لست لمرة إن لم أوف مرقبة ... يبدو لي الحرف منها والمقاضيب
في ذات ريد كذلق الفأس مشرفة ... طريقها سرب بالناس دعبوب
لم يبق من عرشها إلا دعامتها ... جذلان: منهدم منها ومنصوب١
ولكن أبا خراش يختلف هنا عن زملائه شعراء المراقب، فهو لم يكن وحيدا فوق مرقبته، وإنما كان معه صاحب له، وهو معني بصاحبه أكثر من عنايته بنفسه، فهو صاحب حذر قوي النفس لم يرض لها أن يكون عبدا راعيا، وإنما آثر أن يكون صعلوكا عاملا، يتربص فوق المراقب في سواد الليل، رافضا تلك الراحة البغيضة التي ينعم بها الضعفاء الذين لا خير فيهم، ممن يؤثرون النوم والدفء على العمل والكفاح:
بصاحب لا تنال الدهر غرته ... إذا افتلى الهدف القن المعازيب
بغثته بسواد الليل يرقبني ... إذ آثر النوم والدفء المناجيب٢
ويمضي أبو خراش بعد ذلك مضيفا إلى صورة صاحبه خطين آخرين، فهو قائم فوق هذه المرقبة كأنه السهم، ثم هو سمح النفس على نحافته وقلة لحمه:
يظل في رأسها كأنه زلم ... من القداح به ضرس وتعقيب
سمح من القوم عريان أشاجعه ... خف النواشر منه والظنابيب٣
стр. 177
وأما صخر الغي -وإن لم يرد فيما بين أيدينا من شعره حديث عن المراقب- فإن حديثها قد ورد عنه في رثاء شاعر هذلي له هو أبو المثلم، حيث يصفه بأنه "رباء مرقبة"١
وأما عروة فصفة الزعامة لا تفارقه، فهو لا يقف ربيئا لأصحابه، وإنما يبعث أحدهم ليرقب لهم الطريق فوق المرتفعات، وهو يرسم في بعض شعره صورة لهذا الربيء، وقد وقف فوق مرقبة ثابتا لا يتحرك كأنما غرس فوقها، ولكن عينيه لا تستقران، فهو يقلبهما دائما في الفضاء الذي يحيط بهم، حيث أناخوا إبلهم، وأوقدوا مواقدهم يهيئون لأنفسهم طعاما:
إذا ما هبطنا منهلا في مخوفة ... بعثنا ربيئا في المرابئ كالجذل
يقلب في الأرض الفضاء بطرفه ... وهن مناخات ومرجلنا يغلي٢
التوعد والتهديد:
كما تحدث الشعراء الصعاليك عن التربص والترصد تحدثوا عن التوعد والتهديد، حتى يجمعوا بين ركني الجريمة القانونيين: التربص وسبق الإصرار!
وأكثر من يتوعدهم الشنفرى بنو سلامان، أولئك الذين أشربت نفسه بغضهم، والذين كانوا السبب المباشر لتصعلكه، والذين عاهد نفسه ليقتلن منهم مائة بما اعتبدوه٣. وهو يتوعدهم في شعره توعدا عنيفا، فيعلن لهم أنه -ما لم يحل الموت بينه وبينهم- لن يكف عن غزوهم، فالمسألة عنده مفروغ منها، وكل ما يرجوه أن يمد الله في أجله حتى يشفي غليله منهم حين يلاقيهم في عقر دارهم:
فإلا تزرني حتفتي أو تلاقني ... أمش بدهو أو عداف بنورا
أمشي بأطراف الحماط، وتارة ... ينفض رجلي بسيطا فعصنصرا
أبغي بني صعب بن مر بدارهم ... وسوف ألاقيهم إن الله أخرا
стр. 178
ويوما بذات الرأس أو بطن منجل ... هنالك نبغي القاصي المتغورا١
وهو إذا كان يتأخر عن غزوهم أحيانا فليس هذا دليلا على أنه قد كف عنهم، وإنما هو يمهلهم إلى حين، وهو واثق من قدرته على غزوهم، فهو يعرفهم وهم يعرفونه، وأحب شيء إليه أن يُغير عليهم، وأن يقطع الطريق على سادتهم، وهو الخبير بطرق الصحراء ومسالكها، القدير على الاهتداء في مجاهلها:
كأن قد، فا يغررك مني تمكثي ... سلكت طريقا بين يربغ فالسرد
وإني زعيم أن ألف عجاجتي ... على ذي كساء من سلامان أو برد
وأمشي لدى العصداء أبغي سراتهم ... وأسلك خلا بين أرفاغ والسرد
هم عرفوني ناشئا ذا مخيلة ... أمشي خلال الدار كالأسد الورد
كأني إذا لم أمس في دار خالد ... بتيماء لا أهدَى سبيلا ولا أهدِي٢
أما عمرو ذو الكلب فيعلن أعداءه بأن الصراع بينه وبينهم سيكون مريرا لا رحمة فيه، الويل فيه للمغلوب، وينذرهم بأنه لن يرحمهم إذا ظفر بهم، كما أنه لا يريد منهم رحمة إذا هم ظفروا به، فليكن الصراع بينه وبينهم عنيفا، وليغزهم برفاقه الصعاليك الشجعان الذين يختلف عددهم بين الواحد والجماعة، وهو -فوق ذلك كله- يتوعدهم بأنه لن يكف عن غزوهم حتى يقتلهم ويرمل نساءهم:
فإن أثقفتموني فاقتلوني ... وإن أثقف فسوف ترون بالي
فأبرح غازيا أهدى رعيلا ... أؤم سواد طود ذي نجال
ويبرح واحد واثنان صحبي ... ويوما في أضاميم الرجال
стр. 179
بفتيان عمارط من هذيل ... هم ينفون آناس الحلال
وأبرح في طوال الدهر حتى ... أقيم نساء بجلة بالنعال١
وأما تأبط شرا فقد كان أوسع ميدانا من ذي الكلب، فإنه لا يقنع بغير غزو خثعم وبجيلة وثمالة وهذيل، وهو يرد الفضل في هذا كله إلى قدميه اللتين أودع الله فيهما عذابا وشرا يصبهما عليهم:
أرى قدمي وقعهما خفيف ... كتحليل الظليم حذا رئاله
أرى بهما عذابا كل يوم ... لخثعم أو بجيلة أو ثمالة
وشرا كان صب على هذيل ... إذا علقت حبالهم حباله٢
وهو لا يترك دم صديقه دون أن يثأر له، وإنما يهدد بالانتقام الشنيع، يقتل في الرجال، ويسبي النساء، فأكبر همه كما يقول "دم الثأر أو يلقى كميا مسفعا"٣، غاية ما في الأمر أن يحترم تقاليد مجتمعه الدينية، فيؤخر انتقامه حتى تنتهي الأشهر الحرم:
فعدوا شهور الحرم ثم تعرفوا ... قتيل أناس أو فتاة تعانق٤
وهو في هذا الاحترام لمقدسات مجتمعه يخالف تلميذه الشنفرى الذي يُصرح في بعض شعره بأنه قتل قتيلا في أيام حجة وسط الحجيج المصوت بمنى:
قتلنا قتيلا مهديا بملبد ... جمار منى وسط الحجيج المصوت٥
стр. 180
ومن أطرف ما نصادفه في هذا الباب توعد الصعلوك للصعلوك، وتأتي طرافته من أنه يمثل صراعا بين قوتين متكافئتين، ومن هنا كان حرص كل منهما على تجنب الاصطدام بالآخر من أخص ميزات هذا اللون من التوعد، ولكن هذا الحرص ليس جبنا، وإنما هو محاولة لتفادي الكارثة، ولهذا كان حديث الشاعر الصعلوك عن حرصه هذا مقرونا عادة بحديثه عن قوته، ومقدرته على التغلب على خصمه إذ إن أي ضعف يبدو منه في هذا الحديث قد يكون سببا في أن يدفع حياته ثمنا له، ولهذا كله كان توعد الصعلوك للصعلوك في شعر الصعاليك قليلا جدا، ولعل أصدق مثال لهذه "الحرب الباردة" بين الشعراء الصعاليك توعد صخر الغي الهذلي لتأبط شرا، أو ابن ترنى كما كان يلقبه، فهو في قصيدة له يصفه أولا بأنه يعاني صراعا نفسيا، سببه حقده عليه وعجزه عنه، ثم ينصحه ثانيا بأن يخفف من حدة هذا الصراع النفسي، ولكنه يحذره من أن يجعل وسيلته إلى ذلك الاصطدام به، فإنه لو فعل للقي حتفه لا محالة، ثم يعود فيخفف قليلا من حدة أسلوبه، فيمزج العنف باللين في حديث فيه لياقة وفيه دهاء، يجعل وسيلته إليه أن يشير إلى بعض الصفات المحمودة في خصمه، ويسأله ألا يكون سببا في الإساءة إليها:
فإن ابن ترنى إذا جئتكم ... أراه يدافع قولا عنيفا
قد افنى أنامله أزمه ... فأمسى يعض على الوظيفا
فلا تقعدن على زخة ... وتضمر في القلب وجدا وخيفا
ولا تقدمن على خطة ... تكون إذن لك حتفا ذفيفا
ولا أبغينك بعد النهي ... وبعد الكرامة شرا ظليفا
ولا أرفعنك رقع الصديـ ... ـع لاءم فيه الصناع الكتيفا١
стр. 181
وصف الأسلحة:
ومن الطبيعي أن يتحدث الشعراء الصعاليك عن أسلحتهم، فهي القوة الثالثة التي يعتمدون عليها في مغامراتهم إلى جانب قوة قلوبهم وقوة أرجلهم، تلك القوى الثلاث التي تقوم عليها حياة الصعلوك يجمعها تأبط شرا في رثائة للشنفرى حيث يقول:
فلا يبعدن الشنفرى، وسلاحه الـ ... ـحديد، وشد خطوة متواتر١
والأسلحة التي يصفها الشعراء الصعاليك هي تلك التي كان يعرفها العرب في العصر الجاهلي، سواء منها أسلحة الهجوم: السيف، والرمح، والقوس، والسهام، أو أسلحة الدفاع: الدرع، والترس، والمغفر. ويلح الشعراء الصعاليك على الحديث عن هذه الأسلحة إلحاحا شديدا، وليس في هذا غرابة؛ إذ إنها تكاد تكون كل ما يملكون في حياتهم الفقيرة، وهي من غير استخدام لأفعال المقاربة كل ما يحرصون عليه في هذه الحياة الحمراء المتمردة. وفي أبيات لعروة يذكر أنه لن يخلف لورثته بعد موته سوى درع ومغفر وسيف ورمح وجواد٢، فهذا كل ما يحرص عليه في حياته، وكل ما سيظل محافظا عليه إلى آخر رمق منها حتى يرثه ورثته من بعده.
