← История

История · id 22799

تاريخ دمشق لابن القلانسي

ابن القلانسي

Полный текст (573 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

فأخذه إليه وأدخله عليه وحملوه إلى خيمة وقالوا له: مد رجلك. فقال: ما أفعل أنا جئتكم بأمان. فأخرج الحاجب الدبوس فضربه به فمد رجله فقيد وحمل إلى مصر فعفي عنه لما جاءهم في الأمان. وكان قسام هذا أصله من قرية بجبل سنير يقال لها تلفيتا من قوم يقال لهم الحارثون بطن من العرب نشأ بدمشق وكان يعمل في التراب ثم انه صحب رجلاً يقال له ابن الجسطار من مقدمي الأحداث وحملة السلاح وطالبي الشر فصار من حزبه وتزايد أمره إلى ما انتهى إليهن

стр. 72

قسام هذا أصله من قرية بجبل سنير يقال لها تلفيتا من قوم يقال لهم الحارثون بطن من العرب نشأ بدمشق وكان يعمل في التراب ثم انه صحب رجلاً يقال له ابن الجسطار من مقدمي الأحداث وحملة السلاح وطالبي الشر فصار من حزبه وتزايد أمره إلى ما انتهى إليه ولاية بكجور لدمشق والسبب في ذلك في سنة ٣٧٢ كان من ابتداء أمر بكجور ما ذكر انه كان غلاماً مملوكاً لفرغويه أحد غلمان سيف الدولة بن حمدان صاحب حلب وكان فرغويه قد غلب على أمر حلب بعد وفاة سيف الدولة ومنع ولده سعد الدولة أبا المعالي منها ودفعه عنها فسار أبو المعالي إلى حماة ورفنية وكان ينزل مهماً في عسكره. وكانت الروم قد خربت حمصاً وأعمالها ونزل رقتاش التركي غلام سيف الدولة من حصن برزويه فلقي مولاه أبا المعالي وسار معه ونزل على حمص وشرع في عمارتها ولم شعثها لأن الروم لما ملكتها أفسدت أعمالها في النوبة الأولى عند خروجهم في سنة ٣٥٨ على غفلة من أهلها وغرة ممن بها واجتهد رقتاش في عمارتها وتحصينها وأبو المعالي يقوي أمره بها ويشد شوكته فيها. وكان فرغويه قد استناب بكجور في حلب فلما قوي أمره قبض على مولاه وحبسه في قلعة حلب وملك البلد وأقام تقدير ست سنين. وكوتب أبو المعالي من حلب وأطمع في

стр. 73

تملك البلد في رجال فرغويه وأن يكونوا عوناً له على أمره فجمع بني كلاب ومن أمكنه ونهض صوب حلب ونزل على معرة النعمان فملكها وأخذ منها غلاماً كان غلب عليها يقال له زهير فقتله وسار عنها فنزل حلب سنة ٣٦٦ فأقام عليها تقدير أربعة أشهر ثم تسهل له فتحها بحيلة عملها وتحصن بكجور في القلعة فراسله أبو المعالي فطلب منه الأمان فأمنه فقال بكجور: أريد يتوسط بيني وبينك وجوه البلد من بني كلاب. فأجابه إلى ذلك فتوسطوا الأمر بينهما وأخذوا له العهد والميثاق والأمان على نفسه وولده وماله وانه لا يغدر به ويوليه حمصاً على انه ينحدر من القلعة ويسلمها ولا يأخذ منها شيئاً إلا ما لا بد منه فأجابه إلى ذلك فولاه حمصاً لما نزل من القلعة وسلمها ووفى له بكل ما عاهده عليه. وسار بكجور إلى حمص في السنة المذكورة وصرف همه إلى عمارتها وكان أمره كل يوم فيها إلى الزيادة بعد الدخول غليها في الضعف. واتفق له إن أعمال دمشق من حوران والبثنية قد اختلت وخربت على ما تقدم ذكره من قلة القوت بها وغلاء السعر فيها وجلا منها خلق كثير إلى حمص فعمر البلد وكثر الناس عنده. وكان في بكجور خور وكان مجتهداً في العمارة وأمن السبل والطرق فلما انقطعت الغلات عن دمشق ومات بها كثير من الناس جوعاً من أهل حوران والبثنية ورغب الناس جالبون منها في حمل الغلة إلى دمشق مكنهم من ذلك وحمى لهم الطرق في ترددهم بادين وعائدين فحسن حال حمص وكثر السفر إليها ومنها. وكانت العرب قد طمعت في أعمال دمشق وكان واليها القائد أبو محمود بن جعفر في ضعف وقسام غالب عليه واتفق وفاة أبي محمود إبراهيم بن جعفر المذكور بدمشق في صفر سنة ٣٧٠ وكان بكجور قد ضمن أعمال المغاربة على ما تقدم ذكره وحماها من العرب

стр. 74

وحسنت حال دمشق بحمل الغلات إليها في تلك الشدة. وكان بكجور يكاتب العزيز بالله بمصر وورد الجواب عليه بأن تصير إلى بابنا لنوليك دمشق وكان العزيز قد رغب في الجند الذين يعملون السلاح مثل الناشب والرامح وجمع الجمع الكثير وأخرجهم إلى حرب الفتكين وجرى من أمره ما ذكر في موضعه. فلما كان في سنة ٣٧٢ وقعت الوحشة بين سعد الدولة أبي المعالي بن سيف الدولة بن حمدان صاحب حلب وبين بكجور وراسله بأن يخرج من بلده فكتب بكجور إلى العزيز يسأله انجاز الوعد بولاية دمشق ودعت الحاجة إلى عود القائد بكجور مقدم العسكر المصري بحكم اعتزام المغاربة على الوثوب بالوزير ابن كلس وقتله وقادت الضرورة العزيز إلى أن ولي بكجور دمشق وكتب إلى بلتكين ومنشا كاتب الجيش بأن يسلم البلد إلى بكجور ويرحل عنه. وقد كان كتب أيضاً كتاباً إلى العزيز إن إن أنفذ إلي عسكراً لآخذ لك حلب وأطمعه في ذلك فأنفذ إليه بعض عسكر دمشق فسار بهم ونزل على حلب وحصرها مدة يسيرة. فظهر دمستق الروم بارديس ونزل على أنطاكية وعزم على كبس بكجور على حلب فكتب إليه ابن جراح يحذره فرحل عن حلب وتبعه عسكر الروم في أثره وتم بكجور ونزل على حمص وحمل ما كان له إلى بعلبك ونزل في جوسية في جمع عظيم ونزل ملك الروم ميماس حمص ولم يعرض للبلد ودخل المدينة وشاهد الكنيسة ورحل عنها متوجهاً إلى البقيعة يريد طرابلس.

стр. 75

وأنفذ إلى أهل حمص رسولاً يقول لهم: نريد مالاً يحمل إلينا. فقالوا: هذا بلد خراب ليس فيه مال. فرجع ونزل عليها وقال لأهلها: من خرج من البلد فهو آمن. فخرج قوم وأقام قوم فدخل عسكره فنهب وسبى وأحرق الجامع ومواضع من البلد وتحصن قوم بالمغاير فأوقد عليهم فأهلكهم الدخان ولم يعرض للعرب ولا لمن هرب إليها وكان دخول الروم إلى حمص يوم الثلاثاء التاسع عشر من جمادى الأول سنة ٣٧٣ وهي النوبة الثانية للروم وقيل إن أبا المعالي بن سيف الدولة خاف من أخذ بكجور حلب بالمغاربة فأنفذ إلى ملك الروم يسأله اخراب حمص. ورجع أكثر من كان مع بكجور من عسكر دمشق أصحاب القائد بلتكين وبقي بكجور وأصحابه منتظراً أن يرحل بلتكين عن دمشق ويسير إليها. وكان السبب في تأخر ولاية دمشق إن الوزير ابن كلس كتب إلى بلتكين أن لا يسلم دمشق إلى بكجور وعرف العزيز ذاك وكتب يذكر بأمره وانجاز وعده فسأل العزيز عن تأخر الأمر في ذلك فقال له الوزير: الصواب أن لا يلي بكجور دمشق ويعصى فيها. قال: نحن استدعيناه لذلك ووعدناه به. فقال: قد كان ذاك والحزم أن لا يولي. فقال له: لا بد من ذلك. فكتب الوزير إلى منشا بن الفرار كاتب الجيش: واقف بكجور على ما يأخذ من المال له ولرجاله وسلم ولاية دمشق إليه. فسلم بلتكين البلد إليه وعاد متوجهاً إلى مصر في يوم الأحد مستهل رجب سنة ٣٧٢ وكانت ولاية بلتكين دمشق خمسة شهور ودخل بكجور البلد والياً في يوم السبت سابع رجب من السنة وقد عرف إن الذي أخر الولاية الوزير بن كلس فحقد بكجور عليه. وكان لابن كلس نائب في عمله وضياعه يقال له ابن أبي العود يهودي وكان يكتب إليه بأخبار البلد فقال بكجور: هذا عين علي. وتقدم بقتله

стр. 76

فقتل فلما بلغ ذلك الوزير عظم عليه واغتم له وأعلم الوزير العزيز وقال: هذا مبدأ عصيان بكجور وقد تمكن من البلد وجاء معه ابن جراح وهو عدو. فلما كان في سنة ٧٧ عزم الوزير على العمل على قتل بكجور فأنفذ إلى غلام نصراني عطار يعرف بابن أخي الكويس من أهل دمشق إن احتل على قتل بكجور ولم يكن النصراني من أهل ذاك فقال: لا يتم هذا الأمر إلا برجل من الجند من أصحابه يعين على هذا الأمر. فكتب رقعةً بما يريد إلى بعض أصحاب بكجور، فلما وصلت الرقعة إليه ونظر ما فيها فظن إن بكجور دسها إليه ليبلوه بها فأوصل الرقعة إلى بكجور فوقف عليها وقال: أريد من جاءك بها. فقال: إنما أوصلتها إليك لأبرأ من أمرها ولا أكتمها عنك. فلم يقبل قوله ولج في طلبه وقال له: إن الذي أوصل الرقعة أجيراً لابن أخي الكويس العطار. فوجه قبض عليه وعلى الأجير ووضع العقوبة على العطار وقال: أريد الصبي. وقبض على قوم كانوا يعاشرون العطار فكحلهم ونفاهم وكان فيهم ثلاثة من أهل العلم والفضل يقال لأحدهم ابن الخطاب والآخر الخلادي والثالث المستولي وأخرج ابن الكويس بعد ما صفي ومعه رجلان من المتهمين فصلبوا أقبح صلب وماتوا في غد ذلك اليوم في رمضان سنة ٧٧ وبلغ الخبر الوزير ابن كلس فعظم عليه وازداد حنقاً وأعلم العزيز ذاك واتفق أن يخرج إليه عسكر ومعه جراح وشرع بكجور في أذية الناس من أصحاب الوزير في ضياعه وجار في البلد جوراً عظيماً ولم يخل من القتل والصلب والفتك. فجرد إليه في سنة ٧٨ القائد منير الخادم في عسكر كثيف وأصدرت

стр. 77

الكتب إلى ولاة الأعمال بالمسير معه ولما عرف بكجور ذلك أنفذ إلى العرب وجمع وحشد واستقبل العسكر فالتقيا وصدقوا القتال وكثر في بني كلاب الطعن والجراح وبشارة ومنير المقدمان قائمان في أصحابهما عليهما الحديد فحملوا جميعاً على الكلبين فهزموهم والجؤهم إلى حيطان داريا فرجعوا ومن معهم من أصحاب بكجور خاسرين مفلولين. فخاف بكجور على نفسه أن يؤخذ فراسلهم بأنه يسلم البلد ويرحل عنه وقد كان كوتب القائد نزال والي طرابلس بالمسير والنزول على دمشق وكان عسكره ستة ألف فسار فلما عرف بكجور انفصاله قلق وخاف وذل وراسل منشا بن الفرار الكاتب باني عازم على المسير من هذا البلد وأريد أن أكون على عهد وأمان ولا أتبع بمضرة فأجيب إلى ما التمس وجمع ماله وسلاحه وخاف من الرجعة والحيلة أن يقع عليه من البلد وأخفى أمره وستر مسيره فلما كان في يوم الثلاثاء نصف رجب سنة ٣٨٨ سار خائفاً وجلاً نحو الشرق وأخذ مع الجبل وسار معه ابن الجراح إلى حصن حوارين فأخذ ما كان له وأخفى أمره. فلما عرف خبره نهض في أثره القايد منير من غد ونزل على البلد ففرح الناس به وتوجه بكجور إلى الرقة وتخلف بدمشق من أصحابه تقدير ثلاث مائة رجل فصاحوا عزيز يا منصور فأمنوا. ولما نزل منير القائد على دمشق أصبح القائد نزال نازلاً معه في يوم الخميس فلامه الناس على ما اعتمده من التثاقل ونفذت المطالعات إلى مصر

стр. 78

بشرح الحال فأنكر الوزير ابن كلس فعل منشا وإهماله بكجور حتى نجا وأشخصه إلى مصر مع المستأمنة من أصحاب بكجور وقال له: خليت بكجور خوفاً على نفسك أما كان معه عسكر فيه كفاية. فقال: لم يكن غير ما فعلته لأن نزالاً تأخر عنا وتثاقل وكان بكجور في قوة وكثرة من العرب وغيرهم وهم أصحاب دروع وجواشن وخيل سبق. فلم يقبل عذره وعزله من تدبير العسكر. وكان ابن كلس يخاف من بكجور أن تكون له عودة إلى ولاية دمشق فيتمكن من دمشق فأنفذ رسولاً إليه يقول له: ما أردنا رحيلك عن البلد وإنما انفاذنا العسكر لابعاد ابن الجراح لفساده وعناده وما كان من ضياع وغلات فلك افعل فيها ما أحببت فما لنا فيه حجة. فحمل بكجور ما كان له بدمشق وأقام بالرقة منقطعاً ليس له سلطان يستند إليه وكان بالرقة يراسل كردياً يقال له باد قد غلب على ميافارقين ويراسل أبا العالي بن سيف الدولة بحلب أن يرده إلى العمل الذي كان في يده من حمص. فلما كان في سنة ٣٧٩ خرج عسكر صاحب بغداد إلى باد الكردي المقدم ذكره لغلبته على الموصل وديار ربيعة فكسر وانهزم عسكره وأصحابه وعرف بكجور ذلك فخاف من عسكر بغداد فراسل سعد الدولة أبا المعالي يسئله تولية حمص فأجابه إلى ذلك. وكان ابن كلس يسأل عن أخباره بالرقة خوفاً منه فلما عرف الوزير ذلك قال: يجاورنا بكجور في حمص فطمع في الديار. فأرسل إلى غلام له يقال له ناصح الطباخ بأن يسير إلى حمص فيأخذ من بها من أصحاب

стр. 79

بكجور فسرى في البرية فلم يشعر به حتى أتاهم فكان أبو المعالي صاحب حلب قد علم بالسرية فأنفذ إليهم من حذرهم واتفق لهم أنهم حملوا وخرجوا من حمص هاربين فلما حصلوا بأحمالهم بظاهر البلد أدركتهم السرية فأخذتهم ورجعت إلى دمشق. وفسد أمر بكجور مع المغاربة ومع أبي المعالي فراسل صاحب بغداد فلم ير له عنده ما يحب وكان الوزير ابن كلس مضرب بينهما ويطمع كل واحد منهما في صاحبه. وكان الوزير ابن كلس يهودياً من أهل بغداد خبيثاً ذا مكر وحيلة ودهاء وذكاء وفطنة وكان في قديم أمره خرج إلى الشام فنزل بالرملة فجلس وكيلاً للتجار فلما اجتمعت الأموال التي للتجار كسرها وهرب إلى مصر في أيام كافور الاخشيدي صاحب مصر فتاجره وحمل إليه متاعاً كثيراً ويحال بماله على ضياع مصر وكان إذا دخل ضيعةً عرف غلتها وارتفاعها وظاهر أمرها وباطنها وكان ماهراً في اشغاله لا يسئل عن شيء من أمورها إلا أخبر به عن صحة فكبرت حاله وخبر كافور بخبره وما فيه من الفطنة والسياسة فقال: لو كان هذا مسلماً لصلح أن يكون وزيراً. فبلغه ما قال كافور فطمع في الوزارة فدخل جامع مصر في يوم الجمعة وقال: أنا أسلم على يد كافور. فبلغ الوزير ابن حنزابة وزير كافور ما هو عليه وما طمع فيه فقصده وخاف منه فهرب إلى المغرب وقصد يهوداً كانوا هناك مع أبي تميم المعز لدين الله أصحاب أمره فصارت له عندهم حرمة فلم يزل معهم إلى أن أخذ المعز مصر فسار معه إليها فلما توفي المعز وأصحابه اليهود وولي العزيز بالله استوزره في سنة ٣٦٥ وكان هذا الوزير أبو الفرج يعقوب بن يوسف بن كلس كبير الهمة قوي النفس والمنة عظيم الهيبة فاستولى على أمر العزيز وقام به استصحه فعول عليه وفوض أمره إليه وكانت أموره مستقيمة بتدبيره فلما اعتل علة لوفاة ركب إليه العزيز عائداً فشاهده على حال اليأس فغمه أمره وقال له: وددت بأنك

стр. 80

تباع فابتاعك بملكي أو تفتدى وأفديك بولدي فهل من حاجة توصي بها يا يعقوب؟ فبكى وقبل يده وتركها على عينه وقال: أما ما يخصني يا أمير المؤمنين فلا أنصح لك فيما يتعلق بدولتك. قال: قل يا يعقوب فقولك مسموع ورأيك مقبول. قال: سالم يا أمير المؤمنين الروم ما سالموك واقنع من الحمدانية بالدعوة والسكة ولا تبق على المفرج بن دغفل بن الجراح متى عرضت لك فيه فرصة. وتوفي في ذي الحجة سنة ٣٨٠ فأمر العزيز أن يدفن في داره بالقاهرة في قبة كان بناها لنفسه وحضر جنازته وصلى عليه والحده بيده في قبره وانصرف عنه حزيناً بفقده وأغلق الدواوين وعطل العمال أياماً واستوزر أبا عبد الله الموصلي بعده مديدة ثم صرفه وقلد عيسى بن نسطورس وكان نصرانياً من أقباط مصر وفيه جلادة وكفاية فضبط الأمور وجمع الأموال ووفر كثيراً من الخراج ومال إلى النصارى فقلدهم الأعمال والدواوين واطرح الكتاب المتصرفين من المسلمين واستناب في الشام رجلاً يهودياً يعرف بمنشا بن ابرهيم بن الفرار فسلك مسلكه في التوفر على اليهود وعيسى مع النصارى مثله واستولى أهل هاتين الملتين على الدولة. فكتب رجل من أجلاد المسلمين رقعةً وسلمها إلى امرأة وبذل لها بذلاً على اعتراض العزيز ورفع الظلامة إليه وتسليمها إلى يده وكان مضمون الرقعة: يا أمير المؤمنين يا الذي عز النصارى بعيسى بن نسطورس واليهود بمنشا بن الفرار وأذل المسلمين بك ألا نظرت في أمري وكان العزيز على بغلة سريعة في المشي وإذا ركبها تدفقت كالموج ولم تلحق فوقفت له المرأة في ضيق فلما قاربها رمتها إليه فسارع الركابي إلى أخذ الرقعة على العادة وغاصت المرأة في الناس ووقف العزيز عليها وأمر بطلب المرأة فلم توجد وعاد إلى قصره منعم الفكر في أمره فاستدعى قاضي قضاته أبا عبد الله محمد بن النعمان وكان متقدماً عنده في خواصه وأهل أنسه فأعطاه الرقعة وقال له: قف عليها. فلما قرأها قال له: ما عندك في هذا الأمر. قال: مولانا أعرف بوجه الرأي والتدبير. فقال: صدقت كاتبتها تهيباً على ما كنا على غلط فيه وغفلة عنه. وتقدم في الحال بالقبض على عيسى بن نسطورس وسائر الكتاب النصارى وإنشاء الكتب إلى الشام بالقبض على منشا بن الفرار والمتصرفين من اليهود وأن ترد الأعمال في الدواوين إلى الكتاب المسلمين ويعول في الأشراف عليهم على القضاة في البلاد. ثم أن عيسى طرح نفسه على ست الملك بنت العزيز وكان يحبها حباً شديداً ولا يرد لها قولاً واستشفع بها في الصفح عنه وتجديد الاصطناع له وحمل إلى الخزانة ثلاثمائة ألف دينار وكتب إلى العزيز رقعةً يذكر فيها بخدمته وحرمته ورضي عنه وأعاده إلى ما كان عليه وشرط عليه استخدام المسلمين في دواوينه وأعمالهلدهم الأعمال والدواوين واطرح الكتاب المتصرفين من المسلمين واستناب في الشام رجلاً يهودياً يعرف بمنشا بن ابرهيم بن الفرار فسلك مسلكه في التوفر على اليهود وعيسى مع النصارى مثله واستولى أهل هاتين الملتين على الدولة. فكتب رجل من أجلاد المسلمين رقعةً وسلمها إلى امرأة وبذل لها بذلاً على اعتراض العزيز ورفع الظلامة إليه وتسليمها إلى يده وكان مضمون الرقعة: يا أمير المؤمنين يا الذي عز النصارى بعيسى بن نسطورس واليهود بمنشا بن الفرار وأذل المسلمين بك ألا نظرت في أمري وكان العزيز على بغلة سريعة في المشي وإذا ركبها تدفقت كالموج

стр. 81

ولم تلحق فوقفت له المرأة في ضيق فلما قاربها رمتها إليه فسارع الركابي إلى أخذ الرقعة على العادة وغاصت المرأة في الناس ووقف العزيز عليها وأمر بطلب المرأة فلم توجد وعاد إلى قصره منعم الفكر في أمره فاستدعى قاضي قضاته أبا عبد الله محمد بن النعمان وكان متقدماً عنده في خواصه وأهل أنسه فأعطاه الرقعة وقال له: قف عليها. فلما قرأها قال له: ما عندك في هذا الأمر. قال: مولانا أعرف بوجه الرأي والتدبير. فقال: صدقت كاتبتها تهيباً على ما كنا على غلط فيه وغفلة عنه. وتقدم في الحال بالقبض على عيسى بن نسطورس وسائر الكتاب النصارى وإنشاء الكتب إلى الشام بالقبض على منشا بن الفرار والمتصرفين من اليهود وأن ترد الأعمال في الدواوين إلى الكتاب المسلمين ويعول في الأشراف عليهم على القضاة في البلاد. ثم أن عيسى طرح نفسه على ست الملك بنت العزيز وكان يحبها حباً شديداً ولا يرد لها قولاً واستشفع بها في الصفح عنه وتجديد الاصطناع له وحمل إلى الخزانة ثلاثمائة ألف دينار وكتب إلى العزيز رقعةً يذكر فيها بخدمته وحرمته ورضي عنه وأعاده إلى ما كان عليه وشرط عليه استخدام المسلمين في دواوينه وأعماله

стр. 82

سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة كان بكجور قد خاف من عيسى بن نسطورس الوزير المقدم ذكره أن يعمل عليه لأسباب تقدمت بينه وبينه أوجبت ذاك فكتب إلى العزيز يذكر له جلالة حلب وكثرة ارتفاعها وأنها دهليز العراق وإذا حصلت له كان ما بعدها في يده وإن العسكر الذي بها قد كاتبه وبذل الطاعة له والمساعدة ويستدعي منه الانجاز والمعونة فأجابه بكل ما أراد وكتب إلى نزال والي طرابلس بالمسير إليه متى استدعاه من غير استئذان ولا معاودة استيمار وكان نزال هذا من وجوه قواده وصنائع عيسى الوزير وخواصه فكتب إليه عيسى سراً بأن يتقاعد ببكجور وتظهر له المساعدة والمسارعة ويستعمل معه التعليل والمدافعة فإذا تورط مع مولاه وقاربه تأخر عنه وأسلمه فلم يشك بكجور في مسير نزال إليه وسار عن الرقة وكتب إلى نزال بأن يسير من طرابلس ليكون وصولهما إلى ظاهر حلب في وقت واحد فأجابه نزال ووعده. ونزل بكجور على بالس وفيها غلمان سعد الدولة أبي المعالي صاحب حلب وعدة من الديلم فقاتلهم وقاتلوه ورحل بكجور وتباطأ نزال في مسيره وواصل مكاتبة بكجور في منزل بعد منزل وقرب الأمر عليه في وصوله إليه وأقام بكجور على بالس خمسة أيام فلما لم يجد فيها مغمزاً فارقها وطلب حلب. وكان أبو المعالي كاتب بسيل عظيم الروم وأعلمه عصيان بكجور عليه

стр. 83

وسأله مكاتبة البرجي صاحب بأنطاكية بالمسير إليه متى دعته حاجة إلى إنجاده ومعرفته فكاتب عظيم الروم بذاك وأكد القول عليه فلما وافى بكجور كاتب سعد الدولة البرجي فرحل ونزل مرج داق وهو على فرسخين من حلب ووصل بكجور إلى النقرة ونزل في ناحية تعرف بالناعورة وامتد عسكره إلى تل أعرن ومنها إلى حلب أربعة فراسخ وبرز سعد الدولة في غلمانه وأصحابه فكانوا ستة آلاف رجل من الروم والأرمن والديلم والأتراك ولم يكن معه من عسكر العرب إلا عمرو بن كلاب وعدتهم خمسمائة رجل إلا أنهم أولوا باس وقوة ومن سواهم من بطون العرب بني كلاب مع بكجور بعد أن حصل حرمه وأولاده في القلعة بحلب. ولما برز وسار عسكره وكان لؤلؤ الجراحي الكبير يحجبه أعجبه ما رأى من عدته وعدته فنزل إلى الأرض وصلى وعفر ودعا الله بنصره وإدالته من بكجور وغدره وفعل أصحابه مثل فعله واجتمعوا إليه وقالوا له: نفوسنا بين يديك والله لنبذلنها في طاعتك والمدافعة عنك. فشكرهم وقال لهم: أنتم الأولاد والعدة وهذه الدولة لكم وأنا فيها واحد منكم. واستدعى كاتبه المعروف بالمصيصي وأمره أن يكتب إلى بكجور يستعطفه ويذكره الله ويخوفه ويبل له أن يقطعه من باب حمص إلى الرقة ويدعوه إلى الكف والموادعة ورعاية حق الرق والعبودية ويعلمه أنه متوقف عن حربه ولقائه إلى أن يعود إليه من جوابه ما يعول عليه. وسار فنزل بالموضع المعروف بالنيرب على ميل من حلب وعسكر الروم بازائه ووافى رسول سعد الدولة إلى بكجور فأوصل إليه الكتاب فلما وقف عليه قال له: قل له الجواب ما تراه عياناً لا ما أرسل إليك كتاباً. فعاد الرسول وأعاد على سعد الدولة قوله وأعمله أنه ساير على أثره. فتقدم سعد الدولة إلى الموضع المعروف بدير الزبيب وقدم على مقدمته شجعان غلمانه وأنجادهم من عمرو بن كلاب الذين قدمنا ذكرهم وقد جعل بكجور على مقدمته بارخ

стр. 84

ورشيقاً غلاميه في مائة غلام ووقع التطارد وكان الفارس من أصحاب سعد الدولة إذا عاد إليه وطعن وجرح خلع عليه وأحسن إليه وكان بكجور بضد ذلك بخلاً وإذا عاد إليه رجل على هذه الحال أمر بأن يكتب اسمه لينظر مستأنفاً في أمره. وقد كان سعد الدولة كاتب العرب الذين مع بكجور وأمنهم وأرغبهم ووعدهم الاقطاعات الكثيرة والعطايا الفاضلة الفائضة وألا يؤاخذوهم بالانحياز إلى بكجور والحصول معه فلما حصلت أماناته وتوقيعاته في أيديهم عطفوا على سواد بكجور فنهبوه وانصرفوا عنه واستأمنوا إلى سعد الدولة ونزلوا عليه وراى بكجور ما تم عليه من تقاعد نزال وغدر العرب وتأخر غلمان سعد الدولة الذين كانوا كاتبوه ووعدوه الانحياز إليه إذا عاينوه فاستدعى أبا الحسن كاتبه المعروف بابن المغربي وقال له: غررتني وأوهمتني أن العزيز يجئني ويعاونني وأن العرب تخلص لي وتناصحني وأن العرب توافيني ويستأمنوا إلي وما كان لشيء من ذلك حقيقة فما الرأي الآن فإن بازائنا عسكراً عظيماً لا طاقة لنا به. قال: صدقت أيها الأمير فيما قلته وواله ما أردت غشك ولا فارقت نصحك والصواب مع هذه الأسباب العارضة أن ترجع إلى الرقة وتكاتب العزيز بما عاملك به نزال وتعاود استنجاده فإنه ينجدك ويستظهر في أمرك. وكان في عسكر بكجور قائد من قواده يجري مجراه في التقدم يعرف بابن الخفاني فقال له وقد سمع ما جرى بينه وبين ابن المغربي فقال: ما عندك فيما قاله وأشار به؟ فقال له: هذا كاتبك يقول إذا جلس في دسته الأقلام تنكس الأعلام فإذا

стр. 85

حقت الحقائق أشار علينا بالهرب وإذا هربنا فأي وجه يبقى لنا عند الملوك وزوجة من يهرب اليوم طالق ليس إلا السيف فأما لنا وأما علينا. وسمع ابن المغربي ما قاله ابن الخفاني فخاف بكجور وقد كان واقف بدوياً من شيوخ بني كلاب يعرف بسلامة بن بريك على أن يحمله إلى الرقة متى كانت هزيمة وبذل له ألف دينار على ذلك فما استشعر من بكجور ملابسه تشعره سامه تسييره قبل الوقت الذي أعده له فأوصله إلى الرقة. وعمل بكجور على ما فيه من قوة النفس وفضل الشجاعة على أن يعمد إلى الموضع الذي فيه سعد الدولة من مصافه ويهجم عليه بنفسه ومن يقتحمه معه من صناديد غلمانه ويوقع به واعتقد أنه إذا فعل ذلك وكبس الموضع وانهزم الناس وملك فاختار من غلمانه من ارتضاه ووثق به بحسن البلاء منه وقال لهم: قد تورطنا من هذه الحرب ما عرفتموه وحلنا على شرف الهزيمة وذهاب النفوس وقد عزمت على كذا وكذا فإن ساعدتموني رجوت أن يكون الفتح على أيديكم والأثر لكم. فقالوا: نحن طوعك وما نرغب بنفوسنا عن نفسك. وبادر واحد ممن سمع الكلام منه إلى لؤلؤ الجراحي فاستأمن إليه واعلمه بالصورة فأسرع لؤلؤ إلى سعد الدولة وأخذ الراية من يده ووقف في موضعه وقال: تهب لي يا مولاي هذا المكان اليوم وتنتقل إلى مكاني عنه فإن بكجور أيس من نفسه وقد حدثها بأن يقصدك ويقع عليك ويوقع بك ويجعل ذلك طريقاً إلى فل عسكرك وقد عرفت ذلك من جهة لا أشك فيه

стр. 86

وسيفعل ولئن أفديك بنفسي وأكون وقايةً لك ولدولتك أولى من التعريض بك. فانتقل سعد الدولة والعماية في ظهره والراية في يده وجال بكجور في أربعمائة فارس من الغلمان عليهم الكذاغندات والخوذ وبأيديهم السيوف واللتوت وعلى خيلهم التجافيف وحمل في عقب جولته حملةً أفرجت له بها العساكر ولم يزل يضرب بالسيف حتى وافى إلى لؤلؤ فضربه على الخوذة في رأسه ووقع لؤلؤ إلى الأرض وحمل العساكر على بكجور وبادر سعد الدولة إلى مكانه مظهراً نفسه لغلمانه فلما رأوه قويت نفوسهم وثبتت أقدامهم واشتدوا في القتال حتى استفرغ بكجور جهده ووسعه ولم يبق له قدرة ولا حيلة انهزم في سبعة نفر من غلمانه صوب حلب واستولى القتل والأسر على أصحابه وتم الهزيمة. وقد رمى عن نفسه جوشنه وعن فرسه تجافيفه وقد فعل من كان معه مثل فعله وكان الفرس الذي تحته من الخيول التي أعدها لمثل ما حصل فيه وثمنه عليه ألف دينار وأوفى إلى رحاً تعرف بالقيريمي على فرسخ من حلب مقابلي قنسرين ولها ساقية تحمل إليها سعتها قدر ذراعين في سمك ذراع فحمل الفرس على أن يعبرها خوضاً ووثباً فلم يكن فيه واجهده ووقف به وناداه غلمانه أن الخيل قد أدركتنا ولحقهم عشرة فوارس من العرب فأرجلوهم عن دوابهم وسلبوهم ثيابهم ولم يعرفوا بكجور وعادوا عنهم وبقي بكجور وغلمانه عراة فلجؤا إلى الرحا واستجاروا بصاحبها فأدخلهم إليها. وجاءت سرية أخرى من العرب تطلب النهب فظنوا أن مع الغلمان الذين في الرحا ما يغنمونه منهم فطالبوا صاحبها بتسليمهم فأعلمهم أنهم عراة فقالوا: إن شاهدناهم على ما ذكرت تركناهم وإلا أحرقنا الرحا.

стр. 87

ففتح الباب وأخرجهم إليهم فلما رأوا حالهم خلوا عنهم. ومضى بكجور وغلمان معه من غلمانه إلى براح فيه زرع حنطة فطرح نفسه وفيه ومر قوم من العرب فظنوا أن معهم ما يفوزون به فعدلوا إليهم وكان فيهم رجل من قطن يعرفه بكجور فقال له: أتعرفني؟ قال: لا. قال: اذمم لي حتى أعرفك نفسي. فأذم له. قال له: أنا بكجور فاصطنعني واحملني إلى الرقة فإنني أوقر بعيرك ذهباً وأعطيك كل ما تقترحه. قال: افعل. فأردفه وحمله إلى بيته وكساه قميصاً وفرواً وعمامةً. وكان سعد الدولة قد بث الخيل في طلب بكجور ونادى من أحضر بكجور فله مطلبه فلما حصل بكجور في بيت البدوي ساطنه به وطمع فيما كان سعد الدولة بذله فيه واستشار ابن عم له في أمره فقال له: هو رجل بخيل فربما غدر ولم يف بوعده والصواب أن تقصد سعد الدولة وتأخذ منه عاجلاً ما يعطيك. فركب البدوي إلى عسكر سعد الدولة وصاح نصيحة فأحضر إلى حضرته فقال له: ما نصيحتك؟ قال: ما جزاء من يسلم بكجوراً؟ قال: حكمه. قال: فهو عندي وأريد عنه مائتي فدان زراعة ومائة ألف درهم ومائة راحلة تحمل حنطة وخمسين قطعة ثياباً. قال سعد الدولة: وكل ذلك لك. قال: وثق لي منه. وعرف لؤلؤ الجراحي خبر البدوي فتحامل وهو مثخن بالضربة التي أصابته ومشى متوكياً على غلمانه حتى حضر بين يدي سعد الدولة فقال: يا مولاي ما يقول هذا؟ قال: يقول أن بكجور عنده وقد طلب ما أجبناه إليه وهو ماض لاحضاره. فقبض لؤلؤ على يد البدوي وقال له: ابن أهلك؟ قال: في المرج على فرسخ. فاستدعى جماعةً من الغلمان وقدم عليهم إقبالاً الشفيعي وأمرهم أن يرتقوا رؤوس الجبال حتى يوافوا الحلة ويقبضوا على بكجور ويحمله وهو قابض على يده والبدوي يستغيث بسعد الدولة ثم تقدم إلى سعد الدولة وقال: يا مولانا لا تنكر علي فعلي فإنه كان مني عن استظهار في خدمتك

стр. 88

ولو عاد هذا البدوي إلى أهله وأحس بكجور بما فيه لأعطاه الرغائب على تخليصه ولا تأمن أن يقبل ذاك منه والذي طلبه هذا البدوي مبذول له وما ضرنا الاحتياط في التمسك به إلى أن يوافينا فنعطيه حينئذ ونفي له بما وعدناه. فقال: أحسنت يا أبا محمد لله درك. ولم يمض ساعات حتى عادت النجب مبشرةً بحصول بكجور ووافى بعدها إقبال الشفيعي وهو معه فوقف به من وراء السرادق واستأذنه في إدخاله إليه وأنفذ سعد الدولة إلى لؤلؤ وقال له: ما رأيك في بكجور؟ قال: ضرب عنقه لوقته لو جاءت سناء الزينة الناس يعني أخت سعد الدولة واستوهبته منك فوهبته لها لكان لنا شغل محدد. فأمر سعد الدولة فرجاً العدلي فكان سيافه فضرب عنقه وعنق ابن الخفاني وكان قد حصل في الأسر وحملها إلى الموضع المعروف بحصن الناعورة فصلبهما بأرجلهما. وسار سعد الدولة إلى الرقة فنزل عليها وفيها سلامة الرشيقي وأبو الحسن المغربي وأولاد بكجور وحرمه وأمواله وأرسل سلامة بتسليم البلد فأجابه فإني عبدك وعبد عبدك إلا أن لبكجور علي عهوداً فمواثيق لا مخلص لي عند الله منها إلا بأجد أمرين أما أن تذم لأولاده على نفوسهم وأموالهم وتقتصر فيما تأخذه على الآت الحرب والعدد وتحلف لي ولهم على ذلك وأما أن أبلي عذراً عند الله فيما عقدته لبكجور فأجابه سعد الدولة إلى ما اشترطه وحلف له يميناً عملها أبو الحسن ابن المغربي. وكان سعد الدولة قد أباح دمه فهرب إلى الكوفة وأقام بمشهد أمير المؤمنين علي ﵇. ولما توثق سلامة سلم حصن الرافقة وخرج القوم ومعهم من المال والرحل الشيء الكثير وسعد الدولة يشاهدهم من وراء سرادقه وبين يديه ابن أبي حصين القاضي فقال له: ما ظننت

стр. 89

أن حال بكجور انتهت إلى ما أراه من هذه الأموال والأثقال. فقال له: أي شيء أعتقد الأمير في ذاك؟ قال له: وهل بقي في هذا الأمر موضع اعتقاد؟ قال له ابن أبي حصين: أن بكجور وأولاده مماليك وكل ما ملكوه فهو لك ولا حرج عليك فيما تأخذه منه ولا حنث في الأيمان التي حلفت بها ومهما كان فيها من وزر واثم فعلي دونك. فلما سمع هذا القول منه غدر بهم وتقدم بردهم والقبض عليهم وجميع ما معهم. وكتب أولاد بكجور إلى العزيز بما تم عليهم وعلى والدهم وسألوه مكاتبة سعد الدولة بالكف عنهم والابقاء عليهم فكتب إليه كتاباً يتوعده فيه ويأمره بإزالة الاعتراض عن المذكورين وتسييرهم إلى مصر موفورين ويقول له في اخره: أنك متى خالفتنا في ذلك واحتججت فيه كنا الخصوم لك وجهزنا العساكر إليك. وأنفذه مع فايق الصقلبي أحد خواصه وسيره على نجيب فوصل فايق إليه وقد عاد من الرقة وهو بظاهر حلب وأوصل إليه الكتاب فلما وقف عليه جمع وجوه قواده وغلمانه وقراه عليهم ثم قال لهم: ما الرأي عندكم فيه؟ قالوا نحن عبيدك وغلمانك ومهما أمرتنا به وندبتنا له كانت عندنا الطاعة والمناصحة فيه. وتقدم عند ذاك بإحضار الرسول فلما مثل بين يديه أمر بإعطائه الكتاب ولطمه حتى يأكله فقال له: أنا رسول وما عرف من الملوك معاملة الرسل بمثل ذلك وهذا الفعل ما لا يجوز. فقال له: لا بد أن تأكله. فلما مضغه قال له: عد إلى صاحبك وقل له: لست ممن تخفي أخبارك عنه وتمويهاتك عليه وما بك حاجة إلى تجهيز العساكر إلي فإنني ساير إليك ليكون اللقاء قريباً منك وخبري يأتيك من الرملة. وقدم سعد الدولة قطعة من عساكره أمامه إلى حمص. وعاد فايق إلى العزيز فعرفه ما سمعه وشاهده فأزعجه ذلك وبلغ منه وأقام سعد الدولة بظاهر حلب أياماً على أن يرتب أموره ويتلو من تقدمه من عسكره. فاتفق أن عرض له قولنج أشفى منه وكان له طبيبان عارفان أحدهما يعرف بالتفليسي والآخر يوانيس فأشارا عليه بدخول البلد وملازمة الحمام فامتنع عليهما وقال لهما: أنا بازآء وجه أريد قصده وإذا عدت وقع الارحاف بي وكان في العود طيرة علي. ثم زاد ما يجده فدخل فعالجاه فابل واستقل وكتب إلى أصحابه يذكر عافيته فأوصل الناس إليه حتى شاهدوا حاله وهنوه بالسلامة. وكان المستولي على أمره والمقدم عنده في رايه لؤلؤ الكبير الذي تقدم ذكره فلما كان في اليوم الثالث من أكله الفروج زين له البلد ليركب فيه من غد ويعود إلى العسكر فاتفق أن حضرت عند فراشه ليلة اليوم الذي عمل على الركوب فيه جارية تسمى انفراد وكان يتحظاها ويقدمها على سواها من سرياته وهن أربعمائة جارية فتتبعتها نفسه وواقعها فلما فرغ سقط عنها وقد جف نصفه وبادرت الجارية إلى أخته فأعلمتها صورته فدخلت إليه وهو يجود نفسه واستدعت طبيبيه فحضرا وشاهداه وتعرفا المسبب فيما لحقه فعرفاه وأشارا بشجر الند والعنبر حوله إلى أن ينيف قليلاً وتثوب قوته فلما كان ذلك عاد إليه وقال له التفليسي: أعطني أيها الأمير يدك لأخذ بجسك. فأعطاه اليسرى فقال. يا مولانا اليمين. فقال: يا تفليسي ما تركت لي اليمين يميناً. ومضت عليه ثلاث ليال قضى بعد أن قلد عهده أبا الفضائل ولده ووصى إلى لؤلؤ الكبير به وبأبي الهيجاء ولده الآخر وست الناس أخته وحمل تابوته إلى الرقة ودفن في المشهد ظاهرها. ونصب لؤلؤ ولده أبا الفضائل في الأمر وأخذ له البيعة على الجند بعد أبيه في شهر رمضان سنة ٣٨١. وتراجعت العساكر عند ذلك إلى حلب واستأمن منها إلى العزيز بالله رقي الصقلبي في ثلاثمائة غلام وبشارة الاخشيدي في أربعمائة غلام وقوم آخرون فقبلهم وأحسن إليهم وولي بشارة طبرية ورقي عكا ورباحا قيسارية. وقد كان أبو الحسن بن المغربي بعد حصوله في المشهد في الكوفة كاتب العزيز وصار بعد المكاتبة إلى حضرته فلما حدث لسعد الدولة حادث الوفاة عظم أمر حلب عنده وكبر في نفسه أحوالها وهون عليه حصولهاكره أمامه إلى حمص. وعاد فايق إلى العزيز فعرفه ما سمعه وشاهده فأزعجه ذلك وبلغ منه وأقام سعد الدولة بظاهر حلب أياماً على أن يرتب أموره ويتلو من تقدمه من عسكره. فاتفق أن عرض له قولنج أشفى منه وكان له طبيبان عارفان أحدهما

стр. 90

يعرف بالتفليسي والآخر يوانيس فأشارا عليه بدخول البلد وملازمة الحمام فامتنع عليهما وقال لهما: أنا بازآء وجه أريد قصده وإذا عدت وقع الارحاف بي وكان في العود طيرة علي. ثم زاد ما يجده فدخل فعالجاه فابل واستقل وكتب إلى أصحابه يذكر عافيته فأوصل الناس إليه حتى شاهدوا حاله وهنوه بالسلامة. وكان المستولي على أمره والمقدم عنده في رايه لؤلؤ الكبير الذي تقدم ذكره فلما كان في اليوم الثالث من أكله الفروج زين له البلد ليركب فيه من غد ويعود إلى العسكر فاتفق أن حضرت عند فراشه ليلة اليوم الذي عمل على الركوب فيه جارية تسمى انفراد وكان يتحظاها ويقدمها على سواها من سرياته وهن أربعمائة جارية فتتبعتها نفسه وواقعها فلما فرغ سقط عنها وقد جف نصفه وبادرت الجارية إلى أخته فأعلمتها صورته فدخلت إليه وهو يجود نفسه واستدعت طبيبيه فحضرا وشاهداه وتعرفا المسبب فيما لحقه فعرفاه وأشارا بشجر الند والعنبر حوله إلى أن ينيف قليلاً وتثوب قوته فلما كان ذلك عاد إليه وقال له التفليسي: أعطني أيها الأمير يدك لأخذ بجسك. فأعطاه اليسرى فقال. يا مولانا اليمين. فقال: يا تفليسي ما تركت لي اليمين يميناً. ومضت عليه ثلاث ليال قضى بعد أن قلد

стр. 91

عهده أبا الفضائل ولده ووصى إلى لؤلؤ الكبير به وبأبي الهيجاء ولده الآخر وست الناس أخته وحمل تابوته إلى الرقة ودفن في المشهد ظاهرها. ونصب لؤلؤ ولده أبا الفضائل في الأمر وأخذ له البيعة على الجند بعد أبيه في شهر رمضان سنة ٣٨١. وتراجعت العساكر عند ذلك إلى حلب واستأمن منها إلى العزيز بالله رقي الصقلبي في ثلاثمائة غلام وبشارة الاخشيدي في أربعمائة غلام وقوم آخرون فقبلهم وأحسن إليهم وولي بشارة طبرية ورقي عكا ورباحا قيسارية. وقد كان أبو الحسن بن المغربي بعد حصوله في المشهد في الكوفة كاتب العزيز وصار بعد المكاتبة إلى حضرته فلما حدث لسعد الدولة حادث الوفاة عظم أمر حلب عنده وكبر في نفسه أحوالها وهون عليه حصولها

стр. 92

ولاية القائد منير الخادم ومنجوتكين دمشق والسبب في ذلك وما آلت إليه أحوالها في سنة ٣٧٨ وما بعدها قد تقدم من شرح السبب في ولاية القائد منير دمشق ما فيه كفاية عن إعادة القول فيه ومن دخوله في يوم الخميس السابع عشر من رجب سنة ٣٧٨. ولما توفى الوزير أبو الفرج يعقوب بن كلس كان قد بقي له من أصحابه على ماله ومال السلطان رجل يعرف بابن أبي العود الصغير وكان شديد المعاندة للقائد منير الوالي يرفع عليه إلى مصر بأنه عاص يكاتب سلطان بغداد وصاحب حلب فلما كثرت سعايته إلى العزيز اصطنع بعض غلمانه الأتراك رجلاً يقال له منجوتكين فقدمه وأعطاه مالاً وابنةً وسلاحاً ورجالاً وولاه الشام فلما صح عند منير الخادم ذاك من ابن أبي العود أنفذ إليه من قتله وكاشف بالعصيان والخلاف للضرورة القائدة له إلى ذلك وكان لابن أبي العود عند العزيز رتبة متمكنة ومنزلة متمهدة فلما خرج العسكر مع منجوتكين من مصر ووصل إلى الرملة ووصل إليه بشارة والي طبرية في عسكره ووصل إلى دمشق وكان منير قد جمع رجالةً من أحداث البلد من حمال السلاح وطلاب الشر والفساد واستعد للحرب وتأهب للقاء. وبلغ منجوتكين وهو بالرملة أن أهل دمشق يريدون القتال مع منير الوالي فمع النفاطين بالرملة على أن يسيروا معه إلى دمشق لحرقها. فلما وصل نزال إلى دمشق من طرابلس أخذ في الجبال عرضاً فخرج من مرج عذراء وأرسل إلى منير أني لم أصل إلا لإصلاح أمرك فعلم منير أنه يريد

стр. 93

الحيلة عليه والمكر به ليصل العسكر من الرملة ويحيط به وقد كان نفذ كتاب ابن أبي هشام من دمشق إلى منشا بن الفرار كاتب الجيش يقول جدوا في السير لأخذ البلد وكان مراده بذاك المداراة من خوف الشر فلما وصل الكتاب إلى منشا أنفذه إلى العزيز منجوتكين وواقف عليه فوجد فيه خلاف ما ذكر عن أهل دمشق فنها عن إحراقها. وسار منجوتكين من الرملة وقرب من طبرية وجمع منير عسكره وخرج يريد نزالاً فالتقوا بمرج عذراء فانهزم منير واتت المغاربة على الرجالة الذين كانوا معه وذلك في يوم الاثنين التاسع عشر من شهر رمضان سنة ٨١ فلما انهزم منير أخذ في الجبال حتى أخرج إلى أرض جوسية يريد قصد حلب فخرج عليه عرب من الاحلاف فأخذوه ووصلوا به إلى دمشق فوجدوا منجوتكين قد نزل عليها فسلموه إليه لطلب الجائزة فشهره على جمل وقرن به قرداً ومعه من أصحابه نحو من مائة رجل على الجمال وعليهم الطراطير لأنهم انقطعوا فأخذهم والي بعلبك يقال له جلنار فأرسلهم إلى منجوتكين. وأقام منجوتكين بدمشق بقية سنة ٨١ فقوي بها وصار عسكره ثلاثة عشر ألفاً فعم الناس البلاء في جميع الأحوال وصارت أفعالهم وسيرتهم إباحة الأموال والأنفس وسوء الأعمال. ثم إنهم طمعوا في ملكة حلب بحكم موت أبي المعالي بن سيف الدولة صاحبها وقد كان العزيز لما انتدب منجوتكين أكرمه وعظمه وأمر القواد وطبقات الناس بالترجل له وتوفيقه من الحق ما يوفى عظماً من الأمراء والاسفهسلارية واستكتب له أحمد بن محمد القشوري وولي الشام وضم إليه أبا الحسن علي بن الحسين بن المغربي ليقوم بالأمر والتدبير. ولما وصل إلى حلب وكان نزوله عليها في ثلاثين ألفاً من

стр. 94

أصناف الرجال وتحصن أبو الفضايل ابن سعد الدولة ولؤلؤ بالبلد واغلقا أبوابه واستظهرا بكل ما أمكنها الاستظهار به. وقد كان لؤلؤ عند معرفته بتجهيز العساكر المصرية إلى حلب كاتب بسيل عظيم الروم ومت إليه بما كان بينه وبين سعد الدولة من المساعدة والمعاقدة وبذل له عن ولده السمع والطاعة والجري على تلك العادة وحمل إليه هدايا وألطافاً كثيرة وسأله المعونة والنصرة وأنفذ بالكتاب والهدايا ملكوياً السيرافي ووصل إليه وهو بازاء ملك البلغر وعلى قتاله فقبل ما ورد فيه وكتب إلى البرجي صاحب أنطاكية من قبله أن يجمع عساكر الروم ويقصد حلب ويدفع المغاربة عنها فسار البرجي إليه في خمسة ألف رجل ونزل بالموضع المعروف بجسر الحديد بين أنطاكية وحلب. فعرف منجوتكين وابن المغربي ذلك فجمعا القواد والمعرفين خبر الروم واستشارهم فيما يكون العمل به والاعتماد عليه فأشار ذو الراي والحصافة منهم بالانصراف عن حلب وقصد الروم والابتداء بهم ومناجزتهم ليلاً يحصلوا بين عدوين. ووقع العمل على ذلك وساروا مع عدة أخرى كثيرة انضافت إليهم من أهل الشام وبني كلاب ونزلوا تحت حصن اغزاز وقاربوا الروم وبينهم النهر المعروف بالمقلوب وهو نهر يجري مجرى الفرات في قرب من عرضه فلما بصر المسلمون بالروم رموهم بالنشاب وناوشوهم القتال وحصل الناس والروم على أرض واحدة ومنجوتكين يردهم ولا يرتدون وأنزل الله النصر وولت الروم وأعطوا ظهورهم وركبهم المسلمون ونكوا فيهم النكاية الوافية قتلاً وأسراً وفلاً وقهراً وأفلت

стр. 95

البرجي في نفر قليل وملك عسكرهم وسوادهم وغنمت منهم الغنائم الوافرة من أموالهم وكراعهم وسوادهم وقد كان معهم الفراجل من رجالة حلب جردهم لؤلؤ مع عدة وافرة من الغلمان فقتل منهم تقدير ثلاثمائة غلام وعاد فلهم إلى حلب وجمع من رؤوس قتلى الروم نحو عشرة ألف رأس أنفذت إلى مصر وشهرت بها وتبع منجوتكين الروم أنطاكية وأحرق ضياعها ونهب رستاقاتها وانكفأ راجعاً إلى حلب. وكان وقت استغلال الغلات فأنفذ لؤلؤ من أحرق ما قرب من البلد منها المضرة العسكر المصري وقطع مادة الميرة عنهم والتضييق في الأقوات عليهم ورأى لؤلؤ أن قد بطل عليه ما كان يرجوه من معونة الروم وقد أظله من عسكر مصر ما لا طاقة له به فكاتب أبا الحسن بن المغربي والقشوري وأرغبهما بالمال وبذل لهما منه ما وسع لهما فيه وسألهما المشورة على منجوتكين بالانصراف إلى دمشق والمعاودة إلى حلب في العام المقبل وتصير السبب في هذا الرأي ما عليه الأمر من عدم الميرة وتعذر الأقوات والعلوفات فطاوعاه ووعداه وخطابا منجوتكين في ذلك. فصادف قولهما منه تشوقاً إلى دمشق إلى خفض العيش فيها وضجراً من طول السفر ومباشرة الحرب فكتب وكتبت الجماعة إلى العزيز بالله ينهون إليه الحال في تعذر الأقوات وأنه لا قدرة للعسكر على المقام مع هذه الصورة ويستأذونه في الانكفاء إلى دمشق فقبل أن يصل الكتاب ويعود الجواب رحل منجوتكين عائداً. وعرف العزيز ما كان منه فغاظه ذلك ووجد أعداء ابن المغربي طريقاً إلى الطعن عليه والوقيعة فيه فصفه وقلد صالح بن علي الروذباري موضعه وأنفذه وأقسم العزيز أنه يمد العسكر بالميرة من غلات مصر فحمل مائة ألف تليس والتليس قفيزان بالمبدل في البحر إلى طرابلس ومنها على الظهر

стр. 96

إلى أفامية. وعاد منجوتكين في العسكر في السنة ٢ إلى حلب ونزل عليها وصالح بن علي المقدم معهم وكان يوقع الغلمان بجراياتهم وقضيم دوابهم إلى أفامية ويمضون خمسة وعشرين فرسخاً ويعودون بها وأقاموا ثلاثة عشر شهراً وبنوا الحمامات والأسواق والخانات وأبو الفضائل ولؤلؤ قد تحصنا بالبلد وقد اشتد الأمر بها وفقدت الأقوات عندهما وكان لؤلؤ يبتاع القفيز من الحنطة ثلاثة دنانير ويبيعه على الناس بدينار واحد رفقاً لهم ويفتح الباب ويخرج من الناس من أراد من الفقراء من الجوع وطول المقام. وقد كان أشير على منجوتكين بتتبع من يخرج وقتله ليمتنع الناس من الخروج ويزيد ضيق الأمر عليهم فلم يفعل. وعند ذلك أعاد لؤلؤ ملكويا الذي كان أرسله أولاً إلى بسيل ملك الروم إليه مجدداً له السؤال بالانجاد على ما دهمه من عسكر مصر والاسعاد وأعلمه أنه لم يبق فيه رمق إن لم يبادر بمعونته ونصرته وأنه متى أخذت حلب وملكت فأنطاكية لاحقة بها. وكان يسيل متوسطاً بلد البلغر فقصد ملكويا إليه وأوصل إليه الكتاب وأعاد عليه ما يحمله من الرسائل إليه وقال له: متى قصدت أيها الملك هذا الخطب بنفسك لم يقف أحد من عساكر المغاربة بين يديك واستخلصت حلب وخفظت أنطاكية وسائر أعمالها وإن تأخرت ملك جميع ذلك. فلما سمع ملك الروم ما قاله الرسول المذكور سار من وقته طالباً حلب وبينه وبينها مسيرة ثلاثمائة فرسخ فقطعها في ستة عشر يوماً في ثلاثة ألف فارس وراجل من الروم الروسية والبلغر والخزر وكان الزمان ربيعاً وقد سرح العسكر المصري كراعه في المروج لترتبع فيها فهجمت الروم على العسكر على غفلة وغرة. فأرسل لؤلؤ إلى منجوتكين يقول له: إن

стр. 97

عصمة الاسلام الجامعة بيني وبينك وبين عساكرك تبعثني على إنذاركم وهذا عسكر الروم قد أظلكم في الجمع الكثير فخذوا لأنفسكم وتيقظوا لأمركم ولا تهملوا حذركم. ووردت جواسيس منجوتكين وعيونه من الجهات والطلائع عليه بمثل ذلك فاخرق الخزائن والأسواق ورحل في الحال منهزماً. وأشار العرب عليه بأن ينزل أرض قنسرين ويملك الماء ويستدعي كراعه من مروج أفامية ويثبت للقاء العدو ويحرضه على بذل الجهد واستفراغ الوسع في الجهاد فلم يفعل وامتدت به الهزيمة إلى دمشق. ووافى ملك الروم فنزل على باب حلب وشاهد من موضع منزل المغاربة ما هاله وعظم في عينه وخرج إليه أبو الفضائل ولؤلؤ وخدماه ورحل في اليوم الثالث إلى الشام ونزل على شيزر وفيه منصور بن كراديس أحد قواد المغاربة فقاتله في الحصن يوماً واحداً ولم يستطع الثبات له لخلو الحصن من العدد وآلات الحرب وأقوات المقام على الحصار فراسله بسيل وبذل له الأمان على نفسه ومن معه في الحصن وأن يعطيه مالاً وثياباً على تسليمه فسكن إلى ذلك وسلمه ووفى له بسيل بجميع ما بذله من المال والأمان والعطاء فرتب في الحصن نوابه وثقاته وسار قاصداً إلى طرابلس الشام وافتتح في طريقه حمصاً وسبى منها ومن رفنية وأعمالها ما يزيد على ثغر طرابلس وهو بري بحري متين القوة والحصانة شديد الامتناع على منازله وأقام عليه نيفاً وأربعين يوماً يحاول افتتاحه أو وجود فرصة في تملكه فلم يتم له فيه أمر ولا مراد فرحل عنه قافلاً إلى بلاد الروم. وانتهت الأخبار بذلك إلى العزيز بالله فعظم ذلك عليه وأمر بالاستنفار إلى الجهاد والنداء في الغزاة وساير الأجناد فنفر الناس وخرج مستصحباً لجميع عساكره وما يحتاج إليه من عدده وأمواله وذخائره ومعه توابيت أبائه وأجداده على العادة في مثل هذه الحال وقيل أن كراعه كان يزيد على عشرين ألف راس خيلاً وبغالاً وجمالاً وحميراً وسار مسافة عشرة فراسخ في مدة سنة حتى نزل بلبيس وأقام بظاهرها. وعارضته علل مختلفة من نقرس وقولنج وحصى في المثانة واشتد به الأمر وكان الأطباء إذا عالجوا مرضاً من هذه الأمراض بدوائها زاد في قوة الأخرى واستحكامها وكان محتاجاً إلى الحمام لأجل القولنج ولم يكن في منزله إلا حمام لرجل من أهلها فاشتد به فيه وبات للضرورة فيه وأصبح والقو تضعف والألم يشتد ويتضايق إلى أن قضى نحبه في الحمام في اليوم الاثنين الثامن والعشرين من شهر رمضان سنة ٣٨٦ وعمره اثنتان وأربعون سنة ونقش خاتمه بنصر العليم الغفور ينتصر الامام أبو المنصور ومولده في القيروان سنة ٣٤١ ومدة أيامه إحدى وعشرون سنة وستة أشهر وأربعة وعشرون يوماً وكان حسن السيرة مشتغلاً بلذاته محباً للصيد متغافلاً عن النظر في كثير مما كان أسلافه ينظرون فيه من اظهار علم الباطن وحمل الناس عليه وتوفي ﵀ وهو مستمر على ذلكائل ولؤلؤ وخدماه ورحل في اليوم الثالث إلى الشام ونزل على شيزر وفيه منصور بن كراديس أحد قواد المغاربة فقاتله في الحصن يوماً واحداً ولم يستطع الثبات له لخلو الحصن من العدد وآلات الحرب وأقوات المقام على الحصار فراسله بسيل وبذل له الأمان على نفسه ومن معه في الحصن وأن يعطيه مالاً وثياباً على تسليمه فسكن إلى ذلك وسلمه ووفى له بسيل بجميع ما بذله من المال والأمان والعطاء فرتب في الحصن نوابه وثقاته وسار قاصداً إلى طرابلس الشام وافتتح في طريقه حمصاً وسبى منها ومن رفنية وأعمالها ما يزيد على ثغر طرابلس وهو بري بحري متين القوة والحصانة شديد الامتناع على منازله وأقام عليه نيفاً وأربعين يوماً يحاول افتتاحه أو وجود فرصة في تملكه فلم يتم له فيه أمر ولا مراد فرحل عنه قافلاً إلى بلاد الروم. وانتهت الأخبار بذلك إلى العزيز بالله فعظم ذلك عليه وأمر بالاستنفار إلى الجهاد والنداء في الغزاة وساير الأجناد فنفر الناس وخرج مستصحباً

стр. 98

لجميع عساكره وما يحتاج إليه من عدده وأمواله وذخائره ومعه توابيت أبائه وأجداده على العادة في مثل هذه الحال وقيل أن كراعه كان يزيد على عشرين ألف راس خيلاً وبغالاً وجمالاً وحميراً وسار مسافة عشرة فراسخ في مدة سنة حتى نزل بلبيس وأقام بظاهرها. وعارضته علل مختلفة من نقرس وقولنج وحصى في المثانة واشتد به الأمر وكان الأطباء إذا عالجوا مرضاً من هذه الأمراض بدوائها زاد في قوة الأخرى واستحكامها وكان محتاجاً إلى الحمام لأجل القولنج ولم يكن في منزله إلا حمام لرجل من أهلها فاشتد به فيه وبات للضرورة فيه وأصبح والقو تضعف والألم يشتد ويتضايق إلى أن قضى نحبه في الحمام في اليوم الاثنين الثامن والعشرين من شهر رمضان سنة ٣٨٦ وعمره اثنتان وأربعون سنة ونقش خاتمه بنصر العليم الغفور ينتصر الامام أبو المنصور ومولده في القيروان سنة ٣٤١ ومدة أيامه إحدى وعشرون سنة وستة أشهر وأربعة وعشرون يوماً وكان حسن السيرة مشتغلاً بلذاته محباً للصيد متغافلاً عن النظر في كثير مما كان أسلافه ينظرون فيه من اظهار علم الباطن وحمل الناس عليه وتوفي ﵀ وهو مستمر على ذلك ثم ولي الأمر بعده ولده أبو علي المنصور الحاكم بالله وكان معه فعهد إليه في الأمر ورد تدبير أمره إلى برجوان الخادم مربيه وحاضنه وكان عهد إليه أمر الحرم والقصور لثقة العزيز به وسكونه إليه ووصى إليه بما اعتمد فيه عليه. وحدثت ست الملك ابنة العزيز نفسها بالوثوب على الأمر واجلاس ابن عمها عبد الله وكانت مشتهاةً عليه فأحسن برجوان بذلك فقبض عليها وحملها مع ألف فارس إلى قصرها بالقاهرة. ودعا الناس

стр. 99

إلى بيعة الحاكم وأحلفهم على الطاعة أطلق الأرزاق وذلك في شهر رمضان سنة ٣٨٦ وانكفأ الحاكم من المخيم إلى قصره بالقاهرة وعمره عشر سنين وستة أشهر. وتقدم أبو محمد الحسن بن عمار وكان شيخ كتامة وسيدها ولقب بأمير الدولة وهو أول من لقب في دولة مصر واستولى على الأمر وبسط يده في الاطلاق والعطاء والصلات بالأموال والثياب والخباء تفرقة الكراع وكان في القصر عشرة ألف جارية وخادم فبيع منهم من اختار البيع وأعتق من سأل العتق ووهب من الجوار لمن أحب وأثر وانبسطت كتامة وتسلطوا على العامة ومدوا أيديهم إلى حرمهم وأولادهم وغلب الحسن بن عمار على الملك وكتامة على الأمور وهم الحسن بقتل الحاكم وحمله على ذلك شيوخ أصحابه وقالوا: لا حاجة لنا إلى امام نقيمه ونتعبد له. فحمله صغر سنه والاستهانة بأمره على اقلال الفكر فيه وإن قال لمن أشار عليه بقتله: وما قدر هذه الوزغة حتى يكون منها ما نخاف. وبرجوان في اثنا ذلك يحرس الحاكم ويلازمه ويمنعه من الركوب ولا يفسح له في مفارقة الدور والقصور. وقد كان شكر العضدي اتفق مع برجوان وعاضده في الرأي والفعل وصارا على كلمة سواء في كل ما ساء وسر ونفع وضر وتظاهرا على حفظ الحاكم في وصاة والده العزيز به إلى أن تمت السلامة لهما فيه. وأما منجوتكين وما كان منه بعد نوبة الروم فإنه أقام بدمشق على حاله في ولايتها. وزاد أمر الحسن بن عمار وكتامة وقلت مبالاتهم بالسلطان فكتب برجوان إلى منجوتكين يعرفه استيلاء المذكورين على الأمور وغلبتهم على الأموال وتعديهم إلى الحرم والفروج وقبيح الأعمال ورفعهم المراقبة للخالق

стр. 100

والحشمة من المخلوقين وأبطالهم رسوم السياسة وإضاعة حقوق الخدمة وإنهم قد حصروا الحاكم في قصره وحالوا بينه وبين تدبير أمره ويدعوه إلى مقابلة نعمة مولاه العزيز عنده بحفظ ولده والوصول إلى مصر وقمع هذه الطائفة الباغية وقال: إن الديلم والأتراك والعبيد الذين على الباب يساعدونه على ما يحاول فيهم ويكونون معه أعواناً عليهم فامتثل منجوتكين ما في الكتاب عند وقوفه عليه وسارع إليه وركب إلى المسجد الجامع في السواد وجمع القواد والأجناد ومشايخ البلد وأشرافه وفيهم موسى العلوي وله التقدم والميزة وأذكرهم بحقوق العزيز وما كان منه من الاحسان إلى الخاص والعام وحسن السيرة في الرعية واعتقاد الخير للكافة وخرج من ذلك إلى ذكر ما له عليه من حقوق الاصطناع والتقدم والاصطفاء والتعديد للتمويه باسمه وما يلزمه في خدمته حياً وميتاً ومناصحته معدوماً ومفقوداً وموجوداً وقال: وإذ قبضه الله إليه ونقله إلى ما اختاره له وارتضاه وحكم به وأفضاه فإن حقوقه قد انتقلت إلى نجله وسليله الحاكم بأمر الله أمير المؤمنين وهو اليوم والي النعمة وكالقائم مقام العزيز بالله ﵀ في استحقاق الطاعة والمناصحة والخدمة وقد تغلب على الملك الحسن بن عمار وكتامة وصار اخواننا المشارقة بينهم كالذمة بين المسلمين وما يسعنا الصبر على هذه الصورة وتسليم الدولة إلى هذه العصابة المتسلطة. وخرق ثيابه السود وبكى البكاء الشديد فاقتدى الناس به في تخريق الثياب والبكاء ثم قالوا: ما فينا إلا سامع لك مطيع لأمرك ومؤثر ما تؤثر وباذل سجته في طاعة الحاكم وخدمته وخدمتك ومهما رسمت لنا من خدمة وبذل نفس ومكنة كنا إليه مسارعين ولأمرك فيه طائعين إلى أن تبلغ مناك وتدرك مبتغاك في نصرة مولانا. فشكرهم على هذا المقال وقوى عزائمهم وآراءهم على المتابعة له والعمل بما يوافقه

стр. 101

وعاد إلى داره ووضع العطاء في الرجال وبرز إلى ظاهر دمشق. وقد اشتملت جريدة الاثبات على ستة ألف من الأجناد السائرين معه خيلاً ورجلاً وكتب إلى الحسن بن عمار على أجنحة الطيور ومع أصحاب البريد بشرح ذلك الحال. فلما وقف على الخبر عظم عليه وقلق وجمع وجوه كتامة وأعاذ عليهم ما ورد من خبر منجوتكين وما هو مجمع عليه في بابهم وقال: ما الرأي عندكم؟ قالوا: نحن أهل طاعتك والمسارعون إلى العمل بإشارتك. وأظهر أن منجوتكين قد عصى على الحاكم وجرى مجرى الأفتكين المعزي البويهي وندب الناس لقتاله وتقدم إلى الخزان في خزائن أموال العزيز باطلاق الأموال وإلى العراض بتجريد الرجال والانفاق فيهم. وأحضر البرجوان وشكر العضدي وقال لهما: أنا رجل شيخ وقد كثر الكلام علي والقول في وما لي عرض إلا حفظ الأمر للحاكم ومقابلة اصطناع العزيز واحسانه إلي وأريد مساعدتكما ومعاضدتكما وإن تحلفا لي على صفاء النية وخلوص العقيدة والطوية. فدعتهما الضرورة إلى الانقياد له والاجابة إلى ما سأله منهما واستأنف معهما المفاوضة والمشاورة والاطلاع لهما على مجاري الأمور ووجوه التدبير في الجمهور واستمالة المشارقة. وندب أبا تميم سليمن بن جعفر بن فلاح وقدمه وجعله اسفهسلار الجيش وأمره بالمسير إلى الشام وأطلق له كل ما التمس من المال والعدد والرجال والسلاح والكراع وأسرف في ذلك إلى حد لم يقف عنده وجرد معه ستة عشر ألف رجل من الخيل والرجال وبرز إلى عين شمس. وكان عيسى بن نسطورس الوزير على حاله في الوزارة فبلغ ابن عمار عنه ما أنكره فقبض عليه ونكبه وقتله وسار سليمان بن فلاح من مصر

стр. 102

ورحل منجوتكين إلى الرملة فملكها وأخذ أموالها فتقوى بها وكان معه المفرج بن دغفل بن الجراح وسنان بن عليان ونزل سليمان عسقلان وسار منجوتكين حتى نزل بظاهرها وتقاتل الجيشان. فلما كان بعد ثلاثة أيام من تقاربهما وتقاتلهما ضرب كل واحد منهما مصاف عسكره وعمل على مناجزة صاحبه واستأمنت العرب من أصحاب ابن جراح وابن عليان إلى سليمان فاستظهر وقتل من أصحاب منجوتكين أربعة قواد في وقت واحد وانهزم منجوتكين وقتل من الديلم عدة كثيرة لأنهم لجأوا عند الهزيمة إلى شجر الجميز واختفوا به فكان المغاربة ينزلونهم منها ويقتلونهم تحتها وأحصيت القتلى فكانوا من أصحاب منجوتكين ألفي رجل. وسار سليمان إلى الرملة وقد امتلأت أيدي أصحابه من الغنائم والأموال والكراع وبذل لمن يحضر منجوتكين عشرة ألف دينار ومائة ثوب فانبثت العرب في طلبه وأدركه علي بن جراح فأسره وحمله إلى سليمان فأخذه منه وأعطاه ما بذل له وحمله مع رؤوس القتلى من أصحابه إلى مصر فشهرت الرؤوس وأبقي على منجوتكين الحسن بن عمار واصطنعه واستمال المشارقة به ونزل سليمان طبرية. وكان أهل دمشق قد أثاروا الفتنة ونهبوا دار منجوتكين وخزائنه وما فيها من مال السلطان وعدده فأنفذ أخاه علياً غليها في خمسة ألف رجل فلما وصلها ناوش أهلها وناوشوه واعتصموا بالبلد ومنعوا الدخول إليه وكتب إلى سليمان أخيه يعلمه مخالفتهم وعصيانه ويستأذنه في منازلتهم وقتالهم فأذن له في ذلك وأعلمه مسيره إليه وكتب إلى موسى العلوي والأشراف والشيوخ بالانكار عليهم بتسلط العامة فيما ارتكبوا من النهب والافساد وتقاعدهم عن الأخذ على أيديهم والردع لهم والتوعد بالمسير

стр. 103

إليهم والمقابلة لهم بما يقتضيه الرأي فلما وقفوا على ما ذكره خافوا وخرجوا إلى أخيه علي ولقوه وأعلموه إنهم على الطاعة والانكار لما أجرى إليه الجهالة فركب علي وحارب أهل دمشق وزحف إلى باب الحديد والنفاطون معه فانهزموا منه وملك البلد وطرح النار في الموضع المعروف بحجر الذهب وهو أجل موضع في البلد وقتل خلقاً كثيراً من رجاله وعاد بعد ذلك إلى معسكره. ووافى من غد أخاه سليمان في عسكره فأنكر عليه احراق ما أحرق وبلوغه في الافساد ما بلغ وتلقاه الأشراف والشيوخ والناس وشكوا إليه ما لحقهم وتلف من دورهم وأملاكهم وأموالهم فأمنهم وكف المغاربة عنهم وأظهر اعتقاده الجميل فيهم وكتب المناشير بالصفح عن الجناة وايمان الكبير والصغير منهم ورفع الكلف والمؤن عنهم وإفاضة العدل والانصاف فيهم وكوتبت في المسجد الجامع على رؤوس الأشهاد فسكنت إلى ذلك النفوس واطمأنت به القلوب ورجعوا إلى ما كانوا عليه. واختلط المغاربة بهم وركب القائد سليمان إلى الجامع في يوم الجمعة بالطيلسان على البغل السندي وخرق في البلد بالسكينة والوقار وبين يديه القراء وقوم يفرقون قراطيس دراهم الصدقات على أهل المسكنة والحاجة. وكان لهذا القائد سليمان نفس واسعة وصدر رحب وقدم في الخير متقدمة ورغبة في الفعل الجميل مشهورة ومقاصد في الصلاح مشكورة بعد الحسن بن عمار ولما صلى عاد إلى القصر الذي بني بظاهر البلد ونزل فيه وقد استمال قلوب الرعية والعامة بما فعله وأظهره من حسن النظر في الظلامات المرفوعة إليه واطلاق جماعة كانت في الحبوس من أرباب الجرائم المتقدمة والجنايات السالفة واستقام له الأمر واستقرت على الصلاح الحال وصلحت أحوال البلد وأهله بما نشر فيه من العدل وحكم به من الانصاف وأحسنه من النظر في أمور السواحل بصرف من صرفه من ولاتها الجابرين واستبدل بهم من شيوخ كتامة وقوادها ورد إلى علي أخيه ولاية طرابلس الشام وصرف عنها جيش بن الصمصامة فمضى جيش المذكور إلى مصر من غير أن يقصد القائد سليمان ويجتمع معه. وكان جيش هذا من شيوخ كتامة أيضاً إلا أن سليمان كان سيء الرأي فيه لعداوة بينه وبينه فلما حصل جيش بمصر قصد برجوان سراً وطرح نفسه عليه وأعلمه بغض أهل الشام للمغاربة واستيحاشهم منهم فأولاه برجوان الجميل قولاً ووعداً وبذل له المعونة على أمره وتأمل برجوان ما يلي به في الأحوال من الحسن بن عمار وكتامة وما خافه على نفسه منهم وإن مصر والقاهرة قد خلتا الا من العدد الأقل منهم وأمكنته الفرصة فيما يريده منهم فراسل الأتراك والمشارقة وقال لهم: قد عرفتم صورتكم وصورة الحاكم مع هؤلاء القوم وإنهم قد غلبوا على المال وغلبوكم ومتى لم ننتهز الفرصة في قلة عددهم وضعف شوكتهم سبقوكم إلى ما لا يمكنكم تلافيه بعد التفريط فيه واستدراك الغاية منه. وأوثقهم على الطاعة والمساعدة فبذلوها له ووثقوا له في كل ما يريده. وأحس الحسن بن عمار بما يريد برجوان وشرع فيه وفي الفتك به وسبقه إلى ما يحاوله فيه ورتب له جماعةً في دهليزه وواقفهم على الايقاع به وبشكر إذا دخلا داره وكان لبرجوان عيون كثيرة على الحسن بن عمار فصاروا إليه وأعلموه ما قد عمل عليه واجتمع برجوان وشكر وتفاوضا الرأي بينهما في التحرز مما بلغهما وقررا أن يركبا ويركب على أثرهما من الغلمان جماعة فإن أحسوا وأحسنا على باب الحسن ما يريبنا رجعنا وفي ظهورنا من يمنع منا فرتبا هذا الأمر وركبا إلى دار الحسن وكانت في القاهرة مما يلي الجبل فلما قربا من الباب بانت لهما شواهد ما أخبرا به فحذرا وعادا مسرعين وجرد الغلمان الذين كانوا معهما سيوفهم ودخلا إلى قصر الحاكم يبكيان لديه ويستصرخان به وثارت الفتنة واجتمع الأتراك والديلم والمشارقة وعبيد الشرا بالسلاح على باب القصر وبرجوان يبكي ويقول لهم: يا عبيد مولانا احفظوا العزيز في ولده وارعوا فيه ما تقدم من حقه. وهم يبكون لبكايه وركب الحسن بن عمار في كتامة ومن انضاف إليهم من القبايل وغيرهم وخرج إلى الصحراء وتبعوه وتبعه وجوه البلد فصار في عدد كثير وفتح برجوان خزائن السلاح وفرقه على الغلمان والرجال وأحدقوا ومن معهم بالقصر من المشارقة والعامة بقصر الحاكم وعلى أعلاه الخدم والجواري يصرخون وبرز منجوتكين ونارحكين وينال الطويل وخمسمائة فارس من الغلمان ووقعت الحرب بينهم وبين الحسن إلى وقت الظهر وحمل الغلمان عليه فانهزم وزحفت العامة إلى داره فانتهبوها وفتحوا خزائنه وتفرقوا ما فيها والتجأ الحسن إلى بعض العامة فاستتر عنده وتفرق جميع من كان معه وفتح برجوان باب القصر وأجلس الحاكم وأوصل إليه الناس وأخذ له بيعةً مجددةً على الجند فما اختلف عليه أحد وكتب الأمانات لوجوه كتامة وقواد الدولة وراسلهم بما تطيب به نفوسهم من إقامة عذرهم فيما كان منهم فحضرت الجماعة وأعطت أيمانها على السمع والطاعة. فاستقام الأمر لبرجوان وكتب الكتب إلى أشراف دمشق ووجوه أهلها ويأمرهم بتطييب نفوسهم ويبعثهم على القيام على القائد أبي تميم سليمان بن جعفر بن فلاح والايقاع به وكتب إلى مشارقة الأجناد بالاجتماع معهم على المذكور والاعانة لهم عليهلى القصر الذي بني بظاهر البلد ونزل فيه وقد استمال قلوب الرعية والعامة بما فعله وأظهره من حسن النظر في الظلامات المرفوعة إليه واطلاق جماعة كانت في الحبوس من أرباب الجرائم المتقدمة والجنايات السالفة واستقام له الأمر واستقرت على الصلاح الحال وصلحت أحوال البلد وأهله بما نشر فيه من العدل وحكم به من الانصاف وأحسنه من النظر في أمور السواحل بصرف من صرفه من ولاتها الجابرين واستبدل بهم من شيوخ كتامة وقوادها ورد

стр. 104

إلى علي أخيه ولاية طرابلس الشام وصرف عنها جيش بن الصمصامة فمضى جيش المذكور إلى مصر من غير أن يقصد القائد سليمان ويجتمع معه. وكان جيش هذا من شيوخ كتامة أيضاً إلا أن سليمان كان سيء الرأي فيه لعداوة بينه وبينه فلما حصل جيش بمصر قصد برجوان سراً وطرح نفسه عليه وأعلمه بغض أهل الشام للمغاربة واستيحاشهم منهم فأولاه برجوان الجميل قولاً ووعداً وبذل له المعونة على أمره وتأمل برجوان ما يلي به في الأحوال من الحسن بن عمار وكتامة وما خافه على نفسه منهم وإن مصر والقاهرة قد خلتا الا من العدد الأقل منهم وأمكنته الفرصة فيما يريده منهم فراسل الأتراك والمشارقة وقال لهم: قد عرفتم صورتكم وصورة الحاكم مع هؤلاء القوم وإنهم قد غلبوا على المال وغلبوكم ومتى لم ننتهز الفرصة في قلة عددهم وضعف شوكتهم سبقوكم إلى ما لا يمكنكم تلافيه بعد التفريط فيه واستدراك الغاية منه. وأوثقهم على الطاعة والمساعدة فبذلوها له ووثقوا له في كل ما يريده. وأحس الحسن بن عمار بما يريد برجوان وشرع فيه وفي الفتك به وسبقه إلى ما يحاوله فيه ورتب له جماعةً في دهليزه وواقفهم على الايقاع به وبشكر إذا دخلا داره وكان لبرجوان عيون كثيرة على الحسن بن عمار فصاروا إليه وأعلموه ما قد عمل عليه واجتمع برجوان وشكر وتفاوضا الرأي بينهما في التحرز مما بلغهما وقررا أن يركبا ويركب على أثرهما من الغلمان جماعة فإن أحسوا وأحسنا على باب الحسن ما يريبنا رجعنا وفي ظهورنا من يمنع منا فرتبا هذا الأمر وركبا إلى دار الحسن وكانت في القاهرة مما يلي الجبل فلما قربا من الباب بانت لهما شواهد ما أخبرا به فحذرا وعادا مسرعين وجرد الغلمان الذين كانوا معهما سيوفهم ودخلا إلى قصر الحاكم يبكيان لديه ويستصرخان به وثارت الفتنة واجتمع الأتراك والديلم والمشارقة وعبيد الشرا بالسلاح على باب

стр. 105

القصر وبرجوان يبكي ويقول لهم: يا عبيد مولانا احفظوا العزيز في ولده وارعوا فيه ما تقدم من حقه. وهم يبكون لبكايه وركب الحسن بن عمار في كتامة ومن انضاف إليهم من القبايل وغيرهم وخرج إلى الصحراء وتبعوه وتبعه وجوه البلد فصار في عدد كثير وفتح برجوان خزائن السلاح وفرقه على الغلمان والرجال وأحدقوا ومن معهم بالقصر من المشارقة والعامة بقصر الحاكم وعلى أعلاه الخدم والجواري يصرخون وبرز منجوتكين ونارحكين وينال الطويل وخمسمائة فارس من الغلمان ووقعت الحرب بينهم وبين الحسن إلى وقت الظهر وحمل الغلمان عليه فانهزم وزحفت العامة إلى داره فانتهبوها وفتحوا خزائنه وتفرقوا ما فيها والتجأ الحسن إلى بعض العامة فاستتر عنده وتفرق جميع من كان معه وفتح برجوان باب القصر وأجلس الحاكم وأوصل إليه الناس وأخذ له بيعةً مجددةً على الجند فما اختلف عليه أحد وكتب الأمانات لوجوه كتامة وقواد الدولة وراسلهم بما تطيب به نفوسهم من إقامة عذرهم فيما كان منهم فحضرت الجماعة وأعطت أيمانها على السمع والطاعة. فاستقام الأمر لبرجوان وكتب الكتب إلى أشراف دمشق ووجوه أهلها ويأمرهم بتطييب نفوسهم ويبعثهم على القيام على القائد أبي تميم سليمان بن جعفر بن فلاح والايقاع به وكتب إلى مشارقة الأجناد بالاجتماع معهم على المذكور والاعانة لهم عليه

стр. 106

شرح أسباب ولاية القائد سليمان بن فلاح لدمشق المقدم ذكره لدمشق وما آلت إليه حاله وحال أخيه في ذلك في سنة ٣٨٧ قد تقدم من شرح ولاية القائد المذكور لدمشق والسبب لذلك وما آلت الحال إليه ما في معرفته الغناء والكفاية. ولما وردت المكاتبات من مصر عقيب انجلاء فتنة القائد أبي محمد الحسن بن عمار شيخ كتامة بتجديد البيعة للحاكم بأمر الله بما يطيب قلوب أهل البلد ويبعثهم على الوثوب على سليمان وكان هذا القائد المذكور مشهوراً بالكفاية والغناء وتوقد اليقظة في أحواله والمضاء لكنه كان مستهتراً بشرب الراح واستماع الغناء والتوفر على اللذة ولما وردت المطلقات المصرية بما اشتملت عليه في حقه وهو منهمك في لهوه لم يشعر إلا بزحف العامة والمشارقة إلى قصره وهجومهم عليه فخرج هارباً على ظهر فرسه فنهبت خزائنه وأمواله وعدده وأوقعوا من كان في البلد معه من كتامة وقتلوا منهم عدةً وافرةً وعادت الفتنة ثائرةً واقتسم الرؤساء الأحداث حال البلد، وكان يكتب لبرجوان فهد بن إبراهيم النصراني فلما صار الأمر إليه استوزره وكان أبناء القبط بريف مصر واستكتب أبا الفتح أحمد بن أفلح على ديوان الرسايل. ولم يزل برجوان يتلطف للحسن بن عمار إلى أن أخرجه من استتاره وأعاده إلى داره وأجراه على رسمه في راتبه واقطاعاته بعد أن شرط عليه اغلاق بابه والا يداخل نفسه فيما كان يداخلها فيه ولا يشرع في فساد على الحاكم ولا على برجوان وأخذ العهد عليه بذلك واستحلفه بأوكد الأيمان وبالغ في التوثق منه.

стр. 107

وكان أهل صور في هذه السنة التي هي سنة ٨٧ قد عصوا وأمروا عليهم رجلاً ملاحاً من البحرية يعرف بالعلاقة وقتلوا أصحاب السلطان واتفق إن المفرج بن دغفل قد نزل على الرملة ونهب ما كان في السواد وأطلق يد العيث في البلاد وانضاف إلى هاتين الحادثتين خروج الدوقس عظيم الروم في عسكر كثير إلى الشام ونزوله على حصن أفامية فاصطنع برجوان القائد جيش بن الصمصامة وقدمه وجهز معه ألف رجل وسيره إلى دمشق وأعمالها وبسط يده في الأموال ورد إليه تدبير الأعمال فسار جيش ونزل على الرملة والوالي عليها وحيد الهلالي ومعه خمسة ألف رجل ووافاه ولاة البلد وخدموه وصادف القائد أبا تميم سليمان بن فلاح في الرملة فقبض عليه قبضاً جميلاً وندب أبا عبد الله الحسين بن ناصر الدولة وياقوت الخادم ومن معه من عبيد الشرا لقصد صور ومنازلتها وفتحها وكان قد ولي جماعةً من الخدم السواحل وأنفذوا إليها وأنفذ في البحر تقدير عشرين مركباً من الحربية المشحونة بالرجال إلى ثغر صور وكتب إلى علي بن حيدرة والي طرابلس بالمسير إليه في اصطوله وإلى ابن شيخ والي صيدا بمثل ذلك وإلى جماعة من الجهات بحيث اجتمع الخلق الكثير على باب صور ووقعت الحرب بينها وبين أهلها واستجار العلاقة بملك الروم وكاتب يستنصره ويستنجده وأنفذ إليه عدة مراكب في البحر مشحونةً بالرجال المقاتلة والتقت هذه المراكب مراكب المسلمين فاقتتلوا في البحر قتالاً شديداً فظفر المسلمون بالروم وملكوا مركباً من مراكبهم وقتلوا من فيه وكانت عدتهم مائة وخمسين رجلاً وانهزمت بقية المراكب فضعفت نفوس أهل صور ولم يكن لهم طاقة بمن اجتمع عليهم من العساكر براً وبحراً ونادى المغاربة من أراد الأمان من أهل الستر والسلامة فليلزم منزله فلزموا ذلك وفتح البلد وأسر العلاقة وجماعة من أصحابه ووقع النهب وأخذ من الأموال والرجال الشيء الكثير وكان هذا الفتح أول فتح على يد برجوان

стр. 108

الحاكمي وحمل العلاقة وأصحابه إلى مصر فسلخ حياً وصلب بظاهر المنظر بعد أن حشي جلده تبناً وقتل أصحابه. وولي أبو عبد الله الحسين بن ناصر الدولة ابن حمدان صور وأقام بها وسار جيش بن الصمصامة على مقدمته بدر بن ربيعة لقصد المفرج بن دغفل بن الجراح وطلبه فهرب بين يديه حتى لحق بجبلي طيء وتبعه حتى كاد يأخذه ثم رماه ابن جراح بنفسه وعجائز نسائه وعاذ منه بالصفح وطلب الأمان فأمنه وشرط عليه ما التزمه وعفا عنه جيش وكف عنه واستحلفه على ما قرره معه وعاد إلى الرملة ورتب فيها والياً من قبله وانكفأ إلى دمشق طالباً لعسكر الروم النازل على أفامية. فلما وصل إلى دمشق استقبله أشرافها ورؤساء أحداثها مذعنين له بالطاعة فأقبل على رؤساء الأحداث وأظهر لهم الجميل ونادى في البلد برفع الكلف واعتماد العدل والانصاف واباحة دم كل مغربي يتعرض لفساد فاجتمع إليه الرعية يشكرونه ويدعون له وسألوه دخول البلد والنزول فيه بينهم فأعلمهم إنه قاصد الجهاد في الروم وأقام ثلاثة أيام وخلع على رؤساء الأحداث وحملهم ووصلهم ونزل حمص. ووصل إليه أبو الحسن عبد الواحد بن حيدرة في جند طرابلس والمتطوعة من عامتها وتوجه إلى الدوقس عظيم الروم النازل على حصن أفامية فصارت أهله قد اشتد بهم الحصار وبلغ منهم عدم الأقوات وانتهى أمرهم إلى أكل الجيف والكلاب وابتاع واحد واحداً بخمسة عشرين درهماً. فنزل بإزاء الروم وبينه وبينهم النهر المعروف بالمقلوب والتقى الفريقان وتنازعا الحرب والمسلمون في عشرة ألف رجل ومعهم ألف فارس من بني كلاب فحمل الروم على القلب وفيه بدر العطار والديلم والسواد فكسروه ووضعوا السيف في من كان فيه وانهزمت الميسرة وفيها ميسور الصقلبي والي طرابلس ولحقتها الميمنة وفيها جيش بن محمد بن الصمصامة المقدم ووحيد الهلالي وركب الروم المسلمين وقتلوا منهم ألفي رجل واستولوا على سوادهم وسلاحهم وكراعهم ومال بنو كلاب على أكثر من ذلك فانتهبوه وثبت بشارة الأخشيدي في خمسمائة غلام وشاهد أهل أفامية من المسلمين ما نزل بالناس فأيقنوا بالهلاك والعطب وابتهلوا إلى الله الكريم اللطيف بعباده وسألوا الرحمة والنصر. وكان ملك الروم قد وقف على رايته بين يديه ولدان له وعشرة نفر من غلمانه ليشاهد ظفر عسكره وأخذه ما يأخذه من الغنائم فقصده كردي يعرف بأبي الحجر أحمد بن الضحاك السليل على فرس جواد وعليه كذا غند وخوذة وبيده اليمنى خشت وباليسرى العنان وخشت آخر فظنه الدوقس مستأمناً له ومستجيراً به فلم يحفل به ولا تحرز منه فلما دنا منه حمل عليه والدوقس متحصن بلأمته فرفع يده ليتقي ما يرميه به فرماه بالزوبين الذي في يمناه رميةً أصابت خللاً في الدرع فوصل إلى جسده وتمكن منه في أضلاعه فسقط إلى الأرض ميتاً وصاح الناس إن عدو الله قد قتل فانهزمت الروم وتراجع المسلمون وعادت العرب ونزل من كان في الحصن فأعانوهم واستولى المسلمون على الروم فقتلوهم وأسروهم وكانت الوقعة في مرج أفيح يطيف به جبل يعرف بالمضيق لا يسلكه إلا رجل في أثر رجل ومن جانبه بحيرة أفامية ونهر المقلوب فلم يكن للروم مهرب في الهزيمة وتصرم النهار وقد احتز من رؤوس القتلى عشرة ألف راس وبات المسلمون مبيت المنصورين الغانمين المسرورين بما منحهم الله إياهم من الكفاية ووهب لهم من الظفر. ووافى العرب من غد بما نهبوه من دواب المسلمين عند الهزيمة ومنهم من رد ومنهم من باع بالثمن البخس لأن جيش بن الصمصامة المقدم نادى في معسكره بألا يبتاع أحمد من العرب الا ما عرفه وكان مأخوذاً منه فلم يجد الا ما أخذه أصحابه. وحصل ولدا الدوقس في أسر بعض المسلمين فابتاعهما جيش بن الصمصامة المقدم منه بستة ألف دينار وأخذهما إليه وأقام على حصن أفامية أسبوعاً وحمل إلى مصر عشرة ألف راس وألفي رجل من الأسرى إلى باب أنطاكية ونهب الرساتيق وأحرق القرى وانصرف منكفياً إلى دمشق. وقد عظمت هيبته فاستقبله أشرافها ورؤساؤها وأحداثها مهنئين وداعين له فتلقاهم بالشماسية وزادهم من الكرامة وخلع عليهم وعلى وجوه الأحداث وحملهم على الخيل والبغال ووهب لهم الجواري والغلمان وعسكر بظاهر البلد وخاطبوه في الدخول والجواز في الأسواق وقد كانوا زينوها اظهاراً للسرور به والتقرب إليه فلم يفعل وقال: معي عسكر وإن دخلت دخلوا معي ولم أمن أن يمدوا أيديهم إلى ما يثقل به الوطأة منهم. والتمس أن يخلوا له قريةً على باب دمشق تعرف ببيت لهيا ليكون نزوله بها فأجابوه إلى ذلكلجهاد في الروم وأقام ثلاثة أيام وخلع على رؤساء الأحداث وحملهم ووصلهم ونزل حمص. ووصل إليه أبو الحسن عبد الواحد بن حيدرة في جند طرابلس والمتطوعة من عامتها وتوجه إلى الدوقس عظيم الروم النازل على حصن أفامية فصارت أهله قد اشتد بهم الحصار وبلغ منهم عدم الأقوات وانتهى أمرهم إلى أكل الجيف والكلاب وابتاع واحد واحداً بخمسة عشرين درهماً. فنزل بإزاء الروم وبينه وبينهم النهر المعروف بالمقلوب والتقى الفريقان وتنازعا الحرب والمسلمون في عشرة ألف رجل ومعهم ألف فارس من بني كلاب فحمل الروم على القلب وفيه بدر العطار والديلم والسواد فكسروه ووضعوا السيف في

стр. 109

من كان فيه وانهزمت الميسرة وفيها ميسور الصقلبي والي طرابلس ولحقتها الميمنة وفيها جيش بن محمد بن الصمصامة المقدم ووحيد الهلالي وركب الروم المسلمين وقتلوا منهم ألفي رجل واستولوا على سوادهم وسلاحهم وكراعهم ومال بنو كلاب على أكثر من ذلك فانتهبوه وثبت بشارة الأخشيدي في خمسمائة غلام وشاهد أهل أفامية من المسلمين ما نزل بالناس فأيقنوا بالهلاك والعطب وابتهلوا إلى الله الكريم اللطيف بعباده وسألوا الرحمة والنصر. وكان ملك الروم قد وقف على رايته بين يديه ولدان له وعشرة نفر من غلمانه ليشاهد ظفر عسكره وأخذه ما يأخذه من الغنائم فقصده كردي يعرف بأبي الحجر أحمد بن الضحاك السليل على فرس جواد وعليه كذا غند وخوذة وبيده اليمنى خشت وباليسرى العنان وخشت آخر فظنه الدوقس مستأمناً له ومستجيراً به فلم يحفل به ولا تحرز منه فلما دنا منه حمل عليه والدوقس متحصن بلأمته فرفع يده ليتقي ما يرميه به فرماه بالزوبين الذي في يمناه رميةً أصابت خللاً في الدرع فوصل إلى جسده وتمكن منه في أضلاعه فسقط إلى الأرض ميتاً وصاح الناس إن عدو الله قد قتل فانهزمت الروم وتراجع المسلمون وعادت العرب ونزل من كان في الحصن فأعانوهم واستولى المسلمون على الروم فقتلوهم وأسروهم وكانت الوقعة في مرج أفيح يطيف به جبل يعرف بالمضيق لا يسلكه إلا رجل في أثر رجل ومن جانبه بحيرة أفامية ونهر المقلوب فلم يكن للروم مهرب في الهزيمة وتصرم النهار وقد احتز من رؤوس القتلى عشرة ألف راس وبات المسلمون مبيت المنصورين الغانمين المسرورين بما منحهم الله إياهم من الكفاية ووهب لهم من الظفر. ووافى العرب من غد بما نهبوه من دواب المسلمين عند الهزيمة ومنهم من رد ومنهم من باع

стр. 110

بالثمن البخس لأن جيش بن الصمصامة المقدم نادى في معسكره بألا يبتاع أحمد من العرب الا ما عرفه وكان مأخوذاً منه فلم يجد الا ما أخذه أصحابه. وحصل ولدا الدوقس في أسر بعض المسلمين فابتاعهما جيش بن الصمصامة المقدم منه بستة ألف دينار وأخذهما إليه وأقام على حصن أفامية أسبوعاً وحمل إلى مصر عشرة ألف راس وألفي رجل من الأسرى إلى باب أنطاكية ونهب الرساتيق وأحرق القرى وانصرف منكفياً إلى دمشق. وقد عظمت هيبته فاستقبله أشرافها ورؤساؤها وأحداثها مهنئين وداعين له فتلقاهم بالشماسية وزادهم من الكرامة وخلع عليهم وعلى وجوه الأحداث وحملهم على الخيل والبغال ووهب لهم الجواري والغلمان وعسكر بظاهر البلد وخاطبوه في الدخول والجواز في الأسواق وقد كانوا زينوها اظهاراً للسرور به والتقرب إليه فلم يفعل وقال: معي عسكر وإن دخلت دخلوا معي ولم أمن أن يمدوا أيديهم إلى ما يثقل به الوطأة منهم. والتمس أن يخلوا له قريةً على باب دمشق تعرف ببيت لهيا ليكون نزوله بها فأجابوه إلى ذلك
следующие страницы →