← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 22800

فضائل القرآن لابن كثير

ابن كثير

Полный текст (305 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

القراءة على الدابة: حدثنا١ حجاج، أنا شعبة، أنا أبو إياس قال: سمعت عبد الله بن مغفل -رضى الله عنه- قال: رأيت رسول الله ﷺ يوم فتح مكة وهو يقرأ على راحلته سورة الفتح. وهذا الحديث قد خرَّجَه الجماعة سوى ابن ماجه من طرق عن شعبة، عن أبى إياس، وهو معاوية بن قرة به. وهذا أيضًا له تعلُّق بما تَقَدَّمَ من تعاهُد القرآن وتلاوته سفرًا وحضرًا، ولا يكره ذلك عند أكثر العلماء إذا لم يتله القارئ فى الطريق، وقد نقله ابن أبى داود عن أبى الدرداء أنه كان يقرأ فى الطريق. وقد رُوِيَ عن عمر بن عبد العزيز أنه أذن فى ذلك، وعن الإمام مالك أنه كره ذلك. كما قال ابن أبى داود: حدثنى أبو الربيع، أنا ابن وهب قال: سألت مالكا عن الرجل يصلى من آخر الليل، فخرج إلى المسجد، وقد بقى من السورة التى كان يقرأ منها شىء، فقال: ما أعلم القراءة تكون في الطريق.

стр. 212

وقال الشعبى: تُكرهُ قراءة القرآن فى ثلاثة مواضع: في الحمام، وفي الحشوش، وفي بيت الرحى وهي تدور. وخالفه في القراءة فى الحمام كثير من السلف؛ أنها لا تكره، وهو مذهب مالك والشافعي وإبراهيم النخعى وغيرهم. وروى ابن أبى داود عن عليٍّ بن أبى طالب أنه كره ذلك، ونقله ابن المنذر عن أبى وائل شقيق بن سلمة والشعبى والحسن البصرى ومكحول وقبيصة بن ذؤيب، وهو رواية عن إبراهيم النخعى. ويُحكى عن أبى حنيفة ﵀ أن القراءة فى الحمام تُكْرَهُ. وأما القراءة فى الحُشِّ فكراهتها ظاهره، ولو قيل بتحريم ذلك صيانة لشرف القرآن؛ لكان مذهبا, وأما القراءة فى بيت الرحى وهى تدور؛ فلئلا يعلو غير القرآن عليه، والحق يعلو ولا يعلى، والله أعلم.

стр. 213

تعلُّم الصبيان القرآن: حدَّثَنا موسى بن إسماعيل، ثنا أبو عوانة، عن أبى بشر، عن سعيد بن جبير قال: إن الذى تدعونه المفَصَّل هو المحكم. قال: وقال ابن عباس: توفى رسول الله ﷺ وأنا ابن عشر سنين، وقد قرأت المحكم. حدَّثَنا يعقوب بن إبراهيم، ثنا هشيم، أنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال، جمعت المحكم فى عهد النبى ﷺ ، فقلت له: وما المحكم؟ قال: المفصَّل. انفرد بإخراجه البخارى١، وفيه دلالة على جواز تعلُّم الصبيان القرآن؛ لأن ابن عباس أخبر عن سنه حين موت رسول الله ﷺ ، وقد كان جَمَعَ المفصَّل، وهو من الحجرات، كما تَقَدَّمَ ذلك، وعمره إذ ذاك عشر سنين. وقد روى٢ البخارى أنه قال: توفى رسول الله ﷺ وأنا مختون،

стр. 214

وكانوا لا يختنون حتى يحتلم، فيحتمل أنه احتلم لعشر سنين؛ جمعًا بين هذه الرواية وتلك، ويحتمل أنه تجوز فى هذه الرواية بذكر العشر وترك ما زاد عليها من الكسر، والله أعلم. وعلى كل تقدير، ففيه دلالة على جواز تعليم القرآن فى الصِّبا، وهو ظاهر، بل قد يكون مستحبا أو واجبا؛ لأن الصبى إذا تعلَّم القرآن بلَغَ وهو يعرف ما يصلى به، وحفظُه فى الصِّغَرِ أولى من حفظِه كبيرا، وأشد علوقا بخاطره، وأرسخ وأثبت، كما هو المعهود في حال الناس. وقد استحبَّ بعض١ السلف أن يترك الصبى فى ابتداء عمره قليلا للعب، ثم توفر همته على القراءة؛ لئلا يلزم أولاً بالقراءة فيملها ويعدل عنها إلى اللعب. وكره بعضهم٢ تعليمه القرآن وهو لا يعقل ما يُقَال له، ولكن يُترك حتى إذا عَقِلَ ومَيَّزَ عُلِّمَ قليلًا قليلا، بحسب همته ونهمته وحفظه وجودة ذهنه. واستحبَّ٣ عمر بن الخطاب -رضى الله عنه- أن يلقن خمس آيات

стр. 215

خمس آيات. رويناه عنه بسند جيد.

