لحولياته، أو أمرؤ القيس في حياته اللاهية الفارغة المطمئنة التي ضمن له رغدها ملك أبيه، أو النابغة في حياته المستقرة في بلاط المناذرة والغساسنة؟ الأمر الذي لا شك فيه هو أن حياة الصعاليك كانت حياة قلقة مضطربة، وأنهم جميعا كانوا يشعرون شعورا عميقا بأنها حياة قصيرة، وبأنهم دائما على موعد مع الموت الذي يترصدهم ترصد الموتور، حتى كثر ذكر الموت عندهم، وتردد الحديث عنه في شعرهم، صدى لما كان يجيش في نفوسهم من إحساس عميق بقصر حياتهم، وهل نظن شاعرا هذه طبيعة حياته يستطيع أن يفرغ لفنه يطيله ويجوده ويعيد النظر فيه المرة بعد المرة؟ أظن أن الطبيعي أن مثل هذه الحياة التي لا يكاد الشاعر يفرغ فيها لنفسه لا تنتج إلا لونا من الفن السريع الذي يسجل فيه الشاعر ما يضطرب في نفسه في مقطوعات قصير وموجزة، يسرع بعدها إلى كفاحه الذي لا ينظره ولا يمهله. أما تلك القصائد الطويلة القليلة فهي أصداء لفترات قليلة كانت تمر بحياة الشعراء الصعاليك يستريحون فيها من الكفاح في سبيل العيش، فيفرغون لأنفسهم يستخرجون من رواسبها العميقة فنا متأنيا مطمئنا مطولا مجودا رائعا ممتازا.
أما أنا فأميل كل الميل إلى هذا الرأي الثاني الذي يفسر الحقيقة الماثلة أمامنا تفسيرا واقعيا دون أن يتكلف في سبيل إنكارها الفروض النظرية التي إن جاز قبولها جاز رفضها.
ومع ذلك أليس من المحتمل أن يكون السبب في كثرة المقطوعات في شعر الصعاليك أنه وصل إلينا مفرقا في مصادر مختلفة اقتصر كل منها على ما يستشهد به منه، وأنه لو كان قد وصل إلينا مجموعا في ديوان مفردا أو دواوين مفردة لكان من الجائز أن يكون قصائد طويلة؟ وهو احتمال له وجاهته. وهنا لا يسعنا مرة أخرى إلا إبداء الأسف على عدم حصولنا على تلك المجموعة من أشعار اللصوص التي جمعها السكري، وعلى مخطوطة ديوان تأبط شرا الذي جمعه ابن جني. ولكن بين أيدينا مجموعة من الدواوين المفردة لطائفة من الشعراء الصعاليك: صخر الغي، والأعلم، وعمرو ذي الكلب، وأبي خراش في
стр. 247
مجموعة أشعار الهذليين، وعروة بن الورد، والشنفرى في ديوانين مستقلين. وحين ننظر في هذه الدواوين نجد أن ظاهرة انتشار المقطوعات فيها واضحة كل الوضوح، فليس في ديوان صخر الغي سوى ثلاث قصائد طويلة١ من مجموعة شعره التي تبلغ ثلاث عشرة قطعة، ومن هذه القصائد الثلاث واحدة خارج دائرة التصعلك٢، وليس في ديوان الأعلم سوى قصيدتين طويلتين٣ من مجموعة شعره التي تبلغ ست قطع، وليس لأبي خراش سوى سبع قصائد طويلة٤، منها اثنتان خارج دائرة التصعلك٥، من مجموعة شعره الكبيرة التي تبلغ اثنتين وعشرين قطعة، وكل ما سوى هذه القصائد السبع مقطوعات وقصائد قصيرة لا تتجاوز أطولها تسعة أبيات، وأما ذو الكلب فله قطعتان: إحداهما قصيدة طويلة٦، والأخرى أرجوزة قصيرة٧، وأما عروة بن الورد فإذا أخرجنا من إحصائيتنا تلك المجموعة التي أضافها ناشر ديوانه مما عثر عليه في مصادر الأدب المختلفة؛ لأننا نبني حكمنا على ما جمعه القدماء من شعر هؤلاء الصعاليك في دواوين مفردة، واقتصرنا على المجموعة التي رواها ابن السكيت وهي تبلغ إحدى وثلاثين قطعة، فإننا لا نجد فيها سوى سبع قصائد طويلة٨، وأقصرها في أحد عشر بيتا٩، وأطولها في سبعة وعشرين١٠، وكل ما عدا ذلك مقطوعات لا تتجاوز أطولها ثمانية أبيات، وتنخفض مجموعة منها إلى بيتين، وأما الشنفرى، فإذا استثنينا اللامية التي
стр. 248
تُنسب إليه أحيانا، ويشك في نسبتها إليه أحيانا أخرى، والتي بينا رأينا فيها في الفصل الأول من هذا الباب الثاني، فإننا لا نجد في ديوانه المخطوط -لأننا لا نريد أن نعتمد على ديوانه المطبوع الذي أضاف إليه ناشره طائفة من شعره من مصادر متفرقة- سوى قصيدتين طويلتين هما تائيته١ وفائيته٢، وما عداهما مقطوعات لا تتجاوز أطولها ستة أبيات٣.
أليس في هذا ما يجعلنا نقف من هذا الاحتمال موقف المتشكك في قبوله، ونظل عند ميلنا إلى قبول الحقيقة الماثلة أمامنا، وهي ظاهرة "انتشار المقطوعة في شعر الصعاليك" دون حاجة إلى تكلف فروض واحتمالات؟
стр. 249
٢- الوحدة الموضوعية:
وإذ انتهينا إلى تسجيل هذه الظاهرة ننتقل إلى تسجيل ظاهرة أخرى تتصل بها، وهي ظاهرة "الوحدة الموضوعية في شعر الصعاليك". فالناظر في شعر الصعاليك تلفت نظره تلك الوحدة الموضوعية في مقطوعاته وأكثر قصائده، بحيث يستطيع أن يضع لكل مقطوعة عنوانا خاصا بها، دالا على موضوعها. وهي ظاهرة لم تعرفها قصائد الشعر الجاهلي القبلي في مجموعه، تلك القصائد التي تبدأ عادة بمقدمة طللية، ثم تظل تنتقل من موضوع إلى موضوع حتى تصل إلى نهايتها، حتى لتصبح براعة الانتقال من المقاييس الفنية المعترف بها عند نقاد الشعر العربي القدماء.
ونستطيع أن نمضي مع مجموعة شعر الصعاليك فلا نكاد نخطئ الوحدة الموضوعية في كل مقطوعاتها وأكثر قصائدها، سواء ما كان منها في وصف المغامرات أو الحديث عن سرعة العدو أو الفرار أو تقرير فكرة اجتماعية أو اقتصادية أو غير ذلك من موضوعات شعر الصعاليك التي عرضنا لها في الفصل السابق، ولا نكاد نجد صعوبة في وضع العناوين المختلفة لها، المعبرة عنها، الدالة على موضوعاتها، فمثلا بائية الشنفرى١ "غارة على العوص"، ورائية تأبط شرا٢ "احتيال"، وفائية السليك٣ "والعاشية المذعورة"، وبائية حاجز٤ "نجاة"، ورائيته٥ "فرار"، ورائية أبي الطمحان٦ "حنين"، وكافية تأبط شرا٧ "الصديق الصعلوك"، ورائية الشنفرى التي أنشدها قبيل مقتله٨ "نهاية الصعلوك" أو "وصية الصعلوك" أو "وليمة الضبع"، ورائيته التي أنشدها فيما كان يطالب به بني سلامان٩ "تهديد"، وفائية الأعلم١٠ "الأرستقراطي الهلوع"، وضادية أبي خراش١١ "فرحة وأحزان"، وبائيته١٢ "رقيق المرقبة"، وفائية عروة١٣ "طواف الاستقرار" ورائيته١٤ "الفقير والغني"، ولاميته١٥ "تراث الصعلوك"، وهكذا نستطيع أن نفعل بسائر مقطوعات
стр. 250
شعر الصعاليك وقصائده القصيرة دون أن نشعر بأي تفاوت بينها وبين عناوينها.
ونتساءل: ما موقف القصائد الطويلة في مجموعة شعر الصعاليك من هذه الظاهرة؟ وهل استجابت لها كما استجابت المقطوعات والقصائد القصيرة؟
الأمر الذي لا شك فيه والذي يلاحظه كل ناظر في هذه القصائد الطويلة أول ما يلاحظ، أنها لم تقف عند غرض واحد، بل تناولت طائفة متعددة من الأغراض، ولكن أيخرج بها هذا عن الوحدة الموضوعة أم لا يخرج؟ هذه هي المسألة.
حين ندقق النظر في هذه الأغراض المتعددة نلاحظ أنها في القصيدة الواحدة ترجع عادة إلى أصل موضوعي واحد تتفرع منه كما تتفرع أغصان الشجرة من جذعها، فليس التعدد هنا تعددا في الموضوع، وإنما هو تفرع في أغراض الموضوع، فلامية ذي الكلب الهذلي١ على كثرة ما تناوله فيها من أعراض فرعية من حديث إلى صاحبته عن عزواته، ومن حديث عن تربص أعدائه به، وتربصه بهم وتهديده إياهم، ومن حديث عن رفاقه وعن أسلحته وعن المرقبة التي يتربص فوقها، ترجع في حقيقة الأمر إلى موضوع واحد هو ذلك الصراع بينه وبين أعدائه، حتى ليصح أن نسميها "صراع الصعلوك".