ويصرح صخر الغي في بعض شعره بأنه حريص على سلاحه لا يفرط فيه، لئلا يطمع فيه أحد من أولئك الذين يتوعدونه، ويتربصون به، من أعدائه الذين طالما وترهم، فهو يعدد سلاحه في قصيدة طويلة له ويصفه، ثم يقول عنه:
ذلك بزي فلن أفرطه ... أخاف أن ينجزوا الذي وعدوا٣
ويصل اعتداد الأعلم الهذلي بسلاحه إلى درجة أن يرى فيه وسيلة تنقله من
стр. 182
دائرة البشرية إلى دائرة يكون فيها صنوا للموت:
متى ما تلقني ومعه سلاحي ... تلاق الموت ليس له عديل١
ويصف الشعراء الصعاليك أسلحتهم المختلفة وصف المفتون بها الذي يهتم بكل أجزائها، ويحرص على أن يسجل في حديثه عنها كل شيء فيها: لونها، وشكلها، وصوتها، وطريقة صنعها، وطريقة استخدامها، وقيمتها في حياته، وفعلها في أعدائه.
فالسيف عند عمرو بن براقة "جل ماله" لا يفارق يمينه، بل هو طوع أمرها، ولكن لحمله تقاليد، فصاحبه يجب أن لا ينام الليل؛ إذ إن من تقاليد حمله أن يكون صاحبه من "أبناء الليل" الذين يرعون حق "أبوته":
وكيف ينام الليل من جل ماله ... حسام كلون الملح أبيض صارم
غموض إذا عض الكريهة لم يدع ... له طعما، طوع اليمين ملازم٢
وهو عنده أحد أركان ثلاثة يعتمد عليها من يريد أن تجتنبه المظالم في ذلك المجتمع الذي يدين بشريعة القوة:
متى تجمع القلب الذكي وصارما ... وأنفا حميا تجتنبك المظالم٣
وهو عند عمرو ذي الكلب الهذلي وشاح لصدره:
نمناني وأبيض مشرفيا ... وشاح الصدر أخلص بالصقال٤
وصخر الغي الهذلي حريص على أن يرسم لسيفه صورة دقيقة، فهو سيف من حديد جيد أصيل، رقيق الشفرتين، يجري الفرند في متنه، ثم هو سيف منتقى، فلا عنه سيوف أريح حتى أخرجه من بينها سيف معدوم النظير، لا تقوى أشد العظام على ضربته، وإنما تتكسر تحتها قطعا:
وصارم أخلصت خشيبته ... أبيض مهو في متنه ربد
стр. 183
فلوت عنه سيوف أريح إذ ... باء بكفي ولم أكد أجد
فهو حسام تتر ضربته ... ساق المذكي فعظمها قصد١
أما تأبط شرا فيعرض علينا صورة طريفة لسيفه، فهو -إلى جانب أنه حاد ثقيل لا يفارقه حتى أبلى محمله- سيف أصيل إذا كل لا يحتاج إلى صيقل، وإنما حسبه أن يحده صاحبه على الصخر فإذا هو حاد كما كان:
فطار بقحف ابنه الجن ذو ... سفاسق قد أخلق المحملا
إذا كل أمهيته بالصفا ... فحد ولم أره صيقلا٢
وأما الشنفرى فيهتم بأثر سيفه في أعدائه، وبالحديث عن براعته في استخدامه، فهو يقصد به أطراف سواعدهم، ليعجزهم بذلك عن العمل:
وأبيض من ماء الحديد مهند ... مجذ لأطراف السواعد مقطف٣
وهو حريص على أن يصور رفاقه ونفسه في غاراتهم وهم يستخدمون سيوفهم في الهجوم والدفاع حتى ينهزم أعداؤهم:
فشن عليهم هزة السيف ثابت ... وصمم فيهم بالحسام المسيب
وظلت بفتيان معي أتقيهم ... بهن قليلا ساعة ثم خيبوا٤
ولا يعدل وصف السيف عند الشعراء الصعاليك إلا وصفهم القوس والسهام. وأكثر من اهتم بوصفها منهم الشنفرى والهذليون. ويبدو أن مرد هذه الظاهرة الفنية إلى ظواهر اجتماعية خاصة في حياتهم، فقد كان الشنفرى -كما يصوره الرواة مفتونا بسهامه، حريصا على أن تكون معلمة يعرفها الناس،
стр. 184
فكان يميزها بعلامة خاصة حتى تعرف، ويحدثنا الرواة أنه كان "يصنع النبل ويجعل أفواقهم من القرون والعظام"، فكان أعداؤه إذا رماهم "يعرفون نبله بأفواقها في قتلاهم"١، وأما الهذليون فقد عرف عنهم الرمي من بين ثلاث صفات مميزة سجلها لهم القدماء٢.
وهم يصفون السهام في جميع أطوارها، منذ بريها، وتركيب الريش فيها، حتى استخدامها، في الرمي، كما يصفون نصالها وأفواقها. ويتحدث الشنفرى في بعض شعره عن سهامه وكيف يتخيرها، وكيف يركب في قداحها الريش، وكيف يتابع فيها البري حتى تصير صالحة للاستعمال، ثم يتحدث عن قيمة هذه السهام التي أعدها هدية لأعدائه الذين يبغضهم:
وردت بمأثور يمان وضالة ... تخيرتها مما أريش وأرصف
أركبه في كل أحمر غاثر ... وأنسج للولدان ما هو مقرف
وتابعت فيه البري حتى تركته ... يرن إذا أنزفته ويزفزف
بكفي منها للبغيض عراضة ... إذا بعت خلا ما له متعرف٣
ويتحدث في مقطوعة أخرى عن رمية أحد أعدائه بسهم قوي لا عوج فيه، ثم يصف أجزاء هذا السهم، فهو عود من نبع عليه ريش من ريش العقاب، وله فوق كأنه عرقوب القطاة:
ومستبسل ضافي القميص ضممته ... بأزرق لا نكس ولا متعوج
стр. 185
عليه نساوي على خوط نبعة ... وفوق كعرقوب القطاة مدحرج١
وأما عمرو ذو الكلب فيُعنى بوصف نصال سهامه لأنها التي يكمن في سنانها الموت، فهي حينا رماح طائرة يكسوها ريش منسول:
وثجرا كالرماح مسيرات ... كسين دواخل الريش النسال٢
وهي حينا آخر كأنها شوك العضاه:
وفي قعر الكنانة مرهفات ... كأن ظباتها شوك السيال٣
وهم يتحدثون أحيانا عن عددها، فهذا الشنفرى يصف تأبط شرا أو "أم العيال" كما كان يسميه مداعبا، ويذكر عدد سهامه التي يحملها في جعبته:
لها وفضة فيه ثلاثون سيحفا ... إذا آنست أولي العدي اقشعرت٤
أما حين يذكرون القوس فأشد ما يهتمون به صوتها حين ينبضون فيها، أو حين يتهيئون للرمي، فهو صوت يفتنهم فتنة شديدة تبدو في ذلك الإلحاح الشديد على تسجيله في شعرهم، وليس في هذا غرابة فإن هذا الصوت إيذان ببدء عملهم الذي وهبوا حياته له. وصوت القوس في سمع صخر الغي عندما ينبض فيها كأنه أصوات قوم يبحثون عن شيء فقدوه:
وسمحة من قسي زرارة صفـ ... ـراء هتوف عدادها غرد
стр. 186
كأن إرنانها إذا ردمت ... هزم بغاة في إثر ما فقدوا١
ولكنه في سمع عمرو ذي الكلب عجيج، كأنه حنين ناقة مسنة تسبقها إبل شابة فنية، فهي عاجزة عن مسايرتها وهي لهذا دائمة الحنين:
وفي الشمال سمحة من النشم ... صفراء من أقواس شيبان القدم
تعج في الكف إذ الرامي اعتزم ... ترنم الشارف في أخرى النعم٢
وهو في سمع الشنفرى رنين وهتاف، ولكنه رنين حزين كصوت الشجي أثقلته شجونه وأحزانه:
وصفراء من نبع أبي ظهيرة ... ترن كإرنان الشجي وتهتف٣
ولكن هذا الصوت الحزين الخافت ينقلب عندما تأخذ السهام في الانطلاق إلى صوت نشط مدو كأنه دوي نحل عائد إلى غاره، فهو ملتف حوله مطيف به، يبحث عن منقذ إلى داخله في نشاط ودوي:
إذا طال فيها النزاع تأبى بعجسها ... وترمي بذرويها بهن فتقذف
كأن حفيف النبل من فوق عجسها ... عوازت نحل أخطأ الغار مطنف٤
يلاحظ أن القوس عند الرمي صوتين: صوتا عند بدء الرمي، وصوتا بعد الانتهاء منه، فانطلاق السهم يبدأ بصوت عال صارخ ثم ما إن ينطلق السهم حتى يهدأ رنين القوس، ويتحول إلى صوت ضعيف خافت نتيجة لاهتزازات وترها، فهما صوتان مختلفان، أما أولهما فهو عنده صياح، وأما الآخر فأنين كأنين الجريح:
