← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 22800

فضائل القرآن لابن كثير

ابن كثير

Полный текст (305 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

مسلم بن سعيد مولى الحضرَمِيّ -وقال غيره: عن بُسْر بن سعيد- عن أبي جُهَيْم الأنصارى، أن رجلين اختلفا فى آية من القرآن، كلاهما يزعم أنه تلقاها من رسول الله ﷺ ، فمشيا جميعا حتى أتيا رسول الله ﷺ ، فذكر أبو جُهَيْم أن رسول الله ﷺ قال: "إن هذا القرآن " نزل "١ على سبعة أحرف، فلا تماروا؛ فإن مِراءً فيه كفرٌ". وهكذا رواه أبو عبيد على الشك. وقد رواه الإمام أحمد على الصواب، فقال: حدثنا أبو سلمة الخزاعى، ثنا سليمان بن بلال، حدثنى يزيد بن خُصَيْفَة، أخبرني بُسْر بن سعيد، حدثني أبو جُهَيْمٍ أن رجلين اختلفا فى آية من القرآن, قال هذا: تلقيتها من رسول الله ﷺ ، وقال هذا: تلقيتها من رسول الله ﷺ ، فسألا النبي ﷺ فقال: "القرآن يُقْرَأُ على سبعة أحرف، فلا تماروا فى القرآن، فإن مراء في القرآن كفرٌ". وهذا إسناد صحيح أيضًا، ولم يخرجوه. ثم قال أبو عُبَيْد٢: حدثنا عبد الله بن صالح، عن الليث، عن

стр. 107

يزيد بن الهاد، عن محمد بن ابراهيم، عن بُسْرِ بن سعيد، عن أبى قيس مولى عمرو بن العاص، أن رجلا قرأ آية من القرآن، فقال عمرو -يعني: ابن العاص: إنما هى كذا وكذا؛ بغير ما قرأ الرجل, فقال الرجل: هكذا أقرأنيها رسول الله ﷺ , فخرجا الى رسول الله ﷺ حتى أتياه، فذكرا ذلك له، فقال رسول الله ﷺ : "إن هذا القرآن نزل على سبعة أحرف، فأى ذلك قرأتم أصبتم، فلا تماروا فى القرآن, فإن مراء فيه كفرٌ". ورواه الإمام أحمد، عن أبى سلمة الخزاعي، عن عبد الله بن جعفر ابن عبد الرحمن بن المسبور بن مخرمة، عن يزيد بن عبد الله بن أسامة ابن الهاد، عن بُسْر بن سعيد، عن أبى قيس مولى عمرو بن العاص به نحوه، وفيه: "فإن المراء فيه كفر، إنه للكفر به". وهذا أيضًا "حديث"١ جيد.

стр. 108

"حديث آخر عن ابن مسعود": قال ابن١ جرير: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، أنا ابن وهب، أخبرني حَيْوَة بن شريح، عن عقيل بن خالد، عن سلمة بن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبيه، عن ابن مسعود، عن النبى ﷺ أنه قال: "كان الكتاب الأول نزل من باب واحد وعلى حرف واحد، ونزل القرآن من سبعة أبواب على سبعة أحرف: زاجر وآمر وحلال وحرام ومحكم ومتشابه وأمثال، فأحِلُّوا حلاله وحرِّموا حرامه، وافعلوا ما أُمِرْتُم به، وانتهوا عما نُهِيتُم عنه، واعتبروا بأمثاله، واعملوا بمحكمه، وآمنوا

стр. 109

بمتشابه، وقولوا: آمنَّا به كلٌّ من عند ربنا". ثم رواه١ عن أبى كريب، عن المحاربى عن ضمرة بن حبيب، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن ابن مسعود من كلامه وهو أشبه، والله أعلم.

стр. 110

فصل: قال أبو عبيد١: قد تواترت هذه الأحاديث كلها على الأحرف السبعة، إلّا ما حدثنى عفَّان، عن حماد بن سلمة، عن قتادة، عن الحسن، عن سَمُرَة بن جندب، عن النبى ﷺ قال: "نزل القرآن على " ثلاثة "٢ أحرف". قال أبو عبيد١: ولا نرى المحفوظ إلا السبعة؛ لأنها المشهورة، وليس معنى تلك السبعة أن يكون الحرف الواحد يقرأ على سبعة أوجه، وهذا شيء غير موجود، ولكنه عندنا أنه نزل سبع لغات متفرقة في جميع القرآن من لغات العرب، فيكون الحرف الواحد منها بلغة قبيلة، والثاني بلغة أخرى سوى الأولى، والثالث بلغة أخرى سواهما كذلك إلى السبعة، وبعض الأحياء أسعد بها وأكثر حظا فيها من بعض، وذلك بين فى أحاديث تترى. قال: وقد روى الكلبى٣، عن أبى صالح، عن ابن عباس قال: نزل القرآن على سبع لغات، منها خمس بلغة العجر من هوازن. قال أبو عبيد٤: والعجر هم: بنو أسعد بن بكر، وخيثم بن بكر،

стр. 111

ونصر بن معاوية، وثقيف وهم علياء هوازن، الذين قال أبو عمرو بن العلاء: أفصح العرب علياء هوازن، وسفلى تميم؛ يعنى: بنى دارم. ولهذا قال١ عمر: لا يملى فى مصاحفنا إلا غلمان قريش أو ثقيف.٢ [قال ابن٣ جرير: "واللغتان الآخرتان قريش وخزاعه. رواه قتادة عن

стр. 112

ابن عباس، لكن لم يلقه"] ١. قال أبو عبيد٢: وحدَّثَنَا هشيم، عن حصين بن عبد الرحمن، عن عُبَيْد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس أنه كان يسأل عن القرآن فينشد فيه الشعر. قال أبو عبيد: يعنى أنه كان يستشهد به على التفسير. وحدَّثَنَا٣ هشيم، عن أبى بشر، عن سعيد أو مجاهد، عن ابن عباس

стр. 113

في قوله: ﴿وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ﴾ [الانشقاق: ١٧] قال: وما جمع, وأنشد: قد اتسقن لو يجدن سائقا حدثنا١ هشيم: أنا حصين، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ [النازعات: ١٤] قال: الأرض. قال: وقال ابن عباس: قال أمية بن أبى الصلت: عندهم لحم بحر ولحم ساهرة حدثنا يحيى٢ بن سعيد، عن سفيان، عن إبراهيم بن مهاجر "عن مجاهد"٣, عن ابن عباس قال: كنت لا أدرى ما فاطر السموات والأرض، حتى أتانى أعرابيان يختصمان فى بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها، أنا ابتدأتها. إسناد جيد أيضًا. وقال الإمام أبو جعفر بن جرير الطبرى ﵀ بعد ما أورد طرفا مما تقدَّم: "وصحَّ وثبت أن الذى نزل به القرآن من ألسن العرب،

стр. 114

البعض منها دون الجميع١؛ إذ كان معلوما أنَّ ألسنتها ولغاتها أكثر من سبع بما يعجز عن إحصائه". ثم قال: "وما برهانك على ما قلته دون أن يكون معناه ما قاله مخالفوك؛ من أنه نزل بأمر وزجر وترغيب وترهيب وقصص ومَثَلٍ، ونحو ذلك من الأقوال، فقد علمت قائل ذلك عن سلف الأمة وخيار الأئمة؟ قيل له: إن الذين قالوا ذلك، لم يدعوا أن تأويل الأخبار التى تقدم ذكرها هو ما زعمت أنهم قالوه في الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن دون غيره، فيكون ذلك لقولنا مخالفا، وإنما أخبروا أن القرآن نزل على سبعة أحرف؛ يعنون بذلك أنه نزل على سبعة أوجه، والذى قالوا من ذلك كما قالوا، وقد روينا بمثل الذى قالوا من ذلك، عن رسول الله ﷺ , وعن جماعة من الصحابة، من أنه نزل من سبعة أبواب الجنة كما تَقَدَّمَ". يعنى كما تَقَدَّمَ في رواية أُبَيّ بن كعب وعبد الله بن مسعود، أن القرآن نزل من سبعة أبواب الجنة. قال ابن جرير: والأبواب السبعة من الجنة هى المعانى التى فيها من الأمر والنهى، والترغيب والترهيب، والقصص والمثل، التى إذا عمل بها العامل، وانتهى إلى حدودها المنتهى، استوجب به الجنة. ثم بسط٢ القول فى هذا بما حاصله أن الشارع رخَّصَ للأمة التلاوة على سبعة أحرف. ثم لما رأى الامام أمير المؤمنين عثمان بن عفان -رضى الله عنه- إختلاف الناس فى القراءة، وخاف من تفرق كلمتهم، جمعهم على حرف

стр. 115

واحد، وهو هذا المصحف الإمام. قال: واستوسقت له الأمَّة على ذلك؛ بل أطاعت ورأت أن فيما فعله "من ذلك"١ الرشد والهداية، وتركت القراءة بالأحرف الستة التى عزم عليها إمامها العادل فى تركها، طاعة منها له، ونظرا منها لأنفسها ولمن بَعْدَهَا من سائر أهل ملتها، حتى درست من الأمة معرفتها، "وتعفَّت"٣ آثارها، فلا سبيل اليوم لأحد إلى القراءة بها؛ لدثورها وعُفُوّ آثارها, إلى أن قال: فإن قال من ضعفت معرفته: وكيف جاز لهم ترك قراءة أقرأهموها رسول الله ﷺ ، وأمرهم بقراءتها؟ قيل: ان أمره أياهم بذلك لم يكن أمر إيجاب وفَرْضٍ، وإنما كان أمر إباحة ورخصة؛ لأن القراءة بها لو كانت فرضا عليهم، لوجب أن يكون العمل بكل حرف من تلك الأحرف السبعة عند من تقوم بنقله الحجة، ويقطع خبره العذر، ويزيل الشك من قراءة الأمة, وفى تركهم نقل ذلك كذلك أوضح الدليل على أنهم كانوا فى القراءة بها مخيَّرين, إلى أن قال: فأما ما كان من اختلاف القراءة فى رفع حرف ونصبه وجره، وتسكين حرف وتحريكه، ونقل حرف إلى آخر مع اتفاق الصورة، فعن معنى قول النبى ﷺ : "أمرت أن أقرأ القرآن على سبعة أحرف" بمعزل؛ لأن المِرَاءَ فى مثل هذا ليس بكفر فى قول أحد من علماء الأمة، وقد أوجب ﷺ بالمراء فى الأحرف السبعة الكفر، كما تَقَدَّمَ٣.

стр. 116

الحديث الثاني: قال البخاري١ ﵀: حدَّثَنَا سعيد بن عفير، ثنا الليث، حدثنى عقيل، عن ابن شهاب قال: "أخبرنى"٢ عروة بن الزبير، أن المسْوَر بن مخرمة وعبد الرحمن بن عبد القارى حدثاه أنهما سمعا عمر بن الخطاب يقول: سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان في حياة "رسول الله"٣ ﷺ , فاستمعت لقراءته، فإذا هو يقرأ على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول الله ﷺ ، فكدت أساوره فى الصلاة، فتصبَّرت حتى سلَّم فلببتُه بردائه، فقلت: من أقرأك هذه السورة التى سمعتك تقرأ؟ "قال"٤: اقرأنيها رسول الله ﷺ ، فقلت: كذبت، فإن رسول الله ﷺ قد أقرأنيها على غير ما قرأت, فانطلقت به أقوده إلى رسول الله ﷺ ، فقلت: إنى سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على حروفٍ لم تقرئنيها، فقال رسول الله ﷺ : "أرسله" ٥ اقرأ يا هشام", فقرأ عليه القراءة التى سمعته يقرأ، فقال ﷺ : "كذلك أنزلت", ثم قال: "اقرأ يا عمر" , فقرأت القراءة التى أقرأنى، فقال رسول الله ﷺ : "كذلك أنزلت، إن القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرأوا ما تيسر منه". وقد رواه الإمام٦ أحمد والبخارى أيضًا ومسلم وأبو داود والنسائي

стр. 117

والترمذى من طرق عن الزهرى. ورواه الإمام١ أحمد..........................................

стр. 118

"أيضًا"١ عن ابن مهدى، عن مالك، عن الزهري، عن عروة، عن عبد الرحمن بن عبد القاري، عن عمر، فذكر الحديث بنحوه. وقد قال الإمام٢ أحمد: حدثنا عبد الصمد، ثنا حرب بن ثابت،

стр. 119

.............................................................................................

стр. 120

ثنا إسحاق بن عبد الله بن أبى طلحة، عن أبيه عن جَدِّه، قال: قرأ رجل عند عمر، فَغَيَّرَ عليه، فقال: قرأت على رسول الله ﷺ فلم يُغَيِّرْ عليَّ، قال: فاجتمعا عند النبي ﷺ ، فقرأ الرجل على النبى ﷺ فقال له: "قد أحسنت" , قال: فكأن عمر وجد من ذلك، فقال رسول الله ﷺ : "يا عمر، إن القرآن كله صواب ما لم تجعل عذاب مغفرة، ومغفرة عذابا". وهذا إسناد حسن. وحرب بن ثابت هذا يُكَنَّى بأبي ثابت، لا نعرف أحدًا جَرَّحَه. وقد إختلف العلماء فى معنى هذه السبعة الأحرف وما أريد منها على أقوال.

стр. 121

قال أبو عبد الله محمد بن أبى بكر بن فَرْح الأنصاريُّ القرطبيُّ المالكيُّ فى "مقدمات تفسيره": وقد اختلف العلماء فى المراد بالأحرف السبعة على خمسة وثلاثين قولاً، ذكرها أبو حاتم محمد بن حِبَّان البُسْتِيّ، ونحن نذكر منها خمسة أقوال. "قلت": ثم سردها القرطبى وحاصلها ما أنا مورده ملخَّصًا. "فالأول": وهو قول أكثر أهل العلم، منهم: سفيان بن عُيَيْنَة وعبد الله بن وهب وأبو جعفر محمد بن جرير والطحاوى، أن المراد سبعة أوجه من المعانى المتقاربة بألفاظ مختلفة، نحو: أقبل وتعال وهَلُمَّ. وقال الطحاوي: وأَبْيَنُ ما ذُكِرَ في ذلك حديث أبى بكرة١، قال: جاء جبريل إلى رسول الله ﷺ فقال: "اقرأ على حرف، فقال ميكائيل: استزده، فقال: اقرأ على حرفين، فقال ميكائيل: استزده, حتى بلغ سبعة أحرف فقال: اقرأ فكلٌّ كافٍ شافٍ، إلا أن تخلط آية رحمة بآية عذاب، أو آية عذاب بآية رحمة"، "على"٢ نحو: هَلُمَّ وتعال وأقبل، واذهب وأسرع وعَجِّل. وروى ورقاء "عن"٣ "ابن"٤ أبى نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس، عن أُبَيِّ بن كعب أنه كان يقرأ: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا " نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ "﴾ ٣: للذين أمنوا أمهلونا، للذين آمنوا أخِّرونا، للذين آمنوا أرقبونا. وكان يقرأ: ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا

стр. 122

فِيهِ﴾ : مروا فيه، سعوا فيه. قال الطحاوى وغيره: وإنما كان ذلك رخصة أن يقرأ الناس القرآن على سبع لغات، وذلك لما كان يتعسَّر على كثير من الناس التلاوة على لغة قريش وقراءة رسول الله ﷺ ؛ لعدم علمهم بالكتابة والضبط وإتقان الحفظ، وقد ادَّعى الطحاوي والقاضي الباقلاني والشيخ أبو عمر بن عبد البر أن ذلك كان رخصة فى أوَّل الأمر، ثم نُسِخَ بزوال العذر وتَيَسُّر الحفظ وكثرة الضبط وتعلُّم الكتابة. "قلت": وقال بعضهم: إنماكان الذى جَمَعَهَم على قراءة واحدة أمير المؤمنين عثمان بن عفان، أحد الخلفاء الراشدين المهديين المأمور بإتباعهم, وإنما جمعهم عليها لما رأى من اختلافهم فى القراءة المفضية إلى تَفَرُّقِ الأمة، وتكفير بعضهم بضًا، فرتَّبَ لهم المصاحف الأئمة على العَرْضَةِ الأخيرة، التى عارض بها جبريل رسول الله ﷺ فى آخر رمضان كان من عمره ﵇، وعزم عليهم أن لا يقرءوا بغيرها، وأن لا يتعاطَوْا الرخصة التى كانت لهم "فيها"١ سعة، ولكنها أدت إلى الفرقة والاختلاف، كما ألزم عمر بن الخطاب الناس٢ [بالطلاق الثلاث المجموعة، حتى تتابعوا فيها وأكثروا منها، قال: فلو أنا أمضيناه عليهم, وأمضاه عليهم. وكذلك كان ينهى] ٢ عن المتعه فى أشهر الحج؛ لئلَّا تقطع زيارة البيت فى غير أشهر الحج, وقد كان أبو موسى "يفتي"٣ بالتمتع، فترك فتياه اتباعًا لأمير المؤمنين، وسمعًا وطاعة للأئمة المهديين.

стр. 123

"القول الثانى": أن القرآن نزل على سبعة أحرف، وليس المراد أن جميعه يقرأ على سبعة أحرف، ولكن بعضه على حرف وبعضه على حرفٍ آخر. قال الخطَّابي: وقد يقرأ بعضه بالسبع لغات، كما فى قوله: ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتِ﴾ و ﴿يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ﴾ . قال القرطبى١: ذهب إلى هذا القول أبو عبيد، واختاره ابن عطية. قال أبو عبيد٢: وبعض اللغات أسعد به من بعض. وقال القاضى الباقلانى: ومعنى قول عثمان: إنه نزل بلسان قريش؛ أى: معظمه، ولم يقم دليلٌ على أن جميعه بلغة قريش كله، قال الله تعالى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ ، ولم يقل: قرشيا، قال: واسم العرب يتناول جميع القبائل تناولاً واحداً، يعنى: حجازها ويمنها. وكذا قال الشيخ أبو عمر بن٣ عبد البر، قال: لأن لغة غير قريش موجودة فى صحيح القراءات، كتحقيق الهمزات، فإن قريشا لا تهمز. وقال ابن عطية: قال ابن عباس: ما كنت أدرى معنى: ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [فاطر: ١] حتى سمعت أعرابيًّا يقول -لبئر ابتدأ حفرها: أنا فطرتها. "القول الثالث": إن لغات القرآن السَّبْعَ منحصرةٌ فى مُضَرَ على اختلاف قبائلها خاصة، لقول عثمان: أن القرآن نزل بلغة قريش، وقريش

стр. 124

هم بنو النضر بن الحارث، على الصحيح من أقوال أهل النسب، كما ينطق به الحديث فى "سنن ابن ماجه" وغيره. "القول الرابع": وحكاه الباقلانى عن بعض العلماء، أن وجوه القراءات ترجع إلى سبعة أشياء؛ منها ما "تتغيَّر"١ حركته ولا تتغيَّر صورته ولا معناه، مثل: ﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي﴾ [الشعراء: ١٣] ، "ويضيق". ومنها ما لا تتغيَّر صورته ويختلف معناه، مثل: ﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ -باعد٢- بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾ [سبأ: ١٩] . وقد يكون الاختلاف فى الصورة والمعنى بالحرف، مثل: ﴿نُنْشِزُهَا﴾ وننشرها. أو بالكلمة مع بقاء المعنى، مثل: ﴿كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ [القارعة: ٥] , أو: "كالصوف المنفوش". أو باختلاف الكلمة واختلاف "المعنى"٣، مثل: ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾ [الواقعة: ٢٩] ، "وطلع منضود". أو بالتقدم والتأخر: مثل ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ [ق: ١٩] أو: "سكرة الحق بالموت". أو بالزيادة، مثل: ﴿تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَة﴾ -أنثى. [ص: ٢٣] ، "وأما الغلام فكان كافرًا وكان أبواه مؤمنين" [الكهف: ٨٠] ، "فإن الله بعد اكراههن لهن غفور رحيم" [النور: ٣٣] . "القول الخامس": أن المراد بالأحرف السبعة معانى القرآن، وهى أمرٌ، ونهيٌ ووعدٌ، ووعيدٌ، وقصصٌ، ومجادلةٌ، وأمثالٌ. قال ابن عطية: وهذا ضعيف؛ لأن هذه لا تسمى حروفا، وأيضا فالاجماع أن التوسعة لم تقع في تحليل......

стр. 125

"حرام"١، ولا في تغيير شيء من المعانى، وقد أورد القاضى الباقلانى فى هذا حديثا، ثم قال: وليست هذه هى التى أجاز لهم القراءة بها. فصل: قال القرطبى: قال كثير من علمائنا "كالداودى"٢ وابن أبى صفرة وغيرهما: هذه القراءات السبع، ليست هى الأحرف السبعة التى اتسعت الصحابة فى القراءة بها، وإنما هى راجعة إلى حرفٍ واحد من السبعة، وهو الذى جَمَع عليه عثمان المصحف، ذكره ابن النحاس وغيره. قال القرطبى: وقد سوَّغ كلُّ واحد من القراء السبعة قراءة الآخر وأجازها, وإنما اختار القراءة المنسوبة إليه؛ لأنه رآها أحسن "والأولى"٣ عنده, قال: وقد أجمع المسلمون -فى هذه الأمصار- على الاعتماد على ما صحَّ عن هؤلاء الأئمة فيما رَوَوْه ورأوه من القراءات، وكتبوا فى ذلك مصنفات، واستمَرَّ الاجماع على الصواب، وحصل ما وعد الله من حفظه الكتاب٤. قال البخاري ٥ ﵀:

стр. 126

.................................................................................................

стр. 127

تأليف القرآن: حدَّثَنَا إبراهيم بن موسى، أخبرنا هشام بن يوسف، أن ابن جريج أخبرهم قال: "وأخبرني"١ يوسف بن ماهك قال: إنى عند عائشة أم المؤمنين -رضى الله عنها؛ اذ جاءها عراقى فقال: أيُّ الكفن خير؟ قالت: ويحك، ما يضرك؟ قال: يا أم المؤمنين أرينى مصحفك، فقالت: لِمَ؟ قال: لَعَلِّي أؤلف القرآن عليه، فإنه يقرأ غير مؤلف, قالت: وما يضرُّك أية قرأت قَبْلُ؟ إنما نزل أوَّلَ ما نزل منه سورة من المفصَّلِ فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس الى الاسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول "شيء"٢: لا تشربوا الخمر، لقالوا: لا ندع الخمر أبداً، ولو نزل: لا تزنوا، لقالوا: لا ندع الزنا أبدًا, لقد نزل بمكة على محمد ﷺ , وإنى لجارية ألعب: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ ، وما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وانا عنده. قال:

стр. 128

فأخرجت له المصحف، فأملت عليه آى السور. والمراد من التأليف ههنا ترتيب سوره؛ وهذا العراقي سأل أولا عن أيِّ الكفن خيرٌ أو أفضل، فأخبرته عائشة -رضى الله عنها- أن هذا مما لا ينبغى أن يُعْتَنى١ بالسؤال عنه، ولا القصد له ولا الاستعداد؛ فإن في هذا تكلفًا لا طائل تحته، وكانوا فى ذلك الزمان يصفون أهل العراق بالتعنُّت فى الاسئلة، كما سأل بعضهم٢ عبد الله بن عمر عن دم البعوض٣ [يصيب الثوب، فقال ابن عمر: انظروا إلى أهل العراق، يسألون عن دم البعوض] ٣ وقد قتلوا ابن بنت رسول الله ﷺ !! ولهذا لم تبالغ معه عائشة -رضى الله عنها- فى الكلام لئلَّا يظن أن ذلك أمرٌ مهمٌّ٤، وإلا: فقد روى أحمد٥ و"أهل السنن" من حديث سمرة وابن عباس، عن

стр. 129

رسول الله ﷺ قال: "البسوا من ثيابكم البياض، وكفنوا فيها موتاكم؛ فإنها أطهر وأطيب". وصحَّحَه الترمذى من الوجهين. وفى "الصحيحين"١ عن عائشة أنها قالت: "كُفِّنَ رسول الله ﷺ فى ثلاثة أثواب بيض سحولية، ليس فيها قميص ولا عمامة". وهذا محرر فى باب الكفن من "كتاب الجنائز".

стр. 130

ثم سألها عن ترتيب القرآن، فانتقل إلى سؤال كبير، وأخبرها أنه يقرأ غير مؤلف, أى: مرتَّب السور، وكأن هذا قبل أن يبعث أمير المؤمنين عثمان -رضى الله عنه- إلى الآفاق المصاحف الائمة المؤلفة على هذا الترتيب المشهور اليوم، وقبل الالزام١ به، والله أعلم، ولهذا أخبرته أنه لا يضرك بأى سورة بدأت، وأن أول سورة نزلت يها ذكر الجنة والنار، وهذه إن لم تكن ﴿اقْرَأْ﴾ [العلق: ١] ، فقد يحتمل أنها أرادت اسم جنس لسور المفصل، التى فيها الوعد والوعيد، ثم لما انقاد الناس إلى التصديق، أمروا ونهوا بالتدريج أولا فأولا، وهذا من حكمة الله ورحمته. ومعنى هذا الكلام، أن هذه السورة -أو السور- التي يها ذكر الجنة والنار، ليست البداءة بهاء فى أوائل المصاحف، مع أنها من أول ما نزلت، وهذه البقرة والنساء من أوائل ما فى المصحف، وقد نزلت عليه فى المدينة وأنا عنده. فأما ترتيب الآيات فى السور، فليس فى ذلك رخصة، بل هو أمر

стр. 131

توقيفيّ عن رسول الله ﷺ ، كما تَقَدَّمَ تقرير ذلك، ولهذا لم ترخِّص له فى ذلك، بل أخرجت له مصحفها فأملت عليه أى السور، والله أعلم. وقول عائشة: لا يضرُّك بأيِّ سورة بدأت، يدلُّ على أنه لو قدَّم بعض السور أو أخَّرَ، كما "دل"١ عليه حديث حذيفة "وابن مسعود"٢ وهو في "الصحيح"٣ أنه ﵇ قرأ فى قيام الليل: البقرة ثم النساء ثم آل عمران. وقد حكى٤ القرطبى عن أبي بكر بن الأنباري فى "كتاب الرد" أنه قال: فمن أخَّرَ سورة مقدمة، أو قدَّم أخرى مؤخرة، كمن أفسد نظم الآيات، وغير الحروف والآيات، وكان مستنده اتباع مصحف عثمان -رضى الله عنه، فإنه مرتَّبٌ على هذا النحو المشهور. والظاهر أن ترتيب السور "فيه"٥: منه ما هو راجع إلى رأى عثمان ﵁، وذلك ظاهر في سؤالك ابن عباس له عن تَرْكِ البسملة فى أول براءة، وذكره الأنفال من الطُّوُل، والحديث فى الترمذى وغيره بإسناد جيد٦ قوى. وقد ذكرنا عن عليٍّ أنه كان قد عزم على ترتيب القرآن بحسب نزوله،

стр. 132

ولهذا حكى القاضى الباقلانى أن أوَّل مصحفه كان: "اقرأ باسم ربك الأكرم"، وأول مصحف ابن مسعود: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ ثم البقرة ثم النساء١ [على ترتيب مختلف، وأول مصحف أُبَيّ: "الحمد لله" ثم النساء] ١ ثم آل عمران, ثم الأنعام, ثم المائدة، ثم كذا، على اختلاف شديد. ثم قال القاضى٢: ويحتمل أن ترتيب السور في المصحف على ما هو عليه اليوم، من اجتهاد الصحابة -رضى الله عنهم, وكذا ذكر مكى فى تفسير سورة براءة، قال: فأما ترتيب الآيات والبسملة فى الأوائل فهو من النبى ﷺ . وقال ابن "٢" وهب في "جامعه"٣: سمعت سليمان بن بلال يقول: سُئِلَ ربيعة: لم قدَّمت البقرة وآل عمران، وقد نزل قبلهما بضع وثمانون سورة؟ فقال: قُدِّمَتا وأُلِّفَ القرآن على علمٍ مِمَّنْ أَلَّفَه، وقد أجمعوا على العلم بذلك، فهذا مما ينتهى إليه ولا يسأل عنه. قال ابن وهب: وسمعت مالكا يقول: إنما أُلِّفَ القرآن على ما كانوا يسمعونه من النبى ﷺ . قال أبو الحسن٢ بن بطال: "إنما يجب"٤ تأليف سورة فى الرسم والخط خاصَّة، ولا نعلم أن أحدًا قال: إن ترتيب ذلك واجب في الصلاة والقرآن ودرسه، وأنه لا يحلُّ لأحدٍ أن يتلقَّن الكهف قبل البقرة، ولا الحج بعد الكهف، ألا ترى إلى قول عائشة: لا يضرُّك أية قرأت قبل، وقد

стр. 133

كان النبى ﷺ يقرأ فى الصلاة السورة فى ركعة، ثم يقرأ فى الركعة الأخرى بغير السورة التى تليها. قال: وأما ما رُوِيَ عن ابن مسعود١ وابن عمر، أنهما كرها أن يقرأ القرآن "منكوسا"٢، وقالا: إنما ذلك منكوس القلب, فإنما عَنِيَا بذلك من يقرأ السورة منكوسة فيبتدئ بآخرها إلى أولها، فإن ذلك حرام محظور"٣. "ثم قال البخاري": حدَّثَنَا آدم عن شعبة, عن أبى اسحاق، قال: سمعت عبد الرحمن بن يزيد قال: سمعت ابن مسعود يقول، فى بنى إسرائيل والكهف ومريم وطه والأنبياء: انهن من العتاق الأُوَل، وهن من تلادى. انفرد بإخراجه البخاري٤.

стр. 134

والمراد منه ذكر ترتيب هذه السور فى مصحف ابن مسعود كالمصاحف العثمانية، وقوله: من العتاق الأُوَل، أى: من قديم ما نزل. وقوله: وهُنَّ من تلادى، أى: من قديم ما قَنَيْتُ وحَفِظْتُ, والتالِدُ فى لغتهم: قديم المال والمتاع، والطارِفُ: حديثه وجديده، والله أعلم. حدَّثَنَا أبو١ الوليد، ثنا شعبة، أنا أبو اسحق، سمع البراء بن عازب

стр. 135

-﵁ يقول: تعلمت ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ قبل أن يقدم النبى ﷺ . وهذا مُتَّفَقٌ عليه، وهو قطعة من حديث الهجرة, والمراد منه أن: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ سورة مكية نزلت قبل الهجرة، والله أعلم. "ثم قال"١: حدَّثَنَا عبدان, عن أبى حمزة, عن الأعمش, عن شقيق قال: قال عبد الله: لقد "علمت"٢ النظائر التى كان النبى ﷺ يقرؤهن اثنين اثنين فى كل ركعة، فقام عبد الله ودخل معه علقمة، وخرج علقمة فسألناه، فقال: عشرون سورة من أول المفصَّل على تأليف ابن مسعود، آخرهن من الحواميم حم الدخان, وعم يتساءلون. هذا التأليف الذى عن ابن مسعود غريبٌ، مخالف لتأليف عثمان -رضى الله عنه؛ فان المفصل فى مصحف عثمان -رضى الله عنه- من سورة الحجرات إلى آخره، وسورة الدخان لا تدخل فيه بوجه، والدليل على ذلك: ما رواه الإمام٣ أحمد: حَدَّثَنَا عبد الرحمن بن مهدي، ثنا عبد الله

стр. 136

ابن عبد الرحمن الطائفي، عن عثمان بن عبد الله بن أوس الثقفى، عن جدِّه أوس بن حذيفة قال: كنت فى الوفد الذين اتوا "النبى"١ ﷺ , فذكر حديثا فيه أن النبى ﷺ كان سمر معهم بعد العشاء، فمكث عنا ليلة لم يأتنا، حتى طال ذلك علينا بعد العشاء، قال: قلنا: ما أمكثك عنا يا رسول الله؟ قال: " طَرَأَ عليَّ حزبٌ من القرآن، فأردت أن لا أخرج حتى أقضيه". قال: فسألنا أصحاب رسول الله ﷺ حين أصبحنا، قال: قلنا كيف تحزبون القرآن؟ قالوا: نحزبه ثلاث سور، وخمس سور، وسبع سور، وتسع سور، وإحدى عشرة سورة، وثلاث عشرة سورة، وحزب المفصَّل من ق حتى يختم. ورواه أبو داود وابن ماجه من حديث عبد الله بن عبد الرحمن بن يعلى الطائفى به. وهذا إسناد حسن.

стр. 137

فصل: فأما نقط المصحف وشكله، فيقال: أن أوَّل من أمر به: عبد الملك بن مروان، فتصدَّى لذلك الحجاج وهو بواسط، فأمر الحسن البصري ويحيى بن يعمر، ففعلا ذلك، ويُقَالُ: أن أول من نقط المصحف أبو الأسود الدؤلي، وذكروا أنه كان لمحمد بن سيرين مصحفٌ قد نقطه له يحيى بن يعمر، والله أعلم. وأما كتابة الأعشار على الحواشى، فينسب إلى الحجاج أيضًا. وقيل: بل أوَّل من فعله المأمون. وحكى أبو عمرو الدانى عن ابن مسعود، أنه كره التعشير فى المصحف، وكان يحكه، وكره مجاهد ذلك أيضًا. وقال مالك: لا بأس به بالحِبْر، فأما بالألوان المصبغة فلا، واكره تعداد آى السور فى أولها فى المصاحف الأمهات، فأمَّا ما يتعلم فيه الغلمان فلا أرى به بأسًا. وقال قتادة: بدأوا فنقطوا ثم خمسوا ثم عشروا. وقال يحيى بن "أبي"١ كثير: أوَّل ما أحدثوا النقط, وقال: هو نورٌ له، ثم أحدثوا النقط عند آخر الاى، ثم أحدثوا الفواتح والخواتم. ورأى إبراهيم النَّخْعِيُّ فاتحة سورة كذا، فأمر بمحوها، وقال: قال ابن مسعود: لا تخلطوا بكتاب الله ما ليس فيه. قال أبو عمرو الدَّاني: ثم قد أَطْبَقَ المسلمون فى ذلك -فى سائر

стр. 138

الآفاق- على جواز ذلك فى الأمهات وغيرها. ثم قال البخارى١ ﵀: كان جبريل يعرض القرآن على النبي ﷺ . قال مسروق عن فاطمه عن عائشة: أسرَّ إليَّ رسول الله ﷺ : "أن جبريل كان يعارضنى بالقرآن كل سنة، وإنه عارضني العام مرتني، ولا أراه إلا حضر أجلى". هكذا٢ ذكره معلقًا، وقد أسنده٣ في "موضع"٤ أخر. ثم قال٥: ثنا يحيى بن قزعة، ثنا إبراهيم بن سعد، عن الزهرى، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس قال: كان النبى ﷺ أجود الناس بالخير، وأجود ما يكون في "شهر"٦ رمضان؛ لأن جبريل كان

стр. 139

يلقاه في كل ليلة في شهر رمضان حتى ينسلخ، يعرض عليه رسول الله ﷺ القرآن، فإذا لقيه جبريل كان أجود بالخير من الريح المرسلة. وهذا الحديث متفق١ عليه. وقد تقدَّمَ الكلام عليه فى أول الصحيح وما فيه من الحكم والفوائد، والله أعلم. ثم قال٢: ثنا خالد بن يزيد، ثنا أبو بكر، عن أبى حصين، عن أبى صالح، عن أبى هريرة قال: كان يعرض على النبى ﷺ القرآن كل عام مره، فعرض عليه مرتين فى العام الذى قبض فيه، وكان يعتكف كل عام عشرًا؛ فاعتكف عشرين في العالم الذي قبض. ورواه أبو داود والنسائي وابن ماجه من غير وجه عن أبى بكر -وهو ابن عياش, عن أبى حصين، واسمه عثمان بن عاصم به. والمراد من معارضته له بالقرآن كل سنة: مقابلته على ما أوحاه إليه

стр. 140

عن الله تعالى؛ ليبقى ما بقى، ويذهب ما نسخ توكيدًا واستثباتًا وحفظًا. ولهذا عرضه فى السنة الأخيرة من عمره ﵇ "اقتراب أجله"١ على جبريل مرتين، وعارضه به جبريل كذلك، ولهذا فهم ﵇ اقتراب أجله. وعثمان ﵁ جَمَعَ المصحف الإمام على العرضة الأخيرة ﵁ وأرضاه، وخصَّ بذلك رمضان من بين الشهور؛ لأن ابتداء الإيحاء كان فيه, ولهذا يستحب دراسة القرآن وتكراره فيه، ومن ثَمَّ كثر اجتهاد الأئمة فى تلاوة القرآن، كما تقدَّم ذكرنا لذلك.

стр. 141

القراء من أصحاب النبى ﷺ : حدثنا١ حفص بن عمر، ثنا شعبة، عن عمرو، عن إبراهيم، عن مسروق، ذكر عبد الله بن عمرو عبد الله بن مسعود فقال: لا أزال أحبه، سمعت النبى ﷺ يقول: "خذوا القرآن من أربعة: عبد الله بن مسعود، وسالم، ومعاذ بن جبل، وأُبَيّ بن كعب" رضى الله عنهم. وقد أخرجه البخارى٢ فى المناقب في غير موضع، ومسلم والنسائي من حديث الأعمش عن أبى وائل عن مسروق به. فهؤلاء أربعة: اثنان من المهاجرين الأولين: عبد الله بن مسعود وسالم مولى أبى حذيفة، وقد كان سالم هذا من سادات المسلمين، وكان يَؤُمُّ الناس قبل مقدِم النبي ﷺ "في"٣ المدينة، واثنان من الأنصار: معاذ بن

стр. 142

جبل وأُبَيّ بن كعب، وهما سيدان كبيران -رضى الله عنهم أجمعين. ثم قال١: حدَّثَنا عمر بن حفص، ثنا أبى، ثنا الأعمش، ثنا شقيق بن سلمة قال: خطبنا عبد الله فقال: والله لقد أخذت من فِي رسول الله ﷺ بضعا وسبعين سورة، والله لقد علم أصحاب النبى ﷺ أنى من أعلمهم بكتاب الله وما أنا بخيرهم. قال شقيق: فجلست فى الحلق أسمع ما يقولون، فما سمعت رادًّا يقول غير ذلك. حَدَّثَنَا٢ محمد بن كثير، ثنا سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة قال: كنا بحمص، فقرأ ابن مسعود سورة يوسف، فقال رجل: ما هكذا أُنْزِلت، فقال: قرأت على رسول الله ﷺ فقال: "أحسنت". ووجد منه ريح الخمر، فقال: أتجترئ أن تكذِّب بكتاب الله وتشرب الخمر؟ "فجلده"٣ الحدَّ.

стр. 143

حدَّثَنَا١ عمر بن حفص، ثنا أبى، ثنا الأعمش، ثنا مسلم، عن مسروق قال: قال عبد الله: والذى لا إله غيره، ما أنزلت سورة من كتاب الله، إلا وأنا أعلم أين انزلت، ولا أنزلت آية من كتاب الله، إلا وأنا أعلم فيم أنزلت، ولو أعلم أحدا أعلم منى بكتاب الله تبلغه الإبل، لركبت إليه. وهذا كله حقٌّ وصدقٌ، وهو من إخْبَارِ الرجل "بما"٢ يعلم من نفسه، مما قد يجهله غيره، فيجوز ذلك للحاجة, كما قال تعالى إخبارا عن يوسف لما قال لصاحب مصر: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٥] , ويكفيه مدحا وثناء قول رسول الله ﷺ : "استقرئوا القرآن من أربعة" فبدأ به. وقال أبو عبيد٣: حدثنا مصعب بن المقدام، عن سفيان، عن الأعمش، عن ابراهيم، عن عمرو، عن النبى ﷺ : "من أحبَّ أن يقرأ القرآن غضًّا كما أُنْزِلَ، فليقرأه على قراءة ابن أم عَبْدٍ". وهكذا رواه الإمام٤ أحمد، عن أبى معاوية، عن الأعمش به مطولًا،

стр. 144

وفيه قصة. وأخرجه الترمذي والنسائي من حديث أبى معاوية به. وصحَّحَه الدارقطنى، وقد ذكرته فى "مسند١ عمر". وفى مسند الإمام٢ أحمد أيضاً, عن أبى هريرة، أن رسول الله ﷺ

стр. 145

قال: "من أَحَبَّ أن يقرأ القرآن غضا كما أُنْزِلَ، فليقرأ على قراءة ابن أم عَبْدٍ". وابن أم عبد، هو عبد الله بن مسعود، كان يُعْرَفُ بذلك. ثم قال البخاري١: حدَّثَنا حفص بن عمر، ثنا همام، ثنا قتادة قال: سألت أنس بن مالك، من جمع القرآن على عهد النبى ﷺ ؟ قال: أربعة كلهم من الأنصار: أُبَيّ بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت, وأبو زيد, وقال: ونحن ورثناه. ورواه مسلم من حديث "همام"٢، "ثنا قتادة، قال:......
следующие страницы →