ورائية عروة٢ التي يتحدث فيها عن مذهبه في الغزو ودوافعه، وعن الصعلوك الخامل والصعلوك العامل، وعن كرمه وفقره، ترجع في حقيقة الأمر إلى موضوع واحد هو فكرة التصعلك، حتى ليصح أن نجعل "فلسفة الصعلكة" عنوانا لها.
وميمية أبي خراش٣ التي يتحدث فيها إلى امرأته عن فقره وكرم نفسه، وشجاعته، وصبره على الجوع، ومغامراته، وشدة عدوه، ومقدرته على الاهتداء في الليالي المظلمة، وبراعته في الرمي، والتي يوازن فيها بينه وبين
стр. 251
ذلك الرجل الغني الذي تطمح امرأته إليه، أليس من اليسير أن نردها إلى أصل موضوعي واحد نجعله عنوانا لها وهو "مفاخر الصعلوك"؟
وهكذا نستطيع أن نمضي مع كل قصيدة من تلك القصائد التسع المطولات فترد أغراضها الفرعية إلى أصل موضوعي واحد يصلح أن يكون عنوانا لها.
ولكن يبدو أن في هذا الحكم بعض الإطلاق، وأنه يجدر بنا أن نخفف قليلا من إطلاقه، فبين أيدينا بعض القصائد، وإن تكن قليلة جدا، لا تخضع لهذا الحكم: تائية الشنفرى وقافية تأبط شرا المفضليتان، وفائية صخر الغي وداليته، فهذه القصائد الأربع لا تخضع للوحدة الموضوعية، وإنما تتعدد موضوعاتها، وهو، وإن يكن تعددا يسيرا لا يغير من الحقيقة التي نقررها كثيرا إذ إنه في كل منه لم يتجاوز الموضوعين، فإنه على كل حال يجب أن يدعونا إلى وقفة قصيرة نحاول فيها أن نتبين السر فيه.
الذي يبدو لي تفسيرا لهذا أنه تقليد للشعر القبلي الذي كان مسيطرا على الحياة الفنية في المجتمع الجاهلي، وهذا التقليد ليس من الصعب أن نتصوره فأظن أنه ليس من اليسير أن نتصور أن الشعراء الصعاليك -برغم ما كان بينهم وبين مجتمعهم من نفور- قد بعدوا كل البعد عن الحياة الفنية في مجتمعهم أو نفروا كل النفور منها، وإنما المعقول أن نتصور أنهم كانوا أحيانا يحاولون تقليد تلك النماذج الفنية التي كان مجتمعهم يقدرها كل التقدير، لعلهم يظفرون بنوع من تقدير المجتمع لهم، ولو تقديرا فنيا، بعد أن يئسوا من تقديره لهم تقديرا اجتماعيا. ولن يضيرهم أن يقلدوا أحيانا تلك النماذج الفنية من الشعر القبلي في صورتها الشكلية، فلن يغير هذا شيئا من طبيعة حياتهم الاجتماعية المتمردة على القبيلة، ولن يغير كثيرا من تقاليدهم الفنية الأساسية.
وعلى كل حال فهذه الظاهرة، ظاهرة تقليد الشعراء الصعاليك للشعر القبلي في صورته الشكلية، ظاهرة قليلة الذيوع في مطولات شعر الصعاليك، ومنعدمة تماما في مقطوعاته، فليست من الخطر في شيء على فكرتنا التي نقررها، فكرة "الوحدة الموضوعية في شعر الصعاليك".
стр. 252
التخلص من المقدمات الطلية
...
٣- التخلص من المقدمات الطللية:
إذا استثنينا هذه المجموعة التقليدية من شعر الصعاليك فإننا نصل إلى تسجيل ظاهرة ثالثة، وهي ظاهرة "التخلص من المقدمات الطليلة". وهذا طبيعي ما دام الشعراء الصعاليك يحرصون على الوحدة الموضوعية في شعرهم؛ إذ إن المقدمات الطللية تخل -بطبيعة الحال- بهذه الوحدة الموضوعية. وفيما عدا تلك المجموعة التقليدية التي أشرنا إليها لا نعثر فيما بين أيدينا من شعر الصعاليك على مقطوعة أو قصيدة تبدأ بمقدمة غزلية، وإنما اتخذ الشعراء الصعاليك لهم مذهبا آخر استعاضوا به عن هذه المقدمات، وهي مذهب جعلوا محوره "حواء الخالدة" أيضا، ولكنها ليست المرأة المحبوبة التي عرفناها عند الشعراء القبليين، تلك التي يتدله الشاعر في حبها ويبكي أيامه معها، ويقف على أطلال ديارها، ويدعو أصحابه إلى الوقوف معه، ولكنها المرأة المحبة الحريصة على فارسها، التي تدعوه دائما إلى المحافظة على حياته، إن لم يكن من أجل نفسه فمن أجلها هي. وليس من شك في أنها براعة ممتازة أن يضع الشعراء الصعاليك في مستهل قصائدهم صورة للأنثى الضعيفة التي يظهر صاحبها إلى جوارها بطلا قويا مستهينا بحياته من أجل فكرته، يرفض نصيحتها في رفق وأدب، ويقابل جزعها بابتسامة الواثق بنفسه، المعتد بشخصيته، ويحاول أن يقنعها في قوة وإيمان بسداد رأيه، وسلامة مذهبه في الحياة. والبراعة هنا ترجع إلى وضع صورتين متقابلتين في معرض واحد مما يترتب عليه وضوح الألوان الفنية في كلتيهما، وهو وضع يذكرنا بما نعرفه من آداب فرسان أوربا في العصور الوسطى، حيث كانت لكل فارس سيدة يضع كل مفاخر حياته بين يديها. ومن هنا نستطيع أن نطلق على هذه المقدمات النسائية عند الشعراء الصعاليك "مقدمات الفروسية في شعر الصعاليك" في مقابل "المقدمات الطليلة في الشعر القبلي".
стр. 253
وقد رأينا الشنفرى في قصيدته البائية التي جعلنا عنوانها "غارة على العوص" يستهلها بحديث إلى صاحبته بأن تتركه وشأنه الذي هو ماض إليه، ولا تثبط عزيمته، ولتقل بعد مضية ما تشاء، فكل ما يعرفه هو أنه لن يموت إلا مرة واحدة.
ويستهل عمرو بن براقة قصيدته الميمية١ بحديث بينه وبين صاحبته، تنصحه فيه بألا يعرض نفسه للمخاطر، وأن يجعل ليله سباتا يستريح فيه، ولكنه يعجب من هذه النصيحة فكيف ينام الليل من وهب حياته للبطولة والمغامرة؟ ألم تعلم بأنه أحد أفراد طائفة الصعاليك الذين لا ينامون من الليل إلا قليلا؟ وهل تريد منه أن يكون كأولئك الخليين المسالمين الذين ينامون الليل كله؟
تقول سليمى لا تعرض لتلفة ... وليلك عن ليل الصعاليك نائم
وكيف ينام الليل من جل ماله ... حسام كلون الملح أبيض صارم
غموض إذا عض الكريهة لم يدع ... ألم تعلمي أن الصعاليك نومهم
له طمعا، وطوع اليمين ملازم ... قليل إذا نام الخلي والمسالم
ويستهل السليك مقطوعة له لم يصل إلينا منها -فيما بين أيدينا من مصادر- سوى بيتين يتحدث في أولهما عن تحذير صاحبته له، ويطمئنها على نفسه لأنه واثق في شجاعته وقوة نفسه:
تحذرني أن أحذر العام خثعما ... وقد علمت أني امرؤ غير مسلم٢
وأكثر ما نرى هذه الظاهرة عند عروة بن الورد، فكثير من قصائده ومقطوعاته تبدأ بحوار بينه وبين صاحبته، أو لعلها امرأته كما يقول رواة شعره، وهي تلومه على كرمه وإسرافه، وتعاتبة على مخاطرته بحياته، وتغريه على
стр. 254
البقاء إلى جانبها، تارة بمعسول القول:
تقول سليمى لو أقمت لسرنا ... ولم تدر أني للمقام أطوف١
وتارة أخرى بحار الدمع الذي ينهل من عينيها الجميلتين:
تقول ألا أقصر عن الغزو، واشتكى ... لها القول طرف أحور العين دامع٢
وتارة غيرهما بتخويفه الأعداء الذين يتربصون به:
أرى أم حسان الغداة تلومني ... تخوفني الأعداء، والنفس أخوف٣
أما هو فيجيبها في رفق قوي، أو في قوة رفيقة، بأنه لا يفعل هذا إلا من أجلها، ومن أجل من يغشاهما من الأهل، ومن ينزل بهما من الفقراء. يقول لها مرة:
ذريني أطوف في البلاد لعلني ... أخليك أو أغنيك عن سوء محضر٤
ويقول أخرى:
أبي الخفض من يغشاك من ذي قرابة ... ومن كل سوداء المعاصم تعتري٥
وكل ما يطلبه أن تتركه ونفسه ليشتري بها المجد الخالد، والأحاديث الباقية، قبل أن تفلت منه الفرصة فإذا هو عاجز عن البيع والشراء، بيع النفس وشراء الأحاديث:
ذريني ونفسي أم حسان إنني ... بها قبل أن لا أملك البيع مشتري
أحاديث تبقى والفتى غير خالد ... إذا هو أمسى هامة فوق صير
تجاوب أحجار الكناس، وتشتكي ... إلى كل معروف تراه ومنكر٦
وهو لا يجزع من الموت، وهل يملك الإنسان تأخير ساعته إذا دنت؟ إن لكل إنسان ساعة إذا حلت فلا متأخر عنها:
стр. 255
فإن فاز سهم للمنية لم أكن ... جزوعا، وهل عن ذاك من متأخر١
وهل يضمن الإنسان إذا تخلف عن المغامرة والمخاطرة ألا يدركه الموت وهو في عقر داره؟
لعل الذي خوفتنا من أمامنا ... يصادفه في أهله المتخلف٢
إنها مسألة مفروغ منها، لا ينبغي لأحد أن تقعد به عن هدفه وغاتيه:
ألم تعلمي يا أم حسان أننا ... خليطا زيال ليس عن ذاك مقصر
وأن المنايا ثغر كل منية ... فهل ذاك عما يبتغي القوم محصر٣
والواقع أن عروة يعد خير من يمثل هذه الظاهرة من بين الشعرء الصعاليك، وفي كثير من قصائده ومقطوعاته نرى هذا اللون من أحاديث "الفروسية"٤. وربما كان السبب في هذا راجعا إلى طبيعة مركز عروة في حركة الصعلكة الجاهلية زعيما لها، ومشرعا لفلسفتها، وواضعا لتقاليدها الاجتماعية والفنية.
