← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 22800

فضائل القرآن لابن كثير

ابن كثير

Полный текст (305 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

هذا موضوعه. والله أعلم. وقال أبو داود١: ثنا عبد الأعلى بن حماد، ثنا عبد الجبار بن الورد قال: سمعت ابن أبى مليكة يقول: قال عُبَيْد الله بن أبي يزيد: مَرَّ بنا أبو لبابة، فاتبعناه حتى دخل بيته، فدخلنا عليه، فإذا رجل رث البيت

стр. 177

رثَّ الهيئة، فانتسبنا له، فقال: تجار كسبة "تجار كسبة"١، فسمعته يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ليس منا من لم يَتَغَنَّ بالقرآن" قال: فقلت لابن أبى مليكة: يا أبا محمد، أرأيت إذا لم يكن حسن الصوت، قال: يحسنه ما استطاع. تفرَّد به أبو داود، فقد فهم من هذا أن السلف -رضى الله عنهم, إنما فهموا من التغنِّي بالقرآن إنما هو: تحسين الصوت به وتحزينه، كما قاله الأئمة ﵏. ويدل على ذلك أيضًا ما رواه أبو داود٢، حيث قال: ثنا عثمان

стр. 178

ابن أبى شيبة، ثنا جرير، عن الأعمش، عن طلحة، عن عبد الرحمن ابن عوسجة، عن البراء بن عازب قال: قال رسول الله ﷺ : "زيِّنُوا القرآن بأصواتكم". وأخرجه النسائى وأبن ماجة من حديث شعبة عن طلحة. وهذا اسناد جيد, وقد وَثَّقَ النسائي وابن حِبَّان عبد الرحمن بن عوسجة هذا, ونقل الأزدى عن يحيى بن سعيد القطان أنه قال: سألت عنه بالمدية فلم أرهم يحمدونه. وقال أبو عُبَيْد القاسم١ بن سلام: حدثنا يحيى بن سعيد عن شعبة قال: نهاني أيوب أن أحدث بهذا الحديث "زينوا القرآن بأصواتكم". قال أبو عبيد: وانما كره أيوب فيما نرى أن يتأوَّل الناس بهذا الحديث الرخصة من رسول الله ﷺ فى الألحان المبتدعة، فلهذا نهاه أن يحدِّث به. "قلت": ثم إن شعبة ﵀ روى الحديث متوكلا على الله كما روي له، ولو ترك كل حديث يتأوله مبطل، لترك من السنة شيء كثير، بل قد تطرقوا إلى تأويل آيات كثيرة من القرآن، وحملوها على غير محاملها الشرعية المرادة، وبالله المستعان وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله. والمراد من تحسين الصوت بالقرآن تطريبه وتحزينه والتَّخَشُّع به، كما رواه الحافظ الكبير بَقِيُّ بن مَخْلَدٍ ﵀ حيث قال: ثنا أحمد ابن إبراهيم، ٢ [ثنا يحيى بن سعيد الأموي، ثنا طلحة بن يحيى بن طلحة، عن أبى بردة بن أبى موسى] ٢، عن أبيه، قال: قال لى رسول الله ﷺ

стр. 179

ذات يوم: "يا أبا موسى، لو رأيتنى وأنا أستمع قراءتك البارحة" , قلت: أما والله لو علمت آنك تسمع قراءتى، لحبَّرتُها لك تحبيرًا. ورواه مسلم١ من حديث طلحة به. وزاد: "لقد أوتيت مزمارًا من مزامير آل داود". وسيأتى هذا فى بابه حيث يذكره البخارى. والغرض أن أبا موسى قال: لو أعلم أنك تسمعه لحبَّرتُه لك تحبيرًا, فدَلَّ على جواز تعاطى ذلك وتكلفه، وقد كان أبو موسى كما قال ﵇: قد أعطى صوتا حسنا، كما سأذكره إن شاء الله، مع خشية تامة ورقة أهل اليمن "الموصوفة"٢، فدلَّ على أن هذا من الأمور الشرعية. قال أبو عبيد٣: وحدَّثَنا عبد الله بن صالح، عن الليث، عن يونس،

стр. 180

عن ابن شهاب، عن أبى سلمة قال: كان عمر إذا رأى أبا موسى قال: ذكِّرْنَا ربَّنا يا أبا موسى، فيقرأ عنده. قال أبو عبيد١: "حدثنا إسماعيل بن إبراهيم قال"٢: ثنا سليمان التيمى أو نبئت عنه، ثنا أبو عثمان النهديّ قال: كان أبو موسى يصلى بنا، فلو قلت: أنى لم أسمع صوت صَنْجٍ٣ قط, ولا بَرْبَطٍ٤ قط, ولا شيئًَا قط أحسن من صوته. وقال ابن ماجه٥: حدَّثَنا العباس بن عثمان الدمشقي، ثنا الوليد بن

стр. 181

مسلم، حدَّثني حنظلة بن أبى سفيان، أنه سمع عبد الرحمن بن سابط الجمحي يحدِّث عن عائشة قالت: أبطأت على رسول الله ﷺ ليلة بعد العشاء، ثم جئت فقال: "أين كنت"؟ , قلت: كنت أسمع قراءة رجل من أصحابك، لم أسمع مثل قراءته وصوته من أحد, قالت: فقام فقمت معه حتى أستمع له، ثم التفت إلى فقال: "هذا سالم مولى أبى حذيفة، الحمد لله الذى جعل فى أمتى مثل هذا". إسناده جيد. وفى "الصحيحين"١ عن جبير بن مطعم قال: سمعت رسول الله ﷺ

стр. 182

يقرأ فى المغرب بالطُّور، فما سمعت أحدًا أحسن صوتًا أو قراءة منه. وفي بعض ألفاظه: فلما سمعته قرأ: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ خِلْتُ أن فؤادي قد انصدع. وكان جبير لمَّا سمع هذا بعد مشركا على دين قومه, وإنما كان قَدِمَ فى فداء الأساري بعد بدر، وناهيك بِمَنْ تؤثِّرُ قراءته في المشرك المصر على الكفر، فكان هذا سبب هدايته، ولهذا كان أحسن القراءات ما كان عن خشوع من القلب. كما قال أبو عبيد١: حدَّثَنَا إسماعيل بن إبراهيم، عن ليث، عن طاوس قال: أحسن الناس صوتًا بالقرآن أخشاهم لله. ٢ [وحدَّثَنَا قبيصة، عن سفيان، عن ابن جريج، عن ابن طاوس, عن أبيه قال: أحسن الناس صوتًا بالقرآن أخشاهم لله] ٢.

стр. 183

وحدَّثَنَا١ قبيصة، عن سفيان، عن ابن جريج، عن ابن طاوس عن أبيه، وعن الحسن بن مسلم، عن طاوس قال: سُئِلَ رسول الله ﷺ : أيُّ الناس أحسن صوتا بالقرآن؟ فقال: "الذى إذا سمعته رأيته يخشى الله". وقد رُوِيَ هذا متصلا من وجه آخر. فقال ابن ماجه٢: حدَّثَنَا بشر بن معاذ الضرير، ثنا عبد الله بن جعفر المدينى، ثنا ابراهيم بن اسماعيل، عن مجمع، عن أبي الزبير، عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "ان من أحسن الناس صوتا بالقرآن، الذى إذا سمعتموه يقرأ حسبتموه يخشى الله". ولكن عبد الله بن جعفر هذا -وهو والد على بن المدينى- وشيخه ضعيفان، والله أعلم. والغرض أن المطلوب شرعا، إنما هو التحسين بالصوت الباعث على تَدَبُّرِ القرآن وتفهمه، والخشوع والخضوع والإنقياد للطاعة. فأما الأصوات بالنغمات المحدثة، المركبة على الأوزان، والأوضاع الملهية والقانون الموسيقائى، فالقرآن يُنَزَّه عن هذا ويجل ويعظم أن يسلك فى أدائه هذا المذهب.

стр. 184

وقد جاءت السُّنَّةُ بالزجر عن ذلك، كما قال الإمام العلم أبو عُبَيْد١ القاسم بن سلام ﵀: حدَّثَنَا نُعَيْم بن حمَّاد، عن بقية بن الوليد، عن حُصَيْن بن مالك الفزارى قال: سمعت شيخا يكنى أبا محمد يحدِّثُ عن حذيفة بن اليمان، قال: قال رسول الله ﷺ : "اقرءوا القرآن بلحون العرب وأصواتها، وإياكم ولحون أهل الفسق وأهل الكتابين، وسيجيء قوم من بعدي يرجعون بالقرآن ترجيع الغناء والرهبانية والنوح، لا يجاوز حناجرهم، مفتونة قلوبهم وقلوب الذين يعجبهم شأنهم". وحدثنا٢ يزيد، عن شريك، عن أبى اليقظان عثمان بن عمير، عن

стр. 185

زاذان أبي عمر، عن عليم قال: كنا على سطحٍ ومعنا رجل من أصحاب النبى ﷺ -قال يزيد: لا أعلمه الا قال: عابس الغفارى, فرأى الناس يخرجون في الطاعون، قال: ما هؤلاء؟ قال: يفرون من الطاعون، فقال: يا طاعون خذني, فقالوا: أتتمَنَّى الموت, وقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يتمنَّيَنَّ أحدكم الموت"؟ فقال: إنى أبادر خصالاً سمعت رسول الله ﷺ يتخوفهن على أمته: بيع الحكم، والاستخفاف بالدم، وقطيعة الرحم، وقوم يتخذون القرآن مزامير، يُقَدِّمُون أحدهم ليس بافقههم ولا أفضلهم إلا ليغنيهم به غناء، وذكر خَلَّتَيْن آخرتين. وحدثنا١ يعقوب بن إبراهيم، عن ليث بن أبى سليم، عن عثمان بن

стр. 186

عمير، عن زاذان، عن عابس الغفارى، عن النبى ﷺ مثل ذلك أو نحوه. وحدَّثَنَا١ يعقوب، عن ابراهيم، عن الأعمش, عن رجل، عن أنس أنه سمع رجلًا يقرأ القرآن بهذه الألحان التى أحدث الناس، فأنكر ذلك ونهى عنه, وهذه طرق حسنة٢ في باب الترهيب. وهذا يدلُّ على أنه محذور كبير، وهو قراءة القرآن بالألحان التى يسلك بها مذاهب الغناء، وقد نصَّ الأئمة ﵏ على النهى عنه، فأما إن خرج به إلى التمطيط الفاحش، الذى يزيد بسببه حرفا أو ينقص حرفا، فقد اتفق العلماء على تحريمه، والله أعلم. وقال الحافظ أبو بكر٣ البزار: ثنا محمد بن معمر، ثنا روح، ثنا

стр. 187

عُبَيْد الله بن الأخنس، عن ابن أبى مليكة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "ليس منا من لم يَتَغَنَّ بالقرآن" , ثم قال: ""وإنما"١ ذكرناه، لأنهم اختلفوا على ابن أبي مليكة فيه، فرواه عبد الجبار بن الورد عنه، عن ابن أبى مليكة, عن أبى لبابة, ورواه عمرو بن دينار، والليث عنه عن ابن أبى نهيك عن سعد، ورواه عسل بن سفيان٢ عنه عن عائشة، ورواه نافع٣ بن عمر عنه عن ابن الزبير"٤.

стр. 188

اغتباط صاحب القرآن: حدَّثَنَا أبو اليمان١، أنا شعيب عن الزهرى، حدثنى سالم بن عبد الله أن عبد الله بن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا حسد إلا على اثنتين: رجل آتاه الله الكتاب " فقام به "٢ آناء " الليل "٣، ورجل اعطاه الله مالا, فهو يتصدق به آناء الليل والنهار". انفرد به البخارى من هذا الوجه، واتفقا على إخراجه من رواية سفيان عن الزهري. ثم قال البخاري٤: حدثنا على بن إبراهيم، ثنا روح، ثنا شعبة،

стр. 189

عن سليمان قال: سمعت ذكوان عن أبى هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "لا حسد إلّا في اثنين: رجل علَّمه الله القرآن فهو يتلوه آناء الليل " وآناء "١ والنهار، فسمعه جارٌ له، فقال: ليتنى أوتيت ما أوتي فلان، فعملت مثل ما يعمل؛ ورجل آتاه الله مالاً فهو يهلكه في الحق، فقال رجل: ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان، فعملت مثل ما يعمل". ومضمون هذين الحديثين أن صاحب القرآن فى غبطة، وهى حُسْنُ الحال، فينبغى أن يكون شديد الاغتباط بما هو فيه، ويستحب تغبيطه بذلك، يقال: غبطه فيغبطه "بكسر الباء"٢ غبطًا؛ إذا تمنَّى مثل ما هو فيه من النعمة، وهذا بخلاف الحسد المذموم، وهو تمنِّي زوال نعمة المحسود عنه, سواء حصلت لذلك الحاسد أو لا، وهذا مذموم شرعًا مهلك، وهو أول معاصى إبليس حين حسد آدم ما منحه الله تعالى من الكرامة والإحترام والإعظام. والحسد الشرعى الممدوح هو تمنِّي حال مثل ذاك الذى هو على حالة سارة، ولهذا قال ﵇: "لا حسد إلا في اثنين"، فذكر النعمة القاصرة وهو تلاوة القرآن آناء الليل والنهار، والنعمة المتعدية وهي إنفاق المال بالليل والنهار، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ [فاطر: ٢٩] . ٣ [وقد روى نحو هذا من وجه آخر. فقال عبد الله٤ بن الإمام أحمد: وجدت في كتاب أبي بخط يده:

стр. 190

كتب إليَّ أبو توبة الربيع بن نافع، فكان فى كتابه: حدَّثَنَا الهيثم بن حميد، عن زيد بن واقد، عن سليم بن موسى، عن كثير بن مرة، عن يزيد بن الأخنس، أن رسول الله ﷺ قال: "لا تنافس بينكم إلّا في اثنتين: رجل أعطاه الله القرآن، فهو يقوم به آناء الليل والنهار، ويتبع ما فيه، فيقول رجل: لو أن الله أعطانى مثل ما أعطى فلانا فأقوم به كما يقوم به؛ ورجل أعطاه الله مالاً فهو ينفق ويتصدق، فيقول رجل: لو أن الله أعطانى مثل ما أعطى فلانا فأتصدق به"] ١. وقريب من هذا ما قال الإمام أحمد٢: حدَّثَنَا عبد الله بن نمير، ثنا

стр. 191

عبادة بن مسلم، وحدَّثَنِي يونس بن حباب، عن سعيد أبى البحترى الطائى، عن أبى كبشة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ثلاث أقسم عليهن، وأحدثكم حديثاً فاحفظوه، فأما الثلاث التى أقسم عليهن، فإنه ما نقص مال عبد من صدقة، ولا ظُلِمَ أحدٌ مظلمة فيصبر عليها الا زاده الله بها عزًّا، ولا يفتح عبد باب مسألة إلا فتح الله له باب فقر، وأما الذى أحدثكم حديثا فاحفظوه -فإنه قال: إنما الدنيا لأربعة نفر: عبد رزقه الله مالاً وعلمًا، فهو يتقى فيه ربه، ويصل رحمه، ويعلم " الله "١ فيه حقه -قال- فهذا بأفضل المنازل، وعبد رزقه الله علمًا ولم يرزقه مالاً، فهو يقول: لو كان لى مال عملت بعمل فلان -قال- فأجرهما سواء، وعبد رزقه الله مالًا ولم يرزقه علمًا فهو يخبط فى ماله بغير علم، لا يتقي فيه ربه، ولا يصل فيه رحمه، ولا يعلم لله فيه حقه، فهذا بأخبث المنازل، وعبد لم يرزقه الله مالاً ولا علمًا، فهو يقول: لو كان لى مال لفعلت بعمل فلان -قال- هى نيته فوزرهما فيه سواء". وقال أيضًا٢: حدَّثَنَا وكيع، ثنا الأعمش عن سالم بن أبي الجعد

стр. 192

عن أبى كبشة الأنمارى قال: قال رسول الله ﷺ : "مَثَلُ هذه الأمة مثل أربعة نفر: رجل آتاه الله مالاً وعلمًا، فهو يعمل به " فى "١ ماله ينفقه فى حقه، ورجل آتاه الله علمًا ولم يؤته مالاً، فهو يقول: لو كان لى مثل هذا عملت فيه مثل الذى يعمل" قال: قال رسول الله: "فهما فى الأجر سواء، ورجل آتاه الله مالاً ولم يؤته علمًا، فهو يخبط فيه ينفقه فى غير حقه، ورجل لم يؤته الله مالاً ولا علمًا، فهو يقول: لو كان لى مثل مال هذا عملت فيه مثل الذى يعمل" قال: قال رسول الله: "فهما فى الوزر سواء". إسناد صحيح، "ولله الحمد والمنة"٢.

стр. 193

خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ القُرْآنَ وَعَلَّمَهُ: حدَّثَنَا١ حجاج بن منهال، ثنا شعبة، أخبرنى علقمة بن مرثد، سمعت سعد بن عبيدة، عن أبى عبد الرحمن، عن عثمان بن عفان -رضى الله عنه، عن النبى ﷺ قال: "خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ القُرْآنَ وَعَلَّمَهُ". وأقرأ أبو عبد الرحمن في إمرة عثمان -رضى الله عنه- حتى كان الحجاج، قال، وذلك الذى أقعدنى مقعدى هذا. وقد أخرج الجماعة هذا الحديث، سوى مسلم من رواية شعبة, عن علقمة بن مرثد، عن سعد بن عُبَيْدة، عن أبي عبد الرحمن؛ وهو عبد الله ابن حبيب السلمى ﵀. وحَدَّثَنَا٢ أبو نعيم، ثنا سفيان, عن عقلمة بن مرثد, عن أبي عبد الرحمن السلمى، عن عثمان بن عفان -رضى الله عنه- قال: قال النبى ﷺ : "إِنَّ أَفْضَلَكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ القُرْآنَ وَعَلَّمَهُ".

стр. 194

وهكذا رواه الترمذى والنسائى وابن ماجه من طرق، عن سفيان، عن علقمة, عن أبى عبد الرحمن من غير ذكر سعد بن عبيدة، كما رواه شعبة ولم يختلف عليه فيه. وهذا المقام مما حكم لسفيان الثورى فيه على شعبة, وخطَّأَ بندار يحيى١ بن سعيد فى روايته ذلك عن سفيان, عن عقلمة, عن سعد بن عبيدة, عن أبي عبد الرحمن، وقال: رواه جماعة من أصحاب سفيان عنه بإسقاط سعد بن عبيدة، ورواية سفيان أصح. وفى هذا المقام المتعَلِّق بصناعة الإسناد طول، لولا الملالة لذكرناه، فيما ذكر كفاية وإرشاد إلى ما ترك، والله أعلم. والغرض أنه ﵊ قال: "خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ القُرْآنَ وَعَلَّمَهُ" , وهذه صفات المؤمنين المتبعين للرسل، وهم الكُمَّلُ فى أنفسهم المُكَمِّلِينَ لغيرهم، وذلك جمع بين النفع القاصر والمتعدى، وهذا بخلاف صفة الكفار الجبارين الذين لا ينفعون ولا يتركون أحدًا ممن أمكنهم أن ينتفع، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾ [النحل: ٨٨] ، وكما قال تعالى: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٦] ، فى أصحِّ قولى المفسرين فى هذا: هو أنهم ينهون الناس عن اتباع القرآن، مع نأيهم وبعدهم عنه أيضًا، فجمعوا بين التكذيب والصدِّ، كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا﴾ [الأنعام: ١٥٧] فهذا شأن شرار الكفار، كما أن شأن الأخيار الأبرار أن يتكمَّل فى نفسه، وأن يسعى في تكْمِيلِ غيره، كما قال

стр. 195

-﵇: "خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ القُرْآنَ وَعَلَّمَهُ"، وكما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: ٣٣] ، فجمع بين الدعوة إلى الله، سواء كان بالأذان أو بغيره من أنواع الدعوة إلى الله تعالى؛ من تعليم القرآن والحديث والفقه, وغير ذلك مما يبتغى به وجه الله، وعمل هو فى نفسه صالحًا، وقال قولاً صالحًا أيضًا، فلا أحد أحسن حالاً من هذا, وقد كان أبو عبد الرحمن عبد الله بن حبيب السلمى الكوفى أحد أئمة الإسلام ومشايخهم ممن رَغَّبَ فى هذا المقام، فقعد يعلِّمُ الناس من إمارة عثمان إلى أيام الحجاج. ١ [قالوا: وكان مقدار ذلك الذى مكث يعلم فيه القرآن سبعين سنة] ١، ﵀ "وأثابه"٢، وآتاه ما طلبه ورامه، آمين. ٣ [ثم قال البخارى٤: حدَّثَنا عمرو بن عون، ثنا حمَّاد بن أبي حازم، عن سهل بن سعد قال: أتَتِ النبي ﷺ امرأة، فقالت: إنها قد وهبت

стр. 196

نفسها لله ولرسوله، فقال: "ما لي فى النساء من حاجة"، فقال رجل: زوجنيها؟ قال: "أعطها ثوبًا"، قال: لا أجد، قال: "أعطها ولو خاتما من حديد"، فاعتل له، فقال: "ما معك من القرآن"؟ قال: كذا وكذا، قال: "قد زوجتكها بما معك من القرآن". وهذا الحديث متفق على صحة إخراجه من طرق عديدة. والغرض منه الذى قصده البخارى: أن هذا الرجل تعلَّم الذى تعلَّمه من القرآن، وأمره النبى ﷺ ان يُعَلِّمَ تلك المرأة, ويكون ذلك صداقا لها على ذلك، وهذا فيه نزاع بين العلماء: هل يجوز أن يجعل "مثل هذا"١ صداقًا؟ أو هل يجوزك أخذ الأجرة على تعليم القرآن؟ وهل هذا كان خاصا بذلك الرجل؟ وما معنى قوله ﵇: "زوجتكها بما معك من القرآن"؛ أى: بسبب ما معك، كما قاله أحمد بن حنبل: نكرمك بذلك أو يعوض ما معك، وهذا أقوى؛ لقوله فى صحيح مسلم: "فعلمها"، وهذا هو الذى أراده البخاري ههنا، وتحرير باقى الخلاف مذكور فى باب النكاح والإجارات، وبالله المستعان] ٢.

стр. 197

القراءة عن ظهر قلب: إنما "أفراد"١ البخارى فى هذه الترجمة حديث أبى حازم بن سهل بن سعد؛ الحديث الذى تقدَّمَ الآن، وفيه أنه ﵇ قال للرجل: "فما معك من القرآن"؟ قال: معى سورة كذا وسورة كذا؛ لسور عدها، قال: "أتقرؤهن عن ظهر قلب"؟؛ قال: نعم، قال: "اذهب فقد ملكتكها بما معك من القرآن". وهذه الترجمة من البخارى ﵀ مشعرة بأن قراءة القرآن عن ظهر قلب أفضل، والله أعلم. ولكن الذى صرَّح به كثيرون من العلماء أن قراءة القرآن من المصحف أفضل؛ لأنه يشتمل على التلاوة والنظر فى المصحف، وهو عبادةٌ كما صرَّح به غير واحد من السلف، وكرهوا أن يمضي على الرجل يوم لا ينظر في مصحفه. واستدلُّوا على أفضلية التلاوة فى المصحف بما رواه الإمام "العلم"٢ أبو عبيد ﵀ في كتابه "فضائل القرآن"٣:

стр. 198

حدثنا نُعَيْم بن حمَّاد، عن بقية بن الوليد، عن معاوية بن يحيى، عن "سليمان بن سليم"١، عن عبد الله بن عبد الرحمن، عن بعض أصحاب النبى ﷺ ، قال: قال النبى ﷺ : "فضل قراءة القرآن نظرًا على من يقرؤه ظهرًا كفضل الفريضة على النافلة". وهذا الإسناد فيه ضعف، فإن معاوية بن يحيى هذا هو الصدفى أو الأطرابلسى، وأيا ما كان فهو ضعيف. وقال الثورى٢, عن عاصم, عن زر, عن ابن مسعود قال: أديموا النظر في المصحف. وقال حمَّاد بن سلمة٣ عن على بن زيد، عن يوسف بن ماهك، عن ابن عباس عن عمر، أنه كان إذا دخل بيته نشر المصحف، فقرأ فيه. وقال حمَّاد٤ أيضًا, عن ثابت, عن عبد الرحمن بن أبى ليلى عن

стр. 199

ابن مسعود أنه كان إذا اجتمع اليه إخوانه؛ نشروا المصحف، "فقرءوا"١ وفسَّرَ لهم. إسناد صحيح. وقال حمَّاد٢ بن سلمة عن حجاج بن أرطاة، عن ثوير بن أبى فاخته، عن ابن عمر، قال: إذا رجع أحدكم من سوقه فلينشر المصحف وليقرأ. وقال٣ الأعمش عن خيثمة: دخلت على ابن عمر وهو يقرأ فى المصحف، فقال: هذا جزئى الذى أقرأ به الليلة. فهذه الاثار تدل على أن هذا أمر مطلوب؛ لئلا يُعَطَّلَ المصحف فلا يقرأ منه، ولعله قد يقع لبعض الحفظة نسيان فيستذكر منه، أو تحريف كلمة أو آية، أو تقديم أو تأخير، فالاستثبات أولى، والرجوع إلى المصحف أثبت من أفواه الرجال. فأما تلقين القرآن؛ فمن فم الملقِّنِ أحسن؛ لأن الكتابة لا تدل على الأداء، كما أن المشاهد من كثير ممن يحفظ من الكتابة فقط؛ يكثر تصحيفه وغلطه، وإذا أدَّى الحال إلى هذا، منع منه إذا وجد شيخًا يوقفه على ألفاظ القرآن, فأما عند العجز عمَّا يلقن؛ فلا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، فيجوز عند الضرورة ما لا يجوز عند الرفاهية، فاذا قرأ فى المصحف والحالة هذه؛ فلا حرج عليه، ولو فُرِضَ أنه قد يُحَرِّفُ بعض

стр. 200

الكلمات عن لفظها على لغته ولفظه. فقد قال الإمام أبو١ عبيد: حدثنى هشام بن إسماعيل الدمشقى، عن محمد بن شعيب، عن الأوزاعى، أن رجلا صحبهم فى سفر، قال: فحدَّثَنا حديثا، ما أعلمه إلا رفعه إلى رسول الله ﷺ ، قال: "إن العبد إذا قرأ، فحرَّف أو أَخطَأَ؛ كتبه الملك كما أنزل". وحدَّثَنَا حفص بن أبى غياث، عن الشيبانى، عن بكير بن الأخنس قال: كان يقال: إذا قرأ الأعجمي والذي لا يقيم القرآن؛ كتبه الملك كما أنزل. وقال بعض العلماء: المدار في هذه المسألة على الخشوع، فإن "كان"٢ الخشوع أكثر عند أكثر؛ فهل أفضل، فإن استويا، فالقراءة نظرًا أولى؛ لأنها أثبت، وتمتاز بالنظر إلى المصحف. قال الشيخ أبو زكريا النواوى ﵀ فى التبيان: والظاهر أن كلام السلف وفعلهم محمول على هذا التفصيل.

стр. 201

تنبيه: إن كان البخارى ﵀ أراد بذكر حديث سهل الدلالة على أن تلاوة القرآن عن ظهر قلب أفضل منها فى المصحف, ففيه نظر. لأنها١ قضية عين، فيحتمل أن ذلك الرجل كان لا يحسن الكتابة، ويعلم ذلك رسول الله ﷺ منه، فلا يدل على أن التلاوة عن ظهر قلب أفضل مطلقًا في حق من يحسن ومن لا يحسن، إذ لو دل على هذا لكان ذكر حال رسول الله وتلاوته عن ظهر قلب -لأنه أمي لا يدرك الكتابة- أولى من ذكر هذا الحديث بمفرده. الثانى: إن سياق الحديث إنما هو لأجل استثبات أنه يحفظ تلك السور عن ظهر قلب؛ ليمكنه تعليمها لزوجته، وليس المراد ههنا أن هذا أفضل من التلاوة نظرًا ولا عدمه، والله أعلم.

стр. 202

استذكار القرآن وتعاهده حدَّثَنَا عبد الله١ بن يوسف، أنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: "إنما مَثَلُ صاحب القرآن كمَثَلِ صاحب الإبل المعقلة، إن عاهد عليها أمسكها، وإن أطلقها ذهبت". هكذا رواه مسلم والنسائى من حديث مالك به. وقال الإمام أحمد٢: ثنا عبد الرزاق، أنا معمر، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "مَثَلُ القرآن إذا عاهد عليه صاحبه فقرأه بالليل والنهار، كمَثَلِ رجلٌ له ابل، فإن عقلها حفظها، وإن أطلق عقالها ذهبت، فكذلك صاحب القرآن". أخرجاه، قاله ابن الجوزى فى "جامع المسانيد"، وإنما هو من أفرد مسلم من حديث عبد الرزاق به. حدَّثَنَا٣ محمد بن عرعرة، ثنا شعبة، عن منصور، عن أبي وائل،

стр. 203

عن عبد الله قال: قال النبى ﷺ : "بئس ما لأحدهم أن يقول: نسيت آية كيت وكيت، بل نُسِّيَ، واستذكروا القرآن، فإنه أشد تفصِّيًا من صدور الرجال من النَّعَم". تابعه١ بشر؛ هو ابن محمد السختيانى, عن ابن المبارك, عن شعبة، وقد رواه الترمذى عن محمود بن غيلان، عن أبى داود الطيالسى، عن شعبة به، وقال: حَسَنٌ صحيحٌ. وأخرجه النسائى من رواية شعبة. وحدثنا١ عثمان، "ثنا"٢ جرير عن منصور مثله, وهكذا رواه مسلم عن عثمان وزهير بن حرب وإسحاق بن إبراهيم عن جرير به. وستأتى رواية البخارى له عن أبى نُعَيْم، عن سفيان الثورى, عن منصور به. والنسائى من رواية ابن عُيَيْنَة، عن منصور به. فقد رواه هؤلاء عن منصور به مرفوعًا في رواية هؤلاء كلهم. وقد رواه....................................................

стр. 204

النسائى١ عن قتيبة، عن حمَّاد بن زيد، عن منصور، عن أبي وائل، عن عبد الله موقوفًا. وهذا غريب. وفي "مسند أبى يعلى"٢: "فإنما هو نَسِيَ" بالتخفيف. وتابعه ابن جريج عن عَبْدَةَ, عن شقيق قال: سمعت عبد الله قال: سمعت النبى ﷺ ، وهكذا أسنده مسلم من حديث ابن جريج به. ورواه النسائي في "اليوم والليلة" من حديث بن جحادة, عن عبدة -وهو ابن أبي لبابة- به. حدَّثَنَا محمد بن العلاء، حدَّثَنا أبو أسامة، عن يزيد، عن أبي بردة، عن أبى موسى، عن النبى ﷺ قال: "تعاهدوا القرآن، فوالذى نفسى بيده، لهو أشد تفصَّيًا من الإبل في عُقُلِهَا" ٣.

стр. 205

وهكذا رواه مسلم عن أبى كريب محمد بن العلاء وعبد الله بن براد الأشعري، كلاهما عن أبي أسامة حمَّاد بن أسامة به١. وقال الامام أحمد: حدَّثَنا علي بن إسحاق، أنا عبد الله بن المبارك، أنا موسى بن على، سمعت أبى يقول: سمعت عقبة بن عامر يقول: قال رسول الله ﷺ : "تعلَّمُوا كتاب الله وتعاهدوه وتغنوا به، فوالذى نفسى بيده، لهو ٢ اشد تفلتا من المخاض فى العُقُل" ٣. ومضمون هذه الأحاديث الترغيب فى كثرة تلاوة القرآن واستذكاره وتعاهده؛ لئلًَّا يعرضه حافظة للنسيان، فإن ذلك خطأ كبير، نسأل الله

стр. 206

العافية منه. فإنه قال الإمام أحمد١: حَدَّثَنا خلف بن الوليد، ثنا خالد, عن يزيد بن أبى زياد, عن عيسى بن فايد, عن رجل, عن سعد بن عبادة -رضى الله عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من أمير عشرة إلّا يُوتَى به يوم القيامة مغلولاً, لا يفكُّه من ذلك الغُلِّ إلا العدل, "وما من رجل قرأ القرآن فنسيه إلا لقى الله يوم يلقاه، وهو أجذم"٢". وهكذا رواه جرير٣ بن عبد الحميد ومحمد بن فضيل٤، عن يزيد ابن أبي زياد، كما رواه خالد بن عبد الله. وقد أخرجه.....................................................................

стр. 207

أبو داود١ عن محمد بن العلاء، عن ابن ادريس٢، عن يزيد بن أبى زياد، عن عيسى بن فايد، عن سعد بن عبادة, عن النبى ﷺ بقصة نسيان القرآن، ولم يذكر الرجل المبهم٣. وكذا رواه أبو بكر بن عباس عن يزيد بن أبى زياد، وقد رواه سعيد عن٤ زيد، ووَهِمَ فى إسناده. ورواه وكيع عن أصحابه عن زيد بن عيسى بن فايد, عن النبى ﷺ مرسلاً. وقد رواه الإمام أحمد٥ فى "مسند عبادة بن الصامت"، فقال: ثنا عبد الصمد، ثنا عبد العزيز بن مسلم، ثنا يزيد بن أبى زياد، عن عيسى بن فايد، عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من أمير عشرة إلا يؤتى به يوم القيامة مغلولاً لا يفكُّه منها إلا عدلُه, وما من رجل تعلَّم القرآن ثم نسيه إلّا لقي الله يوم القيامة أجذم". وكذا رواه أبو عوانة عن يزيد بن أبى زياد. ففيه اختلاف، لكن هذا فى باب الترهيب مقبول٦، والله أعلم

стр. 208

لا سيما إن كان له شاهد من وجه آخر، كما: قال أبو عُبَيْد١: حدَّثَنا حجاج، عن ابن جريج قال: حُدِّثْتُ عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "عُرِضَتْ عليَّ أجور أمتي، حتى القذاة والبعرة يخرجها الرجل من المسجد، وعُرِضَتْ عليَّ ذنوب أمتى، فلم أر ذنبًا أكبر من آية أو سورة من كتاب الله أوتيها رجل فنسيها". قال ابن جريج١: وحُدِّثْتُ عن سلمان الفارسى قال: قال رسول الله ﷺ : "من أكبر "ذنب"٢ توافى به أمتى يوم القيامة سورة من كتاب الله كانت مع أحدهم فنسيها". وقد روي أبو داود والترمذى وأبو يعلى والبزار وغيرهم من حديث

стр. 209

ابن أبى رواد، عن ابن جريج، عن المطَّلب بن عبد الله بن حنطب، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "عُرِضَتْ عليَّ أجور أمتى، حتى القذاة يخرجها الرجل من المسجد، وعُرِضَتْ عليَّ ذنوب أمتى فلم أر ذنبًا أعظم من سورة من القرآن أو آية أوتيها رجل ثم نَسِيَهَا". قال الترمذى: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وذاكرت به البخارى فاستغربه. وحكى البخاري عن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمى أنه أنكر سماع المطلب من أنس بن مالك. "قلت": وقد رواه محمد بن يزيد الآدمى، عن ابن أبى رواد، عن ابن جريج، عن الزهرى، عن أنس؛ عن النبى ﷺ به، فالله أعلم. وقد أدخل بعض المفسرين هذا المعنى فى قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى، قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا، قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آَيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه: ١٢٤-١٢٦] . وهذا الذى قاله هذا وان لم يكن هو المراد جميعه فهو بعضه، فإن الإعراض عن تلاوة القرآن وتعريضه للنسيان وعدم الاعتناء به؛ فيه تهاون كبير وتفريط شديد، نعوذ بالله منه. ولهذا قال ﵇: "تعاهدوا القرآن" , وفى لفظ: "استذكروا القرآن، فإنه أشد تفصِّيًا من صدور الرجال من النَّعَم". التفصي: التَّخَلُّص، يقال: تفصَّى فلان من البلية؛ إذا تخلَّصَ منها، ومنه: تفصَّى النوى من الثمرة؛ إذا تخلص منها، أي: أن القرآن أشد تفلتا من الصدور من النَّعَم إذا أرسلت من غير عقال.

стр. 210

وقال أبو عبيد١: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم قال: قال عبد الله -يعني ابن مسعود-: إني لأمقت القارئ إ أراه سمينًا نسيًا للقرآن. وحدثنا٢ عبد الله بن المبارك، عن عبد العزيز بن أبي رواد قال: سمعت الضحاك بن مزاحم يقول: ما من أحد تعلم القرآن "ثم نسيه"٣، إلا بذنب يحدثه؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠] ، وإن نسيان القرآن من أعظم المصائب. ولهذا قال إسحاق بن راهويه وغيره: يكره للرجل أن يمر عليه أربعون يومًا لا يقرأ فيها القرآن، كما أنه يكره له أن يقرأه فى أقل من ثلاثة أيام، كما سيأتى هذا، حيث يذكره البخارى بعد هذا، وكان الأليق أن يتبعه هذا الباب، ولكن ذكر بعد هذا قوله:

стр. 211

القراءة على الدابة: حدثنا١ حجاج، أنا شعبة، أنا أبو إياس قال: سمعت عبد الله بن مغفل -رضى الله عنه- قال: رأيت رسول الله ﷺ يوم فتح مكة وهو يقرأ على راحلته سورة الفتح. وهذا الحديث قد خرَّجَه الجماعة سوى ابن ماجه من طرق عن شعبة، عن أبى إياس، وهو معاوية بن قرة به. وهذا أيضًا له تعلُّق بما تَقَدَّمَ من تعاهُد القرآن وتلاوته سفرًا وحضرًا، ولا يكره ذلك عند أكثر العلماء إذا لم يتله القارئ فى الطريق، وقد نقله ابن أبى داود عن أبى الدرداء أنه كان يقرأ فى الطريق. وقد رُوِيَ عن عمر بن عبد العزيز أنه أذن فى ذلك، وعن الإمام مالك أنه كره ذلك. كما قال ابن أبى داود: حدثنى أبو الربيع، أنا ابن وهب قال: سألت مالكا عن الرجل يصلى من آخر الليل، فخرج إلى المسجد، وقد بقى من السورة التى كان يقرأ منها شىء، فقال: ما أعلم القراءة تكون في الطريق.

стр. 212

وقال الشعبى: تُكرهُ قراءة القرآن فى ثلاثة مواضع: في الحمام، وفي الحشوش، وفي بيت الرحى وهي تدور. وخالفه في القراءة فى الحمام كثير من السلف؛ أنها لا تكره، وهو مذهب مالك والشافعي وإبراهيم النخعى وغيرهم. وروى ابن أبى داود عن عليٍّ بن أبى طالب أنه كره ذلك، ونقله ابن المنذر عن أبى وائل شقيق بن سلمة والشعبى والحسن البصرى ومكحول وقبيصة بن ذؤيب، وهو رواية عن إبراهيم النخعى. ويُحكى عن أبى حنيفة ﵀ أن القراءة فى الحمام تُكْرَهُ. وأما القراءة فى الحُشِّ فكراهتها ظاهره، ولو قيل بتحريم ذلك صيانة لشرف القرآن؛ لكان مذهبا, وأما القراءة فى بيت الرحى وهى تدور؛ فلئلا يعلو غير القرآن عليه، والحق يعلو ولا يعلى، والله أعلم.

стр. 213

تعلُّم الصبيان القرآن: حدَّثَنا موسى بن إسماعيل، ثنا أبو عوانة، عن أبى بشر، عن سعيد بن جبير قال: إن الذى تدعونه المفَصَّل هو المحكم. قال: وقال ابن عباس: توفى رسول الله ﷺ وأنا ابن عشر سنين، وقد قرأت المحكم. حدَّثَنا يعقوب بن إبراهيم، ثنا هشيم، أنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال، جمعت المحكم فى عهد النبى ﷺ ، فقلت له: وما المحكم؟ قال: المفصَّل. انفرد بإخراجه البخارى١، وفيه دلالة على جواز تعلُّم الصبيان القرآن؛ لأن ابن عباس أخبر عن سنه حين موت رسول الله ﷺ ، وقد كان جَمَعَ المفصَّل، وهو من الحجرات، كما تَقَدَّمَ ذلك، وعمره إذ ذاك عشر سنين. وقد روى٢ البخارى أنه قال: توفى رسول الله ﷺ وأنا مختون،

стр. 214

وكانوا لا يختنون حتى يحتلم، فيحتمل أنه احتلم لعشر سنين؛ جمعًا بين هذه الرواية وتلك، ويحتمل أنه تجوز فى هذه الرواية بذكر العشر وترك ما زاد عليها من الكسر، والله أعلم. وعلى كل تقدير، ففيه دلالة على جواز تعليم القرآن فى الصِّبا، وهو ظاهر، بل قد يكون مستحبا أو واجبا؛ لأن الصبى إذا تعلَّم القرآن بلَغَ وهو يعرف ما يصلى به، وحفظُه فى الصِّغَرِ أولى من حفظِه كبيرا، وأشد علوقا بخاطره، وأرسخ وأثبت، كما هو المعهود في حال الناس. وقد استحبَّ بعض١ السلف أن يترك الصبى فى ابتداء عمره قليلا للعب، ثم توفر همته على القراءة؛ لئلا يلزم أولاً بالقراءة فيملها ويعدل عنها إلى اللعب. وكره بعضهم٢ تعليمه القرآن وهو لا يعقل ما يُقَال له، ولكن يُترك حتى إذا عَقِلَ ومَيَّزَ عُلِّمَ قليلًا قليلا، بحسب همته ونهمته وحفظه وجودة ذهنه. واستحبَّ٣ عمر بن الخطاب -رضى الله عنه- أن يلقن خمس آيات

стр. 215

خمس آيات. رويناه عنه بسند جيد.
следующие страницы →