← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 22798

نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (6 530 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

المثل التطبيقي من حياة النبي ﷺ في (الاتباع) ٣٤-* (عن ابن عمر- ﵄ قال: اتّخذ النّبيّ ﷺ خاتما من ذهب فاتّخذ النّاس خواتيم من ذهب فقال النّبيّ ﷺ : «إنّي اتّخذت خاتما من ذهب» فنبذه، وقال: «إنّي لن ألبسه أبدا» فنبذ النّاس خواتيمهم) * «١» . ٣٥-* (عن المسور بن مخرمة ومروان- ﵄ يصدّق كلّ منهما حديث صاحبه قالا: خرج رسول الله ﷺ زمن الحديبية حتّى إذا كانوا ببعض الطّريق، قال النّبيّ ﷺ : «إنّ خالد بن الوليد بالغميم «٢» في خيل لقريش طليعة «٣» ، فخذوا ذات اليمين» . فو الله ما شعر بهم خالد حتّى إذا هم بقترة الجيش «٤» ، فانطلق يركض نذيرا لقريش، وسار النّبيّ ﷺ ، حتّى إذا كان بالثّنيّة «٥» الّتي يهبط عليهم منها بركت به راحلته، فقال النّاس: حل حل «٦» . فألحّت «٧» ، فقالوا خلأت «٨» القصواء، فقال النّبيّ ﷺ : «ما خلأت القصواء وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل «٩» » . ثمّ قال: «والّذي نفسي بيده لا يسألونني خطّة يعظّمون فيها حرمات الله إلّا أعطيتهم إيّاها» ، ثمّ زجرها فوثبت. قال: فعدل عنهم حتّى نزل بأقصى الحديبية على ثمد «١٠» قليل الماء يتبرّضه «١١» النّاس تبرّضا، فلم يلبّثه النّاس حتّى نزحوه، وشكي إلى رسول الله ﷺ العطش؛ فانتزع سهما من كنانته، ثمّ أمرهم أن يجعلوه فيه، فوالله ما زال يجيش لهم بالرّيّ حتّى صدروا عنه. فبينما هم كذلك، إذ جاء بديل بن ورقاء الخزاعيّ في نفر من قومه من خزاعة، وكانوا عيبة «١٢» نصح رسول الله ﷺ من أهل تهامة، فقال: «إنّي تركت كعب بن لؤيّ وعامر بن لؤيّ نزلوا أعداد مياه الحديبية، ومعهم العوذ المطافيل «١٣» ، وهم مقاتلوك وصادّوك عن البيت» . فقال رسول الله ﷺ : «إنّا لم نجىء لقتال أحد، ولكنّا جئنا معتمرين، وإنّ قريشا قد نهكتهم الحرب وأضرّت بهم، فإن شاءوا ماددتهم مدّة ويخلّوا بيني وبين النّاس، فإن أظهر؛ فإن شاءوا أن يدخلوا فيما دخل فيه النّاس فعلوا، وإلّا فقد جمّوا «١٤» ، وإن هم أبوا؛ فوالّذي نفسي

стр. 737

بيده لأقاتلنّهم على أمري هذا حتّى تنفرد سالفتي «١» ، ولينفذنّ الله أمره» . فقال بديل: سأبلّغهم ما تقول. قال: فانطلق حتّى أتى قريشا، قال: إنّا جئناكم من هذا الرّجل، وسمعناه يقول قولا، فإن شئتم أن نعرضه عليكم فعلنا. فقال سفهاؤهم: لا حاجة لنا أن تخبرونا عنه بشيء. وقال ذوو الرّأي منهم: هات ما سمعته يقول. قال: سمعته يقول: كذا وكذا. فحدّثهم بما قال النّبيّ ﷺ . فقام عروة بن مسعود فقال: أي قوم، ألستم بالوالد؟ قالوا: بلى. قال: أو لست بالولد؟ قالوا: بلى. قال: فهل تتّهموني؟ قالوا: لا. قال: ألستم تعلمون أنّي استنفرت أهل عكاظ، فلمّا بلّحوا «٢» عليّ جئتكم بأهلي وولدي ومن أطاعني؟ قالوا: بلى. قال: فإنّ هذا قد عرض عليكم خطّة رشد اقبلوها ودعوني آته. قالوا ائته، فأتاه، فجعل يكلّم النّبيّ ﷺ ، فقال النّبيّ ﷺ نحوا من قوله لبديل. فقال عروة عند ذلك: أي محمّد، أرأيت إن استأصلت أمر قومك، هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أهله قبلك؟ وإن تكن الأخرى، فإنّي والله لا أرى وجوها، وإنّي لأرى أشوابا «٣» من النّاس خليقا أن يفرّوا ويدعوك. فقال له أبو بكر: امصص بظر اللّات «٤» ، أنحن نفرّ عنه وندعه. فقال: من ذا؟ قالوا: أبو بكر. قال: أما والّذي نفسي بيده، لولا يد كانت لك عندي لم أجزك بها لأجبتك. قال: وجعل يكلّم النّبيّ ﷺ ، فكلّما تكلّم كلمة أخذ بلحيته، والمغيرة بن شعبة قائم على رأس النّبيّ ﷺ ومعه السّيف وعليه المغفر، فكلّما أهوى عروة بيده إلى لحية النّبيّ ﷺ ضرب يده بنعل السّيف، وقال له: أخّر يدك عن لحية رسول الله ﷺ . فرفع عروة رأسه، فقال: من هذا؟. قال: المغيرة بن شعبة. فقال: أي غدر «٥» ، ألست أسعى في غدرتك؟. وكان المغيرة صحب قوما في الجاهليّة فقتلهم وأخذ أموالهم ثمّ جاء فأسلم. فقال النّبيّ ﷺ «أمّا الإسلام فأقبل، وأمّا المال فلست منه في شيء» . ثمّ إنّ عروة جعل يرمق أصحاب النّبيّ ﷺ بعينيه. قال: فو الله ما تنخّم رسول الله ﷺ نخامة إلّا وقعت في كفّ رجل منهم فدلّك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضّا كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلّموا خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدّون إليه النّظر تعظيما له، فرجع عروة إلى أصحابه، فقال: أي قوم، والله لقد وفدت على الملوك، ووفدت على قيصر وكسرى والنّجاشيّ، والله، إن رأيت مليكا قطّ يعظّمه أصحابه ما يعظّم أصحاب محمّد ﷺ محمّدا. والله، إن يتنخّم نخامة إلّا وقعت في كفّ رجل منهم، فدلّك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضّأ

стр. 738

كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلّموا خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدّون إليه النّظر تعظيما له، وإنّه قد عرض عليكم خطّة رشد فاقبلوها. فقال رجل من بني كنانة: دعوني آته، فقالوا: ائته. فلمّا أشرف على النّبيّ ﷺ وأصحابه، قال رسول الله ﷺ : «هذا فلان، وهو من قوم يعظّمون البدن، فابعثوها له» . فبعثت له، واستقبله النّاس يلبّون. فلمّا رأى ذلك قال: سبحان الله، ما ينبغي لهؤلاء أن يصدّوا عن البيت. فلمّا رجع إلى أصحابه، قال: رأيت البدن قد قلّدت وأشعرت، فما أرى أن يصدّوا عن البيت. فقام رجل منهم، يقال له مكرز بن حفص، فقال: دعوني آته. فقالوا: ائته. فلمّا أشرف عليهم قال النّبيّ ﷺ : «هذا مكرز، وهو رجل فاجر» . فجعل يكلّم النّبيّ ﷺ . فبينما هو يكلّمه إذ جاء سهيل بن عمرو. فقال النّبيّ ﷺ : «قد سهل لكم من أمركم» . فجاء سهيل ابن عمرو فقال: هات اكتب بيننا وبينكم كتابا. فدعا النّبيّ ﷺ الكاتب، فقال النّبيّ ﷺ : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*. فقال سهيل: أمّا «الرّحمن» فوالله ما أدري ما هي؟ ولكن اكتب «باسمك اللهمّ» ، كما كنت تكتب، فقال المسلمون: والله لا نكتبها إلّا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*. فقال النّبيّ ﷺ : «اكتب: باسمك اللهمّ» . ثمّ قال: «هذا ما قاضى عليه محمّد رسول الله» . فقال سهيل: والله لو كنّا نعلم أنّك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن اكتب: «محمّد بن عبد الله» ، فقال النّبيّ ﷺ : «والله إنّي لرسول الله وإن كذّبتموني، اكتب: محمّد بن عبد الله» ، وذلك لقوله: «لا يسألونني خطّة يعظّمون فيها حرمات الله إلّا أعطيتهم إيّاها» . فقال له النّبيّ ﷺ : «على أن تخلّوا بيننا وبين البيت فنطوف به» . فقال سهيل: والله لا تتحدّث العرب أنّا أخذنا ضغطة» ، ولكن ذلك من العام المقبل، فكتب. فقال سهيل: وعلى أنّه لا يأتيك منّا رجل وإن كان على دينك إلّا رددته إلينا. قال المسلمون: سبحان الله، كيف يردّ إلى المشركين وقد جاء مسلما؟ فبينما هم كذلك، إذ دخل أبو جندل ابن سهيل بن عمرو يرسف في قيوده «٢» ، وقد خرج من أسفل مكّة حتّى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين، فقال سهيل: هذا يا محمّد أوّل من أقاضيك عليه أن تردّه إليّ. فقال النّبيّ ﷺ : «إنّا لم نقض الكتاب بعد» . قال: فو الله إذا لم أصالحك على شيء أبدا. قال النّبيّ ﷺ : «فأجزه لي» ، قال: ما أنا بمجيزه لك، قال: «بلى فافعل» قال: ما أنا بفاعل. قال مكرز: بل قد أجزناه لك. قال أبو جندل: أي معشر المسلمين، أردّ إلى المشركين وقد جئت مسلما؟. ألا ترون ما قد لقيت؟ وكان قد عذّب عذابا شديدا في الله. قال: فقال عمر بن الخطّاب: فأتيت نبيّ الله ﷺ فقلت: ألست نبيّ الله حقّا؟. قال: «بلى» قلت: ألسنا على الحقّ وعدوّنا على الباطل؟. قال: «بلى» . قلت: فلم نعطي الدّنيّة «٣» في ديننا إذا؟. قال: «إنّي رسول

стр. 739

الله ولست أعصيه، وهو ناصري» . قلت: أو ليس كنت تحدّثنا أنّا سنأتي البيت فنطوف به؟. قال: «بلى، فأخبرتك أنّا نأتيه العام؟.» قال: قلت: لا. قال: «فإنّك آتيه ومطوّف به» . قال: فأتيت أبا بكر فقلت: يا أبا بكر، أليس هذا نبيّ الله حقّا؟. قال: بلى. قلت: ألسنا لى الحقّ وعدوّنا على الباطل. قال: بلى. قلت: فلم نعطي الدّنيّة في ديننا إذا؟. قال: أيّها الرّجل، إنّه لرسول الله ﷺ ، وليس يعصي ربّه، وهو ناصره، فاستمسك بغرزه «١» فوالله إنّه على الحقّ. قلت: أليس كان يحدّثنا أنّا سنأتي البيت ونطوف به «٢» ؟. قال: بلى، أفأخبرك أنّك تأتيه العام؟. قلت: لا. قال: فإنّك آتيه ومطوّف به. قال الزّهريّ: قال عمر: فعملت لذلك أعمالا. قال: فلمّا فرغ من قضيّة الكتاب قال رسول الله ﷺ لأصحابه: «قوموا فانحروا ثمّ احلقوا» . قال: فوالله ما قام منهم رجل، حتّى قال ذلك ثلاث مرّات، فلمّا لم يقم منهم أحد دخل على أمّ سلمة فذكر لها ما لقي من النّاس. فقالت أمّ سلمة: يا نبيّ الله؛ أتحبّ ذلك؟. اخرج، ثمّ لا تكلّم أحدا منهم كلمة حتّى تنحر بدنك، وتدعو حالقك فيحلقك. فخرج فلم يكلّم أحدا منهم حتّى فعل ذلك: نحر بدنه، ودعا حالقه فحلقه. فلمّا رأوا ذلك قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضا، حتّى كاد بعضهم يقتل بعضا غمّا. ثمّ جاءه نسوة مؤمنات، فأنزل الله تعالى (الممتحنة/ ١٠) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ حتّى بلغ بِعِصَمِ الْكَوافِرِ، فطلّق عمر يومئذ امرأتين كانتا له في الشّرك، فتزوّج إحداهما معاوية بن أبي سفيان، والأخرى صفوان بن أميّة، ثمّ رجع النّبيّ ﷺ إلى المدينة، فجاءه أبو بصير رجل من قريش وهو مسلم، فأرسلوا في طلبه رجلين فقالوا: العهد الّذي جعلت لنا، فدفعه إلى الرّجلين، فخرجا به حتّى بلغا ذا الحليفة، فنزلوا يأكلون من تمر لهم، فقال أبو بصير لأحد الرّجلين: والله إنّي لأرى سيفك هذا يا فلان جيّدا، فاستلّه الآخر. فقال: أجل والله إنّه لجيّد، لقد جرّبت به ثمّ جرّبت به ثمّ جرّبت. فقال أبو بصير: أرني أنظر إليه، فأمكنه منه، فضربه حتّى برد «٣» ، وفرّ الآخر حتّى أتى المدينة، فدخل المسجد يعدو، فقال رسول الله ﷺ حين رآه: «لقد رأى هذا ذعرا» ، فلمّا انتهى إلى النّبيّ ﷺ قال: قتل والله صاحبي، وإنّي لمقتول. فجاء أبو بصير فقال: يا نبيّ الله، قد والله أوفى الله ذمّتك قد رددتني إليهم، ثمّ أنجاني الله منهم. قال النّبيّ ﷺ : «ويل أمّه «٤» . مسعر «٥» حرب لو كان له أحد» ، فلمّا سمع

стр. 740

ذلك عرف أنّه سيردّه إليهم، فخرج حتّى أتى سيف البحر «١» . قال: وينفلت منهم أبو جندل ابن سهيل فلحق بأبي بصير، فجعل لا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلّا لحق بأبي بصير، حتّى اجتمعت منهم عصابة، فوالله ما يسمعون بعير خرجت لقريش إلى الشّام إلّا اعترضوا لها. فقتلوهم وأخذوا أموالهم. فأرسلت قريش إلى النّبيّ ﷺ تناشده الله والرّحم لما أرسل، فمن أتاه فهو آمن فأرسل النّبيّ ﷺ إليهم، فأنزل الله تعالى (الفتح/ ٢٤) وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ حتّى بلغ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ، وكانت حميّتهم أنّهم لم يقرّوا أنّه نبيّ الله، ولم يقرّوا ببسم الله الرّحمن الرّحيم، وحالوا بينهم وبين البيت) * «٢» . من الآثار وأقوال العلماء والمفسرين الواردة في (الاتباع) ١-* (وقال عمر- ﵁ لشريح (القاضي) : «إن جاءك شيء في كتاب الله فاقض به، ولا يلفتنّك عنه الرّجال؛ فإن جاءك ما ليس في كتاب الله فانظر سنّة رسول الله ﷺ فاقض بها، فإن جاءك ما ليس في كتاب الله ولم يكن فيه سنّة من رسول الله ﷺ ، فانظر ما اجتمع عليه النّاس فخذ به، فإن جاءك ما ليس في كتاب الله ولم يكن في سنّة رسول الله ﷺ ، ولم يتكلّم فيه أحد قبلك، فاختر أيّ الأمرين شئت، إن شئت أن تجتهد برأيك ثمّ تقدم فتقدّم، وإن شئت، إن تتأخّر فتأخّر، ولا أرى التّأخّر إلّا خيرا لك» ) * «٣» . ٢-* (وعن عمر بن الخطّاب- ﵁: أنّه جاء إلى الحجر الأسود فقبّله فقال: «إنّي أعلم أنّك حجر لا تضرّ ولا تنفع، ولولا أنّي رأيت النّبيّ ﷺ يقبّلك ما قبّلتك» ) * «٤» . ٣-* (عن أبي وائل قال: جلست إلى شيبة في هذا المسجد، قال: جلس إليّ عمر في مجلسك هذا فقال: «هممت أن لا أدع فيها «٥» صفراء ولا بيضاء «٦» إلّا قسمتها بين المسلمين. قال: ما أنت بفاعل. قال: لم؟ قلت: لم يفعله صاحباك: قال هما المرآن يقتدى بهما» ) * «٧» . ٤-* (عن عمر بن الخطّاب- ﵁ أنّه قال: «فيم الرّملان «٨» اليوم والكشف

стр. 741

عن المناكب؟ وقد أطّأ «١» الله الإسلام ونفى الكفر وأهله، مع ذلك لا ندع شيئا كنّا نفعله على عهد رسول الله ﷺ » ) * «٢» . ٥-* (عن أبي الهيّاج الأسديّ قال: بعث عليّ ابن أبي طالب- ﵁ أبا الهيّاج الأسديّ وقال له: «ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ ؟. أن لا تدع تمثالا إلّا طمسته، ولا قبرا مشرفا إلّا سوّيته» ) * «٣» . ٦-* (وقال- ﵁: «إيّاكم والاستنان بالرّجال؛ فإنّ الرّجل ليعمل بعمل أهل الجنّة ثمّ ينقلب لعلم الله فيه فيعمل بعمل أهل النّار فيموت وهو من أهل النّار، وإنّ الرّجل ليعمل بعمل أهل النّار فينقلب لعلم الله فيه فيعمل بعمل أهل الجنّة فيموت وهو من أهل الجنّة، فإن كنتم لا بدّ فاعلين فبالأموات لا بالأحياء وأشار إلى رسول الله ﷺ وأصحابه الكرام» ) * «٤» . ٧-* (عن أبيّ بن كعب- ﵁ قال: «عليكم بالسّبيل والسّنّة، فإنّه ليس من عبد على السّبيل والسّنّة ذكر الرّحمن ففاضت عيناه من خشية الله- فتمسّه النّار. وليس من عبد على سبيل وسنّة ذكر الرّحمن فاقشعرّ جلده من مخافة الله، إلّا كان مثله كمثل شجرة قد يبس ورقها فهي كذلك إذ أصابتها الرّيح فتحاتّ عنها ورقها، إلّا تحاتّت عنه ذنوبه كما تحاتّ عن تلك الشّجرة ورقها. وإنّ اقتصادا في سبيل وسنّة خير من اجتهاد في خلاف سبيل وسنّة، فانظروا أن يكون عملكم إن كان اجتهادا أو اقتصادا أن يكون ذلك على منهاج الأنبياء وسنّتهم» ) * «٥» . ٨-* (وقال أيضا يوصي رجلا: «اتّخذ كتاب الله إماما، وارض به قاضيا وحكما، فإنّه الّذي استخلف فيكم رسول الله ﷺ ، شفيع مطاع، وشاهد لا يتّهم فيه ذكركم وذكر من قبلكم، وحكم ما بينكم وخبركم وخبر ما بعدكم» ) * «٦» . ٩-* (عن حذيفة- ﵁ قال: «يا معشر القرّاء! استقيموا فقد سبقتم سبقا بعيدا، فإن أخذتم يمينا وشمالا لقد ضللتم ضلالا بعيدا» ) * «٧» . ١٠-* (عن أبي إدريس الخولانيّ: «أنّ يزيد ابن عميرة، وكان من أصحاب معاذ بن جبل، أخبره، قال كان لا يجلس مجلسا للذّكر حين يجلس إلّا قال: الله حكم قسط. هلك المرتابون. فقال معاذ بن جبل يوما: إنّ من ورائكم فتنا يكثر فيها المال، ويفتح فيها القرآن حتّى يأخذه المؤمن والمنافق، والرّجل والمرأة، والصّغير والكبير، والعبد والحرّ، فيوشك قائل أن

стр. 742

يقول: ما للنّاس لا يتّبعوني وقد قرأت القرآن؟. ما هم بمتّبعيّ حتّى أبتدع لهم غيره، فإيّاكم وما ابتدع، فإنّ ما ابتدع ضلالة، وأحذّركم زيغة الحكيم؛ فإنّ الشّيطان قد يقول كلمة الضّلالة على لسان الحكيم، وقد يقول المنافق كلمة الحقّ. قال: قلت لمعاذ: ما يدريني- رحمك الله- أنّ الحكيم قد يقول كلمة الضّلالة، وأنّ المنافق قد يقول كلمة الحقّ؟. قال: بلى اجتنب من كلام الحكيم المشتهرات، الّتي يقال: ما هذه؟ ولا يثنينّك ذلك عنه؛ فإنّه لعلّه أن يراجع، وتلقّ الحقّ إذا سمعته، فإنّ على الحقّ نورا» ) * «١» . ١١-* (قال ابن عبّاس- ﵄ في معنى قوله تعالى: وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً، اجعلنا أئمّة هدى ليهتدى بنا ولا تجعلنا أئمّة ضلالة» ) * «٢» . ١٢-* (قال ابن عبّاس- ﵄ في قوله تعالى: يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ، «فأمّا الذين ابيضّت وجوههم فأهل السّنّة والجماعة وأولو العلم. وأمّا الّذين اسودّت وجوههم فأهل البدع والضّلالة» «٣» . ١٣-* (عن ابن عبّاس- ﵄ قال: «قدم عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر فنزل على ابن أخيه الحرّ بن قيس بن حصن- وكان من النّفر الذين يدنيهم عمر، وكان القرّاء أصحاب مجلس عمر ومشاورته كهولا كانوا أو شبّانا- فقال عيينة لابن أخيه: يا ابن أخي! هل لك وجه عند هذا الأمير فتستأذن لي عليه؟. قال: سأستأذن لك عليه، قال ابن عبّاس: فاستأذن لعيينة. فلمّا دخل قال: يابن الخطّاب، والله ما تعطينا الجزل، وما تحكم بيننا بالعدل. فغضب عمر حتّى همّ بأن يقع به، فقال الحرّ: يا أمير المؤمنين، إنّ الله تعالى قال لنبيّه ﷺ : خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ. وإنّ هذا من الجاهلين. فوالله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان وقّافا عند كتاب الله» ) * «٤» . ١٤-* (عن ابن عمر- ﵄: «أنّه أتى على رجل قد أناخ بدنته ينحرها، قال: ابعثها قياما مقيّدة سنّة محمّد ﷺ : أي متّبعا سنّة محمّد ﷺ » ) * «٥» . ١٥- عن أميّة بن عبد الله بن خالد بن أسيد أنّه قال لعبد الله بن عمر: إنّا نجد صلاة الحضر وصلاة الخوف في القرآن، ولا نجد صلاة السّفر في القرآن، فقال له ابن عمر: «ابن أخي إنّ الله- بعث إلينا محمّدا ﷺ ولا نعلم شيئا، فإنّما نفعل كما رأينا محمّدا ﷺ يفعل» ) * «٦» . ١٦-* (عن نافع قال «كان ابن عمر- ﵄ إذا دخل أدنى الحرم أمسك عن التّلبية، ثمّ يبيت بذي طوى، ثمّ يصلّي الصّبح ويغتسل ويحدّث

стр. 743

أنّ النّبيّ ﷺ كان يفعل ذلك» ) * «١» . ١٧-* (عن ابن عمر- ﵄ قال: «دخلت على حفصة فقالت: أعلمت أنّ أباك غير مستخلف؟ قال: قلت: ما كان ليفعل. قالت: إنّه فاعل. قال: فحلفت أن أكلّمه في ذلك فسكتّ. حتّى غدوت ولم أكلّمه. قال: فكنت كأنّما أحمل بيميني جبلا. حتّى رجعت فدخلت عليه، فسألني عن حال النّاس وأنا أخبره. قال: ثمّ قلت له: إنّي سمعت النّاس يقولون مقالة فآليت أن أقولها لك. زعموا أنّك غير مستخلف، وإنّه لو كان لك راعي إبل أو راعي غنم ثمّ جاءك وتركها رأيت أن قد ضيّع. فرعاية النّاس أشدّ. قال: فوافقه قولي. فوضع رأسه ساعة ثمّ رفعه إليّ فقال: إنّ الله يحفظ دينه، وإنّي لئن لا أستخلف فإنّ رسول الله ﷺ لم يستخلف، وإن أستخلف فإنّ أبا بكر قد استخلف. قال: فوالله ما هو إلّا أن ذكر رسول الله ﷺ وأبا بكر فعلمت أنّه لم يكن ليعدل برسول الله ﷺ أحدا. وأنّه غير مستخلف» ) * «٢» . ١٨-* (عن ابن عمر- ﵄ أنّه كان يفتي بالّذي أنزل الله- من الرّخصة بالتّمتّع وسنّة رسول الله ﷺ فيه، فيقول ناس لابن عمر: كيف تخالف أباك وقد نهى عن ذلك؟ فيقول لهم عبد الله: ويلكم ألا تتّقون الله إن كان عمر نهى عن ذلك فيبتغي فيه الخير يلتمس به تمام العمرة، فلم تحرّمون ذلك وقد أحلّه الله وعمل به رسول الله ﷺ ؟ أفرسول الله ﷺ أحقّ أن تتّبعوا سنّته أم سنّة عمر؟. إنّ عمر لم يقل لكم إنّ العمرة في أشهر الحجّ حرام، ولكنّه قال: إنّ أتمّ العمرة أن تفردوها من أشهر الحجّ» ) * «٣» . ١٩-* (قال أبو موسى الأشعريّ- ﵁ في تفسير قوله تعالى: يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ: من يتّبع القرآن يهبط به على رياض الجنّة) *» . ٢٠-* (قال عبد الله بن مسعود- ﵁: «إنّه قد أتى علينا زمان ولسنا نقضي ولسنا هنالك، ثمّ إنّ الله- قدّر علينا أن بلغنا ما ترون، فمن عرض له منكم قضاء بعد اليوم، فليقض بما في كتاب الله، فإن جاء أمر ليس في كتاب الله، فليقض بما قضى به نبيّه ﷺ ، فإن جاء أمر ليس في كتاب الله ولا قضى به نبيّه ﷺ فليقض بما قضى به الصّالحون، فإن جاء أمر ليس في كتاب الله ولا قضى به نبيّه ﷺ ولا قضى به الصّالحون، فليجتهد رأيه ولا يقول: إنّي أخاف، وإنّي أخاف، فإنّ الحلال بيّن والحرام بيّن، وبين ذلك أمور مشتبهات، فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك» ) * «٥» . ٢١-* (عن عبد الرّحمن بن يزيد قال: رمى عبد الله بن مسعود جمرة العقبة، من بطن الوادي، بسبع

стр. 744

حصيات يكبّر مع كلّ حصاة. قال: فقيل له: إنّ أناسا يرمونها من فوقها. فقال عبد الله بن مسعود: «هذا، والّذي لا إله غيره! مقام الّذي أنزلت عليه سورة البقرة» ) * «١» . ٢٢-* (قال ابن مسعود- ﵁: «قد أصبحتم على الفطرة وإنّكم ستحدثون ويحدث لكم، فإذا رأيتم محدثة فعليكم بالهدى الأوّل» ) * «٢» . ٢٣-* (عن عبد الله بن مسعود- ﵁ قال: «من سرّه أن يلقى الله غدا مسلما فليحافظ على هؤلاء الصّلوات حيث ينادى بهنّ. فإنّ الله شرع لنبيّكم ﷺ سنن الهدى، وإنّهنّ من سنن الهدى، ولو أنّكم صلّيتم في بيوتكم كما يصلّي هذا المتخلّف في بيته لتركتم سنّة نبيّكم، ولو تركتم سنّة نبيّكم لضللتم. وما من رجل يتطهّر فيحسن الطّهور ثمّ يعمد إلى مسجد من هذه المساجد، إلّا كتب الله له بكلّ خطوة يخطوها حسنة. ويرفعه بها درجة. ويحطّ عنه بها سيّئة. ولقد رأيتنا وما يتخلّف عنها إلّا منافق معلوم النّفاق. ولقد كان الرّجل يؤتى به يهادى بين الرّجلين حتّى يقام في الصّفّ» ) * «٣» . ٢٤-* (قال عبد الله بن مسعود- ﵁ «من كان منكم مستنّا فليستنّ بمن قد مات، إنّ الحيّ لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمّد كانوا أفضل هذه الأمّة: أبرّها قلوبا وأعمقها علما، وأقلّها تكلّفا. اختارهم الله لصحبة نبيّه ولإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم واتّبعوهم على أثرهم وسيرتهم فإنّهم كانوا على الهدى المستقيم» ) * «٤» . ٢٥-* (عن جبير بن نفير؛ قال: خرجت مع شرحبيل بن السّمط إلى قرية، على رأس سبعة عشر أو ثمانية عشر ميلا مع جماعة. فصلّى ركعتين. فقلت له: فقال: رأيت عمر صلّى بذي الحليفة ركعتين، فقلت له، فقال: إنّما أفعل كما رأيت رسول الله ﷺ يفعل» ) * «٥» . ٢٦-* (قال أنس بن مالك- ﵁ «أنّه سمع عمر- ﵁ يقول: فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا وَعِنَباً الآية إلى قوله: وَأَبًّا. قال: كلّ هذا قد عرفناه فما الأبّ؟. ثمّ رمى عصا كانت في يده ثمّ قال: «هذا لعمر الله التّكلّف» . اتّبعوا ما بيّن لكم من هذا الكتاب) * «٦» . ٢٧-* (قال الحسن البصريّ- رحمه الله تعالى-: «السّنّة، والّذي لا إله إلّا هو بين الغالي والجافي، فاصبروا عليها رحمكم الله، فإنّ أهل السّنّة كانوا أقلّ النّاس فيما مضى، وهم أقلّ النّاس فيما بقى: الّذين لم يذهبوا مع أهل الإتراف في إترافهم، ولا مع أهل البدع في بدعهم، وصبروا على سنّتهم حتّى لقوا ربّهم، فكذلك إن شاء الله فكونوا» ) * «٧» . ٢٨-* (قال الحسن البصريّ- ﵀

стр. 745

تعالى- في قوله تعالى-: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ. قال: «وكان علامة حبّه إيّاهم اتّباع سنّة رسول الله ﷺ » وفي موضع آخر: «فقد جعلت علامة حبّهم الله اتّباع رسوله» ) * «١» ٢٩-* (قال محمّد بن سيرين: كانوا يرون أنّه على الطّريق ما كان على الأثر) * «٢» . ٣٠-* (قال مجاهد- رحمه الله تعالى-: «في قول الله تعالى: وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً يعني أئمّة نقتدي بمن قبلنا ويقتدي بنا من بعدنا» ) * «٣» . ٣١-* (قال عبّاد بن عبّاد الخوّاصّ الشّاميّ رحمه الله تعالى-: «اعقلوا، والعقل نعمة، فربّ ذي عقل قد شغل قلبه بالتّعمّق فيما هو عليه ضرر عن الانتفاع بما يحتاج إليه، حتّى صار عن ذلك ساهيا. من فضل عقل المرء ترك النّظر فيما لا نظر فيه حتّى يكون فضل عقله وبالا عليه في ترك مناقشة من هو دونه في الأعمال الصّالحة، أو رجل شغل قلبه ببدعة قلّد فيها دينه رجالا دون أصحاب رسول الله ﷺ أو اكتفى برأيه فيما لا يرى الهدى إلّا فيها، ولا يرى الضّلالة إلّا تركها بزعم أنّه أخذها من القرآن، وهو يدعو إلى فراق القرآن، أفما كان للقرآن حملة قبله وقبل أصحابه يعملون بمحكمه ويؤمنون بمتشابهه؟ وكانوا منه على منار أوضح الطّريق، وكان القرآن إمام رسول الله ﷺ وكان رسول الله ﷺ إماما لأصحابه، وكان أصحابه أئمّة لمن بعدهم، رجال معروفون منسوبون في البلدان متّفقون في الرّدّ على أصحاب الأهواء مع ما كان بينهم من الاختلاف، وتسكّع أصحاب الأهواء برأيهم في سبل مختلفة جائرة عن القصد مفارقة للصّراط المستقيم، فتوّهت بهم أدلّاؤهم في مهامه «٤» مضلّة فأمعنوا فيها متعسّفين في هيأتهم كلّما أحدث لهم الشّيطان بدعة في ضلالتهم انتقلوا منها إلى غيرها، لأنّهم لم يطلبوا أثر السّالفين، ولم يقتدوا بالمهاجرين، وقد ذكر عن عمر أنّه قال لزياد: هل تدري ما يهدم الإسلام؟ زلّة عالم، وجدال منافق بالقرآن، وأئمّة مضلّون» ) * «٥» . ٣٢-* (قال ميمون بن مهران- رحمه الله تعالى-: «كان أبو بكر إذا ورد عليه الخصم نظر في كتاب الله، فإن وجد فيه ما يقضي بينهم قضى به، وإن لم يكن في الكتاب وعلم من رسول الله ﷺ في ذلك الأمر سنّة قضى به، فإن أعياه خرج فسأل المسلمين، وقال: أتاني كذا وكذا، فهل علمتم أنّ رسول الله ﷺ قضى في ذلك بقضاء؟ فربّما اجتمع إليه النّفر كلّهم يذكر من رسول الله ﷺ فيه قضاء فيقول أبو بكر: الحمد لله الّذي جعل فينا من يحفظ على نبيّنا، فإن أعياه أن يجد فيه سنّة من رسول الله ﷺ جمع

стр. 746

رءوس النّاس وخيارهم فاستشارهم فإذا اجتمع رأيهم على أمر قضى به» ) * «١» . ٣٣- قال الشّعبيّ- رحمه الله تعالى-: «شهدت شريحا- وجاءه رجل من مراد- فقال: يا أبا أميّة، ما دية الأصابع؟ قال: عشر عشر. قال: يا سبحان الله أسواء هاتان؟ جمع بين الخنصر والإبهام. فقال شريح: يا سبحان الله! أسواء أذنك ويدك؟ فإنّ الأذن يواريها الشّعر والكمّة «٢» ، فيها نصف الدّية، وفي اليد نصف الدّية. ويحك! إنّ السّنّة سبقت قياسكم، فاتّبع ولا تبتدع، فإنّك لن تضلّ ما أخذت بالأثر. ثمّ قال لي الشّعبيّ: يا هذليّ، لو أنّ أحنفكم قتل، وهذا الصّبيّ في مهده أكان ديتهما سواء؟. قلت: نعم. قال: فأين القياس» ) * «٣» . ٣٤-* (قال عمر بن عبد العزيز- رحمه الله تعالى-: «سنّ رسول الله ﷺ وولاة الأمور بعده سننا، الأخذ بها تصديق لكتاب الله، واستكمال لطاعة الله، وقوّة على دين الله، ليس لأحد تبديلها ولا تغييرها، ولا النّظر فيما خالفها. من اقتدى بها فهو مهتد، ومن استنصر فهو منصور، ومن خالفها واتّبع غير سبيل المؤمنين ولّاه الله ما تولّى وأصلاه جهنّم وساءت مصيرا» ) * «٤» . ٣٥-* (عن أبي الصّلت، قال: كتب رجل إلى عمر بن عبد العزيز يسأله عن القدر، فكتب: «أمّا بعد؛ أوصيك بتقوى الله، والاقتصاد في أمره، واتّباع سنّة نبيّه ﷺ ، وترك ما أحدث المحدثون بعد ما جرت به سنّته، وكفوا مئونته، فعليك بلزوم السّنّة فإنّها لك بإذن الله عصمة، ثمّ اعلم أنّه لم يبتدع النّاس بدعة، إلّا قد مضى قبلها ما هو دليل عليها، أو عبرة فيها؛ فإنّ السّنّة إنّما سنّها من قد علم ما في خلافها من الخطأ، والزّلل، والحمق، والتّعمّق، فارض لنفسك ما رضي به القوم لأنفسهم؛ فإنّهم على علم وقفوا، وببصر نافذ كفّوا، وهم على كشف الأمور كانوا أقوى، وبفضل ما كانوا فيه أولى، فإن كان الهدى ما أنتم عليه لقد سبقتموهم إليه. ولئن قلتم: إنّما حدث بعدهم. ما أحدثه إلّا من اتّبع غير سبيلهم، ورغب بنفسه عنهم؛ فإنّهم هم السّابقون، فقد تكلّموا فيه بما يكفي، ووصفوا منه ما يشفي، فما دونهم من مقصر، وما فوقهم من محسر، وقد قصّر قوم دونهم فجفوا، وطمح عنهم أقوام فغلوا، وإنّهم بين ذلك لعلى هدى مستقيم. كتبت تسأل عن الإقرار بالقدر فعلى الخبير بإذن الله وقعت، فاعلم ما أحدث النّاس من محدثة، ولا ابتدعوا من بدعة، هي أبين أثرا، ولا أثبت أمرا، من الإقرار بالقدر، لقد كان ذكره في الجاهليّة الجهلاء، يتكلّمون به في كلامهم، وفي شعرهم، يعزّون به أنفسهم على ما فاتهم، ثمّ لم يزده الإسلام بعد إلّا شدّة، ولقد ذكره رسول الله ﷺ في غير حديث ولا حديثين، وقد سمعه منه المسلمون، فتكلّموا به في

стр. 747

حياته وبعد وفاته، يقينا وتسليما لربّهم، وتضعيفا لأنفسهم، أن يكون شيء لم يحط به علمه، ولم يحصه كتابه، ولم يمض فيه قدره، وإنّه مع ذلك لفي محكم كتابه منه اقتبسوه، ومنه تعلّموه. ولئن قلتم: لم أنزل الله آية كذا، ولم قال: كذا؟. لقد قرءوا منه ما قرأتم، وعلموا من تأويله ما جهلتم، وقالوا بعد ذلك كلّه بكتاب وقدر، وكتبت الشّقاوة، وما يقدّر يكن، وما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، ولا نملك لأنفسنا ضرّا ولا نفعا، ثمّ رغبوا بعد ذلك ورهبوا» ) * «١» ٣٦-* (قال الزّهريّ- رحمه الله تعالى-: «كان من مضى من علمائنا يقولون: الاعتصام بالسّنّة نجاة والعلم يقبض قبضا سريعا، فعيش العلم ثبات الدّين والدّنيا، وفي ذهاب العلم ذهاب ذلك كلّه» ) * «٢» . ٣٧-* (قال الأوزاعيّ- رحمه الله تعالى-: «كان يقال: خمس كان عليها أصحاب محمّد والتّابعون بإحسان: لزوم الجماعة، واتّباع السّنّة، وعمارة المساجد، وتلاوة القرآن، والجهاد في سبيل الله» ) * «٣» . ٣٨-* (وقال أيضا: «ندور مع السّنّة حيث دارت» ) * «٤» . ٣٩-* (قال أبو الزّناد- رحمه الله تعالى-: «إنّ السّنن ووجوه الحقّ لتأتي كثيرا على خلاف الرّأي، فما يجد المسلمون بدّا من اتّباعها» ) * «٥» ٤٠-* (قال سفيان- رحمه الله تعالى-: «اسلكوا سبيل الحقّ ولا تستوحشوا من قلّة أهله» ) * «٦» . ٤١-* (قال أبو شامة- رحمه الله تعالى-: «حيث جاء الأمر بلزوم الجماعة فالمراد به لزوم الحقّ واتّباعه، وإن كان المتمسّك به قليلا والمخالف له كثيرا» ) * «٧» . ٤٢-* (قال أبو عثمان الحيريّ: «من أمّر السّنّة على نفسه قولا وفعلا نطق بالحكمة، ومن أمّر الهوى على نفسه قولا وفعلا نطق بالبدعة، قال تعالى: وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا» ) * «٨» . ٤٣-* (قال أبو حفص: «من لم يزن أفعاله وأحواله في كلّ وقت بالكتاب والسّنّة ولم يتّهم خواطره، فلا يعدّ في ديوان الرّجال» ) * «٩» . ٤٤-* (قال أبو بكر التّرمذيّ: «لم يجد أحد تمام الهمّة بأوصافها إلّا أهل المحبّة، إنّما أخذوا ذلك باتّباع السّنّة ومجانبة البدعة، فإنّ محمّدا ﷺ كان أعلى الخلق كلّهم همّة وأقربهم زلفى» ) * «١٠» . ٤٥-* (قال ابن القيّم- رحمه الله تعالى-:

стр. 748

«كان عمر- ﵁ يهمّ بالأمر ويعزم عليه فإذا قيل له: لم يفعله رسول الله ﷺ انتهى» ) * «١» . ٤٦-* (قال الشّاطبيّ- رحمه الله تعالى-: «إنّ الصّحابة كانوا مقتدين بنبيّهم ﷺ مهتدين بهديه، وقد جاء مدحهم في القرآن الكريم، وأثنى على متبوعهم محمّد ﷺ وإنّما كان خلقه ﷺ القرآن، فقال تعالى: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ فالقرآن إنّما هو المتبوع على الحقيقة، وجاءت السّنّة مبيّنة له، فالمتّبع للسّنّة متّبع للقرآن. والصّحابة كانوا أولى النّاس بذلك، فكلّ من اقتدى بهم فهو من الفرقة النّاجية الدّاخلة للجنّة بفضل الله، وهو معنى قوله ﵊ «ما أنا عليه وأصحابي» فالكتاب والسّنّة هو الطّريق المستقيم، وما سواهما من الإجماع وغيره فناشيء عنهما» ) * «٢» . ٤٧-* (وقال أيضا- رحمه الله تعالى-: «كلّ صاحب مخالفة من شأنه أن يدعو غيره إليها، ويحضّ سؤّاله بل سواه عليها، إذ التّأسّي في الأفعال والمذاهب موضوع طلبه في الجبلّة، وبسببه تقع من المخالف المخالفة، وتحصل من الموافق الموافقة، ومنه تنشأ العداوة والبغضاء للمختلفين» ) * «٣» . ٤٨-* (قال بعض السّلف- رحمهم الله تعالى جميعا-: «لو نظرتم إلى رجل أعطي من الكرامات حتّى يتربّع في الهواء فلا تغترّوا به، حتّى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر والنّهي وحفظ الحدود» ) * «٤» . من فوائد (الاتباع) (١) دليل المحبّة الكاملة ويجلب محبّة الله لعبده. (٢) الاتّباع مجلبة لرحمة الله تعالى ومغفرته ورضوانه. (٣) الاتّباع دليل الفلاح والهداية وقبول التّوبة. (٤) يجلب التّأييد والنّصر والتّمكين والعزّة والفلاح. (٥) يحصل للعبد به السّعادة وطيب العيش في الدّارين. (٦) الخروج من هوى النّفس وعبادة الذّات. (٧) ضمان السّلامة والأمن من الخطأ لعصمة المتبوع ﷺ . (٨) السّلامة من الاعتراض والأمن من الانتقاد. (٩) صاحبه من أئمّة الهدى فيكثر أجره بمقدار ما يكثر تابعه. (١٠) الاتّباع فيما تركه ﷺ حكمه كحكم اتّباعه فيما فعله ﷺ . (١١) الاتّباع لا يكون إلّا للصّالحين المتّقين الّذين يقرءون القرآن ويعملون به. (١٢) لا يجوز اتّباع الكذّابين وطلّاب السّلطة الّذين يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم.

стр. 749

الاجتماع الاجتماع لغة: جمع الشّيء: ألّف متفرّقه، وأصل المعنى الضّمّ، قال ابن فارس: الجيم والميم والعين، أصل واحد يدلّ على تضامّ الشّيء، يقال: جمعت الشّيء جمعا، وتجمّع القوم، اجتمعوا من هنا وهنا، واجتمع القوم: انضمّوا، وهو ضدّ تفرّقوا. وجمع أمره وأجمعه وأجمع عليه: عزم عليه كأنّه جمع نفسه له، والأمر مجمع، ويقال أيضا: أجمع أمرك ولا تدعه منتشرا وأجمعت الشّيء: جعلته جميعا، (أي مجتمعا) ، ويقال: جمّع النّاس تجميعا: شهدوا الجمعة وقضوا الصّلاة فيها. وجمّع: شدّد للكثرة. يقال: فلاة مجمعة ومجمّعة: يجتمع النّاس فيها ولا يتفرّقون. وأجمع القوم: اتّفقوا، وأجمع الرّأي والأمر: عزم عليه» . قال الشّيخ أحمد شاكر في قوله تعالى: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا: أمرهم بالجماعة، ونهاهم عن التّفرّق، وقد وردت الأحاديث المتعدّدة بالنّهي عن التّفرّق، والأمر بالاجتماع والائتلاف، وقد وقع ذلك في هذه الأمّة فافترقوا على ثلاث وسبعين فرقة، منها فرقة ناجية إلى الجنّة الآيات/ الأحاديث/ الآثار ٦/ ٢٢/ ١٣ ومسلّمة من عذاب النّار، وهم الّذين على ما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه «٢» . واصطلاحا: لا يختلف معنى الاجتماع في الشّرع عن المعنى الّذي يفيده في أصل اللّغة. وهو أن يلتقي المسلمون وينضمّ بعضهم إلى بعض ولا يتفرّقوا، أمّا الأمر الّذي يجتمعون حوله فهو كتاب الله وسنّة رسوله ﷺ . وقال القرطبيّ في تفسير قوله تعالى: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا (آل عمران/ ١٠٣) : إنّ الله تعالى يأمر بالألفة وينهى عن الفرقة لأنّ الفرقة هلكة والجماعة نجاة، روي عن عبد الله بن مسعود- ﵁ في الآية الكريمة أنّ حبل الله هو الجماعة «٣» . قال القرطبيّ: ويجوز أن يكون المعنى: ولا تفرّقوا متابعين الهوى والأغراض المختلفة بدليل قوله تعالى بعد ذلك: وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً. وليس في الآية دليل على تحريم الاختلاف في الفروع؛ لأنّ الاختلاف ما يتعذّر معه الائتلاف والجمع، وليست كذلك مسائل الاجتهاد؛

стр. 750

لأنّ الاختلاف فيها يسبّب استخراج الفرائض ودقائق معاني الشّرع، وما زالت الصّحابة- رضوان الله عليهم- يختلفون في أحكام الحوادث وهم مع ذلك متآلفون «١» . وقال ابن كثير- ﵀: أمرهم الله- في الآية الكريمة بالجماعة ونهاهم عن الفرقة، وقد وردت الأحاديث المتعدّدة بالنّهي عن التّفرّق والأمر بالاجتماع والائتلاف، وقد ضمن الله لهم (أي للمسلمين) العصمة من الخطا عند اتّفاقهم (واجتماعهم) ، وخيف عليهم (الخطأ) عند الافتراق والاختلاف، فقد وقع ذلك في هذه الأمّة فافترقوا على ثلاث وسبعين فرقة، منها فرقة ناجية إلى الجنّة ومسلّمة من النّار، وهم الّذين على ما كان عليه محمّد ﷺ وأصحابه «٢» . وقال أبو حيّان: نهي المسلمون (في هذه الآية الكريمة) عن التّفرّق في الدّين والاختلاف فيه كما اختلف اليهود والنّصارى، وقيل: عن إحداث ما يوجب التّفرّق ويزول معه الاجتماع «٣» . أهمية الاجتماع وحث الإسلام عليه: قال الشّافعيّ- ﵀: وإذا كان للمسجد إمام راتب ففاتت رجلا أو رجالا فيه الصّلاة: صلّوا فرادى، ولا أحبّ أن يصلّوا فيه جماعة، فإن فعلوا أجزأتهم الجماعة فيه. وإنّما كرهت ذلك لهم لأنّه ليس ممّا فعل السّلف قبلنا، بل قد عابه بعضهم. قال الشّافعيّ: وأحسب كراهية من كره ذلك منهم إنّما كان لتفرّق الكلمة، وأن يرغب الرّجل عن الصّلاة خلف إمام جماعة فيتخلّف هو ومن أراد عن المسجد في وقت الصّلاة، فإذا قضيت دخلوا فجمعوا، فيكون في هذا اختلاف وتفرّق كلمة «٤» . قال الشّيخ أحمد شاكر- ﵀ معلّقا على كلام الشّافعيّ: والّذي ذهب إليه الشّافعيّ من المعنى في هذا الباب صحيح جليل، ينبيء عن نظر ثاقب، وفهم دقيق، وعقل درّاك لروح الإسلام ومقاصده، وأوّل مقصد للإسلام، ثمّ أجلّه وأخطره-: توحيد كلمة المسلمين، وجمع قلوبهم على غاية واحدة، هي إعلاء كلمة الله، وتوحيد صفوفهم في العمل لهذه الغاية. والمعنى الرّوحيّ في هذا اجتماعهم على الصّلاة وتسوية صفوفهم فيها أوّلا، كما قال رسول الله ﷺ : «لتسوّنّ صفوفكم أو ليخالفنّ الله بين وجوهكم» ، وهذا شيء لا يدركه إلّا من أنار الله بصيرته للفقه في الدّين، والغوص على درره، والسّموّ إلى مداركه، كالشّافعيّ وأضرابه. وقد رأى المسلمون بأعينهم آثار تفرّق جماعاتهم في الصّلاة، واضطراب صفوفهم، ولمسوا ذلك بأيديهم، إلّا من بطلت حاسّته، وطمس على بصره. وإنّك لتدخل كثيرا من مساجد المسلمين فترى قوما يعتزلون الصّلاة مع الجماعة، طلبا للسّنّة كما زعموا! ثمّ يقيمون جماعات أخرى لأنفسهم،

стр. 751

ويظنّون أنّهم يقيمون الصّلاة بأفضل ممّا يقيمها غيرهم، ولئن صدقوا فقد حملوا من الوزر ما أضاع أصل صلاتهم، فلا ينفعهم ما ظنّوه من الإنكار على غيرهم في ترك بعض السّنن أو المندوبات. وترى قوما آخرين يعتزلون مساجد المسلمين، ثمّ يتّخذون لأنفسهم مساجد أخرى، ضرارا وتفريقا للكلمة، وشقّا لعصا المسلمين. نسأل الله العصمة والتّوفيق، وأن يهدينا إلى جمع كلمتنا، إنّه سميع الدّعاء. وهذا المعنى الّذي ذهب إليه الشّافعيّ لا يعارض حديث الباب «١» ، فإنّ الرّجل الّذي فاتته الجماعة لعذر، ثمّ تصدّق عليه أخوه من نفس الجماعة بالصّلاة معه- وقد سبقه بالصّلاة فيها- هذا الرّجل يشعر في داخلة نفسه كأنّه متّحد مع الجماعة قلبا وروحا، وكأنّه لم تفته الصّلاة. وأمّا النّاس الّذين يجمعون وحدهم بعد صلاة جماعة المسلمين فإنّما يشعرون أنّهم فريق آخر، خرجوا وحدهم، وصلّوا وحدهم. وقد كان عن تساهل المسلمين في هذا، وظنّهم أنّ إعادة الجماعة في المساجد جائزة مطلقا-: أن فشت بدعة منكرة في الجوامع العامّة، مثل الجامع الأزهر والمسجد المنسوب للحسين- ﵁ وغيرهما بمصر، وبلاد أخرى، فجعلوا في المسجد الواحد إمامين راتبين أو أكثر، ففي الجامع الأزهر- مثلا- إمام للقبلة القديمة، وآخر للقبلة الجديدة، ونحو ذلك في مسجد الحسين- ﵁؛ وقد رأينا فيه أنّ الشّافعيّة لهم إمام يصلّي بهم الفجر في الغلس، والحنفيّون لهم آخر يصلّي الفجر بإسفار، ورأينا كثيرا من الحنفيّة من علماء وطلّاب وغيرهم ينتظرون إمامهم ليصلّي بهم الفجر، ولا يصلّون مع إمام الشّافعيّن، والصّلاة قائمة، والجماعة حاضرة، ورأينا فيهما وفي غيرهما جماعات تقام متعدّدة في وقت واحد، وكلّهم آثمون، وهم يحسبون أنّهم يحسنون صنعا، بل قد بلغنا أنّ هذا المنكر كان في الحرم المكّيّ، وأنّه كان يصلّي فيه أئمّة أربعة، يزعمونهم للمذاهب الأربعة، ولكنّا لم نر ذلك، إذ لم ندرك هذا العهد بمكّة، وإنّما حججنا في عهد الملك عبد العزيز بن عبد الرّحمن آل السّعود- يرحمه الله- وسمعنا أنّه أبطل هذه البدعة، وجمع النّاس في الحرم على إمام واحد راتب، ونرجو أن يوفّق الله علماء الإسلام لإبطال هذه البدعة من جميع المساجد في البلدان، بفضل الله وعونه، إنّه سميع الدّعاء «٢» . [للاستزادة انظر: صفات: الألفة، الإخاء، التناصر، الاعتصام، التعاون على البر والتقوى، التعارف، حسن العشرة، حسن المعاملة. وفي ضد ذلك انظر صفات التفرق، التخاذل، التنازع، التعاون على الإثم والعدوان، الفتنة، سوء المعاملة، سوء الخلق] .

стр. 752

الآيات الواردة في الحث على «الاجتماع» ١- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣) وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤) «١» الآيات الواردة في الحث على «الاجتماع» معنى ٢-* لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً (١١٤) وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً (١١٥) «٢» ٣-* وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦١) وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٣) «٣» ٤- إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (٩٢) وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنا راجِعُونَ (٩٣) «٤» ٥- يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١) وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (٥٢) «٥» ٦-* مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٣٢) «٦»

стр. 753

الأحاديث الواردة في (الاجتماع) ١-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من نفّس عن مؤمن كربة من كرب الدّنيا نفّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسّر على معسر يسّر الله عليه في الدّنيا والآخرة، ومن ستر مسلما ستره الله في الدّنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، ومن سلك طريقا يلتمس فيه علما سهّل الله له به طريقا إلى الجنّة، وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله تعالى، ويتدارسونه بينهم، إلّا نزلت عليهم السّكينة، وغشيتهم الرّحمة، وحفّتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده، ومن بطّأ به عمله لم يسرع به نسبه» ) * «١» . ٢-* (عن أبي هريرة- ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: «سبعة يظلّهم الله في ظلّه يوم لا ظلّ إلّا ظلّه: الإمام العادل، وشابّ نشأ في عبادة ربّه، ورجل قلبه معلّق في المساجد، ورجلان تحابّا في الله اجتمعا عليه وتفرّقا عليه، ورجل طلبته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إنّي أخاف الله، ورجل تصدّق أخفى حتّى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه» ) * «٢» . ٣-* (عن وحشيّ بن حرب، أنّهم قالوا: يا رسول الله! إنّا نأكل ولا نشبع. قال: «فلعلّكم تأكلون متفرّقين؟» ، قالوا: نعم، قال: «فاجتمعوا على طعامكم، واذكروا اسم الله عليه يبارك لكم فيه» ) * «٣» . ٤-* (عن أبي موسى- ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: «رأيت في المنام أنّي أهاجر من مكّة إلى أرض بها نخل، فذهب وهلي «٤» إلى أنّها اليمامة، أو هجر. فإذا هي المدينة يثرب، ورأيت في رؤياي هذه أنّي هززت سيفا فانقطع صدره، فإذا هو ما أصيب من المؤمنين يوم أحد، ثمّ هززته أخرى، فعاد أحسن ما كان، فإذا هو ما جاء الله به من الفتح واجتماع المؤمنين. ورأيت فيها بقرا، والله خير، فإذا هم المؤمنون يوم أحد، وإذا الخير ما جاء الله به من الخير، وثواب الصّدق الّذي آتانا الله بعد يوم بدر» ) * «٥» . ٥-* (عن حذيفة بن اليمان- ﵄ قال: كان النّاس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير، وكنت أسأله عن الشّرّ، مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله! إنّا كنّا في جاهليّة وشرّ فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير شرّ؟، قال: «نعم» .

стр. 754

فقلت: هل بعد ذلك الشّرّ من خير؟. قال: «نعم، وفيه دخن «١» » . قلت: وما دخنه؟. قال: «قوم يستنّون بغير سنّتي، ويهدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر» . فقلت: هل بعد ذلك الخير من شرّ؟. قال: «نعم، دعاة على أبواب جهنّم «٢» ، من أجابهم إليها قذفوه فيها» . فقلت: يا رسول الله! صفهم لنا. قال: «نعم، قوم من جلدتنا ويتكلّمون بألسنتنا» ، فقلت: يا رسول الله! فما ترى إن أدركني ذلك؟. قال: «تلزم جماعة المسلمين وإمامهم» ، فقلت: فإن لم تكن لهم جماعة، ولا إمام؟، قال: «فاعتزل تلك الفرق كلّها، ولو أن تعضّ على أصل شجرة حتّى يدركك الموت وأنت على ذلك» ) * «٣» . ٦-* (عن أبي الدّرداء- ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من ثلاثة في قرية، ولا بدو لا تقام فيهم الصّلاة إلّا قد استحوذ عليهم الشّيطان، فعليك بالجماعة؛ فإنّما يأكل الذّئب القاصية من الغنم» ) * «٤» . ٧-* (عن عرفجة، قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من أتاكم، وأمركم جميع «٥» على رجل واحد، يريد أن يشقّ عصاكم، أو يفرّق جماعتكم، فاقتلوه» ) * «٦» . ٨-* (عن ابن عبّاس- ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «يد الله مع الجماعة» ) * «٧» . ٩-* (عن عبد الله بن عمر وأبي هريرة- ﵃ أنّهما سمعا رسول الله ﷺ يقول على أعواد منبره: «لينتهينّ أقوام عن ودعهم الجمعات، أو ليختمنّ الله على قلوبهم، ثمّ ليكوننّ من الغافلين» ) * «٨» . ١٠-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «صلاة الرّجل في جماعة تزيد على صلاته في بيته، وصلاته في سوقه، بضعا وعشرين درجة، وذلك أنّ أحدهم إذا توضّأ فأحسن الوضوء ثمّ أتى المسجد، لا ينهزه «٩» إلّا الصّلاة، لا يريد إلّا الصّلاة، فلم يخط خطوة إلّا رفع له بها درجة، وحطّ عنه بها خطيئة حتّى يدخل المسجد، فإذا دخل المسجد كان في الصّلاة ما كانت الصّلاة هي تحبسه «١٠» ، والملائكة يصلّون على أحدكم ما دام في مجلسه الّذي صلّى فيه، يقولون: اللهمّ ارحمه، اللهمّ اغفر له، اللهمّ تب عليه. ما لم يؤذ فيه، ما لم يحدث» ) * «١١» .

стр. 755

١١-* (عن أبي موسى الأشعريّ- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ أعظم النّاس أجرا في الصّلاة أبعدهم إليها ممشى، فأبعدهم، والّذي ينتظر الصّلاة حتّى يصلّيها مع الإمام أعظم أجرا من الّذي يصلّيها ثمّ ينام» ، وفي رواية أبي كريب: «حتّى يصلّيها مع الإمام في جماعة» ) * «١» . ١٢-* (عن عبد الرّحمن بن أبي عمرة قال: دخل عثمان بن عفّان- ﵁ المسجد بعد صلاة المغرب، فقعد وحده، فقعدت إليه، فقال: يا ابن أخي، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من صلّى العشاء في جماعة فكأنّما قام نصف اللّيل، ومن صلّى الصّبح في جماعة فكأنّما صلّى اللّيل كلّه» ) *» . ١٣-* (عن ابن عمر- ﵄ أنّ رسول الله قال: «صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذّ بسبع وعشرين درجة» ) * «٣» . الأحاديث الواردة في (الاجتماع) معنى ١٤-* (عن عبد الله بن زيد أنّ رسول الله ﷺ لمّا فتح حنينا قسم الغنائم، فأعطى المؤلّفة قلوبهم فبلغه أنّ الأنصار يحبّون أن يصيبوا ما أصاب النّاس، فقام رسول الله ﷺ فخطبهم فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: «يا معشر الأنصار، ألم أجدكم ضلّالا فهداكم الله بي؟ وعالة فأغناكم الله بي؟ ومتفرّقين فجمعكم الله بي؟» ، ويقولون: الله ورسوله أمنّ، فقال: «ألا تجيبوني» فقالوا: الله ورسوله أمنّ فقال: «أما إنّكم لو شئتم أن تقولوا كذا وكذا، وكان من الأمر كذا وكذا» - لأشياء عدّدها- زعم عمرو أنّه لا يحفظها- فقال: «ألا ترضون أن يذهب النّاس بالشّاء والإبل، وتذهبون برسول الله إلى رحالكم؟ الأنصار شعار، والنّاس دثار «٤» ، ولولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار، ولو سلك النّاس واديا وشعبا لسلكت وادي الأنصار وشعبهم، إنّكم ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتّى تلقوني على الحوض» ) * «٥» . ١٥-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ الله يرضى لكم ثلاثا، ويكره لكم ثلاثا. فيرضى لكم: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله «٦» جميعا ولا تفرّقوا. ويكره لكم: قيل وقال «٧» ، وكثرة السّؤال «٨» ، وإضاعة المال» ) * «٩» . ١٦-* (عن جابر بن عبد الله- رضي الله

стр. 756

عنهما- أنّه سئل عن حجّة رسول الله ﷺ فقال: إنّ رسول الله ﷺ مكث تسع سنين لم يحجّ، ثمّ أذّن في النّاس بالحجّ في العاشرة ... الحديث وفيه «وقد تركت فيكم ما لن تضلّوا بعده إن اعتصمتم به، كتاب الله ... الحديث» ) * «١» . ١٧-* (عن مالك بن أنس- رحمه الله تعالى- بلغه أنّ رسول الله ﷺ قال: «تركت فيكم أمرين لن تضلّوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله، وسنّة نبيّه ﷺ » ) * «٢» . ١٨-* (عن ابن عمر- ﵄ قال: خطبنا عمر بالجابية، فقال: يا أيّها النّاس، إنّي قمت فيكم كمقام رسول الله ﷺ فينا، فقال: «أوصيكم بأصحابي، ثمّ الّذين يلونهم، ثمّ الّذين يلونهم، ثمّ يفشو الكذب، حتّى يحلف الرّجل ولا يستحلف، ويشهد الشّاهد ولا يستشهد، ألا لا يخلونّ رجل بامرأة إلّا وكان ثالثهما الشّيطان، عليكم بالجماعة، وإيّاكم والفرقة، فإنّ الشّيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد، من أراد بحبوحة الجنّة فليلزم الجماعة، من سرّته حسنته، وساءته سيّئته فذلك المؤمن» ) * «٣» . ١٩-* (عن جابر بن سمرة، عن النّبيّ ﷺ أنّه قال: «لن يبرح هذا الدّين قائما يقاتل عليه عصابة من المسلمين حتّى تقوم السّاعة» ) * «٤» . ٢٠-* (عن أبي موسى- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدّ بعضه بعضا» ) * «٥» . ٢١-* (عن النّعمان بن بشير- ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم، مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالسّهر والحمّى» ) * «٦» . ٢٢-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: «والّذي نفسي بيده، لقد هممت أن آمر بحطب فيحطب، ثمّ آمر بالصّلاة فيؤذّن لها، ثمّ آمر رجلا فيؤمّ النّاس، ثمّ أخالف إلى رجال فأحرّق عليهم بيوتهم، والّذي نفسي بيده، لو يعلم أحدهم أنّه يجد عرقا سمينا أو مرماتين «٧» حسنتين لشهد العشاء» ) * «٨» .

стр. 757

من الآثار وأقوال العلماء والمفسرين الواردة في (الاجتماع) ١-* (عن ابن مسعود- ﵁ أنّه كان يخطب ويقول: «يا أيّها النّاس، عليكم بالطّاعة والجماعة، فإنّهما حبل الله الّذي أمر به» ) * «١» . ٢-* (عن عليّ- ﵁ قال: «اقضوا كما كنتم تقضون، فإنّي أكره الاختلاف، حتّى يكون النّاس جماعة، أو أموت كما مات أصحابي» . فكان ابن سيرين يرى أنّ عامّة ما يروى عن عليّ الكذب) * «٢» . ٣-* (عن ابن مسعود- ﵁ في قوله تعالى: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً قال: «حبل الله الجماعة» ) * «٣» . ٤-* (عن ابن مسعود- ﵁ قال: «إنّ هذا الصّراط محتضر، تحضره الشّياطين، ينادون: يا عبد الله! هلمّ هذا هو الطّريق، ليصدّوا عن سبيل الله، فاعتصموا بحبل الله، فإنّ حبل الله القرآن» ) * «٤» . ٥-* (عن سماك بن الوليد الحنفيّ، أنّه لقي ابن عبّاس، فقال: «ما تقول في سلاطين علينا يظلموننا، يشتموننا ويعتدون علينا في صدقاتنا، ألا نمنعهم؟، قال: لا. أعطهم. الجماعة الجماعة، إنّما هلكت الأمم الخالية بتفرّقها، أما سمعت قول الله: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا» ) * «٥» . ٦-* (عن الرّبيع في قوله تعالى: وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً: يقتل بعضكم بعضا، ويأكل شديدكم ضعيفكم، حتّى جاء الله بالإسلام، فألّف به بينكم، وجمع جمعكم عليه، وجعلكم عليه إخوانا» ) * «٦» . ٧-* (عن أبي العالية في قوله تعالى وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ، قال: بالإخلاص لله وحده، وَلا تَفَرَّقُوا، يقول: لا تعادوا عليه- يقول على الإخلاص- وكونوا عليه إخوانا» ) * «٧» . ٨-* (عن ابن زيد في قوله تعالى وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ، قال: الإسلام) * «٨» . ٩-* (ومن أقوال الشّعراء: تأبى الرّماح إذا اجتمعن تكسّرا ... وإذا افترقن تكسّرت أفرادا) *. ١٠-* (عن أبي الأحوص قال: قال عبد الله (ابن مسعود) : «لقد رأيتنا وما يتخلّف عن الصّلاة إلّا

стр. 758

منافق قد علم نفاقه، أو مريض (و) إن «١» كان المريض ليمشي بين رجلين حتّى يأتي الصّلاة، وقال: إنّ رسول الله ﷺ علّمنا سنن الهدى الصّلاة في المسجد الّذي يؤذّن فيه» ) * «٢» . ١١-* (وقال ابن حجر- ﵀ في المحافظة على الجماعة (في الفجر والعشاء خاصّة) : «انتظام الألفة بين المتجاورين في طرفي النّهار، وليختموا النّهار بالاجتماع على الطّاعة ويفتتحوه كذلك» ) * «٣» . ١٢-* (نقل الطّيّبيّ عن بعضهم: «لعلّ الفائدة (من صلاة الجماعة) هي اجتماع المسلمين مصطفّين كصفوف الملائكة» ) * «٤» . ١٣-* (عن سالم قال: سمعت أمّ الدّرداء تقول: «دخل عليّ أبو الدّرداء وهو مغضب، فقلت: ما أغضبك؟ فقال: والله، ما أعرف من أمّة محمّد إلّا أنّهم يصلّون جميعا «٥» » . قال ابن حجر: يصلّون جميعا: أي مجتمعين. قلت: كان هذا في آخر عهد عثمان فما بالنا بحالهم اليوم» ) * «٦» . من فوائد (الاجتماع) ١- يعمل على تحقيق وعي الأمّة بفهم ذاتها فهما صحيحا، ممّا يساعد على توحيد أنماط التّفكير والسّلوك، وأساليب البحث والنّظر على أساس إسلاميّ صحيح. ٢- يساعد المجتمع الإسلاميّ على مواجهة التّحدّيات. ٣- يساعد على تحقيق الاتّصال الجماعيّ بالنّماذج الإسلاميّة المثاليّة. ٤- يساعد المجتمع الإسلاميّ على التّحرّر من التّبعيّة الفكريّة والحضاريّة، والّتي تتولّد عن عدم فهم الذّات فهما صحيحا واعيا. ٥- يساعد على صياغة ضمير المسلم صياغة صحيحة من أجل الإبداع الحضاريّ ويثير طاقاته الإبداعيّة، ويقدّم النّموذج الإسلاميّ السّليم للإنسان الحضاريّ. ٦- يساعد على إبراز ما للإسلام من آثار عظيمة على المسلم؛ إذ يورثه القوّة والعزّة والمنعة. ٧- تحقيق المفاهيم الإسلاميّة الحقيقيّة للأمّة، بعقيدتها وأخلاقها، ممّا يتبلور في النّهاية في شكل حضارة إسلاميّة حقيقيّة معبّرة عن

стр. 759

المجتمع الإسلاميّ. ٨- تحقيق الألفة والعدالة والمحبّة وكلّ العوامل المؤدّية إلى التّرابط في المجتمع الإسلاميّ. ٩- المحافظة على التّراث الثّقافيّ واللّغة العربيّة (لغة القرآن) واستمرارها. ١٠- القضاء على العصبيّة القبليّة، وعدّ القاعدة الدّينيّة الاجتماعيّة أساسا يتّسع لجميع الأمم والشّعوب. ١١- تتحقّق البركة في الاجتماع على الطّعام وغيره من أمور البرّ. ١٢- الاجتماع يحقّق مطلبا إسلاميّا أصيلا، حثّ عليه الإسلام في صلاة الجمعة، وصلاة الجماعة، وأداء الحجّ. ١٣- يؤدّي الاجتماع إلى تحقيق الألفة بين المسلمين وانتشار التّعارف فيما بينهم، وبذلك تتحقّق المودّة ويسود الإخاء ويعمّ التّعاون. ١٤- في الاجتماع تقوية لجانب المسلمين ورفع روحهم المعنويّة انطلاقا من الاعتقاد بأنّ يد الله مع الجماعة، ومن كانت يد الله معه كان واثقا من نصر الله- . ١٥- الاجتماع قوّة متجدّدة للفرد والأسرة والمجتمع، بل ولكلّ العالم الإسلاميّ. ١٦- الاجتماع يخيف الأعداء ويلقي الرّعب في قلوبهم ويجعلهم يخشون شوكة الإسلام والمسلمين، ومن ثمّ يكون في الاجتماع عزّة للمسلمين في كلّ مكان. ١٧- إنّ توحيد الصّفوف واجتماع الكلمة هما الدّعامة الوطيدة لبقاء الأمّة، ودوام دولتها، ونجاح رسالتها. ١٨- الاجتماع وسيلة من وسائل الأخلاق الفاضلة وذلك بانغماس الفرد في البيئات الصّالحة، ذلك لأنّ من طبيعة الإنسان أن يكتسب من البيئة الّتي ينغمس فيها، ويتعايش معها ومع ما لديها من أخلاق وعادات وسلوك. ١٩- بوجود الإنسان مع الجماعة تنشط روح المنافسة. ٢٠- الاجتماع يذكي في الأفراد روح التّفوّق والرّغبة في إظهار ما لديهم من قدرات، وهذا الدّافع لا يتحرّك إلّا من خلال الجماعة. ٢١- في وجود الفرد داخل الجماعة وازع أساسيّ له كي يبتعد عن الرّذّائل خشية ما يصيبه من ضرر لو اطّلع الآخرون على هذه الصّفات القبيحة، ومن هنا يكون للاجتماع دوره الفعّال في مكافحة الجريمة والرّذيلة. ٢٢- بالاجتماع وخاصّة مع الصّالحين والأسوياء ما يجعل المرء يشعر بأخلاق الجماعة ويحاول تقليدها واكتساب أخلاقها، ثمّ يتحمّس للدّفاع عنها. ٢٣- في الاجتماع دواء ناجع لكثير من الأمراض النّفسيّة كالانطواء والقلق، إذ إنّ وجود المرء مع الآخرين يدفع عنه داء الانطواء ويذهب القلق،

стр. 760

وخاصّة إذا علم أنّ إخوانه لن يتخلّوا عنه وقت الشّدّة فالمرء قليل بنفسه كثير بإخوانه. ٢٤- وأخيرا فإنّ مجالسة أهل الذّكر والاجتماع بهم وهم القوم لا يشقى جليسهم- غالبا ما يكون سببا لمغفرة الله- ورضوانه. ٢٥- في الاجتماع طرد للشّيطان وإغاظة له لأنّه يهمّ بالواحد والاثنين فإذا كانوا ثلاثة (وهو أقلّ الجمع) لم يهمّ بهم الشّيطان «١» ، كما أخبر المصطفى ﷺ .

стр. 761

الاحتساب الاحتساب لغة: الاحتساب مصدر احتسب وهو من مادّة (ح س ب) الّتي تدلّ في اللّغة على معان عديدة منها: العدّ، والكفاية «١» ، ومن المعنى الأوّل (العدّ) قولهم: حسبت الشّيء أحسبه حسبا وحسبانا، قال تعالى: الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ (الرحمن/ ٥) ، ومن الباب الحسب الّذي يعدّ من الإنسان، قال أهل اللّغة معناه أن يعدّ آباء أشرافا، ومن هذا الباب قولهم: احتسب فلان ابنه إذا مات كبيرا، وذلك أن يعدّه في الأشياء المذخورة له عند الله، والاسم: الحسبة وهو الأجر أو احتساب الأجر، وفلان حسن الحسبة بالأمر إذا كان حسن التّدبير، وهذا أيضا من الباب لأنّه إذا كان حسن التّدبير للأمر كان عالما بعداد كلّ شيء وموضعه من الرّأي والصّواب، ويقال: أحتسب بكذا أجرا عند الله، وفي الحديث: «من صام رمضان إيمانا واحتسابا» . أي طلبا لوجه الله تعالى وثوابه، فالاحتساب من الحسب كالاعتداد من العدّ، وإنّما قيل لمن ينوي بعمله وجه الله احتسبه الآيات/ الأحاديث/ الآثار ٢٨/ ٢٥/ ٧ لأنّ له حينئذ أن يعتدّ عمله فجعل في حال مباشرة الفعل كأنّه معتدّ به، والحسبة: الأجر وهي اسم من الاحتساب كالعدّة من الاعتداد، وجمع الحسبة حسب، وأمّا قوله وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ فجائز أن يكون معناه: من حيث لا يقدّره ولا يظنّه كائنا، من حسبت أحسب أي ظننت، وجائز أن يكون مأخوذا من حسبت أحسب، أي من حيث لم يحسبه لنفسه رزقا ولا عدّه في حسابه، قال الأزهريّ: وإنّما سمّي الحساب في المعاملات حسابا لأنّه يعلم به ما فيه كفاية ليس فيه زيادة على المقدار، ومعنى قولهم: احتسب فلان ابنا له: اعتدّ مصيبته به في جملة بلايا الله الّتي يثاب على الصّبر عليها» . ومن المعنى الثّاني (أي الكفاية، قولهم: أحسبني الشّيء: كفاني، تقول أعطى فأحسب، أي أكثر حتّى قال: حسبي، وقال الفرّاء في قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (الأنفال/ ٦٤) يكفيك الله ويكفي من اتّبعك «٣» . وقال القرطبيّ: قيل: المعنى كافيك الله وكافي من اتّبعك «٤» ، وفي

стр. 762

حديث عبد الله بن عمرو- ﵄ قال له النّبيّ ﷺ : «يحسبك أن تصوم من كلّ شهر ثلاثة أيّام» قال ابن الأثير: يكفيك ولو روي «بحسبك أن تصوم» أي كفايتك، أو كافيك، كقولهم: بحسبك قول السّوء (والباء زائدة) لكان وجها. والإحساب الكفاية، وفي أسماء الله تعالى: الحسيب وهو الكافي- فعيل بمعنى مفعل- من أحسبني الشّيء إذا كفاني، وقولهم: أحسبته (بالهمز) وحسّبته (بالتّشديد) أعطيته ما يرضيه حتّى يقول: «حسبي» «١» . وقول الله تعالى: فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (آل عمران/ ١٧٣) قال القرطبيّ في تفسيره «٢» : المعنى كافينا الله من الإحساب وهو الكفاية، قال الشّاعر: فتملأ بيتنا أقطا وسمنا ... وحسبك من غنى شبع وريّ روي عن ابن عبّاس في هذه الآية قال: قالها إبراهيم الخليل- ﵇ حين ألقي في النّار، وقالها محمّد ﷺ حين قال النّاس (من المنافقين، وقيل ركب عبد القيس الّذين مرّوا بأبي سفيان فدسّهم إلى المسلمين ليثبّطوهم) : إِنَّ النَّاسَ (أي أبو سفيان ومن معه) قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ «٣» ، وقال الطّبريّ في قوله تعالى: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ المعنى فإن تولّى يا محمّد هؤلاء الّذين جئتهم بالحقّ فأدبروا عنك ولم يقبلوا ما أتيتهم به من النّصيحة في الله فقل: حسبي الله (يعني) يكفيني ربّي لا إله إلّا هو لا معبود سواه، عليه توكّلت وبه وثقت، وعلى عونه اتّكلت، وإليه وإلى نصره استندت لأنّه ناصري ومعيني على من خالفني وتولّى عنّي منكم ومن غيركم من النّاس وهو ربّ العرش العظيم. الاحتساب اصطلاحا: قال الكفويّ: الاحتساب: هو طلب الأجر من الله تعالى بالصّبر على البلاء مطمئنّة نفس المحتسب غير كارهة لما نزل بها من البلاء «٤» . وقال ابن الأثير: الاحتساب في الأعمال الصّالحة وعند المكروهات هو البدار إلى طلب الأجر وتحصيله بالتّسليم والصّبر، أو باستعمال أنواع البرّ والقيام بها على الوجه المرسوم فيها طلبا للثّواب المرجوّ منها «٥» . إنّه إذا كان الاحتساب بمعناه الّذي ذكره الكفويّ، أو بمعنييه اللّذين ذكرهما ابن الأثير يعني أن يعدّ الإنسان صبره في المكاره وعمله الطّاعة ضمن ما له عند الله- ، فإنّ اكتفاء الإنسان بالله تعالى وثقته به واتّكاله في نصرته على عونه كما يفهم من كلام الطّبريّ «٦» ، نوع من الاحتساب، كما أنّ رضا

стр. 763

العبد بما قسم له مع الاكتفاء به، كما يؤخذ من تفسير القرطبيّ لقوله تعالى: وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا ما آتاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ (التوبة/ ٥٩) احتساب أيضا «١» . من ثمّ يكون الاحتساب ثلاثة أنواع هي: ١- احتساب الأجر من الله تعالى عند الصّبر على المكاره، وخاصّة فقد الأبناء إذا كانوا كبارا. ٢- احتساب الأجر من الله تعالى عند عمل الطّاعات يبتغى به وجهه الكريم كما في صوم رمضان إيمانا واحتسابا، وكذا في سائر الطّاعات. ٣- احتساب المولى- ناصرا ومعينا للعبد عند تعرّضه لأنواع الابتلاء من نحو منع عطاء أو خوف وقوع ضرر، ومعنى الاحتساب في هذا النّوع الثّالث الاكتفاء بالمولى- ناصرا ومعينا والرّضا بما قسمه للعبد إن قليلا وإن كثيرا. [للاستزادة: انظر صفات: الإنابة- التوكل- الدعاء- الفرار إلى الله- الصبر والمصابرة- كظم الغيظ. وفي ضد ذلك: انظر صفات: الجزع- الحزن القنوط- الوهن- العجلة] .

стр. 764

الآيات الواردة في «الاحتساب» أولا: الاحتساب بمعنى الاكتفاء بالمولى- ناصرا ومعينا: ١- الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣) «١» ٢- وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢) «٢» ٣- يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٦٤) «٣» ٤- وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا ما آتاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ راغِبُونَ (٥٩) «٤» ٥- فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (١٢٩) «٥» ٦- وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ (٣٨) «٦» ثانيا: الاحتساب بالصبر على المكاره «الآيات الواردة بالمعنى» : ٧- الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ (١٥٦) أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧) «٧» ٨- وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (١٠٤) «٨» ٩- وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (٢٢) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ (٢٣) سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (٢٤) «٩» ثالثا: الاحتساب عند الطاعات: «الآيات الواردة بالمعنى» : ١٠- وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ (٢٠٧) «١٠»

стр. 765

١١- إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢١٨) «١» ١٢- وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصابَها وابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٦٥) «٢» ١٣-* لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَما تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ (٢٧٢) «٣» ١٤-* لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً (١١٤) «٤» ١٥- وَيا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مالًا إِنْ أَجرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ (٢٩) «٥» ١٦- يا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلا تَعْقِلُونَ (٥١) «٦» ١٧- وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً (٥٥) قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلًا (٥٦) أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخافُونَ عَذابَهُ إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُوراً (٥٧) «٧» ١٨- كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥) إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلا تَتَّقُونَ (١٠٦) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٠٧) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٠٨) وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (١٠٩) «٨» ١٩- كَذَّبَتْ عادٌ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣) إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلا تَتَّقُونَ (١٢٤) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٢٥) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٢٦) وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (١٢٧) «٩» ٢٠- كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ (١٤١) إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صالِحٌ أَلا تَتَّقُونَ (١٤٢) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٤٣) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٤٤)

стр. 766

وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (١٤٥) «١» ٢١- كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (١٦٠) إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلا تَتَّقُونَ (١٦١) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٦٢) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٦٣) وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (١٦٤) «٢» ٢٢- كَذَّبَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (١٧٦) إِذْ قالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلا تَتَّقُونَ (١٧٧) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٧٨) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٧٩) وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (١٨٠) «٣» ٢٣- إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ (٢٩) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ (٣٠) » ٢٤- يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخافُونَ يَوْماً كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً (٧) وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً (٨) إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً (٩) «٥» ٢٥- وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧) الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى (١٨) وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى (١٩) إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى (٢٠) وَلَسَوْفَ يَرْضى (٢١) «٦» الآيات الواردة في «الاحتساب» ولها معنى آخر ٢٦- وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ (٤٧) «٧» ٢٧- هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ ما ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ (٢) «٨» ٢٨- فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّهِ ذلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً (٣) «٩»

стр. 767

الأحاديث الواردة في (الاحتساب) ١) الأحاديث الواردة في احتساب الطاعات: ١-* (عن أبيّ- ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: «إنّ الله- فرض صيام رمضان، وسننت قيامه. فمن صامه وقامه احتسابا، خرج من الذّنوب كيوم ولدته أمّه» ) * «١» ٢-* (عن أبي مسعود البدريّ- ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: «إنّ المسلم إذا أنفق على أهله نفقة، وهو يحتسبها «٢» ، كانت له صدقة «٣» » ) * «٤» . ٣-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: «من اتّبع جنازة مسلم إيمانا واحتسابا، وكان معه حتّى يصلّى عليها ويفرغ من دفنها فإنّه يرجع من الأجر بقيراطين، كلّ قيراط مثل أحد، ومن صلّى عليها ثمّ رجع قبل أن تدفن فإنّه يرجع بقيراط» ) * «٥» . ٤-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: «من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدّم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدّم من ذنبه» ) * «٦» . (٢) الأحاديث الواردة في احتساب المكاره: ٥-* (عن أسامة- ﵁ قال: أرسلت ابنة النّبيّ ﷺ إليه أنّ ابنا لي قبض فأتنا، فأرسل يقرىء السّلام ويقول: «إنّ لله ما أخذ وله ما أعطى وكلّ عنده بأجل مسمّى، فلتصبر ولتحتسب «٧» ... الحديث) * «٨» . ٦-* (عن حميد قال: سمعت أنسا يقول: أصيب حارثة يوم بدر- وهو غلام- فجاءت أمّه إلى النّبيّ ﷺ فقالت: يا رسول الله قد عرفت منزلة حارثة منّي، فإن يك في الجنّة أصبر وأحتسب، وإن تكن الأخرى ترى «٩» ما أصنع؟. فقال: «ويحك- أو هبلت «١٠» - أو جنّة واحدة هي؟ إنّها جنان كثيرة، وإنّه لفي جنّة الفردوس» ) * «١١» . ٧-* (عن أبي قتادة- ﵁ عن رسول الله ﷺ أنّه قام فيهم فذكر لهم «أنّ الجهاد في سبيل الله والإيمان بالله أفضل الأعمال» فقام رجل فقال: يا رسول الله أرأيت إن قتلت في سبيل الله

стр. 768

تكفّر عنّي خطاياي؟. فقال له رسول الله ﷺ : «نعم، إن قتلت في سبيل الله وأنت صابر محتسب مقبل غير مدبر» . ثمّ قال رسول الله ﷺ : «كيف قلت» ، قال: أرأيت إن قتلت في سبيل الله أتكفّر عنّي خطاياي؟. فقال رسول الله ﷺ : «نعم، وأنت صابر محتسب مقبل غير مدبر، إلّا الدّين، فإنّ جبريل ﵇ قال لي ذلك» ) * «١» . ٨-* (عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ الله لا يرضى لعبده المؤمن إذا ذهب بصفيّه «٢» من أهل الأرض فصبر واحتسب، وقال ما أمر به بثواب دون الجنّة» ) * «٣» ٩-* (عن أبيّ بن كعب- ﵁ قال: كان رجل من الأنصار بيته أقصى بيت في المدينة، فكان لا تخطئه الصّلاة مع رسول الله ﷺ ، قال: فتوجّعنا له. فقلت له: يا فلان لو أنّك اشتريت حمارا يقيك من الرّمضاء، ويقيك من هوامّ الأرض. قال: أما والله! ما أحبّ أنّ بيتي مطنّب «٤» ببيت محمّد ﷺ ، قال: فحملت به حملا «٥» حتّى أتيت نبيّ الله ﷺ ، فأخبرته. قال: فدعاه، فقال له مثل ذلك، وذكر له أنّه يرجو في أثره «٦» الأجر، فقال له النّبيّ ﷺ : «إنّ لك ما احتسبت» ) * «٧» . ١٠-* (عن أبي أمامة- ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: «يقول الله سبحانه: ابن آدم! إن صبرت واحتسبت عند الصّدمة الأولى، لم أرض لك ثوابا دون الجنّة» ) * «٨» . ١١-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: «يقول الله تعالى: ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيّه من أهل الدّنيا ثمّ احتسبه إلّا الجنّة» ) * «٩» . ١٢-* (عن أبي هريرة- ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: لم يتكلّم في المهد إلّا ثلاثة: عيسى ابن مريم. وصاحب جريج. وكان جريج رجلا عابدا. فاتّخذ صومعة. فكان فيها. فأتته أمّه وهو يصلّي فقالت: يا جريج! فقال: يا ربّ! أمّي وصلاتي. فأقبل على صلاته فانصرفت. فلمّا كان من الغد أتته وهو يصلّي. فقالت: يا جريج! فقال: يا ربّ أمّي وصلاتي. فأقبل على صلاته. فلمّا كان من الغد أتته وهو يصلّي. فقالت: يا جريج! فقال: أي ربّ! أمّي وصلاتي فأقبل على صلاته. فقالت: اللهمّ لا تمته حتّى ينظر إلى وجوه

стр. 769

المومسات «١» فتذاكر بنو إسرائيل جريجا وعبادته. وكانت امرأة بغيّ يتمثّل بحسنها «٢» . فقالت: إن شئتم لأفتننّه لكم. قال فتعرّضت له فلم يلتفت إليها فأتت راعيا كان يأوي إلى صومعته فأمكنته من نفسها. فوقع عليها. فحملت. فلمّا ولدت قالت: هو من جريج. فأتوه فاستنزلوه وهدموا صومعته وجعلوا يضربونه. فقال: ما شأنكم؟ قالوا: زنيت بهذه البغيّ. فولدت منك. فقال: أين الصّبيّ؟ فجاءوا به. فقال: دعوني حتّى أصلّي. فصلّى. فلمّا انصرف أتى الصّبيّ فطعن في بطنه وقال: يا غلام! من أبوك؟ قال: فلان الرّاعي. قال: فأقبلوا على جريج يقبّلونه ويتمسّحون به. وقالوا: نبني لك صومعتك من ذهب. قال: لا. أعيدوها من طين كما كانت. ففعلوا. وبينا صبيّ يرضع من أمّه. فمرّ رجل راكب على دابّة فارهة وشارة حسنة «٣» . فقالت أمّه! اللهمّ! اجعل ابني مثل هذا. فترك الثّدي وأقبل إليه فنظر إليه. فقال: اللهمّ! لا تجعلني مثله. ثمّ أقبل على ثديه فجعل يرتضع. قال: فكأنّي أنظر إلى رسول الله ﷺ وهو يحكي ارتضاعه بإصبعه السّبّابة في فمه. فجعل يمصّها. قال: ومرّوا بجارية وهم يضربونها ويقولون: زنيت. سرقت. وهي تقول: حسبي الله ونعم الوكيل فقالت أمّه: اللهمّ! لا تجعل ابني مثلها. فترك الرّضاع ونظر إليها. فقال: اللهمّ! اجعلني مثلها. فهناك تراجعا الحديث. فقالت: حلقى «٤» ! مرّ رجل حسن الهيئة فقلت: اللهمّ! اجعل ابني مثله. فقلت: اللهمّ! لا تجعلني مثله، ومرّوا بهذه الأمة وهم يضربونها ويقولون: زنيت. سرقت فقلت: اللهمّ! لا تجعل ابني مثلها. فقلت: اللهمّ! اجعلني مثلها «٥» . قال: إنّ ذاك الرّجل كان جبّارا. فقلت: اللهمّ! لا تجعلني مثله وإنّ هذه يقولون لها: زنيت ولم تزن. وسرقت. ولم تسرق فقلت: اللهمّ! اجعلني مثلها» ) * «٦» . الأحاديث الواردة في (الاحتساب) معنى ١٣-* (عن أبي موسى الأشعريّ- ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: «إذا مات ولد العبد، قال الله لملائكته: قبضتم ولد عبدي؟. فيقولون: نعم، فيقول: قبضتم ثمرة فؤاده؟. فيقولون: نعم. فيقول: ماذا قال عبدي؟. فيقولون: حمدك واسترجع، فيقول الله: ابنوا لعبدي بيتا في الجنّة وسمّوه بيت الحمد» ) *» . ١٤-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: جاءت امرأة إلى النّبيّ ﷺ بابن لها، فقالت: يا رسول الله! إنّه يشتكي وإنّي أخاف عليه، قد دفنت ثلاثة، قال:

стр. 770

«لقد احتظرت «١» بحظار شديد من النّار» ) * «٢» . ١٥-* (عن أبي موسى الأشعريّ- ﵁ قال: دخلت أسماء بنت عميس، وهي ممّن قدم معنا، على حفصة زوج النّبيّ ﷺ زائرة، وقد كانت هاجرت إلى النّجاشيّ فيمن هاجر إليه، فدخل عمر على حفصة، وأسماء عندها، فقال عمر حين رأى أسماء: من هذه؟. قالت: أسماء بنت عميس. قال عمر: الحبشيّة هذه؟ البحريّة هذه؟. فقالت أسماء: نعم. فقال عمر: سبقناكم بالهجرة، فنحن أحقّ برسول الله ﷺ منكم، فغضبت. وقالت كلمة: كذبت يا عمر، كلّا والله كنتم مع رسول الله ﷺ يطعم جائعكم، ويعظ جاهلكم. وكنّا في دار، أو في أرض البعداء البغضاء في الحبشة وذلك في الله وفي رسوله وأيم الله «٣» لا أطعم طعاما ولا أشرب شرابا حتّى أذكر ما قلت لرسول الله ﷺ . ونحن كنّا نؤذى ونخاف، وسأذكر ذلك لرسول الله ﷺ وأسأله. ووالله لا أكذب ولا أزيغ ولا أزيد على ذلك. قال: فلمّا جاء النّبيّ ﷺ قالت: يا نبيّ الله إنّ عمر قال كذا وكذا، فقال رسول الله ﷺ : «ليس بأحقّ بي منكم، وله ولأصحابه هجرة واحدة، ولكم أنتم أهل السّفينة هجرتان» . قالت: فلقد رأيت أبا موسى وأصحاب السّفينة يأتوني أرسالا «٤» يسألوني عن هذا الحديث، ما من الدّنيا شيء هم به أفرح ولا أعظم في أنفسهم ممّا قال لهم رسول الله ﷺ * «٥» . ١٦-* (عن صهيب- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «عجبا لأمر المؤمن إنّ أمره كلّه خير، وليس ذلك لأحد إلّا للمؤمن؟ إن أصابته سرّاء شكر، فكان خيرا له، وإن أصابته ضرّاء صبر فكان خيرا له» ) * «٦» . ١٧-* (عن أبي سعيد الخدريّ- ﵁ قال: قالت النّساء للنّبيّ ﷺ : غلبنا عليك الرّجال، فاجعل لنا يوما من نفسك. فوعدهنّ يوما لقيهنّ فيه فوعظهنّ وأمرهنّ، فكان فيما قال لهنّ: «ما منكنّ امرأة تقدّم ثلاثة من ولدها إلّا كان لها حجابا من النّار» . فقالت امرأة: واثنين؟. فقال: «واثنين» ) * «٧» . ١٨-* (عن أبي سعيد الخدريّ- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من عبد يصوم يوما في سبيل الله إلّا باعد الله بذلك اليوم وجهه عن النّار سبعين خريفا» ) * «٨» . ١٩-* (عن أبي هريرة- ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: «لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد فتمسّه النّار إلّا تحلّة القسم «٩» » ) * «١٠» . ٢٠-* (عن أمّ سلمة- ﵄ قالت سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من مسلم

стр. 771

تصيبه مصيبة، فيقول ما أمره الله: إنّا لله وإنّا إليه راجعون. اللهمّ اؤجرني في مصيبتي واخلف لي خيرا منها، إلّا أخلف الله له خيرا منها» . قالت: فلمّا مات أبو سلمة، قلت: أيّ المسلمين خير من أبي سلمة، أوّل بيت هاجر إلى رسول الله ﷺ ، ثمّ إنّي قلتها فأخلف الله لي رسول الله ﷺ ... الحديث) * «١» ٢١-* (عن أبي سعيد الخدريّ وأبي هريرة ﵄ عن النّبيّ ﷺ قال: «ما يصيب المسلم من نصب «٢» ولا وصب «٣» ولا همّ، ولا حزن، ولا أذّى، ولا غمّ- حتّى الشّوكة يشاكها- إلّا كفّر الله بها من خطاياه» ) * «٤» . المثل التطبيقي من حياة النبي ﷺ في (الاحتساب) ٢٢-* (عن أبي سعيد الخدريّ- ﵁ قال: دخلت على النّبيّ ﷺ وهو يوعك «٥» فوضعت يدي عليه، فوجدت حرّه بين يديّ، فوق اللّحاف. فقلت: يا رسول الله ما أشدّها عليك!. قال: «إنّا كذلك، يضعّف لنا البلاء، ويضعّف لنا الأجر» . قلت: يا رسول الله أيّ النّاس أشدّ بلاء؟. قال: «الأنبياء» ، قلت: يا رسول الله! ثمّ من؟. قال: «ثمّ الصّالحون. إن كان أحدهم ليبتلى بالفقر، حتّى ما يجد أحدهم إلّا العباءة يحوّيها، وإن كان أحدهم ليفرح بالبلاء كما يفرح أحدكم بالرّخاء» ) * «٦» . ٢٣-* (عن أنس بن مالك- ﵁ قال: دخلنا مع رسول الله ﷺ على أبي سيف القين «٧» ، وكان ظئرا «٨» لإبراهيم «٩» ، فأخذ رسول الله ﷺ إبراهيم فقبّله وشمّه، ثمّ دخلنا عليه بعد ذلك وإبراهيم يجود بنفسه «١٠» ، فجعلت عينا رسول الله ﷺ تذرفان، فقال له عبد الرّحمن بن عوف- ﵁: وأنت يا رسول الله!. فقال: «يا ابن عوف إنّها رحمة» ثمّ أتبعها بأخرى «١١» ، فقال رسول

стр. 772

الله ﷺ : «إنّ العين تدمع والقلب يحزن، ولا نقول إلّا ما يرضى ربّنا، وإنّا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون» ) * «١» . ٢٤-* (عن جندب بن سفيان- ﵁ قال: دميت «٢» إصبع رسول الله ﷺ في بعض تلك المشاهد فقال: « هل أنت إلّا إصبع دميت ... وفي سبيل الله ما لقيت » ) * «٣» . ٢٥-* (عن عبد الله بن مسعود- ﵁ قال: كأنّي أنظر إلى رسول الله ﷺ يحكي نبيّا من الأنبياء ضربه قومه وهو يمسح الدّم عن وجهه ويقول: «ربّ اغفر لقومي فإنّهم لا يعلمون» ) * «٤» . من الآثار وأقوال العلماء والمفسرين الواردة في (الاحتساب) ١-* (قال عمر بن الخطّاب- ﵁: «أيّها النّاس، احتسبوا أعمالكم، فإنّ من احتسب عمله، كتب له أجر عمله وأجر حسبته» ) * «٥» . ٢-* (عن ابن عبّاس- ﵄ قال: «ما من مسلم له ولدان مسلمان يصبح إليهما محتسبا إلّا فتح الله له بابين، يعني من الجنّة، وإن كان واحد فواحد» ) * «٦» . ٣-* (قال خبيب- ﵁ عند ما أراد قتله بنو الحارث بن عامر بن نوفل: فلست أبالي حين أقتل مسلما ... على أيّ جنب كان لله مصرعي وذلك في ذات الإله وإن يشأ ... يبارك على أوصال شلو ممزّع » ) * «٧» . ٤-* (قال وكيع- ﵀ بعد حديث عديّ بن حاتم، قال رسول الله ﷺ : «ما منكم من رجل إلّا سيكلّمه ربّه يوم القيامة وليس بينه وبينه ترجمان ... الحديث» «٨» ، قال: «من كان هاهنا من أهل خراسان، فليحتسب في إظهار هذا الحديث، لأنّ الجهميّة ينكرون ذلك» ) * «٩» . ٥-* (وقال الماورديّ في سياق تفسير هذه الآية يعني إذا أصابتهم مصيبة في نفس أو أهل أو مال قالوا: إنّا لله: أي نفوسنا وأهلونا وأموالنا لله، لا يظلمنا فيما يصنعه بنا وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ يعني بالبعث في ثواب المحسن ومعاقبة المسيء) «١٠» . ٦-* (قال ابن كثير في قوله تعالى: الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ أي

стр. 773

تسلّوا بقولهم هذا عمّا أصابهم وعلموا أنّهم ملك لله يتصرّف في عبيده بما يشاء. وعلموا أنّه لا يضيع لديه مثقال ذرّة يوم القيامة فأحدث لهم ذلك اعترافهم بأنّهم عبيده وأنّهم إليه راجعون في الدّار الآخرة» ) *» . ٧-* (وأخرج عبد بن حميد عن قتادة الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ* أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ قال: من استطاع أن يستوجب لله في مصيبته ثلاثا (الصّلاة والرّحمة والهدى) فليفعل ولا قوّة إلّا بالله. فإنّه من استوجب على الله حقّا بحقّ أحقّه الله له، ووجد الله وفيّا) «٢» . من فوائد (الاحتساب) (١) طريق موصل إلى محبّة الله ورضوانه. (٢) دليل كمال الإيمان وحسن الإسلام. (٣) الفوز بالجنّة والنّجاة من النّار. (٤) حصول السّعادة في الدّارين. (٥) الاحتساب في الطّاعات يجعلها خالصة لوجه الله تعالى وليس لها جزاء إلّا الجنّة. (٦) الاحتساب في المكاره يضاعف أجر الصّبر عليها. (٧) الاحتساب يبعد صاحبه عن شبهة الرّياء ويزيد من ثقته بربّه. (٨) الاحتساب في المكاره يدفع الحزن ويجلب السّرور ويحوّل ما يظنّه الإنسان نقمة إلى نعمة. (٩) الاحتساب في الطّاعات يجعل صاحبه قرير العين مسرور الفؤاد بما يدّخره عند ربّه فيتضاعف رصيده الإيمانيّ وتقوى روحه المعنويّة. (١٠) الاحتساب دليل الرّضا بقضاء الله وقدره، ودليل على حسن الظّنّ بالله تعالى.

стр. 774

الإحسان الإحسان لغة: ضدّ الإساءة، ورجل محسن ومحسان، الأخيرة عن سيبويه. والمحاسن في الأعمال: ضدّ المساويء. وقوله تعالى وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ (الرعد/ ٢٢) ، أي يدفعون بالكلام الحسن ما ورد عليهم من سيّء غيرهم. وحسّنت الشّيء تحسينا: زيّنته، وأحسنت إليه وبه، وروى الأزهريّ عن أبي الهيثم أنّه قال في قوله تعالى في قصّة يوسف، على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام: وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ (يوسف/ ١٠٠) أي قد أحسن إليّ «١» . الإحسان اصطلاحا: يختلف معنى الإحسان اصطلاحا باختلاف السّياق الّذي يرد فيه، فإذا اقترن بالإيمان والإسلام كان المراد به: الإشارة إلى المراقبة وحسن الطّاعة، وقد فسّره النّبيّ ﷺ بذلك عند ما سأله جبريل: ما الإحسان؟ فقال: «الإحسان أن تعبد الله كأنّك تراه فإن لم تكن تراه فإنّه يراك..» أمّا إذا ورد «الإحسان» مطلقا فإنّ المراد به الآيات/ الأحاديث/ الآثار ٦٦/ ٢٩/ ٦ فعل ما هو حسن، والحسن وصف مشتقّ من الحسن الّذي يراد به اصطلاحا- فيما يقول الجرجانيّ: «ما يكون متعلّق المدح في العاجل والثّواب في الآجل» «٢» ، وذهب التّهانويّ إلى أنّ لفظ الحسن يطلق ويراد به- اصطلاحا- واحد من أمور ثلاثة: الأوّل: كون الشّيء ملائما للطّبع وضدّه القبح بمعنى كونه منافرا له. الثّاني: كون الشّيء صفة كمال وضدّه القبح وهو كونه صفة نقصان وذلك مثل العلم والجهل. الثّالث: كون الشّيء متعلّق المدح وضدّه القبح بمعنى كونه متعلّق الذّمّ. وقال المناويّ: الإحسان إسلام ظاهر، يقيمه إيمان باطن، يكمّله إحسان شهوديّ. وقال الرّاغب: الإحسان: فعل ما ينبغي فعله من المعروف، وهو ضربان: أحدهما: الإنعام على الغير، والثّاني الإحسان في فعله وذلك إذا علم علما محمودا، وعمل عملا حسنا، ومنه قول عليّ- ﵁: النّاس أبناء ما يحسنون. أي منسوبون إلى ما يعلمون ويعملون. وقال الكفويّ: الإحسان: هو فعل (الإنسان) ما ينفع غيره بحيث يصير الغير حسنا به، كإطعام

стр. 775

الجائع، أو يصير الفاعل به حسنا بنفسه، فعلى الأوّل: الهمزة في أحسن للتّعدية وعلى الثّاني للصّيرورة «١» . حقيقة الإحسان: فسّر النّبيّ ﷺ الإحسان حين سأله جبريل، صلوات الله وسلامه عليه، فقال: «هو أن تعبد الله كأنّك تراه، فإن لّم تكن تراه فإنّه يراك» . أراد بالإحسان الإشارة إلى المراقبة وحسن الطّاعة؛ فإنّ من راقب الله أحسن عمله، وهو تفسير قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ (النحل/ ٩٠) . ولذلك عظّم الله ثواب أهل الإحسان، فقال تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (البقرة/ ١٩٥) وقال : هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ (الرحمن/ ٦٠) أي ما جزاء من أحسن في الدّنيا إلّا أن يحسن إليه في الآخرة. والفرق بين الإحسان والإنعام أنّ الإحسان يكون لنفس الإنسان ولغيره. تقول: أحسنت إلى نفسي، والإنعام لا يكون إلّا لغيره. وقال الفيروز اباديّ: الإحسان يقال على وجهين: أحدهما الإنعام على الغير. تقول: أحسن إلى فلان، والثّاني إحسان في فعله. وذلك إذا علم علما حسنا، أو عمل عملا حسنا. والإحسان أعمّ من الإنعام، وقال: الإحسان من أفضل منازل العبوديّة؛ لأنّه لبّ الإيمان وروحه وكماله. وجميع المنازل منطوية فيها، قال تعالى: هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ (الرحمن/ ٦٠) وقال رسول الله ﷺ : «الإحسان أن تعبد الله كأنّك تراه» . والإحسان يكون في القصد بتنقيته من شوائب الحظوظ، وتقويته بعزم لا يصحبه فتور، وبتصفيته من الأكدار الدّالّة على كدر قصده. ويكون الإحسان في الأحوال بمراعاتها وصونها غيرة عليها أن تحوّل «٢» . الإحسان- إذن- وفي معنى عامّ: المعاملة بالحسنى ممّن لا يلزمه إلى من هو أهل لها. ذلك أنّ الحسن يعني: ما كان محبوبا عند المعامل به، وليس لازما لفاعله. درجات الإحسان: ويأتي الإحسان على درجات متعدّدة، وكلّها ينضوي تحت المفهوم الشّامل السّابق، وأعلاه: ما كان في جانب الله تعالى، ممّا فسّره النّبيّ ﷺ بقوله في الحديث المشهور «الإحسان أن تعبد الله كأنّك تراه، فإن لم تكن تراه فإنّه يراك» . ودونه التّقرّب إلى الله تعالى بالنّوافل. وتأتي بعد ذلك مراتب أخرى للإحسان سواء في القصد والنّيّة، أو في الفعل، والإحسان في النّيّة يعدّ أمرا مهمّا، إذ لابدّ أن تنقّى تنقية سليمة وافرة، أمّا الإحسان في الفعل أي في المعاملة مع الخلق فيكون فيما زاد على الواجب شرعا، ويدخل فيه جميع الأقوال والأفعال ومع سائر أصناف الخلائق إلّا ما حرّم الإحسان إليه بحكم الشّرع. ومن أدنى مراتب الإحسان، ما ورد في
следующие страницы →