وقد تنحرف هذه المقدمات أحيانا بعض الانحراف، فلا تكون حديثا بين الشاعر الصعلوك وصاحبته، وإنما تصبح حديثا من الشاعر الصعلوك إلى صاحبته، يحدثها عن شيء سوف يفعله، أو شيء قد فعله، في اعتداد وثقة بنفسه، أو في إعجاب وفخر بها:
كأن قد فلا يغررك مني تمكثي ... سلكت طريقا بين يربغ فالسرد
وإني زعيم أن ألف عجاجتي ... على ذي كساء من سلامان أو برد٥
стр. 256
ألا هل أتى ذات القلائد فرتى ... عشية بين الجرف والبحر من بعر١
وقد تنحرف هذه المقدمات انحرافا آخر، فلا تكون حديثا من الشاعر الصعلوك إلى صاحبته، وإنما تصبح حديثا من صاحبته عنه، حديثا ساخرا تتهكم فيه، فيرد عليها مفتخرا بنفسه:
تقول سليمي لجاراتها ... أرى ثابتا يفنا حوقلا
لها الويل ما وجدت ثابتا ... ألف اليدين ولا زملا٢
ألا عتبت عليَّ فصارمتني ... وأعجبها ذوو اللمم الطوال
فإني يابنة الأقوام أربى ... على فعل الوضيء من الرجال٣
ومن اليسير أن نفهم هذين الانحرافين: أما الأول فمن الطبيعي جدا أن يتحدث الشاعر الصعلوك إلى صاحبته بمفاخره لعله يثير في نفسها إعجابها به وتقديرها له، وأما الآخر فإن النساء مفتونات أبدا بالمال والجمال.
وهنا نقف أمام ملاحظتين متناقضتين كل التناقض: أما أولاهما فتؤيدنا فيما لاحظناه من تخلص الشعراء الصعاليك من المقدمات الطللية، وأما الأخرى فإنها تثير إشكالا على هذه الملاحظة.
ذلك أن السكري في شرحه لأشعار الهذليين يروي قصيدة لامية لعمرو ذي الكلب عن أبي عمرو وأبي عبد الله والأصمعي، تبدأ ببيتين من الغزل في رواية أبي عمرو وأبي عبد الله، أما الأصمعي فلم يرو هذين البيتين. وإنما تبدأ القصيدة عنده بحوار بين الشاعر الصعلوك وصاحبته أو امرأته بعد أن رجع سالما من بعض غزواته٤. والملاحظة التي نريد تسجيلها هنا هي عدم اتفاق رواة القصيدة على رواية هذه المقدمة الغزلية، كأنما كان يرى بعض
стр. 257
الرواة أن المقدمة الطبيعية في شعر الصعاليك هي ذلك الحوار بين الشاعر وصاحبته حول مغامراته، لا تلك المقدمة الغزلية التقليدية التي رأوا أنها غير مألوفة في شعرهم.
ولكن المشكلة تأخذ في الظهور إذ نعثر ببيتين مفردين أحدهما للسليك في لسان العرب١ والآخر لتأبط شرا في معجم البكري٢. والبيتان يظهر عليهما طابع المقدمات الطللية التي نعرفها في الشعر التقليدي القديم، فهما -أولا- مصرعان مما يشعر بأنهما مطلعا قصيدتين، ثم هما -ثانيا- صورة من أسلوب المطالع الجاهلية، ذلك الأسلوب الذي يحرص الشاعر فيه على ذكر أسماء المواضع، ثم هما -ثالثا- لون من ألوان المطالع الجاهلية في حديثها عن الخيال الذي يلم بالركب المسافر، وعن عفاء الديار بعد رحيل الأحباب. وهنا تظهر المشكلة فكيف يتفق هذا مع ما لاحظناه من تخلص الشعراء الصعاليك من المقدمات الطللية؟ لقد كانت المشكلة تكون أيسر حلا لو أن هذين المطلعين قد وصلت إلينا قصيدتاهما، إذن لاستطعنا أن نتبين أهما داخلتان في دائرة شعر الصعلكة أم خارجتان عنها. ونحن لم ننكر أن شعر الصعاليك الخارج عن دائرة الصعلكة قد قلد الشعر الجاهلي القبلي في كثير من خصائصه، ولكن المشكلة قد تعقدت بضياع هاتين القصيدتين من مجموعة شعر الصعاليك الذي بين أيدينا، ثم بإمعان هذين المطلعين في تقليد الشعر الجاهلي القبلي.
وعلى كل حال فإذا صحت نسبة هذين المطلعين إلى السليك وتأبط شرا، ولم يكونا من صنع اللغويين والجغرافيين العرب، فإننا نضيفهما إلى تلك المجموعة التقليدية من شعر الصعاليك التي قلنا إنها تعد شذوذا على خصائص شعر الصعلكة وهما على كل حال لن يغيرا شيئا من الحقيقة التي قررناها، والتي نراها في أكثر نماذج شعر الصعلكة، وهي تخلصه من المقدمات الطللية.
стр. 258
٤- عدم الحرص على التصريع:
وتتصل بهذه الظاهرة ظاهرة رابعة من حيث البناء الخارجي لشعر الصعاليك، وهي عدم الحرص على التصريع في مطالع نماذجه الفنية. وقد كان يخيل إلي في أول الأمر أن هذه الظاهرة قد تكون خاصة بمجموعة الشعر داخل دائرة الصعلكة دون سائر شعر الصعاليك، أو بالمقطوعات منه بالذات، أو بالقصائد ذات الوحدة الموضوعية، ولكني حين استعرضت مجموعة شعر الصعاليك كلها رأيت أن هذه الظاهرة توشك أن تكون مطردة في كل شعر الصعاليك سواء ما كان منه داخل دائرة الصعلكة وما كان خارجها، وسواء ما كان مقطوعات أو قصائد، وسواء ما كان خاضعا للوحدة الموضوعية أو خارجا عليها، وأقول "توشك" لوجود مجموعة من نماذجه الفنية يظهر التصريع في مطالعها، وهي مجموعة -وإن تكن قليلة- تحول دون إطلاق الحكم على كل شعر الصعاليك. ولكن الشيء الذي نحرص على تسجيله هو أن هذه الظاهرة لا تختص بمجموعة خاصة من شعر الصعاليك دون مجموعة، ولو أنها كانت مختصة بمجموعة دون مجموعة لالتمسنا تعليلها في خصائص المجموعة التي تختص بها، ولكن انتشارها بهذه الصورة "اللاقاعدية" تجعلنا نلتمس لها تعليلا آخر. وتعليلها عندي يرجع إلى تلك الحرية التي كانوا يعيشون فيها والتي كانت ترفض الخضوع لتقاليد مجتمعهم، تلك الثورة وتلك الحرية ظهرت آثارهما عن طريق العقل الباطن في حياتهم الفنية، فكان شعرهم ثائرا على الأوضاع الفنية في الشعر الجاهلي القبلي، حرا في أوضاعه الفنية. ولكنا
стр. 259
قلنا إن الشعراء الصعاليك لم ينجوا في بعض الأحيان من التقليد الفني للشعر الجاهلي القبلي، ومن هنا نجد تلك المطالع المصرعة في بعض نماذجهم الفنية.
واستعراضنا لمجموعة شعر الصعاليك يظهرنا على طائفة من الملاحظات الطريفة:
فكل شعر أبي خراش بدون استثناء قد تخلص من التصريع تخلصا تاما. وكل شعر الأعلم بدون استثناء أيضا قد تخلص من التصريع تخلصا تاما. وكل شعر عمرو بن ذي الكلب، إذا أخذنا برواية الأصمعي في لاميته التي عرضنا لها منذ قليل، قد تخلص أيضا من التصريع تخلصا تاما.
وكل شعر الشنفرى ما عدا تائيته المفضلية، وكل شعر تأبط شرا ما عدا قافيته المفضلية، وكل شعر عروة بن الورد ما عدا رائيتين له١، وكل شعر صخر الغي ما عدا داليته٢، وميميته التي قالها في رثاء ابنه٣ قد تخلص من التصريع.
وكل شعر السليك، ما عدا مقطوعة واحدة في بيتين اثنين٤ قد تخلص أيضا من التصريع.
وكل شعر أبي الطمحان، ما عدا مقطوعتين٥ إحداهما في المدح فمن الطبيعي أن يلبس الشاعر فيها "الثياب الرسمية" التي يلبسها الشعراء المادحون حين يدخلون على من يمدحون، كل شعره ما عدا هاتين المقطوعتين قد خلا من التصريع.
