← История

История · id 22799

تاريخ دمشق لابن القلانسي

ابن القلانسي

Полный текст (573 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

ولاية أمير الجيوش التزبري الجيلي لدمشق في سنة ٤١٩ وشرح حاله وابتداء أمره والسبب في توليته وذكر شيء من أخباره إلى انتهاء مدته بحكم نميزه عن الولاة المذكورين بالشجاعة والشهامة وحسن السياسة واجمال السير والنصفة في العسكرية والرعية وحماية الأعمال بهيبته المشهورة وبفطنته المشكورة وتشتيت شمل أولي الفساد من الأعراب واستقامة الأمور بابالته على قضية الايثار والمراد. هو الأمير المظفر أمير الجيوش عدة الامام سيف الخلافة عضد الدولة شرف المعالي أبو منصور أنوشتكين مولده ما وراء النهر في بلد الترك في البلد المعروف بختل وسبي منه وحمل إلى كاشغر وهرب إلى بخارا وملك بها وحمل إلى بغداد ثم إلى دمشق وكان شتيم الوجه بين التركية وكان وصوله سنة ٤٠٠ فاشتراه القائد تزبر بن اونيم الديلمي وكان ندبه لحماية أملاكه وصونها من الأذى فكفاه ذلك بشهامته وصرامته فاشتهر بذاك أمره وشاع ذكره وسئل مولاه أن يهديه للامام الحاكم بأمر الله وقيل بل وصله الأمر بحمله فحمل في جملة غلمان في سنة ٤٠٣ فاستطرف من بينهم وجعل في الحجرة فقهر من بها من الغلمان وطال عليهم باليقظة والذكاء وجعل يلقب كل غلام بما يليق به فشكره إلى المتولي فضربه وتزايد أمره فأخرج منها في سنة ٤٠٥ ولزم الخدمة وجعل يتقرب إلى الخاص والعام بكل ما يجد السبيل

стр. 142

إليه من التودد والاكرام لما يريد الله تعالى من اسعاد جده واظهار سعده فارتضى الحاكم مذهبه في الخدمة وزاد في واجبه وقوده وسيره مع سديد الدولة ذي الكفايتين الضيف في العسكر إلى الشام في سنة ٤٠٦ ودخل إلى البلد دمشق ولقي مولاه القائد دزبر فترجل له وقبل يده وصار يتودد إلى الكبير والصغير ونزل في دار حيوس بحضرة زقاق عطاف ثم عاد إلى مصر وجرد إلى الريف في السيارة ثم عاد إلى مصر ولزم الخدمة بالحضرة ولزم بعلبك والياً عليها وحسنت حاله فيها وانتشر ذكره بها وصادق ولاة الأطراف وكاتب عزيز الدولة فاتكاً والي حلب وهاداه ولقب منتجب الدولة وورد الأمر عليه بالمسير إلى الحضرة فلما بلغ العريش وصله النجاب بالسجل بولاية قيسارية والأمر بالعود إليها فشق ذلك عليه وقال: انقل من ولاية بعلبك إلى ولاية قيسارية. وكان من حسن سياسته فيها وجميل عشرته لأهليها وحمايته لها ما ذاع به ذكره وحسن به صيته وكثر شكره. وورد الخبر بقتل فاتك والي حلب سنة ٤١٢ قتله غلام له هندي قد رباه واصطفاه وتوثق به واجتباه كذا وهو نائم عقيب سكره بسيفه وعمل فيه شاعره المعروف بمفضل بن سعد قصيدةً رثاه بها وذكر فيها من بعض أبياتها لحمامه المقضيّ ربّى عبده ... ولنحره المفري حدّ حسامه

стр. 143

وكتب إلى مجنتب الدولة بالمسير إلى الحضرة فوصلها وولي فلسطين ووصل إليها في يوم الثلاثاء من المحرم سنة ٤١٤ وبلغ حسان بن مفرج بن الجراح خبره فقلق له وتخوفه ثم علا ذكره وظهر أمره وكثرت عدته وعدته وقويت شوكته وجرت له وقائع مع العرب يستظهر فيها عليهم ويثخن فيهم فكبر بذلك شأنه ثم حسد وسعي فيه إلى الحضرة وكوتب الوزير حسن بن صالح في بابه بأمر قرره حسان بن مفرج بن الجراح ونسب إليه كل قبيح ومحال فاستؤذن في القبض عليه فأذن في ذلك فقبض عليه بعسقلان بحيلة دبرت له في سنة ٤١٧ وسأل فيه سعد السعداء فأجيب سؤاله لجلالة مكانه وأطلق من الاعتقال ووصل إلى الحضرة وحسنت حالته وظهرت هيبته وظهرت هيئة اقطاعه وغلمانه ودوابه وهو مع ذلك ينفذ رسله إلى الشام وسائر الأعمال وتأتيه بالأخبار ويطالع بها فكثر تعجب الوزير من يقظته ومضاء همته وعزيمته. وكانت العرب بعده قد استولت على الأعمال وأفسدت الشام وملك حسان املاك الملاك واتفق الخلف الجاري بين أرباب الدولة عقيب وفاة الحاكم وترافع القواد والولاة إلى أن تقررت الحال على صرف الوزير وتقليد الوزارة لنجيب الدولة علي بن أحمد الجرجرائي فنظر في الأعمال وهذب ما كان مستوياً عليها من الاضاعة والاهمال. واقتضت الآراء وصواب التدبير تجريد العساكر المصرية إلى الشام ووقع الاختيار في ذلك على الأمير منتجب الدولة فاستدعاه الوزير علي بن أحمد الجرجرائي وقال له: ما تحتاج إليه لخروجك إلى الشام ودمشق. فقال: فرسي البرذعية وخيمة استظل بها. فعجب الوزير من مقاله واستعاد فرسه المذكورة من سعيد السعداء وردها إليه وأطلق له خمسة آلاف دينار وأصحبه صدقة بن يوسف الفلاحي ناظراً في الأموال ونفقة الرجال وجردت العساكر معه ولقب بالأمير مظفر منتجب الدولة وخلع عليه وخرج إلى مخيمه وحملة من جرد معه سبعة ألف فارس وراجل سوى العرب وسار في ذي القعدة.... وودعه الامام الظاهر لاعزاز دين الله وعيد بالرملة عيد النحر وسار إلى بيت المقدس وجمع العساكر وقصد صالح بن مرداس وحسان بن مفرج وجموع العرب عند معرفته بتجميعهم ووقع اللقاء في القحوانة والتقى الفريقان فهزمت جموع العرب وأخذتهم السيوف وتحكمت فيهم. وكان صالح ابن مرداس على فرسه المشهور فوقف به من كد الهزيمة ولم ينهض به فلحقه رجل من العرب يعرف بطريف من فزارة فضربه بالسيف في رأسه وكان مكشوفاً فصاح ووقع ولم يعرفه وتم في طلب فرسه فمر به رجل من البادية فعرفه فقطع رأسه وعاد يرقص به فلقيه الأمير عز الدولة رافع فأخذه منه وجاء به إلى الأمير المظفر فلما رآه نزل عن فرسه وسجد لله شكراً على ما أولاه من الظفر وركب وأخذه بيده وجعله على ركبته وأطلق للزبيدي الذي جاء به ألف دينار ولعز الدولة رافع خمسة آلاف دينار وأطلق لطريف الذي ضربه بالسيف فرسه وجوشنه وألف دينار وأخذ الغلمان الأتراك الذين لصالح لنفسه وأحسن

стр. 144

إليهم وتقدم بجمع الرؤوس وأنفذ جثة صالح إلى صيدا لتصلب على بابها وأوصل رأسه إلى الحضرة وخلع على الواصلين به وأعيدوا ومعهم الخلع وزيادة الألقاب للأمير المنتجب وقرئ سجله عليه وصار يكاتب ويخاطب بالأمير

стр. 145

المظفر سيف الامام وعدة الخلاف مصطفى الملك منتجب الدولة. وقال فيه الأمير أبو القينان محمد ابن سلطان بن محمد بن حيوش من قصيدة امتدحه بها: فكم ليلةٍ نام عني الرقيب ... ونبّهني القمر المرتقب جمعت بها بين ماء الغمام ... وماء الرضاب وماء العنب لجود المظفّر سيف الامام ... وعدته المصطفى المنتجب ولما توجه عقيب ذلك إلى حلب ونزل عليها ظفر بشبل الدولة نصر بن صالح وكان قد انهزم ولحقه رجل فرماه بخشت في كتفه فأنفذه ووقع عن فرسه وسر به أحد الأتراك فقطع رأسه وسلمه إلى رافع وأنفذ من يسلم جثته إلى حماة فصلبت على الحصن وأمر أمير الجيوش بعد ذاك بانفاذ ثياب وطيب وتكفين الجثة في تابوت ودفنها في المسجد وبقيت فيه إلى سنة ٤٣٩ ونقلها مقلد بن كامل لما ملك حماة إلى قلعة حلب. وأنفذ الراس والتركي والبدوي مع الشريف الزيدي إلى الحضرة في نصف شعبان سنة ٤٢٩ وعاد أمير الجيوش إلى دمشق

стр. 146

ونزل في القصر وأقام فيها ما أقام وسار منها إلى حلب ونزل على السعدي وفتحت له أبواب البلد ودخله وأحسن إلى أهله ورد ما كان صالح اغتصبه من الأملاك إلى أربابها وأمر بقتال القلعة فقوتلت وهو قائم وراسله مقلد بن كامل المقيم بها وسلمها إليه وأقطعه عدة مواضع وسكن في دار عزيز الدولة وتزوج بنت الأمير منصور بن زغيب ووصله السجل من الحضرة باقطاعه حلب وعاد إلى دمشق وشرع في عمارة الدار بالقصر. ثم بلغه عن الوزير علي بن أحمد الجرجرائي وعن الظاهر ما أوجب الاستيحاش منه والنفور عنه فعزم على العود إلى حلب فظهر له من أجناده ما أنكره فهموا بالقيام عليه فسار من القصر بعد أن أمر الغلمان بنهب ما في القصر ووصل إلى حلب ودخلها في يوم الاثنين لأربع خلون من شهر ربيع الآخر ونزل في دار سعد الدولة واجتمع بزوجته وابنته الواصلين من مصر ولازم

стр. 147

الشراب وصح عليه جسمه. وبلغه وصول سجل من مصر إلى دمشق عن الحضرة قرئ على المنبر يقال فيه: أما بعد فإنه قد علم الحاضر والبادي والموالف والمعادي حال أنوشتكين الدزبري الخائن وأنه كان مملوكاً لدزبر بن أونيم الحاكمي وأهداه إلى أمير المؤمنين الحاكم بأمر الله فنقله إلى المراتب إلى أن انتهى أمره إلى ما انتهى إليه فلما تغيرت نيته سلبه الله تعالى نعمته لقوله تعالى إن الله لا يغير ما يقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم فشق هذا الأمر عليه وضاق صدره لاسقاط نعوته وقلق لذلك وليس من العود إلى دمشق وقد كان عازماً على العود. ثم وصله السجل عن الحضرة صحبة بعض العرب نسخته: بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله ووليه الامام معد أبي تميم المستنصر بالله أمير المؤمنين إلى أنوشتكين مولى دزبر بن أونيم الديلمي. أما بعد فإن الله بقضيته العادلة ومشيئته البالغة لم يك مغيراً ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوءاً فلا مرد له وما لهم من دون من وال مع ما أنك أجرمت على نفسك في يومك وأمسك واستوجبت بذلك مقام الحلول من نحسك فلا تعجب بعذاب الله عندما أسرفت ووبيل عقابه عندما خالفت فإن الله تعالى يقول مخاطباً لذوي العقول فمهل الكافرين أمهلهم رويداً وتالله لقد جددت بمسيرك إلى حلب لبعد أملك وانقطاع أجلك وإنما بقي لك الأيام قلائل ويكثر

стр. 148

لك الندم وتحل بك النقم إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلاً ما بعوضةً فما فوقها وإن مثلك مثل شاة عطشانة ولهانة ضائعة جائعة نزلت في مرج أفيح غزير ماؤه كثير عشبه ومرعاه فشربت ماء وأكلت عشباً فرويت بعد ظمائها وشبعت بعد جوعها واستحسنت بعد قبحها فلما تكامل حسنها ذبحت ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون وأن أمير المؤمنين يضرب لك مثلاً عن جده المصطفى ﷺ لما أنزل عليه " والضحى والليل إذا سبحا ما ودّعك ربَك وما قالَ " إلى قوله : " ألم يجدك يتيماً فآوَى ووجدك ضالاً فهدى ووجدك عائلاً فأَغنى " فبدلت النعمة كفراً ووضعت موضع الخير شراً وقد انتهى إلى حضرة أمير المؤمنين افتخارك بجميع الأموال واكتنازك لها لأمر لا يدهمك أو ليوم ينفعك أفما قرأت القرآن العظيم أما تدبرت قول الملك الرحيم في قصة قارون لما بغى واعتدى وازداد في الطغيان حيث يقول جل وعلا: " فخسفنا به وبداره الأرض " فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين أما رأيت الأمم الماضية الذين عادوا الدولة ونصبوا لها العداوة الشديدة انظر إلى ديارهم كيف قل فيها الساكنون وكثر عليها الباكون قال الله تعالى: " فتلك بيوتهم حاويةً بما ظلموا " إن في ذلك لآية لقوم يعلمون فاشتغل عن اصلاح العين وعن خطرك في حساب

стр. 149

الفرقدين وافتكر في رب المشرقين ورب المغربين حيث يقول ﷻ : " أَلم نجعل لهُ عينين ولساناً وشفتين وهديناه النجدين " وقد عرف أمير المؤمنين بكتاب الله الأعلى الذي نزل على خاتم الأنبياء حيث يقول: " وسيعلم الذين ظلموا أيَّ منقلب ينقلبون " فلما سمع ما اشتمل عليه هذا السجل من الانكار والوعظ بالآيات والتخويف عظم الأمر عليه وضاق صدره لتغير النية فيه ورأى من الصواب إعادة الجواب بالتلطف والتنصل مما ظن به والاعتذار والترفق في المقال والاعتراف بما شمله قديماً وحديثاً من الاحسان والافضال فكتب بعد البسملة: كتب عبد الدولة العلوية والامامية الفاطمية والخلافة المهدية عن سلامة تحت ظلها ونعمة منوطة بكفلها وهو متبرئ إليها من ذنوبه الموبقة واسائته المرهقة لا بد بعفو أمير المؤمنين متنصل أن يكون في جملة المجرمين المذنبين عن غير اساءة اقترفها ولا جناية احتقبها عائد بكرمها صابر لحكمها لقوله تعالى " وبشّر الصابرين " وهو تحت خوف ورجاء وتضرع ودعاء قد ذلت نفسه بعد عزها وخافت بعد أمنها ورسخت بعد رفعتها ومن يضلل الله فما له من هاد وأي قرب لمن أبعدته وأي رفعة لمن حططته والعبد يفخرها شمخ ويحدرها طال وبذخ فزلت نصبته وطالت أرومته وسمت فروعه وكان كقوله تعالى " وَضَرَبَ الله مثلاً كلمةً طيّبة كشجرة طيّبةٍ أَصلها ثابتٌ وفرعها في السماء تُؤتي أُكُلها كل حينٍ باذن ربّها ". فلما أنكرت الدولة حاله وقبحت أفعاله

стр. 150

وأزرت عليه خذله الأنصار وقل بعد الاكثار فصار كقول الملك الجبار مثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار غير أن العبد يتوسل بوكيد خدمته وقديم نصيحته ومجاهدته لأعداء الدولة مذكراً قول الله تعالى " والذين قتلوا في سبيل الله فَلَنْ يُصلّ أَعمالهم سيهديهم ويصلح بالَهم " وهو مع ذلك معترف بذنوب ما جناها واساء ما أتاها ذاكراً ما نزل الله في كتابه المبين على سيد المرسلين " وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم إِنَّ الله غفورٌ رحيمٌ " عفا الله عن أمير المؤمنين أهل بيت العفو والكرامة لجميع الأمم وفيهم نزلت الآيات والحكم قال الله تعالى " وليعفوا وليصفحوا أَلا تحبُّون أَنْ يغفِر الله لكم " وليس مسير العبد إلى حلب ينجيه من سطوات مواليه لقوله تعالى " قل [متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا. أينما تكونوا يدرككم الموت و] لو كنتم في بروج مشيَّدةٍ " والذين كتب عليهم القتل [يدركهم] إلى مضاجعهم لكنه بعد توصله واعترافه بجرائره وذنوبه وتنصله يرجو قبول توبته وتمهيد عذره في إنابته ولله الأمر من قبل ومن بعد ولأمير المؤمنين في كل قول وحد فقد وعد الله المسرفين على أنفسهم فقال تعالى " قُل يا عبادي

стр. 151

الذين أسرفوا على أنفسكم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنَّهُ هُوَ الغفور الرحيم " وأما ما رقي إلى الحضرة المطهرة عن العبد في كثرة الأموال وجمعها فذلك طباع ولد آدم في حب اللجين والعسجد وما عليه في الدنيا يعتمد نعوذ بالله أن يكون ذاك لمضادة أو مقاومة أو مكاثرة أو مقابلة لكنها معدة للجهاد في أعداء أمير المؤمنين ومبذولة في نصرة أوليائه المخلصين إذ يقول تعالى وله المثل الأعلى " وأَعدُّوا لهم ما استطعتم من قوَّة ومن رباط الخيل تُرهبون بهِ عدوّ الله وعدوَّكم " ولقد قرئ على العبد القرآن العظيم فوجده منوطاً بطاعة امام الزمان وهو ولي العفو والغفران عن أهل الاساءة والعدوان مكرراً لقول الملك الديان " والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحبُّ المحسنين ". وأنفذ هو الجواب صحبة الرسول الواصل بعد إكرامه وطلع عقيب ذلك إلى قلعة حلب في يوم الأربعاء لعشر خلون من جمادى الأولى وبات ليلة الجمعة واقشعر جسمه وقت صلاة الظهر واشتدت به الحمى فأحضر طبيباً من حلب وشرح له حاله فوصف له مسهلاً فلما حضر لم تطب نفسه لشربه ولحقه فالج في يده اليمنى ورجله اليمنى وزاد قلقه وقضى نحبه في الثلاث الأخير من ليلة الأحد لأربع عشرة ليلة خلت من جمادى الأولى سنة ٤٣٦.

стр. 152

وله أخبار محمود في حسن السيرة والعدل والنصفة والذكاء والمعرفة وذكر المال الذي خلفه بقلعة حلب بعد وفاته ستمائة ألف دينار سوى الآلات والعروض وقيمة الغلات مائة ألف دينار وأخذ له من دمشق وفلسطين مائتا ألف دينار وكان له مع التجار خمسون ألف دينار ونهب له من القصر بدمشق مائتا ألف دينار. وخلف من الأولاد هبة الله من بنت وهب بن حسان ماتت أمه وعمره أربعون يوماً وأبوه وله شهران وسنة وأربع بنات إحداهن من بنت الأمير حسام الدولة البجناكي وابنة من بنت عزيز الدولة رافع بن أبي الليل وابنتان من جاريتان وهبهما في القصر فأما هبة الله فإنه حمل إلى الحضرة وأكرم بها وكفله رضي الدولة غلامه وعاش ست سنين وسقط عن فرسه فمات والبنت من بنت حسام الدولة تزوجها الأمير صارم الدولة ذو الفضيلتين والبنت من بنت رافع نقلت إلى حلة أخوالها من بني كلاب. ثم رأت الحضرة في سنة ٤٤٨ نقل أمير الجيوش من تربته بحلب إلى تربته ببيت المقدس فأمرت بنقله في تابوت على طريق الساحل وكان يحط بخيمة وما يمر ببلد إلا كان وصوله يوماً مشهوداً وأخرجت الحضرة ثياباً حسنةً وطيباً كثيراً وأمرت الشريف أثير الدولة ابن الكوفي أن يتولى تكفينه ودفنه وأن يأمر من بالرملة من غلمانه بالتحفي والمشي خلف جنازته وأن ينادي بألقابه فنودي بها ودفن في التربة التي له في بيت المقدس مع أولاده فسبحان من لا يزول ملكه ولا يخيب من عمل بطاعته المجازي عن إحسان السيرة بالاحسان وعن السيئات في العقبى والماآل ذو الجلال والكمال الغفور الرحيم بنت عزيز الدولة رافع بن أبي الليل وابنتان من جاريتان وهبهما في القصر فأما هبة الله فإنه حمل إلى الحضرة وأكرم بها وكفله رضي الدولة غلامه وعاش ست سنين وسقط عن فرسه فمات والبنت من بنت حسام الدولة تزوجها الأمير صارم الدولة ذو الفضيلتين والبنت من بنت رافع نقلت إلى حلة أخوالها من بني كلاب. ثم رأت الحضرة في سنة ٤٤٨ نقل أمير الجيوش من تربته بحلب إلى تربته ببيت المقدس فأمرت بنقله في تابوت على طريق الساحل وكان يحط بخيمة وما يمر ببلد إلا كان وصوله يوماً مشهوداً وأخرجت الحضرة ثياباً حسنةً وطيباً كثيراً وأمرت الشريف أثير الدولة ابن الكوفي أن يتولى تكفينه ودفنه وأن يأمر من بالرملة من غلمانه بالتحفي والمشي خلف جنازته وأن ينادي بألقابه فنودي بها ودفن في التربة التي له في بيت المقدس مع أولاده فسبحان من لا يزول ملكه ولا يخيب من عمل بطاعته المجازي عن إحسان السيرة بالاحسان وعن السيئات في العقبى والماآل ذو الجلال والكمال الغفور الرحيم ولما زاد أمر الحاكم بأمر الله في عسف الناس وما ارتكبه من سفك الدماء وإفاظة النفوس وأخذ الأموال والفتك بالكبار والعمال

стр. 153

والفتك بالمقدمين من الوزراء والقواد وأكابر الأجناد وعدل عن حسن السياسة والسداد وزاد خوف خدمه وخواصه منه واستوحشوا من فعله وشكا المقدمون والوجوه إلى أخته ست الملك بنت العزيز بالله هذه الأحوال فأنكرت ما أنكروه وأكبرت ما أكبروه واعترفت بصحة ما شكوه وحقيقة ما كرهوه ووعدتهم احسان التدبير في كف شره واجمال النظر في أموره وأمره ولم تجد فيه حيلة يحسم بها داؤه إلا العمل على إهلاكه وكف أذاه بعدمه وأعملت الرأي في ذلك وأسرته في انفس إلى أن وجدت الفرصة متسهلة فابتدرتها والعرة باديةً فاهتبلتها ورتبت له من اغتاله في بعض مقاصده وأخفى مظانه فأتى عليه وأخفى أمره إلى أن ظهر في عيد النحر من سنة ٤١١. وقال المغالون في المذهب أنه غائب في سره ولا بد أن يؤوب ومستتر في غيبه ولا بد أن يرجع إلى منصبه ويثوب وكان مولده بالقاهرة ليلة الخميس الثالث والعشرين من شهر ربيع الأول سنة ٣٧٥ وولي الأمر وعمره عشر سنين وستة أشهر وستة أيام وفقد في العشر الأول من شوال سنة ٤١١ وعمره ست وثلاثون سنة ومدة أيامه خمس وعشرون سنة وشهران وأيام ونقش خاتمه بنصر الاله العلي ينتصر الامام أبو علي وكان غليظ الطبع قاسي القلب سفاكاً للدماء قبيح السيرة مذموم السياسة شديد التعجرف والاقدام على القتل غير محافظ على حرمة خادم ناصح ولا صاحب مناصح. وقام في الأمر بعده ولده أبو الحسن علي الظاهر لاعزاز الله وأخذت له البيعة بعد أبيه في يوم عيد النحر من سنة ٤١١

стр. 154

واستقامت الأمور بعد ميلها وأمنت النفوس بعد وجلها وحسنت السيرة بعد قبحها وارتضيت السياسة بعد النفور عنها ورد تدبير الأعمال والنظر فيها وتسديد الأحوال ولم ما تشعث منها إلى الوزير صفي أمير المؤمنين وخالصته أبي القاسم علي بن أحمد الجرجرائي وكتب له السجل بالتقليد من إنشاء ولي الدولة أبي علي بن خيران متولي الانشاء وقرئ بالحضرة على القواد والمقدمين في ذي الحجة سنة ٤١٨ ونسخته بعد البسملة: أما بعد فالحمد لله مطلق الالسن بذكره ومجزل النعم بشكره ومصرف الأمور على حكم إرادته وأمره الذي استحمد بالطول والنعماء وتمجد بالحكمة والسناء وملك ملكوت الأرض والسماء واستغنى عن الظهراء والوزراء وأكرم عباده بأن جعل تذكرته لهم في صحف مكرمة مرفوعة مظهرة بأيدي سفرة كرام برزةً فسبحان من نظر لخلقه فأحسن وأنعم وعلم بالقلم علم الانسان ما لم يعلم يحمده أمير المؤمنين حمد مخلص في الحمد والشكر متخصص بشرف الأمانة ونفاذ النهى والأمر ويرغب الله تعالى في الصلاة على نبيه محمد الذي نزل عليه الفرقان ليكون للعالمين نذيراً وعز به الايمان وجعل له من لديه سلطاناً نصيراً وانتخب أبانا علياً أمير المؤمنين أخاً وزيراً وصيره على أمر الدين والدنيا منجداً له وظهيراً صلى الله عليهما وسلم على العترة الزاكية من سلالتهما سلاماً دائماً كثيراً.

стр. 155

وإن أحق من عول عليه في الوزارة وأسند إليه أمر السفارة ونصب لحفظ الأموال وتمييزها وسياسة الأعمال وتدبيرها وإيالة طوالف الرجال كبيرها وصغيرها من كان حفيظاً لما يستحفظ من الأمور قووماً بمصالح الجمهور عليماً بمجاري السياسة والتدبير ولذاك قال يوسف الصديق ﵇ اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليهم ولو استغنى أحد من رعاة العباد عن وزير وظهير يكاتبه على أمره ويظاهره لكان كليم الله موسى صلى الله عليه وهو القوي الأمين عنه مستغنياً ولم يكن له من الله ﷻ طالباً مستدعياً وقد قال رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدةً من لساني يفقهوا قولي واجعل لي وزيراً من أهلي هرون أخي أشدد به أزري وأشركه في أمري كي نسبحك كثيراً ونذكرك كثيراً ولما كنت بالأمانة والكفاية علماً وعند أهل المعرفة والدراية مقدماً وكان الكتاب على اختلاف طبقاتهم وتفاوت درجاتهم يسلمون إليك في الكتابة ويقتدون بك في الاصابة ويشهدون لك بالتقدم في العناء ويهتدون بحلمك اهتداء السفر بالنجم في الليلة الظلماء ولا يتناكرون الانحطاط عن درجتك في الفضل لتفاوتها في الارتفاع ولا يرد ذلك راد من الناس أجمعين الا خصمه وقوع الاجماع هذا مع المعروف من استقلالك بالسياسة واستكمالك لأدوات الرئاسة وتدبيرك أمور المملكة وما ألف برشد وساطتك من سمو اليمن والبركة رأي أمير المؤمنين وبالله توفيقه أن يستكفيك أمر وزارته وينزلك أعلى منازل الاصطفاء بخاص أثرته ويرفعك على جميع الأكفاء بتام تكرمته وينوه باسمك تنويهاً لم يكن لأحد قبلك من الظهراء في دولته

стр. 156

فسماك بالوزير لموازرتك له على حمل الأعباء ووكد هذا الاسم بالأجل لأنك أجل الوزراء وعزز ذلك بصفي أمير المؤمنين وخالصته إذ كنت أعز الخلصاء والأصفياء وشرفك بالتكنية تسميقاً بك في العلياء ودعا لك بأن يمتعه الله بك ويؤيدك ويعضدك دعاءً يجيبه فيك رب السماء فأنت الوزير الأجل صفي أمير المؤمنين وخالصته المحبو بالمن الجسيم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم وأمر أمير المؤمنين بأن تدعى بهذه الأسماء وتخاطب وتكتب بها عن نفسك وتكاتب ورسم ذكر ذلك فيما يجري من المحاورات واثباته في ضروب المكاتبات ليثبت ثبوت الاستقرار ويبقى وسمه على مر الليالي والنهار فأحمد الله ﵎ على تمييز أمير المؤمنين لك بتشريفه واختصاصه واجلاله إياك أعلى محال خواصه وأجر على سننك الحميد في خدمته ومذهبك الرشيد في مناصحته إذ كان قد فوض إليك أمر وزارته وجعلك الوسيط بينه وبين أوليائه وأنصار دعوته وولاة أعمال مملكته وكتاب دواوينه وسائر عبيده ورعيته شرقاً وغرباً وقرباً وبعداً وأمضى توقيع من تنصبه للتوقيع عن أمير المؤمنين في الإخراج والإنفاق والايجاب والاطلاق وناط بك أزمة الحل والعقد والابرام والنقض والقبض والبسط والاثبات والحط والتصريف والصرف تفويضاً إلى أمانتك التي لا يقدح فيها معاب وسكوناً إلى ثقتك التي لا يلم بها ارتياب وعلماً بأنك تورد وتصدر عن علم وحزم تفوق فيهما كل مقاوم ولا تأخذك في المناصحة لأمير المؤمنين والاحتياط له لومة لائم وجميع ما يوصي به غيرك ليكون له تذكرةً وعليه حجة فهو مستغنىً عنه معك لأنك تغني بفرط معرفتك عن التعريف ولا تحتاج مع وقوفك على الصواب وعلمك به إلى توقيف غير إن أمير المؤمنين يؤكد عليك الأمر بحسن النظر

стр. 157

لرجال دولته دانيهم وقاصيهم بارك الله فيهم وأن يتوفر على ما يعود بصلاح أحوالهم وانفساح أمالهم وانشراح صدورهم وانتظام أمورهم إذ كانوا كتائب الاسلام ومعاقل الأنام وأنصار أمير المؤمنين المحفوفين بالاحسان والانعام حتى تحسن أحوالهم بجميل نظرك ويزول سوء الأثر فيهم بحسن أثرك وكذلك الرعايا بالحضرة وأعمال الدولة فأمرهم من المعني به والمسؤول عنه وأمير المؤمنين يأمرك بأن تستشف خيرة الولاية فيهم فمن ألفيته من الرعية مظلوماً أوعزت بنصفته ومن صادفته من الولاة ظلوماً تقدمت بصرفه وحسم مضرته ومعرته. فأما الناظرون في الأموال من ولاة الدواوين والعمال فقد أقام أمير المؤمنين عليهم منك المنقي الزكاء طباً بالأدواء لا يصانع ولا تطيبه المطامع ولا ينفق عليه المنافق ولا يعتصم منه الخؤون السارق كما إنه لا يخاف لديه الثقة الناصح ولا يخشى عاديته الأمين في خدمته المجتهد الكادح والذي يدعو المتصرف إلى أن يحمل نفسه على الخطة النكراء في الاحتجار والارتشاء أحد أمرين أما حاجة تضطره إلى ذلك أو جهالة تورده المهالك فإن كان محتاجاً سد رزق الخدمة فاقته ورجا الراجون برءه من مرض الاسفاف وإفاقته وإن كان جاهلاً فالجاهل لا يبالي على ما أقدم عليه ولا يفكر في عاقبة ما يصير أمره إليه ومن جمع هذين القسمين كانت نفسه أبداً تسف ولا تعف ويده تكف ولا تكف ووطأته تثقل ولا تخف فلا ترب من تنزه وعف ولا أثرى من رضي لنفسه بدنيء المكسب وأسف. وما يستزيدك أمير المؤمنين على ما عندك من حسن التأني والاجتهاد في اصلاح الفاسد واستصلاح المعاند واستفاءة الشارد بالمعصية إلى طاعنه وإعطاء رجال الدولة ما توجب لها حقوق الخدمة من فضل نعمته، وأمير المؤمنين يقول بعد ذلك قولاً يؤثر عنده في المشرق والمغرب ويصل إلى الأبعد والأقرب

стр. 158

إن أكثر من وقع عليه اسم الوزارة قبلك إنما تهيأ له ذلك بالحظ والاتفاق ولم يوقع اسمها عليك ويعذق بك أمرها إلا باستيجاب واستحقاق لأنها احتاجت إليك حاجة الرمح إلى عامله والعبء إلى حامله والمكفور إلى كافله. وكم أفرجت عن الطريق إليها لسواك واجتهدت أن يعدوك مقامها إكباراً له فما عداك والله يكتب بجميل رأي أمير المؤمنين حسدتك وعداك ويتولاك بالمعونة على ما قلدك وولاك ويمتعه ببقائك كما أمتعه بكفايتك وغنائك ويخير له في استيزارك كما خار له من قبل في اصطناعك وإيثارك بمنه وكرمه والسلام عليك ورحمة الله وكتب يوم الجمعة لاثنتي عشرة ليلة خلت من ذي الحجة سنة ٤١٨هـ بكفايتك وغنائك ويخير له في استيزارك كما خار له من قبل في اصطناعك وإيثارك بمنه وكرمه والسلام عليك ورحمة الله وكتب يوم الجمعة لاثنتي عشرة ليلة خلت من ذي الحجة سنة ٤١٨

стр. 159

ولاية القائد ناصر الدولة أبي محمد الحسن بن الحسين بن حمدان لدمشق في سنة ٤٣٣ بعد أمير الجيوش أنوشتكين الدزبري وصل الأمير المظفر ناصر الدولة وسيفها ذو المجدين أبو محمد الحسن بن الحسين بن حمدان إلى دمشق والياً عليها في جمادى الآخرة سنة ٤٣٣ في يوم الأربعاء السادس عشر منه وقرئ سجله بالولاية بألقابه والدعاء له فيه سلمه الله وحفظه ووصل معه الشريف فخر الدولة نقيب الطالبيين أبو يعلي حمزة بن الحسين بن العباس بن الحسن بن الحسين بن أبي المجن بن علي بن محمد بن علي بن إسمعيل بن جعفر الصادق ﵇ فأقام في الولاية أمراً ناهياً إلى أن وصل من مصر من قبض عليه بدمشق وسيره معه إلى مصر في يوم الجمعة مستهل رجب سنة ٠٤٤٠ وفي سنة ٣٦ وردت الأخبار من ناحية العراق بظهور راية السلطان ركن الدنيا والدين طغرلبك محمد بن ميكائيل بن سلجق وقوة شوكة الأتراك وابتداء دولتهم واستيلائهم على الأعمال وضعف أركان الدولة البويهية واضطراب أحوال مقدميها وأمرائها. وفي سنة ٤٢٧ وردت الأخبار من ناحية مصر بوفاة الامام الظاهر لاعزاز دين الله أبي الحسن علي بن الحاكم بأمر الله بالاستسقاء في ليلة الأحد النصف من شعبان سنة ٤٢٧ وعمره اثنتان

стр. 160

وثلاثون سنة ومولده بالقاهرة في شهر رمضان سنة ٣٩٥ ومدة أيامه خمس عشرة سنة وثمانية أشهر وخمسة أيام ونقش خاتمه بنصر ذي الجود والمتن ينتصر الامام أبو الحسن وكان جميل السيرة حسن السياسة منصفاً للرعية إلا انه متشاغل باللذة محب للدعة والراحة معتمد في إصلاح الأعمال وتدبير العمال وحفظ الأموال وسياسة الأجناد وعمارة البلاد على الوزير أبي القاسم علي بن أحمد الجرجرائي لسكونه إلى كفايته وثقته بغنائه ونهضته. ثم تولى الأمر بعده ولده أبو تميم معد المستنصر بالله أمير المؤمنين وعمره سبع سنين وشهران وأخذت البيعة له بعد أبيه في شعبان سنة ٤٢٧. وفي أيامه ثارت الفتن من بني حمدان وأكابر القواد ووجوه العسكرية والأجناد وغليت الأسعار وقلت الأقوات واضطربت الأحوال واختلت الأعمال وحصر في قصره وطمح في خلعه لضعف أمره ولم يزل الأمر على هذه الحال إلى أن استدعى أمير الجيوش بدر الجمالي من عكاء إلى مصر في سنة ٤٦٥ فاستولى على الوزارة والتدبير بمصر وقتل من قتل من المقدمين والأجناد وطالبي الفساد وتمهدت الأمور وسكنت الدهماء والزم المستنصر بالله القصر ولم يبق له نهي ولا أمر إلا الركوب في العيدين ولم يزل كذلك إلى أن توفي أمير الجيوش وانتصب مكانه ولده الأفضل أبو القاسم شاهنشاه

стр. 161

ولاية القائد طارق الصقلبي المستنصري لدمشق في سنة ٤٤٠ وصل الأمير بهاء الدولة وصارمها طارق المستنصري إلى دمشق والياً عليها في يوم الجمعة مستهل رجب سنة ٤٤٠ وقرئ سجل ولايته والدعاء له سلمه الله وحفظه وعند دخوله وقع القبض على الأمير ناصر الدولة بن حمدان الوالي المقدم ذكره وسير إلى مصر وتسلم الأمير طارق الولاية يأمر فيها. ووردت الأخبار من ناحية مصر في سنة ٤٣٦ بوفاة الوزير أبي القاسم علي بن أحمد الجرجرائي وزير المستنصر بالله في داره آخر نهار الأربعاء السادس من شهر رمضان بعلة الاستسقاء وصلى عليه المستنصر بالله في القصر ودفن في دار الوزارة وقلد مكانه الوزير أبو نصر صدقة بن يوسف الفلاحي وخلع عليه في يوم الثلاثاء الحادي عشر من شهر رمضان من السنة وقبض على أبي علي ابن الأنباري صاحب الوزير أبي القسم علي بن أحمد وحمله إلى خزانة البنود وسعى في قتله فيها ودفنه وما مضى إلا القليل وقبض على الوزير أبي نصر صدقة بن يوسف الفلاحي وحمل إلى خزانة البنود في يوم الاثنين الخامس من المحرم سنة ٤٤٠ وقتل

стр. 162

سحرة يوم الاثنين في المكان الذي قتل فيه ابن الأنباري وقيل إنه دفن معه في قبره ونظر في الوزارة أبو البركات ابن أخي الوزير علي بن أحمد الجرجرائي وقبض عليه بعد ذلك في ليلة يوم الاثنين النصف من شوال سنة ٤٤١ وفترت الأمور إلى أن استقرت الوزارة لقاضي القضاة أبي محمد الحسن بن عبد الرحمن اليازوري. ووردت الأخبار من مصر بأن المستنصر بالله خلع على وزيره قاضي القضاة أبي محمد اليازوري في الرابع من ذي القعدة سنة ٤٤٣ خلعاً فاخرةً كانت غلالة قصباً وطاقاً وقميصاً دبيقياً وطيلساناً وعمامةً قصباً وحمله على فرس رائع بمركب من ذهب وزنه ألف مثقال وقاد بين يديه خمسة وعشرين فرساً وبغلاً بمراكب ذهب وفضة وحمل معه خمسون سفطاً ثياباً أصنافاً وزاد في نعوته وألقابه وخلع على أولاده خلعاً تليق بهم وكتب له سجل التقليد بانشاء ولي الدولة أبي علي بن خيران وبالغ في احسان وصفه وتقريضه واطرائه واحماد رأيه وما اقتضاه الرأي من اصطفائه للوزارة واجتبائه وقرئ بحضرة المستنصر بالله بين قواده وخدمه ووجوه أجناده وقيل إن هذا الاكرام مقابلة

стр. 163

على ما كان منه في التدبير على العرب المفسدين من بني قرة في فلهم والنكاية فيهم وحسم أسباب شرهم وتشتيت شملهم ونسخة هذا السجل المذكور بعد البسملة:..........

стр. 164

ولاية رفق المستنصري لدمشق في سنة ٤٤١ وصل الأمير عدة الدولة أمير الأمراء رفق المستنصري إلى دمشق والياً عليها في يوم الخميس الثاني عشر من المحرم سنة ٤٤١ في عدة وافرة من الرجال وثروة وافرة من العدد والمال وقرئ سجله بالولاية وأقام بها مدة يأمر فيها وينهي ويحل ويعقد ويصدر في الأمور ويورد ثم وصله الأمر من مصر بمسيره إلى حلب لأمر اقتضته الآراء المستنصرية من صرفه عنها وتوليتها للأمير المؤيد فسار منها وتوجه إلى حلب في يوم الخميس السادس من صفر من السنة

стр. 165

ولاية الأمير المؤيد عدة الامام في سنة ٤٤١ بعد الأمين رفق وصل الأمير المؤيد عدة الامام مصطفى الملك معين الدولة ذو الرئاستين حيدرة بن الأمير عضب الدولة بن حسين بن مفلح إلى دمشق والياً عليها في مستهل رجب سنة ٤٤١ فحمل معه سديد الدولة ذو الكفايتين أبو محمد الحسين بن حسن الماشكي ناظراً في الشام جميعة حربه وخراجه وقرئ منشور الولاية والدعاء له سلمه الله وحفظه فتسلم الولاية في سنة ٤٤٢ يأمر فيها وينهي على عادة الولاة واستقامت له أمور الولاية على ما يؤثره ويهواه وأحسن السيرة في العسكرية والرعية فحمدت طريقته وارتضيت إيالته واستمرت عليه الأيام في الولاية إلى سنة ٤٤٨ التي بني هذا المذيل عليها وعادت سياقة الحوادث منها وإيراد ما فيها وتجدد بعدها

стр. 166

سنة ثمان وأربعين وأربعمائة فيها وردت الأخبار من ناحية العراق بانعقاد أمر الوصلة بين الامام القائم بأمر الله وبين بنت الملك داود أخي السلطان ركن الدنيا والدين طغرلبك وكان العقد أولاً لولده ذخيرة الدين فلما قضى الله عليه بالوفاة نقل العقد إلى الخليفة القائم بأمر الله في يوم الأربعاء لسبع بقين من المحرم من السنة ووصلت البنت المذكورة من مدينة الري إلى بغداد في الثالث والعشرين من شهر ربيع الأول من السنة. وفي هذه السنة ولد الامام المقتدي بالله عبد الله بن ذخيرة الدين ابن القائم بأمر الله في ليلة الأربعاء الثاني من جمادى الأولى من السنة.

стр. 167

وفيها وردت الأخبار من مصر بقلة الأقوات وغلاء الأسعار واشتداد الأمر في ذلك إلى أوان زيادة النيل فظهر من القوت ووجوده ما طابت به النفوس وصلحت معه الأحوال سنة تسع وأربعين وأربعمائة في هذه السنة وردت الأخبار بتسلم الأمير مكين الدولة قلعة حلب من معز الدولة وحصل فيها في الخميس لثلاث بقين من ذي القعدة منها وأقام بها مدة أربع سنين يخطب فيها للمستنصر بالله صاحب مصر. وفيها توفي القاضي أبو الحسين عبد الوهاب بن أحمد ابن هرون سنة خمسين وأربعمائة فيها وصل الأمير ناصر الدولة وسيفها ذو المجدين أبو محمد الحسين بن الحسن ابن حمدان إلى دمشق والياً عليها دفعةً ثانيةً بعد أولى في يوم الاثنين النصف من رجب منها وأقام يسوس أحوالها ويستخرج أموالها إلى أن ورد عليه الأمر من الحضرة بمصر بالمسير في العسكر إلى حلب فتوجه إليها في العسكر في السادس عشر من شهر ربيع الأول سنة ٤٥٢ واتفقت الوقعة المشهورة المعروفة بوقعة الفنيدق بظاهر حلب في يوم الاثنين مستهل شعبان من السنة بين ناصر الدولة المذكور وعسكره وبين جميع العرب الكلابيين ومن انضم إليهم فكسرت العرب عسكر ناصر الدولة واستولوا عليهم ونكوا فيهم وأفلت ناصر الدولة منهزماً مجروحاً مفلولاً وعاد إلى مصر.

стр. 168

ولم تزل الأخبار متواترة من ناحية العراق بظهور المظفر أبي الحرث أرسلان الفساسيري وقوة شوكته وكثرة عدته وغلبة أمره على الامام القائم بأمر الله أمير المؤمنين وقهر نوابه وامتهان خاصته وأصحابه وخوفهم من شره حتى أمضى أمره إلى أن يأخذ الجاني من حرم الخلافة ويفعل ما يشاء ولا يمانع له ولا يدافع عنه. وقد شرح الخطيب أبو بكر أحمد ابن علي بن ثابت البغدادي ﵀ في أخبار أهل بغداد ما قال فيه: ولم يزل أمر القائم بأمر الله أمير المؤمنين مستقيماً إلى أن قبض عيه أرسلان الفساسيري في سنة ٤٥٠ وهو واحد من الغلمان الأتراك عظم أمره واستفحل شأنه لعدم نظرائه من الغلمان الأتراك والمقدمين والاسفهسلارية إلا إنه استولى على العباد والأعمال ومد يده في جباية الأموال وشاع بالهيبة أمره وانتشر بالقهر ذكره وتهيبته العرب والعجم ودعي له على كثير من منابر الأعمال

стр. 169

العراقية وبالأهواز ونواحيها ولم يكن القائم بأمر الله يقطع أمراً دونه ولا يمضي رأياً إلا بعد إذنه ورأيه ثم صح عنده سوء عقيدته وخبث نيته وانتهى ذلك إليه، من ثقات من الأتراك لا يشك في قولهم ولا يرتاب. وانتهى إليه إنه بواسط قد عزم على نهب دار الخلافة والقبض على الخليفة فكاتب السلطان طغرلبك محمد بن ميكال كذا وهو بنواحي الري يعرفه صورة حال الفساسيري ويبعثه على العود إلى العراق ويدارك أمر هذا الخارجي قبل تزايد طمعه وإعضال خطبه. وعاد الفساسيري من واسط وقصد دار الخلافة في بغداد وهي بالجانب الغربي في الموضع المعروف بدار إسحق فهجمها ونهبها وأحرقها ونقض أبنيتها واستولى على كل ما فيها.

стр. 170

ووصل السلطان طغرلبك إلى بغداد في شهر رمضان سنة ٤٤٧ وتوجه الفساسيري إلى الرحبة حين عرف وصول طغرلبك على الفرات وكاتب المستنصر بأمر الله صاحب مصر يذكر له كونه في طاعته وإخلاصه في موالاته وعزمه على إقامة الدعوة له في العراق وإنه قادر على ذلك وغير عاجز عنه فأنجده وساعده بالأموال وكتب له بولاية الرحبة. وأقام السلطان طغرلبك ببغداد سنةً كاملةً وسار منها إلى ناحية الموصل وأوقع بأهل سنجار وعاد منها إلى بغداد فأقام برهةً ثم عاد إلى الموصل وخرج منها متوجهاً إلى نصيبين ومعه أخوه إبراهيم ينال وذلك في سنة ٤٥٠. وحدث بين السلطان طغرلبك وأخيه إبراهيم خلف أوجب انفصاله عنه بجيش عظيم وقصد تاحية الري وقد كان الفساسيري كاتب إبراهيم ينال أخا السلطان طغرلبك يبعثه على العصيان لأخيه ويطمعه في الملك والتفرد به ويعده المعاضدة عليه والموازرة والمرافدة والشد منه وسار طغرلبك في أثر أخيه مجداً وترك عساكره من ورائه فتفرقت غير إن وزيره عميد الملك الكندري وربيبه أنوشروان وزوجته خاتون وصلوا بغداد في من بقي معهم من العسكر في شوال سنة ٤٥٠. واتصلت الأخبار بلقاء طغرلبك وأخيه إبراهيم بناحية همذان وورد الخبر بذاك على خاتون وولدها والوزير وإن إبراهيم استظهر عليه وحصره في همذان فعند ذلك عزموا على المسير إلى همذان لانجاد السلطان فحين شاع الخبر بذاك اضطرب

стр. 171

أمر بغداد اضطراباً شديداً وخاف من بها وكثرت الأراجيف باقتراب أرسلان الفساسيري. وتوقف الكندري الوزير عن المسير فأنكرت خاتون ذلك عليه وهمت بالايقاع به وتوقف ابنها لتوقفهما عن المسير والانجاد للسلطان طغرلبك فنهضا للجانب الغربي من بغداد وقطعا الجسور من ورائهما وأنتهب دورهما واستولى من كان مع الخاتون من الغز على ما فيها من الأموال والأمتعة والأثاث والسلاح وتوجهت خاتون في العسكر إلى ناحية همذان وتوجه الوزير الكندري على طريق الأهواز. فلما كان يوم الجمعة السادس من ذي القعدة ورد الخبر بأن أرسلان الفساسيري بالأنبار وسعى الناس إلى صلاة الجمعة بجامع المنصور فلم يحضر الامام وأذن المؤذن في المنارة ونزل منها وأعلم الناس إنه رأى العسكر عسكر الفساسيري بإزاء شارع دار الرقيق فبادروا إلى أبواب الجامع وشاهدت قوماً من أصحاب الفساسيري يسكنون الناس بحيث صلوا في هذا المكان اليوم في جامع المنصور الظهر أربعاً من غير خطبة وفي يوم السبت تاليه وصل نفر من عسكر الفساسيري وفي غدوة يوم الأحد دخل الفساسيري بغداد ومعه الرايات السود فضرب مضاربه على شاطئ دجلة واجتمع أهل الكرخ والعوام من أهل الجانب الغربي على مظافرة الفساسيري وكان قد جمع العيار وأهل الفساد وأطمعهم في نهب دار الخلافة والناس إذ ذاك في ضر وجهد قد توالى عليهم الجدب وغلا السعر وعز الأقوات وأقام الفساسيري بمكانه والقتال في كل يوم متصل بين الفريقين في السفن بدجلة. فلما كان يوم الجمعة الثاني دعي المستنصر بالله صاحب مصر على المنبر بجامع المنصور وزيد في الآذان حي على خير العمل. وشرع في بناء الجسر بعقد باب الطاق وكف الناس عن المحاربة أياماً وحضر يوم الجمعة الثاني من الخطبة فدعي لصاحب مصر في جامع الرصافة. وخندق الخليقة القائم بأمر الله حول داره ورم ما تشعث منها ومن أسوار المدينة فلما كان يوم الأحد لليلتين بقيتا من ذي القعدة حشد الفساسيري أهل الجانب الغربي والكرخ ونهض بهم إلى محاربة الخليفة ونشبت الحرب بين الفريقين يومين وقتل منهما الخلق الكثير. وأهل هلال ذي الحجة فزحف الفساسيري إلى ناحية دار القائم الخليفة فأضرم النار في الأسواق بنهر معلى وما يليه وعبر الناس لانتهاب دار الخليفة فنهب منها ما لا يحصى كثرةً وعظماً. ونفذ الخليفة إلى مونس بن بدر الصقلي وكان قد ظاهر الفساسيري فاذم للخليفة في نفسه ولقيه قريش أمير بني عقيل فقبل الأرض دفعات وخرج الخليفة من الدار راكباً وبين يديه راية سوداء وعليه قباء أسود وسيف ومنطقة وعلى رأسه عمامة تحتها قلنسوة الأتراك عراضه وبين يديه....... وضرب له قريش خيمةً في الجانب الغربي فدخلها وأحدق به خدمه وماشى الوزير رئيس الرؤساء أبا القسم بن مسلمة الفساسيري ويده قابضة على يده وكمه وقبض على قاضي القضاة الدامغاني وجماعة معه وحملوا إلى الحريم الطاهري وقيد الوزير والقاضي. فلما كان يوم الجمعة الرابع عشر من ذي الحجة لم يخطب بجامع الخليفة وخطب في سائر الجوامع للمستنصر صاحب مصر وفي هذا اليوم انقطعت الدعوة لبني العباس في بغدادن ذي القعدة ورد الخبر بأن أرسلان الفساسيري بالأنبار وسعى الناس إلى صلاة الجمعة بجامع المنصور فلم يحضر الامام وأذن المؤذن في المنارة ونزل منها وأعلم الناس إنه رأى العسكر عسكر الفساسيري بإزاء شارع دار الرقيق فبادروا إلى أبواب الجامع وشاهدت قوماً من أصحاب الفساسيري يسكنون الناس بحيث صلوا في هذا المكان اليوم في جامع المنصور الظهر أربعاً من غير خطبة وفي يوم السبت تاليه وصل نفر من عسكر الفساسيري وفي غدوة يوم الأحد دخل الفساسيري بغداد ومعه الرايات السود فضرب مضاربه على شاطئ دجلة واجتمع أهل الكرخ والعوام من أهل الجانب الغربي على مظافرة الفساسيري وكان قد جمع العيار وأهل الفساد وأطمعهم في نهب دار الخلافة

стр. 172

والناس إذ ذاك في ضر وجهد قد توالى عليهم الجدب وغلا السعر وعز الأقوات وأقام الفساسيري بمكانه والقتال في كل يوم متصل بين الفريقين في السفن بدجلة. فلما كان يوم الجمعة الثاني دعي المستنصر بالله صاحب مصر على المنبر بجامع المنصور وزيد في الآذان حي على خير العمل. وشرع في بناء الجسر بعقد باب الطاق وكف الناس عن المحاربة أياماً وحضر يوم الجمعة الثاني من الخطبة فدعي لصاحب مصر في جامع الرصافة. وخندق الخليقة القائم بأمر الله حول داره ورم ما تشعث منها ومن أسوار المدينة فلما كان يوم الأحد لليلتين بقيتا من ذي القعدة حشد الفساسيري أهل الجانب الغربي والكرخ ونهض بهم إلى محاربة الخليفة ونشبت الحرب بين الفريقين يومين وقتل منهما الخلق الكثير. وأهل هلال ذي الحجة فزحف الفساسيري إلى ناحية دار القائم الخليفة فأضرم النار في الأسواق بنهر معلى وما يليه وعبر الناس لانتهاب دار الخليفة فنهب منها ما لا يحصى كثرةً وعظماً. ونفذ الخليفة إلى مونس بن بدر الصقلي وكان قد ظاهر الفساسيري فاذم للخليفة في نفسه ولقيه قريش أمير بني عقيل فقبل الأرض دفعات وخرج الخليفة من الدار راكباً وبين يديه راية سوداء وعليه قباء أسود وسيف ومنطقة وعلى رأسه

стр. 173

عمامة تحتها قلنسوة الأتراك عراضه وبين يديه....... وضرب له قريش خيمةً في الجانب الغربي فدخلها وأحدق به خدمه وماشى الوزير رئيس الرؤساء أبا القسم بن مسلمة الفساسيري ويده قابضة على يده وكمه وقبض على قاضي القضاة الدامغاني وجماعة معه وحملوا إلى الحريم الطاهري وقيد الوزير والقاضي. فلما كان يوم الجمعة الرابع عشر من ذي الحجة لم يخطب بجامع الخليفة وخطب في سائر الجوامع للمستنصر صاحب مصر وفي هذا اليوم انقطعت الدعوة لبني العباس في بغداد ولما كان اليوم التاسع من ذي الحجة وهو يوم عرفة أخرج الخليفة القائم بأمر الله من الموضع الذي كان فيه وحمل إلى الأنبار ومنها إلى الحديثة في الفرات فجلس هناك وكان صاحب الحديثة الأمين مهارش هو المتولي لخدمة الخليفة فيها بنفسه وكان حسن الطريقة. ولما كان يوم الاثنين من ذي الحجة شهر الوزير رئيس الرؤساء وزير الخليفة على جمل وطيف به في محال الجانب الغربي ثم صلب بباب الطاق وخراسان وجعل على فكيه كلابان من حديد على جدع فمات ﵀ بعد صلاة العصر وأطلق القاضي الدامغاني بمال قرر عليه.

стр. 174

قال أبو بكر الخطيب ﵀: ثم خرجت يوم النصف من صفر سنة ٤٥١ من بغداد ولم يزل الخليفة في محبسه بالحديثة إلى أن عاد السلطان طغرلبك من ناحية الري إلى بغداد بعد أن ظفر بأخيه إبراهيم ينال وكسره وقتله ثم كاتب الأمير قريشاً باطلاق الخليفة إلى داره إلى ناحية العراق وجعل السفير بينه وبين طغرلبك في ذلك أبا منصور عبد الملك بن محمد بن يوسف وشرط أن يضمن الخليفة للفساسيري صرف طغرلبك عن وجهته. وكاتب طغرلبك مهارشاً في أمر الخليفة وإخراجه من محبسه فأخرجه وعبر به الفرات وقصد به تكريت في نفر من بني عمه وقد بلغه أن طغرلبك بشهرزور فلما قطع الطريق عرف أن طغرلبك قد حصل ببغداد فعاد راجعاً حتى وصل النهروان فأقام الخليفة هناك ووجه طغرلبك مضارب في الحال وفروشاً برسم الخليفة ثم خرج لتلقيه بنفسه وحصل الخليفة في داره ونهض طغرلبك في عسكر نحو الفساسيري وهو بسقي الفرات فحاربه إلى أن أظفره الله به وقتله وحمل رأسه إلى بغداد وطيف به فيها وعلق بإزاء دار الخلافة

стр. 175

سنة إحدى وخمسين وأربعمائة في هذه السنة كان هلاك أرسلان الفساسيري وعود الخليفة القائم بأمر الله أمير المؤمنين إلى داره على ما تقدم شرحه من أمره. وفيها أيضاً كان ظفر السلطان طغرلبك أخيه إبراهيم ينال على باب همذان سنة اثنتين وخمسين وأربعمائة فيها وصل الأمير المقدم تمام الدولة قوام الملك ذو الرئاستين سبكتكين المستنصري إلى دمشق وبقي فيها غير وال عليها إلى أن وصل القائد موفق الدولة جوهر الصقلبي من مصر في يوم الأربعاء الثاني من ذي الحجة سنة ٤٥٢ ومعه الخلع وسجل الولاية لدمشق بألقابه والدعاء له سلمه الله ووفقه والناظر في الأعمال وحفظ الأموال سديد الدولة أبو عبد الله محمد بن حسن الماشكي على ما كان عليه سبكتكين والياً على دمشق إلى أن توفى بها في ليلة الاثنين الثالث والعشرين من شهر ربيع الأول سنة ٤٥٣ فكانت ولايته ثلاثة شهور وسبعة عشر يوماً وفي هذه السنة نزل الأمير محمود بن شبل الدولة بن صالح بن مرداس على حلب محاصراً لها ومضيقاً عليها وطامعاً في تملكها ومعه منيع بن سيف الدولة فأقام عليها مدة فلم يتسهل له فيها أرب ولا تيسر طلب فرحل عنها ثم حشد بعد مدة وجمع وعاد منازلاً لها ومضايقاً لأهلها ومراسلاً لهم وتكررت المراسلات منهم إلى أن تسهل أمرها وتيسر خطبها فتسلمها

стр. 176

في يوم الاثنين من جمادى الآخرة وضايق القلعة إلى أن عرف وصول الأمير ناصر الدولة بن حمدان في العساكر المصرية لانجادها فخرج منها في رجب سنة ٢ ونهب حلب بعسكر ناصر الدولة واتفقت وقعة الفنيدق المشهورة وانفلال ناصر الدولة وعوده إلى مصر منهزماً مخذولاً فعاد محمود بجمعه إلى حلب وحصل بها وقتل عمه معز الدولة واستقام أمره فيها. وفي هذه السنة قصد الأمير عطية فيمن جمعه وحشده مدينة الرحبة ولم يزل نازلاً عليها ومضايقاً لأهلها ومراسلاً لهم إلى أن تسهل الأمر فيها وسلمت إليه وحصل بها في صفر من السنة

стр. 177

سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة في هذه السنة وصل الأمير حسام الدولة ابن البجناكي إلى دمشق والياً عليها في يوم الجمعة الثاني والعشرين من جمادى الأولى منها ونزل في المزة وأقام مدة وورد الكتاب بعزله فانصرف عن الولاية وتوجه نحو حلب في شهر رمضان من السنة ثم وصل بعد ذلك عدة الدين والدولة ابن ناصر الدولة بن حمدان إلى دمشق والياً عليها في يوم الجمعة الثامن عشر من رمضان من السنة وحصل بها وقرئ سجل ولايته وأمر فيها ونهى. وفي هذه السنة استقر الصلح والموادعة بين معز الدولة صاحب حلب وابن أخيه محمود بن شبل الدولة. وفيها ندب أبو محمد بن سعيد بن سنان الخفاجي الشاعر للمسير من حلب إلى القسطنطينية رسولاً في المحرم منها. وفيها توفى الأمير معز الدولة بحلب في يوم الجمعة لسبع بقين من ذي القعدة ودفن في المسجد بالقلعة وملكها أخوه عطية. وفي هذه السنة وصل الأمير المؤيد معتز الدولة حيدرة بن عضب الدولة إلى دمشق والياً عليها دفعةً ثانيةً بعد أولى في يوم الاثنين الثامن عشر من ذي القعدة منها ونزل في أرض المزة وفي هذا اليوم سار عدة الدولة بن حمدان عن الولاية منصرفاً إلى مصر وأقام المؤيد بها في الولاية ما أقام وانصرف عنها معزولاً في شهر ربيع الآخر سنة ٤٥٥

стр. 178

سنة أربع وخمسين وأربعمائة في المحرم منها قلد الأمير مكين الدولة طبرية وثغر عكاء من قبل امام المستنصر بالله وأمر على جماعة بني سليم وبني فزارة. وفيها توفي القاضي الشريف مستخص الدولة أبو الحسين ابرهيم بن العباس بن الحسن الحسيني بدمشق يوم السبت التاسع والعشرين من شعبان ﵀. وفيها وردت الأخبار من ناحية العراق بوفاة السلطان طغرلبك وقيام ولده كذا البارسلان في المملكة بعده في مدينة الري

стр. 179

سنة خمس وخمسين وأربعمائة وفيها ولاية أمير الجيوش بدر لدمشق وصل الأمير تاج الأمراء المظفر مقدم الجيوش شرف الملك عدة الامام ثقة الدولة بدر إلى دمشق والياً عليها في يوم الأربعاء الثالث والعشرين من شهر ربيع الآخر من السنة ونزل بأرض المزة ومعه الشريف القاضي ثقة الدولة ذو الجلالين أبو الحسن يحيى بن زيد الحسيني الزيدي ناظراً في الأعمال ونفقات الأموال وأقام بها مدة مدبراً لها وآمراً وناهياً فيها ثم حدث من أمره بها والخلف الجاري بينه وبين عسكريتها ورعيتها ووقعت بينهما محاربات عرف معها عجزه عن المقام بينهم والثبات معهم وخاف على نفسه منهم فسار عنها كالهارب منها في ليلة الثلاثاء لأربع عشرة ليلة خلت من رجب سنة ٥٦. وفي هذه السنة نزل الأمير محمود بن شبل الدولة بن صالح على حلب وحصر عمه عطية فيها في النصف من شعبان وقتل منيع بن كامل بحجر المنجنيق ولم يتمكن من عرضه فيها ولا تسهل له أرب منها فرحل عنها

стр. 180

سنة ست وخمسين وأربعمائة وفيها ولاية الأمير حيدرة بن منزو لما انصرف أمير الجيوش بدر عن ولاية دمشق هارباً ندب لولايتها الأمير حصن الدولة حيدرة بن منزو بن النعمان والياً عليها ووصل إليها في شهر رمضان من السنة وأقام بها وأمر ونهى على عادة أمثاله من الولاة لها. ثم اقتضى الرأي المستنصري صرفه عنها لشهاب الدولة دري المستنصري ووصل إليها وتولى الولاية فيها. وفي هذه السنة عاد محمود بن شبل الدولة بن صالح إلى حلب مضايقاً لها ولعطية عمه فاستصرخ بالأمير ابن خان التركي فأنجده عليه فلما أحس بوصوله رحل عنها منهزماً ثم خاف عطية من الأمير ابن خان فأمر أحداث حلب بنهب عسكره فنهبوه. ورحل ابن خان منهزماً وأنفذ إلى الأمير محمود يعتذر إليه من المساعدة عليه وتوجه معه إلى طرابلس وعاد معه إلى حلب لحصرها في هذه السنة. وفيها وصل الأمير شهاب الدولة دري المستنصري إلى دمشق والياً في العشر الأخير من ذي القعدة من السنة ثم تجدد الرأي في صرفه فانصرف وتوجه إلى الرملة لأن سجل ولايته لها ورد عليه وأقام بها آمراً وناهياً إلى أن قتل بها في شهر ربيع الآخر سنة ٤٦٠ وأقامت دمشق خالية من الولاة إلى أن وصل إليها أمير الجيوش بدر والياً عليها دفعةً ثانيةً في سنة ٤٥٨
следующие страницы →