стр. 187
وقاربت من كفي ثم فرجتها ... بنزع إذا ما استكره النزع مخلج
فصاحت بكفي صيحة راجعت بها ... أنين الأميم ذي الجراح المشجج١
وكما يهتم الشعراء الصعاليك بصوت القوس، يهتمون أيضا بلونها، وهي عند الهذليين في ضوء ما وصل إلينا من شعرهم صفراء دائما:
وسمحة من قسي زارة صفـ ... ـراء هتوف عدادها غرد٢
وصفراء البراية عود نبع ... كوقف العاج في ورك حدال٣
وفي الشمال سمحة من النشم ... صفراء من أقواس شيبان القدم٤
ولكنها عند الشنفرى أحيانا صفراء وأحيانا حمراء، ويبدو أن مرد هذا إلى دقة ملاحظة الشنفرى، وصدق تعبيره عن تجاربه، فالقوس تكون صفراء في أول أمرها، فإذا ما كثر أستعمالها وتعرضت للشمس والمطر والتقلبات الجوية صارت حمراء. يقول في تائتيه متحدثا عن أصحابه في بعض غزواته بهم:
وباضعة حمر القسي بعثتها ... ومن يغز يغم مرة ويشمت٥
ويقول في قصيدة أخرى:
وصفراء من نبع أبي ظهيرة ... ترن كإرنان الشجي وتهتف٦
ومن هنا اختلف الرواة في هذا البيت، فبعضهم يرويه "حمراء من
стр. 188
نبع"١، ولكن من الطريف أن تأبط شرا في رثائه له يصف قوسه بأنها صفراء:
يفرج عنه غمه الروع عزمه ... وصفراء مرنان وأبيض باتر٢
أما وصف الصعاليك للرماح فهو قليل، ولعل السبب في هذا قلة اعتمادهم عليها في مغامراتهم، وذلك لأنها من الأسلحة التي يستخدمها الفرسان أكثر مما يستخدمها الرجالة، ومن هنا كان أشهر من تحدث عنها من الشعراء الصعاليك عروة بن الورد وهو من الصعاليك الفرسان٣، وهو يرسم في رائيته المشهورة صورة رائعة له ولأصحابه، وهم على خيلهم يطاردون إبلا نهبوها، وقد أشرعوا رماحهم وسيوفهم ليدفعوا عنها أصحابها الذين خرجوا خلفهم ليستردوها:
سيفزع بعد اليأس من لا يخافنا ... كواسع في أخرى السوام المنفر
نطاعن عنها أول القوم بالقنا ... وبيض خفاف ذات لون مشهر٤
وهي صورة تستمد روعتها من صدقها وحيويتها، فهذه الخيل القوية السريعة التي يمتطيها الفرسان الصعاليك مشغولة بمطاردة أخريات الإبل المنهوبة، أما فرسانها أنفسهم فمشغولون بمقاتلة القوات المهاجمة من أصحاب الإبل.
وقد مر بنا أن عروة ذكر رمحه من بين الأسلحة التي هي كل ما سيخلفه لورثته من بعده، وهو يذكر أنه رمح أسمر، قناته من الخطي المشهور، ثم هو رمح مقوم معتدل:
وأسمر خطي القناة مثقف ... وأجرد عريان السراة طويل٥
والطريف في حديث عروة عن رمحه أنه لا يذكره إلا مقترنا بجواده، كما نرى في هذين المثلين، مما يؤيد تعليلنا لقلة وصف الشعراء الصعاليك للرماح بأنها من أسلحة الفرسان
стр. 189
ومع ذلك نجد عند بعض الصعاليك السرويين آثارا ضئيلة من أحاديث الرماح. يتحدث تأبط شرا، في رثائه لصاحبين له قتلا في بعض غزوهما، عن مغامراته بفتيان من الصعاليك يحملون في أيمانهم نوعين من الأسلحة، رماحا سمرا ونصالا ذات شعبتين:
لأطرد نهبا أو نرود بفتية ... بأيمانهم سمر القنا والفتائق١
ويتحدث الشنفرى عن طعنه قتلة أبيه طعنة سامة تمج من حولها سم ثعبان خطر:
فإن تطعنوا الشيخ الذي لم تفوقوا ... منيته، وغبت إذ لم أشهد
فطعنة خلس منكم قد تركتها ... تمج على أقطاها سم أسود٢
ويتحدث أبو الطمحان عن ضرب يزيل الرءوس عن الأعناق، وطعن شديد يحدث صوتا كأنه تشهاق ولد الحمار حين يهم بالنهق:
بضرب يزيل الهام عن سكناته ... وطعن كتشهاق العفا هم بالنهق٣
وهي جميعا -ما عدا بيت تأبط شرا- حديث عن آثار استخدام الرماح في الطعن، وليست وصفا صريحا لها.
ومن الطريف أننا لا نجد حديثا عن الرماح في شعر صعاليك هذيل، ما عدا بيتا واحدا لأبي خراش، وهو مع ذلك ليس في مقام الحديث عن
стр. 190
استخدامه لها، وإنما في مقام تشبيه إخوته الذين يرثيهم بها١.
وكما يتحدث الشعرء الصعاليك عن أسلحة الهجوم، يتحدثون عن أسلحة الدفاع: الدرع والترس والمغفر، ولكنه حديث خافت الأنغام. وهذا طبيعي لأن الصعاليك ليسوا في حاجة إلى أسلحة للدفاع لأن سلاحهم الدفاعي الأول -أو بتعبير أدق- سلاح أكثرهم سرعة العدو الخارقة للعادة، وهو سلاح طالما استخدموه فأنجاهم. ولهذا كان طبيعيا أن يتحدث عروة عن درعه ومغفره كما نرى في أبياته التي أشرنا إليها والتي يتحدث فيها عما سيخلفه لورثته من بعده، فإن عروة كما نعرف عنه لم يكن من العدائين، ومع ذلك لم يتحدث عن هذه الأسلحة الدفاعية إلا في هذا الموضع، إلا إذا كان شعر عروة الذي بين أيدينا ليس كل شعره، وكان في شعره المفقود حديث عن هذه الأسلحة الدفاعية. ولكن الغريب حقا أن يرد ذكر هذه الأسلحة الدفاعية في شعر صعاليك هذيل، ووجه الغرابة أن الهذليين مشهورون بالعدو، فهم ليسوا في حاجة إلى هذه الأسلحة الدفاعية لأن سلاحهم معهم دائما. ومع ذلك فالمسألة لا تصل إلى درجة المشكلة لأن حديث صعاليك هذيل عن هذه الأسلحة لم يتجاوز حديثهم عن الترس فقط، وهو مع هذا حديث خافت الأنغام لا يعدو حالتين: إما إشارة سريعة له، وإما وصفا لصنعه، فصخر الغي يشير إلى ترسه، عند ذكره لمجموعة أسلحته، أو "بزه" كما يسميها، إشارة سريعة لا يتجاوز جزءا من شطر يصفه فيه بأنه مقبب موثق:
إني سينهى عني وعيدهم ... بيض رهاب ومجنأ أجد٢
وقد يكون عمرو ذو الكلب أشد عناية بترسه من صخر الغي، فهو يفرد له بيتا في إحدى قصائده يصفه فيه بخمس صفات: فهو أسمر، مقبب، مصنوع من جلد ثور، أصم لا خلل فيه، تصيبه النصال فترتد عنه وقد تكسرت ظباتها:
стр. 191
وأسمر مجنأ من جلد ثور ... أصم مفللا ظبة النصال١
أما أبو خراش، ثالث الصعاليك الهذليين الذين وصفوا الترس، فقد وصف ترسه بأنه موثق، مصنوع من جلد ثور، ولكن وقفته طالت عند هذه الصفة الثانية؛ إذ مضى يصف هذا الثور، وكيف نشأ في واد خصيب مطير، حتى شب قويا يطعن الثيران المتصدية له، فترتد دامية من طعناته، ضخما كأنه خيمة كبيرة:
أواقد، لا آلوك إلا مهندا ... وجلد أبى عجل وثيق القبائل
غذاه من السرين أو بطن حلية ... فروع الأباء في عميم السوائل
مشب إذا الثيران صدت طريقه ... تصدعن عنه داميات الشواكل
يظل على البرز اليفاع كأنه ... طراف رست أوتاد عند نازل٢
وهكذا نستطيع أن نقرر، في ضوء ما بين أيدينا من شعر الصعاليك، أنهم بقدر ما كانوا حريصين على ذكر أسلحة الهجوم، مفتونين بوصفها، كانوا نفورين من ذكر أسلحة الدفاع، مقلين من وصفها.
الحديث عن الرفاق:
كما يتحدث الشعراء الصعاليك عن أسلحتهم التي يستخدمونها في مغامراتهم، يتحدثون عن رفاقهم الذين يرافقونهم فيها، ودور كل واحد منهم. وما أكثر ما نجد في شعرهم ألفاظ الرجل، والمنسر، والسربة، والمقنب، والفتيان، والأصحاب، والصحب، والقوم، وأمثال هذه الألفاظ التي تدل على الجماعة،
стр. 192
وما أكثر ما نجد في شعرهم استخدام ضمير الجماعة، يعبرون به عن رفاقهم لا عن قبائلهم.
وقد مر بنا في صدر هذا الفصل١ حديث الشنفرى في بائيته عن رفاقه الذين خرج معهم ليغزوا العوص، أولئك الرفاق الثمانية الذين يعتز بهم، ويملأ الإعجاب بهم نفسه، حتى ليصفهم بأنهم:
سراحين فتيان كأن وجوههم ... مصابيح أو لون من الماء مذهب
ورأينا كيف وصف خروجهم معه، وسيرهم إلى العوص ثلاث ليال على الأقدام، والدور الذي قام به كل واحد منهم في الغارة، فمن مهاجم بسيفه لا يثني ولا يلين، ومن مدافع عن رفاقه يحمي ظهورهم، حتى تم لهم النصر، وعادوا بغنيمتهم إلى قومهم الصعاليك.
وفي تائيته المفضلية المشهورة يحدثنا الشنفرى أيضا عن غزوة له لبني سلامان أعدائه الألداء، بل ألد أعدائه، على رأس جماعة من رفاقة الصعاليك٢، وهو يبدأ الحديث برسم صورة لرفاقه، صورة سريعة ولكنها قوية ومعبرة، فهم جماعة من الغزاة المغامرين قد احمرت قسيهم لكثيرة غزواتهم، ويقدم نفسه لنا رئيسا عليهم، يبعثهم للغزو وهو يعلم أن النصر والهزيمة أمران يتعرض لهما كل مغامر، وما احتمال الهزيمة بصارف له من المغامرة، فهذه طبيعة المغامرة، ومن يغز يغنم مرة ويشمت مرة أخرى. ثم بعد أن ينتهي من تقديم رفاقه وتقديم نفسه، يأخذ في وصف خروجهم، فيحدد أولا الموضع الذي اجتمعوا فيه بأمره تحديدا جغرافيا دقيقا، ثم يذكر الدوافع التي دفعته إلى هذه المغامرة، ثم يهون على نفسه مشقة الطريق، فستنتهي هذه المشقة باقترابه من هدفه حيث يراوح أعداءه ويغاديهم بغاراته، ثم يعود بعد هذا إلى رفاقه ليتحدث عنهم حديث طويلا، وهو يخص أحدهم -وهو تأبط شرا الذي كان يقوم على زادهم في غزواتهم، ويتولى أمر "التموين" فيها- بحديث مرح
стр. 193
يداعبه فيه مداعبة طريفة، فهو "أمهم" التي تقوم على قوتهم، وتقتر عليهم مخافة أن تطول الغزاة بهم فيموتوا جوعا، يعلن أنه غير راض عن هذه السياسة التي تنتهجها "أمهم" لأن "عيالها" جياع من تقتيرها، فما تخشاه عليهم توقعهم فيه، ولكنها لا تؤثر نفسها بشيء عليهم، حتى لقد أصبحت نحيلة دقيقة، وهي "أم" ليست كسائر الأمهات، إنها غير محجبة، لا يحجبها ستر، ولا يضمها بيت، تحمل جعبة فيها ثلاثون سهما عريضة النصال، وتعدو في سرعة فائقة وفي يمينها سيف صارم بتار:
وأم عيال قد شهدت تقوتهم ... إذا أطعمتهم أوتحت وأقلت
تخاف علينا العيل إن هي أكثرت ... ونحن جياع، أي آل تألت
مصعلكة لا يقصر الستر دونها ... ولا تُرتجى للبيت إن لم تنبت
لها وفضة فيها ثلاثون سيحفا ... إذا آنست أولي العدي اقشعرت
وتأتي لعدي بارزا نصف ساقها ... تجول كعير العانة المتلفت
إذا فزعوا طارت بأبيض صارم ... ورامت بما في جفرها ثم سلت
حسام كلون الملح صاف حديده ... جراز كأقطاع الغدير المنعت
تراها كأذناب الحسيل صوادرا ... وقد نهلت من الدماء وعلت١
ويتحدث عروة كثيرا عن أصحابه، ولكنه حديث الزعيم أو القائد، لا حديث الرفيق أو الزميل، فهو يدعوهم إلى الخروج معه للغزو والغارة:
أقيموا بني لبني صدور مطيكم ... فإن منايا القوم خير من الهزل
стр. 194
فإنكم لن تبلغوا كل همتي ... ولا أربتي حتى تروا منبت الأثل١
وهو يصرح بأنه سيغزو بهم -لا معهم- ليحقق أهدافه، أو يرضي نفسه:
فإني لمستاف البلاد بسربة ... فمبلغ نفسي عذرها أو مطوف٢
وهو قائد بارع، يجمع جنوده، ويخرج بهم فرسانا ورجالة ليغيروا، حتى إذا ما انتهت الغارة، وأخذوا طريق العودة، ونزلوا عند بعض المياه لينحروا مما نهبوه، حتى ينالوا حظهم من الطعام والراحة، تحول القائد البارع إلى قائد حذر، يبعث ربيئا منهم فوق شرف عال، ليراقب لهم الطريق حتى لا يفجأهم عدو وهم غافلون:
لعل انطلاقي في البلاد ورحلتي ... وشدي حيازيم المطية بالرحل
سيدفعني يوما إلى رب هجمة ... يدافع عنها بالعقوق وبالبخل
قليل تواليها وطالب وترها ... إذا صحت فيها بالفوارس والرجل
إذا ما هبطنا منهلا في مخوفة ... بعثنا ربيئا في المرابئ كالجذل
يقلب في الأرض الفضاء بطرفه ... وهن مناخات، ومرجلنا يغلي٣
ولعل أطرف ما في حديث عروة عن أصحابه حديثه عن مضايقاتهم له، وشكواه من بعض تصرفاتهم التي يضيق صدره بها، وبخاصة تنكرهم له بعد أن يخصبوا ويستغنوا ويصبحوا كالأغنياء المتمولين، ولكنه -مع هذا كله- يغفر لهم؛ لأنهم عياله وأبناؤه، وهو أبوهم الذي يتقبل منهم ما يرتكبونه في حقه، ثم لأنه يقوم منهم مقام السيد الذي تفرض عليه سيادته أن يتحمل ما يصدر عنهم، فيعفو عن جاهلهم، ويغفر لمسيئهم، ثم لأنه أخيرا يقف
стр. 195
منهم موقف الزعيم الخبير بنفسية جماهيره١.
ويتحدث تأبط شرا عن رفاقه حديث المعجب بهم، المعتز برفقتهم، المقدر لقيمتهم في حياته المغامرة، تلك الحياة التي يحياها وحيدا إلا منهم، فهم عونة على هذه الحياة، يستعين بهم عليها، ويستغيث بهم إذا أفزعه أمر. وهم دائما أبطال شجعان شعث، لكثرة اشتغالهم بالغزو والكفاح، والضرب في أعماق الصحراء، وجوب آفاقها، عيونهم نفاذة تتوقد بنار الحماسة والجرأة والإقدام كأنها نار الغضا المتأججة:
مساعرة شعث كأن عيونهم ... حريق غضا تُلقى عليه الشقائق٢
وهو لهذا لا ينسى أبدا فضلهم وقيمتهم في مغامراته، وهو يسأل الله أن يتولى عنه جزاءهم؛ لأنه عاجز عن جزائهم:
جزى الله فتيانا على العوص أمطرت ... سماؤهم تحت العجاجة بالدم٣
فإذا ما سقط أحدهم صريعا اشتد جزعه عليه، فإذا مصابه فيه لا يعدله مصاب، وإذا آماله في الحياة تنهار:
أبعد قتيل العوص آسى على فتى ... وصاحبه أو يأمل الزاد طارق٤
وهي يرى أن فقد أحدهم خسارة لا تعوض، وإضعاف للجماعة التي تشق طريقها في الحياة بقوة أبنائها، وكسر لسلاح من أسلحتها يستحق الأسف، بل يستحق الأسى والحزن والبكاء، وهو -على قلة دموعه- لا بيخل بها على من تفقده هذه الجماعة من أبنائها الممتازين، أولئك الذين يمتازون بما يجب أن يمتاز به كل صعلوك عامل: من بصر بكسب المحامد، وسبق إلى غايات المجد، وقوة وزعامة بين الرفاق، وخفة في الجسم، وجرأة على اقتحام الأهوال
стр. 196
والسرى في الليل البهيم المظلم، وشجاعة فائقة، ورأي صائب، وكرم واسع، وفصل في الأمور، وحب للحركة والغزو، وبغض للدعة والإقامة والاستقرار:
لكنما عولى إن كنت ذا عول ... على بصير بكسب الحمد سباق
سباق غايات مجد في عشيرته ... مرجع الصوت هدا بين أرفاق
عاري الظنابيب ممتد نواشره ... مدلاج أدهم واهي الماء غساق
حمال أولوية، شهاد أندية ... قوال محكمة، جواب آفاق
فذاك همي وغزوي أستغيث به ... إذا استغثت بضافي الرأس نغاق١
ومن هنا كثر رثاؤه لأصحابه، فهو وفي لهم ولذكراهم، لا تنسيه إياهم شواغل الحياة. وهي يرثي صديقه الأعز، وتلميذه النابغة، الشنفرى، رثاء حارا تتجلى فيه تلك اللوعة التي أصابته بعده، وتلك الحسرة التي استشعرها لفقده، وتلك الفجيعة التي لا يجد لها دفعا، وهو يأسف لأنه لم يكن معه في ساعة الشدة حين قتل، إذن لوقف إلى جانبه أخا ناصرا معينا:
فلو نبأتني الطير أو كنت شاهدا ... لآساك في البلوى أخ لك ناصر٢
وهو لا ينسى في غمرة هذا الأسى أن يسجل تعاونهما معا في ساعات الشدة، وأوقات الكفاح:
إذا راع روع الموت راع، وإن حمى ... حمى معه حر كريم مصابر٣
стр. 197
أحاديث الفرار:
كما يتحدث الشعراء الصعاليك عن مغامراتهم وانتصارهم فيها، وفوزهم على أعدائهم، يتحدثون أيضا عن فرارهم وهربهم، دون أن يجدوا في هذه الأحاديث غضاضة، أو أمرا يدعو إلى الخجل والمداراة. وفيم الخجل ما دام الفرار أمرا طبيعيا من قوم عدائين، أو -بعبارة أخرى- سلاحا من أسلحتهم يضمن لهم النجاة ليعيدوا الكرة من جديد ليحققوا أهدافهم الاجتماعية والاقتصادية؟ فإذا لاحظنا -إلى جانب هذا- أن الفرار فرصة تتيح لهم إظهار تلك الميزة التي يفخرون بها دائما، وهي سرعة العدو، أدركنا سر حرصهم على أحاديث الفرار في شعرهم؛ لأنها أحاديث تتيح لهم مجال الفخر بهذه الميزة.
وقد اشتهر بعض الصعاليك بفرارهم، وبخاصة صعاليك الحجاز ومنطقة جبال السراة، وبالذات صعاليك هذيل التي كانت تنزل في هذه المنطقة، وقد رأينا من قبل١ ما يذكره الأصمعي من كثرة انتشار العدائين في الحجاز والسراة، أولئك الذين كانوا "يعدون على أرجلهم ويختلسون"، وما يذكره من "أن بهذيل وحدها منهم أربعين"، ويصف الرواة حاجزا الأزدي بأنه "كان مع غاراته كثير الفرار"٢. ويفرد البحتري في حماسته بابا "فيما قيل في الفرار على الأرجل"٣، يروي فيه اثنتي عشرة مقطوعة لثمانية من الشعراء، منها ثماني مقطوعات لأربعة من الصعاليك٤، أي أن ثلثي المقطوعات من شعر الصعاليك، ونصف الشعراء من الصعاليك، فإذا لاحظنا أن من هذه المقطوعات الثماني ثلاثا لحاجز وحده٥، أدركنا أن الرواة كانوا على حق حين وصفوه بكثرة الفرار، وإذا لاحظنا أيضا أن من المقطوعات الاثنتي عشرة
стр. 198
التي يضمها الباب أربعا لشعراء من هذيل١، أي ثلث الباب كله أو ما يعادل نصف عدد مقطوعات الصعاليك أدركنا دقة ملاحظة الأصمعي عن كثرة العدائين في هذيل.
والواقع أن أحاديث الفرار ظاهرة واضحة كل الوضوح في أخبار الهذليين وأشعارهم حتى لتعد سمة من سمات الشعر الهذلي. وفي شعر الأعلم الهذلي قصيدة طويلة٢ يتحدث فيها عن فراره مع صاحب له من مغامرة لهما في بعض بلاد كنانة. وهو يبدؤها مباشرة بالحديث عن ذلك المازق الحرج الذي وجد نفسه فيه حين رأى القوم يطاردونه هو وصاحبه، وقد اقتربوا منهما حتى لم يعد بينهما وبينهم إلا أقل من رمية سهم، ثم يصور الفزع الذي انتابه فشل مقدرته على الرمي، وإن لم يشل تفكيره عن أن يحث صاحبه على العدو حتى ينجو معا:
لما رأيت القوم بالـ ... ـعلياء دون قدى المناصب
وفريت من فزع فلا ... أرمي ولا ودعت صاحب
يغرون صاحبهم بنا ... جهدا وأغري غير كاذب
أغري أبا وهب ليعـ ... ـجزهم ومدوا بالحلائب٣
ثم يمضي في وصف تلك الجماعات التي تطاردهما، وسرعة عدو أحد مطارديه، ثم ينتقل إلى الاعتذار عن فراره بأنه خشي أن يقتل بسيوفهم فيصير طعاما للذئاب والضباع والثعالب والطير الجارحة:
وخشيت وقع ضريبة ... قد جربت كل التجارب
فأكون صيدهم بها ... وأصير للضبع السواغب
جزرا وللطير المربـ ... ـة والذئاب وللثعالب
стр. 199
وتجر مجرية لها ... لحمي إلى أجر حواشب١
ثم يصف هذه الضباع وجراءها، وكيف تنزع جلد المرء نزعا شديدا، ولا يكاد ينتهي من رسم هذه الصورة المفزعة لمصيره لو قتل، حتى يعود لذكر عدوه في شدة الحر، ولكنه لا يبالي بشيء من هذا، فقد اقترب من منطقة الأمان، ولاحت لعينيه منازل السلامة، وهنا فقط يذكر أهله وفقرهم، وأولاده الصغار وحاجتهم، كأنما يؤنب نفسه التي أغرته بالفرار والهرب دون أن يحقق شيئا من أهدافه:
حتى إذا انتصف النها ... ر وقلت يوم حق ذائب
رفعت عيني الحجا ... ز إلى أناس بالمناقب
وذكرت أهلي بالعرا ... ء وحاجة الشعث التوالب
المصرمين من التلا ... د اللامحين إلى الأقارب٢
ولا يجد حاجز غضاضة من أن يتحدث عن فراره إلى صاحبته الجميلة المتأنقة، وحسبه -وحسبها أيضا- أن نجا من أعدائه بعد أن كادوا يقتلونه:
ألا هل أتى ذات الخواتم فرتي ... عشية بين الجرف والبحر من بعر
عشية كادت عامر يقتلونني ... لدى طرف السلماء راغية البكر٣
وهو ينهزها فرصة كغيره من الشعراء الصعاليك العدائين، ليتحدث عن سرعة عدوه التي تفوق سرعة الظبي الهارب من مطاردة طائر جارح له:
فما الظبي أخطت حلقة الظفر رجله ... وقد كاد يلقى الموت في حلقة الظفر
كمثلي أوان القوم بين معيع ... وآخر كالنشوان مرتكز يعزي٣
стр. 200
ويدافع تأبط شرا في قصيدة له عن فراره وتركه رفيقا له بأنه ما كان ليستطيع أن ينتظر حتى يدهمه مطاردوه الذين كانوا وراءه كالنحل، ولا أن يبطئ في عدوه حتى تصيبه السهام التي كانوا يرسلونها خلفه فترديه صريعا، وهو لهذا يثني جسده، ويسرع بعيدا عن الشر كأنه الظليم المذعور:
ولم أنتظر أن يدهموني كأنهم ... ورائي نحل في الخلية واكنا
ولا أن تصيب النافذات مقاتلي ... ولم أك بالشد الذليق مداينا
فأرسلت مثنيا عن الشر عاطفا ... وقلت تزحزح لا تكونن حائنا
وحثحثت مشعوف النجاء كأنني ... هجف رأى قصرا سمالا وداجنا١
وبعد أن يمضي في وصف سرعة الظليم، على طريقة الهذليين في الإلحاح على أوصاف المشبه به، ينتقل إلى الصورة التي رأيناها عند الأعلم، صورة الفزع من الموت على أيدي الأعداء، تلك الصورة التي تقترن عادة بإلقاء الجسد لحيوان البادية الضاري، وبخاصة الضباع، تلك الفصيلة التي اشتهرت بولعها بجيف الموتى كما يقرر علماء الحيوان٢، فيحدثنا عن نجاته من مطارديه، ولو لم ينج منهم لأمسى قتيلا في صحراء غبراء، أو بين براثن ضبع تنبش الأرض بحثا عن الجيف:
فزحزحت عنهم أو تجئني منبتي ... بغبراء أو عرفاء تفري الدفائنا
كأني أراها الموت، لا در درها ... إذا أمكنت أنيابها والبراثنا٣
ويدافع أبو خراش عن فراره، ويضفي على دفاعه لونا من "المذهبية"،
стр. 201
فهو يفر لا لأنه جبان، فهو إلى جانب فراره مقاتل شجاع، ولكن لأنه يرى أحيانا أن قتاله لا يجديه شيئا إلا أن يورده موارد هلاك، وهو مع ذلك لا يكف عن القتال إلا إذا لم يجد لنفسه مجالا فيه:
فإن تزعمي أن جبنت فإنني ... أفر وأرمي مرة كل ذلك
أقاتل حتى لا أرى لي مقاتلا ... وأنجو إذا ما خفت بعض المهالك١
ولكن الأعلم يعلن في منتهى الصراحة والبساطة أنه حين تكاثر عليه أعداؤه فر منهم مسرعا، ولم يحاول قتالهم:
بذلت لهم بذي وسطان شدي ... غداتئذ ولم أبذل قتالي٢
سرعة العدو:
ولا يكاد الشعراء الصعاليك يتحدثون عن شيء في مثل ذلك الإلحاح الذي نراه في حديثهم عن مغامراتهم كما يتحدثون عن سرعة عدوهم، ويبدو أن مرد هذا إلى أمرين: أولهما شعورهم بأنها ميزة تفردوا بها من بين إخوانهم في البشرية، وثانيهما إيمانهم بأنها من الأسباب الأساسية في نجاتهم من كثير من المآزق الحرجة. ومن هنا كان حديثهم عنها حديث المعجب بنفسه تارة، والمعجب بها تارة أخرى: المعجب بنفسه لأنه تفرد بها من سائر الناس، والمعجب بها لأنها كم أنقذته من أخطار أحدقت به.
وأحسب أننا لسنا في حاجة إلى القول بأن الشعراء الصعاليك الذين يتحدثوا عن سرعة عدوهم هم أولئك الذين تحدثنا عنهم في تفسيرنا الجغرافي لظاهرة الصعلكة وهم الصعاليك السرويون -كما يسميهم الأصمعي-٣ وبخاصة صعاليك هذيل وفهم والأزد، أما أولئك الذي لم يعرفوا بالعدو كعروة بن الورد فمن الطبيعي ألا يتحدثوا عن شيء لم يُعرفوا به.
ويتحدث الصعاليك العداءون من هذه الميزة حديث المعجبين بأنفسهم
стр. 202
الذين يرون أنهم قادرون على شيء يعجز عنه بعض الناس، على نحو ما نرى في قول الأعلم:
فلا وأبيك لا ينجو نجائي ... غداة لقيتهم بعض الرجال١
ولكن ذا الكلب لا يرضى بهذه "البعضية"، وإنما يوسع حكمه حتى تشمل كل ذي قدم:
فجئت لا يشتد شدى ذو قدم٢
بل إن أبا خراش لا يرضى بالبشر طرفا ثانيا في هذه المباراة كأنما يرى أن البشر أبطأ من أن يصلحوا لها. وإنما يعقد المباراة بينه وبين حمار الوحش، ذلك الحيوان المشهور بسرعة العدو، ومع ذلك فحمار الوحش لا يستطيع أن يجاريه في عدوه:
أقبلت لا يشتد شدى واحد ... علج أقب مسير الأقراب٣
وقد رأينا حاجز يتحدث إلى صاحبته الجميلة المتأنقة عن فرته دون أن يجد في هذا الحديث غضاضة، وما من سبب لذلك سوى إعجابه بنفسه إذ استطاع النجاة من أعدائه عدوا على قدميه، فهو في هذا الحديث كأنما يقدم إلى صاحبته لونا من ألوان البطولة التي يراها جديرة بإعجابها، حتى ليتساءل في أول حديثه في لهفة ظاهرة "ألا هل أتى ذات الخواتم فرتي؟ ".
وهم يتحدثون عن هذه الميزة أيضا حديث المعجبين بها، المقدرين لقيمتها في حياتهم. يصرح حاجز بأن الفضل الأكبر في نجاته من بعض مواقفه الضيقة لا يرجع إلى قتاله، وإنما يرجع إلى عدوه، وهو -لهذا ولشدة إعجابه برجليه اللتين أتاحتا له هذا العدو- لا يتورع من أن يفديهما بأمه وخالته، وماذا جنى
стр. 203
من أمه وخالته غير ذلك السواد الذي صبغه بصبغة بغيضة كانت سببا من أسباب تلك الحياة المتصعلكة التي يحياها، والتي زجت به في هذا الموقف الضيق الذي لولا رجلاه لفقد حياته فيه:
فغير قتالي في المضيق أغاثني ... ولكن بذلي الشد غير الأكاذب
فدا لكما رجلي أمي وخالتي ... بشدكما بين الصفا والأثائب١
ويصرح أبو خراش بأنه لولا سرعة عدوه فرارا من أعدائه لآمت امرأته ويتم ابنه:
ولولا دراك الشد قاظت حليلتي ... تخير من خطابها وهي أيم
فتقعد أو ترضى مكاني خليفة ... وكاد خراش يوم ذلك ييتم٢
ويقص علينا تأبط شرا في قافيته المشهورة كيف أنجاه عدوه من عدوه، برغم ما أرسلوه خلفه من خيل سريعة:
ليلة صاحوا وأغروا بي سراعهم ... بالعيكتين لدى معدَى ابن براق
كأنما حثحثوا حصا قوادمه ... أو أم خشف بذي شث وطباق
لا شيء أسرع مني، ليس ذا عذر ... وذا جناح بجنب الريد خفاق
حتى نجوت ولما ينزعوا سلبي ... بواله من قبيض الشد غيداق٣
وكما يتحدث الصعاليك العداءون عن شدة عدوهم، يتحدثون عن شدة عدو رفاقهم، ويصف تأبط شرا أحد أصحابه الصعاليك بأنه سريع العدو يسبق الريح:
стр. 204
ويسبق وفد الريح من حيث ينتحي ... بمنخرق من شدة المتدارك١
ويشبه الأعلم انقضاض جماعة من الصعاليك العدائين من كل ناحية على فريسة عرضت لهم في أثناء تربصهم بالصحراء بتفجر الماء من حوض قديم متهدم يحاول صاحبه أن يصلحه ولكن الماء يغلبه فيتفجر من شتى نواحيه:
تخاف لزام عادية ثعول ... كما يتفجر الحوض اللقيف٢
ويرسم أبو خراش صورة رائعة لجماعة من العدائين يحرص كل منهم على ألا يتخلف عن رفاقه حتى لا يفتضح بينهم، وهم خارجون للغزو في ليلة ممطرة، وقد ابتلت أقدامهم، والشجر يتكسر من وقعها، فيلتف تحتها أكواما كأنها أوساط الإبل السود:
وليلة دجن من جمادى سريتها ... إذا ما استهلت وهي ساجية تهمي
وشوط فضاح قد شهدت مشايحا ... لأدراك ذحلا أو أشيف على غنم
إذا ابتلت الأقدام والتف تحتها ... وغثاء كأجواز المقرنة الدهم٣
وكما يتحدثون عن شدة عدو رفاقهم، يتحدثون عن شدة عدو أعدائهم أيضا، ليثبتوا لأنفسهم تلك الميزة عن طريق غير مباشر. ويرسم الأعلم في يائيته التي يتحدث فيها عن فراره هو وصاحب له من بعض أعدائهما صورة رائعة لمطاردتهم لهما، يصف فيها خروجهم خلفهما، وكيف يغرون أسرعهم ليدركهما، بينما يغري هو صاحبه ليفوتهم، ثم يصف تلك الجماعات التي تطاردهم، والتي يجيء بعضها في إثر بعض، كما تدفع الرياح السحب فتجلجل بالرعود، ثم يصف سرعة عدو أحد مطارديه الذي ينطلق خلفه كأنه حمار وحش ضامر يسرع ليرد الماء:
стр. 205
يغرون صاحبهم بنا ... جهدا وأغري غير كاذب
أغري أبا وهب ليعـ ... ـجزهم ومدوا بالحلائب
مد المجلجل ذي العما ... ء إذا يراح من الجنائب
يغري جذيمة والردا ... ء كأنه بأقب قارب١
ويرسم أبو خراش في ميميته التي يتحدث فيها عن فراره من خزاعة صورة دقيقة لمطارديه، وقد اقترب منه أحدهم حتى صار كأنه توءم له، والسهام تنهال حوله ولكنها تخطئه، وكيف زاد من سرعته حين رأى وراء ظهره أحد مطارديه مسرعا وقد بسط ذراعيه، ومد ساقيه الطويلتين، وهو حريص على أن يدركه لأن له ثأرا عنده، وأبو خراش حريص على أن ينجو منه لأنه شخص فاتك جريء أثيم:
بأسرع مني٢ إذ عرفت عديهم ... كأني لأولاهم من القرب توءم
وأجود مني يوم وافيت ساعيا ... وأخطأني خلف الثنية أسهم
أوائل بالشد الذليق وحثني ... لدى المتن مشبوح الذراعين خلجم
تذكر ذحلا عندنا وهو فاتك ... من القوم يعروه اجتراء ومأثم٣
ومن أطرف الأشياء أن يحدثنا الأعلم عن كراهيته لمطارده، لا لشيء إلا لأنه عداء سريع لا يألو جهدا في مطاردته:
كرهت جذيمة العبدي لما ... رأيت المرء يجهد غير آلي٤
وأكثر ما يتحدث الصعاليك العداءون عن شدة عدوهم مقرونة بموازنة بينهم وبين الطير أو بعض حيوان الصحراء المشهور بسرعة العدو.
ويتردد ذكر حمار الوحش عند صعاليك هذيل، ولا نعثر به عند غيرهم
стр. 206
من الشعراء الصعاليك فيما بين أيدينا من شعرهم، فيما عدا مقطوعة تروى لأبي خراش أو للأعلم أو لتأبط شرا، وهي تلك البائية التي أشرنا إليها١، حتى ليصبح أن نقول إن ذكر حمار الوحش في صدد الحديث عن العدو خاصة هذلية.
يصف صخر الغي صاحبا له بشدة العدو فيشبهه بحمار وحش ضامر تعضه الحمر فيفر منها هاربا:
معي صاحب داجن بالغزا ... ة لم يك في القوم وغلا ضعيفا
ترى عدوه صبح إقوائه ... إذا رفع المأبضان الحشيفا
كعدو أقب رباع ترى ... بفائله ونساه نسوفا٢
أما الأعلم فالصورة التي يرسمها لحمار الوحش أكثر خطوطا وألوانا، فهو عنده ضامر البطن ولكن في غير هزال كأنه عرق السدر في حمرته، وهو سريع يسبق الإبل والخيل النجيبة، خرج ليلا في طلب الماء، فلاحت له أتان سمينة مكتنزة اللحم، فهو حريص على إدراكها:
يغرَى جذيمة والردا ... ء كأنه بأقب قارب
خاظ كعرق السدر يسـ ... ـبق غارة الخوص النجائب
عنت له سفعاء لكـ ... ـت بالبضيع لها الخبائب٣
وأما الظليم، وهو من أسرع حيوان الصحراء عدوا٤، فقد ورد ذكره عند تأبط شرا والأعلم، كما ورد ذكر النعامة عند أبي خراش. أما تأبط شرا
стр. 207
فالظليم عنده مذعور يقطع الصحراء وقد مد جناحيه، وكل ما يحرص عليه تأبط شرا وصفه بالسرعة، ومن هنا كثرت في أبياته تلك المترادفات التي تدل على السرعة، ولكنه لا يكتفي بهذا بل يعقد بين هذا الظليم وبين الخيل السريعة مباراة، فإذا هو أسرع منها:
وحثحثت مشعوف النجاء كأنني ... هجف رأى قصرا سمالا وداجنا
من الحص هزروف كأن عفاءه ... إذا استدرج الفيفا ومد المغابنا
أزج زلوج هذرفي زفازف ... هزف يبذ الناجيات الصوافنا١
وأما الأعلم فالصورة عنده أكثر خطوطا وألوانا، فالظليم عنده سريع يعترض فراخه في وقت العشية، وهو غليظ الساقين طويلهما، وقد تساقط ريشه، وهو مذعور قد اختبأ بين الأشجار طويلة، فإذا عدا خفق جناحاه خفقان ريح جنوبية بثياب جديدة غير ممزقة:
كأن ملاءتي على هزف ... يعن مع العشية للرئال
على حث البراية زمخري الـ ... أسواعد ظل في شري طوال
كأن جناحه خفقان ريح ... يمانية بريط غير بالي٢
وأما أبو خراش فهو يشير للنعامة في صدد حديثه عن شدة عدوه إشارة سريعة٣، كما يفعل مع حمار الوحش، وهو لا يقف طويلا عندهما لأنه مشغول بحيوان آخر سريع هو الظبي.
стр. 208
والمنظر الذي يتخيره أبو خراش للظبي حين يخرج الصيادون لصيده، وقد بثوا حبالهم في مسارحه ليعلق فيها، ولكنه ينجو منها، فلا يجد الصيادون مفرا من رمية بسهامهم وإطلاق كلابهم خلفه، ولكنه يفوتها، ومع ذلك يظل مذعورا غير مطمئن يصغي إلى ناحيتهم وقد نصب أذنيه كأنهما قطعتا لعدم تحركهما، فإذا ما سمع صوت ذباب يطوف حوله ذعر وخيل إليه أنه صوت سهام الرماة، فانطلق كما ينطلق السهم مخلفا وراءه غبارا مختلفا ألوانه كأنه الملاء:
فو الله ما ربداء أو علج عانة ... أقب وما إن تيس ربل مصمم
وبثت حبال في مراد يروده ... فأخطأه منها كفاف مخزم
يطيح إذا الشعراء صاتت بجنبه ... كما طاح قدح المستفيض الموشم
كأن الملأ المحض خلف ذراعه ... صراحيه والآخني المتحم
تراه وقد فات الرماة كأنه ... أمام الكلاب مصغي الخد أصلم
بأسرع مني إذ عرفت عديهم ... كأني لأولاهم من القرب توءم١
ويتردد ذكر الظبي أيضا في شعر حاجز، وهو حينا يتخير منظر الظبي المذعور الهارب من جوارح الطير بعد أن كاد يلقى الموت في أظفارها، كما رأينا في أبياته الرائية من قبل، وهو حينا آخر يذكره مع حيوانين آخرين من حيوان الصحراء السريع: الأرنب، والوعل، وهو لهذا يكتفي بأن يذكر أنه ظبي في منطقة جبلية، فهو خفيف نشيط قوي، أما الأرنب فهو يمر بها مرا سريعا، أما الوعل فيتخير له منظرا يكون فيه في أقصى سرعته، حين يحس الصيادين خلفه ومعهم كلابهم المدربة:
стр. 209
وكأنما ابتعث الفوارس أرنبا ... أو ظبي رابية خفاقا أشعبا
وكأنما طردوا بجنبي عاقل ... صدعا من الأروى أحس مكلبا١
وهذان البيتان هما الموضع الوحيد فيما بين أيدينا من شعر الصعاليك الذي ورد فيه ذكر للأرنب والوعل في صدد الحديث عن العدو.
وإذا كان حاجز يشبه نفسه بالظبي الهارب من جوارح الطير فإن أبا خراش يعكس هذه الصورة فيشبه نفسه بالعقاب تطارد صيدا، فهو يقدم لنا في بعض قصائده صورة رائعة قوية لتلك المطاردة، فهي عقاب كاسرة منقضة تطلب الصيد، ولها فرخ في رأس جبل، تحمل له طعامه مما تصيد حتى امتلأ وكرها بعظامه، وقد رأت على بعد صيدا فتحفزت له ثم انقضت فوقه في أرض فضاء ليس فيه ما يستره:
كأني إذ عدوا ضمنت بزي ... من العقبان خائتة طلوبا
جريمة ناهض في رأس نيق ... ترى لعظام ما جمعت صليبا
رأت قنصا على فوت فضمت ... إلى حيزومها ريشا رطيبا
فلاقته ببلقعة براز ... فصادم بين عينيها الجبوبا٢
وهذ أيضا الموضع الوحيد فيما بين أيدينا من شعر الصعاليك الذي ورد فيه ذكر العقاب في صدد الحديث عن شدة العدو.
ويشبه أبو خراش ابنه، والقوم يطاردونه بعد غارة له عليهم، بطائر خفيف العظم، قليل اللحم، عائد إلى وكره، وقد دنا الليل، فهو جاد في طيرانه يبسط جناحيه ويقبضهما في شدة وقوة:
стр. 210
كأنهم يشبثون بطائر ... خفيف المشاش عظمه غير ذي نحض
يبادر قرب الليل فهو مهابذ ... يحث الجناح بالتبسط والقبض١
وقد نتساءل: أين الخيل بين هذه الفصائل المختلفة من الحيوان السريع؟ ولماذا لم يذكرها الصعاليك العداءون في مجال حديثهم عن العدو كما ذكروا هذه الفصائل؟
يبدو لي أن سبب ذلك أن الصعاليك العدائين كانوا ينظرون إلى الخيل على أنها أقل منهم سرعة، وهي نظرة يؤيدها واقع حياتهم، وقد رأينا في الفصل الأول من الباب الأول أن رواة الأدب العربي يذكرون عنهم أنهم كانوا يسبقون الخيل، ويروون عنهم قصصا في هذا الصدد، ومهما يكن من مبالغة في هذه القصص فإنها تصور أصداء حقيقة واقعية، وقد فسرنا هذه الظاهرة في حياة الصعاليك العدائين عند تفسيرنا الجغرافي لظاهرة التصعلك، وانتهينا إلى أنها -على ما فيها من غرابة- ليست بالمستحيلة في الحياة الواقعية. فإذا أضفنا إلى هذا أن الصعاليك العدائين لم يكونوا على صلة دائمة بالخيل، وإنما كنت صلتهم بها صلة عداوة، وهي تلك الصلة بين المطارد والطريد مما جعل نفوسهم مشبعة بالسخط على ذلك الحيوان السريع الذي يستغله أعداؤهم في مطاردتهم، استطعنا أن نجد تعليلا آخر لهذه المسألة.
ولهذا نلاحظ أن الصعاليك العدائين لا يذكرون الخيل في صدد الحديث عن عدوهم إلا مقترنة بأنهم أسرع منها، أو على الأقل بأنها ليست أسرع منهم، كما نرى عند تأبط شرا الذي يصرح بأنه يسبق الخيل عدوا على قدميه، ويكسو طلائعها المتقدمة الغبار الثائر من عدوه:
يفوت الجياد بتقريبه ... ويكسو هواديها القسطلا٢
стр. 211
ويحرص الصعاليك العداءون على تسجيل ظاهرة طريفة في حديثهم عن العدو، وهي حركة ثيابهم عند عدوهم، وما يفعلونه أو تفعله الرياح بها، وهي ظاهرة تستمد طرافتها من صدقها وبساطتها وواقعيتها، ومن أطرف الأشياء في هذا الصدد أنهم أكثر ما يذكرون ثيابهم يذكرون أنها بالية ممزقة.
يصف صخر الغي صاحب له بأنه يعدو فيرفع باطن ركبتيه ثوبه الخلق:
ترى عدوه صبح إقوائه ... إذا رفع المأبضان الحشيفا
كعدو أقب رباع ترى ... بفائله ونساه نسوفا١
أما أبو خراش فثوبه الخلق البالي يهتز في أثناء عدوه كأنه ينتفض من حمى تلازمه:
فعديت شيئا والدريس كأنما ... يزعزعه ورد من الموم مردم٢
وهو أحيانا يضيق بثيابه لأنها تعوقه عن سرعة العدو فيطرحها عنه:
ورفعت ساقا لا يُخاف عثارها ... وطرحت عني بالعراء ثيابي٣
وفي قصيدة أخرى يصف جماعة من العدائين وقد ألقوا ثيابهم عنهم من شدة عدوهم:
وعادية تُلقي الثياب وزعتها ... كرجل الجراد ينتحي شرف الحزم٤
ويتحدث تأبط شرا عن مطاردة حاجز الأزدي وأصحابه له، ويصفهم بأنهم قد ألقوا عن أجسادهم ثيابهم البالية، وشمروا عن سيقانهم ليسهل عليهم إدراكه:
فتعتعت حضني حاجز وصحابه ... وقد نبذوا خلقانهم وتشنعوا٥
стр. 212
ومما يتصل بهذا حديثهم عن نعالهم، ووصفها بأنها بالية ممزقة، لكثرة سيرهم وعدوهم. يتحدث تأبط ششرا عن صعوده إلى المرقبة بنعل بالية ممزقة قد شدها بسيور بع أن جعل تحتها نعلا أخرى:
بشرثة خلق يُوقى البنان بها ... شددت فيها سريحا بعد إطراق١
ويصف الشنفرى نعليه بأنهما ممزقتان كأنهما أشلاء السماني، وبأنه خلعهما في بعض طريقه إما ليسهل عليه عدوه، وإما لأنهما لم تعودا صالحتين للاستعمال لتمزقهما الشديد:
ونعل كأشلاء السماني تركتها ... على جنب مور كالنحيزة أغبرا٢
وهي صورة نجدها عند أبي خراش أيضا:
ونعل كأشلاء السماني نبذتها ... خلاف ندى من آخر الليل أورهم٣
ومن الطريف أننا نجد لأبي خراش قصيدة نظمها في مدح رجل حذاه نعلين جديدتين٤، وهو فيها مقدر له هذا الصنيع تقديرا كبير، معجب بنعليه الجديدتين، يصفهما، ويصف صنعهما، ويتحدث عن قيمتهما في حياته؛ إذ يروح بهما متأنقا للهوه، ويستخدمهما في سيره وعدوه، ومن يدري فلعل له فيهما مآرب أخرى!!
وهنا نقف لنتساءل: أين شعر السليك في العدو، وهو الصعلوك العداء الرجلي الذي يضرب به المثل في سرعة العدو، والذي تحدث عن سرعته رواة
стр. 213
أخباره والشعراء المعاصرون له، والذي اتخذه الشعراء من بعد مادة طريفة لأحاديثهم عن السرعة؟
الحق يقال إنها مسألة غريبة ألا نجد للسليك شعرا يتحدث فيه عن سرعة عدوه، ولكن يبدو أن أقرب الفروض لتعليل هذه المسألة هو أن شعر السليك في عدوه وسرعته قد فقد. وليس من شك عندي في أن جانبا كبيرا من شعر السليك قد فقد، فليس من المعقول أن كل ما نظمه السليك من شعر لا يعدو تلك الأبيات القليلة المتفرقة في مصادر الأدب العربي المختلفة. وإذا كنا قد لاحظنا أن مجموعة السليك الفنية لا تضم حديثا عن هذا الجانب من حياته، فإننا نلاحظ أيضا أنها لا تصور جوانب حياته الأخرى تصويرا كاملا أو شبه كامل، وإنما هي مقطوعات قليلة لا تكاد تصور حياة صاحبها. أما صورة حياة السليك فمصدرها الأول أخبار الرواة وأقاصيصهم عنه. ومع ذلك فشعر السليك -كما يبدو مما وصل إلينا- ليس من الجودة بحيث نأسف على ضياعه، وقديما سئل الأصمعي عنه فقال "ليس من الفحول"١.
الغزوات على الخيل:
ويتحدث الشعراء الصعاليك أيضا عن عزواتهم على الخيل. وليس هناك ما يمنع الصعاليك من استخدام الخيل في غزواتهم إذا وجدت، وليس في هذا ما يطعن في مقدرتهم على العدو، فهي مقدرة معترف لهم بها. هذا إلى أن بعض الصعاليك لم يكونوا عدائين.
وقد عرفت أسماء خيل بعض الصعاليك، فقرمل فرس عروة بن الورد٢، والنحام فرس السليك٣، واليحموم فرس الشنفرى٤.
стр. 214
ويتحدث الصعاليك أحيانا عن غزواتهم على الخيل مقترنة بغزواتهم على الأقدام، على نحو ما رأينا في الفصل الأول من الباب الأول من أبيات تأبط شرا وعروة. ويتحدثون أحيانا أخرى عن غزواتهم على الخيل حديثا مستقلا. وهي ظاهرة أكثر ما نجدها في شعر عروة.
فهو يتوعد حينا أولئك الأغنياء المطمئنين الذين حسبوا أن لن يجرؤ على غزوهم أحد، وينذرهم بأنه سوف يفزعهم بخيل نشطة تطرد أمامها إبلهم المنفرة طردا عنيفا:
سيفرع بعد اليأس من لا يخافنا ... كواسع في أخرى السوام المنفر١
وحينا آخر يصرح بأنه لن يكف عن المغامرة في سبيل الغنى ومعه جماعة من الصعاليك الفرسان حتى يحقق أهدافه أو يعذر نفسه:
فإني لمستاف البلاد بسربة ... فمبلغ نفسي عذرها أو مطوف٢
ويشير أحيانا أخرى إلى نجاته من مأزق حرج على ظهر جواده "قرمل"، وهو يعد ذلك منة لهذا الجواد لا تنسى:
كليلة شيباء التي لست ناسيا ... وليلتنا إذ من ما من قرمل٣
ويصرح السليك، ذلك الرجلي الذي يُضرب به المثل في سرعة العدو، بشدة حاجته إلى فرسه في أثناء غارات أصحابه الفرسان على أهدافهم:
وما يدريك ما فقري إليه ... إذا ما الركب في نهب أغاروا٤
وكذلك الشنفرى، ذلك الرجلي الآخر الذي يُضرب به المثل أيضا في سرعة العدو، يتحدث عن فرسه طريفا، ففرسه لا عيب فيه سوى هزاله، ولكنه جريء مقدام، تطغى جرأته وإقدامه في أثناء القتال على هزاله، بل إن الخيل السمينة لا تستطيع الوقوف أمامه:
стр. 215
ولا عيب في اليحموم غير هزاله ... على أنه يوم الهياج سمين
وكم من عظيم الخلق عبل موثق ... حواه وفيه بعد ذاك جنون١
وطرافة الصورة تأتي من أن الشنفرى يضفي صفات التصعلك على جواده، فهو جواد هزيل كصاحبه، جنى عليهما الفقر والجوع، ولكنه كصاحبه أيضا جريء مقدام، كأنما يشعر كما يشعر صاحبه بأن الحق للقوة، وأن الرزق في الشجاعة، وأن الجواد الخامل كالصعلوك الخامل. وتأتي طرافة الصورة أيضا من أن الشنفرى يلون صورة جواده بألوان مغامراته هو، فإذا جواده صورة منه، كم حوى من خيل سمينة قوية موثقة، كشأنه هو مع أفراد مجتمع الأغنياء، وهكذا يقدم لنا الشنفرى جواده على أنه "جواد صعلوك".
فإذا ما قتل الشنفرى، وفزع صديقه الحميم وأستاذه تأبط شرا لأحزانه عليه يستمد منها رثاءه له، لم ينس ذلك "الجواد الصعلوك" فخصه ببيتين رائعين من مرثيته، عند حديثه عن الوسائل التي كان يعتمد عليها الشنفرى في قتاله، عزمه، وقوسه، وسيفه، وفرسه:
وأشقر غيداق الجراء كأنه ... عقاب تدلى بين نيقين كاسر
يجم جموم البحر طال عبابه ... إذ فاض منه أول جاش آخر٢
الآراء الاجتماعية والاقتصادية:
من الطبيعي أن يعلل الشعراء الصعاليك لمغامراتهم الدامية التي وهبوا لها حياتهم، وأن يفسروا الدوافع التي دفعتهم إلى تلك الثورة التي أشعلوها في وجه مجتمعهم، حتى تكون حركتهم التي وصفها مجتمعهم بالشذوذ قائمة على أساس معلل مسبب، وحتى تكون إجاباتهم حاضرة لكل من يسألهم: