← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 22798

نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (6 530 стр.). Показаны 6406–6445 · переход к 6411.

стр. 6406

الآيات الواردة في «الهجر» ١- الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ فَالصَّالِحاتُ قانِتاتٌ حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ بِما حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيراً (٣٤) وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً خَبِيراً (٣٥) «١» ٢- وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا (٤١) إِذْ قالَ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً (٤٢) يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِراطاً سَوِيًّا (٤٣) يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمنِ عَصِيًّا (٤٤) يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا (٤٥) قالَ أَراغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (٤٦) قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا (٤٧) وَأَعْتَزِلُكُمْ وَما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُوا رَبِّي عَسى أَلَّا أَكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا (٤) «٢» ٣- يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (٤) إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (٥) إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلًا (٦) إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحاً طَوِيلًا (٧) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (٨) رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا (٩) وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلًا (١٠) «٣» ٤- يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥) «٤»

стр. 6407

الأحاديث الواردة في ذمّ (الهجر) ١-* (عن عوف بن مالك بن الطّفيل- هو ابن الحارث وهو ابن أخي عائشة زوج النّبيّ ﷺ لأمّها- أنّ عائشة حدّثت أنّ عبد الله بن الزّبير قال في بيع أو عطاء أعطته عائشة: والله لتنتهينّ عائشة أو لأحجرنّ عليها. فقالت: أهو قال هذا؟ قالوا: نعم. قالت: هو لله عليّ نذر أن لا أكلّم ابن الزّبير أبدا. فاستشفع ابن الزّبير إليها حين طالت الهجرة، فقالت: لا، والله لا أشفّع فيه أبدا، ولا أتحنّث إلى نذري. فلمّا طال ذلك على ابن الزّبير كلّم المسور بن مخرمة وعبد الرّحمن بن الأسود بن عبد يغوث- وهما من بني زهرة- وقال لهما: أنشدكما بالله لما أدخلتماني على عائشة، فإنّها لا يحلّ لها أن تنذر قطيعتي. فأقبل به المسور وعبد الرّحمن مشتملين بأرديتهما حتّى استأذنا على عائشة فقالا: السّلام عليك ورحمة الله وبركاته. أندخل؟ قالت عائشة: ادخلوا. قالوا: كلّنا؟ قالت: نعم، ادخلوا كلّكم- ولا تعلم أنّ معهما ابن الزّبير- فلمّا دخلوا دخل ابن الزّبير الحجاب فاعتنق عائشة، وطفق يناشدها ويبكي، وطفق المسور وعبد الرّحمن يناشدانها إلّا ما كلّمته وقبلت منه، ويقولان: إنّ النّبيّ ﷺ نهى عمّا قد علمت من الهجرة؛ فإنّه لا يحلّ لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال، فلمّا أكثروا على عائشة من التّذكرة والتّحريج طفقت تذكّرهما وتبكي وتقول: إنّي نذرت والنّذر شديد. فلم يزالا بها حتّى كلّمت ابن الزّبير. وأعتقت في نذرها ذلك أربعين رقبة. وكانت تذكر نذرها بعد ذلك فتبكي حتّى تبلّ دموعها خمارها» ) * «١» . ٢-* (عن عائشة- ﵂ قالت: قال لي رسول الله ﷺ : «إنّي لأعلم إذا كنت عنّي راضية، وإذا كنت عليّ غضبى، قالت: فقلت: من أين تعرف ذلك؟ فقال: «أمّا إذا كنت عنّي راضية فإنّك تقولين: لا، وربّ محمّد، وإذا كنت غضبى قلت: لا، وربّ إبراهيم، قالت: قلت: أجل، والله يا رسول الله، ما أهجر إلّا اسمك» ) * «٢» . ٣-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّ رسول الله ﷺ ، قال: «تفتح أبواب الجنّة يوم الاثنين، ويوم الخميس. فيغفر لكلّ عبد لا يشرك بالله شيئا إلّا رجلا كانت بينه وبين أخيه شحناء. فيقال: أنظروا هذين حتّى يصطلحا. أنظروا هذين حتّى يصطلحا. أنظروا هذين حتّى يصطلحا» . وفيه رواية عن عبد العزيز الدّراورديّ: «إلّا المتهاجرين» من رواية ابن عبدة. وقال قتيبة: «إلّا المهتجرين» ) * «٣» . ٤-* (عن ابن عبّاس- ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تحلّ الهجرة فوق ثلاثة أيّام، فإن التقيا فسلّم أحدهما فردّ الآخر اشتركا في الأجر، وإن لم يردّ برىء هذا من الإثم، وباء به الآخر،

стр. 6408

وأحسبه قال: وإن ماتا وهما متهاجران لا يجتمعان في الجنّة» ) «١» . ٥-* (عن أبي هريرة- ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: «لا تهجر امرأة فراش زوجها إلّا لعنتها ملائكة الله- » ) * «٢» . ٦-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: «لا تهجّروا «٣» ، ولا تدابروا، ولا تحسّسوا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض. وكونوا عباد الله إخوانا» ) * «٤» . ٧-* (عن أبي أيّوب الأنصاريّ- ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: «لا يحلّ لرجل أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال، يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهما الّذي يبدأ بالسّلام» ) * «٥» . ٨-* (عن هشام بن عامر بن أميّة الأنصاريّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يحلّ لمسلم أن يهجر مسلما فوق ثلاث ليال، فإنّهما ناكبان عن الحقّ ما داما على صرامهما وأوّلهما فيئا يكون سبقه بالفيء كفّارة له، وإن سلّم فلم يقبل وردّ عليه سلامه ردّت عليه الملائكة، وردّ على الآخر الشّيطان، فإن ماتا على صرامهما لم يدخلا الجنّة جميعا أبدا» ) * «٦» . ورواه أبو بكر بن أبي شيبة إلّا أنّه قال: «قال رسول الله ﷺ : «لا يحلّ أن يصطرما فوق ثلاث، فإن اصطرما فوق ثلاث لم يجتمعا في الجنّة أبدا، وأيّهما بدأ صاحبه كفّرت ذنوبه، وإن هو سلّم فلم يردّ عليه ولم يقبل سلامه ردّ عليه الملك، وردّ على ذلك الشّيطان» . ٩-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يحلّ لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث، فمن هجر فوق ثلاث فمات، دخل النّار» ) * «٧» . ١٠-* (عن عائشة- ﵂ أنّ رسول الله ﷺ قال: «لا يكون لمسلم أن يهجر مسلما فوق ثلاثة، فإذا لقيه سلّم عليه ثلاث مرار كلّ ذلك لا يردّ عليه، فقد باء بإثمه» ) * «٨» . ١١-* (عن ابن عبّاس- ﵄ قال: لم أزل حريصا أن أسأل عمر عن المرأتين من أزواج النّبيّ ﷺ اللّتين قال الله تعالى: إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما (التحريم/ ٤) . حتّى حجّ عمر وحججت معه. فلمّا كنّا ببعض الطّريق عدل عمر وعدلت معه بالإداوة فتبرّز، ثمّ أتاني فسكبت على يديه، فتوضّأ فقلت: يا أمير المؤمنين، من المرأتان من

стр. 6409

أزواج النّبيّ ﷺ اللّتان قال الله- لهما: إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما (التحريم/ ٤) قال عمر: وا عجبا لك يا ابن عبّاس (قال الزّهريّ: كره، والله ما سأله عنه ولم يكتمه) قال: هي حفصة وعائشة، ثمّ أخذ يسوق الحديث. قال: كنّا معشر قريش قوما نغلب النّساء. فلمّا قدمنا المدينة وجدنا قوما تغلبهم نساؤهم، فطفق نساؤنا يتعلّمن من نسائهم. قال: وكان منزلي في بني أميّة بن زيد بالعوالي «١» . فتغضّبت يوما على امرأتي فإذا هي تراجعني. فأنكرت أن تراجعني، فقالت: ما تنكر أن أراجعك؟ فو الله إنّ أزواج النّبيّ ﷺ ليراجعنه، وتهجره إحداهنّ اليوم إلى اللّيل. فانطلقت فدخلت على حفصة فقلت: أتراجعين رسول الله ﷺ ؟ فقالت: نعم. فقلت: أتهجره إحداكنّ اليوم إلى اللّيل؟ قالت: نعم. قلت: قد خاب من فعل ذلك منكنّ وخسر. أفتأمن إحداكنّ أن يغضب الله عليها لغضب رسوله ﷺ فإذا هي قد هلكت؟ لا تراجعي رسول الله ﷺ ، ولا تسأليه شيئا، وسليني ما بدا لك، ولا يغرّنّك أن كانت جارتك «٢» هي أوسم «٣» وأحبّ إلى رسول الله ﷺ منك (يريد عائشة) . قال: وكان لي جار من الأنصار. فكنّا نتناوب النّزول «٤» إلى رسول الله ﷺ ، فينزل يوما وأنزل يوما، فيأتيني بخبر الوحي وغيره، وآتيه بمثل ذلك، وكنّا نتحدّث أنّ غسّان تنعل الخيل «٥» لتغزونا. فنزل صاحبي، ثمّ أتاني عشاء فضرب بابي، ثمّ ناداني، فخرجت إليه فقال: حدث أمر عظيم. قلت: ماذا؟ أجاءت غسّان؟ قال: لا. بل أعظم من ذلك وأطول. طلّق النّبيّ ﷺ نساءه. فقلت: قد خابت حفصة وخسرت. قد كنت أظنّ هذا كائنا. حتّى إذا صلّيت الصّبح شددت عليّ ثيابي. ثمّ نزلت فدخلت على حفصة وهي تبكي فقلت: أطلّقكنّ رسول الله ﷺ ؟ فقالت: لا أدري. ها هو ذا معتزل في هذه المشربة. فأتيت غلاما له أسود فقلت: استأذن لعمر. فدخل ثمّ خرج إليّ. فقال: قد ذكرتك له فصمت، فانطلقت حتّى انتهيت إلى المنبر فجلست. فإذا عنده رهط جلوس يبكي بعضهم. فجلست قليلا ثمّ غلبني ما أجد، ثمّ أتيت الغلام فقلت: استأذن لعمر. فدخل ثمّ خرج إليّ فقال: قد ذكرتك له فصمت. فولّيت مدبرا. فإذا الغلام يدعوني. فقال: ادخل فقد أذن لك. فدخلت فسلّمت على رسول الله ﷺ . فإذا هو متّكىء على رمل حصير «٦» . قد أثّر في جنبه. فقلت: أطلّقت، يا رسول الله نساءك؟ فرفع رأسه إليّ وقال: «لا» فقلت: الله أكبر. لو رأيتنا يا رسول الله وكنّا معشر قريش قوما نغلب النّساء، فلمّا قدمنا المدينة وجدنا قوما تغلبهم نساؤهم، فطفق نساؤنا يتعلّمن من نسائهم، فتغضّبت على امرأتي يوما فإذا هي تراجعني. فأنكرت أن تراجعني فقالت: ما تنكر أن

