← Адаб

Адаб · id 22828

الشعراء الصعاليك في العصر الجاهلي

يوسف خليف

Полный текст (331 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

هذا أن هؤلاء الصعاليك عاشوا حياة متشردة بين أرجاء الصحراء الواسعة الرهيبة، حيث يعيش الحيوان النافر، والوحش الضاري، ونتيجة هذا أن سبل الاتصال بين هؤلاء الصعاليك وبين مجتمعهم لم تكن ميسرة، بل على العكس كانت معقدة أشد التعقيد؛ إذ هي صلة عداوة مستحكمة، لا تجعل أحدهما يطمئن إلى الآخر، وقد قلنا من قبل إن المجتمع فقد اطمئنانه إلى هؤلاء الصعاليك كما فقدوا هم طمأنينتهم فيه. ومعنى هذا أن كثيرا من شعر الشعراء الصعاليك ضاع بين آفاق الصحراء المجهولة، وذهبت أنغامه ما بين حيوانها ووحشها، حيث لا ناطق ولا سميع ولا راوية إلا هؤلاء الصعاليك أنفسهم الذين بعد ما بينهم وبين مجتمعهم، وقد هدد تأبط شرا عاذليه إن لم يتركوا عذله ليتركنهم إلى آفاق الصحراء المجهولة حيث لا أحد -مهما تكن معرفته- بمنبئهم عن موضعه١، وإذن فكيف يصل ما يقوله من شعر في تلك الآفاق المجهولة إلى آذان المجتمع الأدبي؟ ومع ذلك فقد وصلت إلينا مجموعة لا بأس بها -وإن تكن قليلة- من شعر هؤلاء الصعاليك. وقد نتساءل: كيف وصلت إلينا هذه المجموعة برغم كل هذا؟ مصادر هذه المجموعة، عندي، ثلاثة: فليس من شك في أن هؤلاء الشعراء الصعاليك قد مرت بهم في حياتهم فترات عاشوا فيها من قبائلهم حياة قبلية متوافقة توافقا اجتماعيا، وهي تلك الفترات التي سبقت حياتهم المتصعلكة؛ إذ ليس مما يمكن تصوره أن يبدأ هؤلاء الصعاليك حياتهم المتصعلكة منذ أن ترى أعينهم نور الحياة، وإنما الذي يمكن تصوره أنهم عاشوا فترة من حياتهم -قصرت أو طالت- مع قبائلهم، فليس التصعلك بالظاهرة الوراثية، وإنما هو كما رأينا في الفصول السابقة ظاهرة تعمل فيها عوامل جغرافية واجتماعية واقتصادية. ومن الطبيعي أن يكون بعض هؤلاء الشعراء الصعاليك قد اكتملت ملكاتهم الفنية قبل أن يتصعلكوا،

стр. 142

وأن يكونوا قد شاركوا سائر شعراء قبائلهم في حياتهم الفنية، وقد رأينا مثلا لهذا قيس بن الحدادية الذي شارك قبيلته اجتماعيا وفنيا مشاركة قوية، خاض معها غمار أيامها، بل قادها أحيانا إلى مواطن النصر، وتغنى بهذا كله في شعره. ومن الطبيعي أيضا أن تحرص القبيلة على هذا الشعر وترويه، وتتغنى به، وتتناقله جيلا بعد جيل، حتى يتلقفه من أفواه أبنائها رواة الشعر العربي الذين كانوا يشدون الرحال إلى البادية ليجمعوا شعر قبائلها. ومعنى هذا أن جزءا من شعر الصعاليك، وهو ما يصح أن نطلق عليه "الشعر خارج دائرة الصعلكة"، قد وصل إلينا عن طريق قبائلهم نفسها. ومن هذه المجموعة أيضا ذلك الشعر الذي خلا من مهاجمة القبيلة أو التعرض لها بما تكره، كوصف الغارات، أو وصف وحش الصحراء، أو قصص تلك الأشباح التي كانت تتراءى للصعاليك في تشردهم في ليالي الصحراء المظلمة، فما على القبيلة ضير من رواية هذا الشعر، أو هذه الأقاصيص العجيبة التي ترضي الذوق الشعبي، في أوقات فراغها أو في ليالي أسمارها. ولعل مما يؤيد هذا قلة ما وصل إلينا من شعر هؤلاء الصعاليك الذي هاجموا فيه قبائلهم، أو تعرضوا فيه لها بما تكره، وليس من شك في أنه كان شعرا كثيرا، فإن هذه المجموعة من الشعر قد أغفلتها القبائل ما استطاعت إلى ذلك سبيلا. ويشبه هذا ما نلاحظه من ضياع تلك المجموعة من الشعر التي قالها مشركو مكة في أول ظهور الإسلام، عند احتدام الصراع بين شعراء مكة المشركين وشعراء المدينة الذين اعتنقوا الإسلام، ووقفوا يدعون له، ويدافعون عنه. ومن هذه المجموعة أيضا شعر أولئك الصعاليك الذين فقدوا توافقهم الاجتماعي مع قبائلهم لأسباب اقتصادية في أكثر الأحيان، أو اجتماعية في بعض الأحيان، ولكنهم لم يفارقوها، كما نرى عند طائفة من صعاليك هذيل، أو عند السليك الذي قلنا إن العصبية القبلية عنده قد اتسعت حتى أصبحت "عصبية جنسية"، أو عند تأبط شرا الذي جعل من قبيلته فهم -أو بتعبير

стр. 143

أدق- من موطنها مركزا يعود إليه بعد غاراته١، فهذه الطوائف من الصعاليك لم تجد قبائلهم ضيرا من أن تروي ما وصل إليها من شعرهم، وبخاصة لأنه يصلح مادة للسمر الممتع الشهي. ومعنى هذا المصدر الأول من مصادر شعر الصعاليك هو قبائلهم نفسها. وقد رأينا أن الصعاليك الخلعاء الذين تبرأت منهم قبائلهم، وطردتهم من حماها، قد استجاروا ببعض القبائل أو ببعض ساداتها، إما استجارة دائمة وإما استجارة مؤقتة. ومن الطبيعي أن يتحدث شعراء هذه الطائفة من الصعاليك الشذاذ عن هذا الجوار في شعرهم، فيمدحوا من أجاروهم، ويثنوا عليهم بما يرونه ردا لذلك الدين الذي طوقت به أعناقهم. ومن الطبيعي أيضا أن يعرضوا لقبائلهم التي خلعتهم، فيكيلوا لها الهجاء، ويخصوا بالذات أولئك الذين كانوا سببا في خلعهم، ومن الطبيعي أن تحرص هذه القبائل التي أجارتهم، هؤلاء السادة الذين أنزلوهم في حماهم، على هذا الشعر حرصا شديدا، وأن يعملوا على إذاعته بين العرب؛ لأنه تسجيل لبعض مفاخرهم، وإشادة ببعض أمجادهم، وليس ما يمنع من أن تذيع هذه القبائل ما قاله هؤلاء الصعاليك في قبائلهم التي خلعتهم؛ لأنه فرصة للنيل منها. وإذن فالمصدر الثاني من مصادر شعر الصعاليك هي تلك القبائل التي استجار بها الخلعاء منهم. والمصدر الثالث من مصادر شعر الصعاليك هم الصعاليك أنفسهم. وأظن أنه ليست هناك غرابة في أن يروي الصعاليك شعر شعرائهم، ويتغنوا به، ويرددوه في كل مناسبة؛ لأنه صورة من حياتهم، وصدى لما يدور في نفوسهم. ومن الطبيعي أن يعمل هؤلاء الصعاليك على أن يذيعوا هذا الشعر ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا؛ لأنه تعبير عن مذهبهم في الحياة، وتعليل لذلك الأسلوب الذي سلكوه في حياتهم، لعلهم بهذا يضمون إليه أنصارا جددا،

стр. 144

أو يقنعون مجتمعهم بأنهم على حق في حركتهم. وساعدهم على هذا ما كان يجده هذا الشعر من إعجاب في الأوساط الشعبية التي كانت تفتن بهذا اللون من الشعر، بما فيه من غرابة، وما فيه من بطولة، ولأنه تعبير عن أشياء لعلهم أكثر من يحسونها ويشعرون بها. ولعل شعر عروة بن الورد وصل إلينا أكثره عن طريق هذا المصدر؛ لأن عروة كان يمثل شخصية الزعيم الشعبي صاحب المذهب الذي يحرص على أن يضم إليه أكبر عدد ممكن من الأنصار، ولعل هذا هو السبب في أن شعر عروة هو أكبر مجموعة من شعر الصعاليك وصلت إلينا. أما تلك المجموعة من الشعر التي نظمها الصعاليك المخضرمون بعد ظهور الإسلام، والتي يصح أن نطلق عليها "شعر ما بعد الصعلكة"، فإن شأنها شأن سائر الشعر في ذلك العصر، رواها الروة كما رووه، وحفظوها كما حفظوه؛ إذ أن الصعاليك المخضرمين قد ودعوا حياة التصعلك بعد ظهور الإسلام وشاركوا في الحياة الجديدة كما شارك غيرهم. عن طريق هذه المصادر وصل إلينا شعر الصعاليك. ويبدو أن بعض رواة الشعر العربي قد تنبهوا إلى أن هذا الشعر يكون مجموعة متشابهة المقومات الفنية، فعملوا على جمعه في دواوين خاصة به١. ولكن مع الأسف الشديد لم يصل إلينا من هذه الدواوين إلا أسماؤها وأسماء مؤلفيها، أما هي فقد ضاعت مع ما ضاع من التراث العربي القديم، وليس بين أيدينا الآن من هذه الدواوين -فيما أعرف- سوى قطعة من "كتاب أشعار اللصوص" لأبي سعيد السكري الذي أشار إليه البغدادي في مقدمة الخزانة بين الكتب التي اعتمد عليها في تأليفها٢، والذي ذكره ابن النديم من بين مؤلفات السكري٣، ويذكر بركلمان أن هذه القصة هي ديوان طهمان من العصر الأموي، وأن

стр. 145

الأستاذ رايت نشرها١، وفي خزانة الأدب للبغدادي قطعة أخرى منه٢، هي مجموعة من أخبار عبيد الله بن الحر وأشعاره، وهو أيضا من صعاليك العصر الأموي، وينقل عنه ياقوت في معجم البلدان في كثير من المواضع٣، وكذلك ينقل عنه صاحب الأغاني٤، ويذكر بركلمان أن في شرح الحماسة للتبريزي مقتطفات منه٥. ويبدو أن هذا الكتاب من الكتب التي كانت لها قيمتها، والقطع التي وصلت إلينا منه تدل على هذا دلالة قوية، وصاحب الخزانة يثني عليه٦، وحسب هذا الكتاب أنه من عمل السكري الذي يقول عنه ابن النديم "الذي عمل من علماء أشعار الشعراء فجود فأحسن أبو سعيد السكري"٧. وللسكري أيضا كتابان آخران يذكرهما ابن النديم، هما أشعار فهم وأشعار الأزد٨. وليس من شك في أن هذين الكتابين كانا يضمان شعر تأبط شرا وغيره من صعاليك فهم، والشنفرى وحاجز وغيرهما من صعاليك الأزد. ومما يؤسف له حقا أن تضيع هذه المجموعة من كتب السكري التي لو قد وصلت إلينا لأفادتنا كثيرا كما أفادنا ديوان الهذليين له. وتشير مصادر الأدب العربي إلى دواوين لبعض الشعراء الصعاليك، فيشير الآمدي في ترجمته لأبي الطمحان القيني إلى "ديوانه المفرد"٩، وينقل ذلك عنه البغدادي في خزانته١٠، ويذكره أيضا ابن النديم، ويذكر

стр. 146

أن الذي عمله الأصمعي وأبو عمرو١، ومما يؤسف له أن يفقد هذا الديوان أيضا. ويشير صاحب الخزانة أيضا إلى ديوان تأبط شرا في نص ينقله عن ابن جني في تصحيحه رواية بيت له يقول فيه "وكذلك وجدتها في شعر هذا الرجل بالخط القديم، وهو عتيد عندي إلى الآن"٢، ويذكر بركلمان في حديثه عن تأبط شرا أن "بعض مختارات من ديوانه جمعها ابن جني مخطوطة في الإسكوريال المجلد الثاني/ ٧٧٨"٣. وقد وصل إلينا من دواوين الشعراء الصعاليك ديوانان: ديوان عروة بن الورد، وديوان الشنفرى. ويذكر ابن النديم أن شعر عروة قد جمعه اثنان من الرواة: الأصمعي وابن السكيت٤، ولكن لم يصل إلينا إلا الثاني. وقد طبع هذا الديوان عدة مرات، طبعة نولدكه في جوتنجن سنة ١٨٦٣ مع مقدمة وتعليقات وترجمة ألمانيا، ثم طبع مرة أخرى في المطبعة الوهبية بمصر سنة ١٢٩٣هـ في مجموع مشتمل على أربعة دواوين أخرى هي دواوين النابغة الذبياني، وحاتم الطائي، وعلقمة الفحل، والفرزذق، تحت اسم "مجموع مشتمل على خمسة دواوين من أشعار العرب"، وديوان عروة فيه مختلف في ترتيبه عن طبعة نولدكه، وفي أول ترجمة عروة نقلا عن الأغاني دون إشارة إلى ذلك، ثم طبع هذا المجموع مرة أخرى في بيروت بالمطبعة الأهلية بدون ذكر لتاريخ الطبع، ويبدو أن هذه الطبعة منقولة عن الطبعة المصرية، وإن يكن صاحبها يذكر في أولها أنها "طبعة جديدة مصححة منقحة، مقابلة على عدة نسخ، مرتبة على الحروف، مضافا عليها كثير من شعره مما تفرق في دواوين الأدب". وأدرج لويس شيخو ديوان عروة مع شرح ابن السكيت في شعراء

стр. 147

النصرانية١، وأضاف إليه ما ورد في شرح التبريزي على حماسة أبي تمام مع بعض أخبار منقولة عن الأغاني. ثم طبعه مرة أخرى الشيخ ابن أبي شنب الأستاذ بكلية الأدب بالجزائر، بمطبعة جول كربونل بالجزائر سنة ١٩٢٦، وأضاف إليه جملة من شعره مما لم يذكر فيه، وشرحا على الأبيات يكمل به شرح ابن السكيت. ومن ديوان عروة نسخة خطية في دار الكتب المصرية تحت رقم ٥٠٨٤ "أدب"، وهي أيضا من جمع ابن السكيت وشرحه، وهي صورة من ديوانه المطبوع. ولديوان عروة ترجمة فرنسية قام بها الأستاذ r. basset ونشرها في المجلة الإفريقية التي تصدرها كلية الأدب بالجزائر بالعدد ٦٢ سنة ١٩٢٨. أما ديوان الشنفرى فقد كان حظه من العناية دون حظ ديوان عروة، فبين أيدينا منه نسختان: نسخة مطبوعة صنعها الأستاذ عبد العزيز الميمني، ونشرها في مجموعة "الطرائف الأدبية" بلجنة التأليف والترجمة والنشر سنة ١٩٣٧ يذكر في مقدمتها أنها عن نسخة خطية من الديوان عثر عليها بكتبخانة خسرو باشا في إستنبول تحت رقم ١٤٩، وعن مجموعة بدار الكتب المصرية تحت رقم ١٨٦٤ "أدب" يظن أنها نسخة أخرى من الديوان متبورة، وقد أضاف إلى ما ورد في هاتين المخطوطتين بعض أبيات وجدها في مصادر الأدب العربي الأخرى، ولكنه أسقط من الديوان التائية المفضلية، ولامية العرب، ورثاء تأبط شرا "لأن الأوليين وإن كانتا توجدان في النسختين إلا أن ما عند غيرهما أوفى وأتم، والثالثة خلتا عنها مرة، فما لي ولإثباتها، وهي في عامة الكتب، على أنها لا يُوثق بعزوها إليه" -كما يقول في مقدمته٢. والنسخة الأخرى التي بين أيدينا من هذا الديوان نسخة مأخوذة بالتصوير الشمسي عن نسخة خطية بخط محاسن بن إسماعيل بن علي من شعراء حلب،

стр. 148

فرغ من كتابتها بدمشق في منتصف شهر جمادى الآخر سنة ٨٣٥هـ. وهذه النسخة المصورة محفوظة بدار الكتب المصرية تحت اسم "شعر الشنفرى" تحت رقم ٦٦٧٦ "أدب"، وهي نسخة من الراجح أن الميمني لم يطلع عليها لأنه لم يشر إليها في ديوانه الذي طبعه. وإلى جانب هذين الديوانين هناك مجموعة أشعار هذيل التي عملها السكري أيضا١، وبين أيدينا منها الجزء الأول الذي نشره الأستاذ كوسجارتن john godfirey lewis kosegarten تحت اسم "كتاب شرح أشعار الهذليين" في لندن سنة ١٨٥٤، والجزء الذي نشره الأستاذ يوسف هل في ليبزج، سنة ١٩٣٣ تحت اسم "مجموعة أشعار الهذليين الجزء الثاني"، والقسم الذي نشرته دار الكتب المصرية تحت اسم "ديوان الهذليين القسم الثاني" في سنة ١٩٤٨. ففي هذه المجموعات من أشعار الهذليين طائفة من دواوين صعاليك هذيل: أبي خراش٢، والأعلم٣، وصخر الغي٤، وعمرو ذي الكلب٥، كما أن فيها طائفة متناثرة من شعر تأبط شرا٦، والذي كانت بينه وبين هذيل عداوة مشبوبة الأوار. فإذا ما تركنا هذه المجموعة من دواوين الشعراء الصعاليك وجدنا أنفسنا أمام مشكلة صعبة، هي مشكلة شعر سائر الصعاليك: أين نجده؟ لا مفر لنا -من أجل هذا- من الرجوع إلى كل مصادر الأدب العربي، سواء منها المطبوعة أو المخطوطة، لننقب -بعد استئذان علماء الآثار- عن أبياته ومقطوعاته وقصائده. والواقع أن شعر الصعاليك مفرق تفريقا شديدا بين

стр. 149

هذه المصادر، حتى ليصح أن نقول -في شيء من الحذر- إن كل هذه المصادر تضم أبياتا من شعر الصعاليك. وأظن أن ليس في هذا غرابة، فما دام شعر الصعاليك يمثل البادية العربية في كثير من جوانبها اللغوية والجغرافية والاجتماعية والاقتصادية تمثيلا صادقا صحيحا، فمن الطبيعي أن يتخذه اللغويون والرواة والجغرافيون والمؤرخون مصدرا من مصادرهم الأساسية؛ لأنهم يجدون فيه شواهد لكثير مما يقررون. ومن هنا كانت المجموعة اللغوية من أهم مصادر شعر الصعاليك، وأخص بالذكر منها لسان العرب وتاج العروس وجمهرة اللغة لابن دريد، وأهمية هذه المصادر -إلى جانب ما تقدمه لدارس شعر الصعاليك من شرح لألفاظه ومعانيه، وإلى جانب ما تتيحه له من فرصة الموازنة بين الروايات المختلفة- ترجع أيضا إلى ما انفردت به من أبيات لم ترو في مصادر هذا الشعر الأخرى١، بل إن الأمر ليصل أحيانا إلى انفرادها بمجموعة كبيرة من الأبيات لشاعر واحد من بحر واحد وقافية واحدة مما يرجح أنها من قصيدة واحدة٢، أو انفرادها بأبيات تصلح أن تكون تكملة لما روته المصادر الأخرى٣. فإذا تركنا هذه المجموعة اللغوية وجدنا أن المجموعة الجغرافية، وأخص بالذكر منها معجم البلدان لياقوت، ومعجم ما استعجم للبكري، من المصادر

стр. 150

الأساسية أيضا لشعر الصعاليك. ويرجع ذلك إلى أن هذا الشعر -لكثرة ما يرد فيه من أسماء الأماكن في الجزيرة العربية- يعد مادة صالحة يستشهد بها هؤلاء الجغرافيون في دراستهم. وقيمة هذه المجموعة من المصادر -إلى جانب ما تقدمه لنا من هذا الشعر- ترجع إلى أنها تعيننا على ضبط نصوصه، وتصحيح روايته، بما تقدمه لنا من ضبط لألفاظ الأماكن التي ترد فيه، والتي قد تكون واردة في المصارد الأخرى محرفة أو مصحفة١. فإذا ما تركنا هاتين المجموعتين اللتين تعنيان بشعر الصعاليك من حيث هو وسيلة لأغراضهما اللغوية والجغرافية، نصل إلى مجموعة تُعنى بهذا الشعر من حيث هو غاية فنية تقصد لذاتها، وهي مجموعة المختارات من شعر الشعراء، وعلى رأس هذه المجموعة نضع المفضليات للضبي، لا لكثرة ما فيها من شعر الصعاليك، فليس فيها منه سوى قصيدتين: إحداهما قافية تأبط شرا٢، والأخرى تائية الشنفرى٣، ولكن لأنها روت هاتين القصيدتين كاملتين، مما أتاح لنا فرصة الوقوف أمام نصين كاملين من ديوان الصعاليك. هذا إلى جانب أن ابن الأنباري في شرحه عليها قدم لنا مجموعة أخرى من شعر الصعاليك، لم ترو في المصادر الأخرى٤. ومن الطبيعي أن نذكر مع المفضليات الأصمعيات؛ لأنها بمثابة التكملة لها، أو الجزء الثاني منها، وقد قدمت لنا أيضا قطعتين من ديوان الصعاليك،

стр. 151

إحداهما رائية عروة المشهورة١، والأخرى رائية لتأبط شرا٢، وهذه الأخيرة قد انفردت بها الأصمعيات دون المصادر الأخرى، وقد قلنا منذ قليل أن في لسان العرب بيتا نرجح أن يكون منها. وهناك "جمهرة أشعار العرب" لأبي زيد محمد بن أبي الخطاب القرشي، وفيها قطعة كبيرة من رائية عروة المشهورة٣ يضعها في مجموعة "المنتقيات". ثم هناك "منتهى الطلب من أشعار العرب" لمحمد بن المبارك، وهي مخطوطة بدار الكتب المصرية "تحت رقم ٥٣ ش أدب"، الموجود منها جزءان، في الأول منهما طائفة من قصائد عروة بن الورد، وفي الثاني بعض مقطوعات للشنفرى وتأبط شرا. وهناك مخطوطة أخرى مجهولة المؤلف في الخزانة التيمورية "تحت رقم ١٢٧٥ تيمورية شعر" فيها قصائد للشنفرى ولعمرو بن براقة الهمذاني. ثم هناك مجموعات الحماسة، وعلى رأسها حماسة أبي تمام التي تمدنا بمجموعة كبيرة من شعر الصعاليك متنوعة الأغراض، كما يمدنا التبريزي في شرحه عليها بمجموعة أخرى كبيرة، تجعل من هذا المصدر مصدرا أساسيا لشعر الصعاليك. وتقف إلى جانب حماسة أبي تمام في مستوى واحد حماسة الخالديين، وهي مخطوطة بالخزانة التيمورية بدار الكتب المصرية "تحت رقم ٢٦٢ تيمورية شعر"، فإنها تمدنا بمجموعة كبيرة من شعر الصعاليك، بل إنها تنفرد أحيانا برواية قطع منه٤. ثم هناك حماسة البحتري، وهي أيضا تمدنا بمجموعة لا بأس بها من شعر الصعاليك موزعة على أغراضها.

стр. 152

ثم هناك الحماسة الصغرى لأبي تمام، وهي المعروفة بالوحشيات، ومنها نسخة مصورة بدار الكتب المصرية "تحت رقم ٢٢٩٧ أدب" وفيها أيضا مجموعة لا بأس بها من شعر الصعاليك. وهناك أيضا الحماسة البصرية لعلي بن أبي الفرج البصري، ومنها نسختان في دار الكتب المصرية، إحداهما مخطوطة "تحت رقم ٥٢٠ أدب"، والأخرى مصورة "تحت رقم ٦٣٠٠" أدب، وفيها أيضا مجموعة لا بأس بها من شعر الصعاليك. وهناك حماسة ابن الشجري، وهي مطبوعة، وفيها قصيدة لتأبط شرا، هي لامية له١، وقطعة لعمرو بن براقة من قصيدته الميمية المشهورة٢. فإذا ما تركنا هذه المجموعة من المختارات التي تُعنى بشعر الصعاليك من حيث هو غاية فنية تُقصد لذاتها، فإننا نقف عند مجموعة أخرى من مصادر هذا الشعر تُعنى به من حيث هو جانب من جوانب حياتهم، ونعني بها كتب التراجم، وما أحسبني في حاجة إلى القول بأن كتاب الأغاني لأبي الفرج على رأس هذه المجموعة بدون استثناء، ففيه أكبر مجموعة من شعر الصعاليك يرويها صاحبه في أثناء تراجمه لأصحابها٣. وكذلك الشعر والشعراء لابن قتيبة، ولكننا نلاحظ أنه أغفل ترجمة الشنفرى، وإن يكن قد روى له بضعة أبيات في مقدمته٤، وربما كانت ترجمة الشنفرى قد سقطت من مخطوطات الكتاب.

стр. 153

ثم المؤتلف والمختلف للآمدي، ومعجم الشعراء للمرزباني، وتراجم الشعراء فيهما -وإن تكن موجزة جدا- تمدنا بمجموعة لا بأس بها من شعرهم. ثم كتاب "المغتالين" لابن حبيب، ومنه نسختان في دار الكتب المصرية: نسخة خطية "تحت رقم ٥٧ ش أدب" ونسخة مصورة "تحت رقم ٢٦٠٦ تاريخ". وطرافة هذا الكتاب تأتي من أنه يهتم بتلك اللحظات الأخيرة في حياة من يترجم لهم، فإذا لاحظنا أن أكثر الشعراء الصعاليك قد قتلوا، أدركنا أهمية هذا الكتاب للباحث في شعر الصعاليك، وإن كنا نلاحظ أن تراجم الشعراء فيه موجزة. ثم كتاب "من نسب إلى أمه من الشعراء" لابن حبيب أيضا، وقد كنا ننتظر أن نجد في هذا الكتاب شيئا كثيرا عن الشعراء الصعاليك ما دام كثير منهم كانوا أغربة ينسبون إلا أمهاتهم، ولكن ابن حبيب، أو لعل النسخة التي وصلت إلينا من كتابه، قد خيبت ظننا، فليس فيها من الشعراء الصعاليك سوى قيس بن الحدادية، وليس فيه من شعره سوى قطعة من أرجوزته التي أنشدها قبيل مقتله١. ثم كتاب "المعمرين" للسجستاني، وفيه البيتان اللذان أنشدهما أبو الطمحان في شيخوخته٢. فإذا ما تركنا مجموعة كتب التراجم التي تُعنى بشعر الصعاليك من حيث هو جانب من جوانب حياتهم، وصلنا إلى مجموعة أخرى تُعنى به من حيث هو مادة للدراسة الأدبية أو اللغوية، ونعني بها كتب الأمالي والمحاضرات والأحاديث، ونخص بالذكر منها الكامل للمبرد، والأمالي للقالي، والنوادر له أيضا، والتنبيه لأبي عبيد البكري، والعقد الفريد لابن عبد ربه، والبيان والتبيين للجاحظ، والمحبر لابن حبيب، ومحاضرات الأدباء للراغب، ولباب الآداب لأسامة بن منقذ، ونقد الشعر لقدامة، وعيون الأخبار لابن قتيبة،

стр. 154

والوساطة بين المتنبي وخصومه، وغيرها من كتب تلك المجموعة الضخمة من التراث العربي. ثم هناك مجموعة كتب الشواهد، ونخص بالذكر منها خزانة الأدب للبغدادي، وشرح الشواهد الكبرى للعيني، ففيهما مقدار كبير جدا من شعر الصعاليك. ومرد ذلك إلى اهتمام النحاة بهذا الشعر في شواهدهم. وميزة الخزانة -فوق هذا- أنها ترد كل ما ترويه إلى مصادره التي تنقله عنها، وما أكثر المصادر التي اعتمد عليها صاحب الخزانة في تأليفها، والتي أشار إليها في مقدمته لها١، حتى لتعد الخزانة من المصادر الأولى لشعر الصعاليك. وقد قلنا إن الشعراء الصعاليك -نتيجة لتشردهم- ذكروا طائفة كبيرة من حيوان الصحراء في شعرهم، ومعنى هذا أن الكتب العربية التي تُعنى بدارسة الحيوان تضم مجموعة لا بأس بها من شعر الصعاليك، ونخص بالذكر من بين هذه الكتب كتاب الحيوان للجاحظ. ومن بين الشعراء الصعاليك جماعة أدركوا الإسلام، وأسلموا في حياة النبي ﷺ ، كأبي خراش وأبي الطمحان، فهؤلاء نجد تراجمهم وطائفة من شعرهم في كتب الصحابة، كالإصابة لابن حجر، وأسد الغابة لابن الأثير. ومن هذا القبيل أيضا ما ترويه كتب السيرة من شعر عروة بن الورد وأخباره؛ نظرا لأن إحدى سبياته كانت في بني النضير عندما أجلاهم النبي ﷺ إلى خيبر٢. هذه أهم المجموعات التي تكون مصادر "ديوان الصعاليك"، وهذه أهم كتبها، ولم نقصد من ذكرها إلى الحصر، فإنه ليس باليسير، وقد قلنا في أول حديثنا عنها إننا نستطيع أن نقول، في شيء من الحذر، إن كل مصادر الأدب العربي تضم أبياتا من شعر الصعاليك، وإنما كل ما قصدنا إليه من هذا الحديث هو أن نهيئ "المفاتيح" التي نتوصل بها إلى "كنوز" ديوان الصعاليك.

стр. 155

٢- مادته: حين ننظر في "المادة" التي تجمعت لنا من كنوز ديوان الصعاليك نلاحظ عليها ثلاثة أشياء: قلتها، وكثرة الاضطراب في رواية نصوصها، ثم الشك الذي يحيط ببعض نصوصها. والأمر الذي لا شك فيه هو أن مادة شعر الصعاليك قليلة قلة لا تتكافأ مع كثرة مصادرها، ومرد ذلك من غير شك إلى ضياع جزء كبير منها؛ لأنها -من ناحية- شعر جاهلي، ونحن نعرف أن الشعر الجاهلي قد ضاع أكثره، ولم يصل إلينا منه إلا أقله، وهي حقيقة معروفة مقررة عند القدماء١، ثم هي -من ناحية أخرى- نتاج طائفة من الشعراء متمردة على قبائلها، متشردة في مجاهل الصحراء. وليس الأمر استنتاجا نظريا، وإنما هي حقيقة يذكرها القدماء، فهم يذكرون عن قيس بن الحدادية أنه "شاعر قديم كثير الشعر"٢، وليست مجموعة شعر قيس التي بين أيدينا بالتي يصح أن نطلق على صاحبها أنه "كثير الشعر". وليس من شك في أن كثيرا من الشعراء الصعاليك كانوا مثل قيس من حيث كثرة الشعر، وأن كل الشعراء

стр. 156

الصعاليك كانوا مثله ومثل سائر الشعراء الجاهليين من حيث ضياع أكثر شعرهم. وإلى جانب هذه القلة في المادة نلاحظ أيضا كثرة الاضطراب في رواية نصوصها، وهي ظاهرة تُلاحظ على كل نصوص الشعر الجاهلي، ولكنها تُلاحظ بصورة قوية في نصوص شعر الصعاليك. ومن اليسير أن نفهم هذا ما دمنا قد عرفنا أن الشعراء الصعاليك كانوا يمثلون طائفة متمردة على قبائلها، متشردة في مجاهل الصحراء، وما دام هذا الشعر قد وصل إلينا مفرقا في مصادر الأدب العربي المختلفة، ولم يصل إلينا إلا قليل منه في دواوين مستقلة. وكما يُلاحظ هذا الاضطراب في ألفاظ هذا الشعر، يُلاحظ في ترتيب أبياته، ويُلاحظ أيضا في عدد هذه الأبيات، وهذا ما سنحاول الإشارة إليه فما يمر بنا منه في هذا البحث. فإذا ما تركنا هاتين الملاحظتين الشكليتين، فإننا نصل إلى الملاحظة الثالثة، وهي الشك الذي يحيط ببعض نصوص هذا الشعر، وهي ملاحظة جوهرية؛ لأنها تتصل بالمادة التي بين أيدينا: أهي حقا لأصحابها أم هي مزيفة عليهم؟ وشعر الصعاليك في هذه المسألة ليس بدعا من سائر الشعر الجاهلي الذي اتهم بالتزييف والانتحال اتهاما شديدا، والذي تعرض لحملة شديدة كانت على وشك أن تعصف بأركانه. ولسنا نبرئ الشعر الجاهلي من هذا الاتهام، ولكنا أيضا لا نمضي مع هذا الاتهام إلى ذلك الحد الذي يجعل من رواة الشعر الجاهلي "عصبة من المزيفين" لا هم لهم إلا صناعة نماذج من الشعر ثم حملها على الشعراء الجاهليين، والذي يجعل درس الشعر الجاهلي ضربا من الأعمال "البوليسية" التي لا هم لها إلا البحث عن هؤلاء المزيفين ومصادرة "عملتهم" الزائفة. والأمر الذي لا أكاد أشك فيه هو أن الشعر الجاهلي قد لقي من عناية القدماء نصيبا موفورا، وأن نقاد هذا الشعر لم يشكوا في شيء منه إلا سجلوا هذا الشك، وحسبنا هذا الشك دليلا على عناية القدماء بأمر هذا الشعر. أما

стр. 157

ما كان التزييف فيه بارعا إلى درجة خفيت على القدماء أنفسهم من النقاد والرواة، فما أظن أننا نبيح لأنفسنا الادعاء بأننا أدق حسا بالشعر الجاهلي من هؤلاء القدماء الذين كانوا أقرب منا عهدا بعصر هذا الشعر، أما إذا كان الراوية أو الناقد مجرحا عرفت عنه الغفلة أو الكذب، أو كان المتن نفسه يحمل في أثنائه دليلا على الكذب أو التزييف، فهنا تكون مواضع الشك والاتهام. وليست هذه الخطة بدعا في الدرس، وإنما هي خطة سار عليها علماء الحديث في دراستهم لأحاديث النبي ﷺ وتحقيقها. ومجموعة شعر الصعاليك التي دارت حولها أحاديث الشك نوعان: فمجموعة كان الشك فيها "داخليا" بمعنى أن الرواة قد اتفقوا على أنها من شعر الصعاليك، ولكنهم اختلفوا في نسبتها إلى أيهم، ومن الأمثلة على هذه المجموعة تلك البائية التي تروى مرة لأبي خراش الهذلي١، ومرة للأعلم الهذلي٢، ومرة لتأبط شرا٣ وهم جميعا من صعاليك منطقة واحدة هي منطقة السراة. ومن الأمثلة على هذه المجموعة أيضا تلك الدالية التي يرويها الأصمعي وأبو عمرو الشيباني والسكري لصخر الغي الهديل٤، والتي يذكر أبو عبيدة "أنه رأى جماعة من شعراء هذيل يختلفون في هذه القصدية فيرويها بعضهم لصخر الغي، ويرويها بعضهم لعمرو ذي الكلب، وأن الهيثم بن عدي حدثه عن حماد الرواية أنها لعمرو ذي الكلب"٥، وكلا الشاعرين من صعاليك هذيل. والخطب في هذه المجموعة هين، فإن المسألة لم تخرج عن دائرة الصعاليك. وهذا الاختلاف -وإن يكن له تأثير في الدراسة الفنية للشاعر الواحد-

стр. 158

لا تأثير له في الدراسة الفنية لشعر الصعاليك من حيث هو شعر مجموعة، ولا تأثير له في الدراسات الاجتماعية لظاهرة الصعلكة. ومن هنا وقفنا من هذه المجموعة موقفين مختلفين، فاعتمدنا عليها في دراسة ظاهرة الصعلكة، وفي دراسة شعر الصعاليك من حيث هو شعر مجموعة، أما حين ندرس شاعرا معينا، فمن الطبيعي ألا نعتمد عليها، لا في دراسة حياته، ولا في دراسة فنه، وإلا وصلنا إلى نتائج مشكوك في مقدماتها. أما المجموعة الأخرى فإن الشك فيها شك "خارجي" بمعنى أنه يدور حول نسبتها إلى الشعراء الصعاليك أو إلى غيرهم من الشعراء، كتلك الأبيات التي تنسب مرة إلى تأبط شرا١، ومرة ثانية إلى البعيث٢، ومرة ثالثة إلى هدبة العذري٣، وكتلك الأبيات البائية التي تنسب في بعض المصادر إلى أبي الطمحان٤، وفي بعضها إلى لقيط بن زرارة٥، وكالبيتين اللذين ينسبان في بعض المصادر إلى السليك٦، وفي بعضها إلى المعتصم بالله بن هارون الرشيد٧. وقد يكون من اليسير أن ينتهي الباحث إلى رأي في هذا الاختلاف إذا أعانته بعض الخصائص الفنية في نصوص هذه الأبيات على التعرف على شخصيات أصحابها، فمثلا قد يكون من اليسير أن نصحح نسبة البيتين الأخيرين إلى المعتصم؛ إذ إن سمات "الأرستقراطية" تبدو عليهما في صورة ذلك السيد الذي يأمر غلامه بأن يهيئ له حصانة ويطرح عليه سرجه ولجامه، فإذا أضفنا إلى هذا أن البيت الثاني يُروى في بعض المصادر "أبلغْ الأتراك"٨

стр. 159

مكان "أبلغ الفتيان"، رجحت لدينا نسبة هذين البيتين للمعتصم، ومن الحق أن السليك كان له فرس اسمه "النحام"١، ولعل هذا هو الذي أشكل على بعض الرواة فنسبوا البيتين له، ولكن هذا ليس كافيا لإثبات صحة هذه النسبة، فقد يكون في خيل المعتصم ما يحمل هذا الاسم. والأمر في الأبيات التي تنسب إلى أبي الطمحان أو لقيط بن زرارة يشبه هذا الأمر، فإن في الأبيات فخرا بقوم الشاعر بالسيادة والحسب، وهذا أليق بلقيط ذلك السيد التميمي الذي يصفه ابن قتيبة بأنه "كان أشرف بني زرارة"٢، وكما أن فخر الشاعر بلسان قومه ليس من الخصائص المألوفة في شعر الصعاليك، ومن هنا نستطيع أن نرجح نسبة هذه الأبيات إلى لقيط، وقد تنبه ابن قتيبة إلى هذا حيث يقول "وبعض الرواة ينحل هذا الشعر أبا الطمحان القيني، وليس كذلك، إنما هو للقيط"٣. وقد تنبه القدماء إلى مثل هذا، فقد اختلف الرواة في أربعة أبيات من معلقة امرئ القيس: أهي له أم لتأبط شرا؟ وهي تلك الأبيات التي يتحدث فيها الشاعر عن حملة قربة الماء، وتشرده في الوديان المقفرة مع الذئاب الجائعة، وعن فقره وإسرافه وهزاله٤: أما الأصمعي فقد ذهب إلى أن هذه الأبيات ليست لأمرئ القيس وإنما هي لتأبط شرا، وتابعه في هذا الرأي أبو حنيفة الدينوري وابن قتيبة، وأما السكري فقد خالفهم في هذا ورواها لامرئ القيس في معلقته٥، وقد تنبه صاحب خزانة الأدب إلى أن هذا الشعر أشبه بكلام اللص والصلعوك لا بكلام الملوك٦. وقد يقال إن امرأ القيس تصعلك حقبة من حياته، فلعله يعبر عن هذه

стр. 160

الحقبة في هذه الأبيات، ولكن يلاحظ أن وضع هذه الأبيات في المعلقة وضع قلق، إذ إنها حديث شاب "أرستقراطي" عن اللهو والنساء والصيد فليس من المعقول أن يتحدث في أثناء هذا عن حملة قربة الماء وفقره وتشرده، وقد رجحنا منذ قليل أن هذه الأبيات قطعة من لامية لتأبط شرا لم تصل إلينا، وقلنا إنه من الممكن أن تتألف من تلك الأبيات الكثيرة الواردة له في لسان العرب من وزن واحد وعلى قافية واحدة. وصورة أخرى من هذا "الشك الخارجي" نراها حين تتهم بعض نصوص شعر الصعاليك بأنها قد صنعت وحملت عليهم، فمثلا يقول أبو عمرو تعليقا على القصيدة القافية المنسوبة إلى قيس بن الحدادية في مدح أسد بن كرز: "وهذه الأبيات من رواية أصحابنا الكوفيين، وغيرهم يزعم أنها مصنوعة، صنعها حماد الراوية لخالد القسري في أيام ولايته وأنشده إياها، فوصله، والتوليد بين فيها جدا"١، ويذكر أبو الفرج بعد أن روى القصيدة البائية المنسوبة إلى قيس الحدادية أيضا التي يفتخر فيها بقومه، ويعيِّر عامر بن الظرب بفراره: "هذه القصيدة مصنوعة والشعر بيِّن التوليد"٢. ولعل أشهر ما تعرض لهذا الشك من شعر الصعاليك لاميتان: إحداهما تنسب إلى الشنفرى، وهي المعروفة بلامية العرب، ومطلعها: أقيموا بني أمي صدور مطيكم ... فإني إلى قوم سواكم لأميل والأخرى اختلف القدماء في نسبتها اختلافا شديدا، ومطلعها: إن بالشعب الذي دون سلع ... لقتيلا دمه ما يطل وكلتا اللاميتين اتهم بصنعهما خلف الأحمر٣. والقدماء يصفون خلفا بأنه "كان من أمرس الناس لبيت شعر"٤،

стр. 161

ويقول ابن سلام: "أجمع أصحابنا أن الأحمر كان أفرس الناس ببيت شعر"١، ويقول الأخفش: "لم أدرك أحدا أعلم بالشعر من خلف الأحمر الأصمعي"٢، ويقول أبو اليزيد: "أتيت بغداد حين قام المهدي محمد، فوافاها العلماء من كل بلدة بأنواع العلوم، فلم أر رجلا أفرس ببيت شعر من خلف"٣. ولكنهم مع الأسف يصفونه بأنه "كان يقول الشعر فيجيد، وربما نحله الشعراء المتقدمين، فلا يتميز من شعرهم لمشاكلة كلامه كلامهم"٤ ويقول أبو الطيب عبد الواحد اللغوي: "كان خلف يضع الشعر وينسبه إلى العرب فلا يُعرف"٥، ويذكر ابن قتيبة أنه "كان يقول الشعر وينحله المتقدمين"٦، ويقول ابن عبد ربه: "وكان خلف مع روايته وحفظه يقول الشعر فيحسن وينحله الشعراء"٧، ويذكر ابن النديم عنه أنه "كان شاعرا يعمل الشعر على لسان العرب وينحله إياهم"٨، بل إنه هو نفسه يصرح بهذا ففي بعض الأخبار أنه قال: "كنت آخذ من حماد الرواية الصحيح من أشعار العرب، وأعطيه المنحول فيقبل ذلك مني، ويدخله في أشعارها"٩. ومعنى هذا أننا أمام "مزيف" بارع يعرف أساليب العرب في الشعر ويقلدها ثم يحملها عليهم، فلا يكادون يميزونها، وهنا موطن الخطر، فلو لم يكن خلف على هذه البراعة، لاستطاع القدماء، ولاستطعنا نحن أيضا، أن نعرف ما هو صحيح النسبة إلى أصحابه مما يرويه من الشعر وما هو منحول عليهم.

стр. 162

ولعل الأمر في اللامية الأخيرة "إن بالشِّعب" أيسر، فإن الشك يكتنفها اكتنافا شديدا لم تتعرض لمثله أية قصيدة أخرى من "ديوان الصعاليك"، وتكاد مصادر الأدب العربي المختلفة لا تتفق على قائلها، فهي مرة تنسب إلى تأبط شرا١، ومرة إلى ابن أخت تأبط شرا٢، ومرة إلى الشنفرى٣، هذا إلى جانب نسبتها إلى خلف الأحمر٤، بل إن أبا تمام الذي ينسبها في حماسته في صراحة إلى تابط شرا٥، ينسبها في بعض المصادر الأخرى في صراحة أيضا إلى الشنفرى٦، بل الغريب أن تنسب أحيانا إلى الشنفرى في رثاء تأبط شرا٧، مع أن المعروف أن الشنفرى قتل قبل تأبط شرا، وأن تابط شرا هو الذي رثاه٨، والجاحظ لا يعرض لها إلا متشككا، فهو يقول مرة: "وقال تأبط شرا أو أبو محرز خلف بن حيان الأحمر"٩، ويقول مرة أخرى: "وقال تأبط شرا، وإن كان قالها"١٠. وينقل ابن دريد بيتا منها في أسلوب المتشكك حيث يقول: "وقد رُوي البيت المنسوب إلى الشنفرى أو إلى تأبط شرا ... "١١، ووضع العبارة على هذه الصورة المتشككة، والتعبير بكلمة "المنسوب"، يشعران بما كان يدور في نفس ابن دريد من الشك في صحة هذه النسبة إلى أي من الشاعرين. ويقول ابن عبد ربه: "ويقال

стр. 163

إن الشعر المنسوب إلى ابن أخت تأبط شرا وهو: إن بالشعب الذي دون سلع ... لقتيلا دمه ما يطل لخلف الأحمر، وإنه نحله إياه"١. ويقول التبريزي في صراحة عن هذا الشعر: "وذكر أنه لخلف الأحمر، وهو الصحيح"٢. وكذلك يفعل ابن قتيبة إذ يذكر في صراحة لا تحتمل شكا أن قائل هذه القصيدة هو خلف، وهو يذكر هذا في ترجمته له٣. ومعنى هذا أن القدماء لم يتفقوا على نسبتها إلى أحد من الشعراء الصعاليك، وإنما كان اختلافهم في هذا اختلافا عريضا، وأنهم يقفون منها موقف المتشكك في صحة نسبتها إلى أي من الشعراء الصعاليك، بل إن بعض من يعتد برأيهم يصرحون في قوة بأنها لخلف. ولكنا نعود فنقف أمام نص الخالديين في حماستهما يذكران فيه -بعد أن ذكرا هذه القصيدة منسوبة إلى الشنفرى- "وقد زعم قوم من العلماء أن الشعر الذي كتبنا للشنفرى هو لخلف الأحمر، وهو غلط"٤، ثم يرويان خبرا طويلا٥ عن الصولي عن أبي العيناء عن العتبي في إثبات هذا، خلاصته أن العتبي كان جالسا يوما بالمربد مع "جماعة من أهل الأدب" ومعهم خلف الأحمر يتذاكرون "أشعار العرب"، ثم أخذ خلف ينشدهم قصيدة له على روي هذه اللامية وقافيتها "يذكر فيها ولد أمير المؤمنين عليهم الرحمة وما نالهم وجرى عليهم من الظلم"؛ إذ هجم عليهم الأصمعي، وكان منحرفا عن أهل البيت، فقطع خلف قصيدته، ودخل في هذه اللامية، ولم يكن في الجماعة "أحد عرف هذا الشعر ولا رواه للشنفرى"، فلما انصرف الأصمعي أقبلوا على خلف ينظرون سرعة بديهته، ومقدرته على الارتجال، ولكنه قال لهم

стр. 164

"إن كان تقريظكم لي لأني عملت الشعر فما عملته والله، ولكنه للشنفرى تأبط شرا١، والله لو سمع الأصمعي بيتا من الشعر الذي كنت أنشدكموه ما أمسى أو يقوم به خطيبا على منبر البصرة فيتلف نفسي، فادعاء شعر لو أردت قول مثله ما تعذر عليَّ أهون عندي من أن يتصل بالسلطان فألحق باللطيف الخبير". والخبر على هذه الصورة يحمل في ثناياه كذبه، فماذا يحمل خلفا على أن يدعي أمام الأصمعي أن هذه القصيدة له، ولا ينسبها صراحة إلى صاحبها؟ ثم كيف نتصور أن الأصمعي لم يكن يعرف هذه القصيدة لو كانت حقا للشنفرى أو غيره من الشعراء الجاهليين، وهو الذي يقرنه الأخفش بخلف الأحمر في العلم بالشعر، ويقول إنه لم يدرك أحد أعلم بالشعر منهما؟ ٢ كيف نتصور أن خلفا يسيئ الظن بالأصمعي إلى هذا الحد الذي ينشده فيه قصيدة جاهلية، ويدعيها لنفسه، دون أن يظن أن الأصمعي قد يكون يرويها هو أيضا؟ ثم كيف نتصور أن هذه "الجماعة من أهل الأدب" المجتمعة لتتذاكر "أشعار العرب" -على حد تعبيرات القصة- قد خلت من واحد يعرف أن هذه القصيدة جاهلية؟ ثم أين سائر أفراد هذه "الجماعة من أهل الأدب" ولِمَ لَمْ يذكر واحد منهم غير العتبي هذا الخبر؟ أما أنا فأرجح ترجيحا شديدا أن العتبي راوي هذا الخبر هو مختلقه. ويؤيد هذا انفراده بروايته، وقوله إنه لم يبق من يعرفه غيره، وأنه تحدث به في مجلس له ورجل يقرأ عليه شعر الشنفرى، فلما وصل إلى هذه اللامية قال بعض من كان في المجلس: هذه القصيدة لخلف الأحمر، فضحك العتبي مستخفا به، ومضى يقص هذا الخبر. وهذا يجعلنا نرجح أن المسألة كانت تحديا بينه وبين بعض الحاضرين، وفي مثل هذا الموقف قد يعمد بعض الناس إلى الاختلاق. ثم قد يكون العتبي اختلق هذه القصة ليبرئ خلفا من

стр. 165

تهمة الكذب، وكلاهما شيعي. هذا من الناحية التاريخية، أما من الناحية الفنية فقد حاول القدماء ممن نسبوها إلى خلف أن يدللوا على صحة هذه النسبة، ويروي التبريزي عن النمري أنه قال "ومما يدل على أنها لخلف الأحمر قوله فيها -جل حتى دق فيه الأجل- فإن الإعرابي لا يكاد يتغلغل إلى مثل هذا"١. ويروى عن أبي الندى أنه قال "مما يدل على أن هذا الشعر مولد أنه ذكر فيه سلعا وهو بالمدينة، وأين تأبط شرا من سلع؟ وإنما قُتل في بلاد هذيل٢". ولكن صاحب معجم البلدان يذكر أن في ديار هذيل جبلا اسمه سلع٣، ولكنه -من ناحية أخرى- ينقل عن بعض العلماء أنهم استدلوا على أن هذه القصيدة ليست لتأبط شرا "بأن سلعا ليس دونه شعب"٤. على هذه الأسس التاريخية والفنية نظن، بل نرجح، أن هذه اللامية ليس لأحد من الشعراء الصعاليك ولا في رثاء أحد من الصعاليك. أما القصيدة الأخرى، لامية العرب، فإن الأمر فيها أصعب من هذا، فليس حولها هذا الخلاف العريض الذي رأيناه حول اللامية الأولى، فإن الرواة الذين تعرضوا لها ينسبونها إلى الشنفرى٥، ما عدا صاحب تاج العروس الذي ينسبها إلى تأبط شرا٦، وليس بين أيدينا من النصوص الصريحة على أنها ليست للشنفرى سوى نص يرويه القالي عن ابن دريد يذكر فيه أن هذه القصيدة المنسوبة إلى الشنفرى لخلف الأحمر٧. وهو نص له قيمته؛ لأن ابن دريد

стр. 166

كان قريب عهد بخلف، فأكثر أخباره مروية عن تلاميذ الأصمعي عن خلف، ثم إنه كان على صلة بأعمال المدرسة البصرية التي ينتمي إليها خلف١، فإذا أضفنا إلى هذا أن أبا الفرج قد أغفل هذه اللامية في ترجمته للشنفرى إغفالا تاما ولم يشر إليها أي إشارة على كثرة ما روى من شعره٢، كما فعل مع اللامية الأولى في ترجمته لتأبط شرا٣، وأن لسان العرب -على كثرة ما نقل من شعر الصعاليك- لم يرد أي ذكر لها ولا أي بيت منها، بدأت كفة الشك في صحة نسبتها إلى الشنفرى ترجح. هذه من الناحية التاريخية، أما من الناحية الفنية فإن أول ما يلفت نظرنا أن هذه اللامية طويلة طولا ليس مألوفا في شعر الصعاليك، وسنرى فيما بعد أن شعر الصعاليك كان في مجموعة شعر مقطوعات، فهذه اللامية تبلغ ثمانية وستين بيتا، في حين لا تزيد أطول قصيدة في "ديوان الصعاليك" وهي تائية الشنفرى المفضلية على خمسة وثلاثين بيتا في بعض المصادر٤، أي أن هذه اللامية تبلغ ضعف أطول قصيدة في ديوان الصعاليك تقريبا وإلى جانب هذه نلاحظ قلة الاضطراب في رواية ألفاظها، وفي ترتيب أبياتها، وهي ظاهرة ليست مألوفة في شعر الصعاليك، فقد لاحظنا في أول هذا الفصل أن مما يميز شعر الصعاليك الاضطراب في رواية ألفاظه وترتيب أبياته. فإذا أضفنا إلى هذا ما لاحظه كرنكو٥ من قلة أسماء المواضع والأشخاص فيها، وهي ظاهرة ليست طبيعية في قصائد الشعر العربي المبكرة، زادت كفة الشك في صحة نسبة هذه اللامية إلى الشنفرى في الرجحان. وقد نتساءل بعد هذا: ما السر في تلك العناية الغريبة التي لقيتها هذه

стр. 167

اللامية حتى تؤلف فيها تلك الشروح الكثيرة المتعددة١، وحتى يحرص الغربيون على ترجمتها إلى لغاتهم؟ ٢ الذي يبدو لي أن سر إقبال الشراح العرب عليها هو أنهم وجدوا فيها مادة لغوية طيبة، ثم أخذت المسألة تصبح لونا من التقليد والتنافس بين الشراح، أما الغربيون فقد وجدوا فيها صورة متقنة لحياة الأعراب في الجزيرة العربية، فكان اهتمامهم بها لغرض اجتماعي، كما كان اهتمام العرب بها لغرض لغوي. والحق يقال إن خلفا قد صور حياة صعاليك العرب في هذه اللامية تصويرا رائعا ممتازا، حتى ليصح أن تكون مصدرا من مصادر دراسة حياتهم الاجتماعية. والأمر الذي لا شك فيه هو أن خلفا قد تمثل أولا حياة صعاليك العرب وخصائص شعرهم الفنية، ثم مضى يصور هذه الحياة وهذا الفن في قصيدة رائعة، حاول ما استطاع أن يجعلها صورة صادقة لما عرف عن شعرهم وأخبارهم، حتى ليصح أن نطلق عليها لا "لامية العرب" وإنما "لامية الصعاليك" أو "دنيا الصعاليك".

стр. 168

الفصل الثاني: موضوعات شعر الصعاليك ١- الشعر داخل دائرة الصعلكة أحاديث المغامرات: من الطبيعي -ما دامت حياة صعاليك العرب قد اتخذت شعارها "الغزو والإغارة للسلب والنهب"- أن يكون أكبر ما يُعنى به شعراؤهم أحاديث مغامراتهم؛ لأن هذه المغامرات هي "الحرفة" التي قامت عليها حياتهم، والأسلوب الذي انتهجوه فيها لتحقيق غاياتهم. وهم يتحدثون عن هذه المغامرات حديث المؤمن بقيمتها في حياته، المعجب بها، الفخور ببطولته فيها، أو بمقدرته على النجاة من أخطارها وقد ضاقت في وجهه سبل النجاة. وهم يصفون كل ما يحدث في هذه المغامرات، منذ أن تأخذ جماعة الصعاليك في وضع خطتها، إلى أن تنتهي الغارة، ويعود فتيان الصعاليك بأسلابهم بعد أن نفذوا خطتهم، وحققوا أهدافهم، وهم يصفون، في أثناء ذلك، الطريق الذي سلكوه، ويتحدثون عن رفاق الغارة، ودور كل واحد فيها، وكيف نفذوا خطتهم، وكيف كانت آثارها في أعدائهم، وكيف انتهت الغارة وعاد فتيان الصعاليك إلى قواعدهم سالمين بعد أن قتلوا وسلبوا ونهبوا. فهذا الشنفرى يخرج في عدة من فهم١ فيهم عامر بن الأخنس وتأبط شرا والمسيب وعمرو بن براقة ومرة بن خليف يقصدون العوص، وهم حي من بجيلة، فلما انتهوا من الغارة، وأخذوا طريق العودة، اعترضت لهم خثعم،

стр. 169

ودارت بينهم معركة انتهت بانتصار الصعاليك، فإذا ما انتهت المعركة فرغ الشنفرى إلى فنه يحدثنا عنها حديثا رائعا فيه دقة وتفصيل، يبدأ منذ أن أعلن امرأته أنه خارج لها، غير مبال بحياته أو حريص عليها، وفيم المبالاة أو الحرص وهو يعلم أن أجله لا بد آت في يوم من الأيام: دعيني وقولي بعد ما شئت إنني ... سيغدَى بنعشي مرة فأغيب وهو لا يطيل في هذا الحديث لأنه في لهفة إلى أن يدرك رفاقه، والموقف لا يحتمل ريثا ولا إبطاء، فليترك امرأته بعد هذا القول الفاصل "دعيني وقولي بعد ما شئت"، وبعد هذه الحجة القاطعة "إنني سيغدى بنعشي مرة فأغيب"، وليسرع إلى رفاقه في لهفة شديدة، يمثلها انتقاله السريع من هذا الحديث إلى حديثه عن خروجهم في مغامرتهم. وهو يذكر لنا أنهم كانوا ثمانية، وأنهم خرجوا جميعا مسرعين، لم يعهدوا إلى أحد بالقيام على شئونهم، ولم يوصوا أحد بأهلهم، وهم جميعا فتيان كأنهم الذئاب، وجوههم مشرقة لا تبدو عليها مظاهر جزع أو خوف: خرجنا فلم نعهد وقلت وصاتنا ... ثمانية ما بعدها متعتب سراحين فتيان كأن وجوههم ... مصابيح أو لون الماء مذهب١ ثم هاهم أولاء في طريقهم إلى هدفهم مسرعين، لا يعرجون على شيء حتى على الماء، على شدة حاجتهم إليه، وعلى علمهم أن الزاد ظن مغيب، ثم هاهم أولاء بعد ثلاثة أيام على أقدامهم يصلون إلى هدفهم يتقدمهم دليل خفيف فارع شجاع: نمر برهو الماء صفحا وقد طوت ... ثمائلنا، والزاد ظن مغيب ثلاثا على الأقدام حتى سما بنا ... على العوص شعشاع من القوم محرب٢

стр. 170

ثم يصور المعركة التي دارت قبيل الفجر، في ظلام الهزيل الأخير من الليل، وقد تنبه لهم الحي الذي يهاجمونه، فعلت صيحاتهم، واختلطت بصيحات الصعاليك. ودارت المعركة وقام كل من الصعاليك بدوره فيها في بطولة وشجاعة: أما تأبط شرا فقد بدأ هجومه السريع بسيفه الذي يهتز في يده لسرعة ضرباته، وأما المسيب فقد أعمل فيهم سيفه في تصميم لا يلين، وأما الشنفرى فقد وقف للدفاع هو وجماعة من فتيان الصعاليك، وثبتوا في موقفهم، حتى انجلت المعركة عن انتصار الصعاليك بعد أن قتلوا جماعة من أعدائهم وسلبوهم، أما سائرهم -على كثرتهم- فقد انتابهم فزع شديد، حتى خيل إليهم أن كل مرتفع من الأرض يصب عليهم كل الصعاليك الثمانية: فثاروا إلينا في السواد فهجهجوا ... وصوت فينا بالصباح المثوب فشن عليهم هزة السيف ثابت ... وصمم فيهم بالحسام المسيب وظلت بفتيان معي أتقيهم ... بهن قليلا ساعة ثم خيبوا وقد خر منهم راجلان وفارس ... كمي صرعناه وخوم مسلب يشن إليه كل ريع وقلعة ... ثمانية، والقوم رجل ومقنب١ وهنا، وقد انتهى الشاعر من تصوير هذه الغارة الناجحة، لم يعد أمامه هو أصحابه إلا أن يسرعوا عائدين إلى قواعدهم سالمين، ليحدثوا قومهم الصعاليك في فخر واعتزاز بما قاموا به من بطولة: فلما رآنا قومنا قيل أفلحوا ... فقلنا اسألوا عن قائل لا يكذب وهذا السليك يخرج مع رفيقين له يريدون الغارة "في عشية فيها ضباب ومطر"، حتى يأتوا بيتا "قد انفردت من البيوت"، ويأبى السليك إلا أن يكون بطل هذه الغارة، فيخلف صاحبيه وراءه، ويتربص هو بمفرده، حتى

стр. 171

إذا خرج رب البيت بإبله ليعشيها تبعه السليك، حتى إذا ما أخذت الشيخ سنة من النوم وقد غطى وجهه بثوبه من البرد حانت الفرصة للسليك، فاستله من ردائه فضربه فأطار رأسه، وصاح بالإبل فطردها إلى حيث ينتظره صاحباه، فطرداها معه١، حتى إذا ما اطمأنوا فرغ السليك لفنه مسجلا هذه المغامرة في هذه المقطوعة الرائعة: وعاشية راحت بطانا ذعرتها ... بسوط قتيل وسطها يتسيف٢ كأن عليه لون برد محبر ... إذا ما أتاه صارم يتلهف٣ فبات له أهل خلاء فناؤهم ... ومرت بهم طير فلم يتعيفوا٤ وباتوا يظنون الظنون، وصحبتي ... إذا ما علوا نشزا أهلوا وأوجفوا٥ وما نلتها حتى تصعلكت حقبة ... وكدت لأسباب المنية أعرف٦ وحتى رأيت الجوع بالصيف ضرني ... إذا قمت تغشاني ظلال فأسدف٧ فالشاعر الصعلوك هنا يبدأ مقطوعته من حيث انتهت مهمته الخطرة، فهو لا يذكر شيئا عن خروجه للغارة ولا عن تربصه لها، وإنما يبدأ بذكر طرده الإبل بعد أن قتل صاحبها، كأنما هو فرح بتلك الغنيمة التي أنقذته من الجوع والإشراف على الهلاك، فهو لا يرى إلا تلك الإبل التي نهبها، ثم ينتقل إلى موازنة طريفة بين طرفي الصراع: بين أصحابه الصعاليك وأهل ذلك الشيخ القتيل، أما هؤلاء فقد خلا فناؤهم من إبلهم، ولكنهم مطمئنون حتى إنهم لم يتعيفوا الطير التي مرت بهم؛ لأن خبر الغارة لما يبلغهم بعد، وأما أولئك

стр. 172

فقد نجوا بغنيمتهم فوق طريق جبلي وعر، وهم يصيحون صيحة الفرح والفوز، ويحثون الإبل المنهوبة على الإسراع بينما أهل الشيخ يفكرون أين استقر به وبإبله المقام؟ وماذا أخره حتى تلك الساعة من الليل؟ وفي هذه الغمرة من الفرح لا ينسى السليك أن يبرر غارته، فهو لم يقدم عليها إلا بعد أن أصبحت المسألة مسألة حياة أو موت، فقد أشرف على الهلاك لشدة فقره وجوعه، حتى ليصيبه الدوار كما قام لفرط ضعفه وإعيائه، وتظلم عيناه لشدة هزاله وإجهاده. وهذا تأبط شرا يحدثنا في مقطوعة له١ عن مغامرة طريفة من مغامراته، خرج فيها إلى غار في بلاد هذيل، أعدائه الألداء، ليشتار عسلا، وعلمت هذيل بخبره، فوجدوا الفرصة سانحة ليتخلصوا منه، فحاصروه في الغار وطلبوا إليه التسليم، ولكنه راح يراوغهم وقد أخذ "يُسيل العسل على فم الغار، ثم عمد إلى زق فشده على صدره، ثم لصق بالعسل، ولم يزل يزلق حتى جاء سليما إلى أسفل الجبل، فنهض وفاتهم". يبدأ الشاعر الصعلوك قصيدته بأبيات في الحكمة يودعها خلاصة تجربته التي مر بها، فالشخص الحازم هو الذي يستعين بالحيلة في مواطن الخطر، لينجو بها منه، وهو الذي يعمل للأمر حسابه قبل أن يأخذه على غرة، وعلى المرء أن يكون مرنا في تصرفاته إذا ما سدت منافذ الأمر عليه: إذ المرء لم يحتل وقد جد جده ... أضاع وقاسى أمره وهو مدبر ولكن أخو الحزم الذي ليس نازلا ... به الخطب إلا وهو للقصد مبصر فذاك قريع الدهر ما عاش حول ... إذا سُد منه منخر جاش منخر٢

стр. 173

فإذا ما انتهى الشاعر من هذا "الدرس النظري" انتقل إلى "التطبيق العملي"، يبدأ به منذ أن تحرجت أموره حين حاصرته لحيان١، وينقل لنا ظرفا من حواره معهم، ذلك الحوار الذي أراد أن يخدعهم به حتى يفرغ من إعداد وسيلته للنجاة: أقول للحيان وقد صفرت لهم ... وطابي، ويومي ضيق الحجر معور٢ هما خطتا إما إسار ومنة ... وإما دم، والقتل بالحر أجدر وأخرى أُصادي النفس عنها وإنها ... لمورد حزم إن فعلت ومصدر ولا يكاد الشاعر يفرغ من تهيئة وسيلة نجاته حتى يسارع إلى تنفيذها، فإذا هو يفرش لها صدره في براعة تساعده عليها ضخامة صدره ودقة متنه، حتى نجا من الموت الذي وقف ينظر إليه خزيان، ثم إذا هو في قبيلته وقد عاد إليهم بعد أن كاد يهلك: فرشت لها صدري فزل عن الصفا ... به جؤجؤ عبل ومتن مخصر٣ فخالط سهل الأرض لم يكدح الصفا ... به كدحة، والموت خزيان ينظر فأبت إلى فهم ولم أك آيبا ... وكم مثلها فارقتها وهي تصفر٤ شعر المراقب: كما تحدث الشعراء الصعاليك عن مغامراتهم، تحدثوا أيضا عن تربصهم بأعدائهم، وترصدهم لضحاياهم، وارتقابهم الفرصة الملائمة لمهاجمتهم، فوق المرتفعات العالية التي يشرفون منها على الطريق بحيث يرون الناس ولا يرونهم، والتي كانوا يسمونها "المراقب". وتكثر في شعر الصعاليك هذه الأحاديث

стр. 174

التي يصح أن نطلق عليها "شعر المراقب". والمرقبة التي يتربص فوقها الشاعر الصعلوك دائما منيعة أبية على سواه، وأكثر ما يتحدثون عن تربصهم فوقها والليل مقبل يغشى الكون بدياجيه الكثيفة، ليكون هذا أمعن في التخفي، وأقرب إلى مواتاة الفرصة، وأدل على جرأتهم وقوة قلوبهم، و"الليل أخفى للويل" كما يقول العرب في أمثالهم١، و"الصعاليك نومهم قليل" كما يقول الشاعر الصعلوك عمرو بن براقة٢. ويرسم الشنفرى في قصيدة من شعره لوحة رائعة لمرقبة منيعة عالية يعجز دونها الصياد الماهر الخفيف الذي يخرج بكلابه المضراة للصيد، ويصف كيف صعد إليها وقد أقبل الليل بظلامه الحالك الشديد الذي يلف الكون، وكيف قضى الليل فوقها متربصا، محدبا على ذراعيه مبالغة في تخفيه كما يتطوى الأفعوان المتكسر، ولا شيء معه سوى نعلين باليتين، وثياب أخلاق، ثم أصحابه الذين لا يفارقونه، سيفه وقوسه وسهامه: ومرقبة عيطاء يقصر دونها ... أخو الضروة الرجل الخفيف المشفف نميت إلى أعلى ذراها وقد دنا ... من الليل ملتف الحديقة أسدف فبت على حد الذراعين محدبا ... كما يتطوى الأرقش المتقصف قليل جهازي غير نعلين أسحقت ... صدورهما مخصورة لا تخصف وملحفة درس وجرد ملاءة ... إذا أنجمت من جانب لا تكفف٣

стр. 175

فإذا ما قتل الشنفرى، ووقف تأبط شرا يرثيه، لم ينس تلك المراقب الشماء التي طالما ربض فوقها في انتظار فرائسه، فرائس الغزو وفرائس الثأر: ومرقبة شماء أقعيت فوقها ... ليغم غاز أو ليدرك ثائر١ وأما عند تأبط شرا فالمرقبة ذات صورة طريفة، إنها مرقبة تعلو سائر المراقب، وهي -إلى جانب هذا- معقدة ذات تجاعيد كأنها عجوز شمطاء عليها ثياب بالية، ولكنه -مع ذلك- ما إن ينتصف الليل حتى ينهض إليها ليبدأ في تنفيذ خططه: ومرقبة يا أم عمرو طمرة ... مذبذبة فوق المراقب عيطل نهضت إليها من جثوم كأنها ... عجوز عليها هدمل ذات خيعل٢ وأما ذو الكلب فالمرقبة التي يتربص فوقها بعيدة واسعة عالية ملساء، وهو متربص فوق حرفها طول يومه يخفي شخصه، حتى إذا حانت الفرصة تحدر فوقها وهو ما يزال متخفيا كما يتحدر الماء الصافي: ومرقبة يحار الطرف فيها ... تزل الطير مشرفة القذال أقمت بريدها يوما طويلا ... ولم أشرف بها مثل الخيال ولم يشخص بها شرفي ولكن ... دنوت تحدر الماء الزلال٣ وأما أبو خراش فالصورة التي يرسمها لمرقبته أشمل وأكثر تفصيلا، فهي مرقبة في نتوء مشرف من الجبل كأنه حد الفأس، يشرف على طريق ضيق كأنه النفق، يتسرب فيه الناس بعضهم في إثر بعض، وقد أقيم فوق هذا النتوء عرش يستظل المتربص تحته ويختفي فيه، ولكن هذا العرش قديم متهدم لم يبق منه إلا عودان أحدهما قائم والآخر ملقى على الأرض:

стр. 176

لست لمرة إن لم أوف مرقبة ... يبدو لي الحرف منها والمقاضيب في ذات ريد كذلق الفأس مشرفة ... طريقها سرب بالناس دعبوب لم يبق من عرشها إلا دعامتها ... جذلان: منهدم منها ومنصوب١ ولكن أبا خراش يختلف هنا عن زملائه شعراء المراقب، فهو لم يكن وحيدا فوق مرقبته، وإنما كان معه صاحب له، وهو معني بصاحبه أكثر من عنايته بنفسه، فهو صاحب حذر قوي النفس لم يرض لها أن يكون عبدا راعيا، وإنما آثر أن يكون صعلوكا عاملا، يتربص فوق المراقب في سواد الليل، رافضا تلك الراحة البغيضة التي ينعم بها الضعفاء الذين لا خير فيهم، ممن يؤثرون النوم والدفء على العمل والكفاح: بصاحب لا تنال الدهر غرته ... إذا افتلى الهدف القن المعازيب بغثته بسواد الليل يرقبني ... إذ آثر النوم والدفء المناجيب٢ ويمضي أبو خراش بعد ذلك مضيفا إلى صورة صاحبه خطين آخرين، فهو قائم فوق هذه المرقبة كأنه السهم، ثم هو سمح النفس على نحافته وقلة لحمه: يظل في رأسها كأنه زلم ... من القداح به ضرس وتعقيب سمح من القوم عريان أشاجعه ... خف النواشر منه والظنابيب٣

стр. 177

وأما صخر الغي -وإن لم يرد فيما بين أيدينا من شعره حديث عن المراقب- فإن حديثها قد ورد عنه في رثاء شاعر هذلي له هو أبو المثلم، حيث يصفه بأنه "رباء مرقبة"١ وأما عروة فصفة الزعامة لا تفارقه، فهو لا يقف ربيئا لأصحابه، وإنما يبعث أحدهم ليرقب لهم الطريق فوق المرتفعات، وهو يرسم في بعض شعره صورة لهذا الربيء، وقد وقف فوق مرقبة ثابتا لا يتحرك كأنما غرس فوقها، ولكن عينيه لا تستقران، فهو يقلبهما دائما في الفضاء الذي يحيط بهم، حيث أناخوا إبلهم، وأوقدوا مواقدهم يهيئون لأنفسهم طعاما: إذا ما هبطنا منهلا في مخوفة ... بعثنا ربيئا في المرابئ كالجذل يقلب في الأرض الفضاء بطرفه ... وهن مناخات ومرجلنا يغلي٢ التوعد والتهديد: كما تحدث الشعراء الصعاليك عن التربص والترصد تحدثوا عن التوعد والتهديد، حتى يجمعوا بين ركني الجريمة القانونيين: التربص وسبق الإصرار! وأكثر من يتوعدهم الشنفرى بنو سلامان، أولئك الذين أشربت نفسه بغضهم، والذين كانوا السبب المباشر لتصعلكه، والذين عاهد نفسه ليقتلن منهم مائة بما اعتبدوه٣. وهو يتوعدهم في شعره توعدا عنيفا، فيعلن لهم أنه -ما لم يحل الموت بينه وبينهم- لن يكف عن غزوهم، فالمسألة عنده مفروغ منها، وكل ما يرجوه أن يمد الله في أجله حتى يشفي غليله منهم حين يلاقيهم في عقر دارهم: فإلا تزرني حتفتي أو تلاقني ... أمش بدهو أو عداف بنورا أمشي بأطراف الحماط، وتارة ... ينفض رجلي بسيطا فعصنصرا أبغي بني صعب بن مر بدارهم ... وسوف ألاقيهم إن الله أخرا

стр. 178

ويوما بذات الرأس أو بطن منجل ... هنالك نبغي القاصي المتغورا١ وهو إذا كان يتأخر عن غزوهم أحيانا فليس هذا دليلا على أنه قد كف عنهم، وإنما هو يمهلهم إلى حين، وهو واثق من قدرته على غزوهم، فهو يعرفهم وهم يعرفونه، وأحب شيء إليه أن يُغير عليهم، وأن يقطع الطريق على سادتهم، وهو الخبير بطرق الصحراء ومسالكها، القدير على الاهتداء في مجاهلها: كأن قد، فا يغررك مني تمكثي ... سلكت طريقا بين يربغ فالسرد وإني زعيم أن ألف عجاجتي ... على ذي كساء من سلامان أو برد وأمشي لدى العصداء أبغي سراتهم ... وأسلك خلا بين أرفاغ والسرد هم عرفوني ناشئا ذا مخيلة ... أمشي خلال الدار كالأسد الورد كأني إذا لم أمس في دار خالد ... بتيماء لا أهدَى سبيلا ولا أهدِي٢ أما عمرو ذو الكلب فيعلن أعداءه بأن الصراع بينه وبينهم سيكون مريرا لا رحمة فيه، الويل فيه للمغلوب، وينذرهم بأنه لن يرحمهم إذا ظفر بهم، كما أنه لا يريد منهم رحمة إذا هم ظفروا به، فليكن الصراع بينه وبينهم عنيفا، وليغزهم برفاقه الصعاليك الشجعان الذين يختلف عددهم بين الواحد والجماعة، وهو -فوق ذلك كله- يتوعدهم بأنه لن يكف عن غزوهم حتى يقتلهم ويرمل نساءهم: فإن أثقفتموني فاقتلوني ... وإن أثقف فسوف ترون بالي فأبرح غازيا أهدى رعيلا ... أؤم سواد طود ذي نجال ويبرح واحد واثنان صحبي ... ويوما في أضاميم الرجال

стр. 179

بفتيان عمارط من هذيل ... هم ينفون آناس الحلال وأبرح في طوال الدهر حتى ... أقيم نساء بجلة بالنعال١ وأما تأبط شرا فقد كان أوسع ميدانا من ذي الكلب، فإنه لا يقنع بغير غزو خثعم وبجيلة وثمالة وهذيل، وهو يرد الفضل في هذا كله إلى قدميه اللتين أودع الله فيهما عذابا وشرا يصبهما عليهم: أرى قدمي وقعهما خفيف ... كتحليل الظليم حذا رئاله أرى بهما عذابا كل يوم ... لخثعم أو بجيلة أو ثمالة وشرا كان صب على هذيل ... إذا علقت حبالهم حباله٢ وهو لا يترك دم صديقه دون أن يثأر له، وإنما يهدد بالانتقام الشنيع، يقتل في الرجال، ويسبي النساء، فأكبر همه كما يقول "دم الثأر أو يلقى كميا مسفعا"٣، غاية ما في الأمر أن يحترم تقاليد مجتمعه الدينية، فيؤخر انتقامه حتى تنتهي الأشهر الحرم: فعدوا شهور الحرم ثم تعرفوا ... قتيل أناس أو فتاة تعانق٤ وهو في هذا الاحترام لمقدسات مجتمعه يخالف تلميذه الشنفرى الذي يُصرح في بعض شعره بأنه قتل قتيلا في أيام حجة وسط الحجيج المصوت بمنى: قتلنا قتيلا مهديا بملبد ... جمار منى وسط الحجيج المصوت٥

стр. 180

ومن أطرف ما نصادفه في هذا الباب توعد الصعلوك للصعلوك، وتأتي طرافته من أنه يمثل صراعا بين قوتين متكافئتين، ومن هنا كان حرص كل منهما على تجنب الاصطدام بالآخر من أخص ميزات هذا اللون من التوعد، ولكن هذا الحرص ليس جبنا، وإنما هو محاولة لتفادي الكارثة، ولهذا كان حديث الشاعر الصعلوك عن حرصه هذا مقرونا عادة بحديثه عن قوته، ومقدرته على التغلب على خصمه إذ إن أي ضعف يبدو منه في هذا الحديث قد يكون سببا في أن يدفع حياته ثمنا له، ولهذا كله كان توعد الصعلوك للصعلوك في شعر الصعاليك قليلا جدا، ولعل أصدق مثال لهذه "الحرب الباردة" بين الشعراء الصعاليك توعد صخر الغي الهذلي لتأبط شرا، أو ابن ترنى كما كان يلقبه، فهو في قصيدة له يصفه أولا بأنه يعاني صراعا نفسيا، سببه حقده عليه وعجزه عنه، ثم ينصحه ثانيا بأن يخفف من حدة هذا الصراع النفسي، ولكنه يحذره من أن يجعل وسيلته إلى ذلك الاصطدام به، فإنه لو فعل للقي حتفه لا محالة، ثم يعود فيخفف قليلا من حدة أسلوبه، فيمزج العنف باللين في حديث فيه لياقة وفيه دهاء، يجعل وسيلته إليه أن يشير إلى بعض الصفات المحمودة في خصمه، ويسأله ألا يكون سببا في الإساءة إليها: فإن ابن ترنى إذا جئتكم ... أراه يدافع قولا عنيفا قد افنى أنامله أزمه ... فأمسى يعض على الوظيفا فلا تقعدن على زخة ... وتضمر في القلب وجدا وخيفا ولا تقدمن على خطة ... تكون إذن لك حتفا ذفيفا ولا أبغينك بعد النهي ... وبعد الكرامة شرا ظليفا ولا أرفعنك رقع الصديـ ... ـع لاءم فيه الصناع الكتيفا١
следующие страницы →