← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 22798

نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (6 530 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

العباد، فليس من أحد يصلّي عليّ إلّا أبلغنيها، وإنّي سألت ربّي أن لا يصلّي عليّ عبد صلاة إلّا صلّى عليه عشر أمثالها» «١» . وعن ابن مسعود- ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: «إنّ لله تعالى ملائكة سيّاحين في الأرض يبلّغوني من أمّتي السّلام» «٢» . (٦) طهرة من لغو المجلس: عن جابر- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما اجتمع قوم ثمّ تفرّقوا عن غير ذكر الله وصلاة على النّبيّ ﷺ ، إلّا قاموا عن أنتن من جيفة» «٣» . عن أبي هريرة- ﵁ عن النّبيّ ﷺ ، قال: «ما جلس قوم مجلسا لم يذكروا الله فيه ولم يصلّوا على نبيّهم إلّا كان عليهم ترة «٤» فإن شاء عذّبهم وإن شاء غفر لهم» «٥» . عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما قعد قوم مقعدا لا يذكرون الله ويصلّون على النّبيّ ﷺ ، إلّا كان عليهم حسرة يوم القيامة وإن دخلوا الجنّة للثّواب» «٦» . (٧) سبب في إجابة الدّعاء: عن عليّ بن أبي طالب- ﵁ قال: «كلّ دعاء محجوب حتّى يصلّى على النّبيّ ﷺ » «٧» . (٨) انتفاء الوصف بالبخل والجفاء: عن الحسين بن عليّ بن أبي طالب- ﵄ عن النّبيّ ﷺ قال: «البخيل من ذكرت عنده فلم يصلّ عليّ» «٨» .

стр. 667

وعن أبي ذرّ- ﵁ أنّ رسول الله ﷺ ، قال: «إنّ أبخل النّاس من ذكرت عنده فلم يصلّ عليّ» «١» . وعن الحسن البصري- ﵀ قال: قال رسول الله ﷺ : «بحسب امرىء من البخل أن أذكر عنده فلا يصلّي عليّ» «٢» . وعن قتادة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من الجفاء «٣» أن أذكر عند رجل فلا يصلّي عليّ» «٤» . (٩) دليل إلى الجنّة: عن ابن عبّاس- ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «من نسي «٥» الصّلاة عليّ خطىء طريق الجنّة» «٦» . وعن أبي جعفر محمّد بن عليّ الباقر- ﵀ قال: قال رسول الله ﷺ : «من ذكرت عنده فلم يصلّ عليّ فقد خطىء طريق الجنّة» «٧» .

стр. 668

الفوائد والثّمرات الحاصلة بالصّلاة عليه ﷺ قال المؤلّف- ﵀: ومن الفوائد والثّمرات الحاصلة بالصّلاة عليه ﷺ : الأولى: امتثال أمر الله . الثّانية: موافقته سبحانه في الصّلاة عليه ﷺ ، وإن اختلفت الصّلاتان. الثّالثة: موافقة ملائكته فيها. الرّابعة: حصول عشر صلوات من الله على المصلّي مرّة. الخامسة: أنّه يرفع له عشر درجات. السّادسة: أنّه يكتب له عشر حسنات. السّابعة: أنّه يمحى عنه عشر سيّئات. الثّامنة: أنّه يرجى إجابة دعائه إذا قدّمها أمامه، فهي تصاعد الدّعاء إلى عند ربّ العالمين. التّاسعة: أنّها سبب لشفاعته ﷺ إذا قرنها بسؤال الوسيلة له، أو أفردها. العاشرة: أنّها سبب لغفران الذّنوب. الحادية عشرة: أنّها سبب لكفاية الله العبد ما أهمّه. الثّانية عشرة: أنّها سبب لقرب العبد منه ﷺ يوم القيامة. الثّالثة عشرة: أنّها تقوم مقام الصّدقة لذي العسرة. الرّابعة عشرة: أنّها سبب لقضاء الحوائج. الخامسة عشرة: أنّها سبب لصلاة الله على المصلّي وصلاة ملائكته عليه. السّادسة عشرة: أنّها زكاة للمصلّي وطهارة له. السّابعة عشرة: أنّها سبب لتبشير العبد بالجنّة قبل موته. الثّامنة عشرة: أنّها سبب للنّجاة من أهوال يوم القيامة. التّاسعة عشرة: أنّها سبب لردّ النّبيّ ﷺ الصّلاة والسّلام على المصلّي والمسلّم عليه. العشرون: أنّها سبب لتذكّر العبد ما نسيه كما تقدّم. الحادية والعشرون: أنّها سبب لطيب المجلس، وأن لا يعود حسرة على أهله يوم القيامة. الثّانية والعشرون: أنّها سبب لنفي الفقر كما تقدّم. الثّالثة والعشرون: أنّها تنفي عن العبد اسم البخل إذا صلّى عليه عند ذكره ﷺ .

стр. 669

الرّابعة والعشرون: أنّها ترمي صاحبها على طريق الجنّة وتخطىء بتاركها عن طريقها. الخامسة والعشرون: أنّها تنجي من نتن المجلس الّذي لا يذكر فيه الله ورسوله ويحمد ويثنى عليه فيه، ويصلّى على رسوله ﷺ . السّادسة والعشرون: أنّها سبب لتمام الكلام الّذي ابتدىء بحمد الله والصّلاة على رسوله. السّابعة والعشرون: أنّها سبب لوفور نور العبد على الصّراط. الثّامنة والعشرون: أنّه يخرج بها العبد عن الجفاء. التّاسعة والعشرون: أنّها سبب لإبقاء الله سبحانه الثّناء الحسن للمصلّي عليه بين أهل السّماء والأرض، لأنّ المصلّي طالب من الله أن يثني على رسوله ويكرّمه ويشرّفه، والجزاء من جنس العمل، فلا بدّ أن يحصل للمصلّي نوع من ذلك. الثّلاثون: أنّها سبب للبركة في ذات المصلّي وعمله وعمره وأسباب مصالحه، لأنّ المصلّي داع ربّه أن يبارك عليه وعلى آله، وهذا الدّعاء مستجاب، والجزاء من جنسه. الحادية والثّلاثون: أنّها سبب لنيل رحمة الله له، لأنّ الرحمة إمّا بمعنى الصّلاة كما قاله طائفة، وإمّا من لوازمها وموجباتها على القول الصّحيح، فلا بدّ للمصلّي عليه من رحمة تناله. الثّانية والثّلاثون: أنّها سبب لدوام محبّته للرّسول ﷺ وزيادتها وتضاعفها، وذلك عقد من عقود الإيمان الّذي لا يتمّ إلّا به، لأنّ العبد كلّما أكثر من ذكر المحبوب واستحضاره في قلبه واستحضار محاسنه ومعانيه الجالبة لحبّه تضاعف حبّه له وتزايد شوقه إليه، واستولى على جميع قلبه، وإذا أعرض عن ذكره وإحضاره وإحضار محاسنه بقلبه، نقص حبّه من قلبه، ولا شيء أقرّ لعين المحبّ من رؤية محبوبه، ولا أقرّ لقلبه من ذكره وإحضار محاسنه، فإذا قوي هذا في قلبه، جرى لسانه بمدحه والثّناء عليه، وذكر محاسنه، وتكون زيادة ذلك ونقصانه بحسب زيادة الحبّ ونقصانه في قلبه، والحسّ شاهد بذلك. الثّالثة والثّلاثون: أنّ الصّلاة عليه ﷺ سبب لمحبّته للعبد، فإنّها إذا كانت سببا لزيادة محبّة المصلّى عليه له، فكذلك هي سبب لمحبّته هو للمصلّي عليه ﷺ . الرّابعة والثّلاثون: أنّها سبب لهداية العبد وحياة قلبه، فإنّه كلّما أكثر الصّلاة عليه ﷺ وذكره، استولت محبّته على قلبه، حتّى لا يبقى في قلبه معارضة لشيء من أوامره، ولا شكّ في شيء ممّا جاء به، بل يصير ما جاء به مكتوبا مسطورا في قلبه، لا زال يقرؤه على تعاقب أحواله، ويقتبس الهدى والفلاح وأنواع العلوم منه، وكلّما ازداد في ذلك بصيرة وقوّة معرفة، ازدادت صلاته عليه ﷺ . الخامسة والثّلاثون: أنّها سبب لعرض اسم المصلّي عليه ﷺ وذكره عنده.

стр. 670

السّادسة والثّلاثون: أنّها سبب لتثبيت القدم على الصّراط، والجواز عليه، لحديث عبد الرّحمن بن سمرة الّذي رواه عنه سعيد بن المسيّب في رؤيا النّبيّ ﷺ وفيه: «ورأيت رجلا من أمّتي يزحف على الصّراط ويحبو أحيانا ويتعلّق أحيانا، فجاءته صلاته عليّ فأقامته على قدميه وأنقذته» «١» . السّابعة والثّلاثون: أنّ الصّلاة عليه ﷺ أداء لأقلّ القليل من حقّه، مع أنّ الّذي يستحقّه لا يحصى علما ولا قدرة، ولا إرادة، ولكنّ الله سبحانه لكرمه رضي من عباده باليسير من شكره وأداء حقّه. الثّامنة والثّلاثون: أنّها متضمّنة لذكر الله تعالى وشكره، ومعرفة إنعامه على عبيده بإرساله، فالمصلّي عليه ﷺ قد تضمّنت صلاته عليه ذكر الله وذكر رسوله، وسؤاله أن يجزيه بصلاته عليه ما هو أهله كما عرّفتنا ربّنا وأسماءه وصفاته، وهدانا الله بها إلى طريق مرضاته، وعرّفنا ﷻ ما لنا بعد الوصول إليه، والقدوم عليه، فهي متضمّنة لكلّ الإيمان، بل هي متضمّنة للإقرار بوجوب الرّبّ المدعوّ وعلمه وسمعه وقدرته وإرادته وحياته وكلامه، وإرسال رسوله، وتصديقه في أخباره كلّها، وكمال محبّته، ولا ريب أنّ هذه هي أصول الإيمان، فالصّلاة عليه ﷺ متضمّنة لعلم العبد ذلك، وتصديقه به، ومحبّته له، فكانت من أفضل الأعمال. التّاسعة والثّلاثون: أنّ الصّلاة عليه ﷺ من العبد هي دعاء، ودعاء العبد وسؤاله من ربّه نوعان: أحدهما: سؤاله حوائجه ومهمّاته وما ينوبه في اللّيل والنّهار، فهذا دعاء وسؤال، وإيثار لمحبوب العبد ومطلوبه. والثّاني: سؤاله أن يثني على خليله وحبيبه، ويزيد في تشريفه وتكريمه وإيثاره ذكره، ورفعه، ولا ريب أنّ الله تعالى يحبّ ذلك ورسوله يحبّه، فالمصلّي عليه ﷺ قد صرف سؤاله ورغبته وطلبه إلى محابّ الله ورسوله، وآثر ذلك على طلبه حوائجه ومحابّه هو، بل كان هذا المطلوب من أحبّ الأمور إليه وآثرها عنده، فقد آثر ما يحبّه الله ورسوله على ما يحبّه هو، فقد آثر الله ومحابّه على ما سواه، والجزاء من جنس العمل. فمن آثر الله على غيره، آثر الله على غيره.

стр. 671

افتتاح صلاة المصلّي بقوله «اللهمّ» ومعنى ذلك* لا خلاف أنّ لفظة «اللهمّ» معناها «يا الله» ولهذا لا تستعمل إلّا في الطّلب، فلا يقال: اللهمّ غفور رحيم، بل يقال: اللهمّ اغفر لي وارحمني. واختلف النّحاة في الميم المشدّدة من آخر الاسم: فقال: سيبويه: زيدت عوضا من حرف النّداء ولذلك لا يجوز عنده الجمع بينهما في اختيار الكلام، لا يقال: «يا اللهمّ» إلّا فيما ندر. وقيل: الميم عوض عن جملة محذوفة، والتّقدير: «يا الله أمّنا بخير» أي: اقصدنا، ثمّ حذف الجارّ والمجرور وحذف المفعول، فبقي في التّقدير: يا الله أمّ» ثمّ حذفوا الهمزة لكثرة دوران هذا الاسم في الدّعاء على ألسنتهم، فبقي «يا اللهمّ» ، وهذا قول الفرّاء. وصاحب هذا القول يجوّز دخول «يا» عليه، ويحتجّ بقول الشّاعر: وما عليك أن تقولي كلّما ... صلّيت أو سبّحت يا اللهمّا اردد علينا شيخنا مسلّما «١» . قال المؤلّف- ﵀: وردّ البصريّون هذا بوجوه «٢» . وقيل: زيدت الميم للتّعظيم والتّفخيم، كزيادتها في «زرقم» «٣» لشديد الزّرقة «وابنم» في الابن. قال المؤلّف- ﵀: «الميم» حرف شفهيّ يجمع النّاطق به شفتيه، فوضعته العرب علما على الجمع، فقالوا للواحد: «أنت» فإذا جاوزوه إلى الجمع قالوا «أنتم» ، وقالوا للواحد الغائب «هو» فإذا جاوزوه إلى الجمع قالوا: «هم» وكذلك في المتّصل يقولون: ضربت، وضربتم، وإيّاك، وإيّاكم، وإيّاه، وإيّاهم، ونظائره نحو: به وبهم، ويقولون للشّيء الأزرق: أزرق، فإذا اشتدّت زرقته، واستحكمت، قالوا: زرقم، ويقولون للكبير الاست: ستهم. وتأمّل الألفاظ الّتي فيها الميم كيف تجد الجمع معقودا بها مثل «لمّ الشّيء يلمّه» : إذا جمعه، ومنه «لمّ الله

стр. 672

شعثه» أي جمع ما تفرّق من أموره، ومنه قولهم «دار لمومة» أي: تلمّ النّاس وتجمعهم، ومنه أَكْلًا لَمًّا «١» . جاء في تفسيرها يأكل نصيبه ونصيب صاحبه، وأصله من «اللّمّ» وهو الجمع، كما يقال: لفّه يلفّه، ومنه ألمّ بالشّيء: إذا قارب الاجتماع به والوصول إليه، ومنه «اللّمم» وهو مقاربة الاجتماع بالكبائر، ومنه الملمّة وهي النّازلة الّتي تصيب العبد، ومنه «اللّمّة» وهي الشّعر الّذي قد اجتمع، وتقلّص حتّى جاوز شحمة الأذن، ومنه: (تمّ الشّيء) وما تصرّف منها، ومنه بدر التّمّ إذا كمل واجتمع نوره، ومنه التّوأم للولدين المجتمعين في بطن، ومنه الأمّ، وأمّ الشّيء أصله الّذي تفرّع منه، فهو الجامع له، وبه سمّيت مكّة أمّ القرى، والفاتحة أمّ القرآن، واللّوح المحفوظ أمّ الكتاب، قال الجوهريّ: أمّ الشّيء أصله، ومكّة أمّ القرى، وأمّ مثواك: صاحبة منزلك، يعني الّتي تأوي إليها، وتجتمع معها، وأمّ الدّماغ: الجلدة الّتي تجمع الدّماغ، ويقال لها: أمّ الرأس، وقوله تعالى في الآيات المحكمات: هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ «٢» . والأمّة: الجماعة المتساوية في الخلقة والزّمان، قال تعالى: وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ «٣» ، وقال النّبيّ ﷺ : «لولا أنّ الكلاب أمّة من الأمم لأمرت بقتلها» «٤» . ومنه الإمام الّذي يجتمع المقتدون به على اتّباعه، ومنه: أمّ الشّيء يؤمّه: إذا اجتمع قصده، وهمّه إليه، ومنه: رمّ الشّيء يرمّه: إذا أصلحه، وجمع متفرّقة، قيل: ومنه سمّي الرّمّان لاجتماع حبّه وتضامّه. ومنه: ضمّ الشّيء يضمّه، إذا جمعه، ومنه همّ الإنسان وهمومه وهي إرادته وعزائمه الّتي تجتمع في قلبه. ومنه قولهم للأسود: أحمّ وللفحمة السّوداء: (حممة) ، وحمّم رأسه: إذا اسودّ بعد حلقه، كلّ هذا لأنّ السّواد لون جامع للبصر لا يدعه يتفرّق، ولهذا يجعل علي عيني الضّعيف البصر لوجع أو غيره شيء أسود من شعر أو خرقة، ليجمع عليه بصره، فتقوى القوّة الباصرة، وهذا باب طويل فلنقتصر منه على هذا القدر. وإذا علم هذا من شأن الميم، فهم ألحقوها في آخر هذا الاسم الّذي يسأل الله سبحانه به في كلّ حاجة وكلّ حال إيذانا بجميع أسمائه وصفاته. فالسّائل إذا قال: «اللهمّ إنّي أسألك» كأنّه قال: أدعو الله الّذي له الأسماء الحسنى والصّفات العلى بأسمائه وصفاته، فأتى بالميم المؤذنة بالجمع في آخر هذا الاسم إيذانا بسؤاله تعالى بأسمائه كلّها كما قال النّبيّ ﷺ في الحديث الصّحيح: «ما أصاب عبدا قطّ همّ ولا حزن، فقال: اللهمّ إنّي عبدك ابن عبدك ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض فيّ حكمك عدل فيّ قضاؤك، أسألك بكلّ اسم هو لك، سمّيت به نفسك، أو

стр. 673

أنزلته في كتابك، أو علّمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همّي وغمّي، إلّا أذهب الله همّه وغمّه، وأبدله مكانه فرحا» ، قالوا: يا رسول الله أفلا نتعلّمهنّ؟ قال: «بلى ينبغي لمن سمعهنّ أن يتعلّمهنّ» «١» . فالدّاعي مندوب إلى أن يسأل الله تعالى بأسمائه وصفاته كما في الاسم الأعظم «اللهمّ إنّي أسألك بأنّ لك الحمد لا إله إلّا أنت الحنّان المنّان بديع السّماوات والأرض يا ذا الجلال والإكرام يا حيّ يا قيّوم» «٢» . وهذه الكلمات تتضمّن الأسماء الحسنى كما ذكر في غير هذا الموضع. والدّعاء ثلاثة أقسام. أحدها: أن يسأل الله تعالى بأسمائه وصفاته، وهذا أحد التّأويلين في قوله تعالى: وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها» . والثّاني: أن تسأله بحاجتك وفقرك، وذلّك، فتقول: أنا العبد الفقير المسكين البائس الذّليل المستجير ونحو ذلك. والثّالث: أن تسأل حاجتك ولا تذكر واحدا من الأمرين، فالأوّل أكمل من الثّاني، والثّاني أكمل من الثّالث، فإذا جمع الدّعاء الأمور الثّلاثة كان أكمل. وهذه عامّة أدعية النّبيّ ﷺ ، وفي الدّعاء الّذي علّمه صدّيق الأمّة- ﵁ ذكر الأقسام الثّلاثة، فإنّه قال في أوّله: «ظلمت نفسي ظلما كثيرا» ، وهذا حال السّائل ثمّ قال: «وإنّه لا يغفر الذّنوب إلّا أنت» ، وهذا حال المسؤول، ثمّ قال: «فاغفرلي» «٤» فذكر حاجته، وختم الدّعاء باسمين من الأسماء الحسنى تناسب المطلوب وتقتضيه. وهذا القول الّذي اخترناه جاء عن غير واحد من السّلف، قال الحسن البصريّ: «اللهمّ» مجمع الدّعاء، وقال أبو رجاء العطارديّ: إنّ الميم في قوله «اللهمّ» فيها تسعة وتسعون اسما من أسماء الله تعالى: وقال النّضر بن شميل: من قال «اللهمّ» فقد دعا الله بجميع أسمائه.

стр. 674

بيان معنى الصّلاة على النّبيّ ﷺ قال المؤلّف- ﵀: أصل هذه اللّفظة في اللّغة يرجع إلى معنيين: أحدهما: الدّعاء والتّبريك. والثّاني: العبادة، فمن الأوّل قوله تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ «١» . وقوله تعالى في حقّ المنافقين: وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ «٢» . وقول النّبيّ ﷺ : «إذا دعي أحدكم إلى الطّعام فليجب، فإن كان صائما فليصلّ» «٣» فسّر بهما، قيل «فليدع لهم بالبركة» وقيل: «يصلّي عندهم» بدل أكله. وقيل: «إنّ الصّلاة» في اللّغة معناها الدّعاء. والدّعاء نوعان: دعاء عبادة، ودعاء مسألة، والعابد داع، كما أنّ السّائل داع، وبهما فسّر قوله تعالى: وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ «٤» . قيل: أطيعوني أثبكم، وقيل: سلوني أعطكم، وفسّر بهما قوله تعالى: وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ «٥» . والصّواب: أنّ الدّعاء يعمّ النّوعين: وهذا لفظ متواطيء لا اشتراك فيه، فمن استعماله في دعاء العبادة قوله تعالى: قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ «٦» وقوله تعالى: وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ «٧» . وقوله تعالى: قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعاؤُكُمْ «٨» . والصّحيح من القولين لولا أنّكم تدعونه وتعبدونه، أي أيّ شيء يعبأ بكم لولا عبادتكم إيّاه، فيكون المصدر مضافا إلى الفاعل، وقال تعالى، ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ* وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً «٩» وقال تعالى إخبارا عن أنبيائه ورسله: إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ

стр. 675

وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً «١» . وهذه الطّريقة أحسن من الطّريقة الأولى، ودعوى الاختلاف في مسمّى الدّعاء وبهذا تزول الإشكالات الواردة على اسم الصّلاة الشّرعيّة، هل هو منقول عن موضعه في اللّغة، فيكون حقيقة شرعية أو مجازا شرعيّا. فعلى هذا تكون الصّلاة باقية على مسمّاها في اللّغة، وهو الدّعاء، والدّعاء: دعاء عبادة، ودعاء مسألة، والمصلّي من حين تكبيره إلى سلامه بين دعاء العبادة ودعاء المسألة، فهو في صلاة حقيقيّة لا مجاز، ولا منقولة، لكن خصّ اسم الصّلاة بهذه العبادة المخصوصة كسائر الألفاظ الّتي يخصّها أهل اللّغة والعرف ببعض مسمّاها كالدّابة، والرّأس، ونحوهما، فهذا غايته تخصيص اللّفظ وقصره على بعض موضوعه، ولهذا لا يوجب نقلا ولا خروجا عن موضوعه الأصليّ، والله أعلم. صلاة الله على عبده هذه صلاة الآدميّ، وأمّا صلاة الله سبحانه على عبده فنوعان: عامّة، وخاصّة. أمّا العامّة: فهي صلاته على عباده المؤمنين، قال تعالى: هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ «٢» ، ومن دعاء النّبيّ ﷺ بالصّلاة على آحاد المؤمنين كقوله: «اللهمّ صلّ على آل أبي أوفى» «٣» ، وفي حديث آخر أنّ امرأة قالت له: صلّ عليّ وعلى زوجي. قال: «صلّى الله عليك وعلى زوجك» «٤» . النّوع الثّاني: صلاته الخاصّة على أنبيائه ورسله خصوصا على خاتمهم وخيرهم محمّد ﷺ . فاختلف النّاس في معنى الصّلاة منه سبحانه على أقوال: أحدها أنّها رحمته. قال إسماعيل: حدّثنا نصر بن عليّ، حدّثنا محمّد بن سواء، عن جويبر، عن الضّحّاك قال: صلاة الله رحمته، وصلاة الملائكة الدّعاء «٥» ، وقال المبرّد: أصل الصّلاة الرّحمة، فهي من الله رحمة، ومن الملائكة رقّة، واستدعاء للرّحمة من الله، وهذا القول هو المعروف عند كثير من المتأخّرين. والقول الثّاني «٦» : أنّ صلاة الله مغفرته.

стр. 676

قال إسماعيل: حدّثنا محمّد بن أبي بكر، حدّثنا محمّد بن سواء، عن جويبر، عن الضّحّاك (هو الّذي يصلّي عليكم) قال: صلاة الله: مغفرته، وصلاة الملائكة الدّعاء «١» . وقد ذكر البخاريّ في صحيحه عن أبي العالية قال: صلاة الله على رسوله: ثناؤه عليه عند الملائكة «٢» . وقال إسماعيل في كتابه، حدّثنا نصر بن عليّ، حدّثنا خالد بن يزيد، عن أبي جعفر، عن الرّبيع بن أنس عن أبي العالية إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ «٣» قال: صلاة الله : ثناؤه عليه، وصلاة الملائكة عليه: الدّعاء. فإذا كان معنى الصّلاة: هو الثّناء على الرّسول، والعناية به، وإظهار شرفه وفضله وحرمته، كما هو المعروف من هذه اللّفظة، لم يكن لفظ «الصّلاة» في الآية مشتركا محمولا على معنييه، بل يكون مستعملا في معنى واحد، وهذا هو الأصل. وقيل الصّلاة المأمور بها في قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ «٤» هي الطّلب من الله ما أخبر به عن صلاته وصلاة ملائكته، وهي ثناء عليه، وإظهار لفضله وشرفه وإرادته تكريمه وتقريبه، فهي تتضمّن الخبر والطّلب، وسمّي هذا السّؤال والدّعاء منّا نحن صلاة عليه لوجهين: أحدهما: أنّه يتضمّن ثناء المصلّى عليه، والإشادة بذكر شرفه وفضله والإرادة والمحبّة لذلك من الله تعالى، فقد تضمّنت الخبر والطّلب. والوجه الثّاني: أنّ ذلك سمّي منّا صلاة، لسؤالنا من الله أن يصلّي عليه. فصلاة الله عليه: ثناؤه وإرادته لرفع ذكره وتقريبه، وصلاتنا نحن عليه سؤالنا الله تعالى أن يفعل ذلك به. وأمّا ما ذكر عن ابن عبّاس- ﵄ في قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ قال: يباركون عليه، فهذا لا ينافي تفسيرها بالثّناء، وإرادة التّكريم والتّعظيم، فإنّ التّبريك من الله يتضمّن ذلك، ولهذا قرن بين الصّلاة عليه والتّبريك عليه، وقالت الملائكة لإبراهيم: رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ «٥» ، وقال المسيح: وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ «٦» ، قال غير واحد من السّلف: معلّما للخير أينما كنت، وهذا جزء المسمّى، فالمبارك كثير الخير في نفسه الّذي يحصّله لغيره تعليما، وإقدارا ونصحا، وإرادة واجتهادا، ولهذا يكون العبد مباركا، لأنّ الله بارك فيه، وجعله كذلك، والله تعالى متبارك، لأنّ البركة كلّها منه، فعبده مبارك وهو المتبارك تَبارَكَ الَّذِي* «٧»

стр. 677

معنى اسم النّبيّ ﷺ واشتقاقه هذا الاسم هو أشهر أسمائه ﷺ ، وهو اسم منقول من الحمد، وهو يتضمّن الثّناء على المحمود، ومحبّته، وإجلاله، وتعظيمه. هذا هو حقيقة الحمد، وبني على زنة «مفعّل» مثل: معظّم، ومحبّب، ومسوّد، ومبجّل، ونظائرهما، لأنّ هذا البناء موضوع للتّكثير، فإن اشتقّ منه اسم فاعل، فمعناه من كثر صدور الفعل منه مرّة بعد مرّة، كمعلّم، ومفهّم، ومبيّن، ومخلّص، ومفرّج ونحوها، وإن اشتقّ منه اسم مفعول، فمعناه من [كثر] تكرار وقوع الفعل عليه مرّة بعد أخرى إمّا استحقاقا أو وقوعا. فمحمّد هو: كثر حمد الحامدين له مرّة بعد أخرى، أو الّذي يستحقّ أن يحمد مرّة بعد أخرى. ويقال: حمّد، فهو محمّد، كما يقال: علّم فهو معلّم، وهذا علم وصفة اجتمع فيه الأمران في حقّه ﷺ وإن كان علما محضا في حقّ كثير ممّن تسمّى به غيره. وهذا شأن أسماء الرّبّ تعالى، وأسماء كتابه، وأسماء نبيّه، هي أعلام دالّة على معان هي بها أوصاف، فلا تضادّ فيها العلميّة الوصف، بخلاف غيرها من أسماء المخلوقين، فهو الله، الخالق الباريء، المصوّر، القهّار، فهذه أسماء دالّة على معان هي صفاته وكذلك القرآن، والكتاب المبين، وغير ذلك من أسمائه. وكذلك أسماء النّبيّ ﷺ : «محمّد، وأحمد، والماحي» وفي حديث جبير بن مطعم عن النّبيّ ﷺ أنّه قال: «إنّ لي أسماء، أنا محمّد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الّذي يمحوا الله بي الكفر» «١» . فذكر رسول الله ﷺ هذه الأسماء مبيّنا ما خصّه الله به من الفضل، وأشار إلى معانيها، وإلّا فلو كانت أعلاما محضة لا معنى لها، لم تدلّ على مدح، ولهذا قال حسّان ﵁: وشقّ له من اسمه ليجلّه ... فذو العرش محمود وهذا محمّد وإذا ثبت هذا، فتسميته ﷺ بهذا الاسم لما اشتمل عليه من مسمّاه وهو الحمد، فإنّه ﷺ محمود عند الله، ومحمود عند ملائكته، ومحمود عند إخوانه من المرسلين، ومحمود عند أهل الأرض كلّهم، وإن كفر به بعضهم، فإنّ ما فيه من صفات الكمال محمودة عند كلّ عاقل، وإن كابر عقله جحودا، أو عنادا، أو جهلا باتّصافه بها، ولو علم اتّصافه بها، لحمده فإنّه يحمد من اتّصف بصفات الكمال، ويجهل وجودها فيه، فهو في الحقيقة حامد له؛ وهو ﷺ اختصّ من مسمّى «الحمد» بما لم يجتمع لغيره، فإنّ اسمه محمّد وأحمد، وأمّته الحمّادون يحمدون الله على السّرّاء والضّرّاء، وصلاة أمّته مفتتحة بالحمد، وخطبته مفتتحة بالحمد، وكتابه مفتتح بالحمد، هكذا عند الله في اللّوح

стр. 678

المحفوظ أنّ خلفاءه وأصحابه يكتبون المصحف مفتتحا بالحمد، وبيده ﷺ لواء الحمد يوم القيامة، ولمّا يسجد بين يدي ربّه للشّفاعة، ويؤذن له فيها يحمد ربّه بمحامد يفتحها عليه حينئذ، وهو صاحب المقام المحمود الّذي يغبطه به الأوّلون والآخرون، قال تعالى: وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً «١» . ومن أحبّ الوقوف على معنى المقام المحمود، فليقف على ما ذكر سلف الأمّة من الصّحابة والتّابعين فيه في تفسير هذه السّورة كتفسير ابن أبي حاتم، وابن جرير، وعبد بن حميد، وغيرها من تفاسير السّلف. وإذا قام في ذلك المقام، حمده حينئذ أهل الموقف كلّهم مسلمهم وكافرهم أوّلهم وآخرهم، وهو محمود ﷺ بما ملأ الأرض من الهدى والإيمان والعلم النّافع، والعمل الصّالح، وفتح به القلوب، وكشف به الظّلمة عن أهل الأرض، واستنقذهم من أسر الشّيطان، ومن الشّرك بالله والكفر به والجهل به حتّى نال به أتباعه شرف الدّنيا والآخرة، فإنّ رسالته وافت أهل الأرض أحوج ما كانوا إليها، فإنّهم كانوا بين عبّاد أوثان، وعبّاد صلبان، وعبّاد نيران، وعبّاد الكواكب، ومغضوب عليهم قد باؤوا بغضب من الله، وحيران لا يعرف ربّا يعبده، ولا بماذا يعبده، والنّاس يأكل بعضهم بعضا، من استحسن شيئا دعا إليه، وقاتل من خالفه، وليس في الأرض موضع قدم مشرق بنور الرّسالة، وقد نظر الله سبحانه حينئذ إلى أهل الأرض، فمقتهم عربهم وعجمهم إلّا بقايا على آثار من دين صحيح، فأغاث الله بها البلاد والعباد، وكشف به تلك الظّلم، وأحيا به الخليقة بعد الموت، فهدى به من الضّلالة، وعلّم به من الجهالة، وكثّر به بعد القلّة، وأعزّ به بعد الذّلّة، وأغنى به بعد العيلة، وفتح به أعينا عميا، وآذانا صمّا، وقلوبا غلفا، فعرف النّاس ربّهم ومعبودهم، غاية ما يمكن أن تناله قواهم من المعرفة، وأبدأ وأعاد، واختصر وأطنب في ذكر أسمائه وصفاته وأفعاله حتّى تجلّت معرفته سبحانه في قلوب عباده المؤمنين، وانجابت سحائب الشّكّ والرّيب عنها، كما ينجاب السّحاب عن القمر ليلة إبداره، ولم يدع لأمّته حاجة في هذا التّعريف لا إلى من قبله، ولا إلى من بعده، بل كفاهم وشفاهم وأغناهم عن كلّ من تكلّم في هذا الباب أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ «٢» . وعرّفهم الطّريق الموصّل لهم إلى ربّهم ورضوانه ودار كرامته، ولم يدع حسنا إلّا أمرهم به، ولا قبيحا إلّا نهى عنه، كما قال ﷺ : «ما تركت من شيء يقرّبكم إلى الجنّة إلّا وقد أمرتكم به، ولا من شيء يقرّبكم من النّار إلّا وقد نهيتكم عنه» «٣» . قال أبو ذرّ ﵁: (لقد توفّي رسول الله ﷺ وما طائر يقلّب جناحيه في السّماء

стр. 679

إلّا ذكّرنا منه علما) «١» . وعرّفهم حالهم بعد القدوم على ربّهم أتمّ تعريف، فكشف الأمر وأوضحه، ولم يدع بابا من العلم النّافع المقرّب لهم إلى ربّه إلّا فتحه، ولا مشكلا إلّا بيّنه وشرحه، حتّى هدى الله به القلوب من ضلالها، وشفاها من أسقامها، وأغاثها من جهلها، فأيّ بشر أحقّ بأن يحمد منه ﷺ ، وجزاه عن أمّته أفضل الجزاء. وممّا يحمد عليه ﷺ ما جبله الله عليه من مكارم الأخلاق، وكرائم الشّيم، فإنّ من نظر في أخلاقه وشيمه ﷺ ، علم أنّها خير أخلاق، فإنّه ﷺ كان أعلم الخلق، وأعظمهم أمانة، وأصدقهم حديثا، وأحلمهم وأجودهم وأسخاهم، وأشدّهم احتمالا، وأعظمهم عفوا ومغفرة، وكان لا يزيده شدّة الجهل عليه إلّا حلما، كما روى البخاري في «صحيحه» عن عبد الله بن عمرو ﵄ أنّه قال في صفة رسول الله ﷺ في التّوراة: «محمّد عبدي ورسولي سمّيته المتوكّل ليس بفظّ ولا غليظ ولا صخّاب بالأسواق، ولا يجزي بالسّيّئة السّيّئة، ولكن يعفو ويصفح، ولن أقبضه حتّى أقيم به الملّة العوجاء بأن يقولوا: لا إله إلّا الله، وأفتح به أعينا عميا، وآذانا صمّا وقلوبا غلفا» «٢» . وهو أرحم الخلق وأرأفهم بهم، وأعظم الخلق نفعا في دينهم ودنياهم، وأفصح خلق الله، وأحسنهم تعبيرا عن المعاني الكثيرة بالألفاظ الوجيزة الدالّة على المراد، وأصبرهم في مواطن الصّبر، وأصدقهم في موطن اللّقاء، وأوفاهم بالعهد والذّمّة، وأعظمهم مكافأة على الجميل بأضعافه، وأشدّهم تواضعا، وأعظمهم إيثارا على نفسه، وأشدّ الخلق ذبّا عن أصحابه وحماية لهم، ودفاعا عنهم، وأقوم الخلق بما يأمر به، وأتركهم لما ينهى عنه، وأوصل الخلق لرحمه، فهو أحقّ بقول القائل: برد على الأدنى ومرحمة ... وعلى الأعادي مازن جلد قال علي ﵁: كان رسول الله ﷺ أجود النّاس صدرا، وأصدقهم لهجة، وألينهم عريكة، وأكرمهم عشرة، من رآه بديهة هابه، ومن خالطه معرفة أحبّه، يقول ناعته: لم أر قبله ولا بعده مثله ﷺ «٣» . فقوله: كان أجود النّاس صدرا، أراد به: برّ الصّدر، وكثرة خيره، وأنّ الخير يتفجّر منه تفجيرا، وأنّه منطو على كلّ خلق جميل، وكلّ خير، كما قال بعض أهل العلم ليس في الدّنيا كلّها محلّ كان أكثر خيرا من صدر رسول الله ﷺ قد جمع الخير بحذافيره، وأودع في صدره ﷺ . وقوله: أصدق النّاس لهجة، وهذا مما أقرّ به أعداؤه المحاربون له، ولم يجرّب عليه أحد من أعدائه كذبة واحدة قطّ، دع شهادة أوليائه كلّهم له به فقد حاربه أهل الأرض بأنواع المحاربات مشركوهم وأهل الكتاب منهم،