стр. 6410

أراجعك؟ فو الله إنّ أزواج النّبيّ ﷺ ليراجعنه، وتهجره إحداهنّ اليوم إلى اللّيل. فقلت: قد خاب من فعل ذلك منهنّ وخسر. أفتأمن إحداهنّ أن يغضب الله عليها لغضب رسوله ﷺ . فإذا هي قد هلكت؟ فتبسّم رسول الله ﷺ . قلت: يا رسول الله، قد دخلت على حفصة فقلت: لا يغرّنّك أن كانت جارتك هي أوسم منك وأحبّ إلى رسول الله ﷺ منك. فتبسّم أخرى، فقلت: أستأنس يا رسول الله؟ قال: «نعم» فجلست، فرفعت رأسي في البيت فو الله ما رأيت فيه شيئا يردّ البصر إلّا أهبا ثلاثة. فقلت: ادع الله يا رسول الله أن يوسّع على أمّتك؛ فقد وسّع على فارس والرّوم- وهم لا يعبدون الله- فاستوى جالسا، ثمّ قال: «أفي شكّ أنت يابن الخطّاب؟ أولئك قوم عجّلت لهم طيّباتهم في الحياة الدّنيا» . فقلت: استغفر لي يا رسول الله، وكان أقسم أن لا يدخل عليهنّ شهرا من شدّة موجدته عليهنّ. حتّى عاتبه الله » ) * «١» . ١٢-* (عن أبي خراش السّلميّ- ﵁ أنّه سمع رسول الله ﷺ يقول: «من هجر أخاه سنة، فهو كسفك دمه» ) * «٢» . ١٣-* (عن أبي سعيد الخدريّ- ﵁ قال: هاجر إلى رسول الله ﷺ رجل من اليمن فقال له رسول الله ﷺ : «هجرت الشّرك ولكنّه الجهاد. هل باليمن أبواك» ؟ قال: نعم. قال: «أذنا لك؟ «قال: لا. فقال رسول الله ﷺ : «ارجع إلى أبويك فإن فعلا وإلّا فبرّهما» ) * «٣» . ١٤-* (عن معاوية القشيريّ- ﵁ قال: قلت: يا رسول الله، ما حقّ زوجة أحدنا عليه؟ قال: «أن تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت» أو «اكتسبت» «ولا تضرب الوجه، ولا تقبّح، ولا تهجر إلّا في البيت» ) * «٤» . الأحاديث الواردة في ذمّ (الهجر) معنى ١٥-* (عن أبي واقد اللّيثيّ- ﵁ أنّ رسول الله ﷺ بينما هو جالس في المسجد والنّاس معه- إذ أقبل نفر ثلاثة فأقبل اثنان إلى رسول الله ﷺ ، وذهب واحد. قال: فوقفا على رسول الله ﷺ فأمّا أحدهما فرأى فرجة «٥» في الحلقة «٦» فجلس فيها. وأمّا الآخر فجلس خلفهم، وأمّا الثّالث فأدبر ذاهبا.

стр. 6411

فلمّا فرغ رسول الله ﷺ قال: «ألا أخبركم عن النّفر الثّلاثة؟ أمّا أحدهم فأوى إلى الله فآواه الله «١» ، وأمّا الآخر فاستحيا «٢» ، فاستحيا الله منه، وأمّا الآخر فأعرض فأعرض الله عنه» ) * «٣» . ١٦-* (عن جابر- ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: «تعرض الأعمال يوم الاثنين والخميس: فمن مستغفر فيغفر له، ومن تائب فيتاب عليه ويردّ أهل الضّغائن «٤» بضغائنهم حتّى يتوبوا» ) * «٥» . ١٧-* (عن أنس بن مالك- ﵁ في قوله تعالى: عَبَسَ وَتَوَلَّى (عبس/ ١) جاء ابن أمّ مكتوم إلى النّبيّ ﷺ وهو يكلّم أبيّ بن خلف فأعرض عنه فأنزل الله- عَبَسَ وَتَوَلَّى* أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى (عبس/ ١- ٢) فكان النّبيّ ﷺ بعد ذلك يكرّمه» ) * «٦» . ١٨-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض. وكونوا، عباد الله إخوانا. المسلم أخو المسلم. لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره. التّقوى هاهنا- ويشير إلى صدره ثلاث مرّات- بحسب امرىء من الشّرّ أن يحقر أخاه المسلم. كلّ المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه» ) * «٧» . من الآثار وأقوال العلماء والمفسرين الواردة في ذمّ (الهجر) ١-* (قال أنس بن مالك- ﵁: «التّدابر التّصارم» ) * «٨» . ٢-* (قال عبد الله بن مسعود- ﵁: «ما اهتجر رجلان في الإسلام إلّا خرج أحدهما منه» ) * «٩» . وهذا من باب الزّجر عن المهاجرة. ٣-* (عن مجاهد في قوله تعالى وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ (لقمان/ ١٨) . قال: «هو الرّجل يكون

стр. 6412

بينه وبين الرّجل حنة «١» فيعرض عنه» ) * «٢» . ٤-* (وعن مجاهد- ﵀ قال: «الأقلف «٣» موقوف عمله حتّى يختتن، والصّارم «٤» الظّالم موقوف عمله حتّى يفيء» ) * «٥» . ٥-* (قال ابن مفلح- ﵀: «يسنّ هجر من جهر بالمعاصي الفعليّة والقوليّة والاعتقاديّة» ) «٦» . ٦-* (عن أبي الحسن المدائنيّ قال: «جرى بين الحسن بن عليّ وأخيه الحسين كلام حتّى تهاجرا فلمّا أتى على الحسن ثلاثة أيّام من هجر أخيه فأقبل إلى الحسين وهو جالس فأكبّ على رأسه فقبّله، فلمّا جلس الحسن قال له الحسين: إنّ الّذي منعني من ابتدائك والقيام إليك أنّك أحقّ بالفضل منّي فكرهت أن أنازعك ما أنت أحقّ به» ) * «٧» . ٧-* (قال ابن منظور: «إنّ هجرة أهل الأهواء والبدع دائمة على مرّ الأوقات ما لم تظهر منهم التّوبة والرّجوع إلى الحقّ» ) * «٨» . ٨-* (قال ابن تميم: «هجران أهل البدع كافرهم وفاسقهم والمتظاهرين بالمعاصي، وترك السّلام عليهم فرض كفاية، ومكروه لسائر النّاس، ولا يسلّم أحد على فاسق معلن، ولا مبتدع معلن داعية، ولا يهجر مسلما مستورا غيرهما من السّلام فوق ثلاثة أيّام» ) * «٩» . من مضار (الهجر) (١) الهجر صفة قبيحة تسخط الله- على المتهاجرين. (٢) وهو سبب في تأخير المغفرة من الله- . (٣) الهجر بين الإخوان فوق ثلاث حرام، ويسبّب تفكّكا اجتماعيّا. (٤) هجر المرأة فراش زوجها سبب في لعنة الله والملائكة لها. (٥) الهجر من حبائل الشّيطان. يغوي بها أتباعه حتّى يسوقهم إلى الجحيم.

стр. 6413

هجر القرآن الهجر لغة: انظر صفة الهجر. تعريف القرآن: قال القرطبيّ: القرآن اسم لكلام الله تعالى وهو بمعنى المقروء، ويسمّى المقروء قرآنا على عادة العرب في تسميتها المفعول باسم المصدر ثمّ اشتهر الاستعمال في هذا واقترن به العرف الشّرعيّ فصار القرآن اسما لكلام الله وقيل: هو اسم علم لكتاب الله غير مشتقّ كالتّوراة والإنجيل «١» . وقال الجرجانيّ: القرآن: هو المنزّل على الرّسول، المكتوب في المصاحف، المنقول عنه نقلا متواترا بلا شبهة «٢» . قال أبو إسحاق النّحويّ: يسمّى كلام الله تعالى الّذي أنزله على نبيّه ﷺ ، كتابا وقرآنا وفرقانا ومعنى القرآن معنى الجمع، وسمّي قرآنا لأنّه يجمع السّور، فيضمّها «٣» . قال الحافظ ابن كثير- عليه رحمة الله-: كان الكفّار إذا تلي عليهم القرآن أكثروا اللّغط والكلام في غيره حتّى لا يسمعونه، فهذا من هجرانه، وترك الإيمان به. وترك تصديقه من هجرانه، وترك تدبّره وتفهّمه من هجرانه، وترك العمل به وامتثال أوامره واجتناب زواجره من هجرانه، والعدول عنه إلى غيره من شعر أو قول أو غناء أو لهو أو كلام أو طريقة مأخوذة من غيره من هجرانه «٤» . هجر القرآن اصطلاحا: لم تذكر كتب المصطلحات «هجر القرآن» مصطلحا ويمكن فى ضوء ما أوردته كتب الّلغة وما ذكره المفسّرون أنّ هجر القرآن له جانبان: أحدهما يتعلّق بالقرآن دون أخذ له، وهذا صنيع الكفّار والمنافقين، والآخر يتعلّق به بعد الإقرار بأنّه كلام الله الّذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهذا صنيع بعض المسلمين الّذين لا يقرأون القرآن، أو يقرأونه لا يجاوز حناجرهم، فلا يعملون به، ومن هؤلاء صنف يحفظ القرآن أو شيئا منه ثمّ يهجر القراءة حتّى ينسى ما قد يكون حفظه منه. وعلى ذلك فإنّ هجر القرآن: هو الإعراض عنه أو اللّغو فيه والقول فيه بغير الحقّ- كالزّعم بأنّه سحر أو شعر ونحو ذلك من سيّىء القول- وترك تلاوته أو العمل به أو نسيانه بعد الحفظ.

стр. 6414

مظاهر هجر القرآن: لهجر القرآن مظاهر عديدة منها: ١- القول فيه بغير الحقّ، وهذا صنيع الكفّار الّذين حكي عنهم في قوله تعالى: وَقالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً. قال القرطبيّ: أي قالوا فيه غير الحقّ من أنّه سحر أو شعر «١» . وقال الطّبريّ: يعني قولهم فيه السّيّىء من القول، فقالوا غير الحقّ «٢» . ٢- الإعراض عن القرآن واللّغو فيه. وقد ورد هذا المعنى في تفسير الآية السّابقة، يقول الطّبريّ: وذلك أنّ الله أخبر عنهم بأنّهم قالوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ (فصلت/ ٢٦) وذلك هجرهم إيّاه «٣» . ٣- ترك تلاوة القرآن بالكلّيّة، وهذا المعنى قد أورده القرطبيّ في تفسير الآية الكريمة السّابقة عندما ذكر: وقيل معنى مهجورا «متروكا» وما جاء عن ابن عبّاس: «الّذي ليس فى جوفه شيء من القرآن كالبيت الخرب» (الحديث رقم ٢) . ٤- نسيان القرآن بعد حفظه، وإلى هذا المعنى أشارت الآية الكريمة: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى ... إلى قوله تعالى كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى (طه/ ١٢٤- ١٢٦) . ٥- ترك العمل بالقرآن، ودليل ذلك ما رواه أبو عبيدة عن أنس مرفوعا «القرآن شافع مشفّع وما حل مصدّق، من جعله أمامه قاده إلى الجنّة، ومن جعله خلفه قاده إلى النّار» «٤» . ومعنى أن يجعل الإنسان القرآن خلفه أن يهمل تلاوته أو العمل به. حكم هجر القرآن: يختلف حكم هجر القرآن باختلاف نوع الهجر، فإن كان الهجر بالإعراض عنه واللّغو فيه فهذا كفر صراح، وإن كان الهجر بمعنى التّرك المؤدّي إلى النّسيان بعد الحفظ فقد ذكر ابن حجر أنّه من الكبائر، وقال بأنّ ذلك هو ما ذهب إليه الرّافعيّ وغيره، ونقل عن بعض العلماء أنّ محلّ كون نسيان القرآن كبيرة عند من قال به مشروط بأن يكون عن تكاسل وتهاون، وهذا احتراز عمّا لو اشتغل عنه بمرض مانع من القراءة، وعدم التّأثيم بالنّسيان حينئذ واضح، لأنّه مغلوب عليه لا اختيار له فيه. أمّا إذا كان الهجر متعلّقا بعدم العمل به فذلك معصية يتوقّف كونها كبيرة أو صغيرة على نوع المخالفة ذاتها، وأمّا إذا كان الهجر بمعنى ترك التّلاوة، فإن كان يقدر عليها ولم يفعل فهو كالبيت الخرب وإن لم يكن قادرا فإنّ الله لا يكلّف نفسا إلّا وسعها، هذا إلّا فيما تصحّ به صلاته فإنّه واجب على كلّ مسلم ولا يجوز تركه بحال «٥» .