стр. 216

نسيان القرآن، وهل يقول: نسيت آية كذا وكذا؟ وقول الله: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى، إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ حدَّثَنا١ الربيع بن يحيى، ثنا زائدة، ثنا هشام، "عن"٢ عروة، عن عائشة قالت: لقد سمع النبى ﷺ رجلا يقرأ فى المسجد، فقال: "يرحمه" ٣ الله، لقد أذكرنى أية كذا وكذا من سورة كذا". انفرد به. وحدَّثنا٤ محمد بن عبيد بن ميمون، ثنا عيسى بن يونس، عن هشام، وقال: "أسقطتهن من سورة كذا وكذا". انفرد به أيضا, تابعه عليُّ بن٥ مسهر وعَبْدَة٦ عن هشام. وقد أسندهما البخارى فى "موضع آخر" ومسلم معه فى عَبْدَة. حدثنا أحمد٥ بن أبى رجاء، ثنا أبو أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: سمعت رسول الله ﷺ رجلًا يقرأ في سورة

стр. 217

بالليل، فقال: "يرحمه الله، لقد أذكرنى كذا وكذا "أية"١ كنت أنسيتها من سورة كذا وكذا". ورواه مسلم من حديث أبى أسامة حَمَّاد بن أسامة. "الحديث٢ الثانى": حدَّثَنَا أبو نُعَيْم، ثنا سفيان، عن منصور، عن أبى وائل، عن عبد الله -رضى الله عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : "بئس ما لأحدهم أن يقول: نسيت كيت وكيت، بل هو نُسِّيَ". ورواه مسلم والنسائى من حديث منصور به، وقد تَقَدَّم. وفى "مسند أبى يعلى": "إنما هو نَسِيَ" بالتخفيف. هذا لفظه. وفى هذا الحديث والذى قبله دليل على أن حصول النسيان للشخص ليس بنقص له، "إذا كان"٣ بعد الاجتهاد والحرص. وفى حديث ابن مسعود أدبٌ فى التعبير عن حصول ذلك، فلا يقول: نسيت كذا، فإن النسيان ليس من فعل العبد، وقد تَصْدُرُ عنه أسبابه؛ من التناسى والتغافل والتهاون المفضى إلى ذلك، فأما النسيان نفسه فليس بفعله، ولهذا قال: بل هو نُسِّيَ؛ مَبْنِيٌّ لما لم يُسَمَّ فاعلُه، وأدب أيضًا فى ترك إضافة ذلك إلى الله تعالى، وقد أسند النسيان إلى العبد فى قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٤] ، وهو -والله أعلم- من باب المجاز الشائع بذكر المسَبَّبِ وإرادة السبب؛ لأن النسيان إنما يكون عن سبب قد يكون ذنبا، كما تَقَدَّمَ عن الضحاك بن مزاحم، فأمر الله تعالى

стр. 218

بذكره؛ ليذهب الشيطان عن القلب، كما يذهب عند النداء بالأذان، والحسنة تذهب السيئة، فإذا زال السبب للنسيان؛ انزاح فحصل الذكر للشىء بسبب ذكر الله تعالى، والله أعلم.

стр. 219

من لم ير بأسا أن يقول: سورة البقرة وسورة كذا وكذا: حدَّثَنَا١ عمر بن حفص بن غِيَاث، ثنا أبى، ثنا الأعمش، حدثني إبراهيم عن علقمة، وعبد الرحمن بن يزيد, عن أبى مسعود الأنصارى قال: قال رسول الله ﷺ : "الآيتان من آخر سورة البقرة، من قرأ بهما فى ليلة كفتاه". وهذا الحديث قد أخرجه الجماعة من حديث عبد الرحمن بن يزيد. وصاحِبَا٢ الصحيح, والنسائى, وابن ماجة, من حديث علقمة، كلاهما عن ابن مسعود "عقبة"٣ بن عمرو الأنصارى البدرى. "الحديث٤ الثانى": ما رواه من حديث الزُّهريّ عن عُرْوَةَ, عن المِسْوَرِ، وعبد الرحمن بن عبد القارى، كلاهما عن عمر قال: سمعت