стр. 680

وليس أحد منهم يوما من الدّهر طعن فيه بكذبة واحدة صغيرة ولا كبيرة. قال المسور بن مخرمة: قلت لأبي جهل- وكان خالي- يا خال هل كنتم تتّهمون محمّدا بالكذب قبل أن يقول مقالته؟ فقال: والله يا ابن أختي لقد كان محمّد وهو شابّ يدعى فينا الأمين، فلمّا خطّه الشّيب لم يكن ليكذب، قلت: يا خال فلم لا تتّبعونه؟ فقال: يا ابن أختي، تنازعنا نحن وبنو هاشم الشّرف؛ فأطعموا وأطعمنا، وسقوا وسقينا، وأجاروا وأجرنا، فلمّا تجاثينا على الرّكب وكنّا كفرسي رهان، قالوا: منّا نبيّ، فمتى نأتيهم بهذا» أو كما قال. وقال تعالى يسلّيه ويهوّن عليه قول أعدائه: قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ* وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ «١» . وقوله: ألينهم عريكة، يعني أنّه سهل قريب من النّاس، مجيب لدعوة من دعاه، قاض لحاجة من استقضاه، جابر لقلب من قصده لا يحرمه ولا يردّه خائبا، إذا أراد أصحابه منه أمرا، وافقهم عليه، وتابعهم فيه، وإن عزم على أمر لم يستبدّ بدونهم، بل يشاورهم ويؤامرهم، وكان يقبل من محسنهم، ويعفو عن مسيئهم. وقوله: أكرمهم عشرة. يعني أنّه لم يكن يعاشر جليسا له إلّا أتمّ عشرة وأحسنها وأكرمها، فكان لا يعبس في وجهه، ولا يغلظ له في مقاله، ولا يطوي عنه بشره، ولا يمسك عليه فلتات لسانه، ولا يؤاخذه بما يصدر منه من جفوة ونحوها، بل يحسن إلى عشيرة غاية الإحسان، ويحتمل غاية الاحتمال، فكانت عشرته لهم احتمال أذاهم، وجفوتهم جملة، لا يعاقب أحدا منهم ولا يلومه ولا يبادئه بما يكره، من خالطه يقول: أنا أحبّ النّاس إليه، لما يرى من لطفه به، وقربه منه، وإقباله عليه، واهتمامه بأمره، وتضحيته له، وبذل إحسانه إليه، واحتمال جفوته، فأيّ عشرة كانت أو تكون أكرم من هذه العشرة. قال الحسين ﵁: سألت أبي عن سيرة النّبيّ ﷺ في جلسائه فقال: كان النّبيّ ﷺ دائم البشر، سهل الخلق، ليّن الجانب، ليس بفظّ ولا غليظ، ولا صخّاب، ولا فحّاش، ولا عيّاب، ولا مدّاح، يتغافل عمّا لا يشتهي، ولا يؤيس منه راجيه، ولا يخيب فيه، قد ترك نفسه من ثلاث: المراء، والإكثار، وترك ما لا يعنيه، كان لا يذمّ أحدا ولا يعيبه، ولا يطلب عورته، ولا يتكلّم إلّا فيما رجا ثوابه، وإذا تكلّم أطرق جلساؤه كأنّما على رءوسهم الطّير، فإذا سكت، تكلّموا، لا يتنازعون عنده الحديث، ومن تكلّم عنده، أنصتوا له حتّى يفرغ، حديثهم عنده حديث أوّلهم، يضحك ممّا يضحكون منه، ويتعجّب ممّا يتعجّبون منه، ويصبر للغريب على الجفوة في منطقه ومسألته حتّى إن كان أصحابه ليستجلبونهم، ويقول: إذا رأيتم طالب حاجة يطلبها فأرفدوه، ولا يقبل الثّناء إلّا من

стр. 681

مكافيء، ولا يقطع على أحد حديثه، حتّى يجوز، فيقطعه بنهي أو قيام» . وقوله: «من رآه بديهة هابه، ومن خالطه معرفة أحبّه» وصفه بصفتين خصّ الله بهما أهل الصّدق والإخلاص: وهما الإجلال والمحبّة، وكان قد ألقى عليه هيبة منه ومحبّة، فكان كلّ من يراه يهابه ويجلّه، ويملأ قلبه تعظيما وإجلالا، وإن كان عدوّا له، فإذا خالطه وعاشره، كان أحبّ إليه من كلّ مخلوق، فهو المجلّ المعظّم المحبوب المكرّم، وهذا كمال المحبّة أن تقرن بالتّعظيم والهيبة، فالمحبّة بلا تعظيم ولا هيبة ناقصة، والهيبة والتّعظيم من غير محبّة ناقصة كما تكون للغادر الظّالم نقصا أيضا، والكمال: أن تجتمع المحبّة والودّ، والتّعظيم والإجلال، وهذا لا يوجد إلّا إذا كان في المحبوب صفات الكمال الّتي يستحقّ أن يعظّم لأجلها، ويحبّ لأجلها. ولمّا كان الله أحقّ بهذا من كلّ أحد، كان المستحقّ لأن يعظّم ويكبر ويهاب ويحبّ، ويودّ بكلّ جزء من أجزاء القلب، ولا يجعل له شريك في ذلك. وكلّ محبّة وتعظيم للبشر، فإنّما تجوز تبعا لمحبّة الله وتعظيمه، كمحبّة رسوله وتعظيمه، فإنّها من تمام مرسله وتعظيمه، فإنّ أمّته يحبّونه لحبّ الله له، ويعظّمونه ويجلّونه لإجلال الله له. فهي محبّة لله من موجبات محبّة الله وكذلك محبّة أهل العلم والإيمان، ومحبّة الصّحابة- ﵃ وإجلالهم تابع لمحبّة الله ورسوله لهم. والمقصود أنّ النّبيّ ﷺ ألقى الله عليه منه المهابة والمحبّة، ولكلّ مؤمن مخلص حظّ من ذلك. قال الحسن البصريّ- ﵀: إنّ المؤمن رزق حلاوة ومهابة، يعني يحبّ ويهاب ويجلّ بما ألبسه الله سبحانه من ثوب الإيمان المقتضي لذلك، ولهذا لم يكن بشر أحبّ إلى بشر ولا أهيب وأجلّ في صدره من رسول الله ﷺ في صدر الصّحابة ﵃. قال عمرو بن العاص قبل إسلامه: إنّه لم يكن شخص أبغض إليّ منه، فلمّا أسلم، لم يكن شخص أحبّ إليه منه. ولا أجلّ في عينه منه، قال: ولو سئلت أن أصفه لكم، لما أطقت، لم أكن أملأ عينيّ منه إجلالا له «٢» . وقال عروة بن مسعود لقريش: «يا قوم والله لقد وفدت على كسرى وقيصر والملوك فما رأيت ملكا يعظّمه أصحابه ما يعظّم أصحاب محمّد محمّدا ﷺ ما يحدّون النّظر إليه تعظيما له، وما تنخّم نخامة إلّا وقعت في كفّ رجل منهم فيدلّك بها وجهه وصدره، وإذا توضّأ، كادوا يقتتلون على وضوئه» «٣» . فلمّا كان رسول الله ﷺ مشتملا على ما يقتضي أن يحمد عليه مرّة بعد مرّة سمّي محمّدا، وهو اسم موافق

стр. 682

لمسمّاه، ولفظ مطابق لمعناه. والفرق بين «محمّد» و «أحمد» من وجهين: أحدهما: أنّ «محمّدا» هو المحمود حمدا بعد حمد، فهو دالّ على كثرة حمد الحامدين له، وذلك يستلزم كثرة موجبات الحمد فيه، و «أحمد» أفعل تفضيل من الحمد يدلّ على أنّ الحمد الّذي يستحقّه أفضل ممّا يستحقّه غيره، في «محمّد» زيادة حمد في الكمّيّة و «أحمد» زيادة في الكيفيّة، فيحمد أكثر حمد وأفضل حمد حمده البشر. الوجه الثّاني: أنّ «محمّدا» هو المحمود حمدا متكرّرا كما تقدّم و «أحمد» هو الّذي حمده لربّه أفضل من حمد الحامدين غيره، فدلّ أحد الاسمين وهو «محمّد» على كونه محمودا، ودلّ الثّاني وهو «أحمد» على كونه أحمد الحامدين لربّه. والحاصل أنّه ﷺ سمّي «محمّدا» و «أحمد» لأنّه يحمد أكثر ممّا يحمد غيره، وأفضل ممّا يحمد غيره فالاسمان واقعان على المفعول، وهذا هو المختار، وذلك أبلغ في مدحه وأتمّ معنى، ولو أريد به معنى الفاعل لسمّي الحمّاد، وهو كثير الحمد، كما سمّي «محمّدا» وهو المحمود كثيرا، فإنّه ﷺ كان أكثر الخلق حمدا لربّه، فلو كان اسمه باعتبار الفاعل، لكان الأولى أن يسمّى «حمّادا» كما أنّ اسم أمّته الحمّادون. وأيضا فإنّ الاسمين إنّما اشتقّا من أخلاقه وخصائله المحمودة الّتي لأجلها استحقّ أن يسمّى «محمّدا» و «أحمد» فهو الّذي يحمده أهل الدنيا وأهل الآخرة، ويحمده أهل السّماء والأرض فلكثرة خصائله المحمودة الّتي تفوت عدّ العادّين، سمّي باسمين من أسماء الحمد يقتضيان التّفضيل والزّيادة في القدر والصّفة. والله أعلم.

стр. 683

معنى الآل واشتقاقه وأحكامه وفيه قولان: أحدهما: أنّ أصله أهل، ثمّ قلبت الهاء همزة، فقيل: أأل. ثمّ سهّلت على قياس أمثالها، فقيل: آل، قالوا: ولهذا إذا صغّر رجع إلى أصله، فقيل: أهيل، قالوا: ولمّا كان فرعا عن فرع، خصّوه ببعض الأسماء المضاف إليها، فلم يضيفوه إلى أسماء الزّمان، ولا المكان، ولا غير الأعلام، فلا يقولون: آل رجل، وآل امرأة، ولا يضيفونه إلى مضمر، فلا يقال: آله وآلي، بل لا يضاف إلّا إلى معظّم، كما أنّ التّاء لمّا كانت في القسم بدلا عن الواو، وفرعا عليها، والواو فرعا عن فعل القسم، خصّوا التّاء بأشرف الأسماء وأعظمها، وهو اسم الله تعالى «١» . وقيل: بل أصله أول، وذكره صاحب «الصّحاح» في مادة الهمزة والواو واللّام، قال: وآل الرّجل: أهله وعياله، وآله أيضا: أتباعه، وهو عند هؤلاء مشتقّ من آل يئول: إذا رجع، فآل الرّجل هم الّذين يرجعون إليه، ويضافون إليه، ويئولهم، أي: يسوسهم، فيكون مالهم إليه، ومنه الإيالة وهي السّياسة، فآل الرّجل: هم الّذين يسوسهم ويئولهم، ونفسه أحقّ بذلك من غيره، فهو أحقّ بالدّخول في آله، ولكن لا يقال: إنّه مختصّ بآله، بل هو داخل فيهم، وهذه المادّة موضوعة لأصل الشّيء وحقيقته، ولهذا سمّي حقيقة الشّيء تأويله، لأنّها حقيقته الّتي يرجع إليها. ومنه التّأويل بمعنى التّفسير، لأنّ تفسير الكلام، هو بيان معناه وحقيقته الّتي يراد منه. قالوا: ومنه الأوّل، لأنّه أصل العدد ومبناه الّذي يتفرّع منه، ومنه الآل بمعنى الشّخص نفسه، قال أصحاب هذا القول: والتزمت العرب إضافته، فلا يستعمل مفردا إلّا في نادر الكلام. والتزموا أيضا إضافته إلى الظّاهر، فلا يضاف إلى مضمر إلّا قليلا. قالوا: ومن أحكامه أيضا أنّه لا يضاف إلّا إلى متبوع معظّم فلا يقال آل الحائك وآل الحجّام ولا آل رجل. وأمّا معناه، فقالت طائفة: يقال: آل الرّجل له نفسه، وآل الرّجل لمن يتبعه، وآله لأهله وأقاربه، فمن الأوّل قول النّبيّ ﷺ لمّا جاءه أبو أوفى بصدقته: «اللهمّ صلّ على آل أبي أوفى» وقوله تعالى: سَلامٌ عَلى إِلْ ياسِينَ «٢» . وقوله ﷺ : «اللهمّ صلّ على محمّد وعلى آل محمّد، كما صلّيت على آل إبراهيم» فآل إبراهيم هو إبراهيم، لأنّ الصّلاة المطلوبة للنّبيّ ﷺ ، هي الصّلاة على إبراهيم نفسه، وآله تبع له فيها. ونازعهم في ذلك آخرون، وقالوا: لا يكون الآل إلّا الأتباع والأقارب، وما ذكرتموه من الأدلّة، فالمراد بها الأقارب، وقوله: «كما صلّيت على آل إبراهيم» آل إبراهيم هنا هم الأنبياء، والمطلوب من الله سبحانه أن يصلّي على

стр. 684

رسوله ﷺ ، كما صلّى على جميع الأنبياء من ذرّيّة إبراهيم، لا إبراهيم وحده، كما هو مصرّح به في بعض الألفاظ من قوله: على إبراهيم وعلى آل إبراهيم «١» . وأمّا قوله تعالى: سَلامٌ عَلى إِلْ ياسِينَ «٢» . فهذه فيها قراءتان «٣» ، إحداهما: إلياسين بوزن إسماعيل وفيه وجهان «٤» . قال المؤلّف: وعلى هذا ففصل النّزاع بين أصحاب القولين في الآل. أنّ «الآل» إن أفرد دخل فيه المضاف إليه، كقوله تعالى: أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ «٥» . ولا ريب في دخوله في آله هنا. وقوله تعالى: وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ «٦» ونظائره. وقول النّبيّ ﷺ : «اللهمّ صلّ على آل أبي أوفى» ولا ريب في دخول أبي أوفى نفسه في ذلك، وقوله: «اللهمّ صلّ على محمّد وعلى آل محمّد كما صلّيت على آل إبراهيم» هذه أكثر روايات البخاريّ، وإبراهيم هنا داخل في آله، ولعلّ هذا مراد من قال: آل الرّجل نفسه. وأمّا إن ذكر الرّجل، ثمّ ذكر آله، لم يدخل فيهم، ففرق بين اللّفظ المجرّد والمقرون. فإذا قلت: أعط لزيد وآل زيد، لم يكن زيد هنا داخلا في آله، وإذا قلت: أعطه لآل زيد، تناول زيدا وآله، وهذا له نظائر كثيرة.

