٤- الصعاليك والمجتمع القبلي:
الظاهرة المهمة التي تلفت النظر في حياة صعاليك العرب الاجتماعية هي فقد الإحساس بالعصبية القبلية التي كانت قوام المجتمع الجاهلي، وتطورها في نفوسهم إلى "عصبية مذهبية". وهي ظاهرة من السهل تعليلها بعدما فهمنا الظروف الاجتماعية التي وجد فيها هؤلاء الصعاليك، فأما الخلعاء والشذاذ فقد تخلت قبائلهم عنهم، وسحبت منهم "الجنسية القبلية"، فكان من الطبيعي أن يفقدوا إيمانهم بكل معاني القبلية، وأن يكفروا بتلك العصبية القبلية التي لم يعد لها قيمة في حياتهم، بل قد ينقلبون انقلابا تاما فتصبح صلتهم بقبائلهم صلة عداوة، فيوجهون غزواتهم إليها، كما فعل قيس بن الحدادية لما خلعته قبيلته، فجمع لهم "شذاذا من العرب، وفتاكا من قومه، وأغار عليهم بهم"١، فنحن هنا أمام حالة شاذة في المجتمع الجاهلي، يغير فيها بعض القبيلة على بعضها. وأما الأغربة فقد أدركوا أن قبائلهم لا تكاد تعترف بهم، بل تكاد تنكر صلتها بهم، فلم يكن هناك إذن ما يوجب حرصهم على تلك العصبية القبلية لأنها مرفوضة من جانب القبيلة.
وحين ننظر في أخبار صعاليك العرب نلاحظ هذه الظاهرة واضحة تماما، وقد رأينا في غارة قيس بن الحدادية على قومه أنه ألف جماعته من شذاذ من العرب وفتاك من قومه. وفي أخبار حاجز الأزدي أنه جمع "ناسا من فهم وعدوان فدلهم على خثعم، فأصابوهم غرة وغنموا ما شاءوا"٢، فهو أزدي وهم من فهم وعدوان. وكان الشنفرى الأزدي يغير أحيانا على الأزد فيمن معه من فهم٣، فهو أزدي يتزعم جماعة من فهم، دون أن يجد الفهميون في ذلك غضاضة، وهو يتزعمهم ليغير بهم على قبيلته، دون أن يجد هو في ذلك عارا. وفي أخبار امرئ القيس أنه بعد أن طرده أبوه "كان يسير في أحياء العرب ومعه أخلاط من شذاذ العرب من طيئ وكلب وبكر"٤، فنحن هنا أمام جماعة من الصعاليك تألفت من ثلاث قبائل مختلفة.
ولعل السليك هو الشذوذ الوحيد لهذا الشذوذ، فقد "كان لا يغير على مضر، وإنما يغير على اليمن، فإذا لم يمكنه ذلك أغار على ربيعة"٥، بل إن المسألة عنده لم تقف عند هذا الجانب السلبي، بل كانت أحيانا تتعداه إلى جانب إيجابي يستخدم فيه مواهبه صعلوكا في سبيل قبيلته، ففي بعض أخباره
стр. 107
أنه رأى طلائع جيش لبكر بن وائل جاءوا ليغيروا على تميم، فاستغل سرعة عدوه لينذر قومه حتى لا يؤخذوا على غرة١.
ولكن من المهم أن نلاحظ أن العصبية القبلية قد تطورت في نفس السليك من عصبية ضيقة الأفق إلى عصبية ذات أفق واسع، ترتفع عن العصبية القريبة التي كانت تؤمن بها القبيلة في حدودها الضيقة إلى عصبية واسعة تشمل الجنس كله الذي تنتمي إليه القبيلة، فهي عصيبة من نوع آخر غير العصبية القبلية التي كانت تؤمن بها كل قبيلة، ويصح أن نطلق عليه "عصبية جنسية".
ويجب ألا نفهم من هذا أن السليك كان مرتبطا بقبيلته كسائر أفرادها، فقد كان يحيا حياته الخاصة، حياة التصعلك، خارج قبيلته، دون أن يرتبط بها في شيء، أو يعتمد عليها في شيء.
وقد نشأ عن كفر صعاليك العرب بالعصبية القبلية، وإيمانهم بعصبية مذهبية قوامها "الغزو والإغارة للسلب والنهب" أنهم كثيرا ما كانوا يقومون في المجتمع الجاهلي بدور يشبه دور "الجنود المرتزقة" عند الأمم الأخرى، "فما دام هؤلاء الصعاليك لا يعرفون العيش إلا في ظلال سيوفهم، وما داموا لا ينتظرون في حياتهم أي سلام أو أمن، فقد كانوا يقاتلون أحيانا كما يقاتل الأبطال الشجعان، ومن هنا كان الأشراف الذين يرغبون في أن يوجهوا إلى خصومهم ضربة قاصمة يلجئون إلى بسالتهم مفضلين إياهم على رجال قبائلهم"٢.
وتحدثنا الأخبار أن قوما من شذاذ العرب كانوا يكونون مع الملوك، وكانوا
стр. 108
يسمونهم "الصنائع"١. وفي أخبار امرئ القيس أنه لما خرج ليثأر لأبيه "جمع جمعا من بني بكر بن وائل وغيرهم من صعاليك العرب، وخرج يريد بني أسد"٢، وفي مرة أخرى غزاهم "وقد جمع جموعا من حمير وغيرهم من ذؤبان العرب وصعاليكها"٣، وأنه لما استنصر مرثد الخير الحميري أمده بخمسمائة رجل من حمير خرج بهم، وتبعه شذاذ من العرب٤، وفي أخبار زيد الخيل الطائي أنه "جمع طيئا وأخلاطا لهم، وجموعا من شذاذ العرب، فغزا بهم بني عامر ومن جاورهم من قبائل العرب من قيس"٥، وفي أخبار زهير بن جناب أنه جمع بني كلب "ومن تجمع له من شذاذ العرب والقبائل"، فغزا بهم بكرا وتغلب٦، وفي أخبار أبي جندب الهذلي أنه خرج ليثأر لأخيه "فقدم مكة فواعد كل خليع وفاتك في الحرم أن يأتوه يوم كذا وكذا فيصيب بهم قومه"٧، وفي أخباره أيضا أن بني لحيان قتلوا جارين له، فقدم مكة ولما قضى نسكه "خرج في الخلعاء من بكر وخزاعة، فاستجاشهم على بني لحيان، فخرجوا معه، حتى صبح بهم بني لحيان"٨، وفي شعر خفاف بن ندبة إشارة إلى اشتراك الصعاليك في بعض الغزوات٩.
ولعل من أسباب هذا كثرة الصعاليك وانتشارهم في أرجاء الجزيرة العربية في العصر الجاهلي بصورة واسعة، وقد مر بنا في الفصل الأول أن النعمان بن المنذر لما طلبه كسرى، وهرب مستنجدا بقبائل العرب، نصحه بعضهم بالعودة إلى كسرى، فإن صفح عنه عاد ملكا غزيرا، وإلا فالموت خير من أن
стр. 109
يتلعب به صعاليك العرب ويتخطفه ذئابها فتأكل ما له، وفي أخبار معبد بن زرارة "أن قيسا أسرته يوم رحرحان فساروا به إلى الحجاز، فأتى لقيط "أخوه" في بعض الأشهر الحرم، ليفديه فطلبوا منه ألف بعير، فقال لقيط: إن أبانا أمرنا ألا نزيد على المائتين فتطمع فينا ذؤبان العرب"١.
وهنا يجدر بنا أن نقف لنلاحظ أن هذا الأسلوب من أساليب العيش الذي سلكه صعاليك العرب لم يكن إلا صورة من الحياة الاجتماعية التي كان يعرفها المجتمع الجاهلي، ذلك المجتمع الذي كان يؤمن بأن "الغزو أدر للقاح، وأحد للسلاح"٢. وليس من شك في أن المجتمع الجاهلي كان يؤمن بالقوة إيمانا جعلها من مقومات حياته، وجعل الغزو أساسا من الأسس التي يقوم عليها بناؤه٣، "فبقدر ما كان التناصر بين أفراد القبيلة، كان التخاصم بين القبائل في سبيل الشرف والرياسة أو المال والعيش، لذلك كانت حياة القبائل الجاهلية حمراء مصبوغة بالدم"٤ يتسابق أفرادها إلى الجهل، بل يحرص كل منهم على أن يجهل "فوق جهل الجاهلينا"٥، مؤمنين بالظلم وبأن "من لا يَظلم الناس يُظلم"٦، وبأن في الشر نجاة حين لا ينجيك إحسان٧، وبأن "الشهرة بالشر خير من ألا أُعرف بخير ولا شر"٨.
ولعل عمل الصعاليك "كان استئناسا بعمل القبائل معا؛ إذ كانت حياته قائمة إلى حد ما على الغزو والسلب، والفرق بين الصورتين أن عمل القبائل جماعي منظم، وعمل الصعاليك فردى لا نظام له"٩.
стр. 110
وخلاصة القول أن إيمان القبيلة بوحدتها أوجد في المجتمع الجاهلي طائفة الخلعاء والشذاذ، وأن إيمانها بجنسها أوجد فيه طائفة الأغربة، وأن المتمردين من هاتين الطائفتين من شتى القبائل قد اجتمعوا في عصابات من صعاليك العرب، كافرين بالعصبية القبلية، مؤمنين بعصبية مذهبية قوامها "الغزو والإغارة للسلب والنهب"، معتمدين على قوتهم في سبيل العيش، شأنهم في ذلك شأن المجتمع الذي يعيشون فيه، وإنْ يكن عملهم فرديا فلم يُعترف به.
стр. 111
الفصل الرابع: التفسير الاقتصادي لظاهرة الصعلكة
١- العرب والتجارة:
عرفت الجزيرة العربية منذ أقدم عصورها النشاط التجاري على صورة واسعة. وقديما ذكر سترابو "أن كل عربي تاجر"١، وهي عبارة -على الرغم مما فيها من إطلاق وتعميم- تسجل الصدى الذي استقر في نفس ذلك الرحالة القديم عن بلاد العرب في أثناء زيارته لها. ويذكر شبرنجر في جغرافيته القديمة للجزيرة العربية أن تاريخ التجارة الأولى هو تاريخ البخور، وأرض البخور هي بلاد العرب٢. وأول تجار ورد ذكرهم في التوراة هم العرب٣، ويذكر الباحثون أن العرب كانوا "الواسطة بين قدماء الأوربيين والشرق الأقصى"٤، و"وأن البيزنطيين كانوا يعتمدون في شئونهم التجارية على قوافل البدو التي كانت تحمل لهم الأحجار الكريمة والتوابل من بلاد الهند الغامضة، والجلود والمعادن والمواد الغريبة والحرير من الصين، لأجل ثياب أباطرتهم وحظاياهم وكهنتهم، والعطور من بلاد المجوس، والبخور من اليمن، والصمغ من إفريقية، لأجل كنائسهم وقصورهم"٥. وقد كان لمخازن العرب من
стр. 112
الأهمية ما كان لمخازن البندقية إبان عظمتها١، ومنذ عصور سحيقة والقوافل التجارية النشطة تعمل بين مناظق الإنتاج في بلاد العرب السعيدة وبين مدن العراق والشام ومصر٢.
ويبدو أن هذه الحركة التجارية النشطة التي سالت بقوافلها وديان الصحراء العربية، حتى جعلت من العرب كما يقول بعض المؤرخين "حملة العالم بين الشرق والغرب"٣، ترجع إلى تلك الظروف التي كانت تسود العالم القديم في ذلك الوقت، فقد كان الطريق البحري بين الشرق والغرب محفوفا بالأخطار، فإلى جانب "القراصنة" الذين كانوا يهددون أمنه، ويقطعون طرقه، ويأخذون كل سفينة غصبا، كانت الملاحة نفسها متأخرة، ولهذا "انحصرت التجارة -بدون استثناء تقريبا- في البر، وكانت تلك القارة التي هي الآن أكبر عقبة في سبيل الحركة التجارية وسيلتها الأساسية الميسرة، وكانت براري آسيا الوسطى وجزيرة العرب بحار القدماء، وكانت قوافل الإبل سفنهم"٤.
وكانت التجارة في أول الأمر في أيدي اليمنيين، "فعلى أيديهم كانت تنقل غلات حضرموت وظفار، وواردات الهند، إلى الشام ومصر"٥، "وكانت كثرة التجارة مع بلاد العرب الجنوبية تنقل إلى الشام ومصر عن طريق الحجاز"٦.
وليس من شك في أن هذه الحركة التجارية النشطة التي كان يسيطر عليها الجنوبيون، والتي كانت تتخذ من بلاد الشماليين طريقا لها، أوجدت في نفوس الشماليين رغبة في الأخذ بهذا الأسلوب من أساليب العيش، الذي يرونه يدر على أصحابه رزقا وافرا وثراء عريضا، وغرست في نفوسهم النواة الأولى لحب التجارة التي لم تلبث أن خرجت شجرتها إلى الوجود عندما ضعفت الدولة اليمنية وأخذت في الانحلال. فما كادت القوة الحميرية يدب فيها الوهن في أثناء القرن الخامس حتى سنحت الفرصة لعرب الحجاز للقبض على زمام الحركة التجارية، "ويبدو أن هذه التطورات كانت شديدة التدرج، ولكن الأمر الذي لا ريب فيه هو أنه من قبل أن يبدأ القرن السابع كان طريق الحجاز كله في أيدي العرب الذين ينزلون فيه، والذين جعلوا من مكة مركزا إداريا لهم، يستقبلون فيه البضائع من أيدي اليمنيين، ثم يحملونها شمالا على حسابهم الخاص إلى أسواق سورية ومصر، وربما أيضا إلى فارس، وإن يكن من المعروف أن جزءا من التجارية الفارسية كان في أيدي عرب الحيرة"٧.
стр. 113
٢- الطرق التجارية:
ولم يكن طريق الحجاز الطريق التجاري الوحيد للقوافل التجارية، وإنما كانت هناك طرق أخرى. ويقرر الدارسون أن "طرق القوافل ليست مسألة اختيار مطلق"١، وإنما هي مسألة "تعتمد على طبيعة الصحاري والجبال وموارد المياه"٢، ويلاحظون أن "طرق القوافل في الجزيرة العربية تتبع عادة مجاري الوديان"٣، وهذا طبيعي لأنها تتجنب به مجاهل الصحراء ووعورة الجبال، وتضمن طرقا واضحة العالم، محددة المسالك: تكثر فيها نسبيا فرص وجود الماء.
وقد عرفت الجزيرة العربية منذ أقدم عصورها طريقين أساسين للقوافل
стр. 114
التجارية بين طرفيها الشمالي والجنوبي١. ويبدأ الطريقان من ظفار التي كانت المركز الأساسي لتجارة البخور التي يعتمد عليه الشطر الأكبر من التجارة العربية، ويجري الطريقان إلى الشرق والغرب منها، ليتجنبا اختراق تلك الصحراء الرهيبة المعروفة الآن بالربع الخالي.
أما الطريق الشرقي فيمضي متاخما لقوس عمان الساحلي، متجها إلى القطيف على الخليج الفارسي، التي كانت مرفأ تحمل إليه بضائع الهند، ومن القطيف عن طريق تدمر إلى فلسطين وصُور بسورية. وليس من شك في أن هذا الطريق كان الطريق الأساسي الذي تنقل فيه بضائع الهند إلى صنعاء باليمن، ومنها إلى ثغور البحر الأحمر أو إلى الحجاز.
وأما الطريق الغربي فيبدأ من ظفار أيضا، ثم يسلك وادي حضرموت إلى شبوة في أقصى طرفه الغربي، حيث يلتقي بطريق فرعي يتصل بعدن، ثم يستمر إلى مأرب، ومنها إلى صنعاء حيث يلتقي مرة أخرى بطريق فرعي يتصل بعدن أيضا، ومن صنعاء يصعد شمالا محاذيا البحر الأحمر، متجنبا في الشرق الصحرء المحرقة اللافحة، وفي الغرب المرتفعات الساحلية الوعرة، حتى يدخل الحجاز بين سلستي الجبال المتوازيتين التي تقع مكة والطائف بينهما، ويمضي شمالا عن طريق وادي القرى إلى العلا، الثغر الأمامي لديار الأنباط، حيث كان يجري تبادل البضائع بين العرب الجنوبيين والأنباط، ثم إلى تيماء حيث تتشعب الطرق، فبعضها يتجه شمالا إلى بصرى وتدمر ودمشق في سورية، وبعضها إلى مصر عن طريق أيلة وغزة والعريش والطرف الشمالي لشبه جزيرة سيناء، وبعضها إلى بابل عن طريق حائل الذي ينحني انحناءة واسعة ليتجنب صحراء النفود القاسية.
وإلى جانب هذين الطريقين الأساسيين اللذين يدوران حول صحاري الجزيرة العربية، يوجد طريق ثالث يخترق قلب الجزيرة العربية من مكة في
стр. 115
انحناءة حول الحد الشمالي للربع الخالي عن طريق الرياض إلى القطيف على الخليج العربي١.
ويبدو أنه كانت هناك طرق أخرى مهمة، ففي الأخبار القديمة أن النعمان كان يبعث بلطيمة كل عام للتجارة إلى عكاظ٢، وأن عروة الرحال من بني كلاب أجارها في بعض الأعوام، حتى إذا وصل "إلى أهله دوين الجريب بماء يقال له أوارة" وثب عليه البراض فقتله، ثم مضى هاربا حتى أتى خيبر٣. وهنا نتساءل: أي الطرق كانت تسلكها لطائم النعمان في قدومها من الحيرة إلى عكاظ؟
يبدو أن الإجابة عن هذا السؤال تفسرها ظاهرة جغرافية، فهناك واد عظيم يمتد من حرة خيبر التي ترتفع ستة آلاف قدم، مخترقا غربي القصيم بين أبانين حتى يقارب البصر، وهو وادي الرمة الذي يرجحون أنه كان مجرى نهر في عصور ما قبل التاريخ٤. وقد قلنا إن طرق القوافل في الجزيرة العربية تتبع مجاري الوديان، ومن هنا نستطيع أن نرجح أن وادي الرمة هو الطريق الذي كانت تسلكه لطائم النعمان، ويؤيد هذا أن المواضع التي ورد ذكرها في قصة عروة الرحال والبراض تقع في هذا الوادي، فالجريب واد عظيم لبني كلاب يصب في الرمة من أرض نجد٥، ومنازل كلاب حيث قتل عروة تقع في وسط الرمة أو في أعاليها٦، وخيبر التي فر إليها البراض تقع كما رأينا عند بداية الرمة. وبهذا نستطيع أن نحدد ذلك الطريق التجاري الذي كان يخترق شمالي الجزيرة العربية، فهو يبدأ من منطقة الحيرة ثم يمضي مع وادي الرمة حتى يصل إلى خيبر، ومنها عن طريق وادي القرى إلى يثرب، ثم إلى مكة في الطريق الذي يصل بين شمالي الجزيرة العربية وجنوبيها، ومن مكة إلى عكاظ. وقد أشار زويمر نقلا عن بعض مصادره إلى طريق كان "في أيدي العرب الإسماعيليين يخترق وادي الرمة وبلاد نجد إلى حاضرة الحميريين القديمة مأرب"٧، ولكنه لم يذكر شيئا عنه أكثر من هذه الإشارة الموجزة، ولعله الطريق الذي حددناه.
стр. 116
٣- الأسواق:
ومن الطبيعي أن تقوم على طول هذه الطرق التجارية، حيث يوجد الماء مجموعة من الأسواق تنزل فيها القوافل التجارية، ويقبل إليها سكان هذه المناطق والمناطق التي تجاورها بسلعهم، ويقوم بين الفريقين تبادل تجاري، ترحل بعده القوافل ببعض ما تنتجه هذه المناطق، ويعود سكان هذه المناطق ببعض ما كانت تحمله هذه القوافل مما يحتاجون إليه ولا تنتجه بلادهم.
وقد ذكر اليعقوبي من هذه الأسواق عشرا١، بدأ بها من أقصى الشمال حيث تقام سوق دومة الجندل ثم تتبعها على طول الخليج العربي حيث تقام سوق المشقر بهجر، وسوق صحار، وسوق دَبى٢، ثم على طول الساحل الجنوبي للجزيرة العربية حيث تقام سوق الشحر بشحر مهرة، وسوق عدن، وسوق الرابية بحضرموت، وسوق صنعاء، ثم مضى على طول الساحل الشرقي للبحر الأحمر حتى انتهى إلى سوق عكاظ وسوق ذي المجاز بالقرب من مكة، وقد ذكر ابن حبيب هذه الأسواق أيضا٣، وأضاف إليها سوقين أخريين:
стр. 117
سوق حجر التي كانت تقام باليمامة، وسوق نطاة التي كانت تقام بخيبر١.
ومن الطبيعي أن هذه الأسواق ليست كل ما كانت تعرفه الجزيرة العربية في جاهليتها، وقد ذكر ابن حبيب أن هذه الأسواق هي "أسواق العرب المشهورة في الجاهلية"٢، ومع ذلك فقد عرف العرب الجاهليون أسواقا أخرى مشهورة، فقد عرفت منطقة مكة مع سوقي عكاظ وذي المجاز سوق مجنة٣، وعرفت منطقة تهامة سوق حباشة التي أرسلت السيدة خديجة رسول الله ﷺ إليها٤، وفي أخبار الشنفرى أن أعداءه تربصوا له وهو عائد منها٥، وكذلك كانت بدر "موسما من مواسم العرب تجتمع لهم بها سوق كل عام"٦، وقد عرفت عمان سوقا أخرى مشهورة هي سوق "دما" يذكر عنها ياقوت أنها "كانت من أسواق العرب المشهورة"٧، وكذلك كان اليهود يقيمون أسواقا حيث كانوا ينزلون، فقد كان لبني قينقاع سوق في يثرب، "وكانت سوقا عظيمة"، وقد زارها النابغة الذبياني مرة، فلما أشرف عليها سمع بها ضجة حاصت به ناقته منها٨، ويذكر المؤرخون أن أهل مكة كانوا يقصدون إلى خيبر ليجلبوا منها حلي آل أبي الحقيق التي كانت نساؤهم تحلين بها٩. ومن الطبيعي أن تقوم بخيبر ويثرب أسواق، نظرا لنزول اليهود أصحاب الأموال والتجارة والصناعة فيهما، وقد "كانت التجارة بنوع خاص من أهم مرافق الحياة عند يهود الحجاز، حتى صار
стр. 118
لبعضهم فيها شهرة عظيمة وصيت بعيد"١، وكذلك من الطبيعي أن تقوم بمنطقة مكة تلك المجموعة من الأسواق التي ذكرناها نظرا لأنها كانت أكبر مراكز التجارة في الجزيرة العربية، ونظرا لكثرة وفود العرب التي كانت تهوي إليها في مواسم الحج، وقد كان النعمان يبعث كل عام إلى سوق عكاظ بلطيمة "تباع"، وتُشترى له بثمنها الأدم والحرير والوكاء والحذاء والبرود من العصب والوشي والمسير والعدني"٢.
ونستطيع أن نقرر، ونحن مطمئنون، أنه على طول الطرق التجارية كانت تقوم الأسواق، وأن هذه الأسوق كانت تكبر حول مراكز التجارة الأساسية.
ونستطيع أن نقسم هذه الأسواق إلى مجموعتين: فهناك أسواق تقع في بلاد فيها هيئة حاكمة ذات قوة تنفيذية، ترد الظالم عن ظلمه، وتأخذ لصاحب الحق حقه من غاصبه، أو -كما كان يسميها القدماء- "أرض مملكة وأمر محكم"، وهذه لم يكن التجار فيها يحتاجون إلى خفارة؛ لأن القوة التنفيذية فيها كانت تقوم بهذه المهمة، نظير عشور يحصلونها من التجار، كسوق عدن٣، وهناك أسواق تقع في مناطق بدوية لا حكم فيها إلا للقوة الفوضوية، أو -كما كان يقول القدماء- "من عز فيها بز"، وهذه كان التجار يحتاجون فيها إلى خفارة، كسوق الرابية بحضرموت٤. وكان سادة بعض هذه المناطق ينصبون أنفسهم حكاما على أسواقها، "ويسيرون فيها بسيرة الملوك"، فيأخذون من التجار فيها العشور، كما كان يفعل بعض بني تميم في سوق المشقر بهجر، وكما كان يفعل الجلندي وآل الجلندي في سوق صحار وفي سوق دَبى٥.
стр. 119
ومع ذلك فقد كان التجار في هذه الأسواق عادة آمنين على دمائهم وأموالهم١، فالبرغم من أنه كان في العرب قوم يستحلون المظالم إذا حضروا هذه الأسواق، وكانوا يسمون المحلين، كان فهم من يُنكر ذلك وينصب نفسه لنصرة المظلوم، والمنع من سفك الدماء وارتكاب المنكر، وكانوا يسمون الذادة المحرمين٢، وكان هؤلاء الذادة المحرمون "يلبسون السلاح لدفعهم عن الناس، وكان العرب جميعا بين هؤلاء تضع أسلحتهم في الأشهر الحرم"٣، كما أن بعض هذه الأسواق كانت تقوم بحمايتها القبائل التي كانت تقام في أراضيها، ويسمون بذلك جيرانها، فقد كان كلب وجديلة طيئ جيرانا لسوق دومة الجندل٤، وكانت عبد القيس وتميم جيرانا لسوق المشقر٥، وكان حلف الفضول يجير في أسواق مكة٦، وقد وصلت هذه الإجارة في بعض الأحيان إلى درجة كبيرة من القوة تستطيع بها أن ترد على المظلوم حقه، بعد أن تنتزعه من غاصبه، كما كان يفعل الفضول في مكة٧.
والغاية التي نريد أن نصل إليها من هذا هي أن الفرصة التي كان من المنتظر أن تكون سانحة أمام صعاليك العرب في هذه الأسواق للغزو والإغارة للسلب والنهب قد أفلتت من أيديهم، نظرا لتلك الحماية التي كان الذادة المحرمون يأخذون بها أنفسهم، وهذه الإجارة التي كانت بعض القبائل أو الأحلاف تقوم بها، ونظرا -من ناحية أخرى- إلى ازدحام هذه الأسواق بالناس من مختلف الطبقات ازدحاما يفسد على الصعاليك "خططهم الحربية" التي تعتمد قبل كل شيء على التربص الحذر، ثم المفاجأة الخاطفة، فالفرار
стр. 120
السريع من أجل النجاة والسلامة.
ولكنهم -مع ذلك- لم يدعوا هذه الفرصة تفلت من أيديهم إفلاتا تاما، فما لا يدرك كله لا يترك كله، فقد رأوا أن هذه الأسواق مواسم يلتقي فيها ضروب من الناس من شتى القبائل، مما يتيح لهم فرصة طيبة للاتصال بهم، وانتقاء ضحاياهم من بينهم، ليضعوا على أساس ذلك خططهم المقبلة التي يعتزمون تنفيذها بعد ذلك، ففي أخبار السليك أنه خرج في الشهر الحرام حتى أتى عكاظ، فلما اجتمع الناس ألقى ثيابه ثم خرج متفضلا مترجلا، فجعل يطوف بين الناس ويقول: من يصف لي منازل قومه وأصف له منازل قومي؟ فلقيه قيس بن مكشوح المرادي، فقال: أنا أصف لك منازل قومي، وصف لي منازل قومك فتوافقا وتعاهدا ألا يتكاذبا، ووصف كل منهما للآخر منازل قومه، فانطلق قيس إلى قومه فأخبرهم الخبر، فقال أبوه المكشوح: ثكلتك أمك! هل تدري من لقيت؟ قال: لقيت رجلا فضلا كأنما خرج من أهله، فقال: هو والله سليك بن سعد، ثم لم يلبث السليك أن وضع خطته موضع التنفيذ، فأغار في أصحاب له على مراد وخثعم، وأسر قيس بن المكشوح، وأصاب من نعمهم، وسبى سبية من خثعم، ثم انصرف مسرعا١، ويبدو من معرفة المكشوح للسليك بمجرد حديث قيس عنه أن هذا اللون من الاحتيال من "السوابق" التي عرفتها "صحيفة" السليك، والتي يعرفها عنه أصحاب الخبرة، كما يعرف رجال الشرطة في العصر الحديث أرباب السوابق من المحتالين بمجرد ذكر حوادث احتيالهم.
وإذا كانت الفرصة قد أفلتت من صعاليك العرب في داخل هذه الأسواق -ما عدا أمثال هذا الاحتيال- فإن في الطرق الموصلة إليها، وفي المناطق المحيطة بها، متسعا لحركاتهم، فوقفوا يترصدون التجار في مقدمهم إليها، وفي منصرفهم عنها، يقطعون عليهم الطرق، وينهبون ما تصل إليه أيديهم من تجاراتهم.
стр. 121
وهنا نقف لنذكر أننا قلنا عند تعليلنا لانتشار حركات الصعاليك فلي منطقة السراة المحيطة بمكة وفي قبيلة هذيل أن للمسألة جانبا اقتصاديا، وأظن أننا نستيطع الآن أن نقول إن من أسباب انتشار الصعاليك في هذه المنطقة وقوعها على الطريق التجاري الذي يصل بين اليمن والشام مما جعلها ممرا للقوافل التجارية، هذا إلى أن قربها من مكة حيث تقام ثلاث أسواق مشهورة: عكاظ ومجنة وذو المجاز١ جعل منها ميدانا نشطا لحركات التجار في غدوهم ورواحهم، مما أتاح للمتمردين من صعاليك هذه المنطقة الفرصة المواتية للغارة والغزو للسلب والنهب. ولهذا السبب اضطر التجار في مناطق هذه الأسواق إلى أن يتخفروا بالقبائل القوية التي تنزلها٢.
وكان لهذه الأسواق -من ناحية أخرى- أثر في حياة صعاليك العرب، ففيها، أو في بعضها على الأقل، كانت تجري تجارة رائجة، هي تجارة الرقيق الذي كان يجلب من إفريقية، وقد رأينا في الفصل السابق صورة من تلك التجارة في أسواق مكة، وفي سوق حباشة كانت تجري هذه التجارة أيضا٣، وقد رأينا في الفصل السابق أن هذه التجارة كانت سببا في نشأة طبقة الأغربة في المجتمع الجاهلي، وأن هذه الطبقة قد أمدت حركة الصعلكة بمجموعة كبيرة من صعاليك العرب. وإلى جانب هذا اللون من التجارة، عرفت هذه الأسواق -أو بتعبير أدق- الأسواق الأساسية لونا من النشاط الاجتماعي كان له أثر في حركة الصعلكة، وهي ظاهرة الخلع، وقد قلنا في الفصل السابق إن هذا الخلع كان يتخذ صورة إعلان رسمي يذاع على الناس في المواسم والأسواق، ورأينا أن هؤلاء الخلعاء كانوا يمدون حركة الصعلكة أيضا بمجموعة كبيرة من صعاليك العرب.
ومعنى هذا أن هذه الأسواق شهدت السطور الأولى من قصة هاتين الطائفتين من صعاليك العرب: طائفة الأغربة، وطائفة الخلعاء.
стр. 122
٤- الصراع الاقتصادي في المدن التجارية:
من الطبيعي أن يشارك في هذه الحركة التجارية النشطة التي عرفتها الجزيرة العربية سكانها، كل حسب طاقته المادية، وحسب ظروفه الاجتماعية، وحسب قربه أو بعده عن مراكز النشاط التجاري، ومن الطبيعي أيضا أن يختلف موقف العرب من هذه الحركة التجارية عن موقف البدو.
أما أولئك العرب الذين تقع مدنهم على الطرق التجارية فقد فرض عليهم موقعهم أن يشاركوا في هذه الحياة التجارية بكل ما تحتمله رءوس أموالهم.
وقد نشطت الحركة التجارية في مكة بالذات نشاطا واسع النطاق، جعل منها كما يحلو للامانس أن يقول عنها "جمهورية تجارية"١، أو كما يسميها درمنجم "جمهورية بلوتقرطية"٢، تعتمد في سيادتها على طبقة الأثرياء، أو كما يقول بندلي جوزي "مدينة تجارية محضة لا يفكر أهلها إلا في التجارة، ولا يهمهم إلا جمع المال واستثماره بجميع الوسائل المحللة والغير المحللة"٣.
ويؤرخون أهمية مكة الحقيقية في هذا النشاط التجاري بذلك الوقت الذي أصبح فيه عرب الحجاز أصحاب التجارة، وجعلوا من مكة "مركزا إداريا" لأعمالهم، أما قبل ذلك، حينما كانت التجارة في أيدي اليمنيين، فإن مكة لم تعد أن تكون محطة على طريق القوافل، كما يذكر سترابو٤. فقد كانت
стр. 123
مكة قبل القرن الخامس الميلادي "محطة للقوافل التي كانت تمر بها وهي راجعة من جنوب الجزيرة تحمل بضائع الهند واليمن إلى سوريا وفلسطين ومصر، فأصبحت في أواخر الجيل السادس مدينة تجارية غنية تمد بما كان يأتيها من البضائع المحلية والأجنبية أكثر سكان الحجاز وأسواقه"١.
وقد سيطر على أهل مكة روح تجاري نشط "فاشتعلت في نفس كل منهم حمَّى تدفعه للعمل والمال والمضاربات التجارية، من التاجر ذي الأريكة الخشبية في الهواء الطلق، إلى صاحب الدكان الصغير، إلى رجل الأعمال الكبير صاحب الكتبة الكثيرين، الذي تزدان دفاتر حساباته الجارية بالأختام والكتابات الحاذقة"٢، وبلغ من سيطرة هذا الروح التجاري أن كان من ألقاب الشرف في مكة لقب "تاجر"، ذلك اللقب الذي كان يخول لصاحبه أن يشارك في السلطان السياسي٣.
وقد أحدث هذا النشاط التجاري نوعا من الاختلال في التوازن الاقتصادي، نشأت عنه طبقة من الصعاليك المعوزين ممن تخلفوا عن القافلة، ونحاهم التيار التجاري الجارف جانبا، حيث يركد الماء، ويتراكم الغثاء. ويرى بعض الباحثين أن عدد أفراد هذه الطبقة في مكة كان كبيرا جدا بالنسبة إلى عدد أصحاب الثروة فيها، وأنهم كانوا في حالة سيئة "لا يملكون شيئا حتى أنفسهم؛ لأن حق التشريع كان محصورا في أيدي الطبقة العليا، فكان أصحابها يسنون من الشرائع ما كان يوافق مصلحتهم، ولما لم يكن لأصحاب هذه الطبقة زاجر من أنفسهم، ولا رادع من ضمائرهم يردعهم عن استثمار أتعاب الصعاليك وامتهانهم، ويوقفهم عند حد معلوم من القساوة، كانت حياة الصعاليك بينهم عرضة دائمة للأخطار، وسلسلة يأس وعذاب، فلا قانون يحميهم، ولا شريعة ترق لحالهم، وتحاول أن تنشلهم من هاوية الموت الاجتماعي والرق
стр. 124
الأبدي، فكانوا يعيشون في شعاب البلدة وأطرافها البعيدة، وفي بيوت حقيرة قذرة، وعيشة ضنك، وجوع مستمر، بينما كان الذين أثروا من أتعابهم يقيمون في وسط المدينة، في قصورهم الفخمة، بالقرب من الكعبة والنادي، أو دار الندوة، مصدرَي ثروتهم وسلطتهم"١.
وكانت العلاقات بين هاتين الطبقتين: طبقة المالة وطبقة الصعاليك من السوء إلى حد بعيد، فقد كانت الطبقة الأولى مسيطرة على كل مظهر من مظاهر الحياة الاجتماعية والاقتصادية. وقد رأينا أن حق التشريع كان في أيديهم. وإلى جانب هذا كانوا هم المسيطرين على الحياة الاقتصادية، فكانوا يعمدون أحيانا إلى التلاعب بالأسواق، أو المضاربة بالدراهم والدنانير والتبر والنقود الأجنبية، "فكانوا تارة يزيدون في وزنها أو قيمتها، وطورا يخفضون، تبعا لمصالحهم الشخصية وجريا وراء جشعهم المعهود"٢ مما كان يؤدي إلى اختلال التوازن الاقتصادي اختلالا كبيرا، يكون من نتائجه أن تصبح طبقة الصعاليك تحت رحمتهم، فيضطر أفرادها إلى الاستدانة إبقاء على حياتهم وهنا يعمد المتمولون إلى استغلال هذه الفرصة، فيقرضونهم ما يطلبون نظير فائدة فاحشة كانت تتراوح بين أربعين في المائة ومائة في المائة٣. ويبدو أن عدد المرابين في مكة والمدينة كان كبيرا جدا، ومعروف أن القرآن الكريم في سوره المكية والمدينة حمل حملات شعواء على الربا والمرابين٤. وإلى جانب هذا الربا الذي كانوا يأكلونه "أضعافا مضاعفة" كما يقول القرآن الكريم٥ "وكانوا يتلاعبون بالديوان بأن يؤخروا آجالها، أو يقدموها.
стр. 125
أو يضيفوا إليها، إلى غير ذلك من الأعمال التي كانت تؤدي دائما إلى خراب المستدين واستعباده"١. وفي القرآن الكريم إشارة إلى ذلك إذ وقف من هذا التلاعب بالديوان موقفا رائعا صريحا نظم فيه الصلة بين الدائن والمدين تنظيما واضحا دقيقا، ووضع الشروط التي تضمن لكلا الطرفين حقه، في آيتين طويلتين من سورة البقرة٢، وكانت هذه الديون تزداد يوما بعد يوم بما كان يضاف إليها من الربا الفاحش، مما كان يجعل محاولة سدادها أمرا ميئوسا منه، "ولهذا لم يكن وقتئذ أمل في التخلص من أولئك الظلمة بالطرق السلمية إلا فيما ندر، أما أكثر المدينين فإنهم كانوا مضطرين إما إلى الهرب إلى الصحراء، والالتحاق بطبقة المتشردين وقطاع الطرق، وإما أن يدخلوا في طبقة الأرقاء، ويقيموا فيها إلى ما شاء الله"٣.
ويرجع هذا إلى أن مكة كانت في الجاهلية -كما هي في الإسلام- حرما مقدسا "لا ظلم ولا بغي فيها"٤، نظرا لوجود الكعبة فيها، هذا إلى جانب أنها مدينة لها نظامها الاجتماعي، ويقيم سكانها في منازل، فهي لهذا ليست بالميدان الصالح لحركات الصعاليك المتمردين. ومن هنا لم يجدوا مفرا من الخروج منها إلى البادية الواسعة حيث الحياة فوضى، ومجال العمل المتمرد متسع، وحيث طوائف المتشردين وقطاع الطرق وذؤبان الصحراء منتشرة، فإذا ما ضاقت بهم حياة التصعلك والتشرد، أو ضاقوا بها، أو رغبوا في الراحة منها إلى حين، فإن طريق العودة إلى مكة ميسر، فأبواب البلد الحرام مفتوحة لكل لاجئ أو خائف أو طريد، "من دخله كان آمنا، ومن أحدث في غيره من البلدان حدثا ثم لجأ إليه فهو آمن إذا دخله"٥. ومن هنا نستطيع أن نفهم السر في كثرة عدد الخلعاء من شتى القبائل فيها، واتخاذهم منها مركزا يلتقون فيه آمنين على حياتهم من الطلب، حتى إذا ما حانت ساعة العمل خرجوا منها إلى ميدان كفاحهم، وقد رأينا في الفصل السابق صورة لأولئك الخلعاء والفتاك الذين كانوا يجتمعون في مكة، حتى إذا ما احتاج إليهم ثائر لغزوة من الغزوات قدم إليهم فيها، وواعدهم في الحرم، ثم خرج بهم جنودا مرتزقة.
стр. 126
٥- الصراع الاقتصادي في البادية:
إذا ما تركنا هذه المدن التجارية بطبقاتها الاقتصادية، وما يدور بينها من صراع، ومضينا إلى البادية لنتبين موقف أهلها من هذا النشاط التجاري، فإننا نجد أن موقفهم قد اختلف تبعا لمواقع قبائلهم، من حيث قربها من مراكز النشاط التجاري وطرق القوافل أو بعدها عنها.
ومن الطبيعي أن تشارك القبائل التي كانت تنزل على طول الطرق التجارية أو قريبا منها في هذا النشاط التجاري، فقد كان مرور القوافل التجارية بهم فرصة تسنح لهم من حين إلى حين، يستغلونها في إنعاش حياتهم الاقتصادية ولو لفترة محدودة من الزمن، فكان بعض الأفراد من الطبقات الفقيرة في هذه القبائل يعملون لهذه القوافل نظير أجر يتقاضونه، يعينهم على تكاليف الحياة، ويساعدهم على موازنة حياتهم الاقتصادية، وسداد ما عليهم من ديون اضطروا إليها في أوقات الأزمات التي كانوا كثيرا ما يتعرضون لها. ويحدثنا الطبري أن النبي ﷺ حينما كان يستعد لغزوة بدر بعث برجلين إلى ماء بدر ليتحسسا له أخبار قريش، فسمعا جاريتين "تتلازمان على الماء، والملزومة تقول لصاحبتها: إنما تأتي العير غدا أو بعد غد فأعمل لهم حتى أقضيك الذي لك"١.
وليس من شك في أن هذه القوافل الضخمة في رحلاتها الطويلة في مجاهل
стр. 127
الصحراء كانت تحتاج إلى أشياء كثيرة حتى تصل إلى غايتها البعيدة بسلام.
ولعل أول ما كانت تحتاج إليه "الأدلاء" الذين يهدونها الطريق في دروب الصحراء الملتوية الغامضة، بما لهم من خبرة ودراية بها، حتى لا تضل أو تضيع بين مجاهلها، وتحدثنا الأخبار عن دليلين كانت تستخدمهما القوافل المكية في أيام النبي ﷺ : فرات بن حيان، وقيس بن امرئ القيس١.
وليس من شك في أن هؤلاء الأدلاء كانوا كثيرين، نظرا لطبيعة البيئة الصحراوية التي تفرض على سالكها أن يكون على علم دقيق بطرقها، ومواقع مياهها، ومنازل الرعي التي تحتاج إليها الإبل في طريقها، ومواطن الأمن والخوف فيها، إلى غير ذلك مما جعل العربي يفخر بمقدرته على هداية الركب "في ديمومة فيها الدليل يعض بالخمس"٢، ومكابدته الخرق الذي:
ينسى الدليل به هدايته ... من هول ما يلقى من الرعب٣
ولم يكن هذا العلم الواسع ليتهيأ إلا لأولئك البدو الذين يعيشون في قلب الصحراء، ويضطرون تحت الظروف الجغرافية إلى التنقل من منزل إلى منزل، أما أبناء المدن من العرب المستقرين فلم يكن يتاح لهم -أو لأكثرهم على الأقل- شيء من هذا، فلم يكن هناك بد من استعانتهم بهؤلاء الأدلاء "جوابي الصحراء الذين لا يتعبون" كما يصفهم لامانس٤، والذين لم تعد الصحراء أمامهم سرا مغلقا، وإلا كان إقدامهم على اختراقها مغامرة جنونية
стр. 128
لا تؤمن عواقبها، ويحدثنا ابن حبيب عن طائفة من "أدلاء العرب الذين انتهت إليهم الدلالة"١. ويذكر منهم واحدا "بلغ وبار ولم يبلغها غيره"٢.
وإلى جانب هؤلاء الأدلاء كانت القوافل التجارية تحتاج إلى "خفراء" أو "حماة" يؤمنون سبلها، ويذودون عنها وحوش الصحراء٣، ويدفعون عنها "ذؤبان العرب، وصعاليك الأحياء، وأصحاب الغارات، وطلاب الطوائل" كما يعددهم الجاحظ في بعض رسائله٤، وذلك لأن طرق القوافل "كانت دائما معرضة لغزو القبائل، وسطو شذاذ الطرق وقطاعها، الذين كانوا يعيثون في الصحراء فسادا، ويعيشون من السلب والنهب"٥، وبخاصة في تلك المناطق التي يصفها المؤرخون بأنها "لم تكن أرض مملكة، وكان من عز فيها بز"٦، أي تلك المناطق التي لم تكن فيها حكومة منظمة تضرب على أيدي العابثين، وإنما كانت تدين بشريعة القوة، ويسيطر عليها مذهب "الحق للقوة"، ولهذا كان أصحاب القوافل مضطرين إلى استخدام جماعات كبيرة من الناس لخفارة بضائعهم والمحافظة عليها في الطريق٧، "وكانوا يسارعون إلى تقوية هذا الحرس عند اقترابهم من المسالك الخطرة، بالقرب من تلك المفاوز المعرضة لغزوات الصعاليك، أو عندما يضطرون إلى اختراق المناطق التي تنزلها قبائل معادية أو مشتبه فيها"٨، كقبيلة هذيل التي كانت قبيلة تخشاها القوافل التجارية٩، وكقبيلة فهم التي كانت
стр. 129
برغم صغرها مشهورة بلصوصها١، وكان هؤلاء الخفراء يقومون بهذا العمل نظير جُعْل يسمى "الخفارة"٢، وسواء أكان هدايا أم نقدا٣ فقد كان في العادة جعلا كبيرا يتكافأ مع خطر العمل، وكثرة تبعاته، وكان هؤلاء الخفراء "يعيدون في أكثر الأحيان هذا الجعل إذا ما عرض عارض يحول دون أن تؤتي خفارتهم ثمرتها"٤، ومن الطبيعي أن يكون هؤلاء الخفراء من القبائل التي تمر بها القوافل لأن في هذا ضمانا من تعرض هذه القبائل لهم، أو قطعها الطريق عليهم، وإرضاء لكبرياء البدوي التي تجعله دائما يتوقع "أن يُطلب ليتقدم الطريق أمام أي قافلة تخترق إقليمه الذي يعده ملكا خاصا لقبيلته"٥، كما أن أفراد هذه القبائل أعرف -بطبيعة الحال- بمواطن الخطر في مناطقهم، وأدرى بسبل النجاة منها، ويحدثنا الرواة أن كل تاجر يخرج من اليمن والحجاز في طريقه إلى سوق دومة الجندل كان يتخفر بقريش ما دام في بلاد مضر؛ لأن مضر لم تكن تعرض لتجار مضر، ولا يهيجهم حليف لمضري، فإذا أخذ طريق العراق تخفر ببني عمرو بن مرثد من بني قيس بن ثعلبة فتجيز ذلك له ربيعة كلها، أما إذا مضى إلى مهرة، وهي ليست بأرض مملكة، فإنه كان يتخفر فيها ببني محارب من مهرة، فإذا مضى إلى حضرموت حيث تقام سوق الرابية التي "لم يكن يصل إليها أحد إلا بخفارة؛ لأنها لم تكن أرض مملكة، وكان من عز فيها بز صاحبه" فإن قريشا كانت تتخفر ببني آكل المرار، وسائر الناس يتخفرون بآل مسروق بن وائل من كندة٦، ومن هنا كان أصحاب القوافل يلجئون في أكثر الأحيان إلى رؤساء القبائل، أو إلى سيد
стр. 130
فيهم مطاع، ليجبروا لهم قوافلهم، كما كان يفعل النعمان مع لطائمه التي كان يبعث بها كل عام إلى سوق عكاظ، فقد كان يجيرها له سيد مضر١، ومن هنا أطلقوا على هذه الخفارة أيضا الجوار٢، وكان هذا الجوار "عملا مربحا يسعى وراءه سادة الصحراء سعيا شديدا"٣، فقد كان أصحاب القوافل يشركونهم في عملياتهم التجارية، أو يقاسمونهم الأرباح، أو يفتحون لهم حسابات جارية في نوافذ مصارفهم، على حد تعبير لامانس٤. ولم يكن يعدل سعي هؤلاء السادة وراء هذا الجوار إلا حرص أصحاب القوافل عليه، حتى لقد كانوا يستميلونهم أحيانا بالمصاهرة٥، ولعل أشهر قصص هذا الجوار قصة "إيلاف قريش" التي أشار إليها القرآن الكريم٦، ويحدثنا العتبي ومحمد بن سلام عن قصة هذا الإيلاف حديثا طويلا يرويه لنا القالي في نوادره٧، وكذلك يحدثنا الجاحظ في بعض رسائله٨ عن هذا الإيلاف حديثين آخرين، وكيفما كان هذا الإيلاف فيبدو لي أن المسألة -في أبسط صورها- ترجع إلى أن القرشيين قاموا بمفاوضات مع جيرانهم الذين تمر قوافلهم بديارهم، من أجل تأمين سلامة هذه القوافل، والإذن لها بالمرور، وحصلوا على ترخيص من ملوك البلاد التي كانت لهم "متاجر" أو "وجوها" -كما
стр. 131
كانوا يسمونها-١ ليدخلوا بتجاراتهم أسواق هذه البلاد، ويذكر الجاحظ في تفسير قوله تعالى: ﴿وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْف﴾ في قصة هذا الإيلاف أنه "خوف من كان هؤلاء الإخوة "يعني هاشما وأخوته" يمرون به من القبائل والأعداء وهم مغتربون ومعهم الأموال"٢.
وإلى جانب هذه الخفارة كان بدو القبائل يقومون أحيانا بدور الرسل أو "البريد" بين القوافل في أثناء الطريق وبين المراكز التجارية التي خرجت منها أو التي تقصدها، فإذا جد ما يستدعي اتصال القافلة بأحد هذه المراكز استأجر أصحابها بعض البدو من القبيلة التي يمرون بها، وبعثوا به إلى حيث يريدون. ويحدثنا رواة السيرة أن أبا سفيان عندما تعرضت قافلة قريش لخطر مهاجمة المسلمين لها عند بدر "استأجر ضمضم بن عمرو الغفاري، فبعثه إلى مكة، وأمره أن يأتي قريشا يستنفرهم إلى أموالهم، ويخبرهم أن محمدا قد عرض لها في أصحابه، فخرج ضمضم بن عمرو سريعا إلى مكة"٣، وكان هذا نظير عشرين مثقالا استأجره بها٤.
ولكن إلى جانب هذه العناصر الكادحة من بدو القبائل، وجدت عناصر متمردة رأوا في هذه القبائل الضخمة التي تنتقل بين أطراف الجزيرة محملة بثرواتها وكنوزها، مخترقة البادية، أرض الجوع والجدب والضيق، صورة من صور اختلال التوازن الاقتصادي، ومثلا من أمثلة سوء توزيع الثروة، فرفضوا أن يشاركوا في هذه الأوضاع الاقتصادية المختلة، ورأوا أن يقفوا منها موقفا معاديا يعتمد على القوة في كسب الرزق، ففي مرور هذه القوافل في مناطق الصحراء المقفرة الموحشة فرصة صالحة للغارة والغزو، وصيد موات للسلب والنهب، ورزق ساقه الله إليهم يجدر بهم أن يعتمدوا على قوتهم في اغتصابه، فاجتمعوا في عصابات، وانضم إليهم خلعاء القبائل،
стр. 132
وشذاذ الأحياء، وصعاليك القبائل التي تنزل بعيدا عن طرق القوافل، ووقفوا يتربصون بها في مواسم مرورها، ويقطعون عليها الطرق، وينتهبون ما يقدرون على انتهابه، ليتقاسموه فيما بينهم، ويشركوا فيه أحيانا أولئك الصعاليك الضعاف والمرضى والمسنين ممن حالت ظروفهم الخاصة دون المشاركة في الغزو والغارة.
ومن الطبيعي أن يتربص هؤلاء المتمردين من الصعاليك بالقوافل الصغيرة؛ لأنها غنيمة أيسر منالا، وأضمن عاقبة، ويحدثنا ابن قتيبة عن فاتكين التقيا "فسارا حتى لقيا رجلا من كندة في تجارة أصابها من مسك وثياب وغير ذلك" فتربصا به، حتى قتلاه واقتسما ماله١. ولهذا كان أصحاب القوافل يحرصون -إلى جانب ما كانوا يتخذونه من وسائل لسلامة قوافلهم- على أن تكون هذه القوافل كبيرة ضخمة كثيرة العدد، وقد بلغت قافلة قريش التي تصدى لها المسلمون عند بدر ألف بعير٢، وبلغ عدد الرجال المرافقين لها قريبا من سبعين راكبا في بعض الروايات٣. وثلاثين أو أربعين في رواية أخرى٤، ويصفها ابن إسحاق بأنها "عير عظيمة"٥، وكانت بعض قوافل قريش تصل إلى ألفين وخمسمائة بعير٦، وكان مرافقو بعض هذه القوافل يبلغون أحيانا ثلاثمائة٧، وقد رأى سترابو قافلة من قوافل العرب التجارية وشبهها بالجيش٨، ويذكر لامانس أن هذه القوافل كانت تتميز عادة بضخامتها العددية٩.
ومع ذلك لم يحل هذا كله دون استمرار حركات المتمردين ضد هذه
стр. 133
القوافل، أو "تعوير المتجر" كما كان يقول أهل مكة١، ويحدثنا الرواة أن لطائم النعمان التي كان يبعث بها كل عام للتجارة إلى عكاظ كان يعترضها بعض بني كنانة فينتهبها٢، وليس من شك في لطائم النعمان كانت ضخمة كثيرة العدد والرجال.
ويبدو أن هذه الغارات -مهما تختلف أسبابها المباشرة باختلاف أصحابها- يرجع سببها العام إلى اختلال التوازن الاقتصادي في ذلك المجتمع الذي يضع طائفة من أفراده بين نابين من فقر وجوع، بينما يضع في أيدي طائفة أخرى كنوز الثروة ومفاتيح الاقتصاد، وهو لا يفصل بين هاتين الطبقتين، ولا يجعل كلا منهما تعيش في عالمها الخاص، وإنما أباح لإحداهما أن تعرض ثراءها، وتتيه بما أغدق عليها أمام أعين الطائفة الأخرى، فتزيد من إحساسها بالفقر والجوع، فكان من الطبيعي -إذا ما أتيحت لهذه الطائفة البائسة الفرصة لاغتصاب أي شيء من الطائفة الأخرى- أن تنتهزها مؤمنة بأن هذا الاغتصاب حق، ما دامت لا تبغي من ورائه سوى أن تعيش.
فإذا ما تركنا هذه القبائل التي كانت تنزل على الطرق التجارية، ومضينا إلى داخل البادية العربية حيث تنزل القبائل بعيدة عن مراكز النشاط التجاري، فإننا نجد ثمة صورا أخرى من صور الصراع بين الفقر والغنى.
والمجتمع البدوي من ناحيته الاقتصادية بسيط التكوين، يتكون من طبقتين اقتصاديتين أساسيتين: طبقة أصحاب الإبل، أو "أرباب المخائض" كما يسميهم بعض الشعراء٣، وطبقة الصعاليك.
والناظر في المجتمع البدوي يلاحظ لأول وهلة أن الفرق الاقتصادي بين هاتين الطبقتين كان بعيدا، بقدر ما كان الفرق النفسي بينهما قريبا، ومن
стр. 134
هاتين الظاهرتين المتناقضتين: ظاهرة البعد الاقتصادي، وظاهرة القرب النفسي نشأت ظاهرة الصعلكة.
وقد حصرت البيئة الجغرافية لأعراب البادية مواردهم الطبيعية في المراعي، ووقفت ظروفهم الحضارية بمجال عملهم عند الرعي، ومن هنا انحصرت ثروتهم في قطعان من الإبل والغنم والمغز. ومن الطبيعي أن تكون الإبل مقياس ثروتهم، فهي خير ما في هذه الثروة، وقد سموها "النعم"١؛ لأنها النعمة الكبرى التي أنعم الله بها عليهم، وقد كان من عوامل سقوط اعتبار الفرد في الهيئة الاجتماعية أن تقوم المعز أو صغار الماشية في حياته مقام الإبل٢، وبينما كانت المعز مادة يشتق منها الساخرون من الهجائين عناصر سخريتهم، كانت الإبل مادة يشتق منها المادحون عناصر مدحهم، أما الغنم فليست بحيوان الصحراء الأول، لشدة حاجتها إلى المراعي، وقلة صبرها على الماء. ومن هنا كانت الإبل حيوان الصحراء الأول بلا منازع، والدعامة التي تقوم عليها ثروة أبنائها، وبحق سموها مالا٣؛ لأنها -على حد التعبير الاقتصادي الحديث- "الرصيد" الذي تعتمد عليه "ميزانيتهم"، و"العملة" التي يتعاملون بها في حياتهم، "منها مهور نسائهم، وديات دمائهم، ورهن ميسرهم"٤. ولهذا كانت كل قبيلة تتخذ "وسما" خاصا لإبلها تميزها به٥، كما تتخذ كل دولة في العصر الحديث رسما خاصا لنقدها.
وكانت ثروة الأفراد في المجتمع البدوي تقاس بمقدار ما يملكون من الإبل، "فكل ثرائهم كان يقوم بالإبل"٦، وما أكثر ما نسمع عن أولئك
стр. 135
الذين كان لهم "نعم قد ملأ الأرض"١، أو "نعم قد ملأ كل شيء"٢، أو أولئك الذين كانوا يفقئون أعين فحلهم ليردوا عن إبلهم العين لأنها بلغت ألفا٣، أو ذلك الذي فقأ أعين عشرين بعيرا لأن إبله بلغت عشرين ألفا، والذي ربما ذبح في أيام الحجيج عشرة آلاف بدنة٤، وفي الأخبار أن عتاب بن ورقاء تكفل مرة بدفع تسع ديات٥، وما أكثر ما نسمع عن ديات بلغت آلافا من الإبل٦.
وإلى جانب هذه الطبقة من المالة الذين ملأ نعمهم الأرض، وجدت طبقة أخرى من الصعاليك لا تكاد تملك شيئا، أو -كما يقول بعض شعرائها- "تجرر حبلا ليس فيه بعير"٧. وقد رأينا في الفصل الأول صورة لفقر هؤلاء الصعاليك، وكيف أن بعضهم كان يملق حتى لا تبقى له شيء، أو يفتقر فيخرج وقد آلى على نفسه ألا يرجع حتى يستغني.
والأمر الذي لا شك فيه أن حياة هذه الطبقة الفقيرة من البدو كانت في مستوى اقتصادي سيئ جدا، حتى ليضطر بعضهم إلى قتل أولادهم خشية إملاق، كما يحدثنا القرآن الكريم٨، أو بيعهم ليستعينوا بأثمانهم على الحياة، كما نرى فيما يرويه الرواة عن صعصعة بن ناجية الذي كان يشتري الموءودات من آبائهن؛ إذ يذكرون عنه إنه لما أتى رسول الله ﷺ ، فأسلم، قال له: "يا رسول الله، إني كنت أعمل عملا في الجاهلية، أفينفعني
стр. 136
ذلك اليوم؟ قال: $"وما عملك؟ " قال: أضلك ناقتين عشراوين، فركبت جملا ومضيت في بغائهما، فرفع لي بيت حريد، فقصدته فإذا شيخ جالس بفناء الدار، فسألته عن الناقتين، فقال: ما نارهما؟ قلت: ميسم بني دارم فقال: هما عندي وقد أحيا الله بهما قوما من أهلك من مضر، فجلست معه لتُخْرَجا إليَّ، فإذا عجوز قد خرجت من كسر البيت فقال لها: ما وضعت؟ فإن كان سقبا شاركنا في أموالنا، وإن كانت حائلا وأدناها، فقالت العجوز: وضعت أنثى، فقلت: أتبيعها؟ قال: وهل تبيع العرب أولادها؟ قلت: إنما أشتري منك حياتها ولا أشتري رقها، قال: فبكم؟ قلت: احتكم، قال: بالناقتين والجمل، قلت: ذاك لك على أن يبلغني الجمل وإياها، قال: ففعل فآمنت بك يا رسول الله وقد صارت لي سنة في العرب على أن أشتري كل موءدة بناقتين عشراوين وجمل، فعندي إلى هذه الغاية ثمانون ومائتا موءودة فقد أنقذتها١ ... "، وهي قصة تعطينا صورة واضحة عن الفرق الكبير بين هاتين الطبقتين الاقتصاديتين في المجتمع البدوي، وبين أولئك الذين يبيعون بناتهم بهذا الثمن البخس، وذلك الذي يشتري ثمانين ومائتي موءودة، ثم أرأيت إلى هذا اللون من ألوان "التجارة" عند هؤلاء الأعراب الفقراء؟ بيع بناتهم نظير ناقتين وجمل راجين من وراء ذلك أن يتكون لهم رأس مال من الإبل يعينهم على الحياة، ويساعدهم على رفع مستواهم الاقتصادي، ولو كان ذلك على حساب أكبادهم التي تمشي على الأرض، كما يقول شاعرهم القديم٢.
والقصة بعد هذا تشير إلى نفسية أولئك الفقراء، وإحساسهم بما سميناه "القرب النفسي" بينهم وبين الأغنياء، أرأيت إلى ذلك الأعرابي كيف يقول لذلك السيد إن ناقتيه اللتين أضلهما قد أحيا الله بهما قوما من أهله؟ كأنما يرى أن الأغنياء والفقراء أسرة واحدة، وأن هذا الفرق الاقتصادي بينهما
стр. 137
لا تأثير له في "العامل المشترك" بينهما وهو كرم العنصر وطيب النجار، ثم أرأيت إليه كيف يتساءل منكرا: وهل تبيع العرب أولادها؟ وانظر كيف عبر بالعرب ولم يقل الناس، كأنما يرى أن العرب جنس متميز لا يجري عليهم ما يجري على سائر الأجناس، أولئك الذين يرى أولادهم رقيقا يشترى عند "أهله" من السادة الأغنياء؟ وليس ينقض هذا الإحساس بالجنس أنه باع ابنته بعد ذلك، فقد كان ذلك تحت ضغظ الفاقة وإلحاح الحاجة، ثم هو لم يفعل ذلك إلا بعد أن تعهد له هذا السيد بأنه لن يستعبدها، وهو عذر -مهما يكن واهيا- يصور ذلك الإحساس النفسي الذي كان يسيطر على نفوس هؤلاء البدو، فإن "الصفقة" لم تتم بين ذلك السيد وذلك الصعلوك إلا بعد هذه المحاولة من السيد لإرضاء نفس الصعلوك. ومهما يكن من أمر ذلك الأعرابي، فالشيء الذي لا ريب فيه هو أن هؤلاء البدو -بقدر ما كانوا في فقر مادي- كانوا على جانب كبير من الغنى النفسي. ومعنى هذا أن البدوي الفقير كان يرى نفسه مساويا للسيد الغني، ويرفض أن يكون فقره سببا في النزول بنفسه أو تطامن كبريائه، وأن الحياة إذا كانت قد ظلمته برغمه، فإن عليه أن يعمل على أن يزيل عنه ذلك الظلم، سالكا في ذلك أي سبيل، والغاية تبرر والوسيلة.
ولسنا في الحاجة إلى القول بأن مجال العمل أمام هؤلاء البدو الفقراء كان ضيقا جدا، فهذه قضية مفروغ منها؛ لأن أخلاف الحياة الاقتصادية الثلاثة: الزراعة والتجارة والصناعة لا تدر خيرا فوق رمال الصحراء القاحلة، وفي وسط تلك الظروف الحضارية المتأخرة. ومن هنا لم يكن أمامهم إلا أن يعملوا لهؤلاء الأغنياء، يقومون لهم بالرعي وخدمة الإبل، أو يعينون نساء الحي، كما يقول عروة بن الورد١، فإذا رفضت نفوسهم القيام بهذه الأعمال لم يكن هناك بد -إبقاء على حياتهم- من الغزو والإغارة للسلب والنهب محاولين -كما يقول بعض الباحثين- "أن يزيلوا هذا الحيف المقدر بأسنة رماحهم،
стр. 138
معتقدين أن من الحلال دهم القوافل، وسلب ما بأيديهم، تعويضا لهم عما لم تقدر أن تجود عليهم به أراضيهم القاحلة"١.
ولكن يجب أن نسجل أن حركات القبائل في هذا الصراع بين الفقر والغنى كانت حركات قبلية، تصدر عن القبيلة وتجري برضاها، أما حركت الصعاليك فقد كانت حركة فردية، تصدر عن شخصياتهم المتمردة، حتى لو أدى الأمر إلى أن يخلع الصعلوك نفسه من قبيلته في سبيل تنفيذ حركته. وعلى هذا الأساس في التفسير الاقتصادي نستطيع أن نفهم كثيرا من حركات صعاليك العرب.
ومعنى هذا أن ثمة صراعا كان يدور في داخل البادية العربية بين طبقة المالة أصحاب المخائض والمتمردين من طبقة الصعاليك، وأن مادة هذا الصراع التي دار حولها كانت الإبل عادة؛ لأنها الثروة الأساسية في المجتمع البدوي، فكان هؤلاء المتمردين يتربصون بقطعان الإبل ما أمكنتهم الفرصة، وينهبون منها ما يقدرون على نهبه، أو يقتلون أصحابها أو رعاتها ويسوقون القطيع بأسره، ولكن ليس معنى هذا أن الإبل كانت المادة الوحيدة التي دار حولها هذا الصراع، فإن أيدي الصعاليك لم تكن تمتنع عن أية غنيمة تعرض لهم، ففي أخبار تأبط شرا أنه خرج غازيا مع رجل يريدان بجيلة، فأتى ناحية منهم "فقتل رجلا ثم استاق غنما كثيرة"٢، وفي أخبار عروة أن سلب هذليًّا فرسه٣، ولكن الأمر الذي نراه بكثرة تلفت النظر في أخبار هؤلاء الصعاليك وأشعارهم تعرضهم للإبل ونهبها.
стр. 139
الباب الثاني: شعر الصعاليك
الفصل الأول: ديوان الصعاليك
مصادره
...
الفصل الأول: ديوان الصعاليك
١- مصادره:
يقف الدارس لشعر الصعاليك أمام مسألة بالغة الخطر، تواجهه منذ البداية، وتوشك أن تنصرف به عن المضي في دراسته، إذ هي عماد هذه الدراسة، المحور الذي تدور حوله، تلك هي مسألة مصادر هذا الشعر: أين هي؟
ومن الحق أن نسجل قبل الإجابة عن هذا السؤال أن مسألة مصادر الشعر الجاهلي من المسائل التي تواجه الباحثين فيه منذ البداية؛ ذلك لأن أكثر مجموعات شعر القبائل التي تزخر بأسمائها كتب التراجم قد فقدت، ولم يصل إلينا منها إلا القليل، أما دواوين الشعراء فقد تركزت عناية الرواة والشراح بدواوين المشهورين منهم، أما أولئك الذين لم يكن لهم خطر في نظرهم فلم يكن حظهم من العناية بهم كبيرا. هذا إلى أن عمل هؤلاء الرواة والشراح قد اتجه اتجاها فنيا أو لغويا خالصا، أما فكرة جمع الوثائق الأدبية التي تمثل الجوانب الاجتماعية أو الاقتصادية أو الدينية أو غير ذلك من جوانب العصر المختلفة فشيء وراء اهتمام هؤلاء الرواة، مع ما له من أهمية للباحث الأدبي والباحث التاريخي على حد سواء. وليس من شك في أن هؤلاء الرواة لو نظروا إلى عملهم على أنه عمل تاريخي يحرص على تسجيل كل جوانب العصر الذي يجمعون وثائقه الأدبية، حتى تلك التي تصور انحطاطه أو ضعفه، لتغير وجه التاريخ الأدبي للعصر القديم تغيرا كبيرا.
стр. 140
أما أولئك المغمورون من الشعراء فقد بُعثرت مجموعاتهم الشعرية بين ثلاثة مصادر: كتب الثقافة العربية المختلفة، كل منها يستغلها لأغراضه الخاصة وفي دائرته الخاصة، ثم مجموعات المختارات من شعر الشعراء، وهذه -بطبيعة الحال- كانت متأثرة بذوق أصحابها، كما أنها كانت محصورة داخل دائرة الاختيار، وهي دائرة مهما تتسع ضيقة، ثم كتب التراجم التي تذكر بعض أخبار من تترجم لهم وبعض نماذجهم الفنية، وحتى هذه -أو على الأقل أكثرها- لم تكن تعنى إلا بالمشهورين. ولنستمع إلى ابن قتيبة في مقدمة "الشعر والشعراء" يحدثنا عن الأساس الذي أقام عليه كتابه، لنرى صورة من ذلك الاهتمام الذي يقف عند المشهورين فحسب، ولا يكاد يفكر فيمن عداهم: "قال أبو محمد: وكان أكثر قصدي للمشهورين من الشعراء الذين يعرفهم جل أهل الأدب، والذين يقع الاحتجاج بأشعارهم في الغريب وفي النحو وفي كتاب الله وحديث رسول الله ﷺ ، فأما من خفي اسمه، وقل ذكره، وكسد شعره، وكان لا يعرفه إلا بعض الخواص، فما أقل من ذكرت من هذه الطبقة"١. ومعنى هذا أن رواة الشعر العربي -أو على الأقل أكثرهم- كانوا ينظرون إلى الشعر القديم على أنه وسيلة لأغراض لغوية لا على أنه نتاج عصر متعدد الجوانب.
والأمر في شعر الصعاليك أسوا من هذا. فقد عرفنا أن هؤلاء الصعاليك كانوا يمثلون طائفة خارجة على المجتمع، متمردة على أوضاعه وتقاليده، لا تحرص على قبائلها كما لا تحرص قبائلها عليها، ونتيجة هذا أن القبائل لم تحرص على شعرهم؛ لأنه يمثل ذلك الخروج عليها، وذلك التمرد على أوضاعها وتقاليدها، ولأنه حديث فردي يعني بتصوير شخصيات أصحابه بقدر ما يهمل شخصيات قبائلهم، وما حاجة القبائل إلى ذلك اللون من الشعر الذي لا يهتم بها في شيء، بل على العكس يهتم بتسجيل تمرده عليها والإساءة إليها؟ وماذا يحمل هذه القبائل على الحرص على هذا الشعر بعد أن لم تحرص على أصحابه؟ وقد رأينا إلى جانب
стр. 141
هذا أن هؤلاء الصعاليك عاشوا حياة متشردة بين أرجاء الصحراء الواسعة الرهيبة، حيث يعيش الحيوان النافر، والوحش الضاري، ونتيجة هذا أن سبل الاتصال بين هؤلاء الصعاليك وبين مجتمعهم لم تكن ميسرة، بل على العكس كانت معقدة أشد التعقيد؛ إذ هي صلة عداوة مستحكمة، لا تجعل أحدهما يطمئن إلى الآخر، وقد قلنا من قبل إن المجتمع فقد اطمئنانه إلى هؤلاء الصعاليك كما فقدوا هم طمأنينتهم فيه. ومعنى هذا أن كثيرا من شعر الشعراء الصعاليك ضاع بين آفاق الصحراء المجهولة، وذهبت أنغامه ما بين حيوانها ووحشها، حيث لا ناطق ولا سميع ولا راوية إلا هؤلاء الصعاليك أنفسهم الذين بعد ما بينهم وبين مجتمعهم، وقد هدد تأبط شرا عاذليه إن لم يتركوا عذله ليتركنهم إلى آفاق الصحراء المجهولة حيث لا أحد -مهما تكن معرفته- بمنبئهم عن موضعه١، وإذن فكيف يصل ما يقوله من شعر في تلك الآفاق المجهولة إلى آذان المجتمع الأدبي؟
ومع ذلك فقد وصلت إلينا مجموعة لا بأس بها -وإن تكن قليلة- من شعر هؤلاء الصعاليك. وقد نتساءل: كيف وصلت إلينا هذه المجموعة برغم كل هذا؟
مصادر هذه المجموعة، عندي، ثلاثة:
فليس من شك في أن هؤلاء الشعراء الصعاليك قد مرت بهم في حياتهم فترات عاشوا فيها من قبائلهم حياة قبلية متوافقة توافقا اجتماعيا، وهي تلك الفترات التي سبقت حياتهم المتصعلكة؛ إذ ليس مما يمكن تصوره أن يبدأ هؤلاء الصعاليك حياتهم المتصعلكة منذ أن ترى أعينهم نور الحياة، وإنما الذي يمكن تصوره أنهم عاشوا فترة من حياتهم -قصرت أو طالت- مع قبائلهم، فليس التصعلك بالظاهرة الوراثية، وإنما هو كما رأينا في الفصول السابقة ظاهرة تعمل فيها عوامل جغرافية واجتماعية واقتصادية. ومن الطبيعي أن يكون بعض هؤلاء الشعراء الصعاليك قد اكتملت ملكاتهم الفنية قبل أن يتصعلكوا،
стр. 142
وأن يكونوا قد شاركوا سائر شعراء قبائلهم في حياتهم الفنية، وقد رأينا مثلا لهذا قيس بن الحدادية الذي شارك قبيلته اجتماعيا وفنيا مشاركة قوية، خاض معها غمار أيامها، بل قادها أحيانا إلى مواطن النصر، وتغنى بهذا كله في شعره. ومن الطبيعي أيضا أن تحرص القبيلة على هذا الشعر وترويه، وتتغنى به، وتتناقله جيلا بعد جيل، حتى يتلقفه من أفواه أبنائها رواة الشعر العربي الذين كانوا يشدون الرحال إلى البادية ليجمعوا شعر قبائلها. ومعنى هذا أن جزءا من شعر الصعاليك، وهو ما يصح أن نطلق عليه "الشعر خارج دائرة الصعلكة"، قد وصل إلينا عن طريق قبائلهم نفسها.
ومن هذه المجموعة أيضا ذلك الشعر الذي خلا من مهاجمة القبيلة أو التعرض لها بما تكره، كوصف الغارات، أو وصف وحش الصحراء، أو قصص تلك الأشباح التي كانت تتراءى للصعاليك في تشردهم في ليالي الصحراء المظلمة، فما على القبيلة ضير من رواية هذا الشعر، أو هذه الأقاصيص العجيبة التي ترضي الذوق الشعبي، في أوقات فراغها أو في ليالي أسمارها. ولعل مما يؤيد هذا قلة ما وصل إلينا من شعر هؤلاء الصعاليك الذي هاجموا فيه قبائلهم، أو تعرضوا فيه لها بما تكره، وليس من شك في أنه كان شعرا كثيرا، فإن هذه المجموعة من الشعر قد أغفلتها القبائل ما استطاعت إلى ذلك سبيلا. ويشبه هذا ما نلاحظه من ضياع تلك المجموعة من الشعر التي قالها مشركو مكة في أول ظهور الإسلام، عند احتدام الصراع بين شعراء مكة المشركين وشعراء المدينة الذين اعتنقوا الإسلام، ووقفوا يدعون له، ويدافعون عنه.
ومن هذه المجموعة أيضا شعر أولئك الصعاليك الذين فقدوا توافقهم الاجتماعي مع قبائلهم لأسباب اقتصادية في أكثر الأحيان، أو اجتماعية في بعض الأحيان، ولكنهم لم يفارقوها، كما نرى عند طائفة من صعاليك هذيل، أو عند السليك الذي قلنا إن العصبية القبلية عنده قد اتسعت حتى أصبحت "عصبية جنسية"، أو عند تأبط شرا الذي جعل من قبيلته فهم -أو بتعبير
стр. 143
أدق- من موطنها مركزا يعود إليه بعد غاراته١، فهذه الطوائف من الصعاليك لم تجد قبائلهم ضيرا من أن تروي ما وصل إليها من شعرهم، وبخاصة لأنه يصلح مادة للسمر الممتع الشهي.
ومعنى هذا المصدر الأول من مصادر شعر الصعاليك هو قبائلهم نفسها. وقد رأينا أن الصعاليك الخلعاء الذين تبرأت منهم قبائلهم، وطردتهم من حماها، قد استجاروا ببعض القبائل أو ببعض ساداتها، إما استجارة دائمة وإما استجارة مؤقتة. ومن الطبيعي أن يتحدث شعراء هذه الطائفة من الصعاليك الشذاذ عن هذا الجوار في شعرهم، فيمدحوا من أجاروهم، ويثنوا عليهم بما يرونه ردا لذلك الدين الذي طوقت به أعناقهم. ومن الطبيعي أيضا أن يعرضوا لقبائلهم التي خلعتهم، فيكيلوا لها الهجاء، ويخصوا بالذات أولئك الذين كانوا سببا في خلعهم، ومن الطبيعي أن تحرص هذه القبائل التي أجارتهم، هؤلاء السادة الذين أنزلوهم في حماهم، على هذا الشعر حرصا شديدا، وأن يعملوا على إذاعته بين العرب؛ لأنه تسجيل لبعض مفاخرهم، وإشادة ببعض أمجادهم، وليس ما يمنع من أن تذيع هذه القبائل ما قاله هؤلاء الصعاليك في قبائلهم التي خلعتهم؛ لأنه فرصة للنيل منها.
وإذن فالمصدر الثاني من مصادر شعر الصعاليك هي تلك القبائل التي استجار بها الخلعاء منهم.
والمصدر الثالث من مصادر شعر الصعاليك هم الصعاليك أنفسهم. وأظن أنه ليست هناك غرابة في أن يروي الصعاليك شعر شعرائهم، ويتغنوا به، ويرددوه في كل مناسبة؛ لأنه صورة من حياتهم، وصدى لما يدور في نفوسهم. ومن الطبيعي أن يعمل هؤلاء الصعاليك على أن يذيعوا هذا الشعر ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا؛ لأنه تعبير عن مذهبهم في الحياة، وتعليل لذلك الأسلوب الذي سلكوه في حياتهم، لعلهم بهذا يضمون إليه أنصارا جددا،
стр. 144
أو يقنعون مجتمعهم بأنهم على حق في حركتهم. وساعدهم على هذا ما كان يجده هذا الشعر من إعجاب في الأوساط الشعبية التي كانت تفتن بهذا اللون من الشعر، بما فيه من غرابة، وما فيه من بطولة، ولأنه تعبير عن أشياء لعلهم أكثر من يحسونها ويشعرون بها. ولعل شعر عروة بن الورد وصل إلينا أكثره عن طريق هذا المصدر؛ لأن عروة كان يمثل شخصية الزعيم الشعبي صاحب المذهب الذي يحرص على أن يضم إليه أكبر عدد ممكن من الأنصار، ولعل هذا هو السبب في أن شعر عروة هو أكبر مجموعة من شعر الصعاليك وصلت إلينا.
أما تلك المجموعة من الشعر التي نظمها الصعاليك المخضرمون بعد ظهور الإسلام، والتي يصح أن نطلق عليها "شعر ما بعد الصعلكة"، فإن شأنها شأن سائر الشعر في ذلك العصر، رواها الروة كما رووه، وحفظوها كما حفظوه؛ إذ أن الصعاليك المخضرمين قد ودعوا حياة التصعلك بعد ظهور الإسلام وشاركوا في الحياة الجديدة كما شارك غيرهم.
عن طريق هذه المصادر وصل إلينا شعر الصعاليك. ويبدو أن بعض رواة الشعر العربي قد تنبهوا إلى أن هذا الشعر يكون مجموعة متشابهة المقومات الفنية، فعملوا على جمعه في دواوين خاصة به١. ولكن مع الأسف الشديد لم يصل إلينا من هذه الدواوين إلا أسماؤها وأسماء مؤلفيها، أما هي فقد ضاعت مع ما ضاع من التراث العربي القديم، وليس بين أيدينا الآن من هذه الدواوين -فيما أعرف- سوى قطعة من "كتاب أشعار اللصوص" لأبي سعيد السكري الذي أشار إليه البغدادي في مقدمة الخزانة بين الكتب التي اعتمد عليها في تأليفها٢، والذي ذكره ابن النديم من بين مؤلفات السكري٣، ويذكر بركلمان أن هذه القصة هي ديوان طهمان من العصر الأموي، وأن
стр. 145
الأستاذ رايت نشرها١، وفي خزانة الأدب للبغدادي قطعة أخرى منه٢، هي مجموعة من أخبار عبيد الله بن الحر وأشعاره، وهو أيضا من صعاليك العصر الأموي، وينقل عنه ياقوت في معجم البلدان في كثير من المواضع٣، وكذلك ينقل عنه صاحب الأغاني٤، ويذكر بركلمان أن في شرح الحماسة للتبريزي مقتطفات منه٥. ويبدو أن هذا الكتاب من الكتب التي كانت لها قيمتها، والقطع التي وصلت إلينا منه تدل على هذا دلالة قوية، وصاحب الخزانة يثني عليه٦، وحسب هذا الكتاب أنه من عمل السكري الذي يقول عنه ابن النديم "الذي عمل من علماء أشعار الشعراء فجود فأحسن أبو سعيد السكري"٧. وللسكري أيضا كتابان آخران يذكرهما ابن النديم، هما أشعار فهم وأشعار الأزد٨. وليس من شك في أن هذين الكتابين كانا يضمان شعر تأبط شرا وغيره من صعاليك فهم، والشنفرى وحاجز وغيرهما من صعاليك الأزد. ومما يؤسف له حقا أن تضيع هذه المجموعة من كتب السكري التي لو قد وصلت إلينا لأفادتنا كثيرا كما أفادنا ديوان الهذليين له.
وتشير مصادر الأدب العربي إلى دواوين لبعض الشعراء الصعاليك، فيشير الآمدي في ترجمته لأبي الطمحان القيني إلى "ديوانه المفرد"٩، وينقل ذلك عنه البغدادي في خزانته١٠، ويذكره أيضا ابن النديم، ويذكر