стр. 220

هشام بن حكيم بن حزام يقرأ سورة الفرقان، وذكر الحديث بطوله، كما تَقَدَّمَ وكما سيأتى. "الحديث١ الثالث": ما رواه من حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، سمع رسول الله ﷺ قارئا يقرأ من الليل في المسجد، فقال: "" يرحمه "٢ الله، " لقد "٣ أذكرنى كذا وكذا آية، كنت أسقطتهن من سورة كذا وكذا". وهكذا فى "الصحيحين"٤ عن ابن مسعود أنه كان يرمى الجمرة من الوادى ويقول: هذا مقام الذى أنزلت عليه سورة البقرة. وكره بعض السلف ذلك، ولم يروا أن يُقَال إلا السورة التى يذكر فيها كذا وكذا، كما جاء وتَقَدَّمَ من رواية يزيد٥ الفارسى، عن ابن عباس، عن عثمان أنه قال: إذا نزل من القرآن شىء؛ يقول رسول الله ﷺ : "اجعلوا هذا فى السورة التى يذكر فيها كذا وكذا". ولا شكَّ أن هذا أحوط وأولى، ولكن قد صحَّت الأحاديث بالرخصة فى الآخر، وعليه عمل الناس اليوم ترجمة السوء في مصاحفهم، وبالله التوفيق.

стр. 221

الترتيل في القراءة: وقوله : ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: ٤] . وقوله: ﴿وَقُرْآَنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾ [الإسراء: ١٠٦] ، وما يكره أن يهذ كهذ الشعر. "يُفْرَقُ"١: يُفْصَلُ. قال ابن عباس ﴿فَرَقْنَاهُ﴾ : فصلناه. حدَّثَنا٢ أبو النعمان، ثنا مهدى بن ميمون، ثنا واصل، عن أبي وائل, عن عبد الله قال: غدونا على عبد الله، فقال رجل: قرأت المفصَّل البارحة، فقال: هذا كهذ الشعر، إنا قد سمعنا القراءة، وإنى لأحفظ القرناء اللاتى كان يقرأ بهنَّ النبى ﷺ , ثمانى عشرة سورة من المفصل، وسورتين من آل حم. ورواه مسلم عن شيبان بن فروخ، عن مهدى بن ميمون، عن واصل -وهو ابن حِبَّان الأحدب- عن أبى وائل شقيق بن سلمة، عن ابن مسعود به.

стр. 222

وقال الإمام١ أحمد: حَدَّثَنَا قتيبة، ثنا ابن لهيعة, عن الحارث بن يزيد، عن زياد بن نعيم، عن مسلم بن مخراق، عن عائشة، أنه ذكر لها أن ناسًا يقرءون القرآن فى الليل مرة أو مرتين، فقالت: أولئك قرءوا ولم يقرءوا، كنت أقوم مع النبى ﷺ ليلة التمام، فكان يقرأ سورة البقرة وآل عمران والنساء، فلا يمرُّ بآية فيها تخوُّفٌ إلا دعا الله واستعاذ، ولا يمر بآية فيها استبشار إلا دعا الله ورغب إليه. "الحديث الثاني": حدَّثَنَا٢ قتيبة، ثنا جرير، عن موسى بن

стр. 223

أبى عائشة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس فى قوله تعالى: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِه﴾ [القيامة: ١٦] : كان رسول الله ﷺ إذا نزل جبريل بالوحي، كان مما يُحَرِّكُ به لسانه وشفتيه فيشتد عليه. وذكر تمام الحديث كما سيأتي، وهو متَّفَقٌ عليه. وفيه وفى الذى قبله دليلٌ على استحباب ترتيب القراءة والترسُّل فيها؛ من غير هذرمة ولا "سرعة"١ مفرطة، بل بتأمل وتفكر. قال الله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩] . وقال الإمام٢ أحمد: حدَّثَنا عبد الرحمن، عن سفيإن، عن عاصم، عن زِرٍّ، عن عبد الله بن عمرو، عن النبى ﷺ قال: "يُقَالُ لصاحب القرآن: اقرأ وأرق ورتِّل كما كنت ترتل فى الدنيا، فإن منزلك عند آخر آية تقرؤها".

стр. 224

وقال أبو عبيد١: ثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم قال: قرأ علقمة على عبد الله، فكأنه عجل، فقال عبد الله: فداك أبى وأمى، رتِّلْ، فإنه زين القرآن. قال: وكان علقمة حسن الصوت بالقرآن. وحدَّثَنا٢ إسماعيل بن إبرهيم، عن أيوب، عن أبي "جمرة"٣ قال: قلت لابن عباس: إنى سريع القراءة، وإنى أقرأ القرآن فى ثلاث، فقال: لأن أقرأ البقرة فلي ليلة فَأَدَّبَّرَهَا وأُرَتِّلَهَا؛ أحب إلى من أن أقرأ كما تقول.

стр. 225

وحَدَّثَنا١ حجاج عن شعبة, وحمَّاد بن سلمة، عن أبي "جمرة"٢، عن ابن عباس نحو ذلك، إلا أن فى حديث حمَّاد: "أَحَبُّ إليَّ من أن أقرأ القرآن أجمع هَذْرَمَة". ثم قال البخارى ﵀:

стр. 226

مد القراءة: حدثنا١ مسلم بن ابراهيم، ثنا جرير بن حازم الأزْدِيّ، ثنا قتادة قال: سألت أنس بن مالك عن قراءة النبى ﷺ ، فقال: كان يَمُدُّ مَدًّا. وهكذا رواه "أهل السنن" من حديث جرير بن حازم به. حدَّثَنا عمرو بن عاصم، ثنا همَّام، عن قتادة قال: سُئِلَ أنس بن مالك: كيف كان قراءة النبى ﷺ ؟ فقال: كانت مَدًّا، ثم قرأ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ يَمُدُّ ببسم الله، ويَمُدُّ بالرحمن، ويَمُدُّ بالرحيم. انفرد به البخارى٢ من هذا الوجه. وفى معناه الحديث الذى رواه الإمام أبو عبيد٣:

стр. 227

حدَّثَنا أحمد بن عثمان، عن عبد الله بن المبارك، عن الليث بن سعد، عن ابن أبى مليكة، عن يعلى بن مملك، عن أم سلمة، أنها نعتت قراءة رسول الله ﷺ مُفَسَّرَةً حرفا حرفا. وهكذا رواه الإمام أحمد بن حنبل عن يحيى بن إسحق، وأبو داود, عن يزيد بن خالد الرملى، والترمذى والنسائى، كلاهما عن قتيبة، كلهم عن الليث بن سعد به. وقال الترمذى: حسنٌ صحيحٌ. ثم قال أبو عبيد١: وحدَّثَنا يحيى بن سعيد الأموى، عن ابن جريج، عن ابن ابى مليكة، عن أم سلمة قالت: كان رسول الله ﷺ يقطع قراءته: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ،

стр. 228

مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ . وهكذا رواه أبو داود من حديث ابن جُرَيْجٍ. وقال الترمذى: "غريب، وليس إسناده بمتصل"؛ يعنى: أن عبد الله بن عُبَيْد الله بن أبى مليكة لم يسمعه من أمِّ سلمة، انما رواه عن يعلى بن مملك كما تَقَدَّمَ، والله تعالى أعلم.

стр. 229

الترجيع: حدَّثَنا١ آدم بن أبى إياس، حدَّثَنا شعبة، حدَّثَنَا أبو إياس قال: سمعت عبد الله بن مغفل قال: رأيت النبى ﷺ وهو على ناقته أو جمله يسير به، وهو يقرأ سورة الفتح، أو من سورة الفتح؛ قراءة ليِّنَةً، وهو يُرَجِّعُ. وقد تَقَدَّمَ هذا الحديث فى القراءة على الدابة، وأنه من المتفق عليه، وفيه أن ذلك كان يوم الفتح. وأما الترجيع فهو الترديد فى الصوت، كما جاء أيضًا فى الخاري أنه جعل يقول: أأأ، وكأن ذلك صدر من حركة الدابة تحته، فدلَّ على جواز التلاوة عليه وإن أفضى إلى ذلك. ولا يكون ذلك من باب الزيادة في الحروف؛ بل ذلك مغتفر للحاجة، كما يصلى على الدابة حيث توجهت به مع إمكان تأخر ذلك، والصلاة إلى القبلة، والله أعلم.

стр. 230

حُسْنُ الصَّوْتِ بِالقِرَاءَةِ: حدَّثَنَا١ محمد بن خلف أبو بكر، حدَّثَنَا "أبو"٢ يحيى الحمَّاني، ثنا "بُرَيْد"٣ بن عبد الله بن أبى بردة، عن جدِّه أبى بردة، عن أبى موسى، أن رسول الله ﷺ قال: "يا أبا موسى، لقد أُوتِيتَ مزمارًا من مزامير آل داود". وهكذا رواه الترمذي عن موسى بن عبد الرحمن الكندي، عن أبي يحيى الحماني -واسمه عبد الحميد بن عبد الرحمن، وقال: "حسن صحيح". وقد رواه مسلم من حديث طلحة "بن يحيى بن طلحة"٤، عن أبى بردة، عن أبى موسى، وفيه قصة. وقد تَقَدَّمَ الكلام على تحسين الصوت عند قول البخارى: من لم يتغنَّ بالقرآن، وذكرت هناك أحكاما أغنى عن إعادتها ههنا، والله تعالى أعلم.

стр. 231

مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَسْمَعَ القِرَاءَةَ مِنْ غَيْرِهِ: حدَّثَنا١ عمر بن حفص بن غِيَاث، ثنا أبى، ثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن عُبَيْدة، عن عبد الله قال: قال لى النبى ﷺ : "اقرأ عليَّ القرآن". قلت: أقرأ عليك وعليك أنزل؟! قال: "إنى أحب أن أسمعه من غيرى". وقد رواه الجماعة إلَّا ابن ماجه من طرق عن الأعمش، وله طرق يطول بسطها، وقد تَقَدَّمَ فيما رواه مسلم من حديث طلحة "بن يحيى بن طلحة"٢، عن أبى بُرْدَةَ، عن أبى موسى، أن رسول الله ﷺ قال له: "يا أبا موسى، لو رأيتنى وأنا أستمع لقراءتك البارحة"، فقال: أما والله لو أعلم أنك تستمع قراءتى لحبَّرْتُهَا لك تحبيرًا٣. وقال الزهرى عن أبى سلمة: كان عمر إذا رأى أبا موسى قال: ذكِّرْنَا ربَّنَا يا أبا موسى٣، فيقرأ عنده.

стр. 232

وقال أبو عثمان النهدى: كان أبو موسى يصلى بنا، فلو قلت: أنى لم أسمع صوت صَنْجٍ قط ولا بَرْبَطٍ قط ولا شيئا قط أحسن من صوته١.

стр. 233

قول المقرئ للقارئ: حَسْبُكَ: حدَّثَنا١ محمد بن يوسف، ثنا سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عبيدة، عن عبد الله قال: قال لى رسول الله ﷺ : "اقرأ على"، فقلت: يا رسول الله، اقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: "نعم"، فقرأت عليه سورة النساء، حتى أتيت إلى هذه الآية: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ ، قال: "حسبك الآن"، فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان. أخرجه الجماعة إلا ابن ماجة من رواية الأعمش به، ووجه الدلالة ظاهر. وكذا الحديث الآخر: "اقرءوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم، فإذا اختلفتم فقوموا" ٢.

стр. 234

في كَمْ يُقْرَأُ القُرْآنُ: وقول الله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ : حدَّثَنا١ علي، حدَّثَنا سفيان قال: قال لى ابن شبرمة: نظرت كم يكفى الرجل من القرآن؟ فلم أجد سورة أقل من ثلاث آيات، فقلت: لا ينبغي لأحد أن يقرأ أقل من ثلاث آيات. قال سفيان٢: أخبرنا منصور، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد، أخبره علقمة، عن أبى مسعود، فلقيته وهو يطوف بالبيت، فذكر النبى ﷺ أن "من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة فى ليلة كفتاه". وقد تَقَدَّم أن هذا الحديث متفق عليه. وقد جمع البخاري فيما بين عبد الرحمن بن يزيد وعلقمة عن أبي مسعود، وهو صحيح؛ لأن عبد الرحمن سمعه أولا من علقمة، ثم لقى أبا مسعود وهو يطوف فسمعه منه. وعلى هذا: هو ابن المديني وشيخه سفيان بن عُيَيْنَة، وما قاله عبد الله بن "شبرمة"٣ فقيه الكوفة فى زمانه استنباطٌ حسنٌ. وقد جاء فى حديث فى "السنن"٤: "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب وثلاث

стр. 235

آيات"، ولكن هذا الحديث -أعنى حديث أبى مسعود- أصح وأشهر وأخص، ولكن وجه مناسبته للترجمة التى ذكرها البخارى فيه١ نظر، والله أعلم، والحديث الثانى أظهر فى المناسبة وهو قوله: حدَّثَنا٢ موسى بن إسماعيل، ثنا أبو عوانة، عن مغيرة، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو قال: أنكحنى أبى امرأة ذات حسب، فكان يتعاهد كَنَّتَهُ، فيسألها عن بعلها، فتقول: نعم الرجل من رجل، لم يطأ لنا فراشًا، ولم يفتش لنا كنفا منذ اتيناه، فلما طال ذلك عليه ذكر للنبي ﷺ ، فقال: "القِنِي به"، فلقيته بعد، فقال: "كيف تصوم"؟، قال: كل يوم، قال: "كيف تختم"؟، قال: كل ليلة، قال: "صم كل شهر ثلاثة، واقرأ القرآن فى كل شهر"، قال: قلت: انى أطيق أكثر من ذلك، قال: "صم ثلاثة أيام فى الجمعة"، قلت: أطيق أكثر من ذلك، قال: "أفطر يومين وصم يوما"، قلت: أطيق أكثر

стр. 236

من ذلك، قال: "صم، أفضل الصوم صوم داود: صيام يوم وإفطار يوم، واقرأ فى كل سبع ليال مرة"، فليتنى قبلت رخصة رسول الله ﷺ ، وذلك أنى كبرت وضعفت، فكان يقرأ على بعض أهله السبع من القرآن بالنهار، والذى يقرأ يعرضه بالنهار؛ ليكون أخَفَّ عليه بالليل، وإذا أراد أن يتقوى أفطر أيامًا وأحصى وصام مثلهن، كراهية أن يترك شيئا فارق عليه النبى ﷺ . وقال بعضهم١: فى ثلاث، وفى خمس، وأكثرهم على سبع. وقد رواه فى "الصوم"٢، والنسائى أيضًا عن بندار، عن غُنْدُر، عن شعة، عن مغيرة، والنسائى من حديث حُصَيْن، كلاهما عن مجاهد به. ثم روى البخارى٣ ومسلم وأبو داود من حديث يحيى بن أبى كثير،

стр. 237

عن محمد بن عبد الرحمن مولى "بنى زهرة"١، عن أبى سلمة قال: وأحسبنى سمعتُ أنا من أبى سلمة عن عبد الله بن عمرو قال: قال النبى ﷺ : "اقرأ القرآن فى شهر"، قلت: إنى أجد قوة، قال: "فاقرأه فى سبع، ولا تزد على ذلك". فهذا السياق ظاهره يقتضى المنع من قراءة القرآن فى أقل من سبع. وهكذا الحديث الذى رواه أبو عبيد٢: حدَّثَنا حجاج وعمر بن طارق ويحيى بن بكير، كلهم عن ابن لهيعة، عن حِبَّان بن واسع، عن أبيه، عن قيس بن صَعْصَعَة، أنه قال للنبى ﷺ : يا رسول الله، فى كم اقرأ القرآن؟ قال: "فى كل خمس عشرة"، قال: إنى أجدنى أقوى من ذلك، قال: "ففى كل جمعة". وحدَّثَنا٣ حجاج، عن شعبة، عن محمد بن ذكوان -رجل من أهل الكوفة- قال: سمعت عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود يقول: كان عبد الله

стр. 238

ابن مسعود يقرأ القرآن فى غير رمضان من الجمعة إلى الجمعة، وعن١ حجاج، عن شعبة، عن أيوب، سمعت أبا قلابة عن أبى المهلب قال: كان أُبَيُّ بن كعب يختم القرآن في كل ثمان.

стр. 239

وكان١ تميم الدارى يختمه فى كل سبع. وحدَّثَنا٢ هشيم، عن الأعمش، عن إبراهيم، ٣ [أنه كان يقرأ القرآن في كل سبع. حدثنا٤ جرير، عن منصور, عن ابراهيم] ٣، قال: كان الأسود يختم القرآن فى كل ست. وكان علقمة يختمه فى كل خمس، فلو تركنا ومجرد هذا؛ لكان الأمر في ذلك جليا، ولكن دلَّت أحاديث أُخَر على جواز قراءته فيما دون ذلك، كما: رواه الإمام أحمد فى "مسنده"٥: حدَّثَنا حسن، ثنا ابن لهيعة،

стр. 240

حدَّثَنا حِبَّان بن واسع، عن أبيه، عن سعد بن المنذر الأنصارى أنه قال: يا رسول الله، اقرأ القرآن فى ثلاث؟ قال: "نعم". قال: فكان يقرؤه حتى توفى. وهذا إسناد جيد قوى "حسن١، فإن" حسن "بن موسى"٢ الأشيب ثقةٌ متفقٌ على جلالته، روى له الجماعة وابن لهيعة، إنما يُخشى من تدليسه أو سوء حفظه، وقد صرَّح ههنا بالسماع، وهو من أئمة العلماء بالديار المصرية في زمان، وشيخه حِبَّان بن واسع بن حِبَّان وأبوه، كلاهما من رجال مسلم، والصحابى لم يخرج له أحد من أهل الكتب الستة، وهذا على شرط كثير منهم، والله أعلم. وقد رواه أبو عبيد ﵀ عن ابن بكير، عن ابن لهيعة، عن حِبَّان بن واسع، عن أبيه، عن سعد بن المنذر الأنصارى أنه قال: يا رسول الله، اقرأ القرآن فى ثلاث؟ قال: "نعم، إن استطعت" , قال: فكان يقرؤه

стр. 241

كذلك حتى توفى. "حديث آخر": قال أبو عبيد١: حدَّثَنا يزيد، عن همَّام، عن قتادة، عن يزيد بن عبد الله بن الشخير، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تفقه في قرءة في أقل من ثلاث". وهكذا أخرجه أحمدُ وأصحابُ "السنن الأربعة" من حديث قتادة به. وقال الترمذى: "حسن صحيح". "حديث آخر": قال أبو٢ عبيد: حدَّثنا يوسف بن الغَرِق٣، عن الطَّيِّبِ بن سلمان قال: حدَّثَتْنَا عمرة بنت عبد الرحمن، أنها سمعت عائشة تقول: كان رسول الله ﷺ لا يختم القرآن في أقل من ثلاث.

стр. 242

هذا حديث غريب جدًا، وفيه ضعف؛ فإن الطيب بن سلمان هذا بصرى؛ ضعَّفَه الدارقطنى، وليس هو بذاك المشهور، والله أعلم. وقد كره غير واحد من السلف قراءة القرآن فى أقلِّ من ثلاثٍ، كما هو مذهبُ "أبى عبيد"١ وإسحاق بن راهويه وغيرهما من الخلف أيضًا. قال أبو٢ عبيد: حدَّثَنا يزيد، عن هشام بن حسان، عن حفصة، عن أبى العالية، عن معاذ بن جبل، أنه كان يكره أن يقرأ القرآن فى أقل من ثلاث. صحيح. وحدَّثَنا٣ يزيد، عن سفيان، عن على بن بذيمة، عن أبى عبيدة، قال عبد الله: من قرأ القرآن في أقل في ثلاث؛ فهو راجز. ..................................................................................

стр. 243

وحدَّثَنا١ حجاج، عن شعبة، عن على بن بذيمة، عن أبي عبيدة، عن عبد الله مثله "سواء"٢. وحدَّثَنا٣ حجاج، عن شعبة، عن محمد بن ذِكْوان، عن "عبد الرحمن ابن"٤ عبد الله بن مسعود، عن أبيه، أنه كان يقرأ القرآن فى رمضان فى ثلاث. إسناد صحيح. [وفي٥ "المسند"٦ عن عبد الرحمن بن شبل مرفوعًا: "اقرءوا

стр. 244

القرآن، ولا تغلوا فيه، ولا تجفوا عنه، ولا تأكلوا به، ولا تستكثروا به". فقوله: "لا تغلو فيه"؛ أي: لا تُبالغوا في تلاوته بسرعة في أقصر مدة، فإن ذلك ينافي التدبير غالبًا، ولهذا قابله بقول: "ولا تجفوا عنه"؛ أي: لا تتركوا تلاوته] ١. فصل: وقد ترخَّصَ جماعات من السلف فى تلاوة القرآن فى أقل من ذلك؛ منهم أمير المؤمنين عثمان بن عفان -رضى الله عنه. قال أبو عبيد٢ ﵀: حدَّثَنا حجاج، عن ابن جُرَيْج، أخبرنى ابن خُصَيْفَة، عن السائب بن يزيد، أن رجلا سأل عبد الرحمن بن عثمان التيمى عن صلاة طلحة بن عبيد الله، فقال: إن شئت أخبرتك عن صلاة

стр. 245

عثمان -رضى الله عنه، فقال: نعم، قال: قلت: لأغلبن الليلة على الحجر، فقمت، فلما قمتُ إذ أنا برجل مقنَّع يزحمنى، فنظرت، فإذا عثمان بن عفان -رضى الله عنه، فتأخرت عنه فصلى، فإذا هو يسجد سجود القرآن، حتى إذا قلتُ، هذه هوادي الفجر؛ أوتر بركعة لم يصل غيرها. وهذا إسناد صحيح. ثم قال١: حدَّثَنا هشيم، أنا منصور، عن ابن سرير قال: قالت نائلة بنت الفرافصة الكلبية، حيث دخلوا على عثمان ليقتلوه، إن تقتلوه أو تدعوه؛ فقد كان يحيى الليل كله بركعة يجمع فيها القرآن. وهذا حسن. وقال٢ أيضًا: حدَّثَنا أبو معاوية، عن عاصم، عن ابن سليمان، عن ابن سيرين، أن تميما الدارى قرأ القرآن في ركعة. .....................................................................

стр. 246

حدَّثَنا١ حجاج، عن شعبة، عن حَمَّاد، عن سعيد بن جبير أنه قال: قرأت القرآن فى ركعة فى البيت؛ يعنى: الكعبة. وحدَّثَنا٢ جرير، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة أنه قرأ القرآن فى ليلة، طاف بالبيت أسبوعًا، ثم أتى المقام فصلى عنده٣، [فقرأ بالطُّوَل، ثم طاف بالبيت أسبوعًا، ثم أتى المقام فصلى عنده] ٣، فقرأ بالمئين، ثُمَّ طاف بالبيت أسبوعًا، ثمَّ أتى المقام فصلَّى عنده فقرأ بقية القرآن. وهذه كلها أسانيد صحيحة. ومن أغرب ما ههنا ما رواه أبو عبيد٤ ﵀، حدَّثنا سعيد بن

стр. 247

عُفير، عن بكر بن مضر، أن سليم بن عتر التجيبي كان يقرأ القرآن فى ليلة ثلاث مرَّات، ويجامعُ ثلاث مرات، قال: فلمَّا مات قالت امرأته: رحمك الله، إن كنت لتُرضي ربَّك وترضى أهلك، قالوا: وكيف ذلك؟ قالت: كان يقوم من الليل فيختم بالقرآن، ثم يُلمُّ بأهله، ثم يغتسل ويعود، فيقرأ حتى يختم، ثم يُلمّ بأهله، ثم يغتسل ويعود، فيقرأ حتى يختم، ثم يُلِمُّ بأهله، ثم يغتسل ويخرج إلى صلاة الصبح. قلت: كان سليم بن عتر تابعيا جليلا ثقة نبيلا، وكان قاضيا بمصر أيام معاوية وقاصَّها. قال أبو حاتم١: روى عن أبى الدرداء وعنه ابن زحر. ثم قال: حدَّثَنِي محمد بن عون، عن أبى صالح كاتب الليث، حدثنى حرملة بن عمران، عن كعب بن علقمة قال: كان سليم بن عتر من خير التابعين. وذكره ابن يونس فى "تاريخ مصر", وقد روى ابن أبى داود عن مجاهد، أنه كان يختم القرآن فيما بين المغرب والعشاء. وعن منصور٢ قال: كان عليٌّ الأزديُ يختم فيما بين المغرب والعشاء

стр. 248

كل ليلة من رمضان. وعن إبراهيم بن سعد قال: كان أبى يحتبى، فما يحلُّ حَبْوَتَه حتى يختم القرآن. قلت: وروى عن منصور١ بن زاذان، أنه كان يختم فيه بين الظهر والعصر، ويختم أخرى فيما بين المغرب والعشاء، وكانوا يؤخرونها قليلا. وعن الإمام الشافعى ﵀ أنه كان يختم فى اليوم والليلة من شهر رمضان ختمتين، وفي غيره ختمة. وعن أبي عبد الله البخارى صاحب "الصحيح" أنه كان يختم فى الليلة ويومها من رمضان ختمة. ومن غريب هذا وبديعه ما ذكره الشيخ أبو عبد الرحمن السلمى الصوفى قال: سمعت الشيخ أبا عثمان المغربى يقول: كان ابن الكاتب يختم بالنهار أربع ختمات، وبالليل أربع ختمات, وهذا نادر جدا، فهذا وأمثاله من الصحيح عن السلف محمول إما على أنه ما بلغهم فى ذلك حديث مما تَقَدَّمَ، أو أنهم كانوا يفهمون ويتفكرون فيما يقرءونه "مع"٢ هذه السرة، والله أعلم. قال الشيخ أبو زكريا النواوي في كتابه................

стр. 249

"التبيان"١ بعد ذكر طرف مما تَقَدَّمَ: والاختيار أن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص، فمن كان له بدقيق الفكر لطائف ومعارف، فليَقْتَصِر على قدرٍ يحصل له كمال فهم ما يقرؤه، وكذا من كان مشغولا بنشر العلم وغيره من مهمات الدين ومصالح المسلمين العامة، فليقتصر على قدر لا يحصل بسببه إخلال بما هو مُرْصَدٌ له، وإن لم يكن من هؤلاء، فليستكثر ما أمكنه من غير خروج إلى حَدِّ الملل والهذرمة. ثم قال البخاري٢ ﵀:

стр. 250

البكاء عند قراءة القرآن: وأورد فيه في رواية الأعمش، عن إبراهيم بن عبيدة، عن عبد الله -هو ابن مسعود- قال: قال رسول الله ﷺ : "اقرأ علي" , قلت: اقرأ عليك، وعليك أنزل؟ قال: "إنى أشتهى أن أسمعه من غيري". قال: فقرأت النساء حتى إذا بلغت: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ قال لي: "كُفَّ" أو: "أمسك". "فرأيت"١ عينيه تذرفان. وهذا من المتفق عليه كما تَقَدَّمَ، وكما سيأتي إن شاء الله.
следующие страницы →