стр. 685

فصل في آل النّبيّ ﷺ واختلف في آل النّبيّ ﷺ على أربعة أقوال. فقيل: هم الّذين حرّمت عليهم الصّدقة، وفيه ثلاثة أقوال للعلماء: أحدها: أنّهم بنو هاشم، وبنو المطّلب، وهذا مذهب الشّافعيّ، وأحمد في رواية عنه. والثّاني: أنّهم بنو هاشم خاصّة، وهذا مذهب أبي حنيفة والرّواية الثّانية عن أحمد، واختيار ابن القاسم صاحب مالك. والثّالث: أنّهم بنو هاشم ومن فوقهم إلى غالب، فيدخل فيهم بنو المطّلب، وبنو أميّة، وبنو نوفل، ومن فوقهم إلى بني غالب، وهذا اختيار أشهب من أصحاب مالك، حكاه صاحب «الجواهر» عنه، وحكاه اللّخميّ في «التّبصرة» عن أصبغ، ولم يحكه عن أشهب. وهذا القول الأوّل في الآل أعني أنّهم الّذين تحرم عليهم الصّدقة هو منصوص الشّافعيّ، وأحمد والأكثرين، وهو اختيار جمهور أصحاب أحمد والشّافعيّ. والقول الثّاني: أنّ آل النّبيّ ﷺ هم ذرّيّته وأزواجه خاصّة، حكاه ابن عبد البرّ في «التّمهيد» قال في باب عبد الله ابن أبي بكر، في شرح حديث أبي حميد السّاعديّ: استدلّ قوم بهذا الحديث على أنّ «آل محمّد» هم أزواجه وذرّيّته خاصّة، لقوله في حديث مالك عن نعيم المجمّر وفي غير ما حديث: «اللهمّ صلّ على محمّد وعلى آل محمّد» وفي هذا الحديث يعني حديث أبي حميد: «اللهمّ صلّ على محمّد وعلى أزواجه وذرّيّته» قالوا: فهذا تفسير ذلك الحديث، ويبيّن أنّ آل محمّد هم أزواجه وذرّيّته، قالوا: فجائز أن يقول الرّجل لكلّ من كان من أزواج محمّد ﷺ ومن ذرّيّته: صلّى الله عليك، إذا واجهه، وصلّى الله عليه إذا غاب عنه، ولا يجوز ذلك في غيرهم. قالوا: والآل والأهل سواء، وآل الرّجل وأهله سواء، وهم الأزواج والذّرّيّة بدليل هذا الحديث. والقول الثّالث: أنّ آله ﷺ أتباعه إلى يوم القيامة، حكاه ابن عبد البرّ عن بعض أهل العلم. وأقدم من روي عنه هذا القول جابر بن عبد الله- ﵄ ذكره البيهقيّ عنه، ورواه عنه سفيان الثّوريّ وغيره، واختاره بعض أصحاب الشّافعيّ، حكاه عنه أبو الطّيّب الطّبريّ في تعليقه، ورجّحه الشّيخ محيي الدّين النّواويّ في «شرح مسلم» واختاره الأزهريّ. والقول الرّابع: أنّ آله ﷺ هم الأتقياء من أمّته، حكاه القاضي حسين والرّاغب وجماعة «١» .

стр. 686

أزواجه ﷺ * خديجة بنت خويلد «١» ﵂: هي خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزّى بن قصيّ بن كلاب، تزوّجها ﷺ بمكّة، وهو ابن خمس وعشرين سنة، وبقيت معه إلى أن أكرمه الله برسالته، فآمنت به ونصرته، فكانت له وزير صدق، وماتت قبل الهجرة بثلاث سنين، على الأصحّ، وقيل: بأربع، وقيل: بخمس، ولها خصائص- ﵂: منها: أنّه ﷺ لم يتزوّج عليها غيرها. ومنها: أنّ أولاده ﷺ كلّهم منها إلّا إبراهيم ﵇، فإنّه من سرّيّته مارية. ومنها: أنّها خير نساء الأمّة. واختلف في تفضيلها على عائشة- ﵂ على ثلاثة أقوال، ثالثها: الوقف. ومن خصائصها أنّ الله سبحانه بعث إليها السّلام مع جبريل ﵇، فبلّغها رسول الله ﷺ ذلك. عن أبي هريرة- ﵁ قال: «أتى جبريل النّبيّ ﷺ ، فقال: يا رسول الله، هذه خديجة قد أتت معها إناء فيه إدام أو طعام أو شراب فإذا هي أتتك فاقرأ ﵍ من ربّها ومنّي، وبشّرها ببيت في الجنّة من قصب «٢» لا صخب فيه ولا نصب «٣» » «٤» . ومن خصائصها- ﵂ أنّها لم تسؤه قطّ ولن تغاضبه ولم ينلها منه إيلاء ولا عتب قطّ ولا هجر، وكفى به منقبة وفضيلة. ومن خواصّها أنّها أوّل امرأة آمنت بالله ورسوله من هذه الأمّة.

стр. 687

سودة بنت زمعة «١» ﵂: وهى سودة بنت زمعة بن قيس بن عبد شمس بن عبدودّ بن نضر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤيّ، كبرت عنده، وأراد طلاقها، فوهبت يومها لعائشة- ﵂ فأمسكها «٢» . وهذا من خواصّها أنّها آثرت بيومها حبّ رسول الله ﷺ تقرّبا إلى رسول الله ﷺ وحبّا له، وإيثارا لمقامها معه، فكان يقسم لنسائه، ولا يقسم لها وهي راضية بذلك، مؤثرة لرضى رسول الله ﷺ ، ﵂ «٣» . عائشة بنت أبي بكر «٤» ﵄: هي عائشة بنت أبي بكر بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرّة بن كعب بن لؤيّ القرشيّ التّيميّ «٥» ﵄ تزوّجها رسول الله ﷺ وهي بنت ستّ سنين قبل الهجرة بسنتين، وقيل: بثلاث، وبنى بها بالمدينة أوّل مقدمه في السّنة الأولى، وهي بنت تسع «٦» ، ومات عنها وهي بنت ثمان عشرة، وتوفّيت بالمدينة، ودفنت بالبقيع، وأوصت أن يصلّي عليها أبو هريرة- ﵁ سنة ثمان وخمسين. ومن خصائصها أنّها كانت أحبّ أزواج رسول الله ﷺ إليه، كما ثبت عنه ذلك في البخاريّ، وقد سئل: أيّ النّاس أحبّ إليك؟ قال: «عائشة» قيل: فمن الرّجال؟ قال: «أبوها» «٧» . ومن خصائصها أيضا: أنّه لم يتزوّج امرأة بكرا غيرها. ومن خصائصها: أنّه كان ينزل عليه الوحي وهو في لحافها دون غيرها. ومن خصائصها: أنّ الله لمّا أنزل عليه آية التّخيير بدأ بها، فخيّرها، فقال: «ولا عليك أن لا تعجلي حتّى تستأمري أبويك. فقالت: «أفي هذا أستأمر أبويّ؟ فإنّي أريد الله ورسوله والدّار الآخرة» «٨» . فاستنّ بها بقيّة أزواجه ﷺ وقلن كما قالت. ومن خصائصها: أنّ الله سبحانه برّأها ممّا رماها به أهل الإفك، وأنزل في عذرها وبراءتها وحيا يتلى في محاريب المسلمين وصلواتهم إلى يوم القيامة.

стр. 688

ومن خصائصها- ﵂: أنّ الأكابر من الصّحابة- ﵃ كان إذا أشكل عليهم أمر من الدّين، استفتوها، فيجدون علمه عندها. ومن خصائصها: أنّ رسول الله ﷺ توفّي في بيتها، وفي يومها وبين سحرها ونحرها «١» ، ودفن في بيتها «٢» . ومن خصائصها: أنّ الملك أرى صورتها للنّبيّ ﷺ قبل أن يتزوّجها في سرقة حرير، فقال النّبيّ ﷺ : إن يكن هذا من عند الله يمضه» «٣» . ومن خصائصها: أنّ النّاس كانوا يتحرّون بهداياهم يومها من رسول الله ﷺ ، تقرّبا إلى رسول الله ﷺ فيتحفونه بما يحبّ في منزل أحبّ نسائه إليه ﷺ ورضي الله عنهنّ أجمعين. حفصة بنت عمر «٤» ﵄: هي حفصة بنت عمر بن الخطّاب- ﵄ تزوّجها رسول الله ﷺ وكانت قبله عند خنيس بن حذافة، وكان من أصحاب رسول الله ﷺ وممّن شهد بدرا «٥» . توفّيت سنة سبع، وقيل: ثمان وعشرين. ومن خواصّها: ما ذكره الحافظ أبو محمّد المقدسيّ في مختصره في السّيرة: أنّ النّبيّ ﷺ طلّقها، فأتاه جبريل، فقال: إنّ الله يأمرك أن تراجع حفصة فإنّها صوّامة قوّامة، وإنّها زوجتك في الجنّة» «٦» . أمّ حبيبة «٧» ﵂: هي رملة بنت صخر بن حرب بن أميّة بن عبد شمس بن عبد مناف، هاجرت مع زوجها عبيد الله بن جحش إلى أرض الحبشة، فتنصّر بالحبشة، وأتمّ الله لها الإسلام، وتزوّجها رسول الله ﷺ ، وهي بأرض الحبشة، وأصدقها عنه النّجاشيّ أربعمائة دينار» ، وبعث رسول الله ﷺ عمرو بن أميّة الضّمريّ إلى النّجاشيّ يخطبها، وولي نكاحها عثمان بن عفّان، وقيل: خالد بن سعيد بن العاص. وهي الّتي أكرمت فراش رسول الله ﷺ أن يجلس عليه أبوها لمّا قدم المدينة، وقالت: «إنّك مشرك» ومنعته من الجلوس عليه «٩» .

стр. 689

أمّ سلمة «١» ﵂: هي هند بنت أبي أميّة بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن مرّة بن كعب بن لؤيّ بن غالب، وكانت قبله عند أبي سلمة بن عبد الأسد «٢» . توفّيت سنة اثنتين وستّين ودفنت بالبقيع، وهي آخر أزواج رسول الله ﷺ موتا: وقيل: بل ميمونة. ومن خصائصها: أنّ جبريل دخل على النّبيّ ﷺ وهي عنده، فرأته في صورة دحية الكلبيّ، ففي «صحيح مسلم» عن أبي عثمان قال: «أنبئت أنّ جبريل أتى النّبيّ ﷺ ، وعنده أمّ سلمة، قال: فجعل يتحدّث ثمّ قام، فقال نبيّ الله ﷺ لأمّ سلمة «من هذا؟» - أو كما قال- قالت: هذا دحية الكلبيّ، قالت: وأيم الله ما حسبته إلّا إيّاه، حتّى سمعت خطبة نبّيّ الله ﷺ يخبر خبر جبريل أو كما قال. قال: سليمان التّيميّ: فقلت لأبي عثمان: ممّن سمعت هذا الحديث؟ قال: من أسامة بن زيد «٣» . زينب بنت جحش «٤» ﵂: هي زينب بنت جحش من بني خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر، وهي بنت عمّته أميمة بنت عبد المطّلب، وكانت قبل عند مولاه زيد بن حارثة، وطلّقها، فزوّجها الله تعالى إيّاه من فوق سبع سموات، وأنزل عليه: فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها «٥» . فقام فدخل عليها بلا استئذان «٦» . وكانت تفخر بذلك على سائر أزواج رسول الله ﷺ وتقول: «زوّجكنّ أهاليكنّ، وزوّجني الله من فوق سبع سماواته» «٧» . وهذا من خصائصها، توفّيت بالمدينة سنة عشرين ودفنت بالبقيع- ﵂. زينب بنت خزيمة «٨» ﵂: هي زينب بنت خزيمة الهلاليّة، وكانت تحت عبد الله بن جحش «٩» . تزوّجها رسول الله ﷺ سنة ثلاث من الهجرة، وكانت تسمّى أمّ المساكين لكثرة إطعامها المساكين، ولم تلبث عند رسول الله ﷺ يسيرا شهرين أو ثلاثة، وتوفّيت- ﵂.

стр. 690

جويرية بنت الحارث «١» ﵂: وتزوّج رسول الله ﷺ جويرية بنت الحارث من بني المصطلق وكانت سبيت في غزوة بني المصطلق، فوقعت في سهم ثابت بن قيس، فكاتبها، فقضى رسول الله ﷺ كتابتها وتزوّجها سنة ستّ من الهجرة، وتوفّيت سنة ستّ وخمسين، وهي الّتي أعتق المسلمون بسببها مائة أهل بيت من الرّقيق، وقالوا: أصهار رسول الله ﷺ ، وكان ذلك من بركتها على قومها- ﵂ «٢» . صفيّة بنت حيّي «٣» ﵂: وتزوّج رسول الله ﷺ صفيّة بنت حييّ من ولد هارون بن عمران أخي موسى، سنة سبع، فإنّها سبيت من خيبر، وكانت قبله تحت كنانة بن أبي الحقيق فقتله رسول الله ﷺ ، توفّيت سنة ستّ وثلاثين، وقيل: سنة خمسين. ومن خصائصها: أنّ رسول الله ﷺ أعتقها وجعل عتقها صداقها «٤» . وقال أنس «أمهرها نفسها» وصار ذلك سنّة للأمّة إلى يوم القيامة أنّه يجوز للرّجل أن يجعل عتق جاريته صداقها وتصير زوجته. ميمونة بنت الحارث «٥» ﵂: وتزوّج رسول الله ﷺ ميمونة بنت الحارث الهلاليّة تزوّجها بسرف وبنى بها بسرف، وماتت بسرف، وهو على سبعة أميال من مكّة وهي آخر من تزوّج من أمّهات المؤمنين، توفّيت سنة ثلاث وستّين، وهي خالة عبد الله بن عبّاس- ﵄ فإنّ أمّه أمّ الفضل بنت الحارث، وهي خالة خالد بن الوليد أيضا، وهي الّتي اختلف في نكاح النّبيّ ﷺ ، هل نكحها حلالا أو محرما؟ فالصحيح أنّه تزوّجها حلالا كما قال أبو رافع «٦» . السّفير في نكاحها. قال المؤلّف- ﵀: وقد غلط من قال: نكحها محرما، وتقديم حديث من قال: «تزوّجها حلالا» من عشرة أوجه مذكورة في غير هذا الموضع «٧» . فهؤلاء جملة من دخل بهنّ من النّساء وهنّ إحدى عشرة. قال الحافظ أبو محمّد المقدسيّ وغيره: وعقد على سبع ولم يدخل بهنّ. فالصّلاة على أزواجه تابعة لاحترامهنّ وتحريمهنّ على الأمّة، وأنّهنّ نساؤه ﷺ في الدّنيا والآخرة، فمن فارقها في حياتها ولم يدخل بها لا يثبت لها أحكام زوجاته اللّاتي دخل بهنّ، ومات عنهنّ صلّى الله عليه وعلى أزواجه وذرّيّته وسلّم تسليما.

стр. 691

بيان معنى الذّرّيّة وأمّا الذّرّيّة فالكلام فيها في مسألتين: المسألة الأولى: في لفظها، وفيها ثلاثة أقوال: أصحّها: أنّها من ذرأ الله الخلق، أي نشرهم وأظهرهم إلّا أنّهم تركوا همزها استثقالا، فأصلها «ذرّيئة» بالهمز فعّيلة من الذّرء، وهذا اختيار صاحب «الصّحاح» وغيره «١» . المسألة الثّانية: في هذه اللّفظة: لا خلاف بين أهل اللّغة أنّ الذّرّيّة تقال على الأولاد الصّغار وعلى الكبار أيضا. قال تعالى: وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي «٢» . وقال تعالى: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ* ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ «٣» . وقال تعالى: وَمِنْ آبائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوانِهِمْ وَاجْتَبَيْناهُمْ وَهَدَيْناهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ «٤» . وقال تعالى: وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا* ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً «٥» . وهل تقال الذّرّيّة على الآباء؟ فيه قولان: أحدهما: أنّهم يسمّون ذرّيّة أيضا. وأنكر ذلك جماعة من أهل اللّغة، وقالوا: لا يجوز هذا في اللّغة، والذّرّيّة كالنّسل والعقب، لا تكون إلّا للعمود الأسفل، ولهذا قال تعالى: وَمِنْ آبائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوانِهِمْ. فذكر جهات النّسب الثّلاث من فوق، ومن أسفل، ومن الأطراف. قال المؤلّف- ﵀: إذا ثبت هذا، فالذّرّيّة: الأولاد وأولادهم، وهل يدخل فيها أولاد البنات؟ فيه قولان هما روايتان عن أحمد، إحداهما: يدخلون وهو مذهب الشّافعيّ، والثّانية: لا يدخلون وهو مذهب أبي حنيفة. ثمّ ذكر أدلّة القولين.

стр. 692

فصل في ذكر إبراهيم خليل الرّحمن ﷺ هذا الاسم (إبراهيم) بالسّريانيّة معناه: «أب رحيم» والله سبحانه جعل إبراهيم الأب الثّالث للعالم، فإنّ أبانا الأوّل آدم، والأب الثّاني نوح، وأهل الأرض كلّهم من ذرّيّته، كما قال تعالى: وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ «١» . وبهذا يتبيّن كذب المفترين من العجم الذّين يزعمون أنّهم لا يعرفون نوحا ولا ولده، ولا ينسبون إليه، وينسبون ملوكهم من آدم إليهم، ولا يذكرون نوحا في أنسابهم، وقد أكذبهم الله في ذلك. فالأب الثّالث أبو الآباء، وعمود العالم، وإمام الحنفاء الّذي اتّخذه الله خليلا، وجعل النّبوّة والكتاب في ذرّيّته، ذلك خليل الرّحمن وشيخ الأنبياء كما سمّاه النّبيّ ﷺ بذلك، فإنّه لمّا دخل الكعبة، وجد المشركين قد صوّروا فيها صورته وصورة إسماعيل ابنه وهما يستقسمان بالأزلام، فقال: «قاتلهم الله، لقد علموا أنّ شيخنا لم يكن يستقسم بالأزلام» «٢» . ولم يأمر الله رسوله ﷺ أن يتّبع ملّة أحد من الأنبياء غيره فقال تعالى: ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ «٣» . وأمر أمّته بذلك فقال تعالى: هُوَ اجْتَباكُمْ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ «٤» . و «ملّة» منصوب على إضمار فعل، أي: اتّبعوه والزموا ملّة أبيكم. ودلّ على المحذوف ما تقدّم من قوله: وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ «٥» . وكان رسول الله ﷺ يوصي أصحابه إذا أصبحوا وإذا أمسوا أن يقولوا: «أصبحنا على فطرة الإسلام وكلمة الإخلاص، ودين نبيّنا محمّد وملّة أبينا إبراهيم حنيفا مسلما وما كان من المشركين» «٦» . فتأمّل هذه الألفاظ كيف جعل الفطرة للإسلام، فإنّه فطرة الله الّتي فطر النّاس عليها، وكلمة الإخلاص: هي شهادة أن لا إله إلّا الله تعالى والملّة لإبراهيم فإنّه صاحب الملّة: وهي التّوحيد وعبادة الله وحده لا شريك له، ومحبّته فوق كلّ محبّة، والدّين للنّبيّ ﷺ ، وهو دينه الكامل وشرعه التّامّ الجامع لذلك كلّه، وسمّاه الله سبحانه «إماما» و «أمّة» و «قانتا» و «حنيفا» . قال تعالى: وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ

стр. 693

إِماماً قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ «١» . فأخبر سبحانه أنّه جعله إماما للنّاس، وأنّ الظّالم من ذرّيّته لا ينال رتبة الإمامة. والظّالم: هو المشرك، وأخبر سبحانه أنّ عهده بالإمامة لا ينال من أشرك به. وقال تعالى: إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ* شاكِراً لِأَنْعُمِهِ اجْتَباهُ وَهَداهُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ* وَآتَيْناهُ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ «٢» . فالأمّة: هو القدوة المعلّم للخير، والقانت: المطيع لله الملازم لطاعته، والحنيف: المقبل على الله، المعرض عمّا سواه. والمقصود: أنّ إبراهيم ﵇: هو أبونا الثّالث، وهو إمام الحنفاء، ويسمّيه أهل الكتاب عمود العالم، وجميع أهل الملل متّفقة على تعظيمه وتولّيه ومحبّته. وكان خير بنيه سيّد ولد آدم محمّد ﷺ يجلّه ويعظّمه ويبجّله ويحترمه، ففي «الصّحيحين» عن أنس بن مالك- رضي الله تعالى عنه- قال: جاء رجل إلى النّبيّ ﷺ فقال: يا خير البريّة، فقال رسول الله ﷺ : «ذاك إبراهيم» «٣» . وسمّاه شيخه، كما تقدّم. وثبت في «صحيح البخاريّ» من حديث سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس- ﵄ عن النّبيّ ﷺ أنّه قال: «إنّكم محشورون حفاة عراة غرلا، ثمّ قرأ كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنا إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ» . وأوّل من يكسى يوم القيامة إبراهيم» «٥» . وكان رسول الله ﷺ أشبه الخلق به، كما في «الصّحيحين» عنه قال: «رأيت إبراهيم فإذا أقرب النّاس شبها به صاحبكم» يعني نفسه ﷺ ، وفى لفظ آخر «وأمّا إبراهيم فانظروا إلى صاحبكم» «٦» . وكان ﷺ يعوّذ أولاد ابنته حسنا وحسينا بتعويذ إبراهيم لإسماعيل وإسحاق، ففي «صحيح البخاريّ» عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس- ﵄ قال: «كان النّبيّ ﷺ يعوّذ الحسن والحسين ويقول: «إنّ أباكما كان يعوّذ بهما إسماعيل وإسحاق: أعوذ بكلمات الله التّامّة من كلّ شيطان وهامّة، ومن كلّ عين لامّة» «٧» . وكان ﷺ أوّل من قرى الضّيف، وأوّل من اختتن، وأوّل من رأى الشّيب، فقال: «ما هذا يا ربّ؟ قال: وقار، قال: ربّ زدني وقارا» .

стр. 694

وتأمّل ثناء الله سبحانه عليه في إكرام ضيفه من الملائكة حيث يقول سبحانه: هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ الْمُكْرَمِينَ* إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ* فَراغَ إِلى أَهْلِهِ فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ* فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قالَ أَلا تَأْكُلُونَ «١» . ففي هذا الثّناء على إبراهيم من وجوه متعدّدة ذكرها المؤلّف فلتراجع. لقد جمعت هذه الآية آداب الضّيافة الّتي هي شرف الآداب، وما عداها من التّكلّفات الّتي هي تخلّف وتكلّف إنّما هي من أوضاع النّاس وعوائدهم وكفى بهذه الآداب شرفا وفخرا، فصلّى الله على نبيّنا وعلى إبراهيم وعلى آلهما وعلى سائر النّبيّين. وقد شهد الله سبحانه بأنّه وفّى ما أمر به، فقال تعالى: أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما فِي صُحُفِ مُوسى * وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى «٢» . قال ابن عبّاس- ﵄: وفّى جميع شرائع الإسلام، ووفّى ما أمر به من تبليغ الرّسالة. وقال تعالى: وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً «٣» . فلمّا أتمّ ما أمر من الكلمات، جعله الله إماما للخلائق يأتمّون به. وكان ﷺ كما قيل: قلبه للرّحمن، وولده للقربان، وبدنه للنّيران، وماله للضّيفان. وهو الّذي بنى بيت الله، وأذّن في النّاس بحجّه، فكلّ من حجّه واعتمره حصل لإبراهيم من مزيد ثواب الله وكرامته بعدد الحجّاج والمعتمرين. قال تعالى: وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى «٤» . فأمر نبيّه ﷺ وأمّته أن يتّخذوا من مقام إبراهيم مصلّى تحقيقا للاقتداء به، وإحياء آثاره صلّى الله على نبيّنا وعليه وسلّم. ومناقب هذا الإمام الأعظم، والنّبيّ الأكرم أجلّ من أن يحيط بها كتاب، جعلنا الله ممّن ائتمّ به، ولا جعلنا ممّن عدل عن ملّته بمنّه وكرمه.

стр. 695

مسألة مشهورة ذكر المؤلّف- ﵀ تفاصيل هذه المسألة: وهي أنّ النّبيّ ﷺ أفضل من إبراهيم، فكيف طلب له من الصّلاة ما لإبراهيم؟ مع أنّ المشبّه به أصله أن يكون فوق المشبّه؟ فكيف الجمع بين هذين الأمرين المتنافيين؟ ثم ذكر- ﵀ ما قاله النّاس في هذا، مع بيان ما فيه من صحيح وفاسد. ثمّ ختم ذلك بقوله: وقالت طائفة أخرى: آل إبراهيم فيهم الأنبياء الّذين ليس في آل محمّد مثلهم، فإذا طلب للنّبيّ ﷺ ولآله من الصّلاة مثل ما لإبراهيم وآله- وفيهم الأنبياء- حصل لآل النّبيّ ﷺ من ذلك ما يليق بهم، فإنّهم لا يبلغون مراتب الأنبياء، وتبقى الزّيادة الّتي للأنبياء وفيهم إبراهيم لمحمّد ﷺ ، فيحصل له بذلك من المزيّة ما لم يحصل لغيره. وتقرير ذلك: أن يجعل الصّلاة الحاصلة لإبراهيم ولآله وفيهم الأنبياء جملة مقسومة على محمّد ﷺ وآله، ولا ريب أنّه لا يحصل لآل النّبيّ ﷺ مثل ما حصل لآل إبراهيم وفيهم الأنبياء، بل يحصل لهم ما يليق بهم، فيبقى قسم النّبيّ ﷺ والزّيادة المتوفّرة الّتي لم يستحقّها آله مختصّة به ﷺ ، فيصير الحاصل له من مجموع ذلك أعظم وأفضل من الحاصل لإبراهيم، وهذا أحسن من كلّ ما تقدّمه. وأحسن منه أن يقال: محمّد ﷺ هو من آل إبراهيم، بل هو خير آل إبراهيم، كما روى عليّ بن أبي طلحة عن أبي طلحة عن ابن عبّاس- ﵄ في قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ «١» . قال ابن عبّاس- ﵄: محمّد من آل إبراهيم، وهذا نصّ فإنّه إذا دخل غيره من الأنبياء الّذين هم من ذرّيّة إبراهيم في آله، فدخول رسول الله ﷺ أولى، فيكون قولنا: «كما صلّيت على آل إبراهيم» متناولا للصّلاة عليه، وعلى سائر النّبيّين من ذرّيّة إبراهيم. ثمّ قد أمرنا الله أن نصلّي عليه وعلى آله خصوصا بقدر ما صلّينا عليه مع سائر آل إبراهيم عموما، وهو فيهم، ويحصل لآله من ذلك ما يليق بهم ويبقى الباقي كلّه له ﷺ . وتقرير هذا أنّه يكون قد صلّى عليه خصوصا، وطلب له من الصّلاة ما لآل إبراهيم وهو داخل معهم، ولا ريب أنّ الصّلاة الحاصلة لآل إبراهيم ورسول الله ﷺ معهم أكمل من الصّلاة الحاصلة له دونهم، فيطلب له من الصّلاة هذا الأمر العظيم الّذي هو أفضل ممّا لإبراهيم قطعا، وتظهر حينئذ فائدة التّشبيه وجريه على أصله، وأنّ المطلوب له من الصّلاة بهذا اللّفظ أعظم من المطلوب له بغيره، فإنّه إذا كان المطلوب بالدّعاء إنّما هو مثل المشبّه

стр. 696

به، وله أوفر نصيب منه، صار له من المشبّه المطلوب أكثر ممّا لإبراهيم وغيره، وانضاف إلى ذلك ممّا له من المشبّه به من الحصّة الّتي لم تحصل لغيره. فظهر بهذا من فضله وشرفه على إبراهيم وعلى كلّ من آله وفيهم النّبيّون ما هو لائق به، وصارت هذه الصّلاة دالّة على هذا التّفضيل وتابعة له، وهي من موجباته ومقتضياته، فصلّى الله عليه وعلى آله وسلّم تسليما كثيرا، وجزاه عنّا أفضل ما جزى نبيّا عن أمّته، اللهمّ صلّ على محمّد وعلى آل محمّد كما صلّيت على آل إبراهيم، إنّك حميد مجيد، وبارك على محمّد وعلى آل محمّد كما باركت على آل إبراهيم، إنّك حميد مجيد.

стр. 697

معنى قوله: «اللهمّ بارك على محمّد وعلى آل محمّد» قال المؤلّف- ﵀: حقيقة البركة: الثّبوت واللّزوم والاستقرار، فمنه برك البعير: إذا استقرّ على الأرض ومنه المبرك لموضع البروك. قال صاحب «الصّحاح» : وكلّ شيء ثبت وأقام، فقد برك. والبرك: الإبل الكثيرة، والبركة بكسر الباء كالحوض، والجمع البرك، ذكره الجوهريّ. قال: ويقال: سمّيت بذلك لإقامة الماء فيها. والبراكاء: الثّبات في الحرب والجدّ فيها، قال الشّاعر «١» : ولا ينجي من الغمرات إلّا ... براكاء القتال أو الفرار والبركة: النّماء والزّيادة، والتبريك: الدّعاء بذلك. ويقال: باركه الله وبارك فيه. وبارك عليه، وبارك له، وفي القرآن: أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَها «٢» ... وفيه: وَبارَكْنا عَلَيْهِ وَعَلى إِسْحاقَ «٣» . وفيه: بارَكْنا فِيها* «٤» . وفي الحديث: «وبارك لي فيما أعطيت» «٥» ... وفي حديث سعد: «بارك الله لك في أهلك ومالك» «٦» . والمبارك: الّذي قد باركه الله سبحانه، كما قال المسيح ﵇: وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ «٧» .. وكتابه مبارك، كما قال تعالى: وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أَنْزَلْناهُ «٨» .. وقال: كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ «٩» ، وهو أحقّ

стр. 698

أن يسمّى مباركا من كلّ شيء، لكثرة خيره ومنافعه، ووجوه البركة فيه، والرّبّ يقال في حقّه «تبارك» ولا يقال: مبارك. ثمّ قالت طائفة منهم الجوهريّ: إنّ «تبارك» بمعنى بارك، مثل قاتل وتقاتل، قال: إلّا أنّ فاعل يتعدّى وتفاعل لا يتعدّى، وهذا غلط عند المحقّقين، وإنّما «تبارك» تفاعل من البركة، وهذا الثّناء في حقّه تعالى، إنّما هو لوصف رجع إليه كتعالى، فإنّه تفاعل من العلوّ، ولهذا يقرن بين هذين اللّفظين فيقال: «﵎» ، وفي دعاء القنوت: «تباركت وتعاليت» وهو سبحانه أحقّ بذلك وأولى من كلّ أحد، فإنّ الخير كلّه بيديه، وكلّ الخير منه، صفاته كلّها صفات كمال، وأفعاله كلّها حكمة، ورحمة، ومصلحة، وخيرات لا شرور فيها، كما قال النّبيّ ﷺ : «والشّرّ ليس إليك» «١» . وإنّما يقع الشّرّ في مفعولاته ومخلوقاته، لا في فعله سبحانه، فإذا كان العبد وغيره مباركا لكثرة خيره ومنافعه واتّصال أسباب الخير فيه، وحصول ما ينتفع به النّاس منه، فالله ﵎ أحقّ أن يكون متباركا، وهذا ثناء يشعر بالعظمة، والرّفعة، والسّعة، كما يقال: تعاظم وتعالى ونحوه، فهو دليل على عظمته، وكثرة خيره، ودوامه، واجتماع صفات الكمال فيه، وأنّ كلّ نفع في العالم كان ويكون، فمن نفعه سبحانه وإحسانه. ويدلّ هذا الفعل أيضا في حقّه على العظمة والجلال وعلوّ الشّأن، ولهذا إنّما يذكره غالبا مفتتحا به كلامه وعظمته وكبرياءه.. قال تعالى: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ «٢» . وقال تعالى: تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً «٣» . فقد ذكر تباركه سبحانه في المواضع الّتي أثنى فيها على نفسه بالجلال والعظمة، والأفعال الدّالّة على ربوبيّته وإلهيّته وحكمته وسائر صفات كماله، من إنزال الفرقان، وخلق العالمين، وانفراده بالملك وكمال القدرة. ولهذا قال أبو صالح عن ابن عبّاس- ﵄: تبارك بمعنى تعالى. وقال أبو عبّاس: تبارك: ارتفع، والمبارك: المرتفع. وقال ابن الأنباريّ: تبارك بمعنى تقدّس، وقال الحسن: تبارك: تجيء البركة من قبله، وقال الضّحّاك: تبارك: تعظّم، وقال الخليل بن أحمد: تمجّد، وقال الحسين بن الفضل: تبارك في ذاته، وبارك من شاء من خلقه. وهذا أحسن الأقوال، فتباركه سبحانه وصف ذات له، وصفة فعل، كما قال الحسين بن الفضل. وقال ابن عطيّة: معناه عظم، وكثرت بركاته، ولا يوصف بهذه اللّفظة إلّا الله .

стр. 699

والمقصود الكلام على قوله: «وبارك على محمّد، وعلى آل محمّد كما باركت على آل إبراهيم» فهذا الدّعاء يتضمّن إعطاءه من الخير ما أعطاه لآل إبراهيم، وإدامته وثبوته له، ومضاعفته له وزيادته، هذا حقيقة البركة، وقد قال تعالى في إبراهيم وآله: وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ* وَبارَكْنا عَلَيْهِ وَعَلى إِسْحاقَ «١» . وقال تعالى فيه وفي أهل بيته: رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ «٢» . وتأمّل كيف جاء في القرآن: وَبارَكْنا عَلَيْهِ وَعَلى إِسْحاقَ ولم يذكر إسماعيل. وجاء في التّوراة ذكر البركة على إسماعيل، ولم يذكر إسحاق كما تقدّمت حكايته، وعن إسماعيل «شمعتك، هانا باركتخ» (أي: ها أنا باركتك) فجاء في التّوراة ذكر البركة في إسماعيل إيذانا بما حصل لبنيه من الخير والبركة، لا سيّما خاتمة بركتهم وأعظمها وأجلّها برسول الله ﷺ ، فنبّههم بذلك على ما يكون في بنيه من هذه البركة العظيمة الموافية على لسان المبارك ﷺ ، وذكر لنا في القرآن بركته على إسحاق منبّها لنا على ما حصل في أولاده من نبوّة موسى ﵇ وغيره، وما أوتوه من الكتاب والعلم مستدعيا من عباده الإيمان بذلك، والتّصديق به، وأن لا يهملوا معرفة حقوق هذا البيت المبارك وأهل النّبوّة منهم، ولا يقول القائل: هؤلاء أنبياء بني إسرائيل لا تعلّق لنا بهم، بل يجب علينا احترامهم، وتوقيرهم، والإيمان بهم، ومحبّتهم، وموالاتهم، والثّناء عليهم، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. ولمّا كان هذا البيت المبارك المطهّر أشرف بيوت العالم على الإطلاق خصّهم الله منه بخصائص: منها: أنّه جعل فيه النّبوّة والكتاب، فلم يأت بعد إبراهيم ﵇ نبيّ إلّا من أهل بيته. ومنها: أنّه سبحانه جعلهم أئمّة يهدون بأمره إلى يوم القيامة، فكلّ من دخل الجنّة من أولياء الله بعدهم، فإنّما دخل من طريقهم وبدعوتهم. ومنها: أنّه سبحانه اتّخذ منهم الخليلين: إبراهيم، ومحمّدا ﷺ ، وقال تعالى: وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا «٣» . وقال النّبيّ ﷺ : «إنّ الله اتّخذني خليلا كما اتّخذ إبراهيم خليلا» «٤» . وهذا من خواصّ البيت. ومنها: أنّه سبحانه جعل صاحب هذا البيت إماما للعالمين، كما قال تعالى: وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً «٥» . ومنها: أنّه أجرى على يديه بناء بيته الّذي جعله قياما للنّاس وقبلة لهم وحجّا، فكان ظهور هذا البيت من

стр. 700

أهل هذا البيت الأكرمين. ومنها: أنّه أمر عباده بأن يصلّوا على أهل البيت، كما صلّى على أهل بيتهم وسلفهم وهم إبراهيم وآله، وهذه خاصّة لهم. ومنها: أنّه أخرج منهم الأمّتين المعظّمتين الّتي لم تخرج من أهل بيت غيرهم، وهم أمّة موسى وأمّة محمّد صلّى الله وسلّم عليهما، وأمّة محمّد ﷺ تمام سبعين أمّة خيرها وأكرمها على الله «١» . ومنها: أنّ الله سبحانه أبقى عليهم لسان صدق وثناء حسنا في العالم، فلا يذكرون إلّا بالثّناء عليهم والصّلاة والسّلام عليهم، قال الله تعالى: وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ* سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ* كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ «٢» . ومنها: جعل أهل هذا البيت فرقانا بين النّاس، فالسّعداء أتباعهم ومحبّوهم ومن تولّاهم، والأشقياء من أبغضهم وأعرض عنهم وعاداهم، فالجنّة لهم ولأتباعهم، والنّار لأعدائهم ومخالفيهم. ومنها: أنّه سبحانه جعل ذكرهم مقرونا بذكره، فيقال: إبراهيم خليل الله ورسوله ونبيّه، ومحمّد رسول الله، وخليله ونبيّه، وموسى كليم الله ورسوله، قال تعالى لنبيّه يذكّره بنعمته عليه: وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ «٣» . قال ابن عبّاس- ﵄ في تفسيرها: إذا ذكرت ذكرت معي، فيقال: لا إله إلّا الله، محمّد رسول الله، في كلمة الإسلام، وفي الأذان، وفي الخطب، وفي التّشهّدات وغير ذلك. ومنها: أنّه سبحانه جعل خلاص خلقه من شقاء الدّنيا والآخرة على أيدي أهل هذا البيت، فلهم على النّاس من النّعم ما لا يمكن إحصاؤها ولا جزاؤها، ولهم المنن الجسام في رقاب الأوّلين والآخرين من أهل السّعادة، والأيادي العظام عندهم الّتي يجازيهم عليها الله . ومنها: أنّ كلّ ضرّ ونفع وعمل صالح وطاعة لله تعالى حصلت في العالم، فلهم من الأجر مثل أجور عامليها، فسبحان من يختصّ بفضله من يشاء من عباده. ومنها: أنّ الله سدّ جميع الطّرق بينه وبين العالمين، وأغلق دونهم الأبواب، فلم يفتح لأحد قطّ إلّا من طريقهم وبابهم. ومنها: أنّه سبحانه خصّهم من العلم بما لم يخصّ به أهل بيت سواهم من العالمين، فلم يطرق العالم أهل بيت أعلم بالله وأسمائه وصفاته وأحكامه وأفعاله وثوابه وعقابه وشرعه ومواقع رضاه وغضبه وملائكته ومخلوقاته

стр. 701

منهم، فسبحان من جمع لهم علم الأوّلين والآخرين. ومنها: أنّه سبحانه خصّهم من توحيده ومحبّته وقربه والاختصاص به، بما لم يختصّ به أهل بيت سواهم. ومنها: أنّه سبحانه مكّن لهم في الأرض واستخلفهم فيها، وأطاع أهل الأرض لهم ما لم يحصل لغيرهم. ومنها: أنّه سبحانه أيّدهم ونصرهم وأظفرهم بأعدائه وأعدائهم بما لم يؤيّد غيرهم. ومنها: أنّه سبحانه محابهم من آثار أهل الضّلال والشّرك، ومن الآثار الّتي يبغضها ويمقتها ما لم يمحه بسواهم. ومنها: أنّه سبحانه غرس لهم من المحبّة والإجلال والتّعظيم في قلوب العالمين ما لم يغرسه لغيرهم. ومنها: أنّه سبحانه جعل آثارهم في الأرض سببا لبقاء العالم وحفظه، فلا يزال العالم باقيا ما بقيت آثارهم، فإذا ذهبت آثارهم من الأرض، فذاك أوان خراب العالم. قال الله تعالى: جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ «١» . قال ابن عبّاس- ﵄ في تفسيرها: لو ترك النّاس كلّهم الحجّ، لوقعت السّماء على الأرض. وقال: «لو ترك النّاس كلّهم الحجّ لما نظروا. وأخبر النّبيّ ﷺ أنّ في آخر الزّمان يرفع الله بيته من الأرض وكلامه من المصاحف وصدور الرّجال «٢» . فلا يبقى له في الأرض بيت يحجّ ولا كلام يتلى، فحينئذ يقرب خراب العالم، وهكذا النّاس اليوم إنّما قيامهم بقيام آثار نبيّهم وشرائعه بينهم، وقيام أمورهم، وحصول مصالحهم، واندفاع أنواع البلاء والشّرّ عنهم بحسب ظهورها بينهم وقيامها، وهلاكهم وعنتهم وحلول البلاء والشّرّ بهم عند تعطّلها والإعراض عنها، والتّحاكم إلى غيرها، واتّخاذ سواها. ومن تأمّل تسليط الله سبحانه على من سلّطه على البلاد والعباد من الأعداء، علم أنّ ذلك بسبب تعطيلهم لدين نبيّهم وسننه وشرائعه، فسلّط الله عليهم من أهلكهم وانتقم منهم، حتّى إنّ البلاد الّتي لآثار الرّسول ﷺ وسننه وشرائعه فيها ظهور دفع عنها بحسب ظهور ذلك بينهم. وهذه الخصائص وأضعاف أضعافها من آثار رحمة الله وبركاته على أهل هذا البيت، فلهذا أمرنا رسول الله ﷺ أن نطلب له من الله تعالى أن يبارك عليه، وعلى آله، كما بارك على هذا البيت المعظّم صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.

стр. 702

ومن بركات أهل هذا البيت، أنّه سبحانه أظهر على أيديهم من بركات الدّنيا والآخرة ما لم يظهره على يدي أهل بيت غيرهم. ومن بركاتهم وخصائصهم أنّ الله سبحانه أعطاهم من خصائصهم ما لم يعط غيرهم، فمنهم من اتّخذه خليلا، ومنهم الذّبيح، ومنهم من كلّمه تكليما، وقرّبه نجيّا، ومنهم من آتاه شطر الحسن، وجعله من أكرم النّاس عليه، ومنهم من آتاه ملكا لم يؤته أحدا غيره، ومنهم من رفعه مكانا عليّا. ولمّا ذكر هذا البيت وذرّيّته، أخبر أنّ كلّهم فضّله على العالمين. ومن خصائصهم وبركاتهم على أهل الأرض أنّ الله سبحانه رفع العذاب العامّ عن أهل الأرض بهم وببعثهم، وكانت عادته سبحانه في أمم الأنبياء قبلهم أنّهم إذا كذّبوا أنبياءهم ورسلهم، أهلكهم بعذاب يعمّهم، كما فعل بقوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وقوم لوط، فلمّا أنزل الله التّوراة والإنجيل والقرآن، رفع بها العذاب العامّ عن أهل الأرض، وأمر بجهاد من كذّبهم وخالفهم، فكان ذلك نصرة لهم بأيديهم، وشفاء لصدورهم واتّخاذ الشّهداء منهم، وإهلاك عدوّهم بأيديهم، لتحصيل محابّه سبحانه على أيديهم، وحقّ لأهل بيت هذا بعض فضائلهم أن لا تزال الألسن رطبة بالصّلاة عليهم والسّلام والثّناء والتعظيم، والقلوب ممتلئة من تعظيمهم ومحبّتهم وإجلالهم، وأن يعرف المصلّي عليهم أنّه لو أنفق أنفاسه كلّها في الصّلاة عليهم ما وفّى القليل من حقّهم، فجزاهم الله عن بريّته أفضل الجزاء، وزادهم في الملأ الأعلى تعظيما وتشريفا وتكريما، وصلّى عليهم صلاة دائمة لا انقطاع لها، وسلّم تسليما.

стр. 703

فصل في اختتام هذه الصّلاة بهذين الاسمين من أسماء الرّبّ وهما: «الحميد والمجيد» الحميد: فعيل من الحمد، وهو بمعنى محمود، وأكثر ما يأتي فعيلا في أسمائه تعالى بمعنى فاعل، كسميع، وبصير، وعليم، وقدير، وعليّ، وحكيم، وحليم، وهو كثير، وكذلك فعول، كغفور، وشكور، وصبور. فالحميد هو الّذي له من الصّفات وأسباب الحمد ما يقتضي أن يكون محمودا وإن لم يحمده غيره، فهو حميد في نفسه، والمحمود من تعلّق به حمد الحامدين، وهكذا المجيد والممجّد، والكبير والمكبّر، والعظيم والمعظّم، والحمد والمجد إليهما يرجع الكمال كلّه، فإنّ الحمد يستلزم الثّناء والمحبّة للمحمود، فمن أحببته ولم تثن عليه، لم تكن حامدا له حتّى تكون مثنيا عليه محبّا له، وهذا الثّناء والحبّ تبع للأسباب المقتضية له، وهو ما عليه المحمود من صفات الكمال، ونعوت الجلال والإحسان إلى الغير، فإنّ هذه هي أسباب المحبّة، وكلّما كانت هذه الصّفات أجمع وأكمل، كان الحمد والحبّ أتمّ وأعظم، والله سبحانه له الكمال المطلق الّذي لا نقص فيه بوجه مّا، والإحسان كلّه له ومنه، فهو أحقّ بكلّ حمد، وبكلّ حبّ من كلّ جهة، فهو أهل أن يحبّ لذاته ولصفاته ولأفعاله ولأسمائه ولإحسانه، ولكلّ ما صدر منه . وأمّا المجد، فهو مستلزم للعظمة والسّعة والجلال، والحمد يدلّ على صفات الإكرام، والله ذو الجلال والإكرام، وهذا معنى قول العبد «لا إله إلّا الله والله أكبر» فلا إله إلّا الله دالّ على ألوهيّته وتفرّده فيها، فألوهيّته تستلزم محبّته التّامّة «الله أكبر» دالّ على مجده وعظمته، وذلك يستلزم تمجيده وتعظيمه وتكبيره، ولهذا يقرن سبحانه بين هذين النّوعين في القرآن كثيرا، كقوله: رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ «١» . وقوله تعالى: وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً» ، فأمر بحمده وتكبيره. وقال تعالى: تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ «٣» . وقال تعالى: وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ «٤» .

стр. 704

وفي «المسند» و «صحيح أبي حاتم» وغيره من حديث أنس عن النّبيّ ﷺ أنّه قال: «ألظّوا بياذا الجلال والإكرام» «١» يعني الزموها وتعلّقوا بها، فالجلال والإكرام: هو الحمد والمجد، ونظير هذا قوله: فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ «٢» . وقوله تعالى: فَإِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيراً «٣» . وقوله تعالى: وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ «٤» . وقوله: وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ* ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ «٥» . وهو كثير في القرآن. وفي الحديث الصّحيح حديث دعاء الكرب «لا إله إلّا الله العظيم الحليم، لا إله إلّا الله ربّ العرش العظيم، لا إله إلّا الله ربّ السّماوات وربّ الأرض وربّ العرش الكريم» «٦» . فذكر هذين الاسمين «الحميد المجيد» عقيب كلّ الصّلاة على النّبيّ ﷺ وعلى آله مطابق لقوله تعالى: رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ «٧» . ولمّا كانت الصّلاة على النّبيّ ﷺ وهي ثناء الله تعالى عليه وتكريمه، والتّنويه به، ورفع ذكره، وزيادة حبّه، وتقريبه، كما تقدّم، كانت مشتملة على الحمد والمجد، فكأنّ المصلّي طلب من الله تعالى أن يزيد في حمده ومجده، فإنّ الصّلاة عليه هي نوع حمد له وتمجيد، هذا حقيقتها، فذكر في هذا المطلوب الاسمين المناسبين له، وهما اسما الحميد والمجيد. فلمّا كان المطلوب للرّسول ﷺ حمدا ومجدا بصلاة الله عليه، ختم هذا السّؤال باسمي «الحميد والمجيد» وأيضا فإنّه لمّا كان المطلوب للرّسول ﷺ حمدا ومجدا، وكان ذلك حاصلا له، ختم ذلك بالإخبار عن ثبوت ذينك الوصفين للرّبّ بطريق الأولى، إذ كلّ كمال في العبد غير مستلزم للنّقص، فالرّبّ أحقّ به. وأيضا فإنّه لمّا طلب للرّسول حمدا ومجدا بالصّلاة عليه، وذلك يستلزم الثّناء عليه، ختم هذا المطلوب بالثّناء على مرسله بالحمد والمجد، فيكون هذا الدّعاء متضمّنا لطلب الحمد والمجد للرّسول ﷺ والإخبار عن ثبوته للرّبّ .

стр. 705

الصّلاة على غير النّبيّ ﷺ أمّا سائر الأنبياء والمرسلين، فيصلّى عليهم ويسلّم، قال تعالى عن نوح- ﵇: وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ* سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ* إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ «١» . وقال عن إبراهيم خليله: وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ* سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ «٢» . وقال في موسى وهارون: وَتَرَكْنا عَلَيْهِما فِي الْآخِرِينَ* سَلامٌ عَلى مُوسى وَهارُونَ «٣» . وقال تعالى: سَلامٌ عَلى إِلْ ياسِينَ «٤» . فالّذي تركه سبحانه على رسله في الآخرين هو السّلام عليهم المذكور. وقد قال جماعة من المفسّرين، منهم مجاهد وغيره: وتركنا عليهم في الآخرين: الثّناء الحسن، ولسان الصّدق للأنبياء كلّهم، وهذا قول قتادة أيضا ولا ينبغي أن يحكى هذا قولين للمفسّرين، كما يفعله من له عناية بحكاية الأقوال. بل هما قول واحد، فمن قال: إنّ المتروك هو السّلام عليهم في الآخرين نفسه، فلا ريب أنّ قوله: سَلامٌ عَلى نُوحٍ جملة في موضع نصب ب «تركنا» والمعنى: أنّ العالمين يسلّمون على نوح ومن بعده من الأنبياء، ومن فسّره بلسان الصّدق والثّناء الحسن، نظر إلى لازم السّلام وموجبه، وهو الثّناء عليهم وما جعل لهم من لسان الصّدق الّذي لأجله إذا ذكروا، سلّم عليهم. وأمّا الصّلاة عليهم، فقد حكى غير واحد الإجماع على أنّ الصّلاة على جميع النّبيّين مشروعة منهم الشّيخ محيي الدّين النّوويّ- ﵀ وغيره، وقد حكي عن مالك رواية أنّه لا يصلّي على غير نبيّنا ﷺ ، ولكن قال أصحابه: هي مؤوّلة بمعنى أنّا لم نتعبّد بالصّلاة على غيره من الأنبياء، كما تعبّدنا الله بالصّلاة عليه ﷺ . الصّلاة على آل النّبيّ ﷺ وأمّا من سوى الأنبياء، فإنّ آل النّبيّ ﷺ يصلّي عليهم بغير خلاف بين الأمّة. واختلف موجبو الصّلاة على النّبيّ ﷺ في وجوبها على آله على قولين مشهورين لهم.
следующие страницы →