← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 22798

نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (6 530 стр.). Показаны 6336–6375 · переход к 6341.

стр. 6336

أمرنا بالصّدقة. قال: كنّا نحامل «١» . قال: فتصدّق أبو عقيل بنصف صاع. قال: وجاء إنسان بشيء أكثر منه. فقال المنافقون: إنّ الله لغنيّ عن صدقة هذا. وما فعل هذا الآخر إلّا رياء. فنزلت: الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ (التوبة: ٧٩) » ) * «٢» . ٧-* (عن أبي سعيد الخدريّ- ﵁: أنّ رجالا من المنافقين، في عهد رسول الله ﷺ كانوا إذا خرج النّبيّ ﷺ إلى الغزو تخلّفوا عنه. وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله ﷺ . فإذا قدم النّبيّ ﷺ اعتذروا إليه. وحلفوا وأحبّوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا. فنزلت: لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ (آل عمران: ١٨٨) * «٣» . ٨-* (عن جابر- ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قدم من سفر. فلمّا كان قرب المدينة هاجت ريح شديدة تكاد أن تدفن الرّاكب. فزعم أنّ رسول الله ﷺ قال: «بعثت هذه الرّيح لموت منافق» فلمّا قدم المدينة، فإذا منافق عظيم من المنافقين، قد مات) * «٤» . ٩-* (عن عبد الرّحمن بن عوف: أنّ قوما من العرب أتوا رسول الله ﷺ المدينة، فأسلموا، وأصابهم وباء المدينة، حمّاها، فأركسوا «٥» ، فخرجوا من المدينة، فاستقبلهم نفر من أصحابه، يعني أصحاب النّبيّ ﷺ فقالوا لهم: ما لكم رجعتم؟ قالوا: أصابنا وباء المدينة فاجتوينا «٦» المدينة. فقالوا: أما لكم في رسول الله أسوة؟ فقال بعضهم: نافقوا، وقال بعضهم: لم ينافقوا، هم مسلمون، فأنزل الله : فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا ... (النساء/ ٨٨) الآية) * «٧» . ١٠-* (عن عبد الله بن عمر- ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ المؤمن يأكل في معى واحد، وإنّ الكافر، أو المنافق، فلا أدري أيّهما قال عبيد الله- يأكل في سبعة أمعاء» ) «٨» . ١١-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّ النّاس قالوا: يا رسول الله، هل نرى ربّنا يوم القيامة؟ قال: «هل تمارون في القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب» ؟ قالوا: لا. يا رسول الله. قال: «فهل تمارون في الشّمس ليس دونها سحاب» ؟ قالوا: لا. قال: فإنّكم ترونه كذلك. يحشر النّاس يوم القيامة فيقول:

стр. 6337

من كان يعبد شيئا فليتّبع، فمنهم من يتّبع الشّمس، ومنهم من يتّبع القمر، ومنهم من يتّبع الطّواغيت، وتبقى هذه الأمّة فيها منافقوها، فيأتيهم الله- فيقول: أنا ربّكم، فيقولون: هذا مكاننا حتّى يأتينا ربّنا، فإذ جاء ربّنا عرفناه. فيأتيهم الله فيقول: أنا ربّكم، فيقولون: أنت ربّنا، فيدعوهم فيضرب الصّراط بين ظهراني جهنّم، فأكون أوّل من يجوز من الرّسل بأمّته، ولا يتكلّم يومئذ أحد إلا الرّسل، وكلام الرّسل يومئذ: اللهمّ سلّم سلّم. وفي جهنّم كلاليب مثل شوك السّعدان «١» ، هل رأيتم شوك السّعدان؟ قالوا: نعم. قال: «فإنّها مثل شوك السّعدان، غير أنّه لا يعلم قدر عظمها إلّا الله، تخطف النّاس بأعمالهم، فمنهم من يوبق بعمله، ومنهم من يخردل «٢» ثمّ ينجو. حتّى إذا أراد الله رحمة من أراد من أهل النّار أمر الله الملائكة أن يخرجوا من كان يعبد الله، فيخرجونهم، ويعرفونهم بآثار السّجود، وحرّم الله على النّار أن تأكل أثر السّجود. فيخرجون من النّار، فكلّ ابن آدم تأكله النّار إلّا أثر السّجود، فيخرجون من النّار قد امتحشوا «٣» ، فيصبّ عليهم ماء الحياة، فينبتون كما تنبت الحبّة في حميل السّيل «٤» ، ثمّ يفرغ الله من القضاء بين العباد، ويبقى رجل بين الجنّة والنّار، وهو آخر أهل النّار دخولا الجنّة مقبلا بوجهه قبل النّار، فيقول: يا ربّ، اصرف وجهي عن النّار، قد قشبني ريحها وأحرقني ذكاؤها «٥» . فيقول: هل عسيت إن فعل ذلك بك أن تسأل غير ذلك؟ فيقول: لا. وعزّتك. فيعطي الله ما يشاء من عهد وميثاق، فيصرف الله وجهه عن النّار، فإذا أقبل به على الجنّة رأى بهجتها، سكت ما شاء الله أن يسكت، ثمّ قال: يا ربّ، قدّمني عند باب الجنّة. فيقول الله له: أليس قد أعطيت العهود والميثاق أن لا تسأل غير الّذي كنت سألت؟ فيقول: يا ربّ، لا أكون أشقى خلقك. فيقول: فما عسيت إن أعطيت ذلك أن لا تسأل غيره. فيقول: لا. وعزّتك لا أسأل غير ذلك. فيعطي ربّه ما شاء من عهد وميثاق، فيقدّمه إلى باب الجنّة، فإذا بلغ بابها فرأى زهرتها وما فيها من النّضرة والسّرور. فيسكت ما شاء الله أن يسكت، فيقول: يا ربّ، أدخلني الجنّة. فيقول الله: ويحك يا ابن آدم، ما أغدرك! أليس قد أعطيت العهود والميثاق أن لا تسأل غير الّذي أعطيت؟ فيقول: يا ربّ لا تجعلني أشقى خلقك. فيضحك الله- منه، ثمّ يأذن له في دخول الجنّة، فيقول: تمنّ، فيتمنّى. حتّى إذا انقطع أمنيّته قال الله- : زد من كذا وكذا- أقبل يذكّره ربّه- حتّى إذا انتهت به الأمانيّ قال الله تعالى: لك ذلك ومثله معه» .

стр. 6338

قال أبو سعيد الخدريّ لأبي هريرة- ﵄ إنّ رسول الله ﷺ قال: «قال الله: لك ذلك وعشرة أمثاله» قال أبو هريرة: لم أحفظ من رسول الله ﷺ إلّا قوله «لك ذلك ومثله معه» قال أبو سعيد الخدريّ: إنّي سمعته يقول: «ذلك لك وعشرة أمثاله) * «١» . ١٢-* (عن زيد بن ثابت- ﵄ أنّ النّبيّ ﷺ خرج إلى أحد. فرجع ناس ممّن كان معه. فكان أصحاب النّبيّ ﷺ فيهم فرقتين. قال بعضهم: نقتلهم. وقال بعضهم: لا. فنزلت: فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ (النساء: ٨٨) * «٢» . ١٣-* (عن العلاء بن عبد الرّحمن، أنّه دخل على أنس بن مالك في داره بالبصرة. حين انصرف من الظّهر. وداره بجنب المسجد. فلمّا دخلنا عليه قال: أصلّيتم العصر؟ فقلنا له: إنّما انصرفنا السّاعة من الظّهر. قال: فصلّوا العصر. فقمنا فصلّينا. فلمّا انصرفنا قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «تلك صلاة المنافق. يجلس يرقب الشّمس. حتّى إذا كانت بين قرني الشّيطان. قام فنقرها «٣» أربعا. لا يذكر الله فيها إلّا قليلا» ) * «٤» . ١٤-* (عن عبد الله بن عمر- ﵄ أنّه لقي ناسا خرجوا من عند مروان، فقال: من أين جاء هؤلاء؟ قالوا: خرجنا من عند الأمير مروان، قال: وكلّ حقّ رأيتموه تكلّمتم به وأعنتم عليه، وكلّ منكر رأيتموه أنكرتموه ورددتموه عليه؟ قالوا: لا والله، بل يقول ما ينكر، فنقول: قد أصبت أصلحك الله. فإذا خرجنا من عنده قلنا: قاتله الله، ما أظلمه! وأفجره! قال عبد الله: كنّا بعهد رسول الله ﷺ نعدّ هذا نفاقا لمن كان هكذا) * «٥» . ١٥-* (عن عليّ- ﵁ قال: بعثني رسول الله ﷺ أنا والزّبير والمقداد. فقال: «انطلقوا حتّى تأتوا روضة خاخ «٦» ، فإنّ بها ظعينة معها كتاب فخذوه منها. قال فانطلقنا تعادى بنا خيلنا حتّى أتينا الرّوضة، فإذا نحن بالظّعينة. قلنا لها: أخرجي الكتاب، قالت: ما معي كتاب. فقلنا: لتخرجنّ الكتاب أو لنلقينّ الثّياب. قال فأخرجته من عقاصها «٧» ، فأتينا به رسول الله ﷺ ، فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة- إلى ناس بمكّة من المشركين- يخبرهم ببعض أمر رسول الله ﷺ . فقال رسول الله ﷺ : يا حاطب، ما هذا؟ قال يا رسول الله، لا تعجل عليّ، إنّي كنت امرأ ملصقا في قريش- يقول: كنت حليفا، ولم أكن من أنفسها- وكان من معك من المهاجرين من لهم بها قرابات يحمون أهليهم وأموالهم، فأحببت إذا فاتني ذلك من النّسب فيهم أن أتّخذ عندهم يدا يحمون قرابتي،

стр. 6339

ولم أفعله ارتدادا عن ديني ولا رضا بالكفر بعد الإسلام. فقال رسول الله ﷺ : أما إنّه قد صدقكم. فقال عمر: يا رسول الله، دعني أضرب عنق هذا المنافق. فقال: إنّه قد شهد بدرا. وما يدريك لعلّ الله اطّلع على من شهد بدرا. قال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم. فأنزل الله السّورة (الممتحنة: ١) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ ... إلى قوله فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ» ) «١» . ١٦-* (عن صفوان بن محرز المازنيّ- ﵁ قال: بينما أنا أمشي مع ابن عمر- ﵄ آخذ بيده إذ عرض رجل فقال: كيف سمعت رسول الله ﷺ في النّجوى؟ فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّ الله يدني المؤمن فيضع عليه كنفه ويستره فيقول: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: نعم. أي ربّ. حتّى إذا قرّره بذنوبه ورأى في نفسه أنّه هلك قال: سترتها عليك في الدّنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، فيعطى كتاب حسناته. وأمّا الكافر والمنافقون فيقول الأشهاد: هؤلاء الّذين كذبوا على ربّهم، ألا لعنة الله على الظّالمين» ) * «٢» . ١٧-* (عن زيد بن أرقم- ﵁ أنّه قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في سفر، أصاب النّاس فيه شدّة. فقال عبد الله بن أبيّ لأصحابه: لا تنفقوا على من عند رسول الله ﷺ حتّى ينفضّوا من حوله. قال زهير: وهي قراءة من خفض حوله. وقال: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجنّ الأعزّ منها الأذلّ. قال: فأتيت النّبيّ ﷺ . فأخبرته بذلك. فأرسل إلى عبد الله بن أبيّ فسأله فاجتهد يمينه ما فعل. فقال: كذب زيد رسول الله ﷺ . قال: فوقع في نفسي ممّا قالوه شدّة. حتّى أنزل الله تصديقي: إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ (المنافقون/ ١) . قال: ثمّ دعاهم النّبيّ ﷺ ليستغفر لهم. قال فلوّوا رؤوسهم. وقوله: كأنّهم خشب مسنّدة. وقال: كانوا رجالا أجمل شيء) * «٣» . ١٨-* (عن أنس- ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: «العبد إذا وضع فى قبره وتولّي وذهب أصحابه- حتّى إنّه ليسمع قرع نعالهم- أتاه ملكان فأقعداه فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرّجل محمّد ﷺ ؟ فيقول: أشهد أنّه عبد الله ورسوله. فيقال: انظر إلى مقعدك من النّار، أبدلك الله به مقعدا من الجنّة. قال النّبيّ ﷺ فيراهما جميعا. وأمّا الكافر- أو المنافق- فيقول: لا أدري، كنت أقول ما يقول النّاس. فيقال: لا دريت، ولا تليت. ثمّ يضرب بمطرقة من حديد ضربة بين أذنيه، فيصيح صيحة يسمعها من يليه إلّا الثّقلين» ) * «٤» . ١٩-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قالوا: يا رسول الله، هل نرى ربّنا يوم القيامة؟ قال: «هل

стр. 6340

تضارّون في رؤية الشّمس في الظّهيرة، ليست في سحابة؟» قالوا: لا. قال: «فهل تضارّون في رؤية القمر ليلة البدر ليس فى سحابة؟» قالوا: لا. قال: «فو الّذي نفسي بيده لا تضارّون في رؤية ربّكم إلّا كما تضارّون في رؤية أحدهما» . قال: «فيلقى العبد فيقول: أي فل «١» ، ألم أكرمك، وأسوّدك، وأزوّجك، وأسخّر لك الخيل والإبل، وأذرك ترأس وتربع؟ فيقول: بلى. قال فيقول: أفظننت أنّك ملاقيّ؟ فيقول: لا. فيقول: فإنّي أنساك كما نسيتني. ثمّ يلقى الثّاني فيقول: أي فل، ألم أكرمك، وأسوّدك؟، وأزوّجك، وأسخّر لك الخيل والإبل، وأذرك ترأس وتربع؟ فيقول: بلى. أي ربّ، فيقول: أفظننت أنّك ملاقيّ؟ فيقول: لا. فيقول: فإنّي أنساك كما نسيتني. ثمّ يلقى الثّالث فيقول له مثل ذلك. فيقول: يا ربّ، آمنت بك وبكتابك وبرسلك وصلّيت وصمت وتصدّقت، ويثني بخير ما استطاع، فيقول: هاهنا إذا. قال: ثمّ يقال له: الآن نبعث شاهدنا عليك. ويتفكّر في نفسه: من ذا الّذي يشهد عليّ؟ فيختم على فيه. ويقال لفخذه ولحمه وعظامه: انطقي. فتنطق فخذه ولحمه وعظامه بعمله. وذلك ليعذر من نفسه، وذلك المنافق. وذلك الّذي يسخط الله عليه» ) *» . ٢٠-* (عن عائشة- ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يخرج سفرا أقرع بين أزواجه، فأيّتهنّ خرج سهمها خرج بها معه. فأقرع بيننا في غزاة غزاها فخرج سهمي فخرجت معه بعد ما أنزل الحجاب، فأنا أحمل في هودج وأنزل فيه. فسرنا حتّى إذا فرغ رسول الله ﷺ من غزوته تلك وقفل ودنونا من المدينة آذن ليلة بالرّحيل، فقمت حين آذنوا بالرّحيل فمشيت حتّى جاوزت الجيش، فلمّا قضيت شأني أقبلت إلى الرّحل فلمست صدري، فإذا عقد لي من جزع ظفار قد انقطع، فرجعت فالتمست عقدي، فحبسني ابتغاؤه. فأقبل الّذين يرحلون لي فاحتملوا هودجي فرحلوه على بعيري الّذي كنت أركب وهم يحسبون أنّي فيه، وكان النّساء إذ ذاك خفافا لم يثقلن ولم يغشهنّ اللّحم، وإنّما يأكلن العلقة من الطّعام. فلم يستنكر القوم حين رفعوه ثقل الهودج فاحتملوه، وكنت جارية حديثة السّنّ، فبعثوا الجمل وساروا، فوجدت عقدي بعد ما استمرّ الجيش، فجئت منزلهم وليس فيه أحد، فأممت منزلي الّذي كنت به فظننت أنّهم سيفقدونني فيرجعون إليّ. فبينا أنا جالسة غلبتني عيناي فنمت، وكان صفوان بن المعطّل السّلميّ ثمّ الذّكوانيّ من وراء الجيش، فأصبح عند منزلي، فرأي سواد إنسان نائم، فأتاني وكان يراني قبل الحجاب- فاستيقظت باسترجاعه حتّى أناخ راحلته فوطىء يدها فركبتها. فانطلق يقود بي الرّاحلة حتّى أتينا الجيش بعد ما نزلوا معرّسين في نحر الظّهيرة. فهلك من هلك. وكان الّذي تولّى الإفك عبد الله بن أبيّ ابن سلول. فقدمنا المدينة فاشتكيت بها شهرا، والنّاس يفيضون من قول أصحاب الإفك، ويريبني في وجعي أنّي لا

стр. 6341

أرى من النّبيّ ﷺ اللّطف الّذي كنت أرى منه حين أمرض، إنّما يدخل فيسلّم ثمّ يقول: كيف تيكم؟ لا أشعر بشيء من ذلك حتّى نقهت فخرجت أنا وأمّ مسطح قبل المناصع متبرّزنا، لا نخرج إلّا ليلا إلى ليل، وذلك قبل أن نتّخذ الكنف قريبا من بيوتنا، وأمرنا أمر العرب الأول في البرّيّة أو في التّنزّه. فأقبلت أنا وأمّ مسطح بنت أبي رهم نمشي، فعثرت في مرطها فقالت: تعس مسطح. فقلت لها: بئس ما قلت، أتسبيّن رجلا شهد بدرا؟ فقالت: يا هنتاه، ألم تسمعي ما قالوا؟ فأخبرتني بقول أهل الإفك، فازددت مرضا على مرضي. فلمّا رجعت إلى بيتي دخل عليّ رسول الله ﷺ فقال: كيف تيكم؟ فقلت: ائذن لي إلى أبويّ- قالت: وأنا حينئذ أريد أن أستيقن الخبر من قبلهما- فأذن لي رسول الله ﷺ . فأتيت أبويّ، فقلت لأمّي: ما يتحدّث به النّاس؟ فقالت: يا بنيّة، هوّني على نفسك الشّأن، فو الله لقلّما كانت امرأة قطّ وضيئة عند رجل يحبّها ولها ضرائر إلّا أكثرن عليها. فقلت: سبحان الله! ولقد يتحدّث النّاس بهذا؟ قالت: فبتّ تلك اللّيلة حتّى أصبحت لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم. ثمّ أصبحت. فدعا رسول الله ﷺ عليّ بن أبي طالب وأسامة بن زيد حين استلبث الوحي يستشيرهما في فراق أهله. فأمّا أسامة فأشار عليه بالّذي يعلم في نفسه من الودّ لهم. فقال أسامة: أهلك يا رسول الله، ولا نعلم والله إلّا خيرا. وأمّا عليّ بن أبي طالب فقال: يا رسول الله، لم يضيّق الله عليك. والنّساء سواها كثير، وسل الجارية تصدقك. فدعا رسول الله ﷺ بريرة فقال: يا بريرة، هل رأيت فيها شيئا يريبك؟ فقالت بريرة: لا والّذي بعثك بالحقّ، إن رأيت منها أمرا أغمصه عليها قطّ أكثر من أنّها جارية حديثة السّنّ تنام عن العجين فتأتي الدّاجن فتأكله. فقام رسول الله ﷺ من يومه. فاستعذر من عبد الله بن أبيّ ابن سلول. فقال رسول الله ﷺ : من يعذرني من رجل بلغني أذاه في أهلي؟ فو الله ما علمت على أهلي إلّا خيرا، وقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلّا خيرا، وما كان يدخل على أهلي إلّا معي. فقام سعد بن معاذ فقال: يا رسول الله، والله أنا أعذرك منه، إن كان من الأوس ضربنا عنقه، وإن كان من إخواننا الخزرج أمرتنا ففعلنا فيه أمرك. فقام سعد بن عبادة وهو سيّد الخزرج- وكان قبل ذلك رجلا صالحا، ولكن احتملته الحميّة- فقال: كذبت لعمر الله، والله لا تقتله ولا تقدر على ذلك. فقام أسيد بن الحضير فقال: كذبت لعمر الله، والله لنقتلنّه، فإنّك منافق تجادل عن المنافقين. فثار الحيّان الأوس والخزرج حتّى همّوا، ورسول الله ﷺ على المنبر. فنزل فخفضهم حتّى سكتوا وسكت. وبكيت يومي لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، فأصبح عندي أبواي وقد بكيت ليلتي ويوما حتّى أظنّ أنّ البكاء فالق كبدي. قالت: فبينا هما جالسان عندي وأنا أبكي إذ استأذنت امرأة من الأنصار فأذنت لها فجلست تبكي معي. فبينا نحن كذلك إذ دخل رسول الله ﷺ فجلس ولم يجلس عندي من يوم قيل فيّ ما قيل قبلها. وقد مكث شهرا لا يوحى إليه في شأني شيء. قالت: فتشهّد ثمّ قال: «يا عائشة، فإنّه بلغني عنك كذا وكذا. فإن كنت بريئة فسيبرّئك الله، وإن كنت ألممت

стр. 6342

بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه، فإنّ العبد إذا اعترف بذنبه ثمّ تاب تاب الله عليه. فلمّا قضى رسول الله ﷺ مقالته قلص دمعي حتّى ما أحسّ منه قطرة، وقلت لأبي: أجب عنّي رسول الله ﷺ . قال: والله لا أدري ما أقول لرسول الله ﷺ . فقلت لأمّي: أجيبي عنّي رسول الله ﷺ . قالت: والله ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ . قالت: وأنا جارية حديثة السّنّ لا أقرأ كثيرا من القرآن، فقلت: إنّي والله لقد علمت أنّكم سمعتم ما يتحدّث به النّاس ووقر في أنفسكم وصدّقتم به، وإن قلت لكم إنّي بريئة- والله يعلم أنّي بريئة- لا تصدّقونني بذلك، ولئن اعترفت لكم بأمر- والله يعلم أنّي بريئة- لتصدّقنّي. والله ما أجد لي ولكم مثلا إلّا أبا يوسف إذ قال: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ (يوسف/ ١٨) . ثمّ تحوّلت على فراشى وأنا أرجو أن يبرّئني الله، ولكن والله ما ظننت أن ينزل في شأني وحيا، ولأنا أحقر في نفسي من أن يتكلّم بالقرآن في أمري. ولكنّنى كنت أرجو أن يرى رسول الله ﷺ في النّوم رؤيا تبرّئني، فو الله ما رام مجلسه ولا خرج أحد من أهل البيت حتّى أنزل عليه الوحي. فأخذه ما يأخذه من البرحاء، حتّى إنّه ليتحدّر منه مثل الجمان من العرق في يوم شات. فلمّا سرّي عن رسول الله ﷺ وهو يضحك، فكان أوّل كلمة تكلّم بها أن قال لي: «يا عائشة، احمدي الله، فقد برّأك الله» . قالت لي أمّي: قومي إلى رسول الله ﷺ . فقلت: لا والله لا أقوم إليه، ولا أحمد إلّا الله. فأنزل الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ (النور/ ١١) الآيات. فلمّا أنزل الله هذا في براءتي، قال أبو بكر الصّدّيق- ﵁ وكان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه- والله لا أنفق على مسطح بشيء أبدا بعد أن قال لعائشة، فأنزل الله تعالى وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا إلى قوله غَفُورٌ رَحِيمٌ (النور/ ٢٢) . فقال أبو بكر: بلى والله، إنّي لأحبّ أن يغفر الله لي، فرجع إلى مسطح الّذي كان يجري عليه، وكان رسول الله ﷺ يسأل زينب بنت جحش عن أمري، فقال: يا زينب، ما علمت؟ ما رأيت؟ فقالت: يا رسول الله، أحمي سمعي وبصري، والله ما علمت عليها إلّا خيرا. قالت: وهي الّتي كانت تساميني. فعصمها الله بالورع» ) * «١» ٢١-* (عن جابر بن عبد الله- ﵄ قال: كان معاذ يصلّى مع النّبيّ ﷺ ثمّ يأتي فيؤمّ قومه. فصلّى ليلة مع النّبيّ ﷺ العشاء، ثمّ أتى قومه فأمّهم، فافتتح بسورة البقرة، فانحرف رجل فسلّم، ثمّ صلّى وحده وانصرف، فقالوا له: أنافقت يا فلان؟ قال: لا. والله لآتينّ رسول الله ﷺ فلأخبرنّه، فأتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إنّا أصحاب نواضح «٢» . نعمل بالنّهار، وإنّ معاذا صلّى معك العشاء، ثمّ أتى فافتتح بسورة البقرة. فأقبل رسول الله ﷺ على معاذ فقال: «يا معاذ، أفتّان أنت؟ اقرأ بكذا، واقرأ بكذا» ) * «٣» .

стр. 6343

٢٢-* (عن بريدة بن الحصيب- ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: «لا تقولوا للمنافق سيّد فإنّه إن يك سيّدا فقد أسخطتم ربّكم- » ) * «١» . ٢٣-* (عن البراء يحدّث عن النّبيّ ﷺ أنّه قال- في الأنصار-: «لا يحبّهم إلّا مؤمن ولا يبغضهم إلّا منافق. من أحبّهم أحبّه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله» ) * «٢» . ٢٤-* (عن حنظلة الأسيديّ «٣» قال- وكان من كتّاب رسول الله ﷺ قال: لقيني أبو بكر فقال: كيف أنت يا حنظلة؟ قال: قلت: نافق حنظلة. قال: سبحان الله! ما تقول؟ قال: قلت: نكون عند رسول الله ﷺ ، يذكّرنا بالنّار والجنّة، حتّى كأنّا رأي عين «٤» ، فإذا خرجنا من عند رسول الله ﷺ عافسنا «٥» الأزواج والأولاد والضّيعات «٦» فنسينا كثيرا. قال أبو بكر: فو الله إنّا لنلقى مثل هذا. فانطلقت أنا وأبوبكر حتّى دخلنا على رسول الله ﷺ . قلت: نافق حنظلة، يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ : «وما ذاك؟» قلت: يا رسول الله، نكون عندك تذكّرنا بالنّار والجنّة، حتّى كأنّا رأي عين، فإذا خرجنا من عندك، عافسنا الأزواج والأولاد والضّيعات، نسينا كثيرا، فقال رسول الله ﷺ : «والّذي نفسي بيده إن لو تدومون على ما تكونون عندي، وفي الذّكر، لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم، يا حنظلة، ولكن ساعة وساعة (ثلاث مرّات) » ) * «٧» . ٢٥-* (عن ابن عمر- ﵄ قال: لمّا توفّي عبد الله بن أبيّ ابن سلول، جاء ابنه، عبد الله بن عبد الله إلى رسول الله ﷺ . فسأله أن يعطيه قميصه يكفّن فيه أباه. فأعطاه. ثمّ سأله أن يصلّي عليه. فقام رسول الله ﷺ ليصلّي عليه. فقام عمر فأخذ بثوب رسول الله ﷺ . فقال: يا رسول الله، أتصلّي عليه وقد نهاك الله أن تصلّي عليه؟ فقال رسول الله ﷺ : «إنّما خيّرني الله فقال: اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً (التوبة/ ٨٠) . وسأزيده على سبعين» قال: إنّه منافق. فصلّى عليه رسول الله ﷺ . فأنزل الله : وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ (التوبة/ ٨٤) » ) * «٨» . ٢٦-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال النّبيّ ﷺ : «ليس صلاة أثقل على المنافقين من الفجر والعشاء. ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو

стр. 6344

حبوا. لقد هممت أن آمر المؤذّن فيقيم، ثمّ آمر رجلا يؤمّ النّاس، ثمّ آخذ شعلا من نار فأحرّق على من لا يخرج إلى الصّلاة بعد) * «١» . ٢٧-* (عن أنس بن مالك- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «ليس من بلد إلّا سيطؤه الدّجّال. إلّا مكّة والمدينة. وليس نقب من أنقابها إلّا عليه الملائكة صافّين تحرسها. فينزل بالسّبخة «٢» . فترجف المدينة ثلاث رجفات. يخرج إليه منها كلّ كافر ومنافق» ) * «٣» . ٢٨-* (عن ابن عمر- ﵄ عن النّبيّ ﷺ قال: «مثل المنافق كمثل الشّاة العائرة «٤» بين الغنمين. تعير إلى هذه مرّة، وإلى هذه مرّة» ) * «٥» . ٢٩-* (عن كعب بن مالك- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مثل المؤمن كمثل الخامة من الزّرع، تفيئها الرّياح، تصرعها مرّة وتعدلها، حتّى يأتيه أجله. ومثل المنافق مثل الأرزة المجذية «٦» التّي لا يصيبها شيء، حتّى يكون انجعافها «٧» مرّة واحدة» ) * «٨» . ٣٠-* (عن أبي موسى- ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: «المؤمن الّذي يقرأ القرآن ويعمل به كالأترجّة «٩» طعمها طيّب وريحها طيّب. والمؤمن الذّي لا يقرأ القرآن ويعمل به كالتّمرة طعمها طيّب ولا ريح لها. ومثل المنافق الّذي يقرأ القرآن كالرّيحانة ريحها طيّب وطعمها مرّ. ومثل المنافق الّذي لا يقرأ القرآن كالحنظلة طعمها مرّ أو خبيث وريحها مرّ» ) * «١٠» . ٣١-* (عن جابر بن عبد الله- ﵄ يسأل عن الورود فقال: نجيء نحن يوم القيامة عن كذا وكذا انظر أي ذلك فوق النّاس «١١» . قال فتدعى الأمم بأوثانها وما كانت تعبد الأوّل فالأوّل. ثمّ يأتينا ربّنا بعد ذلك فيقول: من تنظرون؟ فيقولون: ننظر ربّنا. فيقول: «أنا ربّكم. فيقولون: حتّى ننظر إليك، فيتجلّى لهم يضحك. قال فينطلق بهم ويتّبعونه. ويعطى كلّ إنسان منهم، منافق أو مؤمن نورا. ثمّ يتّبعونه. وعلى جسر جهنّم كلاليب وحسك، تأخذ من شاء الله. ثمّ يطفأ نور المنافقين، ثمّ ينجو

стр. 6345

المؤمنون. فتنجو أوّل زمرة وجوههم كالقمر ليلة البدر. سبعون ألفا لا يحاسبون. ثمّ الّذين يلونهم كأضوإ نجم في السّماء. ثمّ كذلك. ثمّ تحلّ الشّفاعة، ويشفعون حتّى يخرج من النّار من قال: لا إله إلّا الله. وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة. فيجعلون بفناء الجنّة. ويجعل أهل الجنّة يرشّون عليهم الماء حتّى ينبتوا نبات الشّيء في السّيل. ويذهب حراقه. ثمّ يسأل حتّى تجعل له الدّنيا وعشرة أمثالها معها» ) * «١» . ٣٢-* (عن عليّ- ﵁ قال: والّذي فلق الحبّة وبرأ النّسمة، إنّه لعهد النّبيّ الأمّيّ ﷺ إليّ: «أن لا يحبّني إلّا مؤمن، ولا يبغضني إلّا منافق» ) * «٢» . ٣٣-* (عن محمود بن الرّبيع الأنصاريّ، أنّ عتبان بن مالك- وهو من أصحاب رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، قد أنكرت بصري وأنا أصلّي لقومي، فإذا كانت الأمطار سال الوادي الّذي بيني وبينهم لم أستطع أن آتي مسجدهم فأصلّي بهم. ووددت يا رسول الله أنّك تأتيني فتصلّي في بيتي فأتّخذه مصلّى. قال: فقال له رسول الله ﷺ : سأفعل إن شاء الله. قال عتبان: فغدا رسول الله ﷺ وأبو بكر حين ارتفع النّهار فاستأذن رسول الله ﷺ فأذنت له، فلم يجلس حتّى دخل البيت ثمّ قال: أين تحبّ أن أصلّي من بيتك؟ قال: فأشرت له إلى ناحية من البيت، فقام رسول الله ﷺ فكبّر. فقمنا فصففنا فصلّى ركعتين ثمّ سلّم، قال: وحبسناه على خزيرة صنعناها له، قال: فثاب في البيت رجال من أهل الدّار ذوو عدد فاجتمعوا، فقال قائل منهم: أين مالك ابن الدّخيش أو ابن الدّخشن-؟ فقال بعضهم: ذاك منافق لا يحبّ الله ورسوله. فقال رسول الله ﷺ : «لا تقل ذلك، ألا تراه قد قال لا إله إلّا الله، يريد بذلك وجه الله؟ قال رسول الله ﷺ : فإنّ الله قد حرّم على النّار من قال «لا إله إلّا الله يبتغي بذلك وجه الله» قال ابن شهاب: ثمّ سألت الحصين بن محمّد الأنصاريّ- وهو أحد بني سالم وهو من سراتهم- عن حديث محمود بن الرّبيع، فصدّقه بذلك) * «٣» . الأحاديث الواردة في ذمّ (النفاق) معنى ٣٤-* (عن ابن مسعود- ﵁ قال: اجتمع عند البيت ثلاثة نفر. قرشيّان وثقفيّ. أو ثقفيّان وقرشيّ. قليل فقه قلوبهم. كثير شحم بطونهم. فقال أحدهم: أترون الله يسمع ما نقول؟ وقال الآخر: يسمع، إن جهرنا. ولا يسمع إن أخفينا. وقال الآخر: إن كان يسمع إذا جهرنا فهو يسمع إذا أخفينا. فأنزل الله- : وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ (فصلت/ ٢٢) الآية» ) * «٤» . ٣٥-* (عن أبي هريرة- ﵁: أنّ

стр. 6346

رجلا قال: يا رسول الله، رجل يريد الجهاد في سبيل الله، وهو يبتغي عرضا من عرض الدّنيا، فقال رسول الله ﷺ : «لا أجر له» فأعظم ذلك النّاس، وقالوا للرّجل: عد لرسول الله ﷺ فلعلّك لم تفهمه، فقال: يا رسول الله، رجل يريد الجهاد في سبيل الله وهو يبتغى عرضا من الدّنيا. فقال رسول الله ﷺ : «لا أجر له» فقالوا للرّجل: عد لرسول الله ﷺ فقال له الثّالثة) «١» . ٣٦-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «قال الله تعالى: أنا أغنى الشّركاء عن الشّرك، من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه» ) * «٢» . ٣٧-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّه سمع رسول الله ﷺ يقول: «إنّ شرّ النّاس ذو الوجهين الّذي يأتي هؤلاء بوجه، وهؤلاء بوجه» ) * «٣» . ٣٨-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: «الإيمان يمان، والكفر قبل المشرق. والسّكينة في أهل الغنم. والفخر والرّياء في الفدّادين «٤» أهل الخيل والوبر» ) * «٥» . ٣٩-* (عن أبي سعيد الخدريّ- ﵁ قال: بعث عليّ بن أبي طالب إلى رسول الله ﷺ ، من اليمن بذهيبة في أديم مقروظ» ، لم تحصّل من ترابها. قال: فقسمها بين أربعة نفر: بين عيينة بن بدر، وأقرع بن حابس، وزيد الخيل، والرّابع إمّا علقمة، وإمّا عامر بن الطّفيل. فقال رجل من أصحابه: كنّا نحن أحقّ بهذا من هؤلاء. فبلغ ذلك النّبيّ ﷺ فقال: «ألا تأمنوني؟ وأنا أمين من في السّماء، يأتيني خبر السّماء صباحا ومساء» قال: فقام رجل غائر العينين. مشرف الوجنتين. ناشز الجبهة. كثّ اللّحية. محلوق الرّأس. مشمّر الإزار فقال: يا رسول الله، اتّق الله. فقال: «ويلك أو لست أحقّ أهل الأرض أن يتّقي الله» ؟ قال: ثمّ ولّى الرّجل. قال خالد بن الوليد يا رسول الله ألا أضرب عنقه؟ قال: «لا. لعلّه أن يكون يصلّي» . فقال خالد: وكم من مصلّ يقول بلسانه ما ليس في قلبه. قال رسول الله ﷺ : «إنّي لم أومر أن أنقب قلوب النّاس. ولا أشقّ بطونهم» قال: ثمّ نظر إليه وهو مقفّ «٧» فقال: «إنّه يخرج من ضئضىء هذا «٨» قوم يتلون كتاب الله. رطبا لا يجاوز حناجرهم. يمرقون من الدّين كما يمرق السّهم من الرّميّة» وأظنّه قال: «لئن أدركتهم لأقتلنّهم قتل ثمود» ) * «٩» . ٤٠-* (عن أبي موسى- ﵁ قال: جاء رجل إلى النّبيّ ﷺ فقال: الرّجل يقاتل حميّة ويقاتل شجاعة ويقاتل رياء. فأيّ ذلك في سبيل الله؟

стр. 6347

قال: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله» ) * «١» . ٤١-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: «الخيل لثلاثة: لرجل أجر، ولرجل ستر، وعلى رجل وزر. فأمّا الّذي له أجر فرجل ربطها في سبيل الله فأطال في مرج «٢» أو روضة. فما أصابت في طيلها ذلك من المرج أو الرّوضة كانت له حسنات، ولو أنّها قطعت طيلها فاستنّت شرفا أو شرفين «٣» كانت أرواثها وآثارها حسنات له، ولو أنّها مرّت بنهر فشربت منه ولم يرد أن يسقيها كان ذلك حسنات له. وأمّا الرّجل الّذي هي عليه وزر فهو رجل ربطها فخرا ورياء ونواء لأهل الإسلام فهي وزر على ذلك. وسئل رسول الله ﷺ عن الحمر فقال: ما أنزل عليّ فيها إلّا هذه الآية الجامعة الفاذّة: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ* وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (الزلزلة/ ٧- ٨) » ) * «٤» . ٤٢-* (عن سلمة بن الأكوع- ﵁ قال: عدنا مع رسول الله ﷺ رجلا موعوكا. قال فوضعت يدي عليه فقلت: والله ما رأيت كاليوم رجلا أشدّ حرّا. فقال نبيّ الله ﷺ : «ألا أخبركم بأشدّ حرّا منه يوم القيامة؟ هذينك الرّجلين الرّاكبين المقفّيين «٥» «لرجلين حينئذ من أصحابه «٦» » ) * «٧» . ٤٣-* (عن معاذ بن جبل- ﵁ عن رسول الله ﷺ ، أنّه قال: «الغزو غزوان، فأمّا من ابتغى وجه الله وأطاع الإمام وأنفق الكريمة، وياسر الشّريك، واجتنب الفساد. فإنّ نومه ونبهه أجر كلّه. وأمّا من غزا فخرا ورياء وسمعة وعصى الإمام وأفسد في الأرض فإنّه لم يرجع بالكفاف» ) * «٨» . ٤٤-* (عن أبي سعيد الخدريّ- ﵁ قال: قلنا يا رسول الله، هل نرى ربّنا يوم القيامة؟ قال: «هل تضارّون في رؤية الشّمس والقمر إذا كانت صحوا؟» قلنا: لا، قال: «فإنّكم لا تضارّون في رؤية ربّكم يومئذ إلّا كما تضارّون في رؤيتهما» ، ثمّ قال: «ينادي مناد ليذهب كلّ قوم إلى ما كانوا يعبدون فيذهب أصحاب الصّليب مع صليبهم، وأصحاب الأوثان مع أوثانهم. وأصحاب كلّ آلهة مع آلهتهم. حتّى يبقى من كان يعبد الله من برّ أو فاجر وغبّرات من أهل الكتاب. ثمّ يؤتى بجهنّم تعرض كأنّها سراب، فيقال لليهود: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنّا نعبد عزيرا ابن الله، فيقال: كذبتم، لم يكن لله صاحبة ولا ولد. فما تريدون، قالوا: نريد أن تسقينا فيقال: اشربوا. فيتساقطون في جهنّم. ثمّ يقال للنّصارى: ما كنتم تعبدون؟ فيقولون:

стр. 6348

كنّا نعبد المسيح ابن الله، فيقال: كذبتم، لم يكن لله صاحبة ولا ولد. فما تريدون؟ فيقولون: نريد أن تسقينا: فيقال: اشربوا. فيتساقطون حتّى يبقى من كان يعبد الله من برّ أو فاجر. فيقال لهم ما يحبسكم وقد ذهب النّاس فيقولون: فارقناهم ونحن أحوج منّا إليه اليوم. وإنّا سمعنا مناديا ينادي: ليلحق كلّ قوم بما كانوا يعبدون وإنّما ننتظر ربّنا. قال: فيأتيهم الجبّار فى صورة غير صورته الّتي رأوه فيها أوّل مرّة، فيقول: أنا ربّكم. فيقولون أنت ربّنا، فلا يكلّمه إلّا الأنبياء فيقول: هل بينكم وبينه آية تعرفونه؟ فيقولون السّاق. فيكشف عن ساقه، فيسجد له كلّ مؤمن، ويبقى من كان يسجد لله رياء وسمعة فيذهب كيما يسجد فيعود ظهره طبقا واحدا ثمّ يؤتى بالجسر فيجعل بين ظهري جهنّم، قلنا يا رسول الله، وما الجسر؟ قال: مدحضة مزلة عليه خطاطيف وكلاليب وحسكة مفلطحة لها شوكة عقيفاء «١» تكون بنجد يقال لها السّعدان، المؤمن عليها كالطّرف وكالبرق وكالرّيح وكأجاويد الخيل والرّكاب فناج مسلّم وناج مخدوش ومكدوس في نار جهنّم حتّى يمرّ آخرهم يسحب سحبا فما أنتم بأشدّ لي مناشدة في الحقّ قد تبيّن لكم من المؤمن يومئذ للجبّار، وإذا رأوا أنّهم قد نجوا في إخوانهم يقولون: ربّنا، إخواننا الّذين كانوا يصلّون معنا ويصومون معنا ويعملون معنا، فيقول الله تعالى: اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من إيمان فأخرجوه، ويحرّم الله صورهم على النّار. فيأتونهم وبعضهم قد غاب في النّار إلى قدمه وإلى أنصاف ساقيه فيخرجون من عرفوا، ثمّ يعودون، فيقول: اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار فأخرجوه فيخرجون من عرفوا ثمّ يعودون، فيقول: اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرّة من إيمان فأخرجوه فيخرجون من عرفوا. قال أبو سعيد فإن لم تصدّقوني فاقرأوا: إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها (النساء/ ٤٠) فيشفع النّبيّون والملائكة والمؤمنون، فيقول الجبّار بقيت شفاعتي فيقبض قبضة من النّار فيخرج أقواما قد امتحشوا فيلقون فى نهر بأفواه الجنّة يقال له ماء الحياة فينبتون في صافّتيه كما تنبت الحبّة في حميل السّيل قد رأيتموها إلى جانب الصّخرة إلى جانب الشّجرة، فما كان إلى الشّمس منها كان أخضر، وما كان منها إلى الظّلّ كان أبيض فيخرجون كأنّهم اللّؤلؤ فيجعل فى رقابهم الخواتيم فيدخلون الجنّة فيقول أهل الجنّة: هؤلاء عتقاء الرّحمن أدخلهم الجنّة بغير عمل عملوه ولا خير قدّموه، فيقال لهم: لكم ما رأيتم ومثله معه» ) * «٢» . ٤٥-* (عن أبي الطّفيل قال: كان بين رجل من أهل العقبة وبين حذيفة بعض ما يكون بين النّاس. فقال: أنشدك بالله، كم كان أصحاب العقبة «٣» ؟ قال: فقال له القوم: أخبره إذ سألك. قال: كنّا نخبر أنّهم

стр. 6349

أربعة عشر. فإن كنت منهم فقد كان القوم خمسة عشر. وأشهد بالله أنّ اثني عشر منهم حرب لله ولرسوله في الحياة الدّنيا ويوم يقوم الأشهاد. وعذر ثلاثة. قالوا: ما سمعنا منادي رسول الله ﷺ ولا علمنا بما أراد القوم. وقد كان في حرّة فمشى فقال: «إنّ الماء قليل. فلا يسبقني إليه أحد» فوجد قوما قد سبقوه. فلعنهم يومئذ» ) * «١» . ٤٦- (عن جابر بن عبد الله أنّ النّبيّ ﷺ قال: «لا تعلّموا العلم لتباهوا به العلماء، ولا لتماروا به السّفهاء، ولا تخيّروا به المجالس. فمن فعل ذلك فالنّار النّار» ) * «٢» . ٤٧-* (عن عائشة- ﵂ قالت: قال النّبيّ ﷺ : ما أظنّ فلانا وفلانا يعرفان من ديننا شيئا» ) * «٣» . قال اللّيث: كانا رجلين من المنافقين. ٤٨-* (عن جندب- ﵁ قال: قال النّبيّ ﷺ : ولم أسمع أحدا يقول: قال النّبيّ ﷺ غيره، فدنوت منه فسمعته يقول: قال النّبيّ ﷺ : من سمّع سمّع الله به، ومن يرائي يرائي الله به» ) * «٤» . ٤٩-* (عن جابر بن عبد الله- ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «من يصعد الثّنيّة، ثنيّة المرار، فإنّه يحطّ عنه ما حطّ عن بني إسرائيل» قال: فكان أوّل من صعدها خيلنا، خيل بني الخزرج، ثمّ تتامّ النّاس. فقال رسول الله ﷺ : «وكلّكم مغفور له، إلّا صاحب الجمل الأحمر» فأتيناه فقلنا له: تعال. يستغفر لك رسول الله ﷺ . فقال: والله لأن أجد ضالّتي أحبّ إليّ من أن يستغفر لي صاحبكم. قال: وكان رجل ينشد ضالّة له) * «٥» . ٥٠-* (عن عليّ- ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: سيخرج في آخر الزّمان قوم أحداث الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البريّة، يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدّين كما يمرق السّهم من الرّميّة، فإذا لقيتموهم فاقتلوهم، فإنّ في قتلهم أجرا لمن قتلهم عند الله يوم القيامة» «٦» . ٥١-* (عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أنه قال: يا رسول الله، أخبرني عن الجهاد والغزو، فقال: «يا عبد الله بن عمرو، إن قاتلت صابرا محتسبا بعثك الله صابرا محتسبا. وإن قاتلت مرائيا مكاثرا بعثك الله مرائيا مكاثرا، يا عبد الله بن عمرو على أيّ حال قاتلت أو قتلت بعثك الله على تيك الحال» ) * «٧» .

стр. 6350

من الآثار وأقوال العلماء والمفسرين الواردة في ذمّ (النفاق) ١-* (روي فيما معناه عن عمر- ﵁: «خشوع النّفاق أن ترى الجسد خاشعا والقلب ليس بخاشع» ) * «١» . ٢-* (وروي عنه أنّه قال على المنبر: إنّ أخوف ما أخاف عليكم. المنافق العليم، قالوا: كيف يكون المنافق عليما؟ قال: يتكلّم بالحكمة، ويعمل بالجور، أو قال: المنكر» ) * «٢» . ٣-* (عن عائشة- ﵂ قالت: «شخص بصر النّبيّ ﷺ ثمّ قال: في الرّفيق الأعلى (ثلاثا) وقصّ الحديث. قالت: فما كان من خطبتهما من خطبة إلّا نفع الله بها، لقد خوّف عمر النّاس وإنّ فيهم لنفاقا فردّهم الله بذلك) * «٣» . ٤-* (عن حذيفة- ﵁ قال: «ما بقي من أصحاب هذه الآية إلّا ثلاثة، ولا من المنافقين إلّا أربعة، فقال أعرابيّ: إنّكم أصحاب محمّد تخبروننا فلا ندري، فما بال هؤلاء الّذين يبقرون بيوتنا ويسرقون أعلاقنا؟ قال: «أولئك الفسّاق، أجل، لم يبق منهم إلّا أربعة، أحدهم شيخ كبير لو شرب الماء البارد لما وجد برده» ) * «٤» . ٥-* (عن حذيفة- ﵁ قال: إنّما كان النّفاق على عهد النّبيّ ﷺ ، فأمّا اليوم فإنّما هو الكفر بعد الإيمان) * «٥» . ٦-* (عن حذيفة بن اليمان- ﵄ قال: إنّ المنافقين اليوم شرّ منهم على عهد النّبيّ ﷺ ، كانوا يومئذ يسرّون، واليوم يجهرون) * «٦» . ٧-* (عن الأسود- ﵁ قال: كنّا في حلقة عبد الله فجاء حذيفة حتّى قام علينا فسلّم ثمّ قال: لقد أنزل النّفاق على قوم خير منكم، قال الأسود: سبحان الله! إنّ الله يقول: إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ (النساء/ ١٤٥) . فتبسّم عبد الله، وجلس حذيفة في ناحية المسجد، فقام عبد الله، فتفرّق أصحابه، فرماني بالحصا فأتيته، فقال حذيفة: عجبت من ضحكه وقد عرف ما قلت، لقد أنزل النّفاق على قوم كانوا خيرا منكم ثمّ تابوا، فتاب الله عليهم) * «٧» . ٨-* (عن عبد الله بن مسعود- ﵁ قال: من سرّه أن يلقى الله غدا مسلما فليحافظ على هؤلاء الصّلوات حيث ينادى بهنّ، فإنّ الله شرع لنبيّكم ﷺ سنن الهدى، وإنّهنّ من سنن الهدى، ولو أنّكم صلّيتم في بيوتكم كما يصلّي هذا المتخلّف في بيته لتركتم سنّة نبيّكم، ولو تركتم سنّة نبيّكم لضللتم، وما من رجل يتطهّر فيحسن الطّهور ثمّ يعمد إلى مسجد من

стр. 6351

هذه المساجد إلّا كتب الله له بكلّ خطوة يخطوها حسنة، ويرفعه بها درجة، ويحطّ عنه بها سيّئة، ولقد رأيتنا وما يتخلّف عنها إلّا منافق، معلوم النّفاق، ولقد كان الرّجل يؤتى به يهادى بين الرّجلين حتّى يقام في الصّفّ) * «١» . ٩-* (قال أناس لابن عمر- ﵄: إنّا ندخل على سلطاننا فنقول لهم بخلاف ما نتكلّم إذا خرجنا من عندهم، قال: كنّا نعدّها نفاقا) * «٢» . ١٠-* (قال عبد الله بن مسعود- ﵁: إنّ النّاس قد أحسنوا القول، فمن وافق قوله فعله فذاك الّذي أصاب حظّه، ومن خالف قوله فعله فذلك إنّما يوبّخ نفسه) * «٣» . ١١-* (وقال- ﵁ إنّكم ترون الكافر من أصحّ النّاس جسما وأمرضهم قلبا، وتلقون المؤمن من أصحّ النّاس قلبا وأمرضهم جسما، وايم الله لو مرضت قلوبكم وصحّت أجسامكم لكنتم أهون على الله من الجعلان) *» . ١٢-* (عن جابر بن سمرة قال: شكا أهل الكوفة سعدا إلى عمر- ﵁ فعزله، واستعمل عليهم عمّارا، فشكوا حتّى ذكروا أنّه لا يحسن يصلّي، فأرسل إليه فقال: يا أبا إسحاق، إنّ هؤلاء يزعمون أنّك لا تحسن تصلّي، قال أبو إسحاق: أمّا أنا والله فإنّي كنت أصلّي بهم صلاة رسول الله ﷺ ما أخرم عنها، أصلّي صلاة العشاء فأركد في الأوليين وأخفّ في الأخريين، قال: ذاك الظّنّ بك يا أبا إسحاق، فأرسل معه رجلا- أو رجالا- إلى الكوفة فسأل عنه أهل الكوفة، ولم يدع مسجدا إلّا سأل عنه، ويثنون معروفا، حتّى دخل مسجدا لبني عبس، فقام رجل منهم يقال له أسامة بن قتادة يكنى أبا سعدة، قال: أما إذ نشدتنا فإنّ سعدا كان لا يسير بالسّريّة، ولا يقسم بالسّويّة، ولا يعدل في القضيّة، قال سعد، أما والله لأدعونّ بثلاث: اللهمّ إن كان عبدك هذا كاذبا قام رياء وسمعة فأطل عمره، وأطل فقره، وعرّضه بالفتن، وكان بعد إذا سئل يقول: شيخ كبير مفتون، أصابتني دعوة سعد، قال عبد الملك: فأنا رأيته بعد قد سقط حاجباه على عينيه من الكبر، وإنّه ليتعرّض للجواري في الطّرق يغمزهنّ) * «٥» . ١٣-* (سمع رجل أبا الدّرداء يتعوّذ من النّفاق في صلاته، فلمّا سلّم قال له: ما شأنك وشأن النّفاق؟ فقال: اللهمّ اغفر لي ثلاثا، لا تأمن البلاء، والله إنّ الرّجل ليفتن في ساعة واحدة فينقلب عن دينه) * «٦» . ١٤-* (عن عبد الرّحمن بن أبي حسين قال: بلغني أنّ لقمان كان يقول: يا بنيّ لا تعلّم العلم لتباهي به العلماء، أو تماري به السّفهاء وترائي به في المجالس) * «٧» . ١٥-* (سئل الإمام أحمد: ما تقول فيمن لا

стр. 6352

يخاف على نفسه النّفاق، قال: ومن يأمن على نفسه النّفاق؟) * «١» . ١٦-* (قال ابن رجب: الخيانة في الأمانة من خصال النّفاق) * «٢» . من مضار (النفاق) (١) المنافق لا يقبل الله منه عملا صالحا. (٢) المنافق مريض القلب يفرح إذا أصاب المسلمين ضرّ، ويحزن إذا انتصروا، ويتربّص بهم الدّوائر. (٣) المنافقون بخلاء، ولكن ينفقون أموالهم رئاء النّاس. (٤) المنافق ضالّ باعتقاده وعلمه وعمله. (٥) المنافقون والمراءون يتعذّبون بأموالهم في الدّنيا والآخرة. (٦) الشّدائد والمحن سرعان ما تظهر المنافق على حقيقته. (٧) المنافقون يلتمسون أدنى الأعذار للقعود عن الجهاد. (٨) المنافقون في كلّ مكان وزمان إخوة للكافرين والمشركين والملحدين يشدّون أزر بعضهم. (٩) النّفاق والرّياء يوردان أصحابهما المهالك في الدّنيا وغضب الله وأليم عقابه في الآخرة. (١٠) وهو محبط للأعمال مهما كثرت. وانظر (الآيات، الأحاديث، الآثار) الواردة في الرياء

стр. 6353

نقض العهد النقض لغة: النّقض مصدر نقضته أنقضه نقضا وهو مأخوذ من مادّة (ن ق ض) الّتي تدلّ على نكث شيء، وربّما دلّ على معنى من المعاني وعلى جنس من الصّوت ... والنّقض في الشّعر من هذا كأنّه يريد أن ينقض ما أرّبه صاحبه «١» . ونقض العهد منه أيضا «٢» . يقول الجوهريّ: النّقض: نقض البناء والحبل والعهد ... والانتقاض: الانتكاث، وتنقّضت الأرض عن الكمأة أي تفطّرت.. والنّقض: المنقوض مثل النّكث «٣» . ونقض البناء: هدمه، وجعل الزّمخشريّ نقض العهد من المجاز.. ونقضه ينقضه نقضا وانتقض، وتناقض. وانتقض الأمر بعد التئامه، وانتقض أمر الثّغر بعد سدّه، ونقيضك: الّذي يخالفك، والأنثى بالهاء «٤» . والنّقض اسم البناء المنقوض إذا هدم.. ونقضت الحبل نقضا: حللت برمه، ومنه يقال: نقضت ما أبرمه، إذا أبطلته، وانتقضت الطّهارة: بطلت، وانتقض الجرح بعد برئه والأمر بعد التئامه، فسد «٥» . وقال ابن منظور: أصل الكلمة نقض ينقض من باب قتل يقتل، والنّقض والنّقض (بالكسر والضّمّ) مثل الحمل والقفل. واقتصر الأزهريّ على الضّمّ، واقتصر بعضهم على الكسر ومعناه: إفساد ما أبرمت من عقد أو بناء، ويقال: نقض البناء والحبل والعهد يعني غيّره، كما يقال نقض البناء إذا هدم، وأمّا المناقضة في القول: فمعناها أن يتكلّم بما يتناقض معناه. والتّناقض: الانتكاث، ويقال: نقضت ما أبرمه: إذا حللته «٦» . العهد لغة: وأمّا العهد فهو: اليمين والأمان والوصيّة والموثق والذّمّة، ومنه قيل للحربيّ يدخل بالأمان: ذو عهد ومعاهد (بكسر الهاء وفتحها) ؛ وذلك لأنّ العهد لا يكون إلّا من اثنين فكلّ واحد يفعل بصاحبه مثل

стр. 6354

ما يفعله صاحبه به، فكلّ واحد من المتعاهدين فاعل ومفعول- والمعاهدة: المعاقدة والمحالفة، وتقول: عهدت إليه بكذا: أي أوصيته، ومنه اشتقّ العهد الّذي يكتب للولاة «١» . النقض اصطلاحا: قال الرّاغب: النّقض: انتثار العقد من البناء والحبل والعقد، وهو ضدّ الإبرام، ومن نقض الحبل والعقد استعير نقض العهد «٢» . وقال القرطبيّ: النّقض: إفساد ما أبرمته من بناء أو حبل أو عهد «٣» . العهد اصطلاحا: قال الجرجانيّ: العهد: حفظ الشّيء ومراعاته حالا بعد حال. هذا أصله ثمّ استخدم في الموثق الّذي يلزم مراعاته «٤» . عهد الله اصطلاحا: قال القرطبيّ في تفسير قوله تعالى: الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ (البقرة/ ٢٧) . اختلف النّاس في تعيين هذا العهد فقيل: هو الّذي أخذه الله على بني آدم حين استخرجهم من ظهره. وقيل: هو وصيّة الله تعالى إلى خلقه، وأمره إيّاهم بما أمرهم به من طاعته، ونهيه إيّاهم عمّا نهاهم عنه من معصيته في كتبه على ألسنة رسله، ونقضهم ذلك ترك العمل به. وقيل: بل نصب الأدلّة على وحدانيّته بالسّموات والأرض وسائر الصّنعة هو بمنزلة العهد ونقضهم ترك النّظر في ذلك. وقيل: هو ما عهده إلى من أوتي الكتاب أن يبيّنوا نبوّة محمّد ﷺ ولا يكتموا أمره. فالآية على هذا في أهل الكتاب. قال أبو إسحاق الزّجّاج: عهده- جلّ وعزّ- ما أخذه على النّبيّين ومن اتّبعهم ألّا يكفروا بالنّبيّ ﷺ . ودليل ذلك: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ (آل عمران/ ٨١) إلى قوله تعالى: وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي» أي عهدي «٥» . وقال الرّاغب: عهد الله تارة يكون بما ركزه في عقولنا، وتارة يكون بما أمرنا به بالكتاب وبالسّنّة، وتارة بما نلتزمه وليس بلازم في أصل الشّرع كالنّذور وما يجري مجراها «٦» . نقض العهد اصطلاحا: عدم الوفاء بما أعلن الإنسان الالتزام به أو قطعه على نفسه من عهد أو ميثاق، سواء فيما بينه وبين الله تعالى أو فيما بينه وبين النّاس «٧» . الفرق بين العهد والعقد والميثاق: الميثاق: هو العهد المؤكّد باليمين «٨» . والعهد أيضا: ما أخذه الله على بني آدم من

стр. 6355

الإقرار بربوبيّته ووحدانيّته، ويشمل أيضا ما أخذه على هذه الأمّة أن يوفّوا به ممّا أحلّ وحرّم وفوّض، ويتضمّن العهد أيضا ما يكون من اتّفاق بين المسلمين والمشركين. أمّا العقد: فهو ما عقده الإنسان على نفسه للآخرين من بيع وشراء ونحوهما، أو ما عقده لله تعالى من الطّاعات كالحجّ والصّوم وغيرهما من العبادات، وقيل: العهد إلزام (مطلق) ، والعقد إلزام على سبيل الإحكام والاستيثاق. وقيل: العقود ما أحلّ الله وحرّم وفرض وحدّ في جميع الأشياء «١» . الفرق بين النّقض والخيانة: أنّ الخيانة تقتضي نقض العهد سرّا «٢» ، أمّا النّقض فإنّه يكون سرّا وجهرا، ومن ثمّ يكون النّقض أعمّ من الخيانة ويرادفه الغدر، وضدّ الخيانة الأمانة، وضدّ النّقض: الإبرام. حكم نقض العهد: قال الذّهبيّ: الكبيرة الخامسة والأربعون: الغدر وعدم الوفاء بالعهد، واحتجّ لذلك بقوله تعالى وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا (الإسراء/ ٣٤) وبقوله- : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ... (المائدة/ ١) وبعديد من الأحاديث منها «٣» : الحديث الخامس (انظر الأحاديث الواردة في نقض العهد) . أمّا الإمام ابن حجر فقد ذكر عدم الوفاء بالعهد على أنّه الكبيرة الثّالثة والخمسون، وقال: عدّ هذا من الكبائر هو ما وقع في كلام غير واحد «٤» . [للاستزادة: انظر صفات: الغدر- إفشاء السر الخيانة- التخاذل- التفريط والإفراط- التهاون- اتباع الهوى- الحرب والمحاربة. وفي ضد ذلك: انظر صفات: الوفاء- كتمان السر- المسئولية- الأمانة- الرجولة- الشهامة- السلم] .

стр. 6356

الآيات الواردة في «نقض العهد» ١-* إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ (٢٦) الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٢٧) «١» ٢- يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ فَعَفَوْنا عَنْ ذلِكَ وَآتَيْنا مُوسى سُلْطاناً مُبِيناً (١٥٣) وَرَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثاقِهِمْ وَقُلْنا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُلْنا لَهُمْ لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً (١٥٤) فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٥٥) وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتاناً عَظِيماً (١٥٦) وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً (١٥٨) وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً (١٥٩) «٢» ٣-* وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً وَقالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ (١٢) فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ

стр. 6357

مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣) وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ (١٤) «١» ٤- إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٥٥) الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لا يَتَّقُونَ (٥٦) فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٥٧) وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ (٥٨) وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ (٥٩) «٢» ٥- أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ (١٩) الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ (٢٠) وَالَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ (٢١) وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (٢٢) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ (٢٣) سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (٢٤) وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٢٥) «٣»

стр. 6358

الأحاديث الواردة في ذمّ (نقض العهد) ١-* (عن عبد الله بن عمرو- ﵄ أنّه قال: قال رسول الله ﷺ : «أربع من كنّ فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خلّة منهنّ كانت فيه خلّة من نفاق حتّى يدعها: إذا حدّث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا وعد أخلف، وإذا خاصم فجر» ) * «١» . ٢-* (عن أنس- ﵁ أنّه قال: ما خطبنا رسول الله ﷺ إلّا قال: «لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له» ) * «٢» . ٣-* (عن بريدة- ﵁ أنّه قال: قال رسول الله ﷺ : «ما نقض قوم العهد إلّا كان القتل بينهم، ولا ظهرت فاحشة في قوم قطّ إلّا سلّط الله عليهم الموت، ولا منع قوم الزّكاة إلّا حبس الله عنهم القطر» ) * «٣» . ٤-* (عن أبي هريرة- ﵁ عن النّبيّ ﷺ أنّه قال: «من خرج من الطّاعة وفارق الجماعة فمات مات ميتة جاهليّة، ومن قاتل تحت راية عمّيّة يغضب لعصبة، أو يدعو إلى عصبة، أو ينصر عصبة فقتل فقتلة جاهليّة، ومن خرج على أمّتي يضرب برّها وفاجرها ولا يتحاش من مؤمنها» ، ولا يفي لذي عهد عهده، فليس منّي، ولست منه) * «٥» . ٥-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّه قال: قال رسول الله ﷺ : «من علامات المنافق ثلاثة: إذا حدّث كذب. وإذا وعد أخلف. وإذا ائتمن خان» ) * «٦» . ٦-* (عن عبد الله بن عمر- ﵄ قال: أقبل علينا رسول الله ﷺ فقال: «يا معشر المهاجرين، خمس إذا ابتليتم بهنّ، وأعوذ بالله أن تدركوهنّ: لم تظهر الفاحشة في قوم قطّ حتّى يعلنوا بها إلّا فشا فيهم الطّاعون والأوجاع الّتي لم تكن مضت في أسلافهم الّذين مضوا، ولم ينقصوا المكيال والميزان إلّا أخذوا بالسّنين وشدّة المؤونة وجور السّلطان عليهم، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلّا منعوا القطر من السّماء، ولولا البهائم لم يمطروا، ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلّا سلّط الله عليهم عدوّا من غيرهم فأخذوا بعض ما في أيديهم، وما لم تحكم أئمّتهم بكتاب الله، ويتخيّروا ممّا أنزل الله، إلّا جعل الله بأسهم بينهم» ) * «٧» .

стр. 6359

الأحاديث الواردة في ذمّ (نقض العهد) معنى ٧-* (عن أنس بن مالك- ﵁ أنّ رعلا وذكوان وعصيّة وبني لحيان استمدّوا رسول الله ﷺ على عدوّ فأمدّهم بسبعين من الأنصار كنّا نسمّيهم القرّاء في زمانهم كانوا يحتطبون بالنّهار، ويصلّون باللّيل حتى كانوا ببئر معونة قتلوهم وغدروا بهم، فبلغ النّبيّ ﷺ فقنت شهرا يدعو في الصّبح على أحياء من أحياء العرب: على رعل وذكوان وعصيّة وبني لحيان. قال أنس: فقرأنا فيهم قرآنا، ثمّ إنّ ذلك رفع: «بلّغوا عنّا قومنا أنّا لقينا ربّنا فرضي عنّا وأرضانا» . وعن قتادة عن أنس بن مالك حدّثه: «أنّ نبيّ الله ﷺ قنت شهرا في صلاة الصّبح يدعو على أحياء من أحياء العرب: على رعل وذكوان وعصيّة وبني لحيان» ) * «١» . ٨-* (عن ابن عمر- ﵄ أنّه جمع بنيه وأهله- لمّا خلع النّاس يزيد بن معاوية- ثمّ تشهّد ثمّ قال: أمّا بعد فإنّا قد بايعنا هذا الرّجل على بيع الله ورسوله، وإنّي سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّ الغادر ينصب له لواء يوم القيامة يقال: هذه غدرة فلان. وإنّ من أعظم الغدر- أن لا يكون له الإشراك بالله تعالى- أن يبايع رجل رجلا على بيع الله ورسوله ﷺ ثمّ ينكث بيعته فلا يخلعنّ أحد منكم يزيد ولا يسرفنّ أحد منكم في هذا الأمر فيكون ﷺ بيني وبينه» ) * «٢» . ٩-* (قال يزيد بن شريك التّيميّ أبو إبراهيم التّيميّ: خطبنا عليّ- ﵁ على منبر من آجرّ وعليه سيف فيه صحيفة معلّقة فقال: «والله ما عندنا من كتاب يقرأ إلّا كتاب الله وما في هذه الصّحيفة فنشرها فإذا فيها أسنان الإبل، وإذا فيها: المدينة حرم من عير إلى كذا، فمن أحدث فيها حدثا فعليه لعنة الله والملائكة والنّاس أجمعين لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا، وإذا فيه: ذمّة المسلمين واحدة، يسعى بها أدناهم، فمن أخفر مسلما فعليه لعنة الله والملائكة والنّاس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا. وإذا فيه: من ولي قوما بغير إذن مواليه فعليه لعنة الله والنّاس أجمعين لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا) * «٣» . ١٠-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّه قال: قال رسول الله ﷺ : «ألا من قتل نفسا معاهدا له ذمّة الله وذمّة رسوله فقد أخفر بذمّة الله فلا يرح رائحة الجنّة، وإنّ ريحها ليوجد من مسيرة سبعين خريفا» ) * «٤» . ١١-* (عن أبي هريرة- ﵁

стр. 6360

قال: «بعث النّبيّ ﷺ سريّة عينا وأمّر عليهم عاصم ابن ثابت- وهو جدّ عاصم بن عمر بن الخطّاب- فانطلقوا، حتّى إذا كان بين عسفان ومكّة ذكروا لحيّ من هذيل يقال لهم بنو لحيان، فتبعوهم بقريب من مائة رام، فاقتصّوا آثارهم حتّى أتوا منزلا نزلوه، فوجدوا فيه نوى تمر تزوّدوه من المدينة فقالوا: هذا تمر يثرب، فتبعوا آثارهم حتّى لحقوهم، فلمّا انتهى عاصم وأصحابه لجؤوا إلى فدفد، وجاء القوم فأحاطوا بهم فقالوا: لكم العهد والميثاق إن نزلتم إلينا أن لا نقتل منكم رجلا. فقال عاصم: أمّا أنا لا أنزل في ذمّة كافر. اللهمّ، أخبر عنّا نبيّك. فقاتلوهم حتّى قتلوا عاصما في سبعة نفر بالنّبل، وبقي خبيب وزيد ورجل آخر فأعطوهم العهد والميثاق فلمّا أعطوهم العهد والميثاق نزلوا إليهم فلمّا استمكنوا منهم حلّوا أوتار قسيّهم فربطوهم بها، فقال الرّجل الثّالث معهما: هذا أوّل الغدر، فأبى أن يصحبهم فجرّروه وعالجوه على أن يصحبهم فلم يفعل فقتلوه، وانطلقوا بخبيب وزيد حتّى باعوهما بمكّة، فاشترى خبيبا بنو الحارث بن عامر بن نوفل- وكان خبيب هو قتل الحارث يوم بدر- فمكث عندهم أسيرا حتّى إذا أجمعوا قتله استعار موسى من بعض بنات الحارث ليستحدّ بها فأعارته. قالت: فغفلت عن صبيّ لي، فدرج إليه حتّى أتاه فوضعه على فخذه، فلمّا رأيته فزعت فزعة عرف ذاك منّي- وفي يده الموسى- فقال: أتخشين أن أقتله؟ ما كنت لأفعل ذلك إن شاء الله. وكانت تقول: ما رأيت أسيرا قطّ خيرا من خبيب، لقد رأيته يأكل من قطف عنب- وما بمكّة يومئذ ثمرة- وإنّه لموثق في الحديد، وما كان إلّا رزق رزقه الله «١» فخرجوا به من الحرم ليقتلوه فقال: دعوني أصلّي ركعتين، ثمّ انصرف إليهم فقال: لولا أن تروا أنّ ما بي جزع من الموت لزدت فكان أوّل من سنّ الرّكعتين عند القتل هو. ثمّ قال: اللهمّ أحصهم عددا. ثمّ قال: ما إن أبالي حين أقتل مسلما ... على أيّ شق كان لله مصرعي وذلك في ذات الإله وإن يشأ ... يبارك على أوصال شلو ممزّع ثمّ قام إليه أبو سروعة عقبة بن الحارث فقتله، وبعثت قريش إلى عاصم ليؤتوا بشيء من جسده يعرفونه- وكان عاصم قتل عظيما من عظمائهم يوم بدر- فبعث الله عليه مثل الظّلّة من الدّبر «٢» فحمته من رسلهم، فلم يقدروا منه على شيء» ) * «٣» . ١٢-* (عن عبد الرّحمن بن عوف- ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: شهدت حلف المطيّبين مع عمومتي،- وأنا غلام- فما أحبّ أنّ لي حمر النّعم وأنّي أنكثه» . قال الزّهريّ قال رسول الله ﷺ : «لم يصب

стр. 6361

الإسلام حلفا إلّا زاده شدّة، ولا حلف في الإسلام» وقد ألّف رسول الله ﷺ بين قريش والأنصار) * «١» . ١٣-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّه قال: قال رسول الله ﷺ : «الصّلاة المكتوبة إلى الصّلاة الّتي بعدها كفّارة لما بينهما، والجمعة إلى الجمعة، والشّهر إلى الشّهر- يعني رمضان إلى رمضان كفّارة لما بينهما» ثمّ قال بعد ذلك: «إلّا من ثلاث» قال: فعرفت أنّ ذلك الأمر حدث: «إلّا من الإشراك بالله، ونكث الصّفقة، وترك السّنّة» قال: «أمّا نكث الصّفقة أن تبايع رجلا ثمّ تخالف إليه، تقاتله بسيفك، وأمّا ترك السّنّة: فالخروج من الجماعة» ) * «٢» . ١٤-* (عن رفاعة بن شدّاد أنّه قال: كنت أقوم على رأس المختار فلمّا تبيّنت كذابته هممت وايم الله أن أسلّ سيفي فأضرب عنقه حتّى ذكرت حديثا حدّثنيه عمرو بن الحمق أنّه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من أمّن رجلا على نفسه فقتله أعطي لواء الغدر يوم القيامة» ) * «٣» . ١٥-* (عن جابر بن عبد الله- ﵄ أنّه قال: قال رسول الله ﷺ : «من أعطى بيعة ثمّ نكثها لقي الله وليس معه يمينه» ) * «٤» . ١٦-* (عن حذيفة بن اليمان- ﵄ أنّه قال: قال رسول الله ﷺ : «من شرط لأخيه شرطا لا يريد أن يفي له به فهو كالمدلّي جاره إلى غير منعة» ) * «٥» . ١٧-* (عن ابن عمر- ﵄ أنّه قال: قال رسول الله ﷺ : «من صلّى صلاة الصّبح فله ذمّة الله فلا تخفروا الله ذمّته فإنّه من أخفر ذمّته طلبه الله حتّى يكبّه على وجهه» ) * «٦» . ١٨-* (عن عمرو بن عبسة- ﵁ أنّه قال: كان معاوية يسير في أرض الرّوم- وكان بينه وبينهم أمد- فأراد أن يدنو منهم فإذا انقضى الأمد غزاهم فإذا شيخ على دابّة يقول: الله أكبر، الله أكبر، وفاء لا غدر، إنّ رسول الله ﷺ قال: «من كان بينه وبين قوم عهد فلا يحلّ عقدة ولا يشدّها حتّى يمضي أمدها أو ينبذ إليهم على سواء» فبلغ ذلك معاوية، فرجع) * «٧» .

стр. 6362

من الآثار وأقوال العلماء والمفسرين الواردة في ذمّ (نقض العهد) ١-* (قال ابن هشام: كان من حديث بني قينقاع أنّ رسول الله ﷺ جمعهم بسوق بني قينقاع، ثمّ قال: «يا معشر يهود، احذروا من الله مثل ما نزل بقريش من النّقمة، وأسلموا، فإنّكم قد عرفتم أنّى نبيّ مرسل، تجدون ذلك في كتابكم وعهد الله إليكم» قالوا: يا محمّد، إنّك ترى أنّا قومك؟! لا يغرّنّك أنّك لقيت قوما لا علم لهم بالحرب فأصبت منهم فرصة. إنّا والله لئن حاربناك لتعلمنّ أنّا نحن النّاس. قال ابن إسحاق: فحدّثني مولى لآل زيد بن ثابت عن سعيد ابن جبير- أو عن عكرمة- عن ابن عبّاس قال: ما نزل هؤلاء الآيات إلّا فيهم: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهادُ* قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا. أي أصحاب بدر من أصحاب رسول الله ﷺ ، وقريش فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ (آل عمران/ ١٣) . قال ابن إسحاق: وحدّثني عاصم بن عمر بن قتادة: أنّ بني قينقاع كانوا أوّل يهود نقضوا ما بينهم وبين رسول الله ﷺ ، وحاربوا فيما بين بدر وأحد. قال ابن هشام: وذكر عبد الله بن جعفر بن المسور بن مخرمة عن أبي عون قال: كان من أمر بني قينقاع أنّ امرأة من العرب قدمت بجلب لها، فباعته بسوق بني قينقاع، وجلست إلى صائغ بها، فجعلوا يريدونها على كشف وجهها فأبت، فعمد الصّائغ إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها، فلمّا قامت انكشفت سوءتها فضحكوا بها، فصاحت، فوثب رجل من المسلمين على الصّائغ فقتله وكان يهوديّا وشدّ اليهود على المسلم فقتلوه، فاستصرخ أهل المسلم المسلمين على اليهود، فغضب المسلمون، فوقع الشّرّ بينهم وبين بني قينقاع) * «١» . ٢-* (قال ابن هشام: إنّه كان من حديث الخندق أنّ نفرا من اليهود، منهم: سلام بن أبي الحقيق النّضريّ، وحييّ بن أخطب النضريّ، وكنانة ابن أبي الحقيق النّضريّ، وهوذة بن قيس الوائليّ، وأبو عمّار الوائليّ، في نفر من بني النّضير، ونفر من بني وائل- وهم الّذين حزّبوا الأحزاب على رسول الله ﷺ خرجوا حتّى قدموا على قريش مكّة، فدعوهم إلى حرب رسول الله ﷺ ، وقالوا: إنّا سنكون معكم عليه حتّى نستأصله فقالت لهم قريش: يا معشر يهود، إنّكم أهل الكتاب الأوّل والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمّد. أفديننا خير أم دينه؟ قالوا: بل دينكم خير من دينه، وأنتم أولى بالحقّ منه فهم الّذين أنزل الله تعالى فيهم: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا* أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً.. إلى قوله

стр. 6363

تعالى: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ. أي النّبوّة فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً* فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً (النساء/ ٥١- ٥٥) . قال: فلمّا قالوا ذلك لقريش سرّهم ونشطوا لما دعوهم إليه من حرب رسول الله ﷺ ، فاجتمعوا لذلك واستعدّوا له. ثمّ خرج أولئك النّفر من يهود حتّى جاءوا غطفان من قيس عيلان، فدعوهم إلى حرب رسول الله ﷺ ، وأخبروهم أنّهم سيكونون معهم عليه، وأنّ قريشا قد تابعوهم على ذلك، فاجتمعوا معهم فيه. قال ابن إسحاق: فخرجت قريش، وقائدها أبو سفيان بن حرب، وخرجت غطفان، وقائدها عيينة بن حصن وحذيفة ابن بدر في بني فزارة والحارث بن عوف المرّيّ في بني مرّة، ومسعر بن رخيلة فيمن تابعه من قومه من أشجع. قال: وخرج عدوّ الله حييّ بن أخطب النّضريّ، حتّى أتى كعب بن أسد القرظيّ صاحب عقد بني قريظة وعهدهم- وكان قد وادع رسول الله ﷺ على قومه، وعاقده على ذلك وعاهده- فلمّا سمع كعب، بحييّ بن أخطب أغلق دونه باب حصنه. فاستأذن عليه، فأبى أن يفتح له، فناداه حييّ: ويحك يا كعب افتح لي: قال: ويحك يا حييّ، إنّك امرؤ مشؤوم، وإنّي قد عاهدت محمّدا، فلست بناقض ما بيني وبينه، ولم أر منه إلّا وفاء وصدقا. قال: ويحك افتح لي أكلّمك. قال: ما أنا بفاعل، قال: والله إن أغلقت دوني إلّا عن جشيشتك «١» . أن آكل معك منها، فأحفظ «٢» الرّجل ففتح له، فقال: ويحك يا كعب، جئتك بعزّ الدّهر وببحر طام. جئتك بقريش على قادتها وسادتها حتّى أنزلتهم بمجتمع الأسيال من رومة، وبغطفان على قادتها وسادتها حتّى أنزلتهم بذنب نقمى إلى جانب أحد «٣» . قد عاهدوني على أن لا يبرحوا حتّى نستأصل محمّدا ومن معه. قال: فقال له كعب: جئتني والله بذلّ الدّهر، وبجهام «٤» قد هراق ماءه، فهو يرعد ويبرق ليس فيه شيء. ويحك يا حييّ، فدعني وما أنا عليه، فإنّي لم أر من محمّد إلّا صدقا ووفاء. فلم يزل حييّ بكعب يفتله في الذّروة والغارب «٥» حتّى سمح له، على أن أعطاه عهدا من الله وميثاقا: لئن رجعت قريش وغطفان، ولم يصيبوا محمّدا- أن أدخل معك في حصنك حتّى يصيبني ما أصابك. فنقض كعب بن أسد عهده، وبريء ممّا كان بينه وبين رسول الله ﷺ . فلمّا انتهى إلى رسول الله ﷺ الخبر وإلى المسلمين بعث رسول الله ﷺ بسعد بن معاذ بن النّعمان- وهو يومئذ سيّد الأوس- وسعد بن عبادة

стр. 6364

ابن دليم، أحد بني ساعدة بن كعب بن الخزرج- وهو يومئذ سيّد الخزرج- ومعهما عبد الله بن رواحة أخو بني الحارث بن الخزرج، وخوّات بن جبير- أخو بني عمرو بن عوف- فقال: انطلقوا حتّى تنظروا أحقّ ما بلغنا عن هؤلاء القوم أم لا؟ فإن كان حقّا فالحنوا لي لحنا أعرفه «١» ، ولا تفتّوا في أعضاد النّاس «٢» ، وإن كانوا على الوفاء فيما بيننا وبينهم فاجهروا به للنّاس» . قال: فخرجوا حتّي أتوهم، فوجدوهم على أخبث ما بلغهم عنهم فيما نالوا من رسول الله ﷺ ، وقالوا: من رسول الله؟ لا عهد بيننا وبين محمّد ولا عقد. فشاتمهم سعد بن معاذ وشاتموه- وكان رجلا فيه حدّة- فقال له سعد بن عبادة: دع عنك مشاتمتهم، فما بيننا وبينهم أربى من المشاتمة. ثمّ أقبل سعد وسعد ومن معهما إلى رسول الله ﷺ ، فسلّموا عليه، ثمّ قالوا: عضل والقارة، أي كغدر عضل والقارة بأصحاب الرّجيع «٣» ، خبيب وأصحابه، فقال رسول الله ﷺ : «الله أكبر، أبشروا يا معشر المسلمين» ) * «٤» . ٣-* (قال ابن هشام: خرج رسول الله ﷺ إلى بني النّضير يستعينهم في دية ذينك القتيلين من بني عامر اللّذين قتل عمرو بن أميّة الضّمريّ للجوار الّذي كان رسول الله ﷺ عقد لهما، كما حدّثني يزيد بن رومان، وكان بين بني النّضير وبين بني عامر عقد وحلف. فلمّا أتاهم رسول الله ﷺ يستعينهم في دية ذينك القتيلين قالوا: نعم يا أبا القاسم. نعينك على ما أحببت ممّا استعنت بنا عليه، ثمّ خلا بعضهم ببعض فقالوا إنّكم لن تجدوا الرّجل على مثل حاله هذه ورسول الله ﷺ إلى جنب جدار من بيوتهم قاعد- فمن رجل يعلو على هذا البيت فيلقي عليه صخرة فيريحنا منه؟ فانتدب لذلك عمرو بن جحاش بن كعب، أحدهم فقال: أنا لذلك. فصعد ليلقي عليه صخرة كما قال ورسول الله ﷺ في نفر من أصحابه- فيهم أبو بكر وعمر وعليّ- فأتى رسول الله ﷺ الخبر من السّماء بما أراد القوم، فقام وخرج راجعا إلى المدينة. فلمّا استلبث النّبيّ ﷺ أصحابه «٥» ، قاموا في طلبه، فلقوا رجلا مقبلا من المدينة، فسألوه عنه، فقال: رأيته داخلا المدينة. فأقبل أصحاب رسول الله ﷺ حتّى انتهوا إليه ﷺ ، فأخبرهم الخبر بما كانت اليهود أرادت من الغدر به، وأمر رسول الله ﷺ بالتّهيّؤ لحربهم، والسّير إليهم) * «٦» . ٤-* (قال قطبة بن أوس الغطفانيّ الجاهلّي: أسميّ ويحك هل سمعت بغدرة ... رفع اللّواء لنا، بها في مجمع) * «٧» . ٥-* (قال أبو العالية: ستّ خصال في المنافقين إذا كانت فيهم الظّهرة على النّاس أظهروا هذه

стр. 6365

الخصال: إذا حدّثوا كذبوا، وإذا وعدوا أخلفوا، وإذا ائتمنوا خانوا، ونقضوا عهد الله من بعد ميثاقه وقطعوا ما أمر الله به أن يوصل، وأفسدوا في الأرض، وإذا كانت الظّهرة عليهم أظهروا الخصال الثّلاث: إذا حدّثوا كذبوا، وإذا وعدوا أخلفوا، وإذا ائتمنوا خانوا) * «١» . ٦-* (قال ابن الجوزيّ- رحمه الله تعالى- إنّ نقض العهد من صفات الفاسقين) * «٢» . ٧-* (قال محمّد بن كعب القرظيّ- رحمه الله تعالى- ثلاث خصال من كنّ فيه كنّ عليه: البغي، والنّكث، والمكر، وقرأ وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ (فاطر/ ٤٣) ، يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ (يونس/ ٢٣) ، فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ. (الفتح/ ١٠)) * «٣» . ٨-* (وصف أعرابيّ قوما فقال: أولئك قوم أدّبتهم الحكمة، وأحكمتهم التّجارب، ولم تغررهم السّلامة المنطوية على الهلكة، ورحل عنهم التّسويف الّذي قطع النّاس به مسافة آجالهم، فقالت ألسنتهم بالوعد، وانبسطت أيديهم بالإنجاز، فأحسنوا المقال، وشفعوه بالفعال. كان يقال: آفة المروءة خلف الوعد) * «٤» . ٩-* (ذكر ابن عطيّة- رحمه الله تعالى- في تفسير قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً (الفتح/ ١٠) : أنّ من نكث يعني من نقض هذا العهد فإنّما يجني على نفسه، وإيّاها يهلك، فنكثه عليه لا له) * «٥» . ١٠-* (قال ابن عطيّة- رحمه الله تعالى- في تفسير قوله تعالى وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً تَتَّخِذُونَ أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ ... (النحل/ ٩٢) الآية. شبّهت هذه الآية الّذي يحلف أو يعاهد أو يبرم عقدا بالمرأة الّتي تغزل غزلها وتفتله محكما، وشبّه الّذي ينقض عهده بعد الإحكام بتلك الغازلة إذا نقضت قوى ذلك الغزل فحلّته بعد إبرامه) * «٦» . ١١-* (قال ابن عطيّة- ﵀ تعالي-: «كلّ عهد جائز بين المسلمين نقضه لا يحلّ» ) * «٧» . ١٢-* (قال ابن كثير- رحمه الله تعالى- عند قوله تعالى إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ* الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لا يَتَّقُونَ* فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ* وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ (الأنفال/ ٥٥- ٥٨) : أخبر الله تعالى أنّ شرّ ما دبّ على وجه الأرض هم الّذين كفروا فهم لا يؤمنون. الّذين كلّما عاهدوا

стр. 6366

عهدا نقضوه، وكلّما أكّدوه بالأيمان نكثوه، وهم لا يخافون الله في شيء ارتكبوه من الآثام، ثمّ يقول تعالى لنبيّه ﷺ : وإمّا تخافنّ من قوم قد عاهدتهم نقضا لما بينك وبينهم من المواثيق والعهد فأعلمهم بأنّك قد نقضت عهدهم حتّى يلتقي علمك وعلمهم بأنّك حرب لهم وهم حرب لك، وأنّه لا عهد بينك وبينهم على السّواء أي تستوي أنت وهم في ذلك. وقد ذكر الإمام عن عمرو بن عبسة- ﵁ أنّه قال: كان معاوية يسير في أرض الرّوم وكان بينه وبينهم أمد فأراد أن يدنو منهم فإذا انقضى الأمد غزاهم فقال له عمرو بن عبسة: الله أكبر، الله أكبر وفاء لا غدر. إنّ رسول الله ﷺ قال: «من كان بينه وبين قوم عهد فلا يحلّنّ عقدة ولا يشدّها حتّى ينقضي أمدها أو ينبذ إليهم على سواء» . فبلغ ذلك معاوية فرجع) * «١» . ١٣-* (وقال رحمه الله تعالى: إنّ من صفات المنافقين أنّ أحدهم إذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر، وإذا حدّث كذب، وإذا ائتمن خان. ولذلك كان حال هؤلاء الأشقياء ومصيرهم إلى خلاف ما صار إليه المؤمنون كما أنّهم اتّصفوا بخلاف صفاتهم في الدّنيا فأولئك كانوا يوفون بعهد الله ويصلون ما أمر الله به أن يوصل. وهؤلاء ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه) * «٢» . ١٤-* (قال الحافظ ابن حجر- رحمه الله تعالى-: الغدر حرمته غليظة لا سيّما من صاحب الولاية العامّة لأنّ غدره يتعدّى ضرره إلى خلق كثير، ولأنّه غير مضطرّ إلى الغدر لقدرته على الوفاء) * «٣» . ١٥-* (وقال- رحمه الله تعالى-: كان عاقبة نقض قريش العهد مع خزاعة حلفاء النّبيّ ﷺ أن غزاهم المسلمون حتّى فتحوا مكّة واضطرّوا إلى طلب الأمان، وصاروا بعد العزّة والقوّة في غاية الوهن إلى أن دخلوا في الإسلام، وأكثرهم لذلك كاره) * «٤» . ١٦-* (قال الشّيخ محمّد الأمين الشّنقيطيّ- رحمه الله تعالى-: إنّ من نقض العهد الّذي أبرمه يضرّ نفسه، كما أنّه يجرّ على نفسه اللّعن لقوله تعالى فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ ... (المائدة/ ١٣)) * «٥» . من مضار (نقض العهد) (١) بغض الله له، والوعيد للمنافقين بالنّار. (٢) تسلّط الخلق عليه ونزع الثّقة منه. (٣) من أمارات النّفاق وصفات المنافقين. (٤) يضرّ نفسه قبل أن يضرّ غيره. (٥) تفكّك المجتمع وشيوع البغضاء والفساد فيه. (٦) تسلّط الأعداء على المجتمع، وسومهم إيّاه سوء العذاب.

стр. 6367

النقمة النّقمة لغة: هي الاسم من قولهم: انتقم من فلان، وهي أيضا مصدر قولهم: نقم منه، ويراد بها حينئذ النّقم، والنّقوم وكلّ ذلك مأخوذ من مادّة (ن ق م) ، الّتي تدلّ على إنكار شيء وعيبه. ومن ذلك قولهم: نقمت عليه أنقم: أنكرت عليه فعله، أو عاتبته عليه، ومن ذلك النّقمة من العذاب، كأنّه أنكر عليه فعاقبه «١» ، وقال الرّاغب: يقال نقمت الشّيء ونقمته إذا نكرته إمّا باللّسان وإمّا بالعقوبة «٢» ، ونقمت الأمر أيضا ونقمته إذا كرهته، وجمع النّقمة نقمات ونقم مثل كلمة وكلمات وكلم «٣» ، وقال في القاموس: النّقمة بالكسر وبالفتح (نقمة) ، وكفرحة (نقمة) : المكافأة بالعقوبة، والجمع نقم مثل كلم، ونقم مثل عنب، ونقمات مثل كلمات «٤» ، وقال ابن منظور: النّقمة: العقوبة، والنّقمة: الإنكار «٥» ، وقول الله تعالى: هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا (المائدة/ ٥٩) ، أي تنكرون، وقيل: تسخطون وقيل: تكرهون «٦» ، وفي الحديث: «ما ينقم ابن جميل إلّا أنّه كان فقيرا فأغناه الله» قال ابن الأثير: المعنى: ما ينقم شيئا من منع الزّكاة إلّا أن يكفر النّعمة، فكأنّ غناه أدّاه إلى كفر نعمة الله «٧» ، أمّا قول الله : وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ (البروج/ ٨) ، فالمعنى، المبالغة في الكراهية، قيل في تفسيرها: ما نقم الملك وأصحابه من الّذين حرّقهم إلّا التّصديق بالله تعالى «٨» أي بالغوا في الكراهية ومن ثمّ في إنزال العقوبة بهم بسبب إيمانهم، وفي معنى الكراهية الشّديدة يقول ابن قيس الرّقيّات: ما نقموا من بني أميّة إلّا ... أنّهم يحلمون إن غضبوا يروى بالفتح والكسر (نقموا، نقموا) ، قال ابن برّيّ: يقال نقمت نقما ونقوما ونقمة ونقمة، ونقمت: إذا بالغت في كراهة الشّيء «٩» . النّقمة اصطلاحا: قال المناويّ: النّقمة: عقوبة المجرم بمبالغة «١٠» .

стр. 6368

وهذا التّعريف إنّما هو للنّقمة الّتي هي الاسم من الانتقام، أمّا النّقمة الّتي هي مصدر نقم عليه، وهي المقصود بهذه الصّفة، فيمكن تعريفها بأنّها: كراهية الشّيء كراهية شديدة تصلى إلى حدّ السّخط «١» ، وقد تستعمل النّقمة ويراد بها ما ينجم عنها وهو الانتقام. الفرق بين النقمة والانتقام: يتجلّى الفرق بين النّقمة والانتقام في أنّ النّقمة من أعمال القلوب والانتقام من أعمال الجوارح، كما أنّ النّقمة تسبق الانتقام وهو كالنّتيجة لها، وأيضا فإنّ النّقمة قد لا يعقبها عقوبة ولا انتقام، أمّا الانتقام فلا بدّ أن تسبقه النّقمة. الفرق بين النقمة والسخط والكراهية: رغما عن التّقارب بين هذه الصّفات المنهيّ عنها إلّا أنّ بينها- عند التّأمّل- فروقا دقيقة منها: أنّ النّقمة- كالغضب- تكون بين الأكفاء والنّظراء وبين الكبراء والعظماء أمّا السّخط فلا يكون إلّا من العظماء والكبراء دون الأكفاء والنظراء «٢» ، وفيما يتعلّق بالدّرجة فإنّ الكراهية قد تكون شديدة وقد تكون يسيرة، أمّا النّقمة فلا تكون إلّا شديدة، إذ هي المبالغة في الكراهية. [للاستزادة: انظر صفات: الانتقام- السخط- الغل- الحقد- الغضب- العدوان. وفي ضد ذلك: انظر صفات: الرضا- السماحة- الصفح- العفو- التقوى] .

стр. 6369

الآيات الواردة في «النقمة» ١- قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ (٥٩) قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولئِكَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ (٦٠) «١» ٢- قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسى وَهارُونَ (١٢٢) قالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْها أَهْلَها فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (١٢٣) لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (١٢٤) قالُوا إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ (١٢٥) وَما تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنا لَمَّا جاءَتْنا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ (١٢٦) «٢» ٣- يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا وَما نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْناهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْراً لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذاباً أَلِيماً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (٧٤) «٣» ٤- وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ (١) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (٢) وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (٣) قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ (٤) النَّارِ ذاتِ الْوَقُودِ (٥) إِذْ هُمْ عَلَيْها قُعُودٌ (٦) وَهُمْ عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (٧) وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٨) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٩) «٤» الآيات الواردة في «النقمة» معنى انظر الآيات الواردة في السخط

стр. 6370

الأحاديث الواردة في ذمّ (النقمة) ١-* (عن عبد الله بن عمر- ﵄ قال: كان من دعاء رسول الله ﷺ : «اللهمّ إنّي أعوذ بك من زوال نعمتك، وتحوّل عافيتك، وفجاءة نقمتك «١» ، وجميع سخطك» ) * «٢» . ٢-* (عن ابن عبّاس- ﵄ قال: جاءت امرأة ثابت بن قيس بن شمّاس إلى النّبيّ ﷺ فقالت: يا رسول الله، ما أنقم على ثابت في دين ولا خلق، إلّا أنّي أخاف الكفر، فقال رسول الله ﷺ : «أتردّين عليه حديقته؟» فقالت: نعم. فردّت عليه، وأمره ففارقها) * «٣» . ٣-* (عن بشير بن الخصاصية، بشير رسول الله ﷺ «٤» قال: كنت أماشي رسول الله ﷺ آخذا بيده فقال لي: «يابن الخصاصية ما أصبحت تنقم على الله تعالى؟ أصبحت تماشي رسوله ﷺ » قال «٥» : أحسبه قال: «آخذا بيده» ، قال: قلت: ما أصبحت أنقم على الله شيئا، قد أعطاني الله- ﵎ كلّ خير، قال: فأتينا على قبور المشركين فقال: «لقد سبق هؤلاء خيرا كثيرا «٦» » ، ثلاث مرّات، ثمّ أتينا قبور المسلمين، فقال: «لقد أدرك هؤلاء خيرا كثيرا.. الحديث» ) * «٧» . ٤-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: بعث رسول الله ﷺ عمر على الصّدقة، فقيل منع ابن جميل «٨» ، وخالد بن الوليد، والعبّاس عمّ رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : «ما ينقم ابن جميل «٩» إلّا أنّه كان فقيرا فأغناه الله، وأمّا خالد فإنّكم تظلمون خالدا، قد احتبس أدراعه وأعتاده «١٠» في سبيل الله، وأمّا العبّاس فهي عليّ ومثلها معها «١١» » ثمّ قال: «يا عمر، أما شعرت أنّ عمّ الرّجل صنو «١٢» أبيه» ) * «١٣» . ٥-* (عن أبي طلحة- ﵁ أنّ نّبيّ الله ﷺ أمر يوم بدر بأربعة وعشرين رجلا من صناديد «١٤» قريش فقذفوا في طويّ «١٥» من أطواء بدر خبيث مخبث، وكان إذا ظهر على قوم «١٦» أقام بالعرصة ثلاث ليال، فلمّا كان ببدر اليوم الثّالث، أمر براحلته

стр. 6371

فشدّ عليها رحلها، ثمّ مشى واتّبعه أصحابه وقالوا: ما تراه ينطلق إلّا لبعض حاجته، حتّى قام على شفة الرّكيّ «١» ، فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم، يا فلان ابن فلان، ويا فلان ابن فلان أيسرّكم أنّكم أطعتم الله ورسوله؟ فإنّا قد وجدنا ما وعدنا ربّنا حقّا، فهل وجدتم ما وعد ربّكم حقّا؟ قال: فقال عمر: يا رسول الله، ما تكلّم من أجساد لا روح لها «٢» ؟ فقال رسول الله ﷺ : «والّذي نفس محمّد بيده، ما أنتم بأسمع لما أقول منهم» قال قتادة: أحياهم الله حتّى أسمعهم قوله توبيخا وتصغيرا ونقيمة «٣» وحسرة وندما) * «٤» . ٦-* (عن جرير- ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من رجل يكون في قوم يعمل فيهم بالمعاصي يقدرون على أن يغيّروا عليه فلا يغيّروا إلّا أصابهم الله بعذاب من قبل أن يموتوا» ) * «٥» . ٧-* (عن عبد الله بن عمرو- ﵄ أنّ رجلا أتى النّبيّ ﷺ فقال: يا رسول الله إنّ ابني هذا يقرأ المصحف بالنّهار، ويبيت باللّيل «٦» ، فقال رسول الله ﷺ : «ما تنقم أنّ ابنك يظلّ ذاكرا ويبيت سالما» ) * «٧» . ٨-* (عن عبيد الله بن عياض بن عمرو قال: جاء عبد الله بن شدّاد فدخل على عائشة ونحن عندها جلوس، مرجعه من العراق «٨» ليالي قتل عليّ- كرّم الله وجهه ورضي عنه-، فقالت له: يا عبد الله بن شدّاد، هل أنت صادقي عمّا أسألك عنه؟ تحدّثني عن هؤلاء القوم الّذين قتلهم عليّ «٩» ؟ قال: وما لي لا أصدقك! قالت: فحدّثني عن قصّتهم، قال: فإنّ عليّا لمّا كاتب معاوية، وحكم الحكمان، خرج عليه ثمانية آلاف من قرّاء النّاس، فنزلوا بأرض يقال لها حروراء من جانب الكوفة، وإنّهم عتبوا عليه فقالوا: انسلخت من قميص ألبسكه الله تعالى واسم سمّاك الله تعالى به «١٠» ، ثمّ انطلقت فحكّمت في دين الله، فلا حكم إلّا لله تعالى، فلمّا أن بلغ عليّا ما عتبوا عليه، وفارقوه عليه، أمر مؤذّنا فأذّن ألّا يدخل على أمير المؤمنين إلّا رجل

стр. 6372

قد حمل القرآن، فلمّا أن امتلأت الدّار من قرّاء النّاس، دعا بمصحف إمام عظيم «١» ، فوضعه بين يديه، فجعل يصكّه بيده «٢» ويقول: أيّها المصحف! حدّث النّاس! فناداه النّاس فقالوا: يا أمير المؤمنين، ما تسأل عنه؟ إنّما هو مداد في ورق، ونحن نتكلّم بما روينا منه! فماذا تريد؟ قال: أصحابكم هؤلاء الّذين خرجوا، بيني وبينكم كتاب الله، يقول الله تعالى في كتابه في امرأة ورجل وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما (النساء/ ٣٥) فأمّة محمّد ﷺ أعظم دما وحرمة من امرأة ورجل، ونقموا عليّ أن كاتبت معاوية: كتب عليّ بن أبي طالب «٣» ، وقد جاءنا سهيل ابن عمرو ونحن مع رسول الله ﷺ في الحديبية حين صالح قومه قريشا، فكتب رسول الله ﷺ : «بسم الله الرّحمن الرّحيم» فقال سهيل: لا تكتب بسم الله الرّحمن الرّحيم، فقال: «كيف نكتب؟» فقال: اكتب باسمك اللهمّ، فقال رسول الله ﷺ : «فاكتب: محمّد رسول الله» ، فقال: لو أعلم أنّك رسول الله لم أخالفك، فكتب: هذا ما صالح محمّد بن عبد الله قريشا، يقول الله تعالى: لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ (الأحزاب/ ٢١) ، فبعث إليهم عليّ عبد الله ابن عبّاس، فخرجت معه «٤» ، حتّى إذا توسّطنا عسكرهم، قام ابن الكوّاء يخطب النّاس، فقال: يا حملة القرآن، إنّ هذا عبد الله بن عبّاس فمن لم يكن يعرفه، فأنا أعرّفه من كتاب الله ما يعرفه به، هذا ممّن نزل فيه وفي قومه قَوْمٌ خَصِمُونَ (الزخرف/ ٥٨) ، فردّوه إلى صاحبه «٥» ، ولا تواضعوه كتاب الله «٦» ، فقال خطباؤهم، والله لنواضعنّه كتاب الله، فإن جاء بحقّ نعرفه لنتّبعنّه، وإن جاء بباطل لنبكّتنّه «٧» بباطله، فواضعوا عبد الله الكتاب ثلاثة أيّام، فرجع منهم أربعة آلاف كلّهم تائب، فيهم ابن الكوّاء، حتّى أدخلهم على عليّ الكوفة، فبعث عليّ إلى بقيّتهم فقال: قد كان من أمرنا وأمر النّاس ما قد رأيتم، فقفوا حيث شئتم حتّى تجتمع أمّة محمّد ﷺ ، بيننا وبينكم ألّا تسفكوا دما حراما، أو تقطعوا سبيلا، أو تظلموا ذمّة «٨» ، فإنّكم إن فعلتم فقد نبذنا إليكم الحرب على سواء «٩» ، إنّ الله لا يحبّ الخائنين، فقالت له عائشة: يا ابن شدّاد، فقد قتلهم، فقال: والله ما بعث إليهم حتّى قطعوا السّبيل، وسفكوا الدّم، واستحلّوا أهل الذّمّة، فقالت: آلله؟ قال: آلله الّذي لا إله إلّا هو لقد كان، قالت: فما شيء

стр. 6373

بلغني عن أهل الذّمّة يتحدّثونه، يقولون: ذو الثّديّ، وذو الثّدى؟ قال: قد رأيته، وقمت عليه مع عليّ في القتلى، فدعا النّاس فقال: أتعرفون هذا؟ فما أكثر من جاء يقول: قد رأيته في مسجد بني فلان يصلّي، ورأيته في مسجد بني فلان يصلّي، ولم يأتوا فيه بثبت «١» يعرف إلّا ذلك، قالت: فما قول عليّ حين قام عليه «٢» ، كما يزعم أهل العراق؟ قال: سمعته يقول: صدق الله ورسوله، قالت: هل سمعت منه أنّه قال غير ذلك؟ قال: اللهمّ لا، قالت: أجل، صدق الله ورسوله، يرحم الله عليّا، إنّه كان من كلامه ألّا يرى شيئا يعجبه إلّا قال: صدق الله ورسوله، فيذهب أهل العراق يكذبون عليه، ويزيدون عليه في الحديث) * «٣» . الأحاديث الواردة في ذمّ (النقمة) معنى انظر صفتي: الانتقام- السخط من الآثار وأقوال العلماء والمفسرين الواردة في ذمّ (النقمة) ١-* (عن ابن عبّاس- ﵄ قال: أتى رسول الله ﷺ نفر من يهود فيهم أبو ياسر بن أخطب ونافع بن أبي نافع وغازي بن عمر وزيد بن خالد وأزار بن أبي أزار وأسقع، فسألوه عمّن يؤمن به من الرّسل؟ قال: «أؤمن بالله وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النّبيّون من ربّهم لا نفرّق بين أحد منهم ونحن له مسلمون» فأنزل الله تعالى الآية الكريمة قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ (المائدة/ ٥٩)) * «٤» . ٢-* (عن سليمان بن يسار أنّ سائبة أعتقه بعض الحجّاج فقتل ابن رجل من بني عائذ. فجاء العائذيّ، أبو المقتول إلى عمر بن الخطّاب يطلب دية ابنه. فقال عمر: لا دية له. فقال العائذيّ: أرأيت لو قتله ابني. فقال عمر: إذا تخرجون ديته. فقال: هو إذا كالأرقم «٥» إن يترك يلقم وإن يقتل ينقم) * «٦» . ٣-* (قال القرطبيّ في تفسير قوله تعالى:

стр. 6374

قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا ... (المائدة/ ٥٩) : معنى تنقمون: أي تسخطون، وقيل: تكرهون، وقيل: تنكرون) * «١» . ٤-* (وقال- رحمه الله تعالى- في تفسير قوله تعالى: وَما نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْناهُمُ اللَّهُ (التوبة/ ٧٤) : أي ليس ينقمون شيئا. قال القشيريّ أبو نصر: قيل للبجليّ: أتجد في كتاب الله تعالى (اتّقّ شرّ من أحسنت إليه) ؟ قال: نعم وَما نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْناهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ (التوبة/ ٧٤)) * «٢» . ٥-* (قال ابن جرير في تفسير قوله تعالى: وَما تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا (الأعراف/ ١٢٦) ، قال: السّحرة مجيبة لفرعون إذ توعّدهم بقطع الأيدي والأرجل من خلاف والصّلب. إنّا إلى ربّنا منقلبون: معنى الانقلاب: الرّجوع إليه والمصير وقوله تعالى: وَما تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنا يقول: ما تنكر منّا يا فرعون وما تجد علينا إلّا من أجل أن آمنّا أي صدّقنا بآيات ربّنا) * «٣» . ٦-* (قال عليّ- كرّم الله وجهه ورضي عنه-: ما تنقم الحرب العوان منّي ... بازل عامين فتيّ سنّي ) * «٤» . من مضار (النقمة) (١) دليل شدّة غضب الله على العبد. (٢) نقمة العبد على الشّيء دليل عدم إيمانه بقضاء الله وقدره. (٣) نقمة العبد على العبد دليل الحقد والحسد ووضع للنّفس بإزاء الله في تقسيم الأرزاق. (٤) النّاقم على رزقه مبغض من الله ومن النّاس. (٥) النّقمة من أمراض القلب الّتي تورث صاحبها الهلاك. (٦) النّقمة تدفع بالنّاقم إلى ظلم النّاس وتؤدّي إلى الكراهية. (٧) النّاقم غالبا ما يجاوز الحقّ في نقمته فيصيب بها أهل الخير والإيمان.

стр. 6375

نكران الجميل النكران لغة: النّكران اسم من أنكر الشّيء ينكره إنكارا فهو منكر، ونكره ينكره نكرا فهو ناكر، واستنكره فهو مستنكر، وهي مأخوذة من مادّة (ن ك ر) الّتي تدلّ على خلاف المعرفة الّتي يسكن إليها القلب. ونكر الشّيء وأنكره لم يقبله قلبه ولم يعترف به لسانه «١» . ويقول الرّاغب: الإنكار: ضدّ العرفان. يقال: أنكرت كذا ونكرت، وأصله أن يرد على القلب ما لا يتصوّره، وذلك ضرب من الجهل، قال تعالى: فَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ (هود/ ٧٠) ، وقال- جلّ من قائل-: فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (يوسف/ ٥٨) ، وقد يستعمل ذلك فيما ينكر باللّسان، وسبب الإنكار باللّسان هو الإنكار بالقلب، لكن ربّما ينكر اللّسان الشّيء وصورته في القلب حاصلة ويكون في ذلك كاذبا، وعلى ذلك قوله تعالى: يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها (النحل/ ٨٣) . والمنكر: كلّ فعل تحكم العقول الصّحيحة بقبحه، أو تتوقّف في استقباحه واستحسانه العقول فتحكم بقبحه الشّريعة، وإلى ذلك أشار بقوله: الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ (التوبة/ ١١٢) «٢» . والنكر: المنكر، قال الله تعالى: لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً (الكهف/ ٧٤) ، والنّكراء مثله. والنّكارة: الدّهاء، وكذلك النّكر بالضّمّ، يقال للرّجل إذا كان فطنا منكرا: ما أشدّ نكره ونكره أيضا بالفتح. وقد نكر الأمر بالضّمّ، أي صعب واشتدّ «٣» ، وقيل: النّكران والإنكار (واحد) وهو الجحود، وهو نقيض المعرفة، والمناكرة المحاربة، وبينهما مناكرة أي معاداة وقتال، والتّناكر: التّجاهل، فتقول: أنكره إنكارا ونكرا أي جهّله، ومثله أنا أنكره إنكارا ونكرته قال الأعشى: وأنكرتني وما كان الّذي نكرت ... من الحوادث إلّا الشّيب والصّلعا قيل: والصّحيح أنّ المصدر الإنكار والاسم النّكر وقد يحرّك مثل عسر وعسر فتقول: نكر ونكر قال الشّاعر: أتوني فلم أرض ما بيّتوا ... وكانوا أتوني بشيء نكر «٤»
следующие страницы →