Полный текст (573 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
شرح أسباب ولاية القائد سليمان بن فلاح لدمشق المقدم ذكره لدمشق وما آلت إليه حاله وحال أخيه في ذلك في سنة ٣٨٧
قد تقدم من شرح ولاية القائد المذكور لدمشق والسبب لذلك وما آلت الحال إليه ما في معرفته الغناء والكفاية. ولما وردت المكاتبات من مصر عقيب انجلاء فتنة القائد أبي محمد الحسن بن عمار شيخ كتامة بتجديد البيعة للحاكم بأمر الله بما يطيب قلوب أهل البلد ويبعثهم على الوثوب على سليمان وكان هذا القائد المذكور مشهوراً بالكفاية والغناء وتوقد اليقظة في أحواله والمضاء لكنه كان مستهتراً بشرب الراح واستماع الغناء والتوفر على اللذة ولما وردت المطلقات المصرية بما اشتملت عليه في حقه وهو منهمك في لهوه لم يشعر إلا بزحف العامة والمشارقة إلى قصره وهجومهم عليه فخرج هارباً على ظهر فرسه فنهبت خزائنه وأمواله وعدده وأوقعوا من كان في البلد معه من كتامة وقتلوا منهم عدةً وافرةً وعادت الفتنة ثائرةً واقتسم الرؤساء الأحداث حال البلد، وكان يكتب لبرجوان فهد بن إبراهيم النصراني فلما صار الأمر إليه استوزره وكان أبناء القبط بريف مصر واستكتب أبا الفتح أحمد بن أفلح على ديوان الرسايل. ولم يزل برجوان يتلطف للحسن بن عمار إلى أن أخرجه من استتاره وأعاده إلى داره وأجراه على رسمه في راتبه واقطاعاته بعد أن شرط عليه اغلاق بابه والا يداخل نفسه فيما كان يداخلها فيه ولا يشرع في فساد على الحاكم ولا على برجوان وأخذ العهد عليه بذلك واستحلفه بأوكد الأيمان وبالغ في التوثق منه.
стр. 107
وكان أهل صور في هذه السنة التي هي سنة ٨٧ قد عصوا وأمروا عليهم رجلاً ملاحاً من البحرية يعرف بالعلاقة وقتلوا أصحاب السلطان واتفق إن المفرج بن دغفل قد نزل على الرملة ونهب ما كان في السواد وأطلق يد العيث في البلاد وانضاف إلى هاتين الحادثتين خروج الدوقس عظيم الروم في عسكر كثير إلى الشام ونزوله على حصن أفامية فاصطنع برجوان القائد جيش بن الصمصامة وقدمه وجهز معه ألف رجل وسيره إلى دمشق وأعمالها وبسط يده في الأموال ورد إليه تدبير الأعمال فسار جيش ونزل على الرملة والوالي عليها وحيد الهلالي ومعه خمسة ألف رجل ووافاه ولاة البلد وخدموه وصادف القائد أبا تميم سليمان بن فلاح في الرملة فقبض عليه قبضاً جميلاً وندب أبا عبد الله الحسين بن ناصر الدولة وياقوت الخادم ومن معه من عبيد الشرا لقصد صور ومنازلتها وفتحها وكان قد ولي جماعةً من الخدم السواحل وأنفذوا إليها وأنفذ في البحر تقدير عشرين مركباً من الحربية المشحونة بالرجال إلى ثغر صور وكتب إلى علي بن حيدرة والي طرابلس بالمسير إليه في اصطوله وإلى ابن شيخ والي صيدا بمثل ذلك وإلى جماعة من الجهات بحيث اجتمع الخلق الكثير على باب صور ووقعت الحرب بينها وبين أهلها واستجار العلاقة بملك الروم وكاتب يستنصره ويستنجده وأنفذ إليه عدة مراكب في البحر مشحونةً بالرجال المقاتلة والتقت هذه المراكب مراكب المسلمين فاقتتلوا في البحر قتالاً شديداً فظفر المسلمون بالروم وملكوا مركباً من مراكبهم وقتلوا من فيه وكانت عدتهم مائة وخمسين رجلاً وانهزمت بقية المراكب فضعفت نفوس أهل صور ولم يكن لهم طاقة بمن اجتمع عليهم من العساكر براً وبحراً ونادى المغاربة من أراد الأمان من أهل الستر والسلامة فليلزم منزله فلزموا ذلك وفتح البلد وأسر العلاقة وجماعة من أصحابه ووقع النهب وأخذ من الأموال والرجال الشيء الكثير وكان هذا الفتح أول فتح على يد برجوان
стр. 108
الحاكمي وحمل العلاقة وأصحابه إلى مصر فسلخ حياً وصلب بظاهر المنظر بعد أن حشي جلده تبناً وقتل أصحابه. وولي أبو عبد الله الحسين بن ناصر الدولة ابن حمدان صور وأقام بها وسار جيش بن الصمصامة على مقدمته بدر بن ربيعة لقصد المفرج بن دغفل بن الجراح وطلبه فهرب بين يديه حتى لحق بجبلي طيء وتبعه حتى كاد يأخذه ثم رماه ابن جراح بنفسه وعجائز نسائه وعاذ منه بالصفح وطلب الأمان فأمنه وشرط عليه ما التزمه وعفا عنه جيش وكف عنه واستحلفه على ما قرره معه وعاد إلى الرملة ورتب فيها والياً من قبله وانكفأ إلى دمشق طالباً لعسكر الروم النازل على أفامية. فلما وصل إلى دمشق استقبله أشرافها ورؤساء أحداثها مذعنين له بالطاعة فأقبل على رؤساء الأحداث وأظهر لهم الجميل ونادى في البلد برفع الكلف واعتماد العدل والانصاف واباحة دم كل مغربي يتعرض لفساد فاجتمع إليه الرعية يشكرونه ويدعون له وسألوه دخول البلد والنزول فيه بينهم فأعلمهم إنه قاصد
الجهاد في الروم وأقام ثلاثة أيام وخلع على رؤساء الأحداث وحملهم ووصلهم ونزل حمص. ووصل إليه أبو الحسن عبد الواحد بن حيدرة في جند طرابلس والمتطوعة من عامتها وتوجه إلى الدوقس عظيم الروم النازل على حصن أفامية فصارت أهله قد اشتد بهم الحصار وبلغ منهم عدم الأقوات وانتهى أمرهم إلى أكل الجيف والكلاب وابتاع واحد واحداً بخمسة عشرين درهماً. فنزل بإزاء الروم وبينه وبينهم النهر المعروف بالمقلوب والتقى الفريقان وتنازعا الحرب والمسلمون في عشرة ألف رجل ومعهم ألف فارس من بني كلاب فحمل الروم على القلب وفيه بدر العطار والديلم والسواد فكسروه ووضعوا السيف في من كان فيه وانهزمت الميسرة وفيها ميسور الصقلبي والي طرابلس ولحقتها الميمنة وفيها جيش بن محمد بن الصمصامة المقدم ووحيد الهلالي وركب الروم المسلمين وقتلوا منهم ألفي رجل واستولوا على سوادهم وسلاحهم وكراعهم ومال بنو كلاب على أكثر من ذلك فانتهبوه وثبت بشارة الأخشيدي في خمسمائة غلام وشاهد أهل أفامية من المسلمين ما نزل بالناس فأيقنوا بالهلاك والعطب وابتهلوا إلى الله الكريم اللطيف بعباده وسألوا الرحمة والنصر. وكان ملك الروم قد وقف على رايته بين يديه ولدان له وعشرة نفر من غلمانه ليشاهد ظفر عسكره وأخذه ما يأخذه من الغنائم فقصده كردي يعرف بأبي الحجر أحمد بن الضحاك السليل على فرس جواد وعليه كذا غند وخوذة وبيده اليمنى خشت وباليسرى العنان وخشت آخر فظنه الدوقس مستأمناً له ومستجيراً به فلم يحفل به ولا تحرز منه فلما دنا منه حمل عليه والدوقس متحصن بلأمته فرفع يده ليتقي ما يرميه به فرماه بالزوبين الذي في يمناه رميةً أصابت خللاً في الدرع فوصل إلى جسده وتمكن منه في أضلاعه فسقط إلى الأرض ميتاً وصاح الناس إن عدو الله قد قتل فانهزمت الروم وتراجع المسلمون وعادت العرب ونزل من كان في الحصن فأعانوهم واستولى المسلمون على الروم فقتلوهم وأسروهم وكانت الوقعة في مرج أفيح يطيف به جبل يعرف بالمضيق لا يسلكه إلا رجل في أثر رجل ومن جانبه بحيرة أفامية ونهر المقلوب فلم يكن للروم مهرب في الهزيمة وتصرم النهار وقد احتز من رؤوس القتلى عشرة ألف راس وبات المسلمون مبيت المنصورين الغانمين المسرورين بما منحهم الله إياهم من الكفاية ووهب لهم من الظفر. ووافى العرب من غد بما نهبوه من دواب المسلمين عند الهزيمة ومنهم من رد ومنهم من باع بالثمن البخس لأن جيش بن الصمصامة المقدم نادى في معسكره بألا يبتاع أحمد من العرب الا ما عرفه وكان مأخوذاً منه فلم يجد الا ما أخذه أصحابه. وحصل ولدا الدوقس في أسر بعض المسلمين فابتاعهما جيش بن الصمصامة المقدم منه بستة ألف دينار وأخذهما إليه وأقام على حصن أفامية أسبوعاً وحمل إلى مصر عشرة ألف راس وألفي رجل من الأسرى إلى باب أنطاكية ونهب الرساتيق وأحرق القرى وانصرف منكفياً إلى دمشق. وقد عظمت هيبته فاستقبله أشرافها ورؤساؤها وأحداثها مهنئين وداعين له فتلقاهم بالشماسية وزادهم من الكرامة وخلع عليهم وعلى وجوه الأحداث وحملهم على الخيل والبغال ووهب لهم الجواري والغلمان وعسكر بظاهر البلد وخاطبوه في الدخول والجواز في الأسواق وقد كانوا زينوها اظهاراً للسرور به والتقرب إليه فلم يفعل وقال: معي عسكر وإن دخلت دخلوا معي ولم أمن أن يمدوا أيديهم إلى ما يثقل به الوطأة منهم. والتمس أن يخلوا له قريةً على باب دمشق تعرف ببيت لهيا ليكون نزوله بها فأجابوه إلى ذلكلجهاد في الروم وأقام ثلاثة أيام وخلع على رؤساء الأحداث وحملهم ووصلهم ونزل حمص. ووصل إليه أبو الحسن عبد الواحد بن حيدرة في جند طرابلس والمتطوعة من عامتها وتوجه إلى الدوقس عظيم الروم النازل على حصن أفامية فصارت أهله قد اشتد بهم الحصار وبلغ منهم عدم الأقوات وانتهى أمرهم إلى أكل الجيف والكلاب وابتاع واحد واحداً بخمسة عشرين درهماً. فنزل بإزاء الروم وبينه وبينهم النهر المعروف بالمقلوب والتقى الفريقان وتنازعا الحرب والمسلمون في عشرة ألف رجل ومعهم ألف فارس من بني كلاب فحمل الروم على القلب وفيه بدر العطار والديلم والسواد فكسروه ووضعوا السيف في
стр. 109
من كان فيه وانهزمت الميسرة وفيها ميسور الصقلبي والي طرابلس ولحقتها الميمنة وفيها جيش بن محمد بن الصمصامة المقدم ووحيد الهلالي وركب الروم المسلمين وقتلوا منهم ألفي رجل واستولوا على سوادهم وسلاحهم وكراعهم ومال بنو كلاب على أكثر من ذلك فانتهبوه وثبت بشارة الأخشيدي في خمسمائة غلام وشاهد أهل أفامية من المسلمين ما نزل بالناس فأيقنوا بالهلاك والعطب وابتهلوا إلى الله الكريم اللطيف بعباده وسألوا الرحمة والنصر. وكان ملك الروم قد وقف على رايته بين يديه ولدان له وعشرة نفر من غلمانه ليشاهد ظفر عسكره وأخذه ما يأخذه من الغنائم فقصده كردي يعرف بأبي الحجر أحمد بن الضحاك السليل على فرس جواد وعليه كذا غند وخوذة وبيده اليمنى خشت وباليسرى العنان وخشت آخر فظنه الدوقس مستأمناً له ومستجيراً به فلم يحفل به ولا تحرز منه فلما دنا منه حمل عليه والدوقس متحصن بلأمته فرفع يده ليتقي ما يرميه به فرماه بالزوبين الذي في يمناه رميةً أصابت خللاً في الدرع فوصل إلى جسده وتمكن منه في أضلاعه فسقط إلى الأرض ميتاً وصاح الناس إن عدو الله قد قتل فانهزمت الروم وتراجع المسلمون وعادت العرب ونزل من كان في الحصن فأعانوهم واستولى المسلمون على الروم فقتلوهم وأسروهم وكانت الوقعة في مرج أفيح يطيف به جبل يعرف بالمضيق لا يسلكه إلا رجل في أثر رجل ومن جانبه بحيرة أفامية ونهر المقلوب فلم يكن للروم مهرب في الهزيمة وتصرم النهار وقد احتز من رؤوس القتلى عشرة ألف راس وبات المسلمون مبيت المنصورين الغانمين المسرورين بما منحهم الله إياهم من الكفاية ووهب لهم من الظفر. ووافى العرب من غد بما نهبوه من دواب المسلمين عند الهزيمة ومنهم من رد ومنهم من باع
стр. 110
بالثمن البخس لأن جيش بن الصمصامة المقدم نادى في معسكره بألا يبتاع أحمد من العرب الا ما عرفه وكان مأخوذاً منه فلم يجد الا ما أخذه أصحابه. وحصل ولدا الدوقس في أسر بعض المسلمين فابتاعهما جيش بن الصمصامة المقدم منه بستة ألف دينار وأخذهما إليه وأقام على حصن أفامية أسبوعاً وحمل إلى مصر عشرة ألف راس وألفي رجل من الأسرى إلى باب أنطاكية ونهب الرساتيق وأحرق القرى وانصرف منكفياً إلى دمشق. وقد عظمت هيبته فاستقبله أشرافها ورؤساؤها وأحداثها مهنئين وداعين له فتلقاهم بالشماسية وزادهم من الكرامة وخلع عليهم وعلى وجوه الأحداث وحملهم على الخيل والبغال ووهب لهم الجواري والغلمان وعسكر بظاهر البلد وخاطبوه في الدخول والجواز في الأسواق وقد كانوا زينوها اظهاراً للسرور به والتقرب إليه فلم يفعل وقال: معي عسكر وإن دخلت دخلوا معي ولم أمن أن يمدوا أيديهم إلى ما يثقل به الوطأة منهم. والتمس أن يخلوا له قريةً على باب دمشق تعرف ببيت لهيا ليكون نزوله بها فأجابوه إلى ذلك
стр. 111
ولاية بشارة الإخشيدي القائد لدمشق في سنة ٣٨٨ والسبب الداعي إلى ذلك وما آلت إليه الحال
لما تقرر الحال بمصر مع برجوان الحاكمي على تجهيز جيش بن الصمصامة إلى الشام لتلافي ما حدث فيه وتدبير الأعمال وتسديد الأحوال والرفع لشر الروم الواصلين إلى أعماله اقتضت الحال والسياسة رد ولاية دمشق بعد اخراج القائد أبي تميم سليمان بن جعفر بن قلاح منها على ما تقدم الذكر له إلى القائد بشارة الأخشيدي فسار ووصل إليها ودخلها ونزل في قصر الولاة بها وشرع في البناء فيه على عادة الولاة في ذلك في يوم الاثنين النصف من شوال سنة ٣٨٨. وتوجه القائد بشارة الوالي المذكور مع جيش ابن الصمصامة إلى الجهاد في الروم فلما أظفر الله بهم ونصر عليهم وانكفأ المسلمون منصورين ظافرين مسرورين وعاد بشارة الوالي في الجملة صادف الأمر قد ورد من مصر بصرف القائد بشارة عن ولاية دمشق واقرارها على القائد جيش بن محمد ابن الصمصامة
شرح السبب في ذلك وما انتهت إليه حاله وكان ماله
قد تقدم شرح السبب في اخراج القائد جيش في العسكر من مصر إلى الشام ما كفى وأغنى وما كان منه في التدبير في افتتاح ثغر صور وكسر عسكر الروم والعود إلى دمشق وصرف بشارة عن ولايتها.
стр. 112
واتفق ذاك وقد قوض الصيف خيامه وطوى بعد النشر اعلامه والشتاء قد أقبل بصره وهريره وقرة زمهريره فالتمس من أهل دمشق على ما تقدم ذكره اخلاء بيت لهيا فأجيب إلى ما طلب فنزل فيها وشرع في التوفر على استعمال العدل ورفع الكلف واحسان السيرة والمنع من الظلم وأشخص رؤساء الأحداث وقدمهم واستحجب جماعةً منهم وجعل يعمل لهم السمط في كل يوم يحضرهم للأكل عنده ويبالغ في تأنيسهم واستمالتهم بكل حال. فلما مضت على ذلك برهة من الزمان أحضر قواده ووجوه أصحابه وتقدم إليهم بالكون على أهبة واستعداد لما يريد استخدامهم وتوقع لما يوصل إليهم من رقاعه المختومة بخاتمه والعمل به. وقسم البلد وكتب إلى كل قائد يذكر الموضع الذي يدخل فيه ويضع السيف في مفسديه ثم رتب في حمام داره مائتي راجل من المغاربة بالسيوف وتقدم إلى المعروف بالناهري العلوي وكان من خواصه وثقاته بأن يراعي حضور رؤساء الأحداث الطعام فإذا أكلوا وقاموا إلى المجلس الذي جرت عادتهم بغسل أيديهم فيه أغلق عليهم بابه وأمر من رتب في الحمام بوضع السيف في أصحابهم. وكان كل رجل منهم يدخل ومعه جماعة من الأحداث معهم السلاح وحضر القوم على رسمهم فبادر جيش بالرقاع إلى قواده وجلس معهم للأكل فلما فرغوا نهض فدخل في حجرته ونهضوا إلى المجلس وأغلق الفراشون بابه وكانت عدتهم اثني عشر رجلاً يقدمهم المعروف بالدهيقين وخرج من بالحمام فوضعوا السيف في أصحابهم فقتلوهم بأسرهم وكانوا تقدير مائتي رجل، وركب القواد ودخلوا البلد وقتلوا فيه قتلاً ذريعاً وثلموا السور من كل جانب وفتحوا أبوابه ورموها وأنزل المغاربة دور الدمشقيين وجرد إلى الغوطة والمرج قائداً يعرف بنصرون وأمره بوضع السيف في من بها من الأحداث فيقال إنه قتل ألف رجل منهم لأنهم كانوا كثيرين. ودخل دمشق فطافها فاستغاث الناس وسألوا العفو
стр. 113
والابقاء فكف عنهم ورتب أصحاب المصالح في المحال والمواضع وعاد إلى القصر في وقته فاستدعى الأشراف استدعاء حسن معه ظنهم فيه فلما حضروا أخرج رؤساء الأحداث فضرب رقابهم بين أيديهم وأمر بصلب كل واحد منهم في محلته حتى إذا فرغ من ذلك قبض عليهم وحملهم إلى مصر وأخذ أموالهم ونعمهم ووظف على أهل البلد خمسمائة ألف دينار. وجاءه أمر الله تعالى الذي لا يدفع نازله ولا يرد واصله فهلك وكان سبب هلاكه ناسور خرج في سفله ولم يزل يستغيث من الألم ويتمنى الموت ويطلب أن يقتل نفسه فلا يتمكن ولا يمكن ويسئل في قتله فلا يقتل إلى أن هلك على هذه الحال وكانت مدة هذه الولاية والفتنة تسعة شهور وقيل إن عدة من قتل من الأحداث ثلاثة ألف رجل وانتهى الخبر إلى مصر بهلاكه فقلد ولده محمد بن جيش مكانه. وقد استقامت الأمور بمصر والشام واستمال برجوان المشارقة واستدعاهم من البلاد فاجتمع عنده منهم تقدير ثلاثة ألف رجل وكان يواصل النظر في قصر الحاكم نهاره أجمع إلى أن ينتصف الليل ويجاوز الانتصاف ويوفي السياسة حقها وبين يديه ابن أبي العلاء فهد بن إبراهيم من يمشي الأمور ويحسن تنفيذها.
стр. 114
وراسل برجوان بسيل ملك الروم على لسان ابن أبي العلاء ودعاه إلى المهادنة والموادعة وحمل إليه هدايا سلك فيها سبيل التألف والملاطفة فقابل بسيل ذلك منه بأحسن قبول وتقررت الموادعة عشر سنين وأنفذ بسيل في مقابلة الهدية ما جرت به عادة مثله. وصلحت الحال مع العرب وأحسن إلى بني قرة وألزمهم شرائط الطاعة وسير عسكراً إلى برقة وطرابلس الغرب فأخذها وعول في ولايتها على يانس الصقلبي. وكان لفرط إشفاقه على الحاكم يمنعه من الركوب في غير وقت ركوبه والعطاء لغير مستحقه وفعل وذاك يفعله من باب السياسة والحفظ لنفسه وهيبته وماله وهو يسر ذلك في نفسه إنه من الإساءة إليه والتضييق عليه. وكان مع الحاكم خادم يعرف بزيدان الصقلبي وقد خص به وأنس إليه في شكوى ما يشكوه من برجوان إليه واطلاعه على ما يسره في نفسه له وزاد زيدان في الحمل عليه والاغراء به وقال له فيما قال: إن برجوان يريد أن يجري نفسه مجرى كافور الأخشيدي ويجريك مجرى ولد الأخشيدي في الحجر عليك والأخذ على يدك والصواب أن تقتله وتدبر أمرك منفرداً به.
فقال له الحاكم: إذا كان هذا رأيك والصواب عندك فأريد منك المساعدة عليه. فبذلها له فلما كان في بعض أيام شهور سنة ٣٨٩ أشار زيدان على الحاكم بأن ينفذ إلى برجوان في وقت الظهر بعد انصرافه إلى داره وتفرق الناس عنه للركوب إلى الصيد وأن يقف له في البستان الذي داخل القصر فإذا حضر أمر بقتله فأرسل إليه بالركوب وقال: أريد أن ترتب الخدم في جانبي البستان فإني أقف على بابه وأنت بين يدي فإذا حضر برجوان دخلت البستان وتبعني وكنت في أثره فإذا نظرت إليك فأضره بالسكين في ظهره وواقف الخدم أن يضعوا عليه. فبينما هما في الحديث إذ دخل برجوان فقال للحاكم: يا أمير المؤمنين الحر شديد والبزاة في مثله لا تصيد. فقال: صدقت ولكنا ندخل البستان ونطوف فيه ساعةً ونخرج. وأنفذ برجوان إلى شكر وكان قد ركب بأن يسير مع الموكب إلى المقس والمقس ظاهرة القاهرة ويقف عند القنطرة فإن مولانا يخرج من البستان ويتبعك ففعل ودخل الحاكم البستان وبرجوان خلفه وزيدان بعده وكان برجوان خادماً أبيض اللون تام الخلقة فبدره زيدان فضربه بين أكتافه بسكين اطلعها من صدره فقال: يا مولانا غدرت. فصاح الحاكم: يا عبيد خذوا رأسه. وتكاثر الخدم عليه فقتلوه وخرج الخدم الكبار مسرعين على ظهور الخيل إلى الجانب وبغال الموكب والجوارح فردوا جميعها فقال لهم شكر: ما السبب في ذلك! فلم يجيبوه فجاء الناس من هذا الحادث ما لم يكن في الحساب وعاد شكر بالموكب وشهر الجند سيوفهم وهم لا يعلمون ما الخبر غير إنهم خائفون على الحاكم من حيلة تتم عليه من الحسن بن عمار ورجع أكثرهم إلى دورهم فلبسوا سلاحهم ووافوا إلى باب القصر وتميز المغاربة والمشارقة وأحدق شكر ومن معه من الأتراك والمشارقة القصر وعلا على شرف القصر الخدم في أيديهم السيوف والتراس وعظم الأمر واجتمع القواد وشيوخ الدولة وأبو لعلاء الوزير على باب القصر الزمرد. فلما رأى الحاكم زيادة الاختلاط ظهر من منظرة على الباب وسلم على الناس فترجلوا عن دوابهم إلى الأرض وقتلوها بين يديه وضربت البوقات والطبول وفتح باب القصر واستدعى أصحاب الرسايل وسلمت إليهم رقعة قد كتبها الحاكم بيده إلى شكر وأكابر القواد يقول فيها: إنني أنكرت على برجوان أموراً أوجبت قتله فقتلته فألزموا الطاعة وحافظوا على ما فيها في رقابكم من البيعة المأخوذة. فلما قرئت عليهم قبلوا الأرض وقالوا: الأمر لمولانا. واستدعى الحسين بن جوهر وكان من شيوخ الدولة فأمره بصرف الناس فصرفهم وعاد الحاكم إلى قصره وكل من القواد إلى داره والنفوس خائفة من فتنة تحدث بين المشارقة والمغاربة وشاع قتل برجوان وركب مسعود الحاكمي إلى داره فقبض على جميع ما فيها من أمواله. وجلس الحاكم وقت العشاء الأخير واستدعى الحسين بن جوهر وأبا العلاء بن فهد بن إبراهيم الوزير وتقدم إليه بإحضار سائر كتاب الدواوين والأعمال ففعل وحضروا وأوصلهم إليه وقال لهم: إن هذا فهداً كان أمس كاتب برجوان عبدي وهو اليوم وزيري فاسمعوا له وأطيعوا ووفوه شروطه في التقدم عليكم وتوفروا على مراعاة الأعمال وحراسة الأموال. وقبل فهد الأرض وقبلوها وقالوا: السمع والطاعة لمولانا. وقال لفهد: أنا حامد لك وراض عنك وهؤلاء الكتاب خدمي فأعرف حقوقهم وأجمل معاملتهم وأحفظ حرمتهم وزد في واجب من يستحق الزيادة بكفايته وأمانته. وتقدم بأن يكتب إلى سائر ولاة البلاد والأعمال بالسبب الواجب لقتل برجوان. فكتب بما نسخته بعد التصدير وما جرت العادة بمثله في الخطاب: أما بعد فإن برجوان أرضى أمير المؤمنين حيناً فاستعمله ثم أسخطه فقتله وأعلمك أمير المؤمنين ذاك لتعلمه وتجري على سننك الحميد في خدمته ومدهبك الرشيد في طاعته ومناصحته وتسديد ما قبلك من الأمور وطالعه بما يتجدد لديك من أحوال الجمهور إن شاء الله. ونفذت الكتب بذاك واستقامت الأحوال على سنن الصواب وزال ما خيف من الاختلال والاضرابال له الحاكم: إذا كان هذا رأيك والصواب عندك فأريد منك المساعدة عليه. فبذلها له فلما كان في بعض أيام شهور سنة ٣٨٩ أشار زيدان على الحاكم بأن ينفذ إلى برجوان في وقت الظهر بعد انصرافه إلى داره وتفرق الناس عنه للركوب إلى الصيد وأن يقف له في البستان الذي داخل القصر فإذا حضر أمر بقتله فأرسل إليه بالركوب
стр. 115
وقال: أريد أن ترتب الخدم في جانبي البستان فإني أقف على بابه وأنت بين يدي فإذا حضر برجوان دخلت البستان وتبعني وكنت في أثره فإذا نظرت إليك فأضره بالسكين في ظهره وواقف الخدم أن يضعوا عليه. فبينما هما في الحديث إذ دخل برجوان فقال للحاكم: يا أمير المؤمنين الحر شديد والبزاة في مثله لا تصيد. فقال: صدقت ولكنا ندخل البستان ونطوف فيه ساعةً ونخرج. وأنفذ برجوان إلى شكر وكان قد ركب بأن يسير مع الموكب إلى المقس والمقس ظاهرة القاهرة ويقف عند القنطرة فإن مولانا يخرج من البستان ويتبعك ففعل ودخل الحاكم البستان وبرجوان خلفه وزيدان بعده وكان برجوان خادماً أبيض اللون تام الخلقة فبدره زيدان فضربه بين أكتافه بسكين اطلعها من صدره فقال: يا مولانا غدرت. فصاح الحاكم: يا عبيد خذوا رأسه. وتكاثر الخدم عليه فقتلوه وخرج الخدم الكبار مسرعين على ظهور الخيل إلى الجانب وبغال الموكب والجوارح فردوا جميعها فقال لهم شكر: ما السبب في ذلك! فلم يجيبوه فجاء الناس من هذا الحادث ما لم يكن في الحساب وعاد شكر بالموكب وشهر الجند سيوفهم وهم لا يعلمون ما الخبر غير إنهم خائفون على الحاكم من حيلة تتم عليه من الحسن بن عمار ورجع أكثرهم إلى دورهم فلبسوا سلاحهم ووافوا إلى باب القصر وتميز المغاربة والمشارقة وأحدق شكر ومن معه من الأتراك والمشارقة القصر وعلا على شرف القصر الخدم في أيديهم السيوف والتراس وعظم الأمر واجتمع القواد وشيوخ الدولة وأبو لعلاء الوزير على باب القصر الزمرد. فلما رأى الحاكم زيادة الاختلاط ظهر من منظرة على الباب وسلم على الناس فترجلوا عن دوابهم إلى الأرض وقتلوها بين يديه وضربت البوقات والطبول وفتح باب القصر واستدعى أصحاب الرسايل وسلمت إليهم رقعة قد كتبها الحاكم بيده إلى شكر وأكابر القواد يقول فيها: إنني أنكرت
стр. 116
على برجوان أموراً أوجبت قتله فقتلته فألزموا الطاعة وحافظوا على ما فيها في رقابكم من البيعة المأخوذة. فلما قرئت عليهم قبلوا الأرض وقالوا: الأمر لمولانا. واستدعى الحسين بن جوهر وكان من شيوخ الدولة فأمره بصرف الناس فصرفهم وعاد الحاكم إلى قصره وكل من القواد إلى داره والنفوس خائفة من فتنة تحدث بين المشارقة والمغاربة وشاع قتل برجوان وركب مسعود الحاكمي إلى داره فقبض على جميع ما فيها من أمواله. وجلس الحاكم وقت العشاء الأخير واستدعى الحسين بن جوهر وأبا العلاء بن فهد بن إبراهيم الوزير وتقدم إليه بإحضار سائر كتاب الدواوين والأعمال ففعل وحضروا وأوصلهم إليه وقال لهم: إن هذا فهداً كان أمس كاتب برجوان عبدي وهو اليوم وزيري فاسمعوا له وأطيعوا ووفوه شروطه في التقدم عليكم وتوفروا على مراعاة الأعمال وحراسة الأموال. وقبل فهد الأرض وقبلوها وقالوا: السمع والطاعة لمولانا. وقال لفهد: أنا حامد لك وراض عنك وهؤلاء الكتاب خدمي فأعرف حقوقهم وأجمل معاملتهم وأحفظ حرمتهم وزد في واجب من يستحق الزيادة بكفايته وأمانته. وتقدم بأن يكتب إلى سائر ولاة البلاد والأعمال بالسبب الواجب لقتل برجوان. فكتب بما نسخته بعد التصدير وما جرت العادة بمثله في الخطاب: أما بعد فإن برجوان أرضى أمير المؤمنين حيناً فاستعمله ثم أسخطه فقتله وأعلمك أمير المؤمنين ذاك لتعلمه وتجري على سننك الحميد في خدمته ومدهبك الرشيد في طاعته ومناصحته وتسديد ما قبلك من الأمور وطالعه بما يتجدد لديك من أحوال الجمهور إن شاء الله. ونفذت الكتب بذاك واستقامت الأحوال على سنن الصواب وزال ما خيف من الاختلال والاضطراب
стр. 117
ولاية القايد تميم بن إسماعيل المغربي الملقب بفحل لدمشق سنة ٣٩٠
لما هلك جيش بن محمد بن الصمصامة على ما تقدم الشرح فيه عقيب إغراقه في الظلم وإيغاله في سفك الدماء والجور وكان هلاكه في يوم الأحد لتسع خلون من شهر ربيع الآخر سنة ٣٩٠ وكانت مدة ولايته التي هلك فيها على ما صح في هذه الرواية دون ما تقدم ذكره ستة عشر شهراً وستة عشر يوماً وانتهى الخبر إلى مصر بذاك وقع الارتياد لمن يختار لولايتها بعد المذكور فوقع الاختيار على القائد تميم بن إسمعيل المغربي الملقب بفحل فوصل إليها وأقام بها وأمر ونهى وبقي شهوراً من سنة ٣٩٠ وعرضت له علة هلك بها ومضى لحال سبيله فلما انتهى خبر وفاته إلى مصر وقع الاعتماد في ولايته على القائد علي بن جعفر بن فلاح وقد كان وليها دفعةً أولةً
شرح ذلك
وصل القائد علي ابن جعفر بن فلاح إلى دمشق والياً عليها دفعةً ثانية فنزل عليها في يوم السبت لليلتين بقيتا من شوال سنة ٣٩٠ وأقام مدةً يتولى أمرها ويدبر أحوالها على عادة الولاة إلا إنه لم يبسط يده في مال ولا تعرض لشيء من استغلال ثم اقتضت الآراء بمصر أن يصرف عنها ويبدل بغيره في ولايتها
стр. 118
ولاية القائد ختكين الداعي المعروف بالضيف في سنة ٣٩٢
وصل القائد ختكين الداعي المعروف بالضيف إلى دمشق والياً عليها من قبل الحاكم بأمر الله في شهر رمضان من السنة فدبر أمورها ونظر في أحوال أجنادها. واقتضى رأيه أن ينقص واجبات الأجناد ويدافع بأعطياتهم ويغالطهم ويظهر أمراً من التوفير فلم يتمكن من بلوغ مرام ولا نيل أمل واتفق أن يكون القائد علي بن فلاح المقدم ذكره مقيماً في عسكره في الشماسية بظاهر دمشق فلما طلبت الأجناد أرزاقها منه قال لهم: ليس إلي من أمر أرزاقكم شيء. فكان على تدبير المال وإطلاق الأرزاق رجل من الكتاب نصراني يقال له ابن عبدون فشغب الجند في العسكر فثاروا يريدون ابن عبدون فلحقوا ختكين الوالي في الطريق فنهاهم من ابن عبدون وشتمهم وكان رجلاً جاهلاً أحمق فرجع إليه قوم من الجند فسألوه فلم يجب إلى ما يوافق أغراضهم ويسكن شغبهم فثارت الفرسان والرجالة إلى دور الكتاب فانتهبوا ما كان فيها ونهبوا ما كان في الكنائس واجتمع بعد ذلك جماعة من المشارقة والمغاربة فتحالفوا على أن يكونوا يداً واحداً في طلب الأرزاق والمنع ممن عساه يطالبهم بما فعلوه وحلف لهم القائد علي بن فلاح على كونه منهم وشده معهم وانتهى الأمر في ذلك إلى الحاكم فقال: هذا قد عصى وخرج عن مشكور السياسة. وأمر بصرفه عن الولاية والاستبدال به وكتب إليه بذلك فرحل عنها بنفر يسير من أصحابه في شوال من السنة المذكورة وبقي العسكر في دمشق. فاقتضى الرأي الحاكمي رد ولاية دمشق إلى رجل أسود بربري يقال له القائد طزملت بن بكار
стр. 119
ولاية القائد طزملة بن بكار البربري لدمشق في بقية سنة ٣٩٦
وصل القائد طزملت المذكور إلى دمشق والياً عليها من قبل الحاكم بأمر الله في يوم الأحد لست بقين من ذي القعدة من السنة وكان هذا طزملت عبداً لابن وفري والي القيروان فولاه طرابلس الغرب فجاز على أهلها وظلمهم وأخذ أموالهم فحصل له منهم مال عظيم فلما انتهى خبر ظلمه إلى مولاه طلبه والتمس إشخاصه إلى القيروان لكشف الأمر فخافه وانهزم إشفاقاً على نفسه وماله ووصل إلى مصر وحمل بعض ما كان معه إلى الحاكم فتمكنت حاله عنده وتأثلت منزلته منه وولاه دمشق فأقام والياً عليها إلى المحرم سنة ٣٩٤ فصرف عنها بخادم من خدم الحضرة يقال له القائد مفلح اللحياني وسنشرح حاله في غير هذا المكان. كان في سنة ٣٩٣ قد اجتمع في مصر أبو ظاهر محمود بن محمد النحوي وكان من أهل بغداد وطرا إلى مصر وإليه ديوان الحجاز والمعروف بابن العداس المصري وإليه ديوان الخراج على الرفع على أبي العلاء فهد بن إبراهيم الوزير والسعاية به إلى الحاكم وعملا عملاً بما اقتطعه وارتفق به واشتمل ذلك على حملة كبيرة من المال ولقيا الحاكم بالعمل ووقفاه عليه وبذلا له القيام بالأمر وتوفير ستة ألف دينار في كل سنة فكان فهد يأخذها لنفسه فقال لهما: أنا أقبض عليه وأقلدكما النظر فيما كان ينظر فيه. فقالا: لا يتم أمر ولا يمشي لنا عمل وفهد حي مأمول
стр. 120
الخروج من محبسه والعود إلى أمره سيما وكل من بمصر والشام من الولاة والعمال صنائع برجوان وقد جرى اصطناعه إياهم على يده. فامتنع عليهما من قبله وكره قتله وقال لهما: ما له إلي ذنب فاقتله به! وراجعاه القول وألحا عليه فيه فقال: إذا فعلت ما أردتماه فما التوثقة فيما بذلتماه؟ قالا: ان نكتب خطنا لك بأننا نكفيك أمورك ونقوم بتمشيتها على مرادك ونقيم لك وجه المال الذي ضمنا استخراجه لك وتوفيره من الأعمال. قال: فأيكما يخرج إلى الشام؟ قالا: عبدك ابن النحوي ويقيم ابن العداس بحضرتك. فقرر ذلك معهما وأخذ به خطهما. وكان من عادة الحاكم أن يطوف ليلاً بمصر والقاهرة وقد منع التجار وأرباب الدكاكين أن يغلقوا دكاكينهم أو ينصرفوا عنها إلى منازلهم حتى صار الليل نهاراً في معاملاتهم ومن إشعال السرج والشمع وإضاءة المحال والأسواق تقرباً إليه ويطلق لهم المعونة الكثيرة على ذلك ويقف على دكاكينهم ويجتاز بينهم ولا يقدر أحد أن يقوم له أو يقبل الأرض بين يديه فلما عاد في تلك الليلة سحراً من طوفه أمر مسعوداً السيفي بأن يمضي إلى فهد بن إبراهيم الوزير يستدعيه فإذا دخل بحجره ضرب عنقه وأحضر رأسه وأن يقبض على أبي غالب أخيه وكان شريراً مبغضاً وإليه ديوان النفقات فمضى ووجد فهداً في الحمام فانتظره حتى خرج ثم استركبه وأشعره إنه يراد بخير وانزعج أولاده وأهله وساءت ظنونهم فيه ووصل مسعود إلى باب الرهومة وهو باب من أبواب القصر فعدل به إلى محجبة العطب فلما رأى فهد ذلك أحس بالهلاك فصاح واستغاث وبكى ولاذ بالعفو وبكى الناس لما شاهدوه من حاله وعرفوه من الأمر الذي يراد به وأدخله مسعود إلى الحجرة فأقسم عليه فهد أن يراجع الحاكم في بابه وبذل له ألف دينار وتوفير مثلها فقال له مسعود: لا سبيل إلى المراجعة بعد ما أمرت به. وضرب عنقه وأخذ رأسه وحمله إلى حضرة الحاكم فلما شاهده أمره أن يخرج رأس كل
стр. 121
من يقتله من وجوه الدولة إلى قائد القواد فلما رآه أسقط مغشياً عليه وعاد مسعود ليقبض على أبي غالب أخيه فوجده قد هرب فأعلم الحاكم ذلك فأمر بطلبه حتى ظفر به بعد شهر وغير حليته وحلق لحيته فألحقه بأخيه. وأحضر أولاد فهد فخلع عليهم وكتب لهم سجلاً بصيانتهم وحماية دورهم وإزالة الاعتراض عنهم وعن أسبابهم. ونظر ابن العداس في الأعمال وشرع في تهذيب الأمور وتوفير الأموال وتوجه ابن النحوي إلى الشام على القاعدة المقررة مع الحاكم وكان قد عد ما يحتاج إليه من آلة السفر والتجمل واستكثر من ذلك وتناهى فيه وهابه الناس وتجنبوه ووصل أولاً إلى الرملة فقبض على العمال والمتصرفين فيها وعسفهم وألزمهم بمائتي ألف دينار ووضع السوط والعصا في المطالبة وبث أصحابه ونوابه إلى دمشق وطبرية والسواحل بعد أن واقفهم على أخذ العمال والمتصرفين في الأعمال ومصادرتهم وخبط الشام وعسف من فيه بطلب المال، وكان في جملة العمال رجل نصراني يتعلق بخدمة ست الملك أخت الحاكم وله منها رعاية مؤكدة فكتب إليها يستصرخ بها
ويشكو ما نزل بالناس من البلاء إليها وما شمل الشام وأهله من ابن النحوي وما بسط فيه من الظلم والعسف والجور مما لم يجر بمثله عادة في قديم الأزمان ولا حديثها فلما وصل الكتاب إليها ووقفت عليه دخلت على الحاكم وكان يشاورها في الأمور ويعمل برأيها ولا يخالف مشورةً لها فعرضت عليه ما تضمنه الكتاب من الشكوى وقالت: يا أمير المؤمنين قد ظهر كذب ابن النحوي وابن العداس وأعمالهما الحيلة على فهد وقتله مساعدةً للحسين بن جوهر وقد أفسد البلاد عليك وأوحش الناس منك فإن كنت يا أمير المؤمنين تريد أخذ أموال عبيدك فكل يبذلها لك طوعاً ويحملها إلى خزانتك تبرعاً بعد أن يكونوا تحت ظل الصيانة وفي كنف الحياطة هذا ولم تجر عادات أبائك اطلاق المصادرات. فأنكر الحاكم إنه لم يسمح لأحد منهما في ذلك وكتب إلى وحيد والي الرملة سراً وكان الحاكم يكتم السر شديداً:
стр. 122
بسم الله الرحمن الرحيم يا وحيد سلمك الله ساعة وقوفك على هذا الكتاب اقبض على محمود بن محمد لا حمد الله أمره وسيره مع من يوصله من ثقاتك إلى الباب العزيز إن شاء الله. فلما وقفت أخته على التوقيع قالت: يا أمير المؤمنين ومن هذا الكلب حتى ترفع من شانه بحمله إلى حضرتك وبطن الأرض أولى به. فأخذ الكتاب وزاد فيه: بل تضرب عنقه وتنفذ رأسه. وختم الكتاب ثلاثة ختوم وأحضر سعيد بن غياث صاحب البريد ودفعه إليه فبادر به من وقته ومسافة ما بين القاهرة والرملة مائة فرسخ وكانت النوبة توافيها في الساعة الثالثة من اليوم الثالث ووصل الكتاب إلى وحيد وكان عادته إلى ابن النحوي دائماً وربما أوصله أو حجبه فلما وقف على الكتاب قال لدري غلامه الناظر في المعونة وكان أرمنياً فظاً غليظاً: اركب إلى محمود وكان مخيماً بظاهر الرملة واستأذن عليه فإذا أوصلك فأبلغه سلامي واسئله الركوب إلي لاقفه على ما ورد من حضرة السلطان فإن قال لك لم تجر بذلك عاده فقل: كذا أمرت فيما وردت. فمضى دري إليه وبين يديه جماعة كثيرة من الرجال حتى وافى عسكر محمود واستأذن عليه ودخل إليه وقال له ما قاله وحيد الوالي فقال له: لم تجر بذلك العادة فيما تسومنيه وفي غد نجتمع. فأجابه بما قال له وحيد فلما سمعه ضعفت نفسه وسآء ظنه ولم يمكنه مخالفته فركب في موكبه وتوجه إلى دار وحيد وصار إلى وحيد من أعلمه ركوبه فتقدم إلى بعض حجابه وصاحب الخبر برملة بأن يتلقياه فإذا لقياه أنزلاه عن دابته وضربا عنقه وأخذا رأسه ففعلا ما أمرهما وحين وصل سوق البز صادفاه وانزلاه بعد تمنعه فأوقعا به وقطعا رأسه وحملاه إلى وحيد فأحضر القاضي
стр. 123
والشهود وكتب محضراً بأن الرأس رأس محمود وصيره وأنفذه مع المحضر إلى صاحب البريد فأسرع به إلى مصر وقبض على أصحابه وأسبابه وأماله وكراعه. وسر الناس بهلاكه وتباشروا بما كفوه من شره ووصل الرأس إلى الحاكم فأحضر ست الملك فأراها إياه فدعت له وشكرته على ما كان منه وأمر مسعود بأن يأخذ ابن العداس من بني يدي قائد القواد الحسين بن جوهر فتضرب عنقه بحضرته ويأخذ رأسه ويضيفه إلى الرأس ففعل فلما اجتمع الرأسان بين يديه أمره أن يخرجهما إلى قائد القواد فأخرجهما إليه فلما شاهدهما جزع جزعاً شديداً ثم استدعاه الحاكم وسكن منه وأمره أن يستنيب أبا الفتح أحمد بن محمد بن أفلح على النظر في الأمور فأقام في النظر سنة ونصفاً ثم قتل وأقيم مقامه يحيى بن الحسين بن سلامة النصراني. وكثر الكلام على قائد القواد والوقائع فيه فشكر الحاكم عليه وتغير له وهم بالايقاع به وصرفه عن الوزارة وعول فيما كان إليه على علي بن صالح بن علي الروذباري ولقبه بثقة الثقات ورد إليه السيف والقلم فنظر في الأمور ودبر الأعمال وحفظ وجوه المال والاستغلال تقدير سنتين ثم تغير له وتأول عليه وقتله وقلد مكانه المعروف بمنصور بن عبدون. وكان
стр. 124
رجلاً نصرانياً خبيثاً جلداً وبينه وبين أبي القاسم الحسين ابن علي بن المغربي ووالده أبي الحسين علي عداوة قديمة ومساعاة ووقائع متصلة لأن أبا القاسم صرف به عن ديوان السواد فواصل أبو القاسم الوقيعة فيه والكلام عليه وعلى الكتاب النصارى إلى أن قبض على جماعتهم فلما حصلوا في القبض أمر الحاكم بأن يضرب كل واحد منهم خمسمائة سوط فإن مات رمي به للكلاب وإن عاش أعيد ضربه إلى أن يموت فبذل منهم جماعة مالاً عظيماً على أن يستبقوا فلم يقبل منهم واستمرت الشحناء بينهم
стр. 125
ولاية القائد أبي صالح مفلح اللحياني المقدم ذكره وشرح الحال في ذلك لدمشق سنة ٣٩٤
وصل القائد أبو صالح مفلح الخادم المعروف باللحياني إلى دمشق والياً عليها في المحرم سنة ٣٩٤ فتولى أمرها وأمر ونهى في أهلها وكان القائد طزملت المصروف عنها قد برز إلى داريا فلم يلبث إلا قليلاً واعتل فيها علة قضى نحبه فيها في يوم الاثنين الثاني من صفر من السنة وأقام القائد أبو صالح والياً عليها وسائساً لأمور أهلها والأحوال مستقيمة على نهج الصواب والسداد وقضية المراد إلى أن صرف بالقائد حامد بن ملهم وسيأتي شرح ذلك في موضعه. وقيل أن منصور بن عبدون الناظر في الدواوين بمصر لم يزل بنو المغربي المقدم ذكرهم مستمرين على الوقيعة فيه والتضريب بالسعاية عليه وإفساد رأي الحاكم فيه وهو يعتمد فيهم مثل ذلك ويغريه بهم ويحمله على قتلهم حتى تقدم إلى جعفر الصقلبي وكان قد قام مقام مسعود السيفي في القتل أن يحضر علياً ومحمداً ابني المغربي ويدخلهما الحجرة ويضرب أعناقهما ففعل ذلك ثم أمره أن يحضر أبا القاسم الحسين بن علي المغربي وأخويه ويقتلهم فأما الإخوان فإنهما أخذا بعد ثلاثة أيام وقتلا وإما أخوهما أبو القاسم الحسين بن علي فاستتر واعمل الحيلة في النجاة وهرب مع بعض العرب
стр. 126
وحصل بجلة حسان بن المفرج بن دغفل بن الجراح فاستجار فأجاره وأنشده عند دخوله عليه وإيمانه ممن يطلبه منه ما يستنهض عزيمته فيه من الاجارة له والذب عنه والمراماة دونه:
أمّا وقد خيمت وسط الغاب ... فليقسونّ على الزمان عتابي
يترنّم الفولاذ دون مخيّمي ... وتزعزع الخرصان دون قبابي
وإذا بنيت على الثنيّة خيمةً ... شدّت إلى كسر القنا أطنابي
وتقوم دوني فتية من طيئ ... لم تلتبس أثوابهم بالعاب
يتناثرون على الصّريخ كأنّهم ... يدعون نحو غنائمٍ ونهاب
من كل أهرت يرتمي حملاقه ... بالجمر يوم تسايفٍ وضراب
يهديهم حسّان يحمل بزّه ... جرداء تعليه جناح عقاب
يجري الحياء على أسرة وجهه ... جري الفرند بصارم قضّاب
كرمٌ يشقّ على التلاد وعزمةٌ ... يغتال بادرها الهزبر الضّابي
ولقد نظرت إليك يابن مفرج ... في منظر ملء الزمان عجاب
والموت ملتفّ الذوائب بالقنا ... والحرب سافرةٌ بغير نقاب
فرأيت وجهك مثل سيفك ضاحكاً ... والذعر يلبس أوجهاً بتراب
ورأيت بيتك للضيوف ممهّداً ... فسح الظّلال مرفّع الأبواب
يا طيئ الخيرات بين خلالكم ... أمن الشريد وهمّة الطلاّب
سمكت خيامكم بأسنمة الرّبا ... مرفوعةً للطّارق المنتاب
وتدلّ ضيفكم عليكم أنورٌ ... شبّت بأجذالٍ قهرن صعاب
متبرجاتٌ باليفاع وبعضهم ... بالجزع يكفر ضؤه بحجاب
كلأتكم ممن يعادي هيبةٌ ... اغتكم عن رقبةٍ وجناب
стр. 127
فيسير جيشكم بغير طليعةٍ ... ويبيت حيّكم بغير كلاب
تتهيّبون وليس فيكم هائبٌ ... وتوثّبون على الرّدي الوثّاب
ولكم إذا اختصم الوشيج لباقةٌ ... بالطعن فوق لباقة الكتاب
فالرمح ما لم ترسلوه أخطلٌ ... والسيف ما لم تعملوه ناب
يا معن قد أقررتم عين العلي ... بي مذ وصلت بحبلكم أسبابي
جاورتكم فملأتم عيني الكرى ... وجوانحي بغرائب الأطراب
من بعد ذعرٍ كان أحفز أضلعي ... حتى لضاق به عليّ أهابي
ووجدت جار أبي الندى متحكّماً ... حكم العزيز على الذليل الكابي
فليهنه منن على متنزّهٍ ... لسوى مواهب ذي المعارج آب
قد كان من حكم الصنائع شامساً ... فاقتاده بصنيعةٍ من عاب
فلأنظمنّ له عقود محامدي ... تبقى جواهرها على الأحقاب
لا جاد غيركم الربيع ولا سرت ... غزر اللقاح لغيركم بحلاب
أنا ذاكر الرجل المندد ذكره ... كالطود حلّي جيده بشهاب
ولقد رجوت ولليالي دولةٌ ... إني أجازيكم بخير ثواب
فلما سمع حسان بن الجراح هذه الأبيات هش لها وجد القول له بما سكن جاشه وأزال استيحاشه. وهذا أبو القاسم الحسين بن علي المغربي كان ذا علم وافر وأدب ظاهر وبلاغة وذكاء وصناعة مشهورة في الكتابة ومضاء فأقام عنده ما أقام محترماً مكرماً وجرى له ما يذكر في موضعه ثم رحل إلى ناحية العراق وتقدم
стр. 128
هناك في الأيام القادرية ووزر للأمير قرواش أمير بني عقيل ووزر لابن مروان صاحب ديار بكر وكان مستقلاً بصناعتي الكتابة والانشائية والحسابية وحين مرض وأشفي وصى بحمل تابوته إلى الكوفة ودفنه في المشهد بها وفعل به ذلك. ثم تغير الحاكم لمنصور بن عبدون فنكبه وقتله وقلد مكانه زرعة بن نسطورس الوزير ولقبه بالشافي وذلك في سنة ٣٩٧ ووردت الأخبار بالوقعة الكائنة بين الفضل صاحب الحاكم وبين أبي ركوة الخارج عليه وظفر الفضل به وأخذه وحمله إلى القاهرة وشهره بها وقتله فيها. وقيل أن أبا ركوة لقب عليه بركوة كانت معه في أسفاره على مذهب الصوفية واسمه الوليد أموي من أولاد هشام بن عبد الملك بن مروان ولنبوته في ذلك شرح يطول إلا أن أبا ركوة هذا لما انهزم في الوقعة قصد صاحب النوبة وتردد من الحاكم إليه بسبب مراسلات إلى أن أنفذه إليه مع أصحابه وأنفذ معه صاحباً له بهدايا إلى الحاكم وتسلم أبا ركوة أخو الفضل وحمله إلى أخيه الفضل فسار وكان الفضل يقبل يد أبي ركوة ويعظمه تأنيساً لئلا يقتل نفسه قبل إيصاله وأنزله في مضاربه وأخدمه نفسه وأصحابه وكتب الحاكم بخبر حصوله ووصوله. وكان الفضل يدخل عليه في غداة كل يوم إلى خركاة قد ضربت له في خيمه ويصبحه ويقبل يده ويقول له: كيف مولاي؟ فيقول: بخير يا فضل أحسن الله جزاك. ويحضره شراباً فيشرب بين يديه ثم يناوله إياه ويفعل مثل ذلك في طعامه إلى أن وصل إلى الجيزة. فلما حصل بها راسله الحاكم بأن يعبر هو والعسكر الذي معه وينزل على رأس الجسر ويصل هو إلى القاهرة ففعل ذاك
стр. 129
وكان لا يمشي خطوات إلا وقد تلقته الخدم بالتشريف والحملان وهو ينزل عن فرسه ويقبل الأرض ويعود إلى ركوبه ولم يزل على هذه الحال إلى أن وصل إلى القصر ودخل إلى القصر على الحاكم فخدمه ودعا له وشرح حاله إلى أن ظفر بالعدو وخرج بعد ذلك إلى داره. وتقدم وجوه القواد وشيوخ الدولة بالمصير إلى أبي ركوة ومشاهدته ويقال أن الحاكم قد مضى من غد ذلك اليوم وقد رسم أن يشهر ويطاف به في مصر. واتفق دخول القائد ختكين الداعي وكان قدياً صاحب دواة الملك عضد الدولة فسلم عليه وقال له: ألك حاجة إلى أمير المؤمنين؟ فقال له: من أنت؟ قال: فلان. قال: عرفت حالك وسدادك وأريد أن توصل لي رقعة إلى أمير المؤمنين. فقال: اكتبها وهاتها. فاستدعى أبو ركوة دواةً من أصحاب الفضل ودرجاً وكتب فيه: يا أمير المؤمنين أن الذنوب عظيمة والدماء حرام ما لم يحلها سخطك وقد أحسنت وأسأت وما ظلمت إلا نفسي وسوء عملي أوبقني وأنا أقول
فررت ولم يغن الفرار ومن يكن ... مع الله لا يحجزه في الأرض هارب
ووالله ما كان الفرار لحاجةٍ ... سوى جزع الموت الذي أنا شارب
وقد قادني جرمي إليك برمّتي ... كما أخرّ ميتاً في رحا الموت سالب
واجمع كلّ الناس أنك قاتلي ... ويا ربّ ظنّ ربّه فيه كاذب
وما هو إلا الانتقام تريده ... فأخذك من واجباً لك واجب
стр. 130
فمضى ختكين إلى الحسين بن جوهر فعرفه ما جرى وأعطاه الرقعة فوقف عليها الحاكم. ثم ركب جملاً وعليه طرطور وخلفه قرد معلم يصفعه بالدرة وكان الحاكم قد جلس في منظرة على باب من أبواب القصر يعرف بباب الذهب فلما وقف به استغاث وصاح بطلب العفو فتقدم إلى مسعود السيفي بأن يخرجه إلى ظاهر القاهرة ويضرب عنقه على تل بازاء مسجد زيدان فلما حمل هناك وأنزل وجد ميتاً فقطع رأسه وحمله إلى الحاكم حتى شاهده وأمر بصلب جثته. وكان الفضل قد قطع رؤوس من قتل في الوقعة فقيل أنها كانت ثلاثين ألف رأس فلما شهرت عبيت في السلال وسيرت مع خدم شهروها في الشام حتى انتهوا بها إلى الرحبة ثم رميت في الفرات. وقدم الحاكم الفضل واقطعه وبالغ في اكرامه إلى أن عاده في علة عرضت له دفعتين فاستعظم الناس فعله معه فلما عوفي عمل عليه وقتله
стр. 131
ولاية القائد حامد بن ملهم المذكور أولاً في سنة ٣٩٩
وصل القائد حامد بن ملهم إلى دمشق والياً عليها لست بقين من رجب من السنة وقد كان القائد علي بن جعفر بن فلاح مستولياً على الجند نافذ الأمر في البلد فورد كتاب عزله في يوم الجمعة النصف من شهر رمضان من السنة وكانت مدة مقامه في الولاية إلى انصرافه ومسيره سنة واحدة وأربعة أشهر ونصف شهر. ثم تولى الأمر بعده القائد أبو عبد الله ابن نزال فدخل إلى دمشق وقرئ سجله على منبر المسجد الجامع وأقام المدة اليسيرة ثم وافاه كتاب العزل في يوم الأحد رابع عشر شهر رمضان سنة ٤٠٠ فعزل وولى غلام القائد منير فأقام المدة اليسيرة ثم أتاه كتاب العزل فعزل وولى القائد مظفر في يوم الاثنين أول شهر ربيع الأول سنة ٤٠١ فأقام في الولاية ستة أشهر وتسعة أيام ثم عزل وولى مكانه القائد بدر العطار فأقام في الولاية شهرين وعشرة أيام وعزل وولى القائد لؤلؤ ولقب منتجب الدولة وتولى الأمر في يوم الأحد لسبع خلون من جمادى الآخرة سنة ٤٠١ ونزل في بيت لهيا وانتقل منها إلى الدكة ثم إلى مرج الأشعريين فأقام فيه أياماً ودخل القصر في الليل فلما أصبح دخل البلد وقرئ سجل ولايته على منبر الجامع ووافى كتاب عزله فعزل وانصرف.
стр. 132
وقيل في أخبار الحاكم بأمر الله أنه أمر في سنة ٣٩٨ بهدم بيعة القمامة في بيت المقدس وهي بيعة عند النصارى جليلة في نفوسهم يعظمونها والسبب في ذلك ما اتصل به من هدم الكنائس والبيع بمصر والشام والزم أهل الذمة الغيار ما قيل أن العادة جارية جاريةً بخروج النصارى بمصر في كل سنة في العماريات إلى بيت المقدس بحضور فصحهم في بيعة قمامة فخرجوا في سنة ٣٩٨ على رسمهم في ذلك متظاهرين بالتجمل الكبير على مثل حال الحاج في خروجهم فسأل الحاكم ختكين العضدي الداعي وهو بين يديه عن أمر النصارى في قصدهم هذه البيعة وما يعتقدونه فيها واستوصفه صفتها وما يدعونه لها وكان ختكين يعرف أمرها بكثرة تردده إلى الشام وتكرره في الرسائل عن الحاكم إلى ولاتها فقال: هذه بيعة تقرب من المسجد الأقصى تعظمها النصارى أفضل تعظيم وتحج إليها ند فصحهم من كل البلاد وربما صار إليها ملوك الروم وكبراء البطارقة متنكرين ويحملون إليها الأموال الجنة والثياب والستور والفروش ويصوغون لها القناديل والصلبان والأواني من الذهب والفضة وقد اجتمع فيها من ذاك على قديم الزمان وحديثه الشيء العظيم قدر ما لمختلفة أصنافه فإذا حضروا يوم الفصح فيها وأظهروا مطرانهم ونصبوا صلبانهم وأقاموا صلواتهم ونواميسهم فهذا الذي يدخل في عقولهم ويوقع الشبهة في قلوبهم ويعلقون القناديل في بيت المذبح ويحتالون في إيصال النار إليها بدهن البلسان والته ومن طبيعته حدوث النار فيه مع دهن الزنبق وله ضياء ساطع وإزهار لامع يحتالون بحيلة يعملونها بين كل قنديل وما يليه حديداً ممدوداً كهيئة
стр. 133
الخيط متصلاً من واحد إلى الآخر ويطلونه بدهن البلسان طلياً يخفونه من الأبصار حتى يسري الخيط إلى جميع القناديل فإذا صلوا وحان وقت النزول فتح باب المذبح وعندهم أن مهد عيسى ﵇ فيه وأنه عرج به إلى السماء منه ودخلوا وأشعلوا الشموع الكثيرة واجتمع في البيت من أنفاس الخلق الكثير ما يحمي منه الموضع ويتوصل بعض القوام إلى أن يقرب النار من الخيط فيعلق به وينتقل بين القناديل من واحد إلى واحد ويشعل الكل ويقدره من يشاهد ذلك أن النار قد نزلت من السماء فاشتعلت تلك القناديل. فلما سمع الحاكم هذا الشرح استدعى بشر بن سور كاتب الانشاء وأمره بأن يكتب كتاباً إلى والي الرملة وإلى أحمد ابن يعقوب الداعي بقصد بيت المقدس واستصحاب الأشراف والقضاة والشهود ووجوه البلد وينزلا على بيت المقدس وقصد بيعة قمامة وفتحها ونهبها وأخذ كل ما فيها ونقضها وتعفية أثرها فإذا نجز الأمر في ذلك يعملانه محضراً وفيه الخطوط وينفذانه إلى حضرته. ووصل الكتاب إليهما فتوجها للعمل بما مثل إليهما وقد كانت النصارى بمصر عرفوا ما تقدم في هذا الباب فبادروا إلى بطرك البيعة وأعلموه الحال وأنذروه وحذروه فاستظهر بإخراج ما كان فيها من الفضة الذهب والجواهر والثياب ووصل بعد ذلك أصحاب الحاكم فأحاطوا بها وأمروا بنهبها وأخذوا من الباقي الموجود ما عظم قدره وهدمت أبنيتها وقلعت حجراً حجراً وكتب بذلك المحضر وكتبت الخطوط فيه كما رسم وأنفذ إلى الحاكم
стр. 134
وشاع هذا الخبر بمصر فسر المسلمون
به ودعوا للحاكم دعاء كبيراً
стр. 135
على ما فعله ورفع أصحاب الأخبار إليه ما الناس من هذه الحال عليه ففرح بذلك وتقدم بهدم ما يكون في الأعمال من البيع والكنائس. ثم حدث من الأمور والانكار لمثل هذه الأعمال والاشفاق على الجوامع والمساجد والمشاهد في سائر الجهات والأعمال من هدمها والقصد بمثل العمل لها فوقف الأمر في هذا العزم
стр. 136
به ودعوا للحاكم دعاء كبيراً على ما فعله ورفع أصحاب الأخبار إليه ما الناس من هذه الحال عليه ففرح بذلك وتقدم بهدم ما يكون في الأعمال من البيع والكنائس. ثم حدث من الأمور والانكار لمثل هذه الأعمال والاشفاق على الجوامع والمساجد والمشاهد في سائر الجهات والأعمال من هدمها والقصد بمثل العمل لها فوقف الأمر في هذا العزم
стр. 137
ولاية الأمير وجيه الدولة أبي المطاع من حمدان لدمشق بالأمر الحاكمي
وصل الأمير وجيه الدولة أبو المطاع بن حمدان المعروف بذي القرنين إلى دمشق والياً عليها في يوم الجمعة عيد النحر من سنة ٤٠١ فصلى بالناس القائد لؤلؤ الوالي العيد ولى بهم الجمعة الأمير وجيه الدولة وانصرف القائد لؤلؤ عن الولاية فكانت مدة إقامته فيها ستة أشهر وثلاثة أيام وقرئ سجل الولاية على المنبر وأقام المدة التي أقامها ووصل القائد بدر العطار إلى دمشق والياً على الغوطتين والشرطة وجبل سير وعزل عنها وجيه الدولة بن حمدان في يوم الجعة لسبع خلون من جمادى الأولى من السنة فأقام فيه مديدةً ووصل القائد أبو عبد الله بن نزال عقيب وصوله إلى دمشق والياً عليها ونزل في المزة ودخل القصر في يوم الأحد لإحدى عشرة ليلةً خلت من جمادى الأولى من السنة فدامت ولايته إلى أن ورد كتاب عزله عنها وسار منها في يوم الثلاثاء سلخ ذي الحجة سنة ٤٠٦ فكانت مدة ولايته ثلاث سنين وثمانية أشهر وعشرين يوماً. ووصل الأمير شهم الدولة شاتكين إلى دمشق والياً عليها في يوم الجمعة لعشر خلون من صفر سنة ٤٠٧ وأقام ما أقام في الولاية ووصل القائد يوسف بن ياروخ وهو ابن زوجة الأمير شاتكين الوالي إلى دمشق والياً عليها وقرئ سجله بالولاية في ذي القعدة من السنة وسار شهم الدولة شاتكين الوالي إلى مصر لثمان خلون من جمادى الآخرة سنة ٤٠٨ ووصل
стр. 138
الأمير سديد الدولة أبو منصور والي دمشق والياً عليها في يوم الأحد لخمس بقين من ذي القعدة سنة ٤٠٨ فنزل المزة ودخل القصر في غد ذلك اليوم فما شعر إلا وكتاب العزل قد وافاه يوم الأحد لخمس خلون من ربيع الآخر من سنة ٤٠٩ فبرز من يومه إلى المزة وسار من غده ووصل كتاب ولي عهد المسلمين عبد الرحمن بن الياس أخي الحاكم إلى القائد بدر العطار في يوم السبت لليلة خلت من جمادى الأولى سنة ٤١٠ يأمره بضبط البلد ووصل بعد ذلك أبو القاسم عبد الرحمن وقيل عبد الرحيم ولي عهد المسلمين ابن الياس بن أحمد بن العزيز بالله إلى دمشق في يوم الثلاثاء لخمس بقين من جمادى الأولى سنة ٤١٠ فنزل في المزة فأحسن تلقيه وبولغ في اكرامه والاعظام له والسرور بمقدمه وكان ذلك له يوماً مشهوداً موصوفاً ودخل القصر في يوم الاثنين مستهل رجب فأقام فيه إلى يوم الأحد لثمان بقين من شهر ربيع الأول سنة ٤١١ فلم يشعر إلا وقوم قد جردوا إليه من مصر فهجموا عليه وقتلوا جماعةً من أصحابه وساروا به في يوم الجمعة لثلاث بقين من شهر ربيع الأول وعاد بعد ذلك إلى دمشق في رجب سنة ٤١٢ ونزل في القصر. وأكثر الناس في التعجب من اختلاف الآراء في تدبير هذه الولايات وتنقل الأغراض والأهواء فيها ولم يشعروا وهم يتعجبون من هذه الأحوال واستمرار الاختلال إلا وقد وصل من مصر المعروف بابن داود المغربي على نجيب مسرع ومعه جماعة من الخدم في يوم الأحد في يوم عرفة بسجل إلى ولي عهد المسلمين المذكور ودخلوا عليه القصر وجرى بينه وبينهم كلام طويل إلا أنهم أخرجوه من القصر وضرب وجهه وأصبح الناس في يوم العيد لم يصلوا صلاة العيد في المصلى ولا في الجامع ولا خطب خطيب
стр. 139
وساروا بولي العهد في اليوم المذكور إلى مصر فزاد عجب الناس وحاروا فيما هم فيه وتشاكوا ما ينزل بهم من الأحوال المضطربة والأعمال المختلفة. فوصل الأمير وجيه الدولة أبو المطاع بن حمدان إلى دمشق والياً عليها دفعةً ثانيةً بعد أولى وكان أديباً فاضلاً شاعراً سامياً مدبراً في يوم السبت لست خلون من جمادى الآخرة سنة ٤١٢ فأقام في الولاية مدة. ووصل الأمير شهاب الدولة شحتكين إلى دمشق والياً عليها في يوم الثلاثاء لسبع خلون من رجب من ذي القعدة سنة ٤١٤ فكانت ولايته سنتين وأربعة أشهر ويومين.
стр. 140
ووصل الأمير وجيه الدولة أبو المطاع بن حمدان إلى دمشق والياً عليها دفعةً ثالثةً في يوم الأربعاء لسبع خلون من شهر ربيع الأول سنة ٤١٥ فأقام في الولاية ما أقام مع اختلاف الأحوال إلى أن تقررت الولاية لأمير الجيوش التزبري في سنة ٤١٩
стр. 141
ولاية أمير الجيوش التزبري الجيلي لدمشق في سنة ٤١٩ وشرح حاله
وابتداء أمره والسبب في توليته وذكر شيء من أخباره إلى انتهاء مدته بحكم نميزه عن الولاة المذكورين بالشجاعة والشهامة وحسن السياسة واجمال السير والنصفة في العسكرية والرعية وحماية الأعمال بهيبته المشهورة وبفطنته المشكورة وتشتيت شمل أولي الفساد من الأعراب واستقامة الأمور بابالته على قضية الايثار والمراد. هو الأمير المظفر أمير الجيوش عدة الامام سيف الخلافة عضد الدولة شرف المعالي أبو منصور أنوشتكين مولده ما وراء النهر في بلد الترك في البلد المعروف بختل وسبي منه وحمل إلى كاشغر وهرب إلى بخارا وملك بها وحمل إلى بغداد ثم إلى دمشق وكان شتيم الوجه بين التركية وكان وصوله سنة ٤٠٠ فاشتراه القائد تزبر بن اونيم الديلمي وكان ندبه لحماية أملاكه وصونها من الأذى فكفاه ذلك بشهامته وصرامته فاشتهر بذاك أمره وشاع ذكره وسئل مولاه أن يهديه للامام الحاكم بأمر الله وقيل بل وصله الأمر بحمله فحمل في جملة غلمان في سنة ٤٠٣ فاستطرف من بينهم وجعل في الحجرة فقهر من بها من الغلمان وطال عليهم باليقظة والذكاء وجعل يلقب كل غلام بما يليق به فشكره إلى المتولي فضربه وتزايد أمره فأخرج منها في سنة ٤٠٥ ولزم الخدمة وجعل يتقرب إلى الخاص والعام بكل ما يجد السبيل
стр. 142
إليه من التودد والاكرام لما يريد الله تعالى من اسعاد جده واظهار سعده فارتضى الحاكم مذهبه في الخدمة وزاد في واجبه وقوده وسيره مع سديد الدولة ذي الكفايتين الضيف في العسكر إلى الشام في سنة ٤٠٦ ودخل إلى البلد دمشق ولقي مولاه القائد دزبر فترجل له وقبل يده وصار يتودد إلى الكبير والصغير ونزل في دار حيوس بحضرة زقاق عطاف ثم عاد إلى مصر وجرد إلى الريف في السيارة ثم عاد إلى مصر ولزم الخدمة بالحضرة ولزم بعلبك والياً عليها وحسنت حاله فيها وانتشر ذكره بها وصادق ولاة الأطراف وكاتب عزيز الدولة فاتكاً والي حلب وهاداه ولقب منتجب الدولة وورد الأمر عليه بالمسير إلى الحضرة فلما بلغ العريش وصله النجاب بالسجل بولاية قيسارية والأمر بالعود إليها فشق ذلك عليه وقال: انقل من ولاية بعلبك إلى ولاية قيسارية. وكان من حسن سياسته فيها وجميل عشرته لأهليها وحمايته لها ما ذاع به ذكره وحسن به صيته وكثر شكره. وورد الخبر بقتل فاتك والي حلب سنة ٤١٢ قتله غلام له هندي قد رباه واصطفاه وتوثق به واجتباه كذا وهو نائم عقيب سكره بسيفه وعمل فيه شاعره المعروف بمفضل بن سعد قصيدةً رثاه بها وذكر فيها من بعض أبياتها
لحمامه المقضيّ ربّى عبده ... ولنحره المفري حدّ حسامه
стр. 143
وكتب إلى مجنتب الدولة بالمسير إلى الحضرة فوصلها وولي فلسطين ووصل إليها في يوم الثلاثاء من المحرم سنة ٤١٤ وبلغ حسان بن مفرج بن الجراح خبره فقلق له وتخوفه ثم علا ذكره وظهر أمره وكثرت عدته وعدته وقويت شوكته وجرت له وقائع مع العرب يستظهر فيها عليهم ويثخن فيهم فكبر بذلك شأنه ثم حسد وسعي فيه إلى الحضرة وكوتب الوزير حسن بن صالح في بابه بأمر قرره حسان بن مفرج بن الجراح ونسب إليه كل قبيح ومحال فاستؤذن في القبض عليه فأذن في ذلك فقبض عليه بعسقلان بحيلة دبرت له في سنة ٤١٧ وسأل فيه سعد السعداء فأجيب سؤاله لجلالة مكانه وأطلق من الاعتقال ووصل إلى الحضرة وحسنت حالته وظهرت هيبته وظهرت هيئة اقطاعه وغلمانه ودوابه وهو مع ذلك ينفذ رسله إلى الشام وسائر الأعمال وتأتيه بالأخبار ويطالع بها فكثر تعجب الوزير من يقظته ومضاء همته وعزيمته. وكانت العرب بعده قد استولت على الأعمال وأفسدت الشام وملك حسان املاك الملاك واتفق الخلف الجاري بين أرباب الدولة عقيب وفاة الحاكم وترافع القواد والولاة إلى أن تقررت الحال على صرف الوزير وتقليد الوزارة لنجيب الدولة علي بن أحمد الجرجرائي فنظر في الأعمال وهذب ما كان مستوياً عليها من الاضاعة والاهمال. واقتضت الآراء وصواب التدبير تجريد العساكر المصرية إلى الشام ووقع الاختيار في ذلك على الأمير منتجب الدولة فاستدعاه الوزير علي بن أحمد الجرجرائي وقال له: ما تحتاج إليه لخروجك إلى الشام ودمشق. فقال: فرسي البرذعية وخيمة استظل بها. فعجب الوزير من مقاله واستعاد فرسه المذكورة من سعيد السعداء وردها إليه وأطلق له خمسة آلاف دينار وأصحبه صدقة بن يوسف الفلاحي ناظراً في الأموال ونفقة الرجال وجردت العساكر معه ولقب بالأمير مظفر منتجب الدولة وخلع عليه وخرج إلى مخيمه وحملة من جرد معه سبعة ألف فارس وراجل سوى العرب وسار في ذي القعدة.... وودعه الامام الظاهر لاعزاز دين الله وعيد بالرملة عيد النحر وسار إلى بيت المقدس وجمع العساكر وقصد صالح بن مرداس وحسان بن مفرج وجموع العرب عند معرفته بتجميعهم ووقع اللقاء في القحوانة والتقى الفريقان فهزمت جموع العرب وأخذتهم السيوف وتحكمت فيهم. وكان صالح ابن مرداس على فرسه المشهور فوقف به من كد الهزيمة ولم ينهض به فلحقه رجل من العرب يعرف بطريف من فزارة فضربه بالسيف في رأسه وكان مكشوفاً فصاح ووقع ولم يعرفه وتم في طلب فرسه فمر به رجل من البادية فعرفه فقطع رأسه وعاد يرقص به فلقيه الأمير عز الدولة رافع فأخذه منه وجاء به إلى الأمير المظفر فلما رآه نزل عن فرسه وسجد لله شكراً على ما أولاه من الظفر وركب وأخذه بيده وجعله على ركبته وأطلق للزبيدي الذي جاء به ألف دينار ولعز الدولة رافع خمسة آلاف دينار وأطلق لطريف الذي ضربه بالسيف فرسه وجوشنه وألف دينار وأخذ الغلمان الأتراك الذين لصالح لنفسه وأحسن
стр. 144
إليهم وتقدم بجمع الرؤوس وأنفذ جثة صالح إلى صيدا لتصلب على بابها وأوصل رأسه إلى الحضرة وخلع على الواصلين به وأعيدوا ومعهم الخلع وزيادة الألقاب للأمير المنتجب وقرئ سجله عليه وصار يكاتب ويخاطب بالأمير
стр. 145
المظفر سيف الامام وعدة الخلاف مصطفى الملك منتجب الدولة. وقال فيه الأمير أبو القينان محمد ابن سلطان بن محمد بن حيوش من قصيدة امتدحه بها:
فكم ليلةٍ نام عني الرقيب ... ونبّهني القمر المرتقب
جمعت بها بين ماء الغمام ... وماء الرضاب وماء العنب
لجود المظفّر سيف الامام ... وعدته المصطفى المنتجب
ولما توجه عقيب ذلك إلى حلب ونزل عليها ظفر بشبل الدولة نصر بن صالح وكان قد انهزم ولحقه رجل فرماه بخشت في كتفه فأنفذه ووقع عن فرسه وسر به أحد الأتراك فقطع رأسه وسلمه إلى رافع وأنفذ من يسلم جثته إلى حماة فصلبت على الحصن وأمر أمير الجيوش بعد ذاك بانفاذ ثياب وطيب وتكفين الجثة في تابوت ودفنها في المسجد وبقيت فيه إلى سنة ٤٣٩ ونقلها مقلد بن كامل لما ملك حماة إلى قلعة حلب. وأنفذ الراس والتركي والبدوي مع الشريف الزيدي إلى الحضرة في نصف شعبان سنة ٤٢٩ وعاد أمير الجيوش إلى دمشق
следующие страницы →