وكل شعر حاجز، ما عدا ثلاث قطع٦ إحداها يفتخر فيها بقومه، قد خلا من التصريع.
وحين ننظر في هذه الملاحظات فإننا نقف متسائلين أمام ظاهرة غريبة وهي انتشار التصريع -انتشارا نسبيا طبعا- في مقطوعات شعر الصعاليك وبخاصة عند حاجز. وقد يكون من المفهوم أن ينشر التصريع في القصائد الطويلة التي يحتفل لها الشاعر احتفالا فنيا خاصا، أما أن ينتشر في المقطوعات القصيرة السريعة كما رأينا في مقطوعة السليك ذات البيتين، فهنا وجه الغرابة.
لست أرى تعليلا قويا لهذه الظاهرة الغريبة إلا أحد احتمالين: إما أن يكون هذا التصريع قد جاء عفوا دون أن يقصد إليه الشعراء الصعاليك قصدا، وهو احتمال مقبول، وإما أن تكون هذه المقطوعات، بخاصة التي قيلت في موضوعات خارج دائرة الصعلكة، أجزاء من قصائد طويلة لم تصل إلينا كاملة احتفل لها أصحابها احتفالا فنيا خاصا فصرعوا في مطالعها، وهو احتمال مقبول أيضا.
стр. 260
٥- التحلل من الشخصية القبلية:
ونترك هذه الظاهرة الفرعية لنسجل ظاهرة أساسية في "الشعر داخل دائرة الصعلكة" وهي ظاهرة "التحلل من الشخصية القبلية". وهي ظاهرة ليست غريبة على شعر الصعاليك لأنها تتفق وما سجلناه من قبل في دراستنا الاجتماعية لظاهرة الصعلكة من فقد التوافق الاجتماعي بين الصعالك وقبائلهم مما ترتب عليه فقد الإحساس بالعصبية القبلية في نفوسهم. ومن الطبيعي ألا تظهر شخصية القبيلة عند شاعر فقد إحساسه بالعصبية القبلية، وما دامت الصلة بين الشعراء الصعاليك وبين قبائلهم قد انقطعت اجتماعيا فمن الطبيعي أن تنقطع فنيا، ونعني بانقطاعها فنيا تحلل الشاعر الصعلوك من ذلك "العقد الفني" الذي نراه بين الشاعر القبلي وقبيلته، فلا يكون الشاعر الصعلوك "لسان عشيرته" لأن ما بينه وبين عشيرته قد انقطع، ولا يكون شعره "صحيفة
стр. 261
قبيلته" لأنه لم تعد له قبيلة، وإنما يصح شعره صورة صادقة كل الصدق من حياته هو، يسجل فيه كل ما يدور فيها، ويصبح ضمير الفرد "أنا" أداة التعبير فيه بدلا من ضمير الجماعة "نحن" الذي هو أداة التعبير في الشعر القبلي، وتصبح المادة الفنية لشعره مشتقة من شخصيته هو لا من شخصية قبيلته. ومعنى هذا أن ظاهرة الفناء الفني لشخصية الشاعر القبلي في شخصية قبيلته التي نلاحظها بوضوح عند أصحاب المذهب القبلي في الشعر الجاهلي قد اختفت من مجموعة الشعر داخل دائرة الصعلكة. وحلت محلها ظاهرة أخرى يصح أن نطلق عليها "ظاهرة الوضوح الفني لشخصية الشاعر الصعلوك".
ولكن شخصية الشاعر الصعلوك شخصية يشاركه فيها أفراد جماعته؛ لأنهم جميعا يؤمنون بمذهب واحد، ويدينون بعصبية مذهبية واحدة. ومن هنا كانت شخصية الشاعر الصعلوك شخصية "جماعية"، ولسنا نقصد بالجماعية فناء الشاعر الصعلوك في جماعته فناء يشبه فناء الشاعر القبلي في قبيلته، وإنما نقصد بها ذلك التشابه في الشخصيات بين أفراد جماعة الصعاليك. ومع ذلك فليس من اليسير أن نتصور جماعة الصعاليك قد تشابهت شخصياتها حتى أصبحت شخصية واحدة، فإن أساس حركة الصعلكة اعتداد بالشخصية الفردية، واعتزاز بمقدرة الفرد على الوقوف في وجه المجتمع. ومن هنا كانت لكل شاعر صعلوك إلى جانب شخصيته الجماعية شخصية فردية خاصة يتفرد بها بين جماعته. ولكنهم -مع اعتدادهم بشخصياتهم الفردية- كانوا حريصين على شخصيتهم الجماعية؛ لأنهم -من غير شك- أقدر جماعة على تحقيق مذهبهم في الحياة منهم أفرادا. ولعل أصدق الأمثلة على هذا عروة وجماعته، فقد كان عروة -مع اعتداده بشخصيته الفردية- يعبر عن جماعته ويتكلم بلسانها، وكذلك جماعة تأبط شرا التي كانت تدعوه "أمهم"١ لقيامه على شئونهم، وتنظيمه زادهم، مما يشعر بقوة روح الجماعة بينهم.
стр. 262
والذي نريد أن نصل إليه من هذا هو تفسير ما نراه في الشعر داخل دائرة الصعلكة من آثار الجماعة. فضمير الجماعة "نحن" الذي يتردد أحيانا فيه ليس هو الضمير نفسه الذي نراه في الشعر القبلي، فنحن هنا تعبر عن الشخصية الجماعية، ولكنها هناك تعبر عن الشخصية القبلية.
ومهما يكن من أمر، فالشيء الذي لا ريب فيه هو أن الشعراء الصعاليك قد تخلصوا من الشخصية القبلية في شعرهم داخل دائرة الصعلكة كما تخلصوا منها في حياتهم، وأنهم أصبحوا شخصية فنية "شاذة" في الشعر الجاهلي كما كانوا شخصية اجتماعية "شاذة" في حياتهم، وهذا "الشذوذ" هو العامل المشترك بين شخصيتهم الفردية وشخصيتهم الجماعية، حتى ليصح أن نطلق عليهم أصحاب المذهب الشاذ في الشعر الجاهلي".
وما أظن أننا في حاجة إلى القول بأن الشخصية القبلية ظاهرة في تلك المجموعة من شعر الصعاليك التي اصطلحنا على تسميتها "الشعر خارج دائرة الصعلكة". ومن هنا نستطيع أن نقول إن هذه المجموعة -وإن تكن صورة من الفن الجاهلي- تمثل "شذوذا" في مجموعة شعر الصعاليك "أصحاب المذهب الشاذ في الشعر الجاهلي".
стр. 263
٦- القصصية:
وإذ قررنا أن شعر الصعاليك صورة صادقة كل الصدق من حياة أصحابه، يسجلون فيه كل ما يدور فيها، فإننا نصل إلى تقرير ظاهرة مترتبة على هذه الفكرة وهي ظاهرة "القصصية في شعر الصعاليك"، فشعر الصعاليك -في مجموعة- شعر قصصي يسجل فيه الشاعر الصعلوك كل ما يدور في حياته الحافلة بالحوادث المثيرة التي تصلح مادة طيبة للفن القصصي، فحوادث مغامراتهم الجريئة التي كانوا يقومون بها فرادى وجماعات وما كان يدور فيها من صراع دام مرير، وأخبار فرارهم وعدوهم، وتشردهم في أرجاء الصحراء بين وحشها وأشباحها، وتربصهم فوق المراقب في انتظار ضحاياهم، كل هذا وغيره من مظاهر حياتهم مادة صالحة للفن القصصي. وقد استغل الشعراء الصعاليك هذه المادة في شعرهم استغلالا قصصيا رائعا جمع في صورة بسيطة عناصر الفن القصصي الأساسية من الإثارة والتشويق وتسلسل الأحداث حتى تصل إلى غايتها الطبيعية المحتومة.
وقد رأينا عند حديثنا عن "ظاهرة الوحدة الموضوعية في شعر الصعاليك" أن أكثر مقطوعاته وقصائده تقبل العناوين. ونظرة أخرى إلى هذه العناوين على ضوء هذه الظاهرة الجديدة، ظاهرة القصصية، ترينا أنها في مجموعها عناوين قصصية. وهل "غارة على العوص"، أو "العاشية المذعورة"، أو "احتيال"، أو "نجاة"، أو "فرار" إلا عناوين قصصية؟ وهل بائية السليك١ إلا قصة بطلاها الشاعر وصاحبه، ومسرحها تلك المهامة الرملية التي تصل بين ديارهما وديار أعدائهما في الفصل الأول منها، ثم ديار الأعداء في الفصل الثاني، وزمانها تلك الليلة التي خرجا فيها وذلك الصباح الذي بدأا فيه الصراع بينهما وبين أعدائهما، وحوادثها خروجهما من ديارهما وجزع صاحبه في الطريق، وتشجيع السليك له وبعث الطمأنينة والأمل في نفسه، ثم ذلك الصراع بينهما وبين أعدائهما، ثم تأتي الخاتمة أو الفصل الأخير من القصة بانتصار الصعلوكين واستيلائهما على الإبل ثم عودتهما بها؟ وهل لامية تأبط شرا٢ إلا قصة تبدأ بحوار بين صاحبه الشاعر وجاراتها، ثم تتابع أحداث القصة التي تدور بين بطلها وهو الشاعر الصعلوك في ليلة مظلمة حالكة وبين غول قابلها، حتى تصل القصة إلى نهايتها حين يقتل الشاعر الصعلوك هذه الغول ويخلفها
стр. 264
صريعة؟ وهل تائية الشنفرى المفضلية -إذا أخرجنا منها مقدمتها الغزلية- إلا قصة غزوة من غزواته مع جماعة من رفاقه يقص فيها استعدادهم للغزوة، ثم خروجهم لها، ومضيهم في طريقهم إليها، ثم تربصهم بأعدائهم، وانتظارهم الفرصة المواتية، وما كانوا يفعلونه في هذه الفترة من الانتظار والتربص، ثم تحقيق أهدافهم التي كانوا يسعون إليها، ثم تعليق من الشاعر على هذه القصة؟ وهل بائية الأعلم١ إلا قصة نفسية دقيقة تبدأ مباشرة بمنظر الشاعر الصعلوك مع صاحب له وهما يفران من أعدائهما الذين يطاردونهما مطاردة عنيفة تستمر حتى ينتصف النهار حين يصل الصعلوكان إلى منطقة الأمان؟ وهي قصة وإن تكن أحداثها قليلة فإن أروع ما فيها ذلك التحليل النفسي الدقيق لنفسية الهارب المذعور والمطارد الطامع في إدراكه، وذلك التصوير النفسي الرائع لخوف الهارب المذعور من الموت وحرصه على الحياة حين يشتد من خلفه الخطر، ثم طمأنينه نفسه بعد نجاته وتذكره تلك "العقد النفسية" التي تدفع به إلى مثل هذه المآزق الخطرة: فقره، وهوان أسرته، وترف الأغنياء من حوله. والقصيدة، أو القصة، من هذه الناحية من الممكن أن تسلك في عداد القصص النفسية التي يعرفها العصر الحديث.
وهكذا نستطيع أن نمضي مع مجموعة الشعر داخل دائرة الصعلكة فإذا نحن أمام مجموعة من الأقاصيص يصح أن نطلق عليها كما يفعل القصاص المحدثون "أقاصيص صعلكة" أو "مغامرات الصعاليك" أو "غزوات وقصص أخرى".
بل إن الأمر ليتجاوز هذه المجموعة إلى الشعر خارج دائرة الصعلكة، وبخاصة عند الهذليين في رثائهم، فقد اتخذ الهذليون فيه مذهبا قصصيا، عماده حيوان الصحراء الشارد في أرجائها، الممتنع فوق جبالها العالية، يضربون به المثل على أن الموت يدرك كل كائن حي مهما يكن بعده عن مواطن الخطر وامتناعه عليه. والصورة القصصية عندهم دائما حيوان آمن في سربه أو في معقله
стр. 265
ثم يتيح له القدر صائدا، تارة يكون إنسانا، وتارة يكون جارحا من الطير، يتربص به حتى إذا أمكنته الفرصة انقض عليه فأورده موارد الهلاك. ولكن من الحق أن نسجل أن هذه الظاهرة ليست مقصورة على صعاليك هذيل، ولكنها ظاهرة عامة عند الشعراء الهذليين، وعند بعض الشعراء الجاهليين أيضا.
وهنا نقف عند نص للأصمعي يرويه ابن دريد عن أبي حاتم عنه، يقول فيه: "ويقال إن كثيرا من شعر امرئ القيس لصعاليك كانوا معه"١ لعلنا نصل عن طريقه إلى فكرة قد تكون جديدة في تاريخ الشعر العربي، وقد تخالف ما قد تعارفنا عليه من أن امرأ القيس هو أول من اصطنع القصة في شعره، وأن تاريخ القصة في الشعر العربي يبدأ بامرئ القيس.
ولن نقول مع الأصمعي إن كثيرا من شعر امرئ القيس لصعاليك كانوا معه، فتلك دعوى جريئة يعوزها الدليل، ولا تستطيع الوقوف أمام الدراسة الفنية لمجموعة شعره ذات الطابع الفني الواحد، والشخصية الفنية الوحدة، ولكننا نستطيع أن نقول إن هذا النص يشير إلى مسألة فنية مهمة أحسها القدماء وإن ضلوا الطريق إليها، وهي أثر الصعاليك في شعر امرئ القيس. فمن المعروف أن امرأ القيس في بعض فترات شبابه كان يتبع صعاليك العرب٢، ومن الطبيعي أن النفس الفنية في هذه السن المبكرة تكون قابلة للتأثر لأن نضجها الفني لم يكن قد اكتمل بعد وإذن فليس من البعيد أن يكون امرؤ القيس قد تأثر من الناحية الفنية بفن هؤلاء الصعاليك وهو يستمع إليهم يقصون أقاصيص مغامراتهم وحياتهم في قصائدهم ومقطوعاتهم، وليس من البعيد أيضا أن يكون امرؤ القيس قد فتنه ذلك الأسلوب القصصي في شعر هؤلاء الصعاليك، فحاول تقليده في شعره، ثم اتخذه مذهبا فنيا له. وإذن فليس امرؤ القيس أو من اصطنع القصة في الشعر العربي بل هم الشعراء الصعاليك، وليس شعر امرئ القيس نقطة البدء في تاريخ القصة الشعرية بل تسبق هذه مرحلة أولى هي مرحلة الشعراء الصعاليك "رواد القصة الشعرية في الأدب العربي". ومن يدري؟ فلعل تلك الألوان القصصية في شعر امرئ القيس التي أشكلت على صاحب هذا الرأي الذي يرويه الأصمعي فخيلت إليه أن جزءا من شعر امرئ القيس من صنع صعاليك كانوا معه.
стр. 266
٧- الواقعية:
والظاهرة السابعة التي نلاحظها على شعر الصعاليك هي "الواقعية". وأول مظاهر هذه الواقعية اتخاذهم الحياة بما فيها من خير وشر مادة لموضوعاتهم، وبعدهم عن الإمعان في الخيال إمعانا ينقلهم من عالم الوقع إلى عالم الأوهام بسحبه العالية وأبراجه العاجية. ونظرة إلى موضوعات شعرهم التي عرضنا لها في الفصل السابق ترينا هذا المظهر واضحا جليا، فقد صور الشعراء الصعاليك في فنهم البيئة البدوية التي يعيشون فيها بكل مظاهرها: الصحراء القاسية بشعابها وجبالها وأغوارها، وصخورها ومياهها، وحرها وبردها، ولياليها المظلمة الرهيبة، وحيوانها الشارد في آفاقها، ووحشها الرابض في أرجائها، وحشراتها المتوارية في جحورها والساربة فوق رمالها، وصوروا مظاهر الطبيعية المختلفة كما شاهدوها: طلوع الفجر، وغروب الشمس، والندى المتساقط في أول الليل وفي آخره، والبرق والرعد، والسحاب والمطر، وصوروا الحياة الواقعية التي يحيونها بكل ما فيها من واقع خير وواقع شرير: الكرم والمروءة، والعطف على الفقراء والمرضى والضعفاء، والسلب والنهب وسفك الدماء، وبكل ما فيها من محاسن وعيوب: الشجاعة والبطولة، والقوة والمغامرة، والهرب والفرار، والفقر والجوع والهزال والهوان، وصوروا الشخصيات الإنسانية التي يتصلون بها كما يرونها في الواقع المحسوس بكل ما بينها من تباين واختلاف: الأعداء والأصدقاء، والصعاليك العاملين والصعاليك الخاملين، والنساء المشجعات والنساء المثبطات، والنساء المعجبات
стр. 267
والنساء المتهكمات، والأغنياء المترفين والصعاليك المعوزين، كل هذه الجوانب من الحياة الواقعية هي الأسس التي قام عليها الشعراء الصعاليك بناءهم الفني.
والمظهر الثاني لهذه الواقعية صدق النقل عن الحياة. ومطابقة الصورة للأصل، بحيث لا يشعر الناظر في شعر الصعاليك باختلاف بين الصورة الشعرية وأصلها في الحياة، أو بين ما يراه في شعرهم وما يشاهده في الحياة، حتى ليخيل إليه أنه أمام مجموعة من الصور "الفوتوغرافية". وهل صورة الضباع وجرائها عند الأعلم١. وحمار الوحش وأتنه عند أبي خراش٢ إلا صور "فوتوغرافية" سجلتها "عدسات" الصعاليك لهذه النماذج من الطبيعة الحية؟ وهل صورة المرقبة عند الشنفرى٣. وصورتها عند أبي خراش٤، وصورة الشعب عند تأبط شرا٥، وصورة البرق والرعد والسحاب والمطر عند صخر الغي٦، إلا صور "فوتوغرافية" سجلتها "عدسات" الصعاليك لهذه الجانب من الطبيعة الصامتة؟
ومن مظاهر هذه الواقعية أيضا استكمال الصورة العامة، فحين ننظر مثلا في صورة حمار الوحش وأتنه عند أبي خراش نلاحظ أنها صورة واقعية كاملة استكملت كل عناصرها. بحيث نشعر بأننا أمام صورة طبيعية منقولة عن الواقع نقلا دقيقا كاملا. فحمار الوحش أقب خميص البطن، عنيف نشيط، وأتنه قد استبان حملها فهي متأبية عليه، والمكان فوق مرتفع من الأرض يشرف منه حمار الوحش على الآفاق خائفا يترقب، والزمان يوم شديد الحر من أيام الصيف الطويلة، ولكن المنظر يتغير حين تؤذن الشمس
стр. 268
بالمغيب، ويحين موعد أوبة هذه الحمر إلى منازلها، فترى حمار الوحش يترك مرقبته، ويهيج أتنه التي تسرع أمامه مثيرة خلفها حبلا طويلا من الغبار الممتد، فيسرع خلفها وسط هذا الغبار، ولكن الأتن تحس خطرا يتربص بها، ذلك أن صيادا فقيرا رث الحال يحمل سهامه الزرق في انتظارها، فترهف الأتن السمع، حتى إذا ما تأكدت من هذا الخطر أسرعت في قوة وشدة، ويعترض طريقها ماء آجن يكسوه نبات طويل، فتلقي بنفسها فيه، وتفتح ما بين أيديها، وتنطلق سابحة، ولكن الصياد يرسل سهامه، فأما الأتن فتنجو لأنها متقدمة، وأما حمار الوحش فقد كان أقرب إلى الصياد منها، فيخترق فؤاده سهم ضخم عريض النصل.
