← Адаб

Адаб · id 22828

الشعراء الصعاليك في العصر الجاهلي

يوسف خليف

Полный текст (331 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

ويحرص الصعاليك العداءون على تسجيل ظاهرة طريفة في حديثهم عن العدو، وهي حركة ثيابهم عند عدوهم، وما يفعلونه أو تفعله الرياح بها، وهي ظاهرة تستمد طرافتها من صدقها وبساطتها وواقعيتها، ومن أطرف الأشياء في هذا الصدد أنهم أكثر ما يذكرون ثيابهم يذكرون أنها بالية ممزقة. يصف صخر الغي صاحب له بأنه يعدو فيرفع باطن ركبتيه ثوبه الخلق: ترى عدوه صبح إقوائه ... إذا رفع المأبضان الحشيفا كعدو أقب رباع ترى ... بفائله ونساه نسوفا١ أما أبو خراش فثوبه الخلق البالي يهتز في أثناء عدوه كأنه ينتفض من حمى تلازمه: فعديت شيئا والدريس كأنما ... يزعزعه ورد من الموم مردم٢ وهو أحيانا يضيق بثيابه لأنها تعوقه عن سرعة العدو فيطرحها عنه: ورفعت ساقا لا يُخاف عثارها ... وطرحت عني بالعراء ثيابي٣ وفي قصيدة أخرى يصف جماعة من العدائين وقد ألقوا ثيابهم عنهم من شدة عدوهم: وعادية تُلقي الثياب وزعتها ... كرجل الجراد ينتحي شرف الحزم٤ ويتحدث تأبط شرا عن مطاردة حاجز الأزدي وأصحابه له، ويصفهم بأنهم قد ألقوا عن أجسادهم ثيابهم البالية، وشمروا عن سيقانهم ليسهل عليهم إدراكه: فتعتعت حضني حاجز وصحابه ... وقد نبذوا خلقانهم وتشنعوا٥

стр. 212

ومما يتصل بهذا حديثهم عن نعالهم، ووصفها بأنها بالية ممزقة، لكثرة سيرهم وعدوهم. يتحدث تأبط ششرا عن صعوده إلى المرقبة بنعل بالية ممزقة قد شدها بسيور بع أن جعل تحتها نعلا أخرى: بشرثة خلق يُوقى البنان بها ... شددت فيها سريحا بعد إطراق١ ويصف الشنفرى نعليه بأنهما ممزقتان كأنهما أشلاء السماني، وبأنه خلعهما في بعض طريقه إما ليسهل عليه عدوه، وإما لأنهما لم تعودا صالحتين للاستعمال لتمزقهما الشديد: ونعل كأشلاء السماني تركتها ... على جنب مور كالنحيزة أغبرا٢ وهي صورة نجدها عند أبي خراش أيضا: ونعل كأشلاء السماني نبذتها ... خلاف ندى من آخر الليل أورهم٣ ومن الطريف أننا نجد لأبي خراش قصيدة نظمها في مدح رجل حذاه نعلين جديدتين٤، وهو فيها مقدر له هذا الصنيع تقديرا كبير، معجب بنعليه الجديدتين، يصفهما، ويصف صنعهما، ويتحدث عن قيمتهما في حياته؛ إذ يروح بهما متأنقا للهوه، ويستخدمهما في سيره وعدوه، ومن يدري فلعل له فيهما مآرب أخرى!! وهنا نقف لنتساءل: أين شعر السليك في العدو، وهو الصعلوك العداء الرجلي الذي يضرب به المثل في سرعة العدو، والذي تحدث عن سرعته رواة

стр. 213

أخباره والشعراء المعاصرون له، والذي اتخذه الشعراء من بعد مادة طريفة لأحاديثهم عن السرعة؟ الحق يقال إنها مسألة غريبة ألا نجد للسليك شعرا يتحدث فيه عن سرعة عدوه، ولكن يبدو أن أقرب الفروض لتعليل هذه المسألة هو أن شعر السليك في عدوه وسرعته قد فقد. وليس من شك عندي في أن جانبا كبيرا من شعر السليك قد فقد، فليس من المعقول أن كل ما نظمه السليك من شعر لا يعدو تلك الأبيات القليلة المتفرقة في مصادر الأدب العربي المختلفة. وإذا كنا قد لاحظنا أن مجموعة السليك الفنية لا تضم حديثا عن هذا الجانب من حياته، فإننا نلاحظ أيضا أنها لا تصور جوانب حياته الأخرى تصويرا كاملا أو شبه كامل، وإنما هي مقطوعات قليلة لا تكاد تصور حياة صاحبها. أما صورة حياة السليك فمصدرها الأول أخبار الرواة وأقاصيصهم عنه. ومع ذلك فشعر السليك -كما يبدو مما وصل إلينا- ليس من الجودة بحيث نأسف على ضياعه، وقديما سئل الأصمعي عنه فقال "ليس من الفحول"١. الغزوات على الخيل: ويتحدث الشعراء الصعاليك أيضا عن عزواتهم على الخيل. وليس هناك ما يمنع الصعاليك من استخدام الخيل في غزواتهم إذا وجدت، وليس في هذا ما يطعن في مقدرتهم على العدو، فهي مقدرة معترف لهم بها. هذا إلى أن بعض الصعاليك لم يكونوا عدائين. وقد عرفت أسماء خيل بعض الصعاليك، فقرمل فرس عروة بن الورد٢، والنحام فرس السليك٣، واليحموم فرس الشنفرى٤.

стр. 214

ويتحدث الصعاليك أحيانا عن غزواتهم على الخيل مقترنة بغزواتهم على الأقدام، على نحو ما رأينا في الفصل الأول من الباب الأول من أبيات تأبط شرا وعروة. ويتحدثون أحيانا أخرى عن غزواتهم على الخيل حديثا مستقلا. وهي ظاهرة أكثر ما نجدها في شعر عروة. فهو يتوعد حينا أولئك الأغنياء المطمئنين الذين حسبوا أن لن يجرؤ على غزوهم أحد، وينذرهم بأنه سوف يفزعهم بخيل نشطة تطرد أمامها إبلهم المنفرة طردا عنيفا: سيفرع بعد اليأس من لا يخافنا ... كواسع في أخرى السوام المنفر١ وحينا آخر يصرح بأنه لن يكف عن المغامرة في سبيل الغنى ومعه جماعة من الصعاليك الفرسان حتى يحقق أهدافه أو يعذر نفسه: فإني لمستاف البلاد بسربة ... فمبلغ نفسي عذرها أو مطوف٢ ويشير أحيانا أخرى إلى نجاته من مأزق حرج على ظهر جواده "قرمل"، وهو يعد ذلك منة لهذا الجواد لا تنسى: كليلة شيباء التي لست ناسيا ... وليلتنا إذ من ما من قرمل٣ ويصرح السليك، ذلك الرجلي الذي يُضرب به المثل في سرعة العدو، بشدة حاجته إلى فرسه في أثناء غارات أصحابه الفرسان على أهدافهم: وما يدريك ما فقري إليه ... إذا ما الركب في نهب أغاروا٤ وكذلك الشنفرى، ذلك الرجلي الآخر الذي يُضرب به المثل أيضا في سرعة العدو، يتحدث عن فرسه طريفا، ففرسه لا عيب فيه سوى هزاله، ولكنه جريء مقدام، تطغى جرأته وإقدامه في أثناء القتال على هزاله، بل إن الخيل السمينة لا تستطيع الوقوف أمامه:

стр. 215

ولا عيب في اليحموم غير هزاله ... على أنه يوم الهياج سمين وكم من عظيم الخلق عبل موثق ... حواه وفيه بعد ذاك جنون١ وطرافة الصورة تأتي من أن الشنفرى يضفي صفات التصعلك على جواده، فهو جواد هزيل كصاحبه، جنى عليهما الفقر والجوع، ولكنه كصاحبه أيضا جريء مقدام، كأنما يشعر كما يشعر صاحبه بأن الحق للقوة، وأن الرزق في الشجاعة، وأن الجواد الخامل كالصعلوك الخامل. وتأتي طرافة الصورة أيضا من أن الشنفرى يلون صورة جواده بألوان مغامراته هو، فإذا جواده صورة منه، كم حوى من خيل سمينة قوية موثقة، كشأنه هو مع أفراد مجتمع الأغنياء، وهكذا يقدم لنا الشنفرى جواده على أنه "جواد صعلوك". فإذا ما قتل الشنفرى، وفزع صديقه الحميم وأستاذه تأبط شرا لأحزانه عليه يستمد منها رثاءه له، لم ينس ذلك "الجواد الصعلوك" فخصه ببيتين رائعين من مرثيته، عند حديثه عن الوسائل التي كان يعتمد عليها الشنفرى في قتاله، عزمه، وقوسه، وسيفه، وفرسه: وأشقر غيداق الجراء كأنه ... عقاب تدلى بين نيقين كاسر يجم جموم البحر طال عبابه ... إذ فاض منه أول جاش آخر٢ الآراء الاجتماعية والاقتصادية: من الطبيعي أن يعلل الشعراء الصعاليك لمغامراتهم الدامية التي وهبوا لها حياتهم، وأن يفسروا الدوافع التي دفعتهم إلى تلك الثورة التي أشعلوها في وجه مجتمعهم، حتى تكون حركتهم التي وصفها مجتمعهم بالشذوذ قائمة على أساس معلل مسبب، وحتى تكون إجاباتهم حاضرة لكل من يسألهم:

стр. 216

تلك المقطوعة التي أشار فيها الشنفرى إلى أنه هجين١ لا نكاد نعثر فيما بين أيدينا من شعر الصعاليك الأغربة على إشارة إلى هذه الظاهرة ذات الأثر البعيد في حياتهم. والذي يبدو لي تعليلا لهذا هو أن الصعاليك الأغربة كانوا يجدون غضاضة في الحديث عن هذه الظاهرة التي كانت مصدر احتقار المجتمع الجاهلي لهم، حتى إن إشارة الشنفرى إليها في تلك المقطوعة السابقة كانت إشارة ملتوية تبدو عليها محاولة التنصل منها، أو على الأقل الدفاع عنها. كما أن حديثهم عنها لا يفيدهم شيئا في قضيتهم؛ لأنها ظاهرة خلقية لا بد لهم فيها، ولا قدرة لهم على تغييرها، وهذا عكس الفقر الذي كثر حديثهم عنه، فهو ظاهرة يستطيعون دفعها وتغييرها، والمقصر في هذا من الصعاليك الخاملين عليه وزره، وعليه لعنة الصعاليك العاملين، وهذا -بطبيعة الحال- إذا لم يكن فيما فُقد من شعر الصعاليك الأغربة حديث عنها. أما عقدة العقد التي اشترك فيها جميع الصعاليك، وتحدث عنها جميع شعرائهم فهي الفقر، تلك الظاهرة الاجتماعية والاقتصادية التي كانت السبب الأقوى في تصعلكهم. ويتحدث الشعراء الصعاليك في أكثر من موضع من شعرهم عن فقرهم، وأسبابه، وتأثيره في أجسامهم، وأثره في حياتهم الاجتماعية، والوسائل التي يسلكونها للتخلص منه، والأسباب التي يحرصون من أجلها على التخلص منه، إلى غير ذلك من ألوان الحديث. يصورالأعلم الهذلي فقره في صورة بدوية ساذجة، ولكنها طريفة: زعمت خناز بأن برمتنا ... تغلي بلحم غير ذي شحم٢ والشاعر الصعلوك هنا قد سجل على نفسه الفقر. ولن تجديه شيئا هذه

стр. 217

المحاولة "المكشوفة" لمدارة فقره حين ادعى أنه زعم من هذه المرأة التي يسبها، ومع ذلك فهو يرد عليها في آخر مقطوعته بأنه يفخر بأكل هذا اللحم الهزيل، ما دامت نفسه لم يمسسها عار ولا إثم: إنا لنأكل لحمنا، فاستيقني ... في غير منقصة ولا إثم١ وفي قصيدته البائية المشهورة يرسم صورة إنسانية مؤثرة له، وهو يفر من أعدائه بعد مغامرة من مغامراته في سبيل العيش، وقد ذكر أهله الفقراء في صحرائهم المجدبة، وحاجة أولاده الصغار الشعث الذين خلفهم وراءه في العراء ولا شيء لهم سوى تلك الذلة التي تبدو عليهم كلما نظروا لمحا إلى أقاربهم في انتظار شيء يجودون به عليهم: وذكرت أهلي بالعرا ... ء وحاجة الشعث التوالب المصرمين من التلا ... د اللامحين إلى الأقارب٢ ويتحدث الشعراء الصعاليك عن أسباب فقرهم، وهم يردونه عادة إلى كرمهم وإسرافهم. فعروة أبو الصعاليك يرد فقره إلى بذله ماله للفقراء المحتاجين الذين يأتون إليه يشكون فقرهم وعوزهم وكثرة أولادهم: إذا قلت قد جاء الغنى حال دونه ... أبو صبية يشكو المفاقر أعجف له خلة لا يدخل الحق دونها ... كريم أصابته خطوب تجرف٣ ويسجل تأبط شرا في قافيته المفضلية حوارا بينه وبين شخص يعذله على كرمه وإسرافه، يصور نفسه فيه كريما لا يُبقي على شيء عنده، مغامرا في سبيل الحصول على مزيد من المال ليرضي به مطالب كرمه، وماذا في الحياة يدفعه إلى الحرص ما دام كل ما فيها فانيا مهما يحرص الإنسان عليه: بل من لعذالة خذالة أشب ... حرق باللوم جلدي أي تحراق يقول أهلكت مالا لو قنعت به ... من ثوب صدق ومن بز وأعلاق

стр. 218

عاذلتي إن بعض اللوم معنفة ... وهل متاع وإن أبقيته باق١ ويذكر أبو خراش أنه كريم يدعو امرأته دائما إلى ألا تدخر شيئا، ولا تبقي لغد شيئا، فإذا لم يجدا في غد بعض زادهما فسيحاول أن يحصل لها على زاد غيره، أو فلتمسك فمها عن الطعام: لقد علمت أم الأديبر أنني ... أقول لها: هدي ولا تذخري لحمي فإن غدا إلا نجد بعض زادنا ... نُفئ لك زادا أو نُعدك بالأزم٢ ويتحدث الشعراء الصعاليك أيضا عن أثر الفقر في أجسامهم، وما يحمله لهم من جوع وهزال. وقد مر بنا٣ حديث السليك عن فعل الجوع به في أشهر الصيف المحرقة، وما كان يصيبه من إغماء ودوار، حتى لقد أوشك أن يفقد حياته صريع الفقر والجوع والهزال، أو -بعبارة أخرى- صريع الصعلكة: وما نلتها حتى تصعلكت حقبة ... وكدت لأسباب المنية أعرف وحتى رأيت الجوع بالصيف ضرني ... إذا قمت تغشاني ظلال فأسدف ويرسم تأبط شرا في بعض شعره صورة لجسمه دقيقة كل الدقة، صورة الشخص الذي لا يبقي من الزاد إلا ما يتعلل به، حتى لقد نشزت أضلاعه، والتصق معاه: قليل ادخار الزاد إلا تعلة ... فقد نشز الشرسوف والتصق المعي٤ وينظر بعض الشعراء الصعاليك إلى المسألة من زاوية أخرى، فيتحدثون عن صبرهم على الجوع واحتمالهم له، متخذين من هذا الحديث مجالا للفخر

стр. 219

بقوة نفوسهم وصدق عزائمهم، ولكننا نلاحظ أن بين النظرتين فرقا في المجال: فأما الذين يشكون من الجوع فإنهم يتحدثون عن ذلك في مجال حديثهم عن مغامراتهم المتمردة، وأما الذين يتحدثون عن صبرهم عليه فإنهم يتحدثون عن ذلك في مجال حديثهم عن قوة نفوسهم. ويقدم لنا أبو خراش صورة نبيلة لذلك الجوع. الذي يطيل حبسه حتى يمله فيمضي عنه دون أن يلحقه من عار، وهو يكتفي بالماء القراح في حين يستمتع البخلاء الأشجاء بزادهم، فإذا ما تلظى الجوع في بطنه فإنه يرده ويغلبه على أمره، وهو يؤثر عياله على نفسه بالطعام، وهو يفعل ذلك كله حتى يعيش حياة كريمة مترفعة لا تسقط إلى مهاوي المذلة والهوان والعار حيث يكون الموت خيرا من الحياة: وإني لأثوي الجوع حتى يملني ... فيذهب لم يدنس ثيابي ولا جرمي وأغتبق الماء القراح فأنتهي ... إذا الزاد أمسى للمزلج ذا طعم أرد شجاع البطن قد تعلمينه ... وأوثر غيري من عيالك بالطعم مخافة أن أحيا برغم وذلة ... وللموت خير من حياة على رغم١ ومن الطبيعي أن يتحدث الشعراء الصعاليك عن تلك السياط النفسية التي يصبها الفقر على نفوسهم، والتي تحدثنا عنها في الفصل الأول من الباب الأول. وفي شعر عروة أحاديث طويلة عن هوان منزلة الصعاليك الاجتماعية، ومقامهم خلف أدبار البيوت، وسوء منظرهم في هذا المقام الذليل، وعن تلك الغضاضة التي يراها عليهم، وكيف يتوارون عن الناس، فلا يقيمون إلا حيث لا يراهم أحد، وعن ضيق أقاربهم حتى ليوشكوا أن ينكروا قرابتهم لهم: رأيت بني لبني عليهم غضاضة ... بيوتهم وسط الحلول التكنف٢ ذريتي أطوف في البلاد لعلني ... أخليك أو أغنيك عن سوء محضر فإن فاز سهم للمنية لم أكن ... جزوعا، وهل عن ذاك من متأخر

стр. 220

وإن فاز سهمي كفكم عن مقاعد ... لكم خلف أدبار البيوت ومنظر١ إذا المرء لم يطلب معاشا لنفسه ... شكا الفقر أو لام الصديق فأكثرا وصار على الأذنين كلا، وأوشكت ... صلات ذوي القربى له أن تنكرا٢ ويرسم السليك صورة إنسنية مؤثرة لما تلاقيه خالاته الإماء السود من الضيم والهوان، وهو عاجز لفقره عن أن يفعل من أجلهن شيئا حتى ليشيب رأسه مما يقاسيه نفسيا من أجلهن: أشاب الرأس أنى كل يوم ... أرى لي خالة وسط الرحال يشق علي أن يلقين ضيما ... ويعجز عن تخلصهن مالي٣ والسليك في هذين البيتين لا يقصد خالاته القريبات شقيقات أمه بالذات، ولكنه يقصد بهن عامة الجنس، فهو يصور فيهما هوان الجنس الأسود الذي تنتمي إليه خالاته، ويقول المبرد "وإنما توجع لخالاته لأنهن كن إماء"٤. ومن الطبيعي أن يتحدث الشعراء الصعاليك، بعد أن عرضوا لمشكلة الفقر وأثرها وأسبابها، عن آرائهم فيها، وكيف يكون السبيل إلى حلها. والسبيل الوحيد إلى ذلك عندهم، كما أسلفنا، الثورة على المجتمع، أو بالذات على طبقة المالة فيه، واغتصاب حقوقهم منها، متعمدين على قوتهم، مهما يكلفهم ذلك من ثمن. وقد صور الشعراء الصعاليك هذا كله في شعرهم، فكما تحدثوا عن مغامراتهم وهي الناحية العملية من حلهم للمشكلة، تحدثوا عن الناحية النظرية فيها، فسجلوا آراءهم الاجتماعية والاقتصادية تسجيلا صادقا بارعا. فهم يحتقرون تلك الطائفة الخاملة من الصعاليك الذين قبلوا وضعهم الاجتماعي الذليل وقنعوا به، فعاشوا على هامش المجتمع ينتظرون من فضلات

стр. 221

الأغنياء ما يسدون به رمقهم، ويعدون ذلك الغنى كل الغنى، لا يفكرون إلا في أنفسهم يلتمسون لها ذلك الزاد القليل الذليل، أما التفكير في أن يكون لهم من الثراء ما يطعمون به غيرهم، ويسجلون به لأنفسهم أحاديث خالدة تتناقلها الأجيال من بعدهم، فهذا أبعد الأشياء عن محيط نفوسهم الضعيفة التي تحيا حياة خاملة متكاسلة أقصى ما فيها من عمل خدمة النساء "الأرستقراطيات" إذا احتجن إليهم. أما الصورة التي يريدون أن يكون عليها أفراد جماعة الصعاليك فهي صورة الصعلوك المغامر القوي النفس الجسد، الذي يشرق وجهه في أوقات الشدة، والذي يهب حياته للمغامرة، ويبث الرعب في قلوب أعدائه حتى ليخشونه في وجوده وفي غيابه، فإذا استغنى فإنه جدير بهذا الغنى لأنه حصل عليه بقوته، وإذا جاءه أجله في ميدان كفاحه فليمض إلى ربه حميدا مبرأ من العار والذم١. وهم حريصون كل الحرص على أن يفرق المجتمع بين هاتين الطائفتين، وكم يتمنون لو عرف لكل طائفة قيمتها، فاحتقر الأولى، وقدر الأخرى حق قدرها. وهذا السليك يوضح ذلك الفرق لصاحبته حتى تكون على بينة من أمرها فلا تخلط بينه وبين صعاليك الطائفة الأولى الخامدة الضعيفة، لعلها إن أدركت هذا لفرق كفت عن هجرة ونال إعجابها: ألا عتبت علي فصارمتني ... وأعجبها ذو اللمم الطوال فإني يابنة الأقوام أربى ... على فضل الوضيء من الرجال فلا تصلي بصعلوك نئوم ... إذا أمسى يعد من العيال ولكن كل صعلوك ضروب ... بنصل السيف هامات الرجال٢

стр. 222

وما دام الأمر كذلك فليرسموا لأولئك الذين آمنوا بدعوتهم خطة العمل، وليحببوها إلى قلوبهم، وليدافعوا عنها وعنهم كما دفعوهم إليها. وقد ترددت هذه المعاني كثيرا في شعرهم، ووقف عروة بن الورد بالذات -كما يقف صاحب المذهب- يدعو إلى مذهبه ويحببه إلى قلوب الناس، ويدافع عنه. وليس في هذا غرابة، فلم يكن عروة يعد نفسه صعلوكا من الصعاليك، وإنما كان يعد نفسه زعيما للصعاليك، أو داعية لفلسفة التصعلك، إن صحت العبارة. وبهذه النظرية نظر إليه رفاقه، وبحق سموه أبا الصعاليك١. والخطة العملية في فلسفتهم الغزو والإغارة، وكما كثر في شعرهم الحديث عن الجانب التنفيذي من هذه الخطة، كثر أيضا حديثهم عن الجانب التشريعي منها، أو بعبارة أخرى كثرت دعوتهم إليها. وأكثر من ظهر عنده هذا الجانب التشريعي عروة بحكم وضعه داعية لفلسفة الصعلكة. وأساس دعوتهم أن هذه الخطة هي السبيل الوحيدة للغنى لمن هو في مثل حالتهم: متى تطلب المال الممنع بالقنا ... تعش ماجدا أو تخترمك المخارم٢ ويتحدث الشعراء الصعاليك أيضا عن الأهداف التي يقصدونها بغزواتهم، فيحددون تلك الطوائف من مجتمعهم التي يرون أن يوجهوا إليها رءوس حرابهم، ومن الطبيعي أن تكون طبقة المالة أكثر طبقات مجتمعهم تعرضا لغزواتهم؛ لأنها الهدف الدسم الذي يسيل له لعابهم. ويتحدث تأبط شرا عن ثلاث طوائف من هؤلاء المالة كان يوجه إليهم غزواته: أصحاب المواشي، وأصحاب المزارع الخصبة، وأصحاب النوق الحوامل: فيوما على أهل المواشي وتارة ... لأهل ركيب ذي ثميل وسنبل٣ ولكن أرباب المخاض يشفهم ... إذا اقتفروه واحدا أو مشيعا٤

стр. 223

أما الأعلم فإنه يقصد أولئك السمان المترفين ضعاف القلوب، وهو يرسم في مقطوعة له صورة ساخرة طريفة نموذج من أولئك الذي يجعل منهم أهدافا لغزواته، فهو رجل غني سمين مترف، يعيش بين الستائر والحظائر، وجهت امرأته إليه برها وعنايتها حتى سمنته فأصبح من صنعها، ولكنه مع ذلك ضعيف القلب لو اخترق صحراء لفزعته شخوصها، ولحسب كل شخص فيها فارسا؛ لأنه خائف من أولئك الصعاليك المتربصين به وبأمثاله في أرجائها، الذين إذا رأوه انصبوا عليه كما تتفجر المياه من حوض متهدم يحاول صاحبه إصلاحه دون جدوى، وعندئذ تضطرب نفسه، وينهار كيانه، ويفر هاربا، ويذهب صنع امرأته فيه سدى: أيسخط غزونا رجل سمين ... تكننه الستارة والكنيف ولو رفعت ثوبك في خروق ... تروعك في مهالكها الشدوف تخاف لزام عادية ثعول ... كما يتفجر الحوض اللقيف إذن لذكرت حالك غير عصر ... وأفسد صنعها فيك الوجيف١ أما أولئك الصعاليك الذين خلعتهم قبائلهم، أو خلعوا هم أنفسهم منها، فكما يشاركون غيرهم من الصعاليك في غزوهم أولئك الأغنياء، يحرصون -إلى جانب ذلك- على الانتقام من أولئك الذين كانوا سببا في صعلكتهم. ومن هنا نجد أن لهم أهدافا أخرى غير هؤلاء الأغنياء. كما كان يفعل الشنفرى مع بني سلامان. ويتحدث الشعراء الصعاليك أيضا عن الغاية التي يريدون أن يصلوا إليها من وراء هذه الخطة الدامية التي يسلكونها في حياتهم، وهي -بطبيعة الحال- الغنى. ويسجل الأعلم في أبيات له الأسباب التي يحرص على الغنى من أجلها

стр. 224

في ثلاثة: فأمواله تغنيه عن الناس من ناحية، وهو يعين بها الدعين إذا حلت بهم عظيمة من ناحية ثانية، ثم هو -من ناحية ثالثة- يعدها للأضياف والمعوزين في أيام الجدب والشدة التي لا يجد الناس فيها ما يطعمون به من بكرت بغلام، ولا تجد الأم شيئا تسكت به فطيمها عن البكاء والصراخ جوعا: أحبشي إنا قد يُمتعنا الغنى ... بأموالنا نريحها ونسيمها ونحبسها على العظائم نتقي ... بها دعوة الداعين، إنا نقيمها إذا النفساء لم تخرس ببكرها ... غلاما، ولم يسكت بحتر فطيمها١ ويذكر صخر الغي أنه قتل رجلا من مزينة وسلبه ماله، ليقوي به مال رجل فقير كريم لا يكاد يثبت له مال: في المزنى الذي حششت به ... مال ضريك تلاده نكد٢ أحاديث التشرد: قلنا إن هذه الحياة الواقفة في وجه المجتمع المتمردة عليه الخارجة على نظمه، كان من أثرها أن فقد المجتمع اطمئنانه إلى أصحابها، كما فقد هؤلاء طمأنينتهم فيه، وقلنا إن النتيجة الطبيعية لهذا كانت هي التشرد. وقد تحدث الشعراء الصعاليك عن تشردهم في أرجاء الصحراء الموحشة، ووديانها المخيفة، وافتخروا باهتدائهم فيها دون دليل، أو قيامهم بمهمة الدليل لجماعة من رفاقهم، واتخذوا من هذا مادة للفخر بأنفسهم، أو لمدح رفاقهم الصعاليك. يفتخر تأبط شرا -في حديثه إلى امرأة خطبها فامتنعت عليه- بأنه لطول تشرده ألفته وحش الصحراء واطمأنت إليه، حتى لتوشك أن تصافحه لو أن وحشا تصافح إنسا: يبيت بمغنى الوحش حتى ألفنه ... ويصبح لا يحمي لها الدهر مرتعا

стр. 225

رأين فتى لا صيد وحش يهمه ... فلو صافحت إنسا لصافحته معا١ ويفتخر في قافيته المشهورة بكرمه وتشرده، ويتوعد عاذليه إن لم يكفوا عن عذله بترك ديارهم والمضي متشردا في الآفاق البعيدة حتى يختفي عنهم وما هم بقادرين على معرفة مكانه مهما يجدوا في السؤال عنه: إني زعيم لئن لم تتركوا عذلي ... أن يسأل الحي عني أهل آفاق أن يسأل القوم عني أهل معرفة ... فلا يخبرهم عن ثابت لاق٢ ويمدح صديقا له من الصعاليك، فلا يجد خيرا من أن يبدأ مدحه بذكر تشرده: قليل التشكي للمهم يصيبه ... كثير الهوى شتى النوى والمسالك يظل بموماة ويمسي بغيرها ... جحيشا ويعروري ظهور المهالك٣ ثم يمدحه بطائفة من المعاني الأخرى، ولكنه لا ينسى أن يختم مقطوعته بذكر تشرده مرة أخرى، كأنما هو حريص على أن يؤكد هذه الميزة لصاحبه الذي بلغ به تشرده أن أصبحت الوحشة أنسه الأنيس، والصحراء الغامضة المجهولة كتابا مفتوحا يهتدي فيه كما تهتدي الشمس في فلكها: يرى الوحشة الأنس الأنيس ويهتدي ... بحيث اهتدت أم النجوم الشوابك٤ ويفتخر عروة بمقدرته على الاهتداء في الفلاة الغامضة المخوفة التي يعرض سالكها نفسه للمهالك من غير أن يستشير أحدا أو يستعين بأحد: وغبراء مخشي رداه مخوفة ... أخوها بأسباب المنايا مغرر قطعت بها شك الخلاج ولم أقل ... لخيابة هبابة كيف تأمر٥

стр. 226

وتأخذ الصورة عند أبي خراش وضعا آخر، فهو لا يقنع باهتدائه في مجاهل الصحراء، بل يذكر في مجال فخره أنه يهدي رفاقه في الليالي المظلمة: وإني لأهدى القوم في ليلة الدجى ... وأرمي إذا ما قيل هل من فتى يرمي١ ويتحدث الشعراء الصعاليك عن أماكن تشردهم في قلب الصحراء، وبعدها عن المناطق المأنوسة، وما يحيط بها من أهوال، وما يكتنف الطريق إليها من مخاوف. يتحدث تأبط شرا عن شعب من شعاب الصحراء، في جهة نائية مهجورة، ضربت حوله الجبال نطاقا، حتى غدا الطريق إليه وعرا، وملأته الصخور، وتجمعت فيه آثار من مياه قديمة لا تُعرف مصادرها، ويفتخر بأنه اهتدى إليه دون دليل، ودون أن يسأل أحدا عنه: وشعب كشل الثوب شكس طريقه ... مجامع صوحيه نطاق محاصر به من سيول الصيف بيض أقرها ... جبار، لصم الصخر فيه قراقر تبطنته بالقوم، لم يهدني له ... دليل، ولم يثبت لي النعت خابر به سملات من مياه قديمة ... مواردها ما إن لهم مصادر٢ ويتحدث الشنفرى عن واد بعيد في أعماق الصحراء ملتف الشجر، قد ألفته الجن والآساد، حتى بات يخشاه المغامرون الشجعان، وكيف أقدم في جرأة وشجاعة على السير فيه في وقت مبكر قبل أن يتطاير الندى عن أشجاره: وواد بعيد العمق ضنك جماعه ... بواطنه للجن والأسد مألف تعسفت منه بعد ما سقط الندى ... غماليل يخشى غيلها المتعسف٣ وقد قلنا إنه نتيجة لهذا التشرد وردت في أشعار الصعاليك أحاديث كثيرة

стр. 227

عن حيوان الصحراء ووحشها وطيرها وحشراتها وما يخيل للساري فيها من أشباح. وحين نستعرض مجموعة شعر الصعاليك التي بين أيدينا نجد أنهم تعرضوا بالذكر لسبعة وعشرين نوعا من هذه الفصائل السابقة: الذئب، والضبع، والسمع، والنمر، والأسد، والثعلب، والضب، ثم حمار الوحش، والنعام، والوعول، والظباء، والأرانب، ثم الحيات، والعظايا، ثم النسر، والصقر، والعقاب، والغراب، والبوم، والسماني، والقمري، والقطاة، والهدهد، ثم النحل، والجراد، ثم الجن، والغيلان. ومن الطبيعي ألا يتحدث الشعراء الصعاليك عن هذه الأنواع جميعا بدرجة واحدة، فإن بعضها أقرب إلى طبيعة حياتهم، وأدل على تصويرها، وأصلح للانتفاع به في فنهم من بعضها. ومن هنا تفاوت اهتمام الشعراء الصعاليك بهذه لأنواع تفاوتا كبيرا. وقد رأينا كيف استغل العداءون منهم تلك المجموعة من الحيوان السريع العدو في حديثهم عن سرعة عدوهم استغلالا رائعا ممتازا، ورأينا تأبط شرا يذكر في بعض شعره أن وحش الصحراء قد ألفته ولم تعد تشخاه أو تنفر منه، كما رأينا الشنفرى، وهو يصف الوادي البعيد الذي اعتسفه، يذكر أنه موطن للجن والآساد. ولكن الأمر لا يقف بالشعراء الصعاليك عند هذا الحد، بل يتجاوز ذلك أحيانا إلى تعرضهم لبعض هذه الأنواع بالوصف الدقيق المفصل، الأمر الذي لا يتهيأ إلا لمن اتصل بها اتصالا قريبا عرف منه طبائعها وعاداتها. ففي شعر عروة وصف للأسد، فهو عريض الساعدين عريض الصدر، رابض فوق أجمة يتساقط قصبها فوق ظهره، ولكن إذا بدت له فريسة فما هي إلا وثبة واحدة حتى يقتنصها، أما زئيره فيشبه صوت الرعد: تبغاني الأعداء إما إلى دم ... وإما عراض الساعدين مصدرا بظل الأباء ساقطا فوق متنه ... له العدوة الأولى إذا القرن أصحرا

стр. 228

كأن خوات الرعد رز زئيره ... من اللاء يسكن الغريف بعثرا١ وتستأثر الضباع بجزء كبير من شعر الأعلم، وهو يصفها وصفا دقيقا، ويصف جراءها، وفعلهن بفريسنهن، فالضبع غليظة لها ثماني جواعر خلف أظلافها شعرات مجتمعة، وفويق هذه الشعرات دوائر مثل الخلاخيل يخالف لونها سائر لون الأرجل: عشنزرة جواعرها ثمان ... فويق زماعها خدم حجول٢ ويصف جراءها، وانتفاخ بطونهن، وسواد جلودهن كأنما ارتدين ثياب رهبان، وقصر آذانهن العريضة التي تشبه المغارف، وما يفعلنه بالفريسة المسكينة التي تجر أمهن إليهن لحمها، وكيف ينتزعن جلدها كما ينزع القيون بطائن الجفون البالية: وتجر مجرية لها ... لحمي إلى أجر حواشب سود سحاليل كأن ... جلودهن ثياب راهب آذانهن إذا احتضر ... ن فريسة مثل المذانب ينزعن جلد المرء نز ... ع القين أخلاق المذاهب٣ وهي صورة يخشاها تأبط شرا أيضا، ويصورها في بعض قصائده، فالضبع تنبش الأرض عن الجيف المدفونة، ثم تنشب فيها أنيابها وبراثنها، ثم تدعو رفيقاتها وبناتها، فيسارعن إليها ليشاركنها نهشها:

стр. 229

فزحزحت عنهم أو تجئني منبتي ... بغبراء أو عرفاء تفري الدفائنا كأني أراها الموت لادر درها ... إذا أمكنت أنيابها والبراثنا وقالت الأخرى خلفها وبناتها: ... حتوف تنقي مخ من كان واهنا أخاليج وراد على ذي محافل ... إذا نزعوا مدوا الدلا والشواطنا١ أما الشنفرى فلا يخشى على جسده الضبع، بل يحرص على أن يهيئ لها منه وليمة شهية، وهو لهذا يبشرها بمقتله، ويطلب إلى قاتليه ألا يدفنوه: لا تقبروني إن قبري محرم ... عليكم ولكن أبشري أم عامر٢ ويرسم أبو خراش في قصيدة له صورة طبيعية صادقة لحمار الوحش وأتنه التي استبان حملها، وما يدور بينه وبينها، فهي تتأبى عليه، وهو يصاولها ويتبعها. ولكن هذا ليس كل شيء في حياة هذا الحيوان، وإنما هناك جانب نفسي آخر في حياته، هو ذلك الذعر الذي يملأ نفسه همًّا من خشية الصيادين، ويعبر الشاعر عن هذا الذعر بمنظر الحمار وقد اعتلى مرتفعا من الأرض يشرف منه على الآفاق حوله، وقد امتلأت نفسه خوفا وهما، حتى إذا آذنت الشمس بالمغيب بعد يوم طويل شديد الحر تذكر إناثه، فأخذ يطاردها مرة أخرى وهي تعدو أمامه فتثير غبارا ممتدا كأنه خيوط لم تبرم: أرى الدهر لا يُبقي على حدثانه ... أقب تباريه جدائد حول أبن عقاقا ثم يرمحن ظلمه ... إباء وفيه صولة وذميل يظل على البز اليفاع كأنه ... من الغار والخوف المحم وبيل وظل لها يوم كأن أواره ... ذكا النار من فيح الفروغ طويل فلما رأين الشمس صارت كأنها ... فويق البضيع في الشعاع خميل

стр. 230

فهيجها وانشام نقعا كأنه ... إذا لفها ثم استمر سحيل١ ويرسم أيضا صورة طبيعية صادقة للون من ألوان الصراع الذي يدور في تلك الصحراء المقفرة بين كائناتها الحية، والصراع هنا بين صقر وأرنب، فالصقر فوق مرتفع مشرف على الآفاق، رأى على بعد أرنبا بين شقوق الأرض، فهوى إليها، ولكنها تسرع لتنجو منه، فيزيد هو من سرعته حتى انقض عليها فانتظم قلبها: ولا أمعر الساقين ظل كأنه ... على محزئلات الإكام نصيل رأى أرنبا من دونها غول أشرج ... بعيد عليهن السراب يزول فضم جناحيه ومن دون ما يرى ... بلاد وحوش أمرع ومحول توائل منه بالضراء كأنها ... سفاة لها فوق التراب زليل يقربه النهض النجيح لما يرى ... ومنه بدو تارة ومثول فأهوى لها في الجو فاختل قلبها ... صيود لحيات القلوب قتول٢ ولعل أطرف ما في شعر الصعاليك من هذا الباب أحاديث الجن والغيلان.

стр. 231

وأكثر ما يرد ذلك في شعر تأبط شرا، وهي صورة -وإن تكن محاطة بإطار أسطوري- تصور ما كان يخيله الوهم لذلك الصعلوك المغامر المتشرد البعيد الآفاق في الليالي المظلمة بين أرجاء الصحراء الموحشة، حيث تتجسم الرؤى أشباحا مخيفة، وتختلط الأصوات في لحن غامض رهيب. ومع ذلك فقد يكون ما يقصده تأبط شرا من الغيلان تلك الفصيلة من الحيوان المعروفة باسم "الغورلا"١، ولكن هذا لا ينفي أن صورتها عنده محاطة بإطار أسطوري. وهو يصور لقاءه لها، بعد أن يمهد لذلك بالحديث عن الليل، ثم يصفها، ويسجل ما دار بينه وبينها، وتنتهي القصيدة بينهما دائما بقتلها: وأدهم قد جبت جلبابه ... كما اجتابت الكاعب الخيعلا إلى أن حدا الصبح أثناءه ... ومزق جلبابه الأليلا على شيم نار تنورتها ... فبت لها مدبرا مقبلا فأصبحت والغول لي جارة ... فيا جارتا أنت ما أهولا وطالبتها بضعها فالتوت ... بوجه تغول فاستغولا فقلت لها يا انظري كي ترى ... فولت فكنت لها أغولا فطار بقحف ابنة الجن ذو ... سفاسق قد أخلق المحملا إذا كل أمهيته بالصفا ... فحد ولم أره صيقلا عظاية قفر لها حلتا ... ن من ورق الطلح لم تغزلا فمن سال أين ثوت جارتي ... فإن لها باللوى منزلا٢ وهناك مقطوعتان أخريان تصوران قصتين أخريين مع الغول والجن٣، ولكن الشك يحيط بنسبتهما إلى تأبط شرا؛ إذ إنهما كما تنسبان له تنسبان لغيره من الشعراء، ولكن هذا لا يدل دلالة واضحة على شهرة تأبط شرا بحديثه عن الجن والغيلان، حتى ليختلط الأمر على الرواة فيما يروى من هذا الحديث أهو له أم لغيره من الشعراء.

стр. 232

٢- الشعر خارج دائرة الصعلكة: آثار القبلية في شعرهم: الباحث في شعر الصعاليك يجد مجموعة من القصائد والمقطوعات قيلت في أغراض قبلية، وتتسم بسمات الشعر الجاهلي القبلي، وهي مجموعة -وإن تكن قليلة متضائلة- تبدو للنظرة الأولى غريبة على شعر الصعاليك؛ لأننا نعرف أن هؤلاء الصعاليك قد تحللوا من التزاماتهم القبلية، فتحللت شخصياتهم الفنية من التأثر بها، فكان طبيعيا أن يخلو شعرهم من تلك الأغراض القبلية التي نراها في سائر الشعر الجاهلي. ولكن المسألة لا تصل إلى درجة المشكلة، فمن الطبيعي أن حياة هؤلاء الصعاليك قد مرت بدورين اجتماعيين: الدور الأول وهو فترة ما قبل التصعلك، تلك الفترة التي كان الصعلوك فيها عضوا عاملا في المجتمع القبلي قبل أن يبلغ سوء توافقه الاجتماعي الذروة التي يبدأ من عندها الدور الثاني في حياته الاجتماعية، وهي فترة تصعلكه التي قد تستمر حتى مقتله أو موته. وليس يعنينا أن يقلع الصعلوك عن تصعلكه، فهو في هذه الحالة لا يبدأ دورا ثالثا في حياته الاجتماعية، وإنما يعود عودة اجتماعية لا عودة زمنية إلى الدور الأول. ومن الطبيعي أيضا أن يكون بعض هؤلاء الصعاليك قد اكتملت مواهبهم الفنية في الدور الأول فشاركوا شعراء القبيلة في حياتهم الفنية، وأيضا قد يشاركونهم فيها إذا ما انتهى الدور الثاني بالعودة إلى الحياة القبلية. ومعنى هذا أن هذه المجموعة القبلية من شعر الصعاليك نتاج لفترتين تمثلان في الحقيقة دورا اجتماعيا واحدا: فترة ما قبل التصعلك وفترة ما بعد التصعلك.

стр. 233

ولعروة بن الورد العبسي مجموعة قليلة من القصائد والمقطوعات في موضوعات قبلية١، كما نعثر برواسب ضيئلة جدا من الحياة القبلية عند صخر الغي الهذلي، والسليك بن السلكة السعدي. أما صخر الغي فلا يتجاوز ما وصل إلينا من شعره القبلي أبياتا قليلة في مقطوعتين يناقض فيهما شاعرا فيهدده بكثرة قومه، وبأنهم ينصرونه، ويأبون له الضيم: وخفض عليك القول واعلم بأنني ... من الأنس الطاحي الحلول العرمرم أبت لي عمرو أن أضام ومازق ... وقرد ولحيان وسهم فسلم٢ ويعلنه بأن قومه يلبون دعوته إذا دعاهم، فيسرعون لنصرته كما تسيل الشعاب بالماء: أبا المثلم إني غبر مهتضم ... إذا دعوت تميما سالت المُسُل٣ وأما السليك فكل ما وصل إلينا من شعره القبلي مقطوعة واحدة في ثلاثة أبيات يحذر فيها قومه من مغيرين قابلهم في بعض تشرده مسرعين إليهم، ويذكر أن قومه يكذبونه، ويؤكد لهم صدقه: يكذبني العمران عمرو بن جندب ... وعمرو بن سعد والمكذب أكذب ثكلتكما إن لم أكن قد رأيتها ... كراديس يهديها إلى الحي موكب كراديس فيها الحوفزان وقومه ... فوارس همام متى يدع يركبوا٤ ومن مجموعة شعر حاجز القليلة التي وصلت إلينا خمس قطع من هذا الشعر القبلي قالها في ظروف قبلية معروفة يذكرها الرواة. وحاجز في هذه القطع مندمج في المجتمع القبلي اندماجا واضحا، يعبر بلسان قومه كما يعبر أي شاعر جاهلي قبلي، يفخر بهم فيذكر أنهم كرماء، ويعتز بأبيه وعمه اللذين أسديا

стр. 234

للقبيلة يدين بيضاوين في يومين من أيامها. والطريف حقا أن حاجزا يبدأ إحدى هذه القصائد كما يبدأ الشعراء القبليون قصائدهم بالنسيب١، فيحيي صاحبته ويدعو لها بالسلامة، ثم يصفها ويتحدث عن صرمها له وبعدها عنه، ثم ينتقل -كما يفعل الشعراء القبليون أيضا- إلى الحديث عن ناقته ورحلته عليها، ثم ينتقل انتقالا مفاجئا -كعادة الشعراء القبلين أيضا- إلى الحديث عن قومه. وكما يفخر حاجز بقومه يذكر أيامهم التي انتصروا فيها: إن تذكروا يوم القرى فإنه ... بواء بأيام كثير عديدها فنحن أبحنا بالشخيصة واهنا ... جهارا فجئنا بالنساء نقودها ويوم كراء قد تدارك ركضنا ... بني مالك والخيل صعر خدودها ويوم الأراكات اللواتي تأخرت ... سراة بني لهبان يدعو شريدها ونحن صبحنا الحي يوم تنومة ... بملمومة يُهوي الشجاع وئيدها ويوم شروم قد تركنا عصابة ... لدى جانب الطرفاء حمرا جلودها فما رغمت حلفا لأمر يصيبها ... من الذل إلا نحن رغما نزيدها٢ ويسجل شماتته، أو -بعبارة أدق- شماتة قبيلته بأعدائهم، ويعيرهم بما فعلوه بهم من قتل رجالهم وسبي نسائهم: يا ضمر هل نلناكم بدمائنا ... أم هل حدونا نعلكم بمثال تبكي لقتلى من فقيم قتلوا ... فاليوم تبكي صادقا لهلال ولقد شفاني أن رأيت نساءكم ... يبكين مردفة على الأكفال يا ضمر إن الحرب أضحت بيننا ... لقحت على الدكاء بعد حيال٣ ويتوعد أعداء قبيلته، ويهددهم بأبطال شجعان من قومه مسلحين

стр. 235

بالسيوف والرماح قد عرفتهم القبائل من قبل: ستمنعنا منكم ومن سوء صنعكم ... صفائح بيض أخلصتها الصياقل وأسمر خطي إذا هز عاسل ... بأيدي كماة جربتها القبائل١ وأما قيس بن الحدادية ففي مجموعة شعره القليلة أيضا التي وصلت إلينا، نعثر بثلاث قطع من الشعر القبلي، إذا أخرجنا تلك القصيدة البائية المشكوك فيها، والتي أشرنا إليها في الفصل السابق٢. وشأن قيس في هذا الشعر شأن حاجز في شعره القبلي شأن سائر الشعراء القبليين، يفخر بانتصار قومه على أعدائهم، ويسجل أسماء من قتلوا منهم، ويذكر عودتهم بالإبل التي غنموها، والنساء اللاتي سبوهن٣، ويعتز بقومه حين تغزوهم قبيلة أخرى فيثبتون لهم، ويردونهم على أعقابهم خاسرين، بعد أن أعمل فيه فرسانهم الرماح والسيوف التي تنتزع سواعدهم٤، ويهجو أعداء قومه ويرد عليهم دعواهم بالنصر بأنهم يفخرون بيوم ليس لهم، ويعيرهم بفراراهم أمامهم، والخيل تركض خلفهم، وقد تركوا وراءهم أسرى٥. وقد يكون من الطريف أن نلاحظ أن اثنتين من هذه القطع الثلاث نقيضتان بين قيس وبين شاعرين من أعداء قومه٦ يرد بهما عليهما، وهي صورة أدل على قبلية هذا الشعر؛ لأن قيسا حريص على أن يكون رده على هذين الشاعرين من جنس قولهما، وهما شاعران قبليان. وعلى كل حال فهذه المجموعة من الشعر القبلي التي تقابلنا في شعر الصعاليك قليلة، كما أن عدد شعرائها قليل أيضا.

стр. 236

المجموعة الإسلامية في شعرهم: حين ننظر فيما بين أيدينا من شعر الصعاليك نجد مجموعة أخرى قليلة نظمها المخضرمون منهم: أبو الطمحان القيني، وأبو خراش الهذلي، وفضالة بن شريك الأسدي، بعد أن أشرقت الجزيرة العربية بنور ربها. وقبل أن نمضي في استعراض موضوعات هذه المجموعة التي يصح أن نطلق عليها "المجموعة الإسلامية في شعر الصعاليك" نقف لنسجل ملاحظتين: أولاهما أن مجموعة من شعر أبي الطمحان ليس من اليسير تمييز الجاهلي فيها من الإسلامي؛ إذ إن كل ما يرويه الرواة حولها من أخبار لا يكفي لتحديد الوقت الذي قيلت فيه، كما أن هذه المجموعة خالية تماما من الإشارات التي تحدد زمنها، ما عدا بيتين يصف فيهما انحناء جسمه وتقارب خطوه١، مما يرجح أنه قالهما في شيخوخته المتأخرة، وبيتين آخرين في مدح يزيد بن عبد الملك يذكر الأصمعي أنه أعطاهما مغنيا ليتغنى بهما في مجلس يزيد٢. وأما الملاحظة الأخرى فهي أن كل ما وصل إلينا من شعر فضالة بن شريك إسلامي، تؤكد ذلك أخباره والأسماء الإسلامية التي وردت فيه، أما شعره الصعلكي فلم يصل إلينا شيء منه، مع أنهم يذكرون عنه أنه "كان شاعرا فاتكا صعلوكا مخضرما أدرك الجاهلية والإسلام"٣. وهي ظاهرة غريبة وقفت طويلا أمام تعليلها، وانتهيت إلى فرضين: إما أن فضالة لم يكن قد نضج فنيا في الجاهلية، ولم يتم نضجه إلا بعد الإسلام، وإما أن يكون له شعر داخل دائرة التصعلك ولكن عملت ظروف خاصة على ضياعه، وأنا أرجح هذا الفرض الأخير، وأرجح أن أهم هذه الظروف المركز الاجتماعي لابنه فاتك، فقد "كان سيدا جوادا"٤، وكان كريما على بني أمية، وهو

стр. 237

الوافد على عبد الملك بن مروان قبل أن ينهض إلى حرب ابن الزبير فضمن له على أهل العراق طاعتهم وتسليم بلادهم إليه، وأن يسلموا مصعبا إذا لقيه ويتفرقوا عنه، وله يقول الأقيشر في هذه الوفادة: وفد الوفود فكنت أفضل وافد ... يا فاتك بن فضالة بن شريك١ وقد يؤيد هذا أن كل أخبار تصعلك فضالة قد ضاعت أيضا، والسبب هنا هو السبب هناك، ولو قد وصل إلينا شيء منها لوقفنا من هذا الفرض موقف المتشكك. ومهما يكن من أمر فإن موضوعات "المجموعة الإسلامية في شعر الصعاليك" قد خلت من تلك الموضوعات التي عرفناها في شعرهم داخل دائرة التصعلك، وهذا طبيعي بعد أن غير الإسلام من أوضاع الحياة العربية الاجتماعية والاقتصادية ولم يعد للتصعلك مجال فيها. وتوشك موضوعات هذه المجموعة الإسلامية أن تنحصر في تلك الموضوعات العامة التي يعرفها الشعر العربي: المدح والهجاء والرثاء. أما المدح والهجاء فيوشك فضالة أن يستأثر بهما. ويبدو أن فضالة أدرك أن هذه وسيلة من وسائل العيش تغنيه عن التصعلك، فاندمج في الوسط السياسي الأموي، وشارك شعراءه، وأصبح شاعرا أمويا يمدح الأمويين ويهجو أعداءهم. وهو يؤثر بالمدح خاصة يزيد بن معاوية٢، وقد تبدو هذه الصلة بين يزيد وفضالة طبيعية، فقد كان يزيد بما فيه من استهتار وجاهلية أقرب إلى نفس فضالة الصعلوك، حتى ليجيره من عمرو بن سعيد بن العاص أمير المدينة يؤمئذ بعد أن هرب منها لهجائه عاصم بن عمر بن الخطاب، واستعداء عاصم الأمير عليه٣، وهو -وإن يكن قد آثر يزيد بمدحه- لم ينس أن يمدح بني أمية عامة٤.

стр. 238

أما الهجاء فقد صبه مرة على عاصم بن عمر بن الخطاب، كما رأينا؛ لأنه "نزل به فلم يقره شيئا، ولم يبعث إليه ولا إلى أصحابه بشيء وقد عرفوه مكانهم"، وهو يعلن له في بعض هجائه أنه لولا فضل أبيه لقلده خزيا وعارا: فلولا يد الفاروق قلدت عاصما ... مطوقة يخزى بها في المواسم١ وصبه مرة ثانية على رجل من سليم أودع عنده ناقة وخرج في سفر فلما عاد وطلبها منه ذكر السلمي أنها سرقت٢. وصبه مرة ثالثة على عبد الله بن مطيع وإلى عبد الله بن الزبير على الكوفة بعد أن طرده عنها المختار الثقفي٣، وعلى عبد الله بن الزبير نفسه في قصيدة ينسبها بعض الرواة إليه، وينسبها بعضهم إلى ابنه عبد الله٤. وصبه مرة رابعة على رجل من الكوفة تزوج امرأة فسأل في صداقها٥، وهي مسألة مشينة وبخاصة في نفس صعلوك لم يرض أن يتخذ من السؤال وسيلة للعيش في يوم من الأيام. وقد روى بيتان لأبي الطمحان يمدح بهما يزيد بن عبد الملك وكان قد انتجعه: يكاد الغمام الغر يرعد أن رأى ... محيا ابن مروان وينهل بارقه يظل فتيت المسلك في رونق الضحى ... تسيل به أصداغه ومفارقه٦ أما الرثاء فقد اختص به أبو خراش، شأنه في ذلك شأن سائر الشعراء الهذليين الذين عرفوا بمقدرتهم الرثائية الفائقة. والطريف أن أبا خراش في الإسلام يرثي أصدقاءه في الجاهلية، وبين أيدينا من شعره الإسلامي أربع قطع يرثي بها صديقين من أصدقاء الجاهلية: أخاه أو ابن عمه زهير بن

стр. 239

العجوة١ الذي يخصه بثلاث منها: قصيدتين ومقطوعة٢، ودبية سادن العزى الذي يرثيه بمقطوعة من أربعة أبيات٣. وتتجلى لوعته وفجيعته بالذات على زهير الذي يبدو من حديثه عنه أنه كان أيضا رفيقا له في مغامراته٤، أما دبية فلا يتحدث عنه حديث الملتاع المفجوع بقدر ما يتحدث عنه حديث الذاكر لأيامه الآسف على انقضائها، ولعله وفاء بدين كان لدبية في عنق أبي خراش، أو -بعبارة أدق- في قدمي أبي خراش منذ أيام تصعلكه، فقد حذاه دبية مرة نعلين فرح بهما فرحا شديدا، ومدحه بمقطوعة يسجل فيها هذه الهدية وقيمتها له٥. والأمر الذي لا شك فيه أن أبا خراش كان جريئا حين وقف في الإسلام يرثي دبية سادن العزى الذي قتله خالد بن الوليد بأمر من النبي صلى الله عليه وسلم٦. ومع ذلك فمن المحتمل أن أبا خرش حين قتل دبية لم يكن قد أسلم بعد، ولكن يبدو أنه احتمال ضعيف نظرا لطبيعة المرثية التي بين أيدينا، فإن أبا خراش فيها لم يتعرض لقاتل دبية على الإطلاق، ولو كان أبو خراش قالها قبل إسلامه لتعرض لخالد بن الوليد كما فعل مع قاتل زهير. ومع ذلك فقد يكون الرواة أسقطوا منها تعرضه لخالد، وحتى مع هذا الاحتمال بأنه قالها قبل إسلامه فلا شك في أنه كان جريئا حتى وقف يرثي دبية في ذلك الوقت الذي أخذ فيه المسلمون يسيطرون على الموقف في جزيرة العرب؛ إذ إن دبية لم يقتل إلا بعد فتح مكة٧. ويرثي أبو خراش صديقيه بمعان مألوفة في الشعر الجاهلي عامة: الكرم والشجاعة وعجز الإنسان أمام الموت الذي لا ينجو منه حي حتى الحيوان

стр. 240

الشارد في صحرائه، ولكنا نقف أمام ظاهرتين طريفتين تستحقان التسجيل: أولاهما: رواسب الصعلكة في شعر أبي خراش الإسلامي. والأخرى: تأثير الإسلام فيه. فما زالت صورة الفقراء المهتلكين الجياع ذوي الثياب البالية، والضباع التي تنتظر أجساد القتلى في اشتهاء ظامئ، والثأر الذي يملأ النفوس حقدا وغليلا، وذكريات الماضي الذي لا ينساه أبو خراش، تتردد في رثائه لزهير، وبخاصة في لاميتيه١. ومع هذه الصورة نعثر على صورة أخرى لتلك الحياة التي تغيرت ظروفها نتيجة لظهور الإسلام، فقد أحاطت برقاب هؤلاء الصعاليك سلاسل الدين الجديد، فلم يعودوا قادرين على أن يمضوا في حياتهم كما كانوا في الجاهلية، وأصبح مقياس الأمور في هذه الحياة الإسلامية العدل والحق، أما الظلم والباطل فقد مضى عهدها الطائش الجاهل، وأصبح فتيان الصعاليك وقد تفرقت جماعاتهم كأنما فرق بينهم الموت: فليس كعهد الديار يا أم مالك ... ولكن أحاطت بالرقاب السلاسل وعاد الفتى كالكهل ليس بقائل ... سوى العدل شيئا فاستراح العواذل فأصبح إخوان الصفاء كأنما ... أهال عليهم جانب التراب هائل٢ وأشد ما يملأ نفس أبي خراش غيظا وغليلا أنه أصبح عاجزا عن أن يثأر لصاحبه من قاتله، وهو من قريش، أولئك الذين صارت الإمارة والملك فيهم، ولولا ذلك ما كان ليخشاهم، ولكن ماذا يفعل سوى أن يظل طول عمره مغيظا محنقا عليهم حتى يُقتلوا بصاحبه: فما كنت أخشى أن تنال دماءنا ... قريش ولما يُقتلوا بقتيل وأبرح ما أمرتم وملكتم ... يد الدهر ما لم يُقتلوا بغليل٣

стр. 241

وهكذا تمتزج الصورتان في صورة رائعة طريفة لوناها التصعلك والإسلام. والطريف أيضا أن أبا خراش بعد أن أسلم وحسن إسلامه١، وبعد أن عاش في الإسلام عمرا طويلا امتد به حتى خلافة عمر بن الخطاب٢، حين يقف على البرزخ الفاصل بين الحياة والموت، لا يأسف على شيء كما يأسف على ساقه التي نهشتها حية، والتي طالما أعانته في حياته وكان لها عليه فضل أي فضل: لعمرك والمنايا غالبات ... على الإنسان تطلع كل نجد لقد أهلكت حية بطن أنف ... على الأصحاب ساقا ذات فقد٣ لقد أهلكت حية بطن أنف ... على الأصحاب ساقا ذات فضل فما تركت عدوا بين بصرى ... إلى صنعاء يطلبه بذحل٤ وهذه أيضا من رواسب تلك الحياة المتصعلكة التي أخلص لها أبو خراش في جاهليته إخلاصا عميقا ظلت آثاره تتسرب من حين إلى حين في شعره الإسلامي. ولأبي خراش بعد ذلك قصيدة في سبعة أبيات يصور فيها حزنه على هجرة ابنه خراش الذي كان قد حمد الله في بعض أيام تصعلكه البعيدة على أن أنجاه له يوم قتل عروة أخوه٥، وكان خراش قد هاجر في خلافة عمر وغزا مع المسلمين، وكان أبوه بطبيعة الحال في ذلك الوقت شيخا كبيرا، فهو يتحدث إلى ابنه في نهاية الأبيات حديثا تبدو فيه روح الإسلام واضحة، فليس البر أن يهاجر خراش لينال أجر الشهادة مع المجاهدين مخلفا أباه رواءه شيخا كبيرا ضعيفا في أشد الحاجة إليه، وإنما البر أن يرعى أباه الذي بلغ عنده الكبر:

стр. 242

ألا فاعلم خراش بأن خير الـ ... ـمهاجر بعد هجرته زهيد فإنك وابتغاء الخير بعدي ... كمخضوب اللبان ولا يصيد١ وكأنما نستشف من هذين البيتين الآيتين الكريمتين ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا، إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا، وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ ٢. وبحق أمر عمر ﵁ بعد أن استمع إلى هذه الأبيات بأن يعود خراش إلى أبيه، وألا يغزو من كان له أب شيخ إلا بعد أن يأذن له٣.

стр. 243

الفصل الثالث: الظواهر الفنية في شعر الصعاليك ١- شعر مقطوعات: حين ننظر في شعر الصعاليك الذي بين أيدينا من الزاوية التي تظهر على بنائه الخارجي، فأول ما يلفت نظرنا فيه أنه شعر مقطوعات. ولسنا نعني بهذا انعدام القصيدة فيه، وإنما نعني ذيوع المقطوعة أكثر من ذيوع القصيدة. وإذا استثنينا تائية الشنفرى المفضلية ذات الأبيات الأربعة والثلاثين في بعض المصادر١. والخمسة والثلاثين في بعض المصادر الأخرى٢، ولامية عمرو ذي الكلب الهذلي ذات الثلاثين بيتا٣، ورائية عروة بن الورد المشهورة٤. وفائة صخرة الغي الهذلي٥، وكل منهما في سبعة وعشرين بيتا، ثم تلك الأبيات المفرقة لتأبط شرا في رثاء الشنفرى التي جمعها ناشر ديوان الشنفرى وتألفت منها قصيدة في سبعة وعشرين بيتا٦، وقافية تأبط شرا المفضلية ذات الأبيات الستة والعشرين٧، وبائية الأعلم٨، وميمية أبي خراش٩، وكلتاهما في

стр. 244

أربعة وعشرين بيتا، ودالية صخر الغي ذات الأبيات الثلاثة والعشرين١، إذا استثنينا هذه القصائد التسع، واستثنينا معها تلك المجموعة القليلة من القصائد الطويلة التي قيلت في أغراض عامة، والتي أخرجناها في الفصل السابق من دائرة شعر التصعلك، فإننا نجد أنفسنا أمام مجموعة كبيرة من المقطوعات التي يتراوح عدد أبيات الواحدة منها بين البيتين والسبعة، وأمام مجموعة أخرى من القصائد القصيرة التي توشك أن تكون مقطوعات لا تتجاوز أطوالها، وهي فائية للشنفرى، عشرين بيتا في بعض المصادر٢، وتسعة عشر بيتا في بعض المصادر الأخرى٣، هذا إلى جانب مجموعة كبيرة من الأبيات المفردة التي يرجح جدا أنها أبيات من قصائد أو مقطوعات لم تصل إلينا. وقد يكون من الطريف أن نلاحظ أن كل ما وصل إلينا من شعر أبي الطمحان مقطوعات قصيرة، أطولها في أربعة أبيات٤، وأقصرها في بيتين٥، وأن كل ما وصل إلينا من شعر حاجز، ما عدا قصيدة ميمية في تسعة أبيات٦، مقطوعات قصيرة أقصرها في بيتين٧، وأطولها في سبعة٨، وأن كل ما وصل إلينا من شعر السليك مقطوعات أقصرها في بيتين٩ وأطولها في ستة أبيات١٠، وإن تكن إحداها قد بلغت أربعة عشر بيتا١١، وكذلك قيس بن الحدادية،

стр. 245

إذا استثنينا قصيدتين له في الغزل١ لأنهما خارج دائرة التصعلك، فإن كل ما لدينا من شعره بين الأبيات الثلاثة والتسعة، بل إن تأبط شرا، ومجموعته الشعرية أوفر عددا من هؤلاء، إذا استثنينا قصيدتيه اللتين ذكرناهما بين القصائد العشر المطولات، واستثنينا خمسا أخرى بين تسعة أبيات وستة عشر بيتا٢، فكل ما يتبقى أمامنا مجموعة بين بيت واحد وستة أبيات. وهنا نقف لنتساءل: ما السر في هذا؟ نحن بين أمرين: إما أن نفترض أن مجموعة شعر الصعاليك التي بين أيدينا ناقصة لا من حيث عدد قصائده ومقطوعاتها فحسب، ولكن من حيث عدد أبياتها أيضا. وهو فرض له إغراؤه لأنه مريح من ناحية، ولأنه يتفق مع ما يذكره مؤرخو الأدب العربي من ضياع أكثر الشعر الجاهلي من ناحية ثانية، ولأنه -من ناحية ثالثة- مقبول في مثل حالة الشعراء الصعاليك الذين رأينا أن قبائلهم لم تكن تحرص على شعرهم، وحتى لو حرصت عليه فليست السبيل إليه ميسرة لهم. وإما أن نقبل الحقيقة الماثلة أمامنا وهي أن مجموعة شعر الصعاليك -في مجموعها- مقطوعات قصيرة، ثم نتلمس العلة في ذلك. والعلة عندي هي طبيعة حياتهم نفسها، تلك الحياة القلقة المشغولة بالكفاح في سبيل العيش التي لا تكاد تفرغ للفن من حيث هو فن يفرغ صاحبه لتطويله وتجويده، وإعادة النظر فيه، كما كان يفعل الشعراء القبليون، تلك الطائفة "الأرستقراطية" التي فرغت للفن تلك فراغا هيأته لها قبائلها لا من أجل الفن ولكن من أجل أنفسها. وإلا فما معنى تلك الفرحة التي كانت تعم أفراد القبيلة جميعا حين ينبغ فيها شاعر إن لم تعمل القبيلة على الاستفادة من شاعرها وتهيئ له أو -بتعبير أدق- لها سبيل هذه الاستفادة؟ وهل نتصور مثلا أن يفرغ الشاعر الصعلوك لفنه كما كان يفرغ زهير

стр. 246

لحولياته، أو أمرؤ القيس في حياته اللاهية الفارغة المطمئنة التي ضمن له رغدها ملك أبيه، أو النابغة في حياته المستقرة في بلاط المناذرة والغساسنة؟ الأمر الذي لا شك فيه هو أن حياة الصعاليك كانت حياة قلقة مضطربة، وأنهم جميعا كانوا يشعرون شعورا عميقا بأنها حياة قصيرة، وبأنهم دائما على موعد مع الموت الذي يترصدهم ترصد الموتور، حتى كثر ذكر الموت عندهم، وتردد الحديث عنه في شعرهم، صدى لما كان يجيش في نفوسهم من إحساس عميق بقصر حياتهم، وهل نظن شاعرا هذه طبيعة حياته يستطيع أن يفرغ لفنه يطيله ويجوده ويعيد النظر فيه المرة بعد المرة؟ أظن أن الطبيعي أن مثل هذه الحياة التي لا يكاد الشاعر يفرغ فيها لنفسه لا تنتج إلا لونا من الفن السريع الذي يسجل فيه الشاعر ما يضطرب في نفسه في مقطوعات قصير وموجزة، يسرع بعدها إلى كفاحه الذي لا ينظره ولا يمهله. أما تلك القصائد الطويلة القليلة فهي أصداء لفترات قليلة كانت تمر بحياة الشعراء الصعاليك يستريحون فيها من الكفاح في سبيل العيش، فيفرغون لأنفسهم يستخرجون من رواسبها العميقة فنا متأنيا مطمئنا مطولا مجودا رائعا ممتازا. أما أنا فأميل كل الميل إلى هذا الرأي الثاني الذي يفسر الحقيقة الماثلة أمامنا تفسيرا واقعيا دون أن يتكلف في سبيل إنكارها الفروض النظرية التي إن جاز قبولها جاز رفضها. ومع ذلك أليس من المحتمل أن يكون السبب في كثرة المقطوعات في شعر الصعاليك أنه وصل إلينا مفرقا في مصادر مختلفة اقتصر كل منها على ما يستشهد به منه، وأنه لو كان قد وصل إلينا مجموعا في ديوان مفردا أو دواوين مفردة لكان من الجائز أن يكون قصائد طويلة؟ وهو احتمال له وجاهته. وهنا لا يسعنا مرة أخرى إلا إبداء الأسف على عدم حصولنا على تلك المجموعة من أشعار اللصوص التي جمعها السكري، وعلى مخطوطة ديوان تأبط شرا الذي جمعه ابن جني. ولكن بين أيدينا مجموعة من الدواوين المفردة لطائفة من الشعراء الصعاليك: صخر الغي، والأعلم، وعمرو ذي الكلب، وأبي خراش في

стр. 247

مجموعة أشعار الهذليين، وعروة بن الورد، والشنفرى في ديوانين مستقلين. وحين ننظر في هذه الدواوين نجد أن ظاهرة انتشار المقطوعات فيها واضحة كل الوضوح، فليس في ديوان صخر الغي سوى ثلاث قصائد طويلة١ من مجموعة شعره التي تبلغ ثلاث عشرة قطعة، ومن هذه القصائد الثلاث واحدة خارج دائرة التصعلك٢، وليس في ديوان الأعلم سوى قصيدتين طويلتين٣ من مجموعة شعره التي تبلغ ست قطع، وليس لأبي خراش سوى سبع قصائد طويلة٤، منها اثنتان خارج دائرة التصعلك٥، من مجموعة شعره الكبيرة التي تبلغ اثنتين وعشرين قطعة، وكل ما سوى هذه القصائد السبع مقطوعات وقصائد قصيرة لا تتجاوز أطولها تسعة أبيات، وأما ذو الكلب فله قطعتان: إحداهما قصيدة طويلة٦، والأخرى أرجوزة قصيرة٧، وأما عروة بن الورد فإذا أخرجنا من إحصائيتنا تلك المجموعة التي أضافها ناشر ديوانه مما عثر عليه في مصادر الأدب المختلفة؛ لأننا نبني حكمنا على ما جمعه القدماء من شعر هؤلاء الصعاليك في دواوين مفردة، واقتصرنا على المجموعة التي رواها ابن السكيت وهي تبلغ إحدى وثلاثين قطعة، فإننا لا نجد فيها سوى سبع قصائد طويلة٨، وأقصرها في أحد عشر بيتا٩، وأطولها في سبعة وعشرين١٠، وكل ما عدا ذلك مقطوعات لا تتجاوز أطولها ثمانية أبيات، وتنخفض مجموعة منها إلى بيتين، وأما الشنفرى، فإذا استثنينا اللامية التي

стр. 248

تُنسب إليه أحيانا، ويشك في نسبتها إليه أحيانا أخرى، والتي بينا رأينا فيها في الفصل الأول من هذا الباب الثاني، فإننا لا نجد في ديوانه المخطوط -لأننا لا نريد أن نعتمد على ديوانه المطبوع الذي أضاف إليه ناشره طائفة من شعره من مصادر متفرقة- سوى قصيدتين طويلتين هما تائيته١ وفائيته٢، وما عداهما مقطوعات لا تتجاوز أطولها ستة أبيات٣. أليس في هذا ما يجعلنا نقف من هذا الاحتمال موقف المتشكك في قبوله، ونظل عند ميلنا إلى قبول الحقيقة الماثلة أمامنا، وهي ظاهرة "انتشار المقطوعة في شعر الصعاليك" دون حاجة إلى تكلف فروض واحتمالات؟

стр. 249

٢- الوحدة الموضوعية: وإذ انتهينا إلى تسجيل هذه الظاهرة ننتقل إلى تسجيل ظاهرة أخرى تتصل بها، وهي ظاهرة "الوحدة الموضوعية في شعر الصعاليك". فالناظر في شعر الصعاليك تلفت نظره تلك الوحدة الموضوعية في مقطوعاته وأكثر قصائده، بحيث يستطيع أن يضع لكل مقطوعة عنوانا خاصا بها، دالا على موضوعها. وهي ظاهرة لم تعرفها قصائد الشعر الجاهلي القبلي في مجموعه، تلك القصائد التي تبدأ عادة بمقدمة طللية، ثم تظل تنتقل من موضوع إلى موضوع حتى تصل إلى نهايتها، حتى لتصبح براعة الانتقال من المقاييس الفنية المعترف بها عند نقاد الشعر العربي القدماء. ونستطيع أن نمضي مع مجموعة شعر الصعاليك فلا نكاد نخطئ الوحدة الموضوعية في كل مقطوعاتها وأكثر قصائدها، سواء ما كان منها في وصف المغامرات أو الحديث عن سرعة العدو أو الفرار أو تقرير فكرة اجتماعية أو اقتصادية أو غير ذلك من موضوعات شعر الصعاليك التي عرضنا لها في الفصل السابق، ولا نكاد نجد صعوبة في وضع العناوين المختلفة لها، المعبرة عنها، الدالة على موضوعاتها، فمثلا بائية الشنفرى١ "غارة على العوص"، ورائية تأبط شرا٢ "احتيال"، وفائية السليك٣ "والعاشية المذعورة"، وبائية حاجز٤ "نجاة"، ورائيته٥ "فرار"، ورائية أبي الطمحان٦ "حنين"، وكافية تأبط شرا٧ "الصديق الصعلوك"، ورائية الشنفرى التي أنشدها قبيل مقتله٨ "نهاية الصعلوك" أو "وصية الصعلوك" أو "وليمة الضبع"، ورائيته التي أنشدها فيما كان يطالب به بني سلامان٩ "تهديد"، وفائية الأعلم١٠ "الأرستقراطي الهلوع"، وضادية أبي خراش١١ "فرحة وأحزان"، وبائيته١٢ "رقيق المرقبة"، وفائية عروة١٣ "طواف الاستقرار" ورائيته١٤ "الفقير والغني"، ولاميته١٥ "تراث الصعلوك"، وهكذا نستطيع أن نفعل بسائر مقطوعات

стр. 250

شعر الصعاليك وقصائده القصيرة دون أن نشعر بأي تفاوت بينها وبين عناوينها. ونتساءل: ما موقف القصائد الطويلة في مجموعة شعر الصعاليك من هذه الظاهرة؟ وهل استجابت لها كما استجابت المقطوعات والقصائد القصيرة؟ الأمر الذي لا شك فيه والذي يلاحظه كل ناظر في هذه القصائد الطويلة أول ما يلاحظ، أنها لم تقف عند غرض واحد، بل تناولت طائفة متعددة من الأغراض، ولكن أيخرج بها هذا عن الوحدة الموضوعة أم لا يخرج؟ هذه هي المسألة. حين ندقق النظر في هذه الأغراض المتعددة نلاحظ أنها في القصيدة الواحدة ترجع عادة إلى أصل موضوعي واحد تتفرع منه كما تتفرع أغصان الشجرة من جذعها، فليس التعدد هنا تعددا في الموضوع، وإنما هو تفرع في أغراض الموضوع، فلامية ذي الكلب الهذلي١ على كثرة ما تناوله فيها من أعراض فرعية من حديث إلى صاحبته عن عزواته، ومن حديث عن تربص أعدائه به، وتربصه بهم وتهديده إياهم، ومن حديث عن رفاقه وعن أسلحته وعن المرقبة التي يتربص فوقها، ترجع في حقيقة الأمر إلى موضوع واحد هو ذلك الصراع بينه وبين أعدائه، حتى ليصح أن نسميها "صراع الصعلوك". ورائية عروة٢ التي يتحدث فيها عن مذهبه في الغزو ودوافعه، وعن الصعلوك الخامل والصعلوك العامل، وعن كرمه وفقره، ترجع في حقيقة الأمر إلى موضوع واحد هو فكرة التصعلك، حتى ليصح أن نجعل "فلسفة الصعلكة" عنوانا لها. وميمية أبي خراش٣ التي يتحدث فيها إلى امرأته عن فقره وكرم نفسه، وشجاعته، وصبره على الجوع، ومغامراته، وشدة عدوه، ومقدرته على الاهتداء في الليالي المظلمة، وبراعته في الرمي، والتي يوازن فيها بينه وبين
следующие страницы →