يأخذوا بقسط وافر من الحضارة، والذين لم تهيئهم أمزجتهم أو ظروفهم الاقتصادية الضيقة للهجرة، يحلون مشكلة نقص موارد الطعام بالإغارة على حقول جيرانهم الأغنياء ومخازتهم، حتى لتملأ غارات النهب تاريخ سكان الجبال الفطريين"١، ويذكرون أن سكان الجبال القدماء في الألب وشمالي إسبانيا والبلقان وإيطاليا والمرتفعات المحيطة بالفراتين، كلهم قطاع طرق، يعيشون على النهب والسلب، نظرا لجدب بيئتهم الطبيعية وما تسببه لهم من قلة موارد العيش وما يتبع ذلك من فقر وجوع٢.
وهكذا لم تكن القبائل العربية التي أنزلت في المناطق الجدبة من سلسلة جبال السراة بدعا في تاريخ العالم.
ثم إن هذه المنطقة، ثالثا، بحكم طبيعتها الجبلية تيسر وسائل الهرب والاختفاء والنجاة لهؤلاء الصعاليك، فما أيسر ما يجدون في دروبها الملتوية، وشعابها المتعرجة، وطرقها الصاعدة الهابطة، فرصا طيبة تساعدهم على الهرب، وما أكثر ما يجدون في كهوفها المتعددة، وثناياها الغامضة المحجبة، وصخورها العالية المتناثرة، أماكن صالحة للاختفاء.
ففي أخبار تأبط شرا أنه أغار ومعه ابن براقة على بجيلة، فلما خرجت في آثارهما "مضيا هاربين في جبال السراة، وركبا الحزن"٣، وفي أخبار مرة بن خليف٤ أنه غزا الأزد، "فأسند في جبل لهم منكر، ليجد فرصة فيغير"٥.
ثم إن هذه المنطقة، رابعا، تعرضت لظروف اقتصادية خاصة، سنعرض لها عند تفسيرنا الاقتصادي لظاهرة الصعلكة.
وأشهر الصعاليك الذين انتشروا في هذه المنطقة الجبلية صعاليك فهم وصعاليك هذيل، ومن انضم إلى أولئك وهؤلاء من خلعاء القبائل وشذاذها.
стр. 72
وقد قدمنا أن قبيلة هذيل كانت تنزل من تلك المنطقة الجيال جنوبي مكة، وكان لهم صدور أوديتها وشعابها الغربية١ التي تلي الرملة من تهامة٢، وكانت تجاورهم في جبالهم فهم٣، وكانت سراة فهم تجاور سراة ثقيف٤ التي تقع إلى جانب الطائف٥.
وقد اتجهت أكثر غزوات صعاليك هذه المنطقة إلى ديار بجيلة، وهي إحدى القبائل التي عرفت بالضعف٦. ويبدو أن من أسباب هذا نزول بجيلة "في حضرة الطائف"٧ هذا الأقليم الشديد الخصب، ومجاورتها سراة فهم نتيجة لذلك. ولهذا نلاحظ أن تابط شرا الفهمي، ورفاقه من صعاليك فهم، ومن شذاذ القبائل الذين كانوا يصحبونه، كانوا مفتونين بالإغارة على هذه المنطقة، ففي أخباره أنه خرج في عدة من فهم "حتى بيتوا العوص، وهم حي من بجيلة، فقتلوا منهم نفرا، وأخذوا لهم إبلا"٨، وأنه أغار "ومعه ابن براق الفهمي على بجيلة فأطردا لهم نعما"٩، وأنه خرج ومعه صاحبان له "يريدون الغارة على بجيلة"١٠، و"أنه خرج غازيا يريد بجيلة فأخذوا نعما لهم"١١، وفي أخبار صعاليك هذيل أنهم كانوا يغزون بجيلة أيضا١٢.
وقد اتجهت غزوات صعاليك هذيل إلى منطقة مكة أيضا، بحكم قربهم
стр. 73
منها، ففي أخبار الأعلم الهذلي أنه خرج "هو وأخواه صخر وصخير حتى أصبحوا تحت جبل يقال له السطاع"١، وهو جبل بينه وبين مكة مرحلة ونصف من جهة اليمن٢، وفي أخبار بعض الصعاليك الهذليين أنهم كانوا يغيرون على خزاعة٣، وكانت خزاعة تقيم بمكة٤، ولكن يبدو أن للمسألة جانب آخر اقتصاديا سنحاول استجلاءه في تفسيرنا الاقتصادي لظاهرة الصعلكة.
وقد كانت بين هذيل وفهم ثارات٥، فكان صعاليك كل من القبيلتين يغيرون على الأخرى، فيتربص بهم صعاليكها، وهكذا. وبيدو أن سر المسألة يرجع إلى الصراع بين الطائفتين على أهداف واحدة، وقد رأينا أن صعاليك هذيل كانوا يغيرون على بجيلة، هدف صعاليك فهم الأول، ويبدو أن كلا من لطائفتين كانت تريد أن تكون لها وحدها السيطرة المطلقة على هذه المنطقة الخصبة.
أما منطقة اليمن فقد عرفت أجزاؤها القريبة من الحجاز، وبخاصة ديار خثعم، صعاليك من فهم وصعاليك من الأزد، ففي أخبار تأبط شرا أنه "أغار على خثعم"٦، وفي أخبار حاجز الأزدي أنه جمع "ناسا من فهم وعدوان، فدلهم على خثعم، فأصابوهم غرة وغنموا ما شاءوا"٧، وكانت خثعم تنزل تربة وبيشة وظهر تبسالة على محجة اليمن من مكة إليها٨، وهي منطقة خصبة "بها من النخل والفسيل شيء كثير"٩، وبعض أوديتها،
стр. 74
وبخاصة وادي بيشة، ينتمي إلى أطيب مناطق بلاد العرب، وأكثرها خصبا١، ويصف ياقوت بيشة بأنها "قرية غناء في واد كثير الأهل من بلاد اليمن"٢.
وكذلك تعرضت سراة الأزد لبعض الغزوات، فقد كان الشنفرى يغير من ديار فهم على الأزد فيمن معه من فهم أحيانا، ووحده أكثر الأحيان٣، وفي أخبار مرة بن خليف "أنه غزا الأزد"٤. ويبدو أن من أسباب ذلك أن سراة الأزد كانت تجاور سراة فهم، فسراة الأزد تتلو سراة فهم من ناحية اليمن٥، وإن تكن بينهما طائفة من السروات تنزلها قبائل أخرى٦، ولكن الأزد كانوا ينزلون منطقة خصبة، فقد كانت منازلهم "أودية مستقبلة مطلع الشمس بتثليث وتربة وبيشة"٧ وهي المنطقة التي كانت تنزل فيها خثعم، فقد كانت خثعم تنزل أوساط هذه الأودية٨.
أما مناطق اليمن البعيدة فقد تخصص في الإغارة عليها السليك، وقد مر بنا أن عمرو بن معديكرب وصفه بأنه بعيد الغارة، وفي أخباره أنه كان "يتجاوز بلاد خثعم إلى من وراءهم من أهل اليمن فيغير عليهم"٩، وفيها أنه كان "يغير على اليمن"١٠، وفيها أنه انطلق مع رجلين ليغيروا "فأتوا جوف مراد"١١، وجوف مراد في أرض سبأ١٢.
ومع ذلك فقد كان تأبط شرا يتعدى على اختصاص السليك فيغير على
стр. 75
هذه المنطقة أحيانا، ففي أخباره أنه خرج يوما "يريد الغارة فلقي سرحا لمراد فأطرده، ونظرت به مراد، فخرجوا في طلبه فسبقهم إلى قومه"١.
وكان السليك يعد العدة لتلك الغارات البعيدة التي يضطر معها إلى اختراق المفازة المهلكة التي توصل إلى اليمن، فكان، أولا، لا يغير إلا في الصيف حينما تنقطع إغارة الخيل٢، فيضمن بهذا عدم تعرضه لمطاردات الخيل البعيدة المدى، وهو لا يملك إلا قدميه يعدو بهما، ثم كان، ثانيا، يدير "موارد تموينه" في طريق غزواته الجدب، فكان "في الربيع يعمد إلى بيض النعام، فيملؤه من الماء، ويدفنه في طريق اليمن في المفاوز، فإذا غزا في الصيف مر به فاستأثره"٣، وكان يعتمد في هذا على خبرته الواسعة بمجاهل الصحراء، فقد كان -كما يصفه الرواة- "أدل من قطاة، يجيء حتى يقف على البيضة"٤.
والشيء الذي يلفت النظر في صعاليك هاتين المنطقتين الأخيرتين: منطقة السراة الممتدة من مكة حتى أول الطريق الصاعد إلى اليمن، ومنطقة السراة بعد ذلك حتى اليمن، هو أن أكثرهم -إن لم يكونوا جميعا- من العدائين الرجليين الذين يعدون على أرجلهم، فيسبقون الخيل، وقد رأينا أن المثل في سرعة العدو يضرب باثنين منهم هما السليك والشنفرى، وأن الأصمعي يذكر أن في هذيل وحدها أربعين من هؤلاء العدائين، ويذكر السكري "أن هذيلا ليسوا بأصحاب دواب، وإنما هم رجالة"٥، وديوان الهذليين ناطق بكثرة عدد هؤلاء العدائين الذين كانوا يعتمدون على العدو في غاراتهم وفي فرارهم، وتشهد بهذا أيضا حماسة البحتري٦.
стр. 76
ومرد ذلك، عندي، إلى أمرين:
أولهما: طبيعة المنطقة الجغرافية، فهي منطقة جبلية تمتد على طول الساحل الشرقي للبحر الأحمر، "مقبلة من قعرة اليمن حتى تبلغ أطراف بوادي الشأم"١ "في عرض أربعة أيام في جميع طول السراة، يزيد كسر يوم في بعض هذه المواضع، وقد ينقص مثله في بعضها"٢، وترتفع بعض ذراها إلى خمسمائة وألفين من الأمتار٣. وفي الجبال تشتد عضلات الأرجل إلى درجة غير عادية نتيجة لطبيعة الأرض، وما تستلزمه من صعود وهبوط دائمين، ويقرر الدارسون "أن الطبيعة تمنح سكان الجبال عضلات في سقانهم من حديد ليتسلقوا بها المرتفعات"٤.
والآخر: أن هذه المنطقة الجبلية المجدبة ليست بالمنطقة الصالحة لتربية الخيل؛ لأن الخيل لا تربى إلا في البقاع الخصبة٥، ومن هنا اعتمد هؤلاء الصعاليك على أقدامهم في كل تحركاتهم.
ولهذا السبب أيضا نلاحظ أن عروة وصعاليكه ممن كانوا يغيرون على منطقة نجد وشمالي الجزيرة العربية لم يذكر عنهم أنهم كانوا من العدائين أو الرجليين، وإنما كانوا يستخدمون الخيل أحيانا٦، وذلك لأن هذه المناطق مناطق خصبة تصلح لتربية الخيل، وهم يذكرون أن "في نجد وحدها أعز الخيول العربية وأرشقها"٧.
والواقع أن هذه الظاهرة، ظاهرة شدة العدو الخارقة للعادة ليست الأمر المستحيل الذي يأباه واقع الحياة، فإننا نجد في حياتنا الواقعية التي تحيط بنا
стр. 77
ما يؤيد ما حملته إلينا مصادر الأدب العربي القديم من أخبار تلك السرعة التي عرف بها صعاليك السراة.
ومرد المسألة في جميع هذه الحالات إلى تكيف الإنسان عضويا مع البيئة الطبيعية التي يعيش فيها، والحياة التي يحياها بينها.
стр. 78
الفصل الثالث: التفسير الاجتماعي لظاهرة الصعلكة
١- القبيلة:
حين ننظر إلى المجتمع الجاهلي في صورته العامة نرى أنه مجتمع قبلي، انقسم فيه العرب إلى وحدات اجتماعية متعددة، عرفت كل منها باسم القبيلة.
وقد نزلت كل وحدة من هذه الوحدات الاجتماعية في بقعة من الجزيرة العربية يتوافر فيها الماء والكلأ، واتخذت منها موطنا لها، فإذا ما ساءت ظروفها الجغرافية، فأحالت موطنها إلى بقعة جرداء غير صالحة للحياة، انتقلت منها إلى بقعة أخرى. أما إذا كان الموطن الأول أرضا ذات خصب دائم -نظرا لظروف جغرافية مواتية- فإن القبيلة تستقر فيه استقرارا دائما، وتنشئ فيه قرية. وقد نزلت بعض القبائل العربية في المدن القليلة المبعثرة في أرجاء الجزيرة، واتخذت منها مواطن لها، ولكن يجب أن نلاحظ أن هذه القبائل لم تفقد صورتها القبلية، فقد ظلت لكل منها "منازلها الخاصة، ومعاقلها الصغيرة، وساداتها، وشئونها الخاصة"١. ومرد ذلك إلى أن "رابطة القبيلة كانت أقوى من رابطة المدينة، حتى لقد تؤدي الثارات بين قبيلة وقبيلة إلى انقسام المدينة على نفسها"٢. ولكن هذه القبائل -مع ذلك- كانت أكثر استقرارا من قبائل البادية؛ لأن وسائل العيش في المدن لا تقع تحت رحمة
стр. 79
الظروف الجغرافية مباشرة، وإنما هي وسائل صناعية تخضع إلى حد بعيد لسيطرة الإنسان.
وهكذا نستطيع أن نقول إن القبيلة كانت الوحدة الاجتماعية التي عرفها المجتمع الجاهلي في باديته ومدنه.
وأساس تكوين القبيلة الأسرة، ذلك أن المثل الأعلى للعربي أن ينجب أكبر عدد من الأبناء الأشداء حتى تصبح أسرته بين أقاربه ذات شأن يجعلهم يعدونه شيخهم الأكبر، ويدعون أنفسهم أبناءه١، ومن هنا يصح أن يقال إن القبيلة ليست سوى أسرة أكبر حجما٢. "وبمضي الزمن تنقسم القبيلة إلى قبيلتين أو أكثر، تضم كل منها سلالة أحد أبناء الجد الأكبر متسمية باسمه، ثم تنقسم هذه القبائل مرة أخرى على أساس القاعدة نفسها، وهكذا يستمر الانقسام"٣.
وقد أثار بعض الباحثين المحدثين جدلا حول تسلسل القبيلة عن طريق الأب، أو ما يصح أن نطلق عليه "الانقسام الذكرى في القبيلة العربية"، وحاولوا أن يتلمسوا آثار الأمومة في أنساب القبائل العربية، ليثبتوا أن تسلسل القبيلة كان يحدث أحيانا عن طريق الأم٤، ولكن الشيء الثابت عند النسابين العرب هو أن كل القبائل العربية "قبائل أبوية تكونت بانقسام جماعة أصلية انقساما يعتمد على القرابة من ناحية الأصول الذكرية"٥، والذي يعنينا هنا هو أن أفراد كل قبيلة كانوا يؤمنون بأنهم أبناء لأب واحد، فهم يؤلفون أسرة واحدة قائمة بذاتها لا اختلاط فيها، متجانسة لا تباين بين أفرادها، متآلفة لا شذود بين أعضائها، يعمل الجميع في سبيل هدف واحد وهو المحافظة عليها.
وقد نشأ عن هذا الإيمان "بالأسرية" إيمان بوحدة اجتماعية تغلغل في نفوس أبناء القبيلة، نشأ عنه أن كان إحساسهم بالشذوذ في هذه الوحدة إحساسا قويا أصيلا. ومن هنا كان حرصهم على أن تظل هذه الوحدة قائمة كما هي، نقية كما آمنوا بها، يخرجون منها ما يرونه شوائب فيها، ولا يُبقون إلا ما هو صالح للمحافظة عليها، ولا يسمحون لغريب بأن يدخل في مجموعها إلا بشروط خاصة، ووفقا لتقاليد معينة، وداخل نطاق محدد، وسنرى أن هذه المسألة تحمل أول المفاتيح الاجتماعية لظاهرة الصعلكة.
стр. 80
٢- إيمان القبيلة بوحدتها:
عرفت القبيلة هذا الإيمان بالوحدة أمرا مقدسا، وترتبت عليه طائفة من التقاليد الاجتماعية كانت بمثابة "دستور" ينظم سياستها، ويحدد ما على أفرادها من واجبات وما لهم من حقوق.
والأساس الذي تقوم عليه نصوص هذا الدستور "العصبية" والمقصود بها "النعرة على ذوي القربى وأهل الأرحام أن ينالهم ضيم أو تصيبهم هلكة"١، أو هي إحساس الفرد برابطته القبلية، وواجب تأييد مصالحها، والعمل لها بكل ما يملك من قوة٢.
وينص هذا الدستور فيما يتصل "بالسياسة الداخلية للقبيلة" على أن أفراد القبيلة جميعا متضامنون فيما يجنيه أحدهم، أو -كما يقول المثل العربي القديم- "في الجريرة تشترك العشيرة"٣، وعلى أن هذا "العقد الاجتماعي" بين الفرد
стр. 81
وقبيلته قائم على أساس عاطفي بحت، ولا مجال للتفكير فيه١، وإنما هي النجدة التي تجيب دون أن تسأل٢، وهي نجدة عملية سريعة لا تحتمل انتظارا، إجابتها تنفيذها٣، وتنص "مواد" هذا الدستور على أن نجدة أبناء القبيلة لأخيهم واجبة سواء أكان جارما أن مجروما عليه، فمبدؤهم الذي يسيرون عليه "انصر أخاك ظالما أو مظلوما"٤، فجناية كل فرد منهم جناية المجموع، يعصبونها برأس سيد العشيرة٥، ولهم عليه أن يتحمل تبعاتها، وله عليهم أن يطيعوه فيما يأمرهم به.
وفي مقابل هذا الحق الذي كان للفرد على القبيلة، كان عليه واجب لها، عليه أن يحترم رأيها الجماعي، فلا يخرج عليه، ولا يتصرف تصرفا بدون رضاها، ولا يكون سببا في تمزيق وحدتها، أو الإساءة إلى سمعتها بين القبائل، أو تحميلها ما لا تطيق٦، ومن هنا "فرضت وحدة القبيلة، وتحمل المجموع لتبعات الفرد، على سادتها أن يمارسوا نوعا من الإدارة البوليسية، فإذا ارتكب فرد جرما رفضت القبيلة أن تتحمل نتائجه، وإذا أخطأ في حق قبيلته نفسها، فإنه يطرد منها"٧. ويسمى هذا الطرد خلعا، ويسمى
стр. 82
الطريد "خليعا"١.
ويحدث الخلع لأسباب متعددة، تدور كلها حول هذا الأساس، فقد يحدث أن يقتل أحد أفراد القبلة فردا منها، وهنا تجد القبيلة نفسها في موقف حرج، فالقاتل والمقتول كلاهما من أبنائها، ولكل منهما حق الحماية والنصرة. وهنا يضطر سادة القبيلة إلى أن يقوموا بدور الوسيط بين الفريقين، حتى لا يؤدي الأمر إلى انقسام القبيلة على نفسها، "فتجتمع جماعة من الرؤساء إلى أولياء المقتول بدية مكملة، ويسألونهم العفو وقبول الدية، فإن كان أولياؤه ذوي قوى أبوا ذلك، وإلا قالوا لهم: بيننا وبين خالقنا علامة للأمر والنهي، فيقول الآخرون: ما علامتكم؟ فيقولون: أن نأخذ سهما فنرمي به نحو السماء، فإن رجع إلينا مضرجا بالدم فقد نهينا عن أخذ الدية، وإن رجع كما صعد فقد أمرنا بأخذها"، ونتيجة هذا "الإجراء التمثيلي" معروفة طبعا، فما رجع ذلك السهم قط إلا نقيا، وهنا يمسح القوم لحاهم علامة للصلح، ويصالحون على الدية٢، وهكذا تحل المشكلة هذا الحل السلمي الذي يحفظ على القبيلة وحدتها. ولكن المشكلة تظل قائمة إذا رفض أولياء الدم الدية، وأصروا على الثأر، وهنا تحل المشكلة على أحد وجهين: إما أن يقتل القاتل بأيدي قومه، وإما أن تخلعه قبيلته٣، حتى تترك لأولياء الدم حرية التصرف
стр. 83
بدون أن تتعرض وحدتها للتداعي، أو يخلع هو نفسه، فيفر من قبيلته نجاة بحياته. وعلى كلا الوجهين تكون القبيلة قد تصرفت في حدود "دستورها" الذي ينص على أنه "يجب على أهل القاتل ألا يحموه إذا قتل أحدا من دمه"١، وذلك لأن رابطة القبيلة أقوى من رابطة الأسرة٢.
وقد يحدث أن تتعدد جرائر أحد أفراد القبيلة حتى تجد نفسها عاجزة عن نصرته؛ لأن في هذا تكليفا لها لا تطيقه، وعبئا ثقيلا عليها تنوء به، وتهديدا دائما لسلامتها، وإراقة لدماء أبنائها بدون مبرر، فتضطر إلى التخلص من هذا الفرد، مفضلة أن تضحي بفرد واحد على أن تضحي بجماعة من أفرادها، ملقية عليه تبعات جرائمه، يتحملها هو وحده، فتخلعه٣.
وقد يحدث أن يسوء سلوك أحد أفراد القبيلة من الناحية الخلقية، حتى يصبح وجوده بينها وصمة في جبينها، وسبة في مجدها وشرفها، وحطا من قدرها بين القبائل، فترى أنها أمام عضو فاسد لا يرجى إصلاحه، ضرره أكثر من نفعه، فتتبرأ من نسبته إليها، حرصا على سمعتها، وإبقاء على كرامة المجموع من أن يسيء إليها فرد، فتخلعه٤.
هذه أهم الجرائم التي كانت القبيلة تحكم على من يرتكبها من أفرادها بالخلع، وهي كلها تدور حول محور واحد، هو خروج الفرد على وحدة
стр. 84
القبيلة، وتصرفه تصرفا فرديا بدون رضاها أو الرجوع إليها، فتجد القبيلة نفسها أمام فرد "شاذ" خرج على إجماعها، ورفض السير في ركابها، وترى أنه بتصرفه هذا قد ترك لها حرية التصرف، وأنها أصبحت في حل من ذلك العقد الاجتماعي الذي يربطها به، فلم تعد مسئولة عما يفعل، فتتبرأ منه وتطرده من حماها، وتسحب منه "الجنسية القبلية"، وتعلن أنها قد خلعته، وأن صلته بها قد انقطعت، وحمايتها له قد انتهت، وتضامنها معه قد انحلت عقدته.
وكان هذا الخلع يتخذ صورة إعلان رسمي يذاع على الناس في المواسم والأسواق، ليكون في ذلك إشهاد لهم عليه١، وقد يبعثون مناديا بذلك٢، وقد يكتبون به كتابا٣، وبهذا تسقط حقوق الفرد على قبيلته "فلا تحتمل جريرة له، ولا تطالب بجريرة يجرها أحد عليه"٤.
وهنا يجد الخليع نفسه أمام مشكلة خطرة، هي مشكلة الحياة أو الموت. لقد سحبت منه "الجنسية القبلية"، ورفعت القبيلة عنه حمايتها، وطردته من حماها، ولم تعد أمامه إلا أحد أمرين: إما أن يفر إلى الصحراء ليلاقي مصيره في البادية القاسية فقيرا مفردا، لا اعتماد له على أحد، ولا على شيء، وإما أن يلجأ إلى من يحميه ويعيش في جواره، ومن هنا كانت نشأة قانون آخر من قوانين المجتمع الجاهلي، وهو "قانون الجوار"٥.
وقد قدس المجتمع الجاهلي هذا القانون تقديسا كبيرا، وكان مما يفخر به
стр. 85
العربي أن يكون ملاذا لكل خائف، وملجأ لكل طريد؛ لأن في ذلك اعترافا بقوته ومروءته وكرمه، وهي فضائل يعتز كل عربي بأن تُنسب إليه، حتى لقد اشتهر بعض أشراف العرب بإجارة الخلعاء وحمايتهم١.
وكانت الصلة بين الجار والمجير تختلف -بطبيعة الحال- وفقا للظروف، فكانت أحيانا مؤقتة، وكانت أحيانا أخرى دائمة، بل وراثية، وفي بعض الحالات كان المجير يتعهد بأن ينصر جاره على عدو معين فقط، وفي حالات أخرى كان يتعهد بإجارته من كل الأعداء، بل من الموت نفسه، وكان هذا يعني أن يدفع المجير إذا مات جاره، وهو في جواره، دية لأسرته٢، "وأقوى هذه الحالات على الإطلاق هي تلك التي يتعهد المجير لجاره بأن يثأر له حتى من أخيه الصميم"٣.
ومن هنا كان العرب يسمون جارهم هَدْيَهم أو هديّهم "يحرم عليه منه ما يحرم من الهدي"٤، وهي تسمية تشعرنا بتلك القداسة التي كانت للجوار في نفوس العرب، فهو عندهم شيء مقدس، كأنه قربان يتقربون به إلى الآلهة. ومما يلقي الضوء على هذه الفكرة أن بعض المكيين كانوا يقسمون على حمايتهم لجارهم في الكعبة، وكان هذا القسم يتخذ صورة إعلان عام،
стр. 86
ولا يستطيعون التحلل منه إلا في الكعبة أيضا١.
وفي مقابل هذه الحقوق التي كانت للجار، كانت عليه واجبات لمن أجاروه. وتتلخص هذه الواجبات في أن يحترم الجوار، ولا يسيء إلى من أجاروه، لا في أشخاصهم ولا في سمعتهم، لا في حياتهم المادية ولا في حياتهم المعنوية. فإذا ما رأت القبيلة ما يسيئها من جارها كان لها الحق في أن تخلعه، وتتحلل من التزاماتها له. ومن هنا كانت تتعدد استجارة الخليع بالقبائل في بعض الأحيان٢.
ومع ذلك فلم تكن حياة هؤلاء الخلعاء في جوار من استجاروا بهم طيبة دائما، فقد كان يحدث أحيانا أن يسيء المجير معاملة جاره، ويستغل تلك الظروف الحرجة التي يمر بها فيغدر به٣، وكان يحدث أحيانا أخرى أن يعجز المجير عن رد العدوان عن جاره، إما لضعفه وإما لعدم اهتمامه به٤. وعلى كل حال فحسب هؤلاء المستجيرين هوانا لنفوسهم أن ديتهم كانت نصف دية ابن القبيلة الصريح٥.
وحين نقف لنتأمل حياة هؤلاء المستجيرين نجد أننا أمام طائفتين: طائفة استقر بها المقام في القبيلة التي أجارتها، فاندمجت في مجتمعها، وطابت لها
стр. 87
الحياة الجديدة، وشاركت في ضروب نشاطها، وسلكت سبل العيش معها في هدوء واستقرار، وطائفة أخرى لم تزل في نفوسها بقية من تمرد، رفضت هذا الفناء الجديد في شخصية القبيلة التي أجارتها، فكانت حياتها فيها امتدادا لحياتها القديمة في القبيلة التي خلعتها.
ويخرج هؤلاء "الشذاذ"١ على حياتهم الجديدة، ليجدوا في الصحراء متسعا لنشاطهم المتمرد الذي لا يحتمله مجال القبيلة الضيق، وليشقوا طريقهم في الحياة بأسلوبهم الذي اعتادوا عليه، دون أن يعتمدوا على أحد سوى قوتهم، وأغراهم على هذا أنهم كانوا واثقين من أنهم "إذا أخفقوا فلن يعدموا أن يجدوا سيدا أو حيا يستقبلهم ويضمن لهم ملجأ"٢. ويبدو أن هؤلاء الشذاذ المتمردين كانوا ينظرون إلى القبائل التي يستجيرون بها على أنها "نقط ارتكاز" لنشاطهم، وإلى حياتهم فيها على أنها فترات راحة في حياتهم العنيفة.
وحين نعود إلى أخبار صعاليك العرب لننظر فيها على ضوء هذا "المصباح الاجتماعي" نجد أن طائفة كبيرة منهم من الخلعاء والشذاذ.
فقد كان قيس بن الحدادية "صعلوكا خليعا"٣ خلعته قبيلته خزاعة لأنه اشترك مع جماعة من أسرته في قتل أحد أفراد قبيلتهم، وعجزوا عن دفع الدية، ففروا هاربين، "فنزلوا في فراس بن غنم، ثم لم يلبثوا أن أصابوا أيضا منهم رجلا، فهربوا، فنزلوا في بجيلة على أسد بن كرز فآواهم، وأحسن إلى قيس، وتحمل عنهم ما أصابوا في خزاعة وفي فراس"٤ وفي خبر آخر أنه بعد خلعه "نزل عند بطن من خزاعة يقال لهم بنو عدي عمرو بن خالد،
стр. 88
فآووه وأحسنوا إليه"١. والظاهر أن هذا كان قبل استجارته ببني فراس.
وألف قيس بعد خلعه عصابة من صعاليك العرب جمع فيها "شذاذا من العرب وفتاكا من قومه"٢، ويغلب عليَّ الظن أن هؤلاء الفتاك هم أولئك الذين اشتركوا معه في حادثة القتل التي كانت سببا في خلعه. وكان أول ما فعلته هذه العصابة أن حاولوا الانتقام لأنفسهم من أولئك الذين كانوا سببا في خعلهم، فأغاروا عليهم وقتلوا منهم رجلا واستاقوا أموالهم٣، وهكذا أثبت لقومه الذين خلعوه أنه قادر على أن يقف في وجههم برغم أنه "خليع مطرد"، على حد تعبيره في بعض أبياته٤، وأنه لا يتورع عن قتل أي فرد من قومه وقف في طريقه، وأنه قادر على أن يسلبهم تلك الأموال التي كان حرمانه منها سببا في عجزه عن دفع الدية ثم في خلعه نتيجة لذلك. ومع ذلك فقد كان قيس نبيلا في موقفه من أولئك الذين لم يكن لهم ضلع في خلعه، فقد لحقه بعد هذه الغارة "رجل من قومه كان سيدا، وكان ضلعه مع قيس فيما جرى عليه من الخلع يقال له ابن محرق، فأقسم عليه أي يرد ما استاقه، فقال: أما ما كان لي ولقومي فقد أبررت قسمك فيه، وأما ما اعتورته أيدي هذه الصعاليك فلا حيلة لي فيه، فرد سهمه وسهم عشيرته"٥. وهكذا كان قيس الصعلوك "سيدا" في موقفه، فرق بين أولئك الذين كانوا سببا في خلعه وبين سائر عشيرته ممن لم يكن لهم يد في هذا الخلع، وفرق بين مركزه زعيما لعصابة لأفرادها حق في الغنيمة لا يجوز حرمانهم منه، وبين مركزه طالبا الانتقام من جماعة معينة.
وظل هذا الصعلوك المتمرد يجمع الخلعاء والشذاذ ويغير بهم، حتى قتل
стр. 89
وهو خليع قتلة كان فيها شجاعا حتى النهاية١، وقبل أن يوشك سراج حياته على الانطفاء تذكر تلك الحادثة التي كانت سببا في تلك الحياة القاسية التي عاشها طريدا مشردا، حادثة خلعه، فأخذ ينشد وهو يقاتل نشيدا فيه حسرة، وفيه شجاعة واعتداد بالنفس٢، حسرة على حياته التي ذهبت مع الريح، بعد أيام شباب جميلة قضاها في حمى القبيلة، في اللهو تارة، وفي الجد تارة أخرى٣، عضوا عاملا في مجتمع القبيلة، يدافع عنها، ويشيد بمفاخرها، ويهجو أعداءها٤، بل يقودها أحيانا في شجاعة إلى مواقع النصر٥.
وكذلك كان أبو الطمحان القيني من هذه الطائفة من الخلعاء الشذاذ، ولم تحدثنا أخباره عن سبب خلعه، ولكني أرجح أنه خُلع لسوء أخلاقه، ويصفه ابن قتيبة بأنه "كان فاسقا"٦، ويقدمه صاحب الأغاني بأنه "أدرك الجاهلية والإسلام فكان خبيث الدين فيهما"٧، ويصفه بعض رواة الأغاني بأنه "كان فاسقا خاربا"٨، وقد سئل عن "أدنى ذنوبه" كأنه كان معروفا بكبائره، فاندفع يقص في استهتار قصة ليلة ارتكب فيها أربع موبقات٩، فإذا كانت هذه أدنى ذنوبة فليس من شك في أنه كان مستهترا استهتارا فاضحا.
وقد تقلبت الأيام بأبي الطمحان تقلبا عنيفا، فقضى حياة مضطربة،
стр. 90
لم تكد تعرف طعم الاستقرار إلا في فترات متقطعة، متنقلا بين أحياء العرب مستجيرا بها، لا يكاد يستقر في جوار حتى يحدث ما يعيده إلى حياة الاضطراب مرة أخرى. وهو يشكو في شعره مر الشكوى من غدر من يستجير بهم:
أجد بني الشرقي أولع أنني ... متى أستجر جارا وإن عز يغدر
إذا قلت أوفى أدركته دروكة ... فيها موزع الجيران بالغي أقصر١
ويبدو أن شاعرنا الصعلوك كان سيئ الحظ مع جيرانه، فقد كان مجاورا في بطن من طيئ يقال لهم بنو جديلة، "فنطح تيس له غلاما منهم فقتله" فتعلقوا أبا الطمحان وأسروه حتى يؤدي ديته مائة من الإبل، فاستنجد بنزيله، مصورا في أبيات له ذل موقفه، وحسرته على بعده عن قومه٢
ويشاء سوء حظه مرة أخرى أن تقتتل طيئ فيها بينها، وتتحزب حزبين، وينهزم حزب جديلة الذي كان مجاورا فيهم، ويؤسر أبو الطمحان في هذا القتال "أسره رجلان من طيئ واشتركا فيه"، فاشتراه منهما أحد أفراد القبيلة، بعدما بلغته أبيات له يمدح فيها قومه، فمدحه أبو الطمحان بقصيدة، فجز الطائي ناصيته وأعتقه٣، وهكذا أنقذه شعره من سوء حظه مرتين.
وحدث أنه استجار مرة بعد الله بن جدعان التيمي، فعدا عليه قوم من بني سهم ونهبوا إبله كلها، فأتى عبد الله بن جدعان يستصرخه، ولكنه لم يستطع أن ينصره؛ لأنه لم يكن فيه ولا في قومه قوة ببني سهم، فأنشد أبو الطمحان أبيات يحن فيها إلى وطنه وأهله وأيامه بينهم، ويندب سوء حظه، ثم ارتحل عنهم٤.
стр. 91
ويبدو أن سوء حظه مع جيرانه قد فارقه بعد ذلك، فقد نزل على الزبير بن عبد المطلب بن هاشم بمكة، فطال مقامه لديه، ولكنه كان كثير الشوق إلى أهله، شديد الحنين إليهم، فاستأذن الزبير في الرجوع إليهم، "وشكا إليه شوقا لهم فلم يأذن له، وسأله المقام، فأقام عنده مدة"، ثم عاوده الحنين مرة أخرى، فأتاه وأنشده أبياتا يصور فيها هذا الحنين الجارف، فلما أنشده إياها أذن له فانصرف١.
ولكن يظهر أن تمرد أبي الطمحان لم يفارقه بعد ذلك، فقد جنى جناية وهرب من بلاده، "ولجأ إلى بني فزارة، فنزل على رجل منهم يقال له مالك بن سعد أحد بني شمخ، فآواه وأجاره، وضرب عليه بيتا، وخلطه بنفسه، فأقام مدة، ثم تشوق يوما إلى أهله وقد شرب شرابا ثمل منه، فقال لمالك: لولا أن يدي تقصر عن دية جنايتي لعدت إلى أهلي، فقال له: هذه إبلي فخذ منها دية جنايتك، وازدد ما شئت، فلما أصبح ندم على ما قاله، وكره مفارقة موضعه، ولم يأمن على نفسه"، فأتى مالكا وأنشد أبياتا يمدحه فيها مدحا قويا، هو من غير شك صادر من أعماق نفسه، يصور تقديره لذلك السيد النبيل، ويصرح له فيها بأنه قرر البقاء في جواره، فقد أصبح كأنه واحد منهم:
وقد عرفت كلابكم ثيابي ... كأني منكم ونسيت أهلي
"فقال مالك: مرحبا فإنك حبيب ازداد حبا، إنما اشتقت إلى أهلك، وذكرت أنه يحبسك عنهم ما تطالب به من عقل أو دية، فبذلت لك ما بذلت وهو لك على كل حال، فأقم في الرحب والسعة، فلم يزل مقيما عندهم حتى هلك في دارهم"٢ بعد أن امتدت به الحياة حتى بلغ أرذل العمر٣.
стр. 92
وهكذا قضى هذا الصعلوك السيئ الحظ حياته الطويلة مشردا حتى تداركته يد هذا السيد النبيل في أخريات أيامه، ولكن أمنيته الكبرى -مع ذلك- لم تتحقق، فقد قُضِي عليه أن يموت بعيدا عن أهله الذين طالما استبد به الحنين إليهم.
هذه هي الصورة التي استطعت أن أكونها عن هذا الجانب من حياة أبي الطمحان من مجموعة أخباره القليلة المتناثرة التي لم تحاول مصادرها أن ترتبها ترتيبا يعطينا صورة كاملة متصلة لحياته الطويلة المضطربة، وهي صورة شخص "بوهيمي" قلق، مفرط الحساسية، قوي العاطفة، سيئ الحفظ، لولا أن تداركته العناية الإلهية في أخريات أيامه، فأدرك الإسلام، وأسلم، وإن لم ير النبي صلى الله عليه وسلم١، ولكنه ظل خبيث الدين في إسلامه، كما كان خبيث الدين في جاهليته.
стр. 93
٣- إيمان القبيلة بجنسها:
كما آمنت القبيلة بوحدتها هذا الإيمان العميق الذي ترتب عليه ظهور هذه الطائفة من التقاليد الاجتماعية التي تحدثنا عنها، آمنت بجنسها، وذلك لأن من الأسس التي قامت عليها القبيلة العربية إيمان أبنائها "برابطة الدم"، أي أنهم جميعا من دم واحد.
وقد أثار بعض المستشرقين تشكيكا في "رابطة الدم" هذه: أهي رابطة حقيقية أم رابطة مدعاة؟ ١ وليس يعنينا هنا هذا التشكيك؛ لأن مناقشته والانتهاء إلى رأي فيه إنما تكون في مجال دراسة أصول القبائل العربية وأنسابها، وليس هنا مجال هذه الدراسة، وإنما الذي يعنينا هنا هو أن "كل الأفراد الذين ينتمون إلى قبيلة واحدة كانوا يعدون أنفسهم من دم واحد"٢، وأنهم جنس واحد، متشابه العناصر والمقومات، لا يختلف أفراده إلا بمقدار ما يختلف أبناء الأسرة الواحدة، بل إن بعض الباحثين المحدثين يرى أن أفراد الحي الواحد من القبيلة كانوا لا يعدون أنفسهم من "دم واحد" فحسب، ولكن من "لحم واحد" أيضا، ومن ملاحظاته التي يؤيد بها رأيه ما تستعمله اللغة العربية من لفظة "اللُّحمة" في التعبير عن معنى القرابة٣، ولعل فيما عبر به العرب عن بعض أشكال جماعاتهم بالبطن والفخذ ما يصور ذلك الإحساس الذي كان يحسه العربي بتلك الصلة "الجسدية" التي تربطه بجماعته.
وقد نشأ عن هذا الإيمان بوحدة الجنس في نفوس أبناء القبيلة إيمان بامتيازه، فقد آمنوا بأنهم جنس ممتاز لا تفضلهم قبيلة أخرى٤، وهم يفضلون كل القبائل٥، آباؤهم أشرف آباء٦، وأمهاتهم أكرم أمهات٧، وهم أجدر الناس بأن يكونوا خير الناس٨، ولعل في هذا الإيمان بامتياز الجنس ما يفسر
стр. 94
تلك المنافرات التي امتلأت بها أخبار العصر الجاهلي، وذلك الفخر الذي تدوي أصداؤه في قصائد شعرائه. ومما شجع على هذا الإيمان بامتياز الجنس في نفوس أبناء القبيلة صلات العداوة بين القبائل المختلفة التي كانت تسيطر على الحياة الاجتماعية في العصر الجاهلي، فقد "كانت كل قبيلة تؤلف وحدة مناوئة لكل القبائل الأخرى"١.
وقد نشأ عن هذا "الإيمان بوحدة الجنس وامتيازه" طائفة من التقاليد تنظم العلاقات بين الطبقات الاجتماعية في القبيلة.
والناظر في تكوين القبيلة الاجتماعية يستطيع أن يميز ثلاث طبقات اجتماعية: الصرحاء، والعبيد، والموالي.
أما الصرحاء فهم في عرف القبيلة أبناؤها ذوو الدم النفي الذي لا تشوبه شائبة، الذين ينتمون جميعا إلى أب واحد، والذين تتمثل فيه العصبية القبلية بأقوى معانيها. ومنهم تتكون الطبقة "الأرستقراطية" في القبيلة، وفيهم رياستها، وبيوتات الشرف فيها. وتعتمد هذه "الأرستقراطية" أول ما تعتمد على النسب٢، ومن هنا كان حرص هذه الطبقة على أن يظل دمها نقيا، وعلى أن تجمع الشرف من "كلا طرفيه": الآباء والأمهات، فلا يكون في أحد طرفي الشرف ما يشينه٣.
وأما طبقة العبيد فقد كانت تتألف من عنصرين: عنصر عربي، وهم أولئك الأسرى الذين كانوا يقعون في أيدي القبيلة في حروبها مع القبائل الأخرى، وعنصر غير عربي، وهو أولئك الرقيق الذين كانوا يجلبون من البلاد المجاورة للجزيرة العربية.
стр. 95
وقد قلنا إن الصلات بين القبائل العربية كانت صلات خصام، ومن هنا كانت الحرب دائما قائمة بينها، "وكان سبي الرجال والنساء على السواء أمرا أساسيا في كل غارة"١، ومن الطبيعي أن يكون تعرض النساء للسبي أكثر من تعرض الرجال٢، فإن ضعف المرأة في هذه الحالة من الصراع المستمر في الجزيرة العربية يجعلها دائما في مركز الضحية٣. وبقدر ما كان العربي يأنف من قتل سبيته لما فيه من نزول بمروءته، كان حرصه على سبي أكثر عدد ممكن من النساء لأن في هذا إهانة لأعدائه. وقد كان يحدث أحيانا أن يفاجأ كل نساء الحي، وهم خلوف، فيؤخذن سبايا٤. ومن هنا "كانت حماية النساء والأطفال خطة أساسية في فنهم الحربي"٥، ومن هنا أيضا كانت المقدرة على حماية "الظعينة" عنصرا أساسيا من عناصر البطولة العربية جعلهم يطلقون على بعض أبطالهم لقب "حامي الظعينة" أو "فارس الظعينة"٦.
وقد كان يحدث أحيانا أن تبيع القبيلة أساراها، فقد اشتعلت حرب بين لحيان وخناعة "فكان بعضهم لا يزال يغزو بعضا، فإذا أصابت بنو لحيان من خناعة أحدا باعوه"٧، وكان زيد بن حارثة مولى رسول الله ﷺ من قضاعة "أصابة سباء في الجاهلية لأن أمه خرجت به تزور قومها
стр. 96
بني معن، فأغارت عليهم خيل بني القين بن جسر فأخذوا زيدا، فقدموا به سوق عكاظ، فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة بنت خويلد، وقيل اشتراه من سوق حباشة"١، وكانت أم عمرو بن العاص "من بني عترة أصابتها رماح العرب فبيعت بعكاظ"٢، وفي أخبار خناعة أنهم أسروا سيدا من سادة العرب "فباعوه بمكة"٣.
ومن هذا نرى أن بيع القبائل العربية لأساراها كان منتشرا في أسواق مكة بالذات، ويرينا ديوان الهذليين أنه كانت بمكة تجارة منتظمة في الرقيق تروجها الحروب التي كانت لا تنقطع بين القبائل المجاورة٤. وكان يحدث أحيانا أن يرد إلى أسواق مكة رقيق من أسرى العرب من المناطق البعيدة عنها، فقد كان أبو صهيب، سنان بن مالك، ينزل بأرض الموصل عاملا لكسرى على الأبلة، "فأغارت الروم على تلك الناحية فسبوا صهيبا، وهو غلام صغير، فنشأ بالروم، فابتاعته كلب منهم، ثم قدمت به مكة فاشتراه عبد الله بن جدعان"٥.
أما العنصر الآخر الذي شارك في تكوين طبقة العبيد في القبيلة العربية، وهو العنصر غير العربي، فقد كان مصدره البلاد المجاورة لجزيرة العرب كالحبشة وما حواليها من الأمم، فكان تجار الرقيق يحملون العبيد والإماء من هذه البلاد إلى جزيرة العرب يبيعونهم في أسواقها بالمواسم٦، ولم يكن ينظر إلى المسألة من جانبها الإنساني، وإنما هي تجارة كسائر التجارات تتخذ منها القبائل وسيلة للربح، فقد "كانت قريش تتجر بالرقيق مثل إتجارها بسائر
стр. 97
السلع١ وكانت هذه التجارة منتشرة بالذات في بني تميم٢، وكان عبد الله بن جدعان التميي رئيس قريش في حرب الفجار من أشهر تجار الرقيق في الجاهلية٣.
وكان هؤلاء الأرقاء المجلوبون كثيرين في المجتمع الجاهلي، وكان كل شريف من أشراف العرب يحرص على ألا يخلو منزله منهم، فقد كان لعبد الله بن أبي ربيعة مثلا عبيد من الحبشة يتصرفون في جميع المهن، وكان عددهم كبيرا، حتى لقد عرض على النبي ﷺ أن يستعين بهم في عزوة حنين٤.
وأما الطبقة الثالثة في المجتمع القبلي، وهي طبقة الموالي، فقد كانت تتألف من العتقاء، ومن العرب الأحرار الذين لجئوا إلى القبيلة من قبائل أخرى، وعاشو في حمايتها، أو حماية رئيسها أو بعض ذوي النفوذ فيها٥.
أي أن طبقة الموالي في القبيلة العربية كانت ترجع إلى أصلين: أحرار، وعبيد، أما الأحرار فهم أولئك اللاجئون إلى القبيلة، أو إلى أحد أفرادها، من خلعاء القبائل، طالبين الحماية والنصرة، وكانوا يسمون أحيانا "الحلفاء"، وأما العبيد فهم أولئك الذين أعتقهم سادتهم من نير الرق فظلوا مرتبطين بهم برابطة الولاء٦.
وهذه الطبقة كانت تؤلف طبقة مكانتها الاجتماعية بين الطبقتين السابقين،
стр. 98
فالمولى عند العرب وسط بين العبد والحر١ "وأحط منزلة من الحر وأرفع من العبد"٢.
آمنت القبيلة العربية بهذه الطبقات الاجتماعية، وعرفت لكل طبقة منزلتها، وما لها من حقوق، وما عليها من واجبات، وتعارفت على الصلات التي تكون بين أفراد كل طبقة وأفراد الطبقتين الأخريين.
وما أظن أننا في حاجة إلى القول بأن طبقة العبيد كانت في حالة اجتماعية سيئة في هذا المجتمع الأرستقراطي٣ الذي يؤمن بوحدته وبجنسه إيمانا عميقا، والذي يمثل العنجهية الجاهلية بكل ما فيها من معاني الطغيان والجبروت والاستبداد أقوى تمثيل، حتى لنجد أن هذه الطبقة كانت من أسرع الطبقات استجابة إلى دعوة الإسلام الذي ضمن لهم حقوقهم، ونظم علاقاتهم بساداتهم تنظيما إنسانيا عادلا، والذي أتاح لهم فرصا كثيرة للعتق والتحرر. وليس من شك في أن حياة هذه الطبقة كانت سلسلة من الذل، تبدأ منذ أن يشتري السيد عبده، ويقوده إلى منزله ليتصرف فيه كيف شاء. ولم يكن يعهد للعبيد إلا بتلك الأعمال التي يأنف السادة من القيام بها، وهي تلك التي سميناها "الأعمال الفرعية في المجتمع القبلي"، فإذا مات السيد ورث ورثته عبيده كما يرثون سائر متاعه إلا إذا كان قد أوصى لهم بحريتهم بعد موته٤.
ومع ذلك، ومع حرص العربي على الشرف في كلا طرفيه، كان يحدث أحيانا أن يتزوج العربي من أمته، ولكن المجتمع الجاهلي كان يرى في هذا الزواج زواجا غير متكافئ، ومن هنا أطلق على ثمرته اسما خاصا، فسمى ابن العربي من الأمة "هجينا"٥، ومن الطبيعي ألا ينظر إلى هذه الصلة
стр. 99
نظرة احترام، فقد كانت كل أمة عندهم تدعى فرتنى أو ترنى١، وكانت طبقة العاهرات تتألف عادة من الإماء أو ممن أعتق منهن٢، ولم يكن العربي يعرف لهؤلاء الإماء "مساواة في الحقوق ولا مساواة في المعاملة"٣.
ويبدو أن المسألة لم تكن أكثر من نزوة جنسية، فقد كان أبغض ما يبغضه العربي أن تلد أمته منه٤، ومن هنا كانوا يستعبدون أولاد إمائهم٥، ويرفضون الاعتراف بهم إلا إذا أبدوا نجابة ممتازة، فإنهم حينئذ يلحقونهم بنسبهم٦.
وكان أسوأ هؤلاء الهجناء حظا، وأوضعهم منزلة اجتماعية، أولاد الإماء السود الذين سرى إليهم السواد من أمهاتهم، فقد كانوا سبة يعير بهم آباؤهم٧. ومرد ذلك من غير شك إلى ظاهرة اللون، فقد كان العرب يبغضون اللون الأسود بقدر ما يحبون اللون الأبيض، وقد وصفوا كل شيء ممدوح عندهم ماديا كان أو معنويا بالبياض٨، وكان مما يمدح به الرجل أو يفتخر به أنه أبيض٩،
стр. 100
ومن سمات جمال المرأة أن تكون بيضاء١، وهو أيضا دليل على شرفها، فقد كان مما يمدح به الرجل أنه ابن بيضاء٢، بل إنهم كانوا يفخرون بأن سباياهم من النساء البيض٣. ومن هنا أطلقوا على هؤلاء السود اسما خاصا تمييزا لهم من سائر إخوانهم الهجناء، فسموهم "الأغربة" تشبيها لهم بذلك الطائر البغيض المشئوم في لونه الأسود٤، ونسبوهم في أكثر الحالات إلى أمهاتهم٥.
ويخرج هؤلاء "الأغربة" إلى الحياة، وقد وسمتهم الطبيعة بذلك اللون الذي يبغضه مجتمعهم، والذي لا بد لهم فيه، ولا خروج لهم منه، فإذا هو يحول من البدء دون أن يعترف بهم آباؤهم، ثم إذا هو بعد ذلك يقف صخرة تتحطم عليها آمالهم في أن يشاركوا في الحياة الاجتماعية كما يشارك غيرهم، ولا يهيئ لهم إلا فرصة ضيقة للحياة على هامش المجتمع حياة ذليلة محتقرة يخدمون فيها سادتهم ويقومون لهم بتلك الأعمال الفرعية التي يأنفون هم من القيام بها، أما الأعمال الأساسية فلا يقوم بها إلا أبناء الحرائر٦، فما يحسن هؤلاء الأغربة أولاد الإماء السود غير "الحلاب والصر" كما يقول أحدهم
стр. 101
-عنترة بن زبيبة الأمة السوداء- في سخرية لاذعة من تلك الأوضاع الاجتماعية التي وضعها السادة البيض وآمنوا بها١.
ومع ذلك فقد يبدي أحد هؤلاء الأغربة امتيازا في ناحية من النواحي، فتشعر القبيلة أنها أمام فرد تستطيع أن تنتفع به، فيمحو هذا الامتياز عنه معنويا سواد لونه، فيعترف به أبوه، وتعمل القبيلة على تقريبة من مركز الدائرة، ليقوم بدوره في أعمال القبيلة الأساسية، كما حدث لعنترة الذي أصبح بعد اعتراف أبيه به، لشجاعته الفائقة في دفاعه عن قبيلته، عنترة بن شداد العبسي٢.
ولكن لم تكن الفرصة التي أتيحت لعنترة بالتي تتاح لكل أولئك الأغربة الذين كان يغص بهم المجتمع الجاهلي٣، كما أن منهم من كان يرفض تلك الحياة "الهامشية"، ويتمرد على ذلك الوضع الاجتماعي الذليل المحتقر الذي فرض عليه؛ لأن لديه من القوة النفسية ما يجعله يرفض قبوله، ومن القوة الجسدية ما يمكنه من رفع راية العصيان في وجه هؤلاء السادة٤. وقد خرج هؤلاء الأغربة الأقوياء على أوضاع القبيلة، ورفضوا الحياة الذليلة التي فرضتها عليهم، وخرجوا من حماها، ليشقوا طريقهم في الحياة بالأسلوب الذي يضمن لهم حياة كريمة حرة تعتمد على القوة في سبيل الحصول على الحق. ومن هؤلاء
стр. 102
الأغربة المتمردين تألفت جماعات من صعاليك العرب.
وحين نعود إلى شعرائنا الصعاليك لننظر إليهم في ضوء هذا "المصباح الاجتماعي" نجد أن طائفة منهم تألفت من هؤلاء الأغربة.
فالسليك بن السلكة١ السعدي يصفه ابن قتيبة بأنه "أحد أغربة العرب وهجنائهم وصعاليكهم"٢، ويصفه المبرد بأنه "كان من غربان العرب"٣، ويصفه النيسابوري بأنه كان أسود٤، ويقدمه ابن قتيبة في أول ترجمته بأنه "منسوب إلى أمه"٥، ويترجم له ابن حبيب في كتابه "من نسب إلى أمه من الشعراء"٦، ويصفها ابن قتيبة بأنها "كانت سوداء"٧، ويصفها المفضل بأنها "كانت أمة سوداء"٨، وكذلك يصفها النيسابوري٩، ويذكر عنها المبرد أنها "كانت سوداء حبشية"١٠، ويضعه ابن حبيب بين "أبناء الحبشيات"١١.
وتأبط شرا من هذه الطائفة أيضا يضعه صاحب لسان العرب نقلا عن ابن سيده عن ابن الأعرابي بين أغربة العرب، وكذلك يفعل صاحب تاج العروس نقلا عن التهذيب والمحكم ولسان العرب١٢، ويضعه ابن الأعرابي في
стр. 103
نوادره بين أغربة الجاهلية١، ويذكر FRESNEL أنه ابن أمة٢، ويذكر صاحب الأغاني أن اسمها أميمة٣، ولكنه يقول "يقال إنها من بني القين بطن من فهم"٤، ولعل في هذا التشكيك الذي تثيره صاحب الأغاني حول نسبتها إلى بني القين ما يقلل أهمية هذا الخبر. ومن الحق أن المصادر التي تعرضت لتأبط شرا، ما عدا تلك المصادر التي ذكرته بين أغربة العرب، لم تذكر شيئا صريحا عن أصل أمه، على كثرة ما تعرضت لها، ولكن من الحق أيضا أن هذه المصادر صورتها في صورة امرأة غير محترمة، تؤخذ بول ابنها إذا غزا٥، وتسعى في قتله ليخلو لها الجو مع زوج تزوجها بعد أبيه٦، وتتحدث هي نفسها بأنها حملت به في ليلة ظلماء وإن نطاقها لمشدود٧، وتحدثنا أخبارها بأن أولادها الخمسة كانوا يحملون ألقابا عجيبة تعطينا فكرة عن هوان المنزلة الاجتماعية لهذه الأسرة٨.
ومن الطبيعي أن تكون صلة هؤلاء الأغربة بأمهاتهم أقوى من صلتهم بآبائهم، وقد رأينا أن أكثرهم قد نسبوا إليهن، وهي ظاهرة يصح أن نطلق عليها "العصبية النسائية في حياة أغربة العرب". ومرد هذا من غير شك إلى إنكار آبائهم لهم منذ أول حياتهم، وإهمالهم شأنهم بعد ذلك، فنشئوا في رعاية أمهاتهم، أو في إهمالهن، لا يرون لهم أحدا سواهن، فتعصبوا لهن وتعصبن لهم، ويصرح
стр. 104
السليك بأن رأسه قد شاب مما تقاسيه خالاته من ضيم وهون ومذلة يعجز لفقره عن إنقاذهن منها١، وهو يذكر هذا في مجال دفاعه عن تصعلكه وفخره به، مما يشعر بأن هذه "العصبية النسائية" كانت من الأسباب الفعالة في هذا التصعلك. وتتحدث أم تأبط شرا عن ابنها حديث المعجبة به، فقد حكى عنها أنها قالت فيه: "إنه والله شيطان، ما رأيته قط مستثقلا ولا ضحكا، ولا هم بشيء مذ كان صبيا إلا فعله"٢، وتتحدث عنه مرة أخرى حديثا تبين فيه كيف حملت به، وكيف وضعته، ومدى اهتمامها بتنشئته منذ طفولته الأولى تنشئة قوية٣.
ومن هنا أيضا كثر رثاء قريبات هؤلاء الأغربة لهم، وحديثهن عن حزنهن عليهم، فقد رثت السليكة ابنها السليك بأبيات رائعة تفيض حزنا وتفجعا، تصور فيها مصابها الشديد فيه، وحسرتها البالغة عليه٤، ورثت أم تأبط شرا ابنها بقطعتين مسجعتين لعلهما تمثلان مرحلة من مراحل أولية الشعر العربي، لم تنس فيهما أن تصور بطولته وشجاعته٥، وكذلك فعلت أخته ريطة
стр. 105
فقد رثته برجز تحدثت فيه عن مكارم أخلاقه١، وكذلك فعلت أخت حاجز الأزدي، فقد رثته ببيتين تصور فيهما حسرتها على فقده، وحيرتها لاختفائه٢، ورثت عمرا ذا الكلب٣ أخته جنوب بمجموعة من القصائد الممتازة٤.
وقد انضمت هذه الطائفة من الصعاليك الأغربة إلى الطائفة السابقة من الصعاليك الخلعاء والشذاذ، ليشتركوا جميعا في العمل ضد هذا المجتمع الذي فقدوا توافقهم الاجتماعي معه، إما لأنه تخلى عن رعاتيهم كما في حالة الأغربة، وإما لأنه تخلى عن حمايتهم كما في حالة الخلعاء الشذاذ.
стр. 106
٤- الصعاليك والمجتمع القبلي:
الظاهرة المهمة التي تلفت النظر في حياة صعاليك العرب الاجتماعية هي فقد الإحساس بالعصبية القبلية التي كانت قوام المجتمع الجاهلي، وتطورها في نفوسهم إلى "عصبية مذهبية". وهي ظاهرة من السهل تعليلها بعدما فهمنا الظروف الاجتماعية التي وجد فيها هؤلاء الصعاليك، فأما الخلعاء والشذاذ فقد تخلت قبائلهم عنهم، وسحبت منهم "الجنسية القبلية"، فكان من الطبيعي أن يفقدوا إيمانهم بكل معاني القبلية، وأن يكفروا بتلك العصبية القبلية التي لم يعد لها قيمة في حياتهم، بل قد ينقلبون انقلابا تاما فتصبح صلتهم بقبائلهم صلة عداوة، فيوجهون غزواتهم إليها، كما فعل قيس بن الحدادية لما خلعته قبيلته، فجمع لهم "شذاذا من العرب، وفتاكا من قومه، وأغار عليهم بهم"١، فنحن هنا أمام حالة شاذة في المجتمع الجاهلي، يغير فيها بعض القبيلة على بعضها. وأما الأغربة فقد أدركوا أن قبائلهم لا تكاد تعترف بهم، بل تكاد تنكر صلتها بهم، فلم يكن هناك إذن ما يوجب حرصهم على تلك العصبية القبلية لأنها مرفوضة من جانب القبيلة.
وحين ننظر في أخبار صعاليك العرب نلاحظ هذه الظاهرة واضحة تماما، وقد رأينا في غارة قيس بن الحدادية على قومه أنه ألف جماعته من شذاذ من العرب وفتاك من قومه. وفي أخبار حاجز الأزدي أنه جمع "ناسا من فهم وعدوان فدلهم على خثعم، فأصابوهم غرة وغنموا ما شاءوا"٢، فهو أزدي وهم من فهم وعدوان. وكان الشنفرى الأزدي يغير أحيانا على الأزد فيمن معه من فهم٣، فهو أزدي يتزعم جماعة من فهم، دون أن يجد الفهميون في ذلك غضاضة، وهو يتزعمهم ليغير بهم على قبيلته، دون أن يجد هو في ذلك عارا. وفي أخبار امرئ القيس أنه بعد أن طرده أبوه "كان يسير في أحياء العرب ومعه أخلاط من شذاذ العرب من طيئ وكلب وبكر"٤، فنحن هنا أمام جماعة من الصعاليك تألفت من ثلاث قبائل مختلفة.
ولعل السليك هو الشذوذ الوحيد لهذا الشذوذ، فقد "كان لا يغير على مضر، وإنما يغير على اليمن، فإذا لم يمكنه ذلك أغار على ربيعة"٥، بل إن المسألة عنده لم تقف عند هذا الجانب السلبي، بل كانت أحيانا تتعداه إلى جانب إيجابي يستخدم فيه مواهبه صعلوكا في سبيل قبيلته، ففي بعض أخباره
стр. 107
أنه رأى طلائع جيش لبكر بن وائل جاءوا ليغيروا على تميم، فاستغل سرعة عدوه لينذر قومه حتى لا يؤخذوا على غرة١.
ولكن من المهم أن نلاحظ أن العصبية القبلية قد تطورت في نفس السليك من عصبية ضيقة الأفق إلى عصبية ذات أفق واسع، ترتفع عن العصبية القريبة التي كانت تؤمن بها القبيلة في حدودها الضيقة إلى عصبية واسعة تشمل الجنس كله الذي تنتمي إليه القبيلة، فهي عصيبة من نوع آخر غير العصبية القبلية التي كانت تؤمن بها كل قبيلة، ويصح أن نطلق عليه "عصبية جنسية".
ويجب ألا نفهم من هذا أن السليك كان مرتبطا بقبيلته كسائر أفرادها، فقد كان يحيا حياته الخاصة، حياة التصعلك، خارج قبيلته، دون أن يرتبط بها في شيء، أو يعتمد عليها في شيء.
وقد نشأ عن كفر صعاليك العرب بالعصبية القبلية، وإيمانهم بعصبية مذهبية قوامها "الغزو والإغارة للسلب والنهب" أنهم كثيرا ما كانوا يقومون في المجتمع الجاهلي بدور يشبه دور "الجنود المرتزقة" عند الأمم الأخرى، "فما دام هؤلاء الصعاليك لا يعرفون العيش إلا في ظلال سيوفهم، وما داموا لا ينتظرون في حياتهم أي سلام أو أمن، فقد كانوا يقاتلون أحيانا كما يقاتل الأبطال الشجعان، ومن هنا كان الأشراف الذين يرغبون في أن يوجهوا إلى خصومهم ضربة قاصمة يلجئون إلى بسالتهم مفضلين إياهم على رجال قبائلهم"٢.
وتحدثنا الأخبار أن قوما من شذاذ العرب كانوا يكونون مع الملوك، وكانوا
стр. 108
يسمونهم "الصنائع"١. وفي أخبار امرئ القيس أنه لما خرج ليثأر لأبيه "جمع جمعا من بني بكر بن وائل وغيرهم من صعاليك العرب، وخرج يريد بني أسد"٢، وفي مرة أخرى غزاهم "وقد جمع جموعا من حمير وغيرهم من ذؤبان العرب وصعاليكها"٣، وأنه لما استنصر مرثد الخير الحميري أمده بخمسمائة رجل من حمير خرج بهم، وتبعه شذاذ من العرب٤، وفي أخبار زيد الخيل الطائي أنه "جمع طيئا وأخلاطا لهم، وجموعا من شذاذ العرب، فغزا بهم بني عامر ومن جاورهم من قبائل العرب من قيس"٥، وفي أخبار زهير بن جناب أنه جمع بني كلب "ومن تجمع له من شذاذ العرب والقبائل"، فغزا بهم بكرا وتغلب٦، وفي أخبار أبي جندب الهذلي أنه خرج ليثأر لأخيه "فقدم مكة فواعد كل خليع وفاتك في الحرم أن يأتوه يوم كذا وكذا فيصيب بهم قومه"٧، وفي أخباره أيضا أن بني لحيان قتلوا جارين له، فقدم مكة ولما قضى نسكه "خرج في الخلعاء من بكر وخزاعة، فاستجاشهم على بني لحيان، فخرجوا معه، حتى صبح بهم بني لحيان"٨، وفي شعر خفاف بن ندبة إشارة إلى اشتراك الصعاليك في بعض الغزوات٩.
ولعل من أسباب هذا كثرة الصعاليك وانتشارهم في أرجاء الجزيرة العربية في العصر الجاهلي بصورة واسعة، وقد مر بنا في الفصل الأول أن النعمان بن المنذر لما طلبه كسرى، وهرب مستنجدا بقبائل العرب، نصحه بعضهم بالعودة إلى كسرى، فإن صفح عنه عاد ملكا غزيرا، وإلا فالموت خير من أن
стр. 109
يتلعب به صعاليك العرب ويتخطفه ذئابها فتأكل ما له، وفي أخبار معبد بن زرارة "أن قيسا أسرته يوم رحرحان فساروا به إلى الحجاز، فأتى لقيط "أخوه" في بعض الأشهر الحرم، ليفديه فطلبوا منه ألف بعير، فقال لقيط: إن أبانا أمرنا ألا نزيد على المائتين فتطمع فينا ذؤبان العرب"١.
وهنا يجدر بنا أن نقف لنلاحظ أن هذا الأسلوب من أساليب العيش الذي سلكه صعاليك العرب لم يكن إلا صورة من الحياة الاجتماعية التي كان يعرفها المجتمع الجاهلي، ذلك المجتمع الذي كان يؤمن بأن "الغزو أدر للقاح، وأحد للسلاح"٢. وليس من شك في أن المجتمع الجاهلي كان يؤمن بالقوة إيمانا جعلها من مقومات حياته، وجعل الغزو أساسا من الأسس التي يقوم عليها بناؤه٣، "فبقدر ما كان التناصر بين أفراد القبيلة، كان التخاصم بين القبائل في سبيل الشرف والرياسة أو المال والعيش، لذلك كانت حياة القبائل الجاهلية حمراء مصبوغة بالدم"٤ يتسابق أفرادها إلى الجهل، بل يحرص كل منهم على أن يجهل "فوق جهل الجاهلينا"٥، مؤمنين بالظلم وبأن "من لا يَظلم الناس يُظلم"٦، وبأن في الشر نجاة حين لا ينجيك إحسان٧، وبأن "الشهرة بالشر خير من ألا أُعرف بخير ولا شر"٨.
ولعل عمل الصعاليك "كان استئناسا بعمل القبائل معا؛ إذ كانت حياته قائمة إلى حد ما على الغزو والسلب، والفرق بين الصورتين أن عمل القبائل جماعي منظم، وعمل الصعاليك فردى لا نظام له"٩.
стр. 110
وخلاصة القول أن إيمان القبيلة بوحدتها أوجد في المجتمع الجاهلي طائفة الخلعاء والشذاذ، وأن إيمانها بجنسها أوجد فيه طائفة الأغربة، وأن المتمردين من هاتين الطائفتين من شتى القبائل قد اجتمعوا في عصابات من صعاليك العرب، كافرين بالعصبية القبلية، مؤمنين بعصبية مذهبية قوامها "الغزو والإغارة للسلب والنهب"، معتمدين على قوتهم في سبيل العيش، شأنهم في ذلك شأن المجتمع الذي يعيشون فيه، وإنْ يكن عملهم فرديا فلم يُعترف به.