وأظن أننا قد لاحظنا في هذه الصورة -إلى جانب استكمالها لكل عناصرها من الهيئة والمكان والزمان والحالة والفعل والنتيجة- حرصا على التفاصيل واهتماما بالجزيئات، وهو المظهر الرابع من مظاهر هذه الواقعية. فأبو خراش حريص على تسجيل حمل هذه الأتن وحذر حمار الوحش، ثم هذا الحبل من الغبار الذي يخترقه حمار الوحش خلف أتنه، ثم رثاثة حال الصياد، وشدة عدو الأتن بعد إحساسها بالخطر، وحركة أيديها وهي سابحة في الماء، وهذا النبات الطويل الذي يكسو صحفة الماء الآجن، ومركز حمار الوحش بين الأتن والصياد مما يسر إصابته ونجاتها.
وحين ننظر في تصوير الأعلم للضباع وجرائها نجد مثلا آخر لهذا المظهر، فالأعلم حريص على التفاصيل حرصا شديدا، معني بالجزئيات عناية قوية، لا ينسى حين يذكر الجراء انتفاخ بطونها، وقصر قوائمها، وسواد جلدها، وقصر آذانها العريضة التي تنبسط حين تقبل على فريستها في نهم فتنتزع جلدها نزع القيون لبطائن الجفون، ولا ينسى حين يذكر الضباع المسنة غلظها، وجواعرها الثماني، بل لا ينسى تلك الشعرات المجتمعة خلف أظلافها، ولا تلك الدوائر التي تشبه الخلاخيل التي تقع فويق هذه الشعرات، والتي يخالف لونها سائر لون الأرجل.
стр. 269
وهنا نصل إلى مظهر آخر من مظاهر حرص الشعراء الصعاليك على التفاصيل، وهو اهتمامهم "بظاهرة اللون". وقد رأينا الأعلم حريصا على تسجيل سواد الضباع وتلك الدوائر التي يخالف لونها سائر لون الأرجل، كما رأينا في الفصل السابق اهتمام الشعراء الصعاليك بلون القوس. والحق أن الشعراء الصعاليك قد اهتموا بألوان كل أسلحتهم تقريبا، وفرقوا بينها في دقة رائعة تستحق الإعجاب، فالسيف أبيض١، والقدح أحمر، والسهم والنصل أزرقان٣، والرمح والترس أسمران٤، والقوس إما صفراء وإما حمراء. وإلى جانب هذا نجد الظباء البيض عند حاجز٥، والإبل الدهم عند أبي خراش٦، والحصان الأشقر عند تأبط شرا٧، والخيل الحو والكمت عند قيس بن الحدادية٨، ونجد الدم الحالك عند أبي خراش٩ والعصابة الحمر
стр. 270
الجلود عند حاجز١، والوجوه المشرقة كلون الماء المذهب عند الشنفرى٢، والنبت الأخضر في الربيع٣، واسوداد أنامل الفقراء في الشتاء٤، وسواد معاصم الفقيرات٥، والقدر السوداء التي يجتمع حولها الفقراء الجياع٦ عند عروة.
والمظهر الخامس من مظاهر هذه الواقعية الصراحة في التصوير، وتسجيل الواقع كما هو دون محاولة لإخفائه، أو تغيير حقيقته، وقد رأينا في الفصل السابق أمثلة لهذه الصراحة التي تسجل الواقع كما هو في أحاديث الشعراء الصعاليك عن فرارهم وهربهم وعن فقرهم وجوعهم وهزالهم، وهوان وضعهم الاجتماعي.
ولا يجد الشاعر الصعلوك حرجا من أن يتحدث عن فرحته بنعلين أهديتا له كما يفعل أبو خراش٧، أو يتحدث عن نعليه الباليتين الممزقتين كما يفعل تأبط شرا والشنفرى وأبو خراش أيضا٨، أو عن ثيابه الأخلاق التي "إذا أنجمت من جانب لا تكفف" كما يقول الشنفرى٩، أو عن حمله قربة الماء كما يذكر تأبط شرا١٠.
والمظهر السادس لهذه الواقعية الدقة في التعبير، تلك الدقة التي تحدد العبارة تحديدا واضحا لا غموض فيه.
فحين يعتذر تأبط شرا عن فراره من أعدائه مخلفا صاحبه لهم يراه يضع
стр. 271
المسألة وضعا "حسابيا"، فماذا يفعل وقد نظر فإذا هؤلاء الأعداء أكثر من ثلاثة؟ ولو أنهم كانوا اثنين مثليهما أو حتى ثلاثة ما فر مخلفا صاحبه لهم:
تقول تركت صاحبا لك ضائعا ... وجئت إلينا فارقا متباطنا
إذا ما تركت صاحبي لثلاثة ... أو اثنين مثلينا فلا أبت آمنا١
وحين يتحدث الشنفرى عن غارته على العوص مع أصحابه نراه يحدد عددهم تحديدا "حسابيا" أيضا، فيذكر أنهم كانوا ثمانية، ويحدد الزمن الذي استغرقه طريقهم حتى وصلوا إلى العوص، ثم يحدد أخيرا عدد من صرعوهم من أعدائهم٢.
وحين يتحدث عن صديقه تأبط شرا أو "أم العيال" كما يسميه، ويصف جعبة سهامه، يحرص على أن يقدم لنا إحصائية دقيقة عن عدد هذه السهام في ثلاثون سهما عراض النصال٣.
وإلى جانب هذا "التحديد الحسابي" الذي يستمد دقته من لغة الأرقام نجد صورة أخرى تأتي من "التحديد الجغرافي" الذي يستمد دقته من ذكر المواضع وتحديدها على نحو ما يفعل كتاب الوثائق والعقود!!
فحين يصف الشنفرى خروجه مع أصحابه في بعض غزواتهم يحدد مكان خروجهم تحديدا جغرافيا دقيقا، فيذكر أنهم خرجوا من الوادي الذي يقع بين مشعل وبين الجبا٤. وحين يهدد بني سلامان، أعداءه الألداء، يحدد المواضع التي سيلاقيهم بها تحديدا جغرافيا دقيقا، ويعددها موضعا موضعا، وهو تحديد يضفي على تهديده لونا من التحدي لهم والاستخفاف بهم؛ لأنه به "يكشف أوراقه"، كما يقال في لغة "اللاعبين"٥. وحين يهدد عروة أعداءه من الأوس "يكشف لهم أوراقه" أيضا، فيحدد لهم
стр. 272
الموضع الذي سيلاقيهم به تحديدا دقيقا، فيذكر أنه سيلاقيهم "بمنبطح الأوعال من ذي السلائل"١. وكذلك يفعل الأعلم الهذلي:
فلست لحاصن إن لم تروني ... ببطن صريحة ذات النجال
وأمي قينة إن لم تروني ... بعورش وسط عرعرها الطول٢
وإلى جانب هذا "التحديد الجغرافي" نجد صورة أخرى من صور الدقة في التعبير يصح أن نطلق عليها "التحديد التعبيري"، ونقصد به ذلك التحديد اللفظي الدقيق لمدلول العبارة الذي يأتي من طبيعة اللفظ أو النظم أو من طبيعتهما معا. فحين يصف تأبط شرا الحية يذكر أن خروجها يكون "بُعيد غروب الشمس":
أصم قطارى يكون خروجه ... بُعيد غروب الشمس مختلف الرمس٣
والدقة هنا تأتي من ذلك التصغير لظرف الزمان، وهو تصغير يحدد الوقت تحديدا دقيقا.
وحين يصف غلاما قابله في بعض مغامراته، وكادت الأعجوبة أن تحدث ويسقط تأبط شرا صريع سهم من سهامه، لا يكفي بأن يذكر أنه غلام، ولكنه يحدد طوله وسنه تحديدا طريفا ولكنه دقيق، فهو غلام يزيد طوله على خمسة أشبار، ولكنه لم يبلغ السن التي تشتهيه فيها النساء:
غلام نما فوق الخماسي قدره ... ودون الذي قد ترتجيه النواكح٤
وحين يصف تلك القلة البارزة التي تشبه سنان الرمح، والتي يسرع إليها مع أصحابه، يحرص على أن يسجل لنفسه سبقه إياهم في الوصول إليها، ولكنه
стр. 273
في الوقت نفسه حريص على ألا يسيء إليهم، أو أن يكون حديثه عن نفسه طعنا فيهم، فتراه يعتمد على هذا "التحديد التعبيري" فيذكر أنه سبقهم إليها لا لأنهم كسالى، فهم جميعا صعاليك نشطون، ولكن لأنه أسرع منهم:
وقلة قنتها صحبي وما كسلوا ... حتى نميت إليها بعد إشراق١
وهي دقة في التعبير يشبهها قوله في القصيدة نفسها حين أراد أن يتحدث عن قوة نفسه وأنه حريص على رفاقه أكثر من حرصه على رفيقاته:
ولا أقول إذا ما خلة صرمت ... يا ويح نفسي من شوق وإشفاق
لكنما عولي، إن كنت ذا عول ... على بصير يكسب الحمد سباق٢
فهو لا يريد أن يسجل على نفسه ضعفا سواء في موقفه من رفيقته أو في موقفه من رفيقه، فحين أحس أنه قد ضعف في مطلع البيت الثاني استدرك وحدد عبارته تحديدا دقيقا أثبت به حرصه على رفيقه، ونفى ما بدا من ضعف في مطلع عبارته، فالدقة هنا تأتي من هذه المقدرة البارعة على النفي والإثبات في موضع واحد.
والمظهر السابع من مظاهر هذه الواقعية ظهور الخبرة العملية في فنهم. وهو مظهر يجعلنا نشعر بأننا أمام إنسان يعيش في الواقع العملي لا أمام شاعر يعيش في الخيال والأوهام. وقد رأينا أبا خراش في حديثه عن حمر الوحش يذكر تمنع الأتن الحوامل على الذكر، وهي ظاهرة مقررة عند علماء الحيوان. وحين يصف الأعلم الظليم يذكر من بين أوصافه أنه "زمخري السواعد"٣ أي أن عظامه جوف لا مخ فيها، ويذكر شراح شعره أن "النعام جوف
стр. 274
العظام لا مخ فيها"١، ويقول الجاحظ في حديثه عن النعام "ومن أعاجبيها أنها من عظم عظامها وشدة عدوها لا مخ لها"٢، والطريف أن الجاحظ يستشهد على هذا ببيت الأعلم الذي نحن بصدده. وهكذا نرى شعر الصعاليك مصدرا من مصادر دراسة حيوان الصحراء يعتمد عليه الدارسون في تأييد آرائهم. وقد رأينا تأبط شرا حين يصف الحية يذكر أن خروجها يكون "بُعيد غروب الشمس"، وهو تحديد دقيق لوقت خروج الأفاعي من جحورها، تؤيده الخبرة العلمية، وليس غريبا على تأبط شرا أن يذكر ذلك؛ لأنه بحكم طبيعة حياته مضطرا إلى ملاحظة هذه الظواهر، وقد قيل له: "هذه الرجال غلبتها، فكيف لا تنهشك الحيات في سراك؟ فقال: إني لا أسري البردين، يعني أول الليل لأنها تمور خارجة من جحرتها، وآخر الليل تمور مقبلة إليها"٣ وهكذا يكون هذا البيت صدى لتجربته العملية التي تصورها هذه العبارة.
ومن أدل الأمثلة على هذه الخبرة العملية التي تظهر في شعر الصعاليك أنهم لا يكادون يذكرون الضباع إلا في مجال الحديث عن الموت، وقد رأينا ذلك الفزع الذي كان يسيطر على نفوس بعض الشعراء الصعاليك من أن تُلقى أجسادهم بعد مقاتلهم إلى الضباع، والذي ظهرت آثاره في شعر الأعلم وتأبط شرا، كما رأينا حديث تلك الوليمة التي يعدها الشنفرى للضبع من جسده بعد مقتله.
ومن المقرر عند علماء الحيوان أن الضبع "مولعة بنبش القبور لكثرة شهوتها للحوم بني آدم٤"، وهذه الحقيقة العلمية المقررة هي التي عرفها تأبط شرا الجاهلي، وظهرت آثارها في شعره، حين وصف الضبع في دقة رائعة بأنها "تفري الدفائنا"٥. ومن الطريف أن الجاحظ عند حديثه عن الضباع وولعها بنبش القبور و"فرط طلبها للحوم الناس" يستشهد بأبيات
стр. 275
الشنفرى التي يبشر فيها الضبع بجسده بعد مقتله ولكنه ينسبها لتأبط شرا١، وهو اختلاف لا يضير قضيتنا شيئا فكلا الشاعرين صعلوك.
ولعل أكثر الأمثلة على خبرة الشعراء الصعاليك العملية دورانا في شعرهم تلك الموازنات التي يعقدها العداءون منهم بينهم وبين مجموعة حيوان الصحراء المشهور بشدة العدو. فإن اختيار هذه المجموعة دليل على خبرتهم العملية بها وكذلك تلك الأمثال التي يضربها الهذليون بطائفة من حيوان الصحراء الشارد الممتنع عند حديثهم عن الموت، فإن الإلحاح على ذكر أحوال هذا الحيوان وطباعه وخصاله دليل على خبرتهم العملية به.
ومهما يكن من أمر هذه الحقائق التي يذكرها الشعراء الصعاليك فليس مما يعنينا هنا مطابقتها أو عدم مطابقتها لما يقرره العلم الحديث الآن؛ إذ ليس من الإنصاف أن نتخذ ما وصل إليه العلم التجريبي الحديث من حقائق علمية مقياسا لما يذكر هؤلاء الشعراء القدماء، وإنما حسبنا أن ما يذكرونه كان صدى صادقا لمشاهدتهم العملية في حياتهم الواقعية، أو لما كان يدور في مجتمعهم من معلومات.
стр. 276
٨- السرعة الفنية:
وإذ كانت حياة الشعراء الصعاليك قلقة مضطربة لا تكاد تعرف للاستقرار أو الطمأنينة طعما، فهم دائما مشغولون بكفاحهم من أجل العيش، ذلك الكفاح الدامي المرير الذي فرغوا له فراغا تاما، والذي وهبوا له حياتهم، وجعلوه مذهبا لهم يعيشون له ويموتون في سبيله، وإذ كان شعر الصعاليك صورة صادقة لحياتهم، كانت النتيجة الفنية لهذا أن اتسم شعرهم بالسرعة الفنية، فالعمل الفني عند الشعراء الصعاليك أشبه الأشياء بشوط من أشواط عدوهم، يندفعون فيه ولا يتوقفون حتى يصلوا إلى غايتهم. وليس من البعيد أن تكون هذه السرعة الفنية التي وسمت شعرهم صدى نفسيا لتلك السرعة التي اعتمدت عليها حياتهم، منبعثا من أعماق "اللاشعور". ولست أدري فقد يؤيد هذا ما نلاحظه من أن الصنعة الفنية في شعر عروة أبطأ وأشد أناة وإحكاما منها في شعر صعاليك السراة، ومن المعروف أن عروة لم يكن من العدائين وإنما الصعاليك العداءون -كما رأينا من قبل- هم أولئك الذين كانوا ينزلون منطقة السراة بين مكة واليمن١.
وقد رأينا من مظاهر هذه السرعة الفنية انتشار المقطوعات والقصائد القصيرة في شعرهم، وتخلصهم من المقدمات الطللية، ومن التصريع، وهي مظاهر ترجع إلى الشكل العام أو البناء الخارجي للعمل الفني.
وحين نمضي إلى داخل البناء الفني لشعر الصعاليك نجد أن أقوى مظاهر هذه السرعة "خفوت الصنعة الفنية" في شعرهم بحيث لا يكاد الناظر فيه يلمح أثرا من آثار التجويد الفني المتمهل الواضح الأناة، وإنما هو حديث سريع يتدفق من نفس الشاعر دون أن يحرص على أن يتمهل هنا أو هناك لينمقه أو يوشيه بتلك الألوان الفنية المختلفة التي يحرص عليها الشعراء المحترفون. والواقع أن حياة الشاعر الصعلوك لم تكن بالتي تتيح له من الفراغ والاطمئنان ما يجعله يتمهل في عمله الفني أو يتأنى فيه. وهل نستطيع مثلا أن نتصور أن السليك وقد مضى للغارة مع صعلوكين التقى بهما في طريقه، ثم مضى وحده ليستكشف لهما خبر نار لاحت لهم، حتى إذا ما بلغها ووجد أن ليس عندها سوى عبيد وإماء يسهل التغلب عليهم، رفع عقيرته متغنيا بهذين البيتين ليعلم صاحبيه أن الفرصة سانحة:
يا صاحبي ألا لا حي بالوادي ... إلا عبيد وآم بين أذواد
أتنظران قليلا ريث غفلتهم ... أم تعدوان فإن الريح للعادي٢
هل نستطيع أن نتصور أن السليك في هذا الجو يستطيع أن يفرغ
стр. 277
لفنه مجودا منمقا موشيا؟ أظن أن الشاعر لم يكن يبغي من وراء هذين البيتين سوى أن يسمعهما صاحباه فيفهما عنه ما يريد، فالصنعة الفنية لم تكن هدفا يحرص عليه، وإنما كل حرصه على أن يبلغ صاحبيه هذه الرسالة، أو بتعبير أدق هذه "البرقية" في أسرع وقت حتى لا تفلت منهم الفرصة.
ومثل السليك كان أكثر الصعاليك، وخاصة العدائين منهم، لم تتح لهم حياة الكفاح وما تلقيه على كواهلهم من تبعات جسام فراغا لفنهم يجودونه وينمقونه ويخرجونه إخراجا متأنيا متمهلا.
ومن هنا نستطيع أن نقول أن الشعر عند الصعاليك لم يكن "حرفة" تقصد لذاتها، ويفرغ صاحبها لتجويدها، والوصول بها إلى المثل الأعلى الذي يستطيع معه أن يدخل حلبة المبارة الفنية ليقول لغيره من الشعراء: هأنذا، وإنما كان الشعر عندهم وسيلة يسجلون بها مفاخرهم، أو ينفسون بها عما تضيق به صدورهم من تلك العقد النفسية" التي تمتلئ بها أعماق نفوسهم، أو يدعون بها إلى مذهبهم في الحياة لعلهم يجدون من يؤمن بها وينضم إليهم، أما أن يرضى عنهم المجتمع الفني الذي يعيشون فيه فهذا أمر لم يكن في حسابهم، فهم يعرفون أنهم يعيشون في مجتمعهم شذاذا متمردين ليس بينهم وبينه إلا صلة الصراع، وهم لهذا يدركون أن مجتمعهم لن يرضى عن فنهم كما لم يرض عنهم، ولن يحرص عليه كما لم يحرص عليهم، ويعرفون أن القبائل لا تحرص إلا على شعرائها، ولا تشغل إلا بهم، ولا تقيم وزنا إلا لهم، ولا تخص بالتقدير والإعجاب إلا شعرهم. وهكذا انصرف الشعراء الصعاليك عن احتراف الشعر، ولو أنهم فكروا في احترافه لاتخذوا منه وسيلة يتكسبون بها كما يتكسب بها غيرهم من الشعراء، ولضمنوا بهذا لأنفسهم حياة هادئة مستقرة مطمئنة كالتي كان يحياها غيرهم من الشعراء المحترفين.
ولعل "التشبيه" أقوى الألوان الفنية التي اعتمد عليها الشعراء الصعاليك في شعرهم، وهو لون يتفق تماما مع هذه السرعة الفنية التي لاحظناها؛ إذ إن الصنعة الفنية في التشبيه صنعة سريعة لا تتجاوز عقد موازنة بين أمرين يشتركان في معنى، وهو -من هذه الناحية- غير الاستعارة مثلا التي تعتمد على لون
стр. 278
من الصنعة الفنية العميقة المتأنية. وفي صنيع القدماء من علماء البلاغة ما يشعر بهذا، فقد جعلوا التشبية المرحلة الأولى التي تبنى عليها الاستعارة، ووجه بنائها على التشبيه -كما يقولون- أن استعارة اللفظ إنما تكون بعد المبالغة في التشبيه، وإدخال المشبة في جنس المشبه به ادعاء. ومن هنا دار بينهم كلام طويل حول جعله بابا مستقلا من أبواب البيان مع أنه مقدمة لها تتوقف عليه، وهل توقف بعض الأبواب على بعض يوجب كون المتوقف عليه مقدمة للفن أو لا يوجب١. ومعنى هذا بتعبير أيسر أن العملية الفنية في التشبيه عملية بسيطة من درجة واحدة، ولكنها في الاستعارة عملية مركبة من درجتين.
وعلى كل حال، وبدون الوقوف عند هذه التعليلات العقلية، فالأمر الذي لا شك فيه أن الصنعة الفنية في التشبيه صنعة سريعة لا تحتاج إلى أكثر من وضع الأمرين المراد عقد الموازنة التشبيهية بينهما في معرض واحد حتى يتضح وجه الشبه بينهما.
وحين ننظر في شعر الصعاليك لنتين كيف استخدموا هذا اللون الفني في صناعة نماذجهم فإن أول ما نقف عنده تلك العناصر التي استخدموها في تأليف هذا اللون، أو بعبارة أخرى نستأذن أصحاب الرسم في استعارتها منهم "صندوق الأصباغ عند الشعراء الصعاليك".
وصندوق الأصباغ عند الشعراء الصعاليك صندوق متعدد العناصر، ولكنها في مجموعها عناصر قاتمة قليلة الإشراق والتألق، مستمدة من تلك البيئة البدوية القاحلة التي يعيشون فيها، ومتأثرة بتلك الحياة الخشنة القاسية التي يحبونها، ومتسمة بتلك الواقعية التي تسيطر على تفكيرهم ومزاجهم.
والحق أن هذه العناصر أكثر من أن تحصى؛ لأنها -من ناحية- مستمدة من واقع الحياة بكل ما فيه من مظاهر متعددة، ولأنها -من ناحية أخرى- منتشرة في شعرهم انتشارا واسعا. ولكنا مع ذلك سنحاول أن نردها إلى
стр. 279
ثلاثة منابع أساسية: عالم الحيوان أولا، والحياة الإنسانية ثانيا، ثم البيئة الطبيعية ثالثا، وهو ترتيب قائم على أساس "الكم"، كما يقول المناطقة.
أما المنبع الأول فلعله أغزر المنابع التي اعتمد عليها الشعراء الصعاليك في تشبهاتهم، فقد استغلوا حيوان الصحراء ووحشها وطيرها وحشراتها استغلالا واسعا. ومرد ذلك من غير شك إلى حياتهم القريبة منها نتيجة لتشردهم في مواطنها الأصلية وبيئاتها الأولى. وقد رأينا في الفصل السابق أنهم تعرضوا بالذكر لسبعة وعشرين نوعا منها، وطبيعي أننا لم ندخل في ذلك الإحصاء تلك الأنواع الأليفة التي تعرضوا لها بالذكر كالإبل والخيل والغنم والبقر؛ لأننا كنا بصدد الحديث عن تشردهم.
وقد رأينا في الفصل السابق كيف استغل الشعراء الصعاليك الطير وحيوان الصحراء المشهور بالعدو في حديثهم عن شدة عدوهم. وحين ننظر مرة أخرى في هذه الظاهرة الموضوعية في شعر الصعاليك من الزاوية الفنية التي ندرسها الآن نجد أن التشبيه هو أكثر الأساليب شيوعا في هذا الحديث.
أما ضواري الصحراء، وجوارح طيرها، وأفاعيها، فأكثر ما يستغلها الشعراء الصعاليك في تشبيه أنفسهم أو رفاقهم أو أعدائهم بها.
فالشنفرى سمع أزل لا يبالي بشيء مهما يكن صعبا:
أنا السمع الأزل فلا أبالي ... ولو صعبت شناخيب العقاب١
وبنو سلامان أعداؤه الألداء يعرفون بشائر عرامته منذ صغره يوم أن كان يمشي بينهم كالأسد الورد:
هم عرفوني ناشئا ذا مخيلة ... أمشي خلال الدار كالأسد الورد٢
ويصف تربصه فوق المرقبة العالية المنيعة، وكيف بات على حد ذراعيه "كما ينطوي الأرقش المتقصف"٣، أو "الأرقم المتعطف" في رواية
стр. 280
أخرى١. ويشبه قيس بن الحدادية قومه -في بعض شعره القبلي- بالضراغم، فيقول معيرا أعداءهم بالهزيمة:
غداة توليتم وأدبر جمعكم ... وأُبنا بأسراكم كأنا ضراغم٢
ويشبه صخر الغي وروده ماء مخوفا على حذر بمشي النمر حين يستقبل ريحا بادرة ندية:
وماء وردت على زورة ... كمشي السبنتي يراح الشفيفا٣
ورفاق الشنفرى "سراحين فتيان"٤، وصاحب أبي خراش "كالسرحان سرحوب"٥ وعدو أبي خراش يسقط صريعا كما يسقط نسر أكل لحما مسموما:
به ندع الكمي على يديه ... يخر تخاله نسرا قشيبا٦
وهي صورة قوية تستمد قوتها من عنصر "الحركة" الذي نتمثله في سقوط النسر صريعا، ذلك السقوط العنيف المفاجئ الذي يمثل لنا سقوط العدو تمثيلا قويا بعد أن عبر عنه الشاعر بتلك اللفظة الموحية المعبرة "يخر".
ولكن تأبط شرا يخرج على هذه القاعدة، فيشبه حصان الشنفرى في رثائه له بالعقاب التي تنقض بين ذروتين شامختين:
وأشقر غيداق الجراء كأنه ... عقاب تدلى بين نيقين كاسر٧
ويستغل الشعراء الصعاليك النحل في صورتين: صورة تعتمد على الصوت، وصورة تعتمد على الهيئة. أما الأولى فهي صورة القوس حين تنطلق منها سهامها
стр. 281
فتحدث حفيفا مبهما غير واضح هو في سمع بعض الشعراء الصعاليك كصوت النحل، وأما الأخرى فهي صورة الجماعات الكثيرة المتزاحمة سواء أكانوا أعداء يطاردونهم، أم وفود المعوزين المحتاجين على أبواب الكرماء.
فحفيف النيل في سمع الشنفرى حين ينطلق من قوسه كصوت النحل العائد إلى غاره وقد أخطأ فهو يحوم حوله:
كأن حفيف النيل من فوق عجسها ... عوازب نحل أخطأ الغار مطنف١
وأعداء تأبط شرا من خلفه وهم يطاردونه كالنحل الكثير الذي يتجمع في خليته:
ولم أنتظر أن يدهموني كأنهم ... ورائي نحل في الخلية واكنا٢
وطالبوا الحاجات الذين يغشون باب بعض الكرماء الذين يمدحهم أبو خراش يشبهون النحل الذي يهوي إلى غاره:
ترى طالبي الحاجات يغشون بابه ... سراعا كما تهوي إلى أُدمى النحل٣
وكما استغل الشنفرى النحل في تصوير حفيف سهامه استغل القطاة في تصوير أفواقها، ففوق سهمه مدور كعرقوب القطاة:
عليه نساري على خوط نبعة ... وفوق كعرقوب القطاة مدحرج٤
وإذا كان المطاردون عند تأبط شرا كالنحل فإن العدائين عند أبي خراش كأرجال الجراء الذي يقصد إلى الأماكن الغليظة المرتفعة:
وعادية تلقي الثياب وزعتها ... كرجل الجراد ينتحي شرف الحزم٥
ويستغل الشعراء الصعاليك من الغربان جانبين متناقضين: سوادها الحالك، وصفاء عيونها الشديد. فقطعان السوام عند صخر الغي كجماعات الأغربة في سوادها:
стр. 282
فأرسلوهن يهتلكن بهم ... شطر سوام كأنها العجد١
أما عