرجنا من عنده قلنا: قاتله الله، ما أظلمه! وأفجره! قال عبد الله: كنّا بعهد رسول الله ﷺ نعدّ هذا نفاقا لمن كان هكذا) * «٥» . ١٥-* (عن عليّ- ﵁ قال: بعثني رسول الله ﷺ أنا والزّبير والمقداد. فقال: «انطلقوا حتّى تأتوا روضة خاخ «٦» ، فإنّ بها ظعينة معها كتاب فخذوه منها. قال فانطلقنا تعادى بنا خيلنا حتّى أتينا الرّوضة، فإذا نحن بالظّعينة. قلنا لها: أخرجي الكتاب، قالت: ما معي كتاب. فقلنا: لتخرجنّ الكتاب أو لنلقينّ الثّياب. قال فأخرجته من عقاصها «٧» ، فأتينا به رسول الله ﷺ ، فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة- إلى ناس بمكّة من المشركين- يخبرهم ببعض أمر رسول الله ﷺ . فقال رسول الله ﷺ : يا حاطب، ما هذا؟ قال يا رسول الله، لا تعجل عليّ، إنّي كنت امرأ ملصقا في قريش- يقول: كنت حليفا، ولم أكن من أنفسها- وكان من معك من المهاجرين من لهم بها قرابات يحمون أهليهم وأموالهم، فأحببت إذا فاتني ذلك من النّسب فيهم أن أتّخذ عندهم يدا يحمون قرابتي،

стр. 6339

ولم أفعله ارتدادا عن ديني ولا رضا بالكفر بعد الإسلام. فقال رسول الله ﷺ : أما إنّه قد صدقكم. فقال عمر: يا رسول الله، دعني أضرب عنق هذا المنافق. فقال: إنّه قد شهد بدرا. وما يدريك لعلّ الله اطّلع على من شهد بدرا. قال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم. فأنزل الله السّورة (الممتحنة: ١) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ ... إلى قوله فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ» ) «١» . ١٦-* (عن صفوان بن محرز المازنيّ- ﵁ قال: بينما أنا أمشي مع ابن عمر- ﵄ آخذ بيده إذ عرض رجل فقال: كيف سمعت رسول الله ﷺ في النّجوى؟ فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّ الله يدني المؤمن فيضع عليه كنفه ويستره فيقول: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: نعم. أي ربّ. حتّى إذا قرّره بذنوبه ورأى في نفسه أنّه هلك قال: سترتها عليك في الدّنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، فيعطى كتاب حسناته. وأمّا الكافر والمنافقون فيقول الأشهاد: هؤلاء الّذين كذبوا على ربّهم، ألا لعنة الله على الظّالمين» ) * «٢» . ١٧-* (عن زيد بن أرقم- ﵁ أنّه قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في سفر، أصاب النّاس فيه شدّة. فقال عبد الله بن أبيّ لأصحابه: لا تنفقوا على من عند رسول الله ﷺ حتّى ينفضّوا من حوله. قال زهير: وهي قراءة من خفض حوله. وقال: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجنّ الأعزّ منها الأذلّ. قال: فأتيت النّبيّ ﷺ . فأخبرته بذلك. فأرسل إلى عبد الله بن أبيّ فسأله فاجتهد يمينه ما فعل. فقال: كذب زيد رسول الله ﷺ . قال: فوقع في نفسي ممّا قالوه شدّة. حتّى أنزل الله تصديقي: إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ (المنافقون/ ١) . قال: ثمّ دعاهم النّبيّ ﷺ ليستغفر لهم. قال فلوّوا رؤوسهم. وقوله: كأنّهم خشب مسنّدة. وقال: كانوا رجالا أجمل شيء) * «٣» . ١٨-* (عن أنس- ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: «العبد إذا وضع فى قبره وتولّي وذهب أصحابه- حتّى إنّه ليسمع قرع نعالهم- أتاه ملكان فأقعداه فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرّجل محمّد ﷺ ؟ فيقول: أشهد أنّه عبد الله ورسوله. فيقال: انظر إلى مقعدك من النّار، أبدلك الله به مقعدا من الجنّة. قال النّبيّ ﷺ فيراهما جميعا. وأمّا الكافر- أو المنافق- فيقول: لا أدري، كنت أقول ما يقول النّاس. فيقال: لا دريت، ولا تليت. ثمّ يضرب بمطرقة من حديد ضربة بين أذنيه، فيصيح صيحة يسمعها من يليه إلّا الثّقلين» ) * «٤» . ١٩-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قالوا: يا رسول الله، هل نرى ربّنا يوم القيامة؟ قال: «هل

стр. 6340

تضارّون في رؤية الشّمس في الظّهيرة، ليست في سحابة؟» قالوا: لا. قال: «فهل تضارّون في رؤية القمر ليلة البدر ليس فى سحابة؟» قالوا: لا. قال: «فو الّذي نفسي بيده لا تضارّون في رؤية ربّكم إلّا كما تضارّون في رؤية أحدهما» . قال: «فيلقى العبد فيقول: أي فل «١» ، ألم أكرمك، وأسوّدك، وأزوّجك، وأسخّر لك الخيل والإبل، وأذرك ترأس وتربع؟ فيقول: بلى. قال فيقول: أفظننت أنّك ملاقيّ؟ فيقول: لا. فيقول: فإنّي أنساك كما نسيتني. ثمّ يلقى الثّاني فيقول: أي فل، ألم أكرمك، وأسوّدك؟، وأزوّجك، وأسخّر لك الخيل والإبل، وأذرك ترأس وتربع؟ فيقول: بلى. أي ربّ، فيقول: أفظننت أنّك ملاقيّ؟ فيقول: لا. فيقول: فإنّي أنساك كما نسيتني. ثمّ يلقى الثّالث فيقول له مثل ذلك. فيقول: يا ربّ، آمنت بك وبكتابك وبرسلك وصلّيت وصمت وتصدّقت، ويثني بخير ما استطاع، فيقول: هاهنا إذا. قال: ثمّ يقال له: الآن نبعث شاهدنا عليك. ويتفكّر في نفسه: من ذا الّذي يشهد عليّ؟ فيختم على فيه. ويقال لفخذه ولحمه وعظامه: انطقي. فتنطق فخذه ولحمه وعظامه بعمله. وذلك ليعذر من نفسه، وذلك المنافق. وذلك الّذي يسخط الله عليه» ) *» . ٢٠-* (عن عائشة- ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يخرج سفرا أقرع بين أزواجه، فأيّتهنّ خرج سهمها خرج بها معه. فأقرع بيننا في غزاة غزاها فخرج سهمي فخرجت معه بعد ما أنزل الحجاب، فأنا أحمل في هودج وأنزل فيه. فسرنا حتّى إذا فرغ رسول الله ﷺ من غزوته تلك وقفل ودنونا من المدينة آذن ليلة بالرّحيل، فقمت حين آذنوا بالرّحيل فمشيت حتّى جاوزت الجيش، فلمّا قضيت شأني أقبلت إلى الرّحل فلمست صدري، فإذا عقد لي من جزع ظفار قد انقطع، فرجعت فالتمست عقدي، فحبسني ابتغاؤه. فأقبل الّذين يرحلون لي فاحتملوا هودجي فرحلوه على بعيري الّذي كنت أركب وهم يحسبون أنّي فيه، وكان النّساء إذ ذاك خفافا لم يثقلن ولم يغشهنّ اللّحم، وإنّما يأكلن العلقة من الطّعام. فلم يستنكر القوم حين رفعوه ثقل الهودج فاحتملوه، وكنت جارية حديثة السّنّ، فبعثوا الجمل وساروا، فوجدت عقدي بعد ما استمرّ الجيش، فجئت منزلهم وليس فيه أحد، فأممت منزلي الّذي كنت به فظننت أنّهم سيفقدونني فيرجعون إليّ. فبينا أنا جالسة غلبتني عيناي فنمت، وكان صفوان بن المعطّل السّلميّ ثمّ الذّكوانيّ من وراء الجيش، فأصبح عند منزلي، فرأي سواد إنسان نائم، فأتاني وكان يراني قبل الحجاب- فاستيقظت باسترجاعه حتّى أناخ راحلته فوطىء يدها فركبتها. فانطلق يقود بي الرّاحلة حتّى أتينا الجيش بعد ما نزلوا معرّسين في نحر الظّهيرة. فهلك من هلك. وكان الّذي تولّى الإفك عبد الله بن أبيّ ابن سلول. فقدمنا المدينة فاشتكيت بها شهرا، والنّاس يفيضون من قول أصحاب الإفك، ويريبني في وجعي أنّي لا
следующие страницы →