← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 22800

فضائل القرآن لابن كثير

ابن كثير

Полный текст (305 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

القراء من أصحاب النبى ﷺ : حدثنا١ حفص بن عمر، ثنا شعبة، عن عمرو، عن إبراهيم، عن مسروق، ذكر عبد الله بن عمرو عبد الله بن مسعود فقال: لا أزال أحبه، سمعت النبى ﷺ يقول: "خذوا القرآن من أربعة: عبد الله بن مسعود، وسالم، ومعاذ بن جبل، وأُبَيّ بن كعب" رضى الله عنهم. وقد أخرجه البخارى٢ فى المناقب في غير موضع، ومسلم والنسائي من حديث الأعمش عن أبى وائل عن مسروق به. فهؤلاء أربعة: اثنان من المهاجرين الأولين: عبد الله بن مسعود وسالم مولى أبى حذيفة، وقد كان سالم هذا من سادات المسلمين، وكان يَؤُمُّ الناس قبل مقدِم النبي ﷺ "في"٣ المدينة، واثنان من الأنصار: معاذ بن

стр. 142

جبل وأُبَيّ بن كعب، وهما سيدان كبيران -رضى الله عنهم أجمعين. ثم قال١: حدَّثَنا عمر بن حفص، ثنا أبى، ثنا الأعمش، ثنا شقيق بن سلمة قال: خطبنا عبد الله فقال: والله لقد أخذت من فِي رسول الله ﷺ بضعا وسبعين سورة، والله لقد علم أصحاب النبى ﷺ أنى من أعلمهم بكتاب الله وما أنا بخيرهم. قال شقيق: فجلست فى الحلق أسمع ما يقولون، فما سمعت رادًّا يقول غير ذلك. حَدَّثَنَا٢ محمد بن كثير، ثنا سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة قال: كنا بحمص، فقرأ ابن مسعود سورة يوسف، فقال رجل: ما هكذا أُنْزِلت، فقال: قرأت على رسول الله ﷺ فقال: "أحسنت". ووجد منه ريح الخمر، فقال: أتجترئ أن تكذِّب بكتاب الله وتشرب الخمر؟ "فجلده"٣ الحدَّ.

стр. 143

حدَّثَنَا١ عمر بن حفص، ثنا أبى، ثنا الأعمش، ثنا مسلم، عن مسروق قال: قال عبد الله: والذى لا إله غيره، ما أنزلت سورة من كتاب الله، إلا وأنا أعلم أين انزلت، ولا أنزلت آية من كتاب الله، إلا وأنا أعلم فيم أنزلت، ولو أعلم أحدا أعلم منى بكتاب الله تبلغه الإبل، لركبت إليه. وهذا كله حقٌّ وصدقٌ، وهو من إخْبَارِ الرجل "بما"٢ يعلم من نفسه، مما قد يجهله غيره، فيجوز ذلك للحاجة, كما قال تعالى إخبارا عن يوسف لما قال لصاحب مصر: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٥] , ويكفيه مدحا وثناء قول رسول الله ﷺ : "استقرئوا القرآن من أربعة" فبدأ به. وقال أبو عبيد٣: حدثنا مصعب بن المقدام، عن سفيان، عن الأعمش، عن ابراهيم، عن عمرو، عن النبى ﷺ : "من أحبَّ أن يقرأ القرآن غضًّا كما أُنْزِلَ، فليقرأه على قراءة ابن أم عَبْدٍ". وهكذا رواه الإمام٤ أحمد، عن أبى معاوية، عن الأعمش به مطولًا،

стр. 144

وفيه قصة. وأخرجه الترمذي والنسائي من حديث أبى معاوية به. وصحَّحَه الدارقطنى، وقد ذكرته فى "مسند١ عمر". وفى مسند الإمام٢ أحمد أيضاً, عن أبى هريرة، أن رسول الله ﷺ

стр. 145

قال: "من أَحَبَّ أن يقرأ القرآن غضا كما أُنْزِلَ، فليقرأ على قراءة ابن أم عَبْدٍ". وابن أم عبد، هو عبد الله بن مسعود، كان يُعْرَفُ بذلك. ثم قال البخاري١: حدَّثَنا حفص بن عمر، ثنا همام، ثنا قتادة قال: سألت أنس بن مالك، من جمع القرآن على عهد النبى ﷺ ؟ قال: أربعة كلهم من الأنصار: أُبَيّ بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت, وأبو زيد, وقال: ونحن ورثناه. ورواه مسلم من حديث "همام"٢، "ثنا قتادة، قال:......

стр. 146

سألت...."١. ثم قال البخارى٢: تابعه الفضل، عن حسين بن واقد، عن ثمامة، عن أنس بن مالك. حدَّثََنَا٣ معلى بن أسد، ثنا عبد الله بن المثنى، ثنا ثابت وثمامة عن أنس بن مالك قال: مات النبى ﷺ ولم يجمع القرآن غير أربعة: أبو الدرداء، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد، قال: ونحن ورثناه. فهذا الحديث ظاهره أنه لم يجمع القرآن من الصحابة سوى هؤلاء الأربعة فقط، وليس هذا هكذا، بل الذي لا يشك فيه: أنه جمعه غير واحد من المهاجرين أيضاً، ولعل مراده: لم يجمع القرآن من الأنصار، ولهذا ذكر الأربعة من الأنصار وهم: أُبَيّ بن كعب فى الرواية الأولى المتفق عليها، وفى الثانية من أفراد البخاري: أبو الدرداء ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت وأبو زيد، وكلهم مشهورون، إلا أبا زيد هذا، فإنه غير معروف إلا فى هذا الحديث، وقد اختُلِفَ فى اسمه. فقال الواقدي: وأسمه قيس بن السَّكَن بن قيس بن ذعورا بن حرام بن جندب بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار.

стр. 147

وقال ابن نمير: اسمه سعد بن عبيد بن النعمان بن قيس بن عمرو بن زيد بن أمية، من الأوس. وقيل: هما اثنان جمعا القرآن، حكاه أبو عمر بن عبد البَرِّ. وهذا بعيدٌ، وقول الواقدي أصبح؛ لأنه خزرجى، لأن أنسا قال: نحن ورثناه، وهم من الخزرج. وفي بعض الألفاظ: وكان أَحَدَ عُمُومَتِي. وقال قتادة١ عن أنس قال: افتخر الحيَّانِ الأوس والخزرج، فقالت الأوس: منا غِسِّيلُ الملائكة حنظلة بن أبى عامر، ومنَّا الذى حمته الدبر عاصم بن ثابت، ومنَّا الذى اهتزَّ لموته العرش سعد بن معاذ، ومنَّا مَن اجيزت شهادته بشهادة رجلين خُزَيْمَة بن ثابت. فقالت الخزرج: منَّا أربعة جمعوا القرآن على عهد رسول الله ﷺ : أُبَيّ بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد, فهذا كله يدُلُّ على صحة قول الواقدي. وقد شهد أبو زيد هذا بدرا فيما ذكره غير واحد. وقال موسى بن عقبة عن الزهري: قُتِلَ أبو زيد قَيْسُ بن السَّكَنِ يوم

стр. 148

جسر أبى عبيد، على رأس خمس عشرة سنة من الهجرة. والدليل على أن من المهاجرين مَنْ جمع القرآن، أن الصِّدِّيقَ ﵁ قَدَّمَه رسول الله ﷺ فى مرضه إماما على المهاجرين والأنصار، مع أنه قال: "يَؤُمُّ القوم أقرؤهم لكتاب الله" ١، فلولا أنه كان اقرأهم لكتاب الله لما قدَّمَه عليهم. هذا مضمون ما قرَّرَه الشيخ أبو الحسن عليُّ بن إسماعيل الأشعري، وهذا التقرير لا يدفع ولا يشك فيه، وقد جمع الحافظ بن السمعانيّ في ذلك جزءًا. وقد بسطت تقرير ذلك في "كتاب"٢ "مسند الشيخين" رضى الله عنهما. ومنهم٣ عثمان بن عفان، قد قرأه فى ركعة كما سنذكره. وعلى بن أبى٤ طالب، يقال: أنه جمعه على ترتيب ما أنزل، وقد قَدَّمْنَا هذا.

стр. 149

ومنهم١ عبد الله بن مسعود، وقد تَقَدَّمَ عنه أنه قال: ما من آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم أين نزلت وفيم أُنْزِلَتْ، ولو علمتُ أحدًا أعلم منى بكتاب الله تبلغه المَطِيُّ، لذهبت إليه. ومنهم١ سالم مولى أبى حذيفة، كان من السادات النجباء، والأئمة النقباء، وقد قُتِلَ يوم اليمامة شهيدًا. ومنهم١ الحبر البحر: عبد الله بن عباس بن عبد المطلب، ابن عم الرسول وترجمان القرآن، قد تَقَدَّمَ عن مجاهد أنه قال: عرضت القرآن على ابن عباس مرتين، أَقِفْهُ عند كلِّ آية وأساله عنها. ومنهم عبد الله٢ بن عمرو، كما رواه النسائى وابن ماجة، من حديث ابن جريج، عن عبد الله بن أبى مليكة، عن يحيى بن حكيم بن صفوان، عن عبد الله بن عمرو قال: جمعت القرآن، فقرأت به كل ليلة، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: "اقرأه فى شهر" وذكر تمام الحديث. ثم قال البخارى٣: حدَّثَنا صدقة بن الفضل، أنا يحيى، عن سفيان،

стр. 150

عن حبيب بن أبى ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال عمر: عليٌّ أقضانا، وأُبَيٌّ أقرؤنا، وإنا لندع من لحن أُبَيّ, وأُبَيٌّ يقول: أخذته من فِي رسول الله ﷺ ، فلا أتركه لشىء، قال الله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آَيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦] . وهذا يدل على أن الرجل الكبير قد يقول الشىء يظنُّه صوابا، وهو خطأٌ فى نفس الأمر، ولهذا قال الامام مالك: ما من أحد إلّا يوخذ من

стр. 151

قوله ويُرَدُّ، إلا قول صاحب هذا القبر, أى: فكله مقبول -صلوات الله وسلامه عليه. ثم ذكر البخارى فضل فاتحة الكتاب وغيرها، وذكرنا في "التفسير" فضل كل سورة عندها؛ ليكون ذلك أنسب. ثم قال:

стр. 152

نزول السكينة والملائكة عند القراءة: وقال الليث: حدَّثَنِي يزيد بن الهاد، عن محمد بن ابراهيم، عن أسيد بن الحضير قال: بينا هو يقرأ من الليل سورة البقرة، وفرسه مربوطة عنده، اذ جالت الفرس، فسكت فسكنت، فقرأ فجالت الفرس، فسكت فسكنت، ثم قرأ فجالت الفرس، فانصرف، وكان ابنه يحيى قريبًا منها، فأشفق أن يصيبه، فلما "أخرَّه"١ رفع رأسه إلى السماء حتى ما يراها، فلما أصبح حَدَّثَ النبي ﷺ فقال: "اقرأ يا ابن حضير، اقرأ يا ابن حضير" , قال: فأشفقت أن تطأ يحيى، وكان منها قريبًا، فرفعت رأسى وانصرفت إليه، فرفعت رأسي الى السماء، فإذا مثل الظُّلَّةِ فيها أمثال المصابيح، فخرجت حتى لا أراها، قال: "وتدرى ما ذاك"؟. قال: لا، قال: "تلك الملائكة دَنَتْ لصوتك، لو قرأت لأصبحت ينظر الناس إليها لا تتوارى منهم". قال ابن الهاد: وحدثنى هذا الحديث عبد الله بن خَبَّاب، عن أبي سعيد الخدرى، عن أسيد بن الحضير. هكذا أورد٢ البخارى هذا الحديث معلقًا، وفيه انقطاع فى الرواية

стр. 153

الأولى، فإن محمد بن ابراهيم بن الحارث التيمى المدنى تابعيٌّ صغير، لم يدرك أسيدا؛ لانه مات سنة عشرين، وصلى عليه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضى الله عنهما، ثم فيه غَرَابَةٌ من حيث انه قال: وقال الليث: حدثنى يزيد بن الهاد، ولم أره بسند متصل عن الليث "كذلك"١ إلا ما ذكره الحافظ أبو القاسم بن عساكر في "الأطراف" أن يحيى بن عبد الله بن بكير، رواه عن الليث كذلك. وقد رواه الإمام٢ أبو عبيد فى "فضائل القرآن" فقال: وحدَّثَنَا عبد الله بن صالح ويحيى بن بكير، عن الليث، عن يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد، عن محمد بن ابراهيم بن الحارث التيمى، عن أسيد بن حضير، فذكر الحديث إلى آخره. ثم قال: قال ابن الهاد: وحدثني عبد الله بن خَبَّاب، عن أبى سعيد، عن أسيد بن حضير بهذا. وقد رواه....................................................

стр. 154

النسائى١ فى "فضائل القرآن" عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، عن شُعَيْب بن الليث، وعن عليٍّ بن محمد بن على، عن داود بن منصور، كلاهما عن الليث عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن يزيد بن عبد الله -وهو ابن الهاد, عن عبد الله بن خَبَّاب، عن أبى سعيد، عن أُسَيْد به. ورواه يحيى بن بكير، عن الليث كذلك أيضًا، فجمع بين الإسنادين. ورواه فى "المناقب"٢ عن أحمد بن سعيد الرباطى، عن يعقوب بن ابراهيم، عن أبيه، عن يزيد بن الهاد، عن عبد الله بن خباب، عن أبى سعيد، أن أُسَيْد بن حضير بينما هو ليلة يقرأ فى مربده ... الحديث. ولم يقل عن أُسَيْد، ولكن ظاهره أنه عنه، والله أعلم.

стр. 155

وقال أبو عبيد١: حدَّثَنِي عبد الله بن صالح، عن الليث، عن ابن شهاب، عن ابن كعب بن مالك، عن أُسَيْد بن حُضَيْر، أنه كان يقرأ على ظهر بيته، يقرأ القرآن وهو حَسَنُ الصَّوْتِ, ثم ذكر مثل هذا الحديث أو نحوه. وحدَّثَنَا قُبَيْصَةَ٢، عن حَمَّاد بن سلمة، عن ثابت البنانى، عن عبد الرحمن بن أبى ليلى، عن أُسَيْد بن حُضَيْر قال: قلت: يا رسول الله، بينا أنا اقرأ البارحة بسورة، فلما انتهيت إلى آخرها، سمعت وَجْبَةً من خلفى حتى ظننت أن فرسي تطلق، فقال رسول الله ﷺ : "اقرأ أبا عتيك" مرتين. قال: فالتفتُّ فرأيت إلى أمثال المصابيح ما بين السماء

стр. 156

والأرض، فقال رسول الله ﷺ : "إقرأ أبا عتيك " , فقال: والله ما استطعت أن أمضى، فقال: "تلك الملائكة تَنَزَّلت لقراءة القرآن، أما أنك لو مضيت لرأيت الأعاجيب". وقال أبو داود١ الطيالسي: حدَّثَنا شعبة، عن أبي إسحاق، سمع البراء يقول: بينما رجل يقرأ سورة الكهف ليلة، إذ رأى دابته تركض -أو قال: فرسه يركض, فنظر فإذا مثل الصبابة أو مثل الغمامة، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ ، فقال: "تلك السكينة تَنَزَّلَت للقرآن"، أو: "تنزلت على القرآن". وقد أخرجه صاحبا "الصحيح" من حديث شعبة. والظاهر أن هذا هو أُسَيْد بن الحضير -رضي اله عنه. فهذا مما يتعلق بصناعة الإسناد، وهذا من أغرب تعليقات البخاري

стр. 157

رحمه الله، ثم سياقه ظاهر فيما ترجم عليه من نزول السكينة والملائكة عند القراءة. وقد اتفق نحو هذا الذى وقع لِأُسَيْد بن الحضير لثابت بن قيس بن شِمَاس. كما قال أبو عبيد١: حدَّثنا عباد بن عبَّاد، عن جرير بن حازم، عن عمه جرير بن يزيد، أن أشياخ أهل المدينة حدَّثوه أن رسول الله ﷺ قيل له: ألم تر ثابت بن قيس بن شِمَاس؟ لم تزل داره البارحة تزهر مصابيح, قال: "فلعله قرأ سورة البقرة" , قال: فسُئِلَ ثابت فقال: قرأت سورة البقرة. وفى الحديث المشهور الصحيح: "ما اجتمع قومٌ فى بيتٍ من بُيُوت الله، يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، إلا تنزَّلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفَّتْهُم الملائكة، وذكره الله فيمن عنده". رواه "مسلم"٢ عن أبى هريرة.

стр. 158

ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨] . جاء في بعض التفاسير أن الملائكة تشهده. وقد جاء فى "الصحيحين"١ عن أبى هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الصبح وصلاة العصر، فيعرج إليه الذين نزلوا فيكم، فيسألهم وهو أعلم بكم: كيف تركتم عبادى؟ فيقولون: أتيناهم وهم يصلون وتركناهم وهم يصلون".

стр. 159

من قال: لم يترك النبى ﷺ إلا ما بين الدَّفتين: حدَّثَنا قتيبة١، ثنا سفيان، عن عبد العزيز بن رفيع قال: دخلت أنا وشدَّاد بن معقل على ابن عباس، فقال له شداد بن معقل: أَتَرَكَ النبى ﷺ من شيء؟ قا: ما تَرَكَ إلا ما بين الدَّفتين. قال: ودخلت على محمد بن الحنفية فسألناه، فقال: ما تَرَكَ إلا ما بين الدَّفتين. تفرَّدَ به البخاري٢، ومعناه: أنه ﵇ ما ترك مالاً ولا شيئًا يورث عنه، كما قال عمرو بن٣ الحارث أخو جويرية: ما تَرَكَ رسول الله ﷺ دينارًا ولا درهمًا ولا عبدًا ولا أمة ولا شيئًَا. وفى حديث أبى الدرداء٤: "إن الأنبياء لم يوروثا دينارًا ولا درهمًا، إنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذه بحظٍّ وافرٍ". ولهذا قال ابن عباس: وإنما يُتْرَك ما بين الدَّفتين, يعني: القرآن والسنة

стр. 160

مفسرة له ومبيِّنة وموضِّحة، أى: تابعة له، والمقصود الأعظم كتاب الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ الآية [فاطر: ٣٢] فالأنبياء ﵈ لم يُخْلَقُوا للدنيا يجمعونها ويورثونها، وإنما خُلِقُوا للآخرة يدعون اليها ويرغبون فيها. ولهذا قال١ رسول الله ﷺ : "لا نورث" ٢ ما تركنا فهو صدقة". وكان أول من أظهر هذه المحاسن من هذا الوجه، أبو بكر الصديق -رضى الله عنه- لما سُئِلَ ميراث رسول الله ﷺ , فأَخْبَرَ عنه بذلِكَ، ووافقه على نَقْله عنه ﵇ غير واحد من الصحابة؛ منهم عمر وعثمان وعلي والعباس وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وأبو هريرة وعائشة وغيرهم، وهذا ابن عباس يقوله أيضا عنه ﵇، ﵃ أجمعين.

стр. 161

فضل القرآن على سائر الكلام: حدَّثَنا هدبة بن خالد أبو خالد، ثنا همَّام "ثنا قتادة"١، ثنا أنس بن مالك, عن أبى موسى -رضى الله عنهما، عن النبى ﷺ : "مَثَلُ الذى يقرأ القرآن كمَثَلِ الأُتْرُجَّة؛ طعمُها طيبٌ وريحها طيبٌ، والذي لا يقرأ القرآن كالتَّمرة؛ طعمُها طيبٌ ولا ريحَ لها، ومَثَلُ الفاجر الذى يقرأ القرآن كَمَثَلِ الريحانة؛ ريحُها طيبٌ وطعمُها مُرٌّ، ومَثَلُ الفاجر الذى لا يقرأ القرآن كَمَثَلِ الحنظلة؛ طعمُها مُرٌّ ولا ريح لها". وهكذا رواه٢ فى مواضع أخر مع بقية الجماعة من طرق عن قتادة به. ووجه مناسبة الباب لهذا الحديث أن أطيب الرائحة دار مع القرآن وجودًا وعدمًا، فدَلَّ على شرفه على ما سواه من الكلام الصادر من البَرِّ والفاجر.

стр. 162

"ثم قال"١: حدَّثنا مسدد، ثنا يحيى عن سفيان، حدثني عبد الله بن دينار قال: سمعت ابن عمر -رضى الله عنهما، عن النبى ﷺ قال: "انما أجلكم فى أجلِ مَنْ خلا من الأمم كما بين صلاة العصر ومغرب الشمس، ومثلكم ومثل اليهود والنصارى كمثل رجل استعمل عمَّالًا فقال: من يعمل لى إلى نصف النهار على قيراط، فعملت اليهود، فقال: مَنْ يعمل لى من نصف النهار إلى العصر؟ فعملت النصارى، ثم أنتم تعملون من العصر إلى المغرب بقيراطين قيراطين، قالوا: نحن أكثر عملا وأقل عطاء، قال: هل ظلمتكم من حقِّكُم شيئًا؟ قالوا: لا، قال: فذاك فضلي أوتيه من شئت". تفرَّدَ به من هذا الوجه، ومناسبته للترجمة أن هذه الأمة مع قصر مدتها، فضلَّت الأمم الماضية مع طول مدتها، كما قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠] . وفي "المسند"٢ و"السنن" عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جَدِّه

стр. 163

قال: قال رسول الله ﷺ : "أنتم توفون سبعين أمة، أنتم خيرها وأكرمها على الله". وإنما فازوا بهذا ببركة الكتاب العظيم, القرآن الذى شرَّفَه الله على كل كتاب أنزله، وجعله مهيمنًا عليه وناسخًا له وخاتمًا له، لأن كل الكتب المتقدِّمَة نزلت إلى الأرض جملة واحدة، وهذا القرآن نزل منجَّمًا بحسب الوقائع، لشدة الاعتناء به وبمن أُنْزِلَ عليه، فكل مرة كنزول كتاب من الكتب المتقدمة. وأعظم الأمم المتقدمة هم اليهود والنصارى، فاليهود استعملهم الله من لدن موسى إلى زمان عيسى، والنصارى من ثَمَّ إلى أن بُعِثَ محمدا ﷺ ، ثم استعمل أمته إلى قيام الساعة، وهو الشبه بآخر النهار، وأعطى المتقدمين قيراطا قيراطًا، وأعطى هؤلاء قيراطين قيراطين، ضعفى ما أعطى أولئك، فقالوا: أى ربنا, ما لنا أكثر عملا وأقل أجرًا؟ فقال: هل ظلمتكم من أجركم شيئًا؟ قالوا: لا، قال: فذاك فضلى -أى: الزائد على ما أعطيتكم- أوتيه من اشاء, كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ

стр. 164

وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ، لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد: ٢٨-٢٩] .

стр. 165

الوصاة بكتاب الله: حدَّثَنا١ محمد بن يوسف، ثنا مالك بن مغول، ثنا طلحة -هو ابن مصرف، سألت عبد الله بن أبى أوفى: أوصى النبى ﷺ ؟ قال: لا, قال: قلت: فكيف كتب على الناس الوصية أمروا بها، ولم يوص؟ قال: أوصى بكتاب الله . وقد رواه فى "مواضع أُخَرَ" مع بقية الجماعة إلا أبا داود من طرق، عن مالك بن مغول به. وهذا نظير ما تقدَّمَ عن ابن عباس أنه ما ترك إلا ما بين الدفتين, وذلك أن الناس كتب عليهم الوصية فى أموالهم، كما قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠] وأما هو ﷺ , فلم يترك شيئًا يورث عنه، و"إنما"٢ ترك ماله صدقة جارية من بعده، فلم يحتج إلى وصية فى ذلك. ولم يوص الى خليفة يكون بعده على التنصيص؛ لأن الأمر كان ظاهرًا من إشاراته وايماءاته إلى الصديق، ولهذا لما همَّ بالوصية إلى أبى بكر، ثم

стр. 166

عدل عن ذلك قال: "يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر"١ وكان كذلك، وإنما أوصى الناس باتباع كلام الله.

стр. 167

مَنْ لم يتغنَّ بالقرآن: وقوله الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ . حدَّثَنا يحيى١ بن بكير، ثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، أنه كان يقول: قال رسول الله ﷺ : "لم يأذن الله لشىء، ما أَذِنَ لنبيٍّ يتغَنَّى بالقرآن". وقال صاحب له: يريد يجهر به، فرَدَّ من هذا الوجه. ثم رواه عن علي بن عبد الله بن المدينى، عن سفيان بن عيينة، عن الزهرى به, قال سفيان: تفسيره يستغنى به. وقد أخرجه مسلم والنسائى من حديث سفيان بن عُيَيْنَة به. ومعناه: أن الله تعالى ما استمع لشىء كاستماعه لقراءة نبيٍّ يجهر بقراءته ويحسِّنُها، وذلك أنه يجتمع فى قراءة الأنبياء طيب الصوت لكمال خلقهم

стр. 168

وتمام الخشية، وذلك هو الغاية فى ذلك، وهو يسمع أصوات العباد كلهم برهم وفاجرهم. كما قالت عائشة -رضى الله عنها: سبحان الذى وسع سمعه الأصوات, ولكن استماعه لقراءة عباده المؤمنين أعظم، كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآَنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ الآية، ثم استماعه لقراءة أنبيائه أبلغ، كما دلَّ عليه هذا الحديث العظيم. ومنهم من فَسَّر الأذن ههنا بالأمر. والأول أولى؛ لقوله: "ما أَذِنَ الله لشىء، ما أَذِنَ لنبيٍّ يتغَنَّى بالقرآن" أي: يجهر به، والاذن الاستماع؛ لدلالة السياق عليه، وكما قال تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ، وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ، وَإِذَا الأَرْضُ مُدَّتْ، وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ، وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ [الانشقاق: ١-٥] . أى: استمعت لربها وحقت، أى: وحق لها أن تستمع أمره وتطيعه، فالاذن ههنا، هو: الاستماع. ولهذا جاء فى حديث رواه ابن١ ماجه بسند جيِّدٍ عن فَضَالَةَ بن عُبَيْدٍ

стр. 169

قال: قال رسول الله ﷺ : "لله أشد أذنا إلى الرجل الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القَيْنَةِ إلي قَيْنَتِه". وقول سفيان بن عيينة: أن المراد بالتغنِّي: يستغني به، فإن أراد أنه يستغني به عن الدنيا، وهو الظاهر من كلامه الذي تابعه عليه أبو عبيد القاسم بن سلَّام وغيره، فخلاف الظاهر من مراد الحديث؛ لأنه قد فسَّره بعض رواته بالجهر، وهو تحسين القراءة والتحزين بها. قال حرملة: سمعت ابن عُيَيْنَةَ يقول: معناه: يستغنى به، فقال لى الشافعى: ليس هو هكذا، ولو كان هكذا لكان يتغانَى، إنما هو يتحزَّن

стр. 170

ويترنَّمُ به. قال حرملة: وسمعت ابن وهب يقول: يترنَّمُ به, وهكذا نقل المزنى والربيع عن الشافعى ﵀. وعلى هذا فتصدير البخارى الباب بقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت: ٥١] فيه نظر؛ لأن هذه الآية الكريمة ذُكِرَت ردًّا على الذين سألوا آيات تدل على صدقه، حيث قال: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آَيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآَيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ، أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥٠-٥١] , ومعنى ذلك: أو لم يكفهم آية دالَّة على صدقك: إنزالنا القرآن عليك وأنت رجل أمي؟ ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٨] , أى: وقد جئت فيه بخبر الأولين والآخرين، فأين هذا من التغنِّي بالقرآن وهو تحسين الصوت به أو الاستغناء به عمَّا عداه من أمور الدنيا؟ فعلى كل تقديرٍ تصدير الباب بهذه الآية فيه نظر. فصل: فى إيراد أحاديث فى معنى الباب, وذكر أحكام التلاوة بالأصوات قال أبو عُبَيْد١: حدَّثَنا عبد الله بن صالح، عن قباث بن رَزِين،

стр. 171

عن على بن رباح اللخمى، عن عقبة بن عامر قال: خرج علينا رسول الله ﷺ يوما ونحن فى المسجد نتدارس القرآن، قال: "تعلموا كتاب الله واقتنوه" -قال: وحسبت أنه قال: "وتغنوا به"- "فوالذى نفسى بيده لهو اشد تفلُّتًا من المخاض من العقل". وحدثنا عبد الله١ بن صالح، عن موسى بن على، عن أبيه، عن عقبة, عن رسول الله ﷺ مثل ذلك، إلا أنه قال: "واقتنوه وتَغَنَّوْا به". ولم يشك. وهكذا رواه "أحمد"٢ النسائي في.................................

стр. 172

"كتاب"١ فضائل القرآن" من حديث موسى بن علي عن أبيه به، ومن حديث عبد الله بن المبارك، عن قباث بن رَزِين، عن على بن رباح، عن عقبة. وفى بعض ألفاظه: خرج علينا ونحن نقرأ القرآن فسلَّم علينا. وذكر الحديث. ففيه دلالة على السلام على القارئ. "ثم قال"٢ أبو عُبَيْد٣: حدَّثَنا أبو اليمان، عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم، عن................

стр. 173

"المهاصر"١ بن حبيب قال: قال رسول الله ﷺ : "يا أهل القرآن لا توسدوا القرآن، واتلوه حقَّ تلاوته آناء الليل والنهار، وتَغَنّوه وتقنوه، واذكروا ما فيه لعلكم تفلحون". وهذا مرسل، ثم قال أبو عبيد: قوله: "تغنوه" أي: اجعلوه غناءكم من الفقر، ولا تعدوا الإقلال معه فقرًا. وقوله "وتقنوه" يقول: اقتنوه كما تقتنوا الأموال، اجعلوه مالكم, وقال أبو عُبَيْد٢: حدثني هشام بن عمار، عن علي بن حمزة، عن الأوزاعى قال: حدثنى إسماعيل بن عُبَيْد الله بن أبى المهاجر، عن فَضَالَةَ بن عُبَيْد, عن النبى ﷺ قال: "الله أشد أذَنًا إلى الرجل الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القَيْنَةِ إلى قَيْنَتِه". قال أبو عُبَيْد: هذا الحديث بعضهم يزيد فى إسناده، يقول: عن إسماعيل بن عُبَيْد الله، عن مولى فَضَالَةَ، عن فَضَالَةَ. وهكذا رواه ابن ماجه٢ عن راشد بن سعيد بن أبى راشد، عن الوليد، عن الأوزاعى، عن إسماعيل بن عُبَيْد الله، عن مَيْسَرة مولى فَضَالَةَ، عن فَضَالَةَ, عن النبى ﷺ : "لله أشد أذَنًا إلى الرجل الحسَنِ الصوت بالقرآن من صاحب القَيْنَةِ إلى قَيْنَتِه". قال أبو عُبَيْد: يعنى: الاستماع. وقوله فى الحديث الاخر: "ما أذن الله لشىء" أى: ما استمع. وقال أبو القاسم٣ البغوى: حدثنا محمد بن حميد، ثنا سلمة بن

стр. 174

الفضل، ثنا عبد الله بن عبد الرحمن بن أبى مليكة، حدثنا القاسم بن محمد، حدثنى السائب قال: قال لى سعد: يا ابن أخى، هل قرأت القرآن؟ قلت: نعم، قال: غَنِّ به، فإنى سمعت رسول الله ﷺ يقول: "غَنُّوا بالقرآن، ليس منَّا مَنْ لم يُغَنَّ بالقرآن، وابكوا, فإن لم تقدروا على البكاء فتباكوا". وقد روى أبو داود١ من حديث الليث "وعمرو بن دينار كلاهما"٢, عن عبد الله بن أبي مليكة, عن عُبَيْد الله بن أبى نَهِيك، عن سعد بن أبى وقاص قال: قال رسول الله ﷺ : "ليس منا من لم يَتَغَنَّ بالقرآن" ٢. ٣ [ورواه ابن ماجه٤ من حديث ابن أبي مليكة، عن عبد الرحمن بن السائب، عن سعد بن أبى وقاص، قال: قال رسول الله ﷺ ] ٣:

стр. 175

"إن هذا القرآن نزل بحُزْنٍ، فإذا قرأتموه، فابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا، وتَغَنُّوا به، فمن لم يَتَغَنَّ به فليس منا". ١ [وقال أحمد٢: حدثنا وكيع، ثنا سعيد بن حسان المخزومي، عن ابن أبي مليكة، عن عبد الله بن أبى نهيك، عن سعد بن أبى وقاص، قال: قال رسول الله ﷺ : "ليس منا من لم يَتَغَنَّ بالقرآن". قال وكيع: يعني يستغني به. ورواه أحمد٣ أيضًا عن حجاج وأبي النضر، كلاهما عن الليث بن سعد, وعن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، كلاهما عن عبد الله ابن أبي مليكة] ١. وفي هذا الحديث كلام طويل يتعلق بسنده، ليس

стр. 176

هذا موضوعه. والله أعلم. وقال أبو داود١: ثنا عبد الأعلى بن حماد، ثنا عبد الجبار بن الورد قال: سمعت ابن أبى مليكة يقول: قال عُبَيْد الله بن أبي يزيد: مَرَّ بنا أبو لبابة، فاتبعناه حتى دخل بيته، فدخلنا عليه، فإذا رجل رث البيت

стр. 177

رثَّ الهيئة، فانتسبنا له، فقال: تجار كسبة "تجار كسبة"١، فسمعته يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ليس منا من لم يَتَغَنَّ بالقرآن" قال: فقلت لابن أبى مليكة: يا أبا محمد، أرأيت إذا لم يكن حسن الصوت، قال: يحسنه ما استطاع. تفرَّد به أبو داود، فقد فهم من هذا أن السلف -رضى الله عنهم, إنما فهموا من التغنِّي بالقرآن إنما هو: تحسين الصوت به وتحزينه، كما قاله الأئمة ﵏. ويدل على ذلك أيضًا ما رواه أبو داود٢، حيث قال: ثنا عثمان

стр. 178

ابن أبى شيبة، ثنا جرير، عن الأعمش، عن طلحة، عن عبد الرحمن ابن عوسجة، عن البراء بن عازب قال: قال رسول الله ﷺ : "زيِّنُوا القرآن بأصواتكم". وأخرجه النسائى وأبن ماجة من حديث شعبة عن طلحة. وهذا اسناد جيد, وقد وَثَّقَ النسائي وابن حِبَّان عبد الرحمن بن عوسجة هذا, ونقل الأزدى عن يحيى بن سعيد القطان أنه قال: سألت عنه بالمدية فلم أرهم يحمدونه. وقال أبو عُبَيْد القاسم١ بن سلام: حدثنا يحيى بن سعيد عن شعبة قال: نهاني أيوب أن أحدث بهذا الحديث "زينوا القرآن بأصواتكم". قال أبو عبيد: وانما كره أيوب فيما نرى أن يتأوَّل الناس بهذا الحديث الرخصة من رسول الله ﷺ فى الألحان المبتدعة، فلهذا نهاه أن يحدِّث به. "قلت": ثم إن شعبة ﵀ روى الحديث متوكلا على الله كما روي له، ولو ترك كل حديث يتأوله مبطل، لترك من السنة شيء كثير، بل قد تطرقوا إلى تأويل آيات كثيرة من القرآن، وحملوها على غير محاملها الشرعية المرادة، وبالله المستعان وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله. والمراد من تحسين الصوت بالقرآن تطريبه وتحزينه والتَّخَشُّع به، كما رواه الحافظ الكبير بَقِيُّ بن مَخْلَدٍ ﵀ حيث قال: ثنا أحمد ابن إبراهيم، ٢ [ثنا يحيى بن سعيد الأموي، ثنا طلحة بن يحيى بن طلحة، عن أبى بردة بن أبى موسى] ٢، عن أبيه، قال: قال لى رسول الله ﷺ

стр. 179

ذات يوم: "يا أبا موسى، لو رأيتنى وأنا أستمع قراءتك البارحة" , قلت: أما والله لو علمت آنك تسمع قراءتى، لحبَّرتُها لك تحبيرًا. ورواه مسلم١ من حديث طلحة به. وزاد: "لقد أوتيت مزمارًا من مزامير آل داود". وسيأتى هذا فى بابه حيث يذكره البخارى. والغرض أن أبا موسى قال: لو أعلم أنك تسمعه لحبَّرتُه لك تحبيرًا, فدَلَّ على جواز تعاطى ذلك وتكلفه، وقد كان أبو موسى كما قال ﵇: قد أعطى صوتا حسنا، كما سأذكره إن شاء الله، مع خشية تامة ورقة أهل اليمن "الموصوفة"٢، فدلَّ على أن هذا من الأمور الشرعية. قال أبو عبيد٣: وحدَّثَنا عبد الله بن صالح، عن الليث، عن يونس،

стр. 180

عن ابن شهاب، عن أبى سلمة قال: كان عمر إذا رأى أبا موسى قال: ذكِّرْنَا ربَّنا يا أبا موسى، فيقرأ عنده. قال أبو عبيد١: "حدثنا إسماعيل بن إبراهيم قال"٢: ثنا سليمان التيمى أو نبئت عنه، ثنا أبو عثمان النهديّ قال: كان أبو موسى يصلى بنا، فلو قلت: أنى لم أسمع صوت صَنْجٍ٣ قط, ولا بَرْبَطٍ٤ قط, ولا شيئًَا قط أحسن من صوته. وقال ابن ماجه٥: حدَّثَنا العباس بن عثمان الدمشقي، ثنا الوليد بن
следующие страницы →