стр. 6415

أنواع هجر القرآن والحرج منه: هجر القرآن أنواع: أحدها: هجر سماعه والإيمان به والإصغاء إليه. والثّاني: هجر العمل به والوقوف عند حلاله وحرامه وإن قرأه وآمن به. والثّالث: هجر تحكيمه والتّحاكم إليه في أصول الدّين وفروعه، واعتقاد أنّه لا يفيد اليقين وأنّ أدلّته لفظيّة لا تحصّل العلم. والرّابع: هجر تدبّره وتفهّمه ومعرفة ما أراد المتكلّم به منه. والخامس: هجر الاستشفاء والتّداوي به في جميع أمراض القلوب وأدوائها، فيطلب شفاء دائه من غيره ويهجر التّداوي به، وكلّ هذا داخل في قوله تعالى: وَقالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً (الفرقان/ ٣٠) ، وإن كان بعض الهجر أهون من بعض. والسّادس: الحرج الّذي في الصّدور منه، فإنّه تارة يكون حرجا من إنزاله وكونه حقّا من عند الله. وتارة من جهة المتكلّم به أو كونه مخلوقا من بعض مخلوقاته ألهم غيره أن تكلّم به، وتارة يكون من جهة كفايته وعدمها وأنّه لا يكفي العباد، بل هم محتاجون معه إلى المعقولات والأقيسة أو الآراء أو السّياسات. وتارة يكون من جهة دلالته وما أريد به حقائقه المفهومة منه عند الخطاب، أو أريد به تأويلها وإخراجها عن حقائقها إلى تأويلات مستكرهة مشتركة. وتارة يكون من جهة كون تلك الحقائق وإن كانت مرادة، فهي ثابتة في نفس الأمر أو أوهم أنّها مرادة لضرب من المصلحة. فكلّ هؤلاء في صدورهم حرج من القرآن، وهم يعلمون ذلك من نفوسهم ويجدونه في صدورهم. ولا تجد مبتدعا في دينه قطّ إلّا وفي قلبه حرج من الآيات الّتي تخالف بدعته. كما أنّك لا تجد ظالما فاجرا إلّا وفي صدره حرج من الآيات الّتي تحول بينه وبين إرادته. فتدبّر هذا المعنى ثمّ ارض لنفسك بما تشاء «١» . [للاستزادة: انظر صفات: الهجر- الإعراض الغفلة- اللغو- العصيان- انتهاك الحرمات. وفي ضد ذلك: انظر صفات: تلاوة القرآن- الذكر- الكلم الطيب- تعظيم الحرمات- الطاعة] .

стр. 6416

الآيات الواردة في «هجر القرآن» ١- حَتَّى إِذا أَخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذابِ إِذا هُمْ يَجْأَرُونَ (٦٤) لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لا تُنْصَرُونَ (٦٥) قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ تَنْكِصُونَ (٦٦) مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامِراً تَهْجُرُونَ (٦٧) أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جاءَهُمْ ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (٦٨) أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٦٩) أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ (٧٠) وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ (٧١) أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٧٢) وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٣) وَإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّراطِ لَناكِبُونَ (٧٤) «١» ٢- وَقالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً (٣٠) وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفى بِرَبِّكَ هادِياً وَنَصِيراً (٣١) وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا (٣٢) «٢» الآيات الواردة في «هجر القرآن» معنى ٣- وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى (١٢٤) «٣» ٤- وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (٢٦) «٤»

стр. 6417

الأحاديث الواردة في ذمّ (هجر القرآن) معنى ١-* (عن عبد الله بن مسعود- ﵁ قال: «إنّ أصغر البيوت بيت ليس فيه من كتاب الله شيء، فاقرؤوا القرآن فإنّكم تؤجرون عليه. بكلّ حرف عشر حسنات، أما إنّي لا أقول الم، ولكنّي أقول ألف، ولام، وميم» ) * «١» . ٢-* (عن ابن عبّاس- ﵄ قال قال رسول الله ﷺ : «إنّ الّذي ليس في جوفه شيء من القرآن كالبيت الخرب» ) * «٢» . ٣-* (عن عمران بن حصين- ﵄ أنّه مرّ على قاصّ يقرأ، ثمّ سأل، فاسترجع ثمّ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من قرأ القرآن، فليسأل الله به، فإنّه سيجيء أقوام يقرؤون القرآن يسألون به النّاس» ) * «٣» . ٤-* (عن زيد بن وهب الجهنيّ، أنّه كان في الجيش الّذين كانوا مع عليّ- ﵁ الّذين ساروا إلى الخوارج. فقال عليّ- ﵁: أيّها النّاس، إنّي سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يخرج قوم من أمّتي يقرؤون القرآن، ليس قراءتكم إلى قراءتهم بشيء، ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشيء، ولا صيامكم إلى صيامهم بشيء، يقرؤون القرآن يحسبون أنّه لهم وهو عليهم، لا تجاوز صلاتهم تراقيهم «٤» يمرقون من الإسلام كما يمرق السّهم من الرّميّة» . لو يعلم الجيش الّذين يصيبونهم، ما قضي لهم على لسان نبيّهم ﷺ ، لا تّكلوا عن العمل، وآية ذلك أنّ فيهم رجلا له عضد، وليس له ذراع، على رأس عضده مثل حلمة الثّدي، عليه شعرات بيض، فتذهبون إلى معاوية وأهل الشّام وتتركون هؤلاء يخلفونكم في ذراريكم وأموالكم، والله، إنّي لأرجو أن يكونوا هؤلاء القوم، فإنّهم قد سفكوا الدّم الحرام، وأغاروا في سرح النّاس «٥» ، فسيروا على اسم الله. قال سلمة بن كهيل: فنزّلني زيد بن وهب منزلا «٦» حتّى قال: مررنا على قنطرة، فلمّا التقينا وعلى

стр. 6418

الخوارج يومئذ عبد الله بن وهب الرّاسبيّ، فقال لهم: ألقوا الرّماح، وسلّوا سيوفكم من جفونها «١» ، فإنّي أخاف أن يناشدوكم «٢» كما ناشدوكم يوم حروراء، فرجعوا فوحّشوا برماحهم «٣» وسلّوا السّيوف، وشجرهم النّاس برماحهم «٤» . قال: وقتل بعضهم على بعض، وما أصيب من النّاس يومئذ إلّا رجلان، فقال عليّ- ﵁: التمسوا فيهم المخدج، فالتمسوه فلم يجدوه، فقام عليّ- ﵁ بنفسه حتّى أتى ناسا قد قتل بعضهم على بعض. قال: أخّروهم، فوجدوه ممّا يلي الأرض. فكبّر. ثمّ قال: صدق الله، وبلّغ رسوله. قال: فقام إليه عبيدة السّلمانيّ. فقال: يا أمير المؤمنين، والله الّذي لا إله إلّا هو، لسمعت هذا الحديث من رسول الله ﷺ ؟ فقال: إي والله الّذي لا إله إلّا هو، حتّى استحلفه ثلاثا «٥» وهو يحلف له) * «٦» . ٥-* (عن أبي سعيد الخدريّ- ﵁ قال: بعث عليّ بن أبي طالب- ﵁ إلى رسول الله ﷺ من اليمن بذهيبة في أديم مقروظ لم تحصّل من ترابها، قال: فقسمها بين أربعة نفر بين عيينة بن بدر، وأقرع بن حابس، وزيد الخيل، والرّابع إمّا علقمة، وإمّا عامر بن الطّفيل. فقال رجل من أصحابه: كنّا نحن أحقّ بهذا من هؤلاء قال: فبلغ ذلك النّبيّ ﷺ فقال: «ألا تأمنوني وأنا أمين من في السّماء، يأتيني خبر السّماء صباحا ومساء؟» . قال: فقام رجل غائر العينين، مشرف الوجنتين، ناشز الجبهة، كثّ اللّحية، محلوق الرّأس، مشمّر الإزار. فقال: يا رسول الله، اتّق الله. قال: «ويلك أولست أحقّ أهل الأرض أن يتّقي الله؟» قال: ثمّ ولّى الرّجل. قال خالد بن الوليد: يا رسول الله، ألا أضرب عنقه؟ قال: «لا. لعلّه أن يكون يصلّي» ، فقال خالد: وكم من مصلّ يقول بلسانه ما ليس في قلبه. قال رسول الله ﷺ : «إنّي لم أومر أن أنقّب قلوب النّاس. ولا أشقّ بطونهم» قال: ثمّ نظر إليه وهو مقفّ فقال: «إنّه يخرج من ضئضىء هذا قوم يتلون كتاب الله رطبا لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدّين كما يمرق السّهم من الرّميّة» وأظنّه قال: لئن أدركتهم لأقتلنّهم قتل ثمود» ) * «٧» . ٦-* (عن سليمان بن يسار قال: تفرّق النّاس

стр. 6419

عن أبي هريرة- ﵁ فقال له ناتل أهل الشّام «١» : أيّها الشّيخ، حدّثنا حديثا سمعته من رسول الله ﷺ . قال: نعم، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّ أوّل النّاس يقضى يوم القيامة عليه، رجل استشهد، فأتي به فعرّفه نعمه فعرفها. قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتّى استشهدت. قال: كذبت، ولكنّك قاتلت لأن يقال جريء، فقد قيل. ثمّ أمر به فسحب على وجهه حتّى ألقي في النّار. ورجل تعلّم العلم وعلّمه وقرأ القرآن، فأتي به فعرّفه نعمه فعرفها. قال: فما عملت فيها؟، قال: تعلّمت العلم وعلّمته وقرأت فيك القرآن. قال: كذبت، ولكنّك تعلّمت العلم ليقال عالم، وقرأت القرآن ليقال هو قارىء، فقد قيل ثمّ أمر به فسحب على وجهه حتّى ألقي في النّار. ورجل وسّع الله عليه وأعطاه من أصناف المال كلّه، فأتي به فعرّفه نعمه فعرفها. قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحبّ أن ينفق فيها إلّا أنفقت فيها لك. قال: كذبت، ولكنّك فعلت ليقال هو جواد. فقد قيل، ثمّ أمر به فسحب على وجهه ثمّ ألقي في النّار» ) * «٢» . ٧-* (عن سهل بن سعد السّاعديّ- ﵁ قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن نقترأ، فقال: «الحمد لله، كتاب الله واحد، وفيكم الأحمر، وفيكم الأبيض، وفيكم الأسود، اقرؤوه قبل أن يقرأه أقوام يقيمونه كما يقّوّم السّهم، يتعجّل أجره ولا يتأجّله» ) * «٣» . ٨-* (عن جابر بن عبد الله- ﵄ قال: دخل النّبيّ ﷺ المسجد فإذا فيه قوم يقرؤون القرآن قال: «اقرؤوا القرآن وابتغوا به الله- من قبل أن يأتي قوم يقيمونه إقامة القدح يتعجّلونه ولا يتأجّلونه» «٤» . ٩-* (عن أبي موسى الأشعري- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مثل المؤمن الّذي يقرأ القرآن مثل الأترجّة «٥» ، ريحها طيّب، وطعمها طيّب، ومثل المؤمن الّذي لا يقرأ القرآن، مثل التّمرة، لا ريح لها وطعمها حلو، ومثل المنافق الّذي يقرأ القرآن مثل الرّيحانة، ريحها طيّب، وطعمها مرّ، ومثل المنافق الّذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة، ليس لها ريح وطعمها مرّ» ) * «٦» .

стр. 6420

من الآثار وأقوال العلماء والمفسرين الواردة في ذمّ (هجر القرآن) ١-* (عن عمر بن الخطّاب- ﵁ قال: لقد أتى علينا حين وما نرى أنّ أحدا يتعلّم القرآن يريد به إلّا الله، فلمّا كان هاهنا بأخرة. خشيت أنّ رجالا يتعلّمونه يريدون به النّاس وما عندهم، فأريدوا الله بقراءتكم وأعمالكم، وإنّا كنّا نعرفكم إذ فينا رسول الله ﷺ ، وإذ ينزل الوحي، وإذ ينبّئنا الله من أخباركم، فأمّا اليوم فقد مضى رسول الله ﷺ وانقطع الوحي، وإنّما أعرّفكم بما أقول، من أعلن خيرا حببناه عليه وظننّا به خيرا، ومن أظهر شرّا بغضناه عليه وظننّا به شرّا، سرائركم فيما بينكم وبين الله- ) * «١» . ٢-* (عن عليّ- ﵁ قال: من النّاس من يؤتى الإيمان ولا يؤتى القرآن، ومنهم من يؤتى القرآن ولا يؤتى الإيمان، ومنهم من يؤتى القرآن والإيمان، ومنهم من لا يؤتى القرآن ولا الإيمان، ثمّ ضرب لهم مثلا، قال: فأمّا من أوتي الإيمان ولم يؤت القرآن فمثله مثل التّمرة حلوة الطّعم لا ريح لها، وأمّا مثل الّذي أوتي القرآن، ولم يؤت الإيمان فمثل الآسة، طيّبة الرّيح مرّة الطّعم، وأما الّذي أوتي القرآن والإيمان فمثل الأترجّة طيّبة الرّيح حلوة الطّعم، وأمّا الّذي لم يؤت القرآن ولا الإيمان، فمثل الحنظلة مرّة الطّعم لا ريح لها) * «٢» . ٣-* (عن ابن عمر- ﵄ قال: لقد عشت برهة من دهري وإنّ أحدنا يؤتى الإيمان قبل القرآن، وتنزل السّورة على محمّد ﷺ فيتعلّم حلالها وحرامها. وما ينبغي أن يقف عنده منها كما تعلّمون أنتم القرآن، ثمّ لقد رأيت رجالا يؤتى أحدهم القرآن قبل الإيمان فيقرأ ما بين فاتحة الكتاب إلى خاتمته، ما يدري ما آمره ولا زاجره، وما ينبغي أن يقف عنده منه، ينثره نثر الدّقل) * «٣» . ٤-* (عن إياس بن عمر يقول: أخذ عليّ بن أبي طالب بيدي ثمّ قال: إنّك إن بقيت سيقرأ القرآن ثلاثة أصناف: فصنف لله، وصنف للجدال، وصنف للدّنيا، ومن طلب به أدرك) * «٤» . ٥-* (عن معاذ بن جبل- ﵁ قال: سيبلى القرآن في صدور أقوام كما يبلى الثّوب فيتهافت، يقرءونه لا يجدون له شهوة ولا لذّة، يلبسون جلود الضّأن على قلوب الذّئاب، أعمالهم طمع لا يخالطه خوف، إن قصّروا قالوا: سنبلغ، وإن أساءوا قالوا: سيغفر لنا. إنّا لا نشرك بالله شيئا) * «٥» . ٦-* (عن أبي كنانة عن أبي موسى الأشعريّ ﵁ أنّه جمع الّذين قرأوا القرآن فإذا هم

стр. 6421

قريب من ثلاثمائة فعظّم القرآن وقال: إنّ هذا القرآن كائن لكم أجرا، وكائن عليكم وزرا، فاتّبعوا القرآن ولا يتّبعنّكم القرآن، فإنّه من اتّبع القرآن هبط به على رياض الجنّة، ومن تبعه القرآن زخّ في قفاه فقذفه في النّار) * «١» . ٧-* (قال عبد الله بن مسعود- ﵁: والّذي نفسي بيده إنّ حقّ تلاوته أن يحلّ حلاله ويحرّم حرامه ويقرأه كما أنزله الله ولا يحرّف الكلم عن مواضعه، ولا يتأوّل منه شيئا على غير تأويله) * «٢» . ٨-* (عن أبي سعيد الخدريّ- ﵁ قال: يكون خلف بعد سنين أضاعوا الصّلاة واتّبعوا الشّهوات فسوف يلقون غيّا، ثمّ يكون خلف يقرأون القرآن لا يعدو تراقيهم، ويقرأ القرآن ثلاثة: مؤمن ومنافق وفاجر، فقال بشير: فقلت للوليد: ما هؤلاء الثّلاثة؟. فقال: المنافق كافر به، والفاجر يتأكّل به، والمؤمن يعمل به) * «٣» . ٩-* (عن قتادة- ﵁ في قول الله : وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ (الأعراف/ ٥٨) ، قال: البلد الطّيّب: المؤمن سمع كتاب الله فوعاه فأخذ به فانتفع به، كمثل هذه الأرض أصابها الغيث فأنبتت وأمرعت. وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً عسرا، مثل الكافر قد سمع القرآن فلم يعقله، ولم يأخذ به، ولم ينتفع به، كمثل هذه الأرض الخبيثة أصابها الغيث فلم تنبت شيئا ولا تمرع شيئا) * «٤» . ١٠-* (عن قتادة- ﵁ قال: ما جالس القرآن أحد فقام عنه إلّا بزيادة أو نقصان، ثمّ قرأ: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً (الإسراء/ ٨٢)) * «٥» . ١١-* (عن زادان قال: من قرأ القرآن يتأكّل به النّاس. جاء يوم القيامة ووجهه عظم ليس عليه لحم) * «٦» . ١٢-* (عن الحسن قال: إنّ هذا القرآن قد قرأه عبيد وصبيان لا علم لهم بتأويله ولم يتأوّلوا الأمر مزاولة. قال الله- : كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ (ص/ ٢٩) وما تدبّر آياته إلّا اتّباعه والله يعلم، وأما والله ما هو بحفظ حروفه، وإضاعة حدوده حتّى إنّ أحدهم ليقول: قد قرأت القرآن كلّه فما أسقطت منه حرفا، وقد والله أسقطه كلّه، ما يرى له القرآن في خلق ولا عمل حتّى إنّ أحدهم ليقول: إنّي لأقرأ السّورة في نفس واحد والله ما

стр. 6422

هؤلاء ما هؤلاء بالقرّاء ولا العلماء ولا الحكماء ولا الورعة متى كانت القرّاء تقول مثل هذا؟ لا أكثر الله في النّاس مثل هؤلاء) * «١» . ١٣-* (قال محمّد بن الحسين الآجريّ: فإذا كان عمر بن الخطّاب قد خاف على قوم قرأوا القرآن في ذلك الوقت ميلهم إلى الدّنيا فما ظنّك بهم اليوم وقد أخبرنا النّبيّ ﷺ ، إنّه يكون أقوام يقرأون القرآن يقيمونه كما تقيمون القدح يتعجّلونه ولا يتأجّلونه يطلبون به عاجلة الدّنيا ولا يطلبون به الآخرة) * «٢» . ١٤-* (وقال- ﵀: أمّا من قرأ القرآن للدّنيا أو لأبناء الدّنيا، فإنّ من أخلاقه أن يكون حافظا لحروفه مضيّعا لحدوده، قد اتّخذ القرآن بضاعة يتأكّل به الأغنياء ويستقضي به الحوائج ليس للخشوع في قلبه موضع) * «٣» . ١٥-* (وقال أيضا: مرادي نصيحة لأهل القرآن لئلّا يبطل سعيهم إن هم طلبوا به شرف الدّنيا حرموا شرف الآخرة ... ، فينبغي لهم أن يستغنوا بالقرآن عن كلّ أحد من الخلق) * «٤» . ١٦-* (كتب حذيفة المرعشيّ إلى يوسف بن أسباط: اكشف عن رأسك قناع الغافلين، وانتبه من رقدة الموتى، واعلم أنّه من قرأ القرآن ثمّ آثر الدّنيا لم آمن أن يكون بآيات الله من المستهزئين) * «٥» . من مضار (هجر القرآن) (١) إنّ القلوب إذا لم تعمر بالقرآن سكنتها الشّياطين. (٢) هجر القرآن يضعف الإيمان بالله- وسائر المغيّبات. (٣) إنّ من هجر القرآن ترك تدبّره وترك العمل به وامتثال أوامره واجتناب زواجره. (٤) الّذي يقرأ القرآن ليتكسّب به الأموال. يأتي يوم القيامة وليس في وجهه مزعة لحم. (٥) من يقرأ القرآن ولا يعمل بموجبه تكون قراءته عليه لا له. (٦) من قرأ القرآن ليقال إنّه قارىء وليرائي به النّاس فهو منافق، من أوّل من يسحب على وجهه في النّار يوم القيامة.

стр. 6423

[حرف الواو] الوسوسة الوسوسة لغة: الوسوسة: مصدر قولهم: وسوس يوسوس مأخوذة من مادّة (وس س) الّتي تدلّ على صوت غير رفيع: يقال لصوت الحلي: وسواس، وهمس الصّائد: وسواس، وإغواء الشّيطان ابن آدم وسواس «١» . يقال: وسوست إليه نفسه وسوسة ووسواسا بكسر الواو، والوسواس بالفتح الاسم مثل الزّلزال، والزّلزال «٢» . قال أبو عبيدة: الوسوسة في التّنزيل هو ما يلقيه الشّيطان في القلب «٣» . والوسوسة: الكلام الخفيّ في اختلاط. ووسوس به- بالضّم: اختلط كلامه ودهش. والموسوس: الّذي تعتريه الوساوس. ووسوس: إذا تكلّم بكلام لم يبيّنه «٤» . وفي حديث عثمان- ﵁ لمّا قبض رسول الله ﷺ ، وسوس ناس، وكنت فيمن وسوس، يريد أنّه اختلط كلامه ودهش بموته ﷺ ، وقول الله تعالى: فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ (الأعراف/ ٢٠) . قال القرطبيّ: معناه وسوس إليهما، قيل داخل الجنّة، وقيل من خارج بالسّلطنة الّتي جعلت له، والوسوسة: الصّوت الخفيّ وهي أيضا حديث النّفس «٥» ، وقال ابن منظور: الوسوسة والوسواس: الصّوت الخفيّ، من ريح، والوسواس صوت الحلي، يقال: وسوست إليه نفسه وسوسة ووسواسا بكسر الواو، والوسواس بفتحها الاسم، ويطلق على الشّيطان وكلّ ما حدّثك ووسوس إليك به، والوسوسة: حديث النّفس، والأفكار (السّيّئة الّتي تراودها) ورجل موسوس: غلبت عليه الوسوسة، أو الّذي تعتريه الوساوس، وقولهم: وسوس الرّجل: أي كلّمه كلاما خفيّا، ووسوس الرّجل (بالضم) إذا تكلّم بكلام لم يبيّنه «٦» . الوسوسة اصطلاحا: الوسوسة والوسواس: ما يلقيه الشّيطان في القلب «٧» . وقال الرّاغب: الوسوسة: الخطرة الرّديئة «٨» .

стр. 6424

وقال الكفويّ: الوسوسة القول الخفيّ لقصد الإضلال. والوسواس: ما يقع في النّفس من عمل الشّرّ وما لا خير فيه «١» . وقيل: الوسواس مرض يحدث من غلبة السّوداء يختلط معه الذّهن «٢» . وقال ابن القيّم- ﵀: الوسوسة: الإلقاء الخفيّ في النّفس إمّا بصوت خفيّ لا يسمعه إلّا من ألقي عليه، وإمّا بغير صوت كما يوسوس الشّيطان إلى العبد «٣» . أنواع الوسوسة: قال ابن القيّم- ﵀ في قوله تعالى: مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (الناس/ ٦) : يعني أنّ الوسواس نوعان: إنس وجنّ، فإنّ الوسوسة الإلقاء الخفيّ، لكنّ الإلقاء الإنسيّ بواسطة الأذن، والجنّيّ لا يحتاج إليها. ونظير اشتراكهما في الوسوسة اشتراكهما في الوحي الشّيطانيّ في قوله تعالى: وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً ... (الأنعام/ ١١٢) «٤» . الفرق بين الوسوسة والإلهام وما أشبههما مما يقع في النفس: تقال الوسوسة لما يقع في النّفس من الشّرّ، أما الإلهام فهو لما يقع فيها من الخير، ولما يقع فيها من الخوف إيجاس، ولما يقع من تقدير نيل الخير أمل، ولما يقع من تقدير لا على الإنسان ولا له خاطر «٥» . [للاستزادة: انظر صفات: الشك- سوء الظن الوهم- القلق. وفي ضد ذلك: انظر صفات: الطمأنينة- اليقين- الثبات- السكينة] .

стр. 6425

الآيات الواردة في «الوسوسة» ١- وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (١١) قالَ ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (١٢) قالَ فَاهْبِطْ مِنْها فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (١٣) قالَ أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤) قالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (١٥) قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ (١٧) قالَ اخْرُجْ مِنْها مَذْؤُماً مَدْحُوراً لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ (١٨) وَيا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ (١٩) فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما وَقالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ (٢٠) وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ (٢١) فَدَلَّاهُما بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَناداهُما رَبُّهُما أَلَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُما إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٢) قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (٢٣) قالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ (٢٤) «١» ٢- وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى (١١٩) فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى (١٢٠) فَأَكَلا مِنْها فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى (١٢١) ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى (١٢٢) «٢» ٣- وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦) إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ (١٧) ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨) «٣» ٤- قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلهِ النَّاسِ (٣) مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنَّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (٦) «٤»

стр. 6426

الأحاديث الواردة في ذمّ (الوسوسة) ١-* (عن أبي هريرة- ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: «إنّ الشّيطان إذا سمع النّداء بالصّلاة أحال «١» له ضراط، حتّى لا يسمع صوته فإذا سكت رجع فوسوس. فإذا سمع الإقامة ذهب حتّى لا يسمع صوته. فإذا سكت رجع فوسوس» ) * «٢» . ٢-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ الله تجاوز لأمّتي عمّا وسوست- أو حدّثت- به أنفسها ما لم تعمل به أو تكلّم» ) * «٣» . ٣-* (عن عبد الله- ﵁ قال: سئل النّبيّ ﷺ عن الوسوسة، قال: «تلك محض الإيمان «٤» » ) * «٥» . ٤-* (عن عبد الله بن مغفّل- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يبولنّ أحدكم في مستحمّه فإنّ عامّة الوسواس منه» ) * «٦» . الأحاديث الواردة في ذمّ (الوسوسة) معنى ٥-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّ النّبيّ ﷺ قال: «إذا نودي للصّلاة أدبر الشّيطان له ضراط حتّى لا يسمع التّأذين، فإذا قضي التّأذين أقبل، حتّى إذا ثوّب «٧» للصّلاة أدبر، حتّى إذا قضي التّثويب أقبل، حتّى يخطر بين المرء ونفسه، يقول له: اذكر كذا. واذكر كذا، لما لم يكن يذكر من قبل، حتّى يظلّ الرّجل ما يدري كم صلّى» ) * «٨» . ٦-* (عن أبي هريرة أنّ رسول الله ﷺ قال: «إنّ أحدكم إذا قام يصلّي جاء الشّيطان فلبس عليه حتّى لا يدري كم صلّى، فإذا وجد ذلك أحدكم فليسجد سجدتين وهو جالس» ) * «٩» . ٧-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ أحدكم إذا كان في الصّلاة جاءه الشّيطان فأبس «١٠» به كما يأبس بدابّته فإذا سكن له أضرط بين أليتيه ليفتنه عن صلاته. فإذا وجد شيئا من ذلك فلا ينصرف حتّى يسمع صوتا أو يجد

стр. 6427

ريحا» ) * «١» . ٨-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ الله تجاوز لأمّتي ما حدّثت به أنفسها «٢» ما لم يتكلّموا أو يعملوا به» ) * «٣» . ٩-* (عن عائشة زوج النّبيّ ﷺ أنّ رسول الله ﷺ خرج من عندها ليلا، قالت: فغرت عليه فجاء فرأى ما أصنع، فقال: «مالك؟ يا عائشة، أغرت؟» فقلت: وما لي لا يغار مثلي على مثلك؟ فقال رسول الله ﷺ : «أقد جاءك شيطانك؟» قالت: يا رسول الله، أو معي شيطان؟ قال: «نعم» قلت: ومع كلّ إنسان؟ قال: «نعم» قلت: ومعك يا رسول الله، قال: «نعم، ولكنّ ربّي أعانني عليه حتّى أسلم» ) * «٤» . ١٠-* (عن أبي سعيد الخدريّ- ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قام فصلّى صلاة الصّبح وهو خلفه فالتبست عليه القراءة. فلمّا فرغ من صلاته قال: «لو رأيتموني وإبليس فأهويت بيدي فما زلت أخنقه حتّى وجدت برد لعابه بين أصبعيّ هاتين، الإبهام والّتي تليها، ولولا دعوة أخي سليمان لأصبح مربوطا بسارية من سواري المسجد، يتلاعب به صبيان المدينة» ) * «٥» . ١١-* (عن جابر- ﵁ قال: سمعت النّبيّ ﷺ يقول: «إنّ الشّيطان قد أيس أن يعبده المصلّون في جزيرة العرب، ولكن في التّحريش بينهم «٦» » ) * «٧» . ١٢-* (عن سبرة بن أبي فاكه- ﵁ قال: سمعت النّبيّ ﷺ يقول: «إنّ الشّيطان قعد «٨» لابن آدم بأطرقه، قعد في طريق الإسلام، فقال: تسلم وتذر دينك ودين آبائك وآباء آبائك؟ فعصاه وأسلم، وقعد له بطريق الهجرة، فقال: تهاجر وتذر أرضك وسماءك؟ وإنّما مثل المهاجر كمثل الفرس في الطّول «٩» ، فعصاه فهاجر، ثمّ قعد له بطريق الجهاد، فقال: تجاهد؟ فهو جهد النّفس

стр. 6428

والمال، فتقاتل فتقتل، فتنكح المرأة ويقسم المال؟ فعصاه فجاهد، قال رسول الله ﷺ : «فمن فعل ذلك كان حقّا على الله أن يدخله الجنّة، وإن غرق كان حقّا على الله أن يدخله الجنّة، أو وقصته دابّته كان حقّا على الله أن يدخله الجنّة» ) * «١» . ١٣-* (عن عبد الله بن مسعود- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ الشّيطان ليلطف بالرّجل في صلاته ليقطع عليه صلاته فإذا أعياه نفخ في دبره، فإذا أحسّ أحدكم من ذلك شيئا فلا ينصرف حتّى يجد ريحا أو يسمع صوتا» ) * «٢» . ١٤-* (عن عليّ بن الحسين- ﵄ قال: إنّ صفيّة زوج النّبيّ ﷺ أخبرته أنّها جاءت إلى رسول الله ﷺ تزوره في اعتكافه في المسجد في العشر الأواخر من رمضان، فتحدّثت عنده ساعة. ثمّ قامت تنقلب. فقام النّبيّ ﷺ معها يقلبها، حتّى إذا بلغت باب المسجد عند باب أمّ سلمة مرّ رجلان من الأنصار فسلّما على رسول الله ﷺ ، فقال لهما النّبيّ ﷺ : على رسلكما، إنّما هي صفيّة بنت حييّ، فقالا: سبحان الله يا رسول الله، وكبر عليهما. فقال النّبيّ ﷺ : «إنّ الشّيطان يبلغ من ابن آدم مبلغ الدّم، وإنّي خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئا» ) * «٣» . ١٥-* (عن جابر- ﵁ قال: سمعت النّبيّ ﷺ يقول: «إنّ عرش إبليس على البحر. فيبعث سراياه فيفتنون النّاس. فأعظمهم عنده أعظمهم فتنة» ) * «٤» . ١٦-* (عن عبد الله بن مسعود- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ للشّيطان لمّة «٥» بابن آدم، وللملك لمّة، فأمّا لمّة الشّيطان، فإيعاد بالشّرّ، وتكذيب بالحقّ، وأمّا لمّة الملك، فإيعاد بالخير، وتصديق بالحقّ، فمن وجد ذلك، فليعلم أنّه من الله، فليحمد الله، ومن وجد الأخرى، فليتعوّذ بالله من الشّيطان الرّجيم، ثمّ قرأ: الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ ... (البقرة/ ٢٦٨) الآية» ) * «٦» . ١٧-* (عن ابن عبّاس- ﵄ أنّ النّبيّ ﷺ سئل عن الرّجل يخيّل إليه في صلاته أنّه أحدث في صلاته ولم يحدث. فقال رسول الله ﷺ : «إنّ الشّيطان يأتي أحدكم وهو في صلاته حتّى يفتح مقعدته. فيخيّل إليه أنّه أحدث. ولم يحدث، فإذا وجد أحدكم ذلك فلا ينصرف. حتّى يسمع صوت ذلك بأذنه أو يجد ريح ذلك بأنفه» ) * «٧» . ١٨-* (عن عثمان بن عفّان- ﵁

стр. 6429

قال: جاء رجل إلى النّبيّ ﷺ فقال: يا رسول الله، إنّي صلّيت فلم أدر أشفعت أم أوترت؟ فقال رسول الله ﷺ : إيّاي وأن يتلعّب بكم الشّيطان في صلاتكم، من صلّى منكم فلم يدر أشفع أم أوتر فليسجد سجدتين. فإنّهما إتمام صلاته» ) * «١» . ١٩-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: جاء ناس من أصحاب النّبيّ ﷺ فسألوه: «إنّا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا «٢» أن يتكلّم به، قال: وقد وجدتموه؟» قالوا: نعم، قال: «ذاك صريح الإيمان» «٣» ) * «٤» . ٢٠-* (عن قيس بن أبي غرزة، قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن نسمّي السّماسرة، فقال: «يا معشر التّجّار، إنّ الشّيطان والإثم يحضران البيع. فشوبوا بيعكم بالصّدقة» ) * «٥» . ٢١-* (عن عبد الله بن زيد بن عاصم قال: شكي إلى النّبيّ ﷺ الرّجل يجد في الصّلاة شيئا أيقطع الصّلاة؟ قال: «لا، حتّى يسمع صوتا، أو يجد ريحا» ) * «٦» . ٢٢-* (عن جابر بن سمرة قال: صلّى بنا رسول الله ﷺ صلاة الفجر فجعل يهوي بيده فسأله القوم حين انصرف فقال: إنّ الشّيطان هو كان يلقي عليّ شرر النّار ليفتنني عن صلاتي، فتناولته فلو أخذته ما انفلت منّي حتّى يناط إلي سارية من سواري المسجد ينظر إليه ولدان أهل المدينة» ) * «٧» . ٢٣-* (عن أبي سعيد الخدريّ- ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا قام من اللّيل واستفتح صلاته وكبّر قال: «سبحانك اللهمّ وبحمدك. وتبارك اسمك. وتعالى جدّك. ولا إله غيرك» ثمّ يقول: «لا إله إلّا الله ثلاثا» ثمّ يقول: «أعوذ بالله السّميع العليم من الشّيطان الرّجيم. من همزه. ونفخه. ونفثه» ) * «٨» . ٢٤-* (عن عقبة بن عامر قال: كانت علينا رعاية الإبل «٩» . فجاءت نوبتي فروّحتها بعشيّ، فأدركت رسول الله ﷺ قائما يحدّث النّاس، فأدركت

стр. 6430

من قوله: «ما من مسلم يتوضّأ فيحسن وضوءه، ثمّ يقوم فيصلّي ركعتين، مقبل عليهما بقلبه ووجهه، إلّا وجبت له الجنّة» قال: فقلت: ما أجود هذه «١» ! فإذا قائل بين يديّ يقول: الّتي قبلها أجود، فنظرت فإذا عمر، قال: إنّي قد رأيتك جئت آنفا «٢» قال: «ما منكم من أحد يتوضّأ فيبلغ- أو (فيسبغ) «٣» - الوضوء ثمّ يقول: أشهد أن لا إله إلّا الله، وأنّ محمّدا عبد الله ورسوله، إلّا فتحت له أبواب الجنّة الثّمانية، يدخل من أيّها شاء» ) * «٤» . ٢٥-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يزال النّاس يتساءلون حتّى يقال: هذا، خلق الله الخلق، فمن خلق الله؟ فمن وجد من ذلك شيئا فليقل: آمنت بالله «٥» » ) * «٦» . ٢٦-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يأتي الشّيطان أحدكم فيقول: من خلق كذا وكذا؟ حتّى يقول له: من خلق ربّك؟ فإذا بلغ ذلك فليستعذ بالله ولينته «٧» » ) * «٨» . من الآثار وأقوال العلماء والمفسرين الواردة في ذمّ (الوسوسة) ١-* (نقل ابن كثير عن ابن عبّاس- ﵄ في قوله تعالى الْوَسْواسِ الْخَنَّاسِ (الناس/ ٤) قال: الشّيطان جاثم على قلب ابن آدم. فإذا سها وغفل وسوس. فإذا ذكر خنس) * «٩» . ٢-* (عن عبد الله بن عمرو- ﵄ قال: إنّ في البحر شياطين مسجونة أوثقها سليمان، يوشك أن تخرج فتقرأ على النّاس قرآنا) * «١٠» . ٣-* (قال البغويّ: الشّيطان جاثم على قلب

стр. 6431

الإنسان، فإذا ذكر الله خنس، وإذا غفل وسوس، وقال: الخنّاس له خرطوم كخرطوم الكلب في صدر الإنسان فإذا ذكر العبد ربّه خنس، ويقال: كرأس الحيّة واضع رأسه على ثمرة القلب يمنّيه ويحدّثه، فإذا ذكر الله خنس، وإذا لم يذكر يرجع ويضع رأسه) * «١» . ٤-* (وقال البغويّ في قوله تعالى: الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (الناس/ ٥) بالكلام الخفيّ الّذي يصل مفهومه إلى القلب من غير سماع) * «٢» . ٥-* (وقال البغويّ في قوله تعالى: مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ يعني يدخل في الجنّيّ كما يدخل في الإنسيّ، ويوسوس الجنّيّ كما يوسوس الإنسيّ) * «٣» . ٦-* (قال بعضهم: ثبت أنّ الوسواس للإنسان من الإنسان كالوسوسة للشّيطان من الشّيطان، فجعل الوسواس من فعل الجنّة والنّاس جميعا. كما قال: وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ (الأنعام/ ١١٢) كأنّه أمر أن يستعيذ من شرّ الجنّ والإنس جميعا) * «٤» . ٧-* (قال ابن كثير- ﵀: أمر الله المستعيذ أن يتعوّذ بالمتّصف بالرّبوبيّة والملك والألوهيّة من شرّ الوسواس الخنّاس وهو الشّيطان الموكّل بالإنسان. فإنّه ما من أحد من بني آدم إلّا وله قرين يزيّن له الفواحش. ولا يألوه جهدا في الخبال، والمعصوم من عصمه الله) * «٥» . من مضار (الوسوسة) (١) طريق إلى الشّكّ. والشّك في الله كفر. (٢) تفقد الإنسان ثقته بنفسه وبغيره. (٣) ينفر النّاس من صاحب الوسواس ويبتعدون عنه. (٤) الموسوس لا تكمل له عبادة ولا يستقرّ له فكر. (٥) يشدّد على نفسه حتّى يدخل في دائرة المحظور. (٦) قد يصل الأمر بالموسوس إلى الهلوسة ثمّ الجنون.

стр. 6432

الوهم الوهم لغة: مصدر قولهم: وهم يهم (مثل وعد يعد) ، وهو مأخوذ من مادّة (وه م) الّتي تدلّ- فيما يقول ابن فارس- على معان متفرّقة لا تنقاس (أي لا ترجع إلى أصل واحد) ، فمن ذلك الوهم، وهو البعير العظيم، وقيل الجمل الضّخم العظيم، والوهم: الطّريق، وقيل الطّريق الواسع. والوهم: وهم القلب، يقال منه: وهمت في الشّيء أهم وهما، إذا ذهب وهمك إليه وأنت تريد غيره، ووهمت (بكسر الهاء) في الحساب أوهم وهما ووهما. إذا غلطت فيه وسهوت، ويقال أيضا أوهم من الحساب مائة، وأوهم من صلاته ركعة أى أسقط. وأوهمت غيري إيهاما ووهّمته توهيما (أي جعلت ذلك في وهمه) وأوهمت الشّيء: تركته كلّه، وأوهمت في كتابي وكلامي: أي أسقطت منه شيئا، وتوهّمت: ظننت، واتّهمت فلانا بكذا (رميته به) ، والاسم التّهمة (بالتّحريك) وأصل التّاء فيه واو مثل تكلة، وأتهم الرّجل: إذا صارت به ريبة، وقولهم لا وهم من كذا، أي لا بدّ منه. وقال ابن منظور: الوهم: من خطرات القلب، والجمع أوهام، وللقلب وهم. وتوهّم الشّيء: تخيّله وتمثّله، كان في الوجود أو لم يكن. وقال: توهّمت الشّيء وتفرّسته وتوسّمته وتبيّنته بمعنى واحد، قال زهير: وقفت بها من بعد عشرين حجّة ... فلأيا «١» عرفت الدّار بعد توهّم ويقال: وهمت في كذا وكذا أي غلطت. وأوهمت الشّيء تركته كلّه أوهم. وفي حديث النّبيّ ﷺ : أنّه صلّى فأوهم في صلاته، فقيل: كأنّك أوهمت في صلاتك، فقال: كيف لا أوهم ورفغ «٢» أحدكم بين ظفره وأنملته؟ أي أسقط من صلاته شيئا. قال الأصمعيّ: أوهم إذا أسقط، ووهم إذا غلط. وفي الحديث: أنّه سجد للوهم وهو جالس أي للغلط. وأورد ابن الأثير بعض هذا الحديث أيضا فقال: قيل له كأنّك وهمت، قال: وكيف لا إيهم؟ قال: هذا على لغة بعضهم؛ الأصل أوهم بالفتح والواو، فكسرت الهمزة، لأنّ قوما من العرب يكسرون مستقبل- فعل- فيقولون إعلم وتعلم، فلمّا كسر همزة أوهم انقلبت

стр. 6433

الواو ياء. ووهم في الصّلاة وهما ووهم، كلاهما: سها. فإذا ذهب وهمك إلى الشّيء قلت: وهمت إلى كذا وكذا أهم وهما. وفي الحديث أنّه وهم في تزويج ميمونة أي ذهب وهمه إليه. وقيل: أوهم ووهم ووهم سواء، وأنشد: فإن أخطأت أو أوهمت شيئا ... فقد يهم المصافي بالحبيب «١» . الوهم اصطلاحا: قال الرّاغب: الوهم: انقياد النّفس لقبول أثر ما يرد عليها «٢» . وقال الجرجانيّ والمناويّ: الوهم: قوّة جسمانيّة للإنسان محلّها آخر التّجويف الأوسط من الدّماغ من شأنها إدراك المعاني الجزئيّة المتعلّقة بالمحسوسات «٣» . وقال الكفويّ: الوهم (كما في القاموس) من خطرات القلب، وقيل: هو (إدراك) مرجوح طرفي المتردّد فيه، وهو عبارة عمّا يقع في الحيوان من جنس المعرفة من غير سبب موضوع للعلم، وهو أضعف من الظّنّ وكثيرا ما يستعمل الوهم في الظّنّ الفاسد «٤» . أمّا التّوهّم فقد عرّفه الجرجانيّ بقوله: التّوهّم هو إدراك المعنى الجزئيّ المتعلّق بالمحسوسات «٥» . الفرق بين الوهم والخاطر والخيال: قال الرّاغب: الفرق بين الوهم والخاطر أنّ الخاطر يقال فيما لا تقبله النّفس، والوهم لا يقال إلّا فيما تقبله، أمّا الخيال فإنّه يقال اعتبارا بما يكون من جهة الحاسّة وفيما له صورة ما «٦» . الفرق بين الوهم والظن والشك: قال الكفويّ: الشّكّ هو اعتدال النّقيضين عند الإنسان وتساويهما، بمعنى أن يكون طرف الوقوع واللّاوقوع على السّويّة، وإن كان أحد الطّرفين مرجوحا فالمرجوح هو الوهم، والرّاجح هو الظّنّ «٧» . الفرق بين التوهم والتصور: يكمن الفرق بينهما- كما يقول العسكريّ- في أنّ تصوّر الشّيء يكون مع العلم به وتوهّمه لا يكون مع العلم به، لأنّ التّوهّم من قبيل التّجويز وهو ينافي العلم، وقال بعضهم: التّوهّم يجري مجرى الظّنون يتناول المدرك وغير المدرك، وقال آخرون: التّوهّم هو تجويز ما لا يمتنع من الواجب والجائز، ولا يجوز أن يتوهّم الإنسان ما يمتنع كونه (وجوده) ، ألا ترى أنّه لا يجوز أن يتوهّم (متوهّم) الشّيء متحرّكا ساكنا في حالة واحدة «٨» .

стр. 6434

التوهم بين المدح والذم: جعل الرّاغب جودة التّوهّم من توابع العقل عندما قال- ﵀: العقل إذا أشرق في الإنسان يحصل عنه العلم والمعرفة والدّراية والحكمة، كما يحصل عنه الذّكاء، والذّهن، والفهم، والفطنة، وجودة الخاطر، وجودة التّوهّم، والتّخيّل، والبديهة ... » «١» ومن هنا يكون التّوهّم أو الوهم أمرا محمودا فإذا كان التّوهّم سيّئا كان صادرا عن الهوى لا عن العقل، ومن ثمّ يكون مذموما، أمّا الوهم بمعنى النّسيان أو التّرك لما لا ينبغي تركه فإنّه لا يوصف بمدح أو ذمّ لأنّه لا حيلة للإنسان فيه، ويدخل في عموم قوله ﷺ «رفع عن أمّتي الخطأ والنّسيان وما استكرهوا عليه» . [للاستزادة: انظر صفات: الشك- الوسوسة سوء الظن- القلق. وفي ضد ذلك: انظر صفات: اليقين- حسن الظن- التوكل- الطمأنينة- السكينة] .

стр. 6435

الأحاديث الواردة في ذمّ (الوهم) ١-* (عن أبي روح الكلاعيّ- ﵁ قال: صلّى بنا رسول الله ﷺ صلاة فقرأ فيها سورة الرّوم فلبّس بعضها، قال إنّما لبّس علينا الشّيطان القراءة من أجل أقوام يأتون الصّلاة بغير وضوء. فإذا أتيتم الصّلاة فأحسنوا الوضوء) * وعن عبد الملك بن عمير قال: سمعت شبيبا أبا روح يحدّث عن رجل من أصحاب النّبيّ ﷺ عن النّبيّ ﷺ أنّه صلّى الصّبح فقرأ فيها الرّوم فأوهم فذكّره) * «١» . ٢-* (عن أنس- ﵁ قال: ما صلّيت خلف أحد أوجز صلاة من صلاة رسول الله ﷺ ، في تمام، كانت صلاة رسول الله ﷺ متقاربة. وكانت صلاة أبي بكر متقاربة. فلمّا كان عمر بن الخطّاب مدّ في صلاة الفجر. وكان رسول الله ﷺ إذا قال «سمع الله لمن حمده» قام. حتّى نقول: قد أوهم. ثمّ يسجد. ويقعد بين السّجدتين. حتّى نقول: قد أوهم «٢» ) * «٣» . من الآثار الواردة في ذمّ (الوهم) ١-* (عن الحكم قال: سمعت أبا وائل يقول: قال عبد الله: من أوهم في صلاته فليتحرّ الصّواب ثمّ يسجد سجدتين بعد ما يفرغ وهو جالس) * «٤» . من مضار (الوهم) (١) انفاق الجهد فيما لا يفيد. (٢) طاعة الشّيطان في وسواسه. (٣) يؤدّي إلى مرض النّفس والتّذبذب في العقيدة.

стр. 6436

الوهن الوهن لغة: الوهن مأخوذ من مادّة (وه ن) الّتي تدلّ على الضّعف. تقول منه: وهن الشّيء يهن وهنا: ضعف، وأوهنته أنا (أي أضعفته) «١» . والوهن: الضّعف في العمل وفي الأشياء، وكذلك في العظم ونحوه. وقد وهن العظم يهن وهنا، وأوهنه يوهنه، ورجل واهن في الأمر والعمل، وموهون في العظم والبدن، وقد يثقّل «٢» . يقول الرّاغب: الوهن ضعف من حيث الخلق أو الخلق، قال تعالى: قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي (مريم/ ٤) وقال: فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ (آل عمران/ ١٤٦) وقال: وَهْناً عَلى وَهْنٍ (لقمان/ ١٤) أي كلّما عظم في بطنها زادها ضعفا على ضعف «٣» . أي لزمها بحملها إيّاه أن تضعف مرّة بعد مرّة، وقيل: وهنا على وهن، أي جهدا على جهد، وفي حديث الطّواف: وقد وهنتهم حمّى يثرب: أي أضعفتهم، وفي حديث عليّ- ﵁: «ولا واهنا في عزم» أي ضعيفا في رأي. ورجل واهن: ضعيف لا بطش عنده، والأنثى واهنة. وقوله- : فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي ما فتروا وما جبنوا عن قتال عدوّهم. ويقال للطّائر إذا أثقل من أكل الجيف فلم يقدر على النّهوض قد توهّن توهّنا. والوهنانة من النّساء الكسلى عن العمل تنعّما، والوهنانة الّتي فيها فترة «٤» . وقال ابن الأثير: وفي حديث عمران بن حصين: «أنّ فلانا دخل عليه وفي عضده حلقة من صفر (نحاس) فقال: ما هذا؟ قال: هذا من الواهنة. قال: أما إنّها لا تزيدك إلّا وهنا، الواهنة: عرق يأخذ في المنكب وفي اليد كلّها فيرقى منها، وقيل: هو مرض يأخذ في العضد وربّما علّق عليها جنس من الخرز يقال لها: خرز الواهنة وهي تأخذ الرّجال دون النّساء، وإنّما نهاه عنها لأنّه إنّما اتّخذها على أنّها تعصمه من الألم فكان عنده في معنى التّمائم المنهيّ عنها «٥» . وقال الفيروزاباديّ: يقال: الوهن والوهن (محرّكة) : والفعل منه: وهن يهن كوعد يعد، ووهن يهن كورث يرث، ووهن يوهن كوجل يوجل، وأوهنه ووهّنه: أضعفه، وهو واهن وموهون: لا بطش عنده، وهي واهنة، والجمع: وهن «٦» .

стр. 6437

الوهن اصطلاحا: قال الفيروز اباديّ: الوهن (والوهن) : الضّعف في العمل «١» . وقيل: الضّعف في الخلق والخلق «٢» . وقال القرطبيّ: الوهن انكسار الجدّ بالخوف «٣» ، وقال في تفسير قوله تعالى: وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا (آل عمران/ ١٣٩) أي لا تضعفوا ولا تجبنوا يا أصحاب محمّد عن جهاد أعدائكم لما أصابكم «٤» ويؤخذ من ذلك أنّ: الوهن: هو الضّعف والجبن عن جهاد الأعداء عند ما ينزل بالمؤمن نازلة من أعدائه. الوهن داء يأخذ بالأمم والأفراد: الوهن بمعنى الضّعف الخلقيّ أمر طبعيّ لا يتعلّق به مدح أو ذمّ إلّا إذا تسبّب فيه الإنسان كأن يتناول ما يضعف قوّته ويسلبه القدرة على العمل وهو فى هذه الحالة يدخل في إطار الأمور المذمومة لأنّه إلقاء للنّفس إلى التّهلكة ودخول تحت ما يسلب عنه الخيريّة وحبّ الله تعالى لما ورد من أنّ المؤمن القويّ خير وأحبّ إلى الله من المؤمن الضّعيف. وأما الوهن الخلقيّ المصحوب بالتّخاذل والخوف من لقاء الأعداء والجبن عن منازلتهم فهو منهيّ عنه بنصّ الآية الكريمة: وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (آل عمران/ ١٣٩) ، وقد أخبر المولى- عن الأتباع الحقيقيّين للرّسل الّذين جاهدوا معهم فأصابوا وأصيبوا، فلم يفتّ في عضدهم ما أصابهم في سبيل الله وما لحقهم وهن ولا ضعف ولا استكانة، وهكذا ينبغي أن يكون شأن المؤمنين في كلّ زمان ومكان. قال تعالى: وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَما ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (آل عمران/ ١٤٦) ، وقد نهانا المولى عن الوهن في قتال الأعداء مهما كان الألم الّذي أصابنا في جهادهم. قال ابن عبّاس- ﵄ في قوله تعالى: وَمَا اسْتَكانُوا (آل عمران/ ١٤٦) : تخشّعوا. وقال قتادة والرّبيع بن أنس- رحمهما الله-: وَمَا اسْتَكانُوا فما ارتدّوا عن نصرتهم ولا عن دينهم أن قاتلوا ما قاتل عليه نبيّ الله حتّى لحقوا به «٥» . وقال مقاتل: وَمَا اسْتَكانُوا وما استسلموا وما خضعوا لعدوّهم «٦» . وقال أبو العالية: وَمَا اسْتَكانُوا أي لما أصابهم في الجهاد، والاستكانة: الذّلّة والخضوع «٧» . وعن عليّ بن أبي طالب- ﵁ في قوله تعالى: فَمَا اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ وَما يَتَضَرَّعُونَ (المؤمنون/ ٧٦) : أي: لم يتواضعوا في الدّعاء، ولم يخضعوا، ولو خضعوا لله لاستجاب لهم «٨» .

стр. 6438

معالجة الوهن: أشار القرآن الكريم إلى العوامل الّتي تدفع هذه العلّة وترجع للمسلمين تماسكهم وقوّة عزمهم، من ذلك: ١- أنّ ما أصاب المسلمين من الألم قد أصاب الأعداء مثله. قال تعالى: إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ (النساء/ ١٠٤) . ٢- عند تساوي المسلمين وأعدائهم في درجة الألم فإنّ المسلمين يتمتّعون بقوّة إيمانهم ونبل مسلكهم وانتظار الظّفر أو الجنّة. قال تعالى: وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ (النساء/ ١٠٤) . ٣- إنّ كيد الكافرين مهما كان قويّا فإنّه لا ينبغي أن يخيف المسلمين لأنّ الله- موهنه ومضعفه ذلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ (الأنفال/ ١٨) . ٤- أنّ المسلمين هم الأعلون بنصرة الله لهم ومن ثمّ فلا ينبغي أن يطلبوا وقف القتال (أي الدّخول في سلم العدوّ) لأنّ حليفهم وناصرهم لا، ولم، ولن يهزم أبدا، ومن كان الله معه فكيف يخاف من عواقب معركة مهما كانت فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ (محمد/ ٣٥) . [للاستزادة: انظر صفات: الضعف- الجبن- التخاذل- الكسل- التولي- صغر الهمة- اليأس- القنوط. وفي ضد ذلك: انظر صفات: القوة- قوة الإرادة النشاط- علو الهمة- الرجولة- العمل] .

стр. 6439

الآيات الواردة في «الوهن» ١- قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١٣٧) هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٨) وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (١٤٠) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ (١٤١) أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (١٤٢) وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (١٤٣) «١» ٢- وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَما ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (١٤٦) وَما كانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (١٤٧) فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٤٨) «٢» ٣- وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (١٠٤) «٣» ٤- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ (١٥) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦) فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٧) ذلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ (١٨) إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ (١٩) «٤»

стр. 6440

٥- كهيعص (١) ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (٢) إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا (٣) قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (٤) وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (٦) «١» ٦- مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (٤١) إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٤٢) وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ (٤٣) «٢» ٧- وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى وَهْنٍ وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤) «٣» ٨- إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ ماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ (٣٤) فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ (٣٥) «٤»

стр. 6441

الأحاديث الواردة في ذمّ (الوهن) ١-* (عن ثوبان- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، فقال قائل: ومن قلّة نحن يومئذ؟. قال: «بل أنتم يومئذ كثير، ولكنّكم غثاء كغثاء السّيل، ولينزعنّ الله من صدور عدوّكم المهابة منكم وليقذفنّ الله في قلوبكم الوهن» ، فقال قائل: يا رسول الله، وما الوهن؟. قال: «حبّ الدّنيا وكراهية الموت» ) * «١» . الأحاديث الواردة في ذمّ (الوهن) معنى ٢-* (عن ابن عمر- ﵄ أنّه قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزّرع، وتركتم الجهاد، سلّط الله عليكم ذلّا لا ينزعه حتّى ترجعوا إلى دينكم) * «٢» . ٣-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ أعجز النّاس من عجز عن الدّعاء، وأبخل النّاس من بخل بالسّلام» ) * «٣» . ٤-* (عن ابن عمر- ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «بعثت بالسّيف حتّى يعبد الله لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظلّ رمحي، وجعل الذّلّة والصّغار على من خالف أمري، ومن تشبّه بقوم فهو منهم» ) * «٤» . ٥-* (عن حذيفة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تكونوا إمّعة تقولون: إن أحسن النّاس أحسنّا، وإن ظلموا ظلمنا، ولكن وطّنوا أنفسكم. إن أحسن النّاس أن تحسنوا. وإن أساءوا فلا تظلموا» ) * «٥» .

стр. 6442

٦-* (عن أبي أمامة الباهليّ- ﵁ قال: ورأى سكّة «١» وشيئا من آلة الحرث- فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يدخل هذا بيت قوم إلّا أدخله الله الذّلّ «٢» » ) * «٣» . ٧-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «المؤمن القويّ خير وأحبّ إلى الله من المؤمن الضّعيف، وفي كلّ خير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أنّي فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل؛ فإنّ لو تفتح عمل الشّيطان» ) * «٤» . من الآثار وأقوال العلماء والمفسرين الواردة في ذمّ (الوهن) ١-* (قال خالد بن برمك: من استطاع أن يمنع نفسه من أربعة أشياء فهو خليق أن لا ينزل به كبير مكروه. العجلة، والّلجاجة، والعجب، والتّواني، فثمرة العجلة النّدامة، وثمرة الّلجاجة الحيرة، وثمرة العجب البغضة، وثمرة التّواني الذّلّ) * «٥» . ٢- (لقد مرّ على الأمّة أزمنة وهنت قوّتها وضاعت عزّتها، فهانت على أعدائها، وتسلّطوا عليها. وما حدث للمسلمين من تسلّط التّتار من أوضح الأدلّة الواردة على ذلك ما حدث في سنة ثنتين وتسعين وأربعمائة، حيث أخذت الفرنج- لعنهم الله- بيت المقدس- شرّفه الله-، وقتلوا في وسطه أزيد من ستّين ألف قتيل من المسلمين فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ (الإسراء/ ٥) وتبّروا ما عَلَوْا تَتْبِيراً (الإسراء/ ٧) . قال ابن الجوزيّ: وأخذوا من حول الصّخرة اثنين وأربعين قنديلا من فضّة، زنة كلّ واحد منها ثلاثة آلاف وستّمائة درهم، وأخذوا تنّورا من فضّة زنته أربعون رطلا بالشّاميّ، وثلاثة وعشرين قنديلا من ذهب، وذهب النّاس على وجوههم هاربين من الشّام إلى العراق، مستغيثين على الفرنج إلى الخليفة والسّلطان، منهم القاضي أبو سعد الهرويّ، فلمّا سمع النّاس ببغداد هذا الأمر الفظيع هالهم ذلك وتباكوا، وقد نظم أبو سعد الهرويّ كلاما قرأ في الدّيوان وعلى المنابر، فارتفع بكاء النّاس، وندب الخليفة الفقهاء إلى الخروج إلى البلاد ليحرّضوا الملوك على الجهاد، فخرج ابن عقيل- واحد من أعيان الفقهاء- فساروا في النّاس فلم يفد ذلك شيئا، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون، فقال في ذلك أبو المظفّر الأبيورديّ شعرا: مزجنا دمانا بالدّموع السّواجم ... فلم يبق منّا عرضة للمراحم

стр. 6443

وشرّ سلاح المرء دمع يريقه ... إذا الحرب شبّت نارها بالصّوارم فإيها بني الإسلام إنّ وراءكم ... وقائع يلحقن الذّرى بالمناسم وكيف تنام العين ملء جفونها ... على هفوات أيقظت كلّ نائم وإخوانكم بالشّام يضحي مقيلهم ... ظهور المذاكي أو بطون القشاعم تسومهم الرّوم الهوان وأنتم ... تجرّون ذيل الخفض فعل المسالم ومنها قوله: وبين اختلاس الطّعن والضّرب وقفة ... تظلّ لها الولدان شيب القوادم وتلك حروب من يغب عن غمارها ... ليسلم يقرع بعدها سنّ نادم سللن بأيدي المشركين قواضبا ... ستغمد منهم في الكلى والجماجم يكاد لهنّ المستجير بطيبة ... ينادي بأعلى الصّوت يا آل هاشم أرى أمّتي لا يشرعون إلى العدا ... رماحهم والدّين واهي الدّعائم ويجتنبون النّار خوفا من الرّدى ... ولا يحسبون العار ضربة لازم أيرضى صناديد الأعاريب بالأذى ... ويغضي على ذلّ كماة الأعاجم فليتهمو إذ لم يذودوا حميّة ... عن الدّين ضنّوا غيرة بالمحارم وإن زهدوا في الأجر إذ حمي الوغى ... فهلّا أتوه رغبة في المغانم) * «١» . ٣-* (ثمّ دخلت سنة ستّ وخمسين وستّمائة. فيها أخذت التّتار بغداد وقتلوا أكثر أهلها حتّى الخليفة، وانقضت دولة بني العبّاس منها. استهلّت هذه السّنة وجنود التّتار قد نازلت بغداد صحبة الأميرين اللّذين على مقدّمة عساكر سلطان التّتار، هولاكو خان، وجاءت إليهم أمدد صاحب الموصل يساعدونهم على البغاددة وميرته وهداياه وتحفه، وكلّ ذلك خوفا على نفسه من التّتار، ومصانعة لهم- قبّحهم الله تعالى-، وقد سترت بغداد ونصبت المجانيق والعرّادات وغيرها من آلات الممانعة الّتي لا تردّ من قدر الله- شيئا، كما ورد في الأثر (لن يغني حذر عن قدر) ، وكما قال تعالى: إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ (نوح/ ٤) ، وقال تعالى إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذا أَرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ وَما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ (الرعد/ ١١) ، وأحاطت التّتار بدار الخلافة يرشقونها بالنّبال من كلّ جانب حتّى أصيبت جارية كانت تلعب بين يدي الخليفة وتضحكه، وكانت من جملة حظاياه، وكانت مولّدة تسمّى عرفة، جاءها سهم من بعض الشّبابيك فقتلها وهي ترقص بين يدي الخليفة، فانزعج الخليفة من ذلك وفزع فزعا شديدا،

стр. 6444

وأحضر السّهم الّذي أصابها بين يديه فإذا عليه مكتوب، إذا أراد الله إنفاذ قضائه وقدره أذهب من ذوي العقول عقولهم. ومالوا على البلد فقتلوا جميع من قدروا عليه من الرّجال والنّساء والولدان والمشايخ والكهول والشّبّان، ودخل كثير من النّاس في الآبار وأماكن الحشوش، وقنى الوسخ، وكمنوا كذلك أيّاما لا يظهرون، وكان الجماعة من النّاس يجتمعون إلى الخانات ويغلقون عليهم الأبواب فتفتحها التّتار إمّا بالكسر وإمّا بالنّار، ثمّ يدخلون عليهم فيهربون منهم إلى أعالي الأمكنة فيقتلونهم بالأسطحة، حتّى تجري الميازيب من الدّماء في الأزقّة، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون. وكذلك المساجد والجوامع والرّبط، ولم ينج منهم أحد سوى أهل الذّمّة من اليهود والنّصارى ومن التجأ إليهم وإلى دار الوزير ابن العلقميّ الرّافضيّ وطائفة من التّجّار أخذوا لهم أمانا بذلوا عليه أموالا جزيلة حتّى سلموا وسلمت أموالهم. وعادت بغداد بعد ما كانت آنس المدن كلّها كأنّها خراب ليس فيها إلّا القليل من النّاس، وهم في خوف وجوع وذلّة وقلّة، وكان الوزير العلقميّ قبل هذه الحادثة يجتهد في صرف الجيوش وإسقاط أسهمهم من الدّيوان، فكانت العساكر في آخر أيّام المستنصر قريبا من مائة ألف مقاتل، منهم من الأمراء من هو كالملوك الأكابر الأكاسر، فلم يزل يجتهد في تقليلهم إلى أن لم يبق سوى عشرة آلاف، ثمّ كاتب التّتار وأطمعهم في أخذ البلاد، وسهّل عليهم ذلك، وحكى لهم حقيقة الحال، وكشف لهم ضعف الرّجال، وذلك كلّه طمعا منه أن يزيل السّنّة بالكلّيّة، وأن يظهر البدعة الرّافضة وأن يقيم خليفة من الفاطميّين، وأن يبيد العلماء والمفتين، والله غالب على أمره، وقد ردّ كيده في نحره، وأذلّه بعد العزّة القعساء، وجعله (حوشكاشا) للتّتار بعد ما كان وزيرا للخلفاء، واكتسب إثم من قتل ببغداد من الرّجال والنّساء والأطفال، فالحكم لله العليّ الكبير، ربّ الأرض والسّماء. وقد جرى على بني إسرائيل ببيت المقدس قريب ممّا جرى على أهل بغداد كما قصّ الله تعالى علينا ذلك في كتابه العزيز، حيث يقول: وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً* فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ وَكانَ وَعْداً مَفْعُولًا (الإسراء/ ٤- ٥) الآيات. وقد قتل من بني إسرائيل خلق من الصّلحاء وأسر جماعة من أولاد الأنبياء، وخرّب بيت المقدس بعدما كان معمورا بالعبّاد والزّهّاد والأحبار والأنبياء، فصار خاويا على عروشه واهي البناء. وقد اختلف النّاس في كمّيّة من قتل ببغداد من المسلمين في هذه الوقعة، فقيل ثمانمائة ألف، وقيل ألف ألف وثمانمائة ألف، وقيل بلغت القتلى ألفي ألف نفس، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون، ولا حول ولا قوّة إلّا بالله العليّ العظيم. وكان دخولهم إلى بغداد في أواخر المحرّم، وما زال السّيف يقتل أهلها أربعين يوما، وكان قتل الخليفة

стр. 6445

المستعصم بالله أمير المؤمنين يوم الأربعاء، رابع عشر صفر وعفّي قبره، وكان عمره يومئذ ستّا وأربعين سنة وأربعة أشهر، ومدّة خلافته خمس عشرة سنة وثمانية أشهر وأيّام، وقتل معه ولده الأكبر أبو العبّاس أحمد، وله خمس وعشرون سنة، ثمّ قتل ولده الأوسط أبو الفضل عبد الرّحمن وله ثلاث وعشرون سنة، وأسر ولده الأصغر مبارك، وأسرت أخواته الثّلاث: فاطمة وخديجة ومريم، وأسر من دار الخلافة من الأبكار ما يقارب ألف بكر فيما قيل، والله أعلم، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون. وقتل أستاذ دار الخلافة الشّيخ محيي الدّين يوسف ابن الشّيخ أبي الفرج ابن الجوزيّ، وكان عدوّ الوزير، وقتل أولاده الثّلاثة: عبد الله، وعبد الرّحمن، وعبد الكريم، وأكابر الدّولة واحدا بعد واحد، منهم الدّيودار الصّغير مجاهد الدّين أيبك، وشهاب الدّين سليمان شاه، وجماعة من أمراء السّنّة وأكابر البلد. وكان الرّجل يستدعى به من دار الخلافة من بني العبّاس فيخرج بأولاده ونسائه فيذهب به إلى مقبرة الخلال، تجاه المنظرة فيذبح كما تذبح الشّاة، ويؤسر من يختارون من بناته وجواريه. وقتل شيخ الشّيوخ مؤدّب الخليفة صدر الدّين عليّ بن النّيّار، وقتل الخطباء والأئمّة، وحملة القرآن، وتعطّلت المساجد والجمعات والمدارس والرّبط مدّة شهور ببغداد، وأراد الوزير ابن العلقميّ قبّحه الله- ولعنه، أن يعطّل المساجد والمدارس والرّبط ببغداد، ويستمرّ بالمشاهد ومحالّ الرّفض، وأن يبني للرّافضة مدرسة هائلة ينشرون علمهم وعلمهم بها وعليها، فلم يقدره الله تعالى على ذلك بل أزال نعمته عنه وقصف عمره بعد شهور يسيرة من هذه الحادثة، وأتبعه بولده فاجتمعا- والله أعلم- بالدّرك الأسفل من النّار. ولمّا انقضى الأمر المقدّر وانقضت الأربعون يوما بقيت بغداد خاوية على عروشها ليس بها أحد إلّا الشّاذّ من النّاس، والقتلى كأنّها التّلول، وقد سقط عليهم المطر فتغيّرت صورهم وأنتنت من جيفهم البلد، وتغيّر الهواء فحصل بسببه الوباء الشّديد حتّى تعدّى وسرى في الهواء إلى بلاد الشّام، فمات خلق كثير من تغيّر الجوّ وفساد الرّيح، فاجتمع على النّاس الغلاء والوباء والفناء والطّعن والطّاعون «١» . من مضار (الوهن) (١) يكسب بغض الله ورسوله. (٢) يدخل العدوّ من كلّ جانب. (٣) يسهّل هتك الأعراض وسفك الدّم واغتصاب الأموال. (٤) يضيّع الأمّة ويشرّد أبناءها. (٥) يملأ الأرض خرابا بعد أن كانت عامرة بأهلها.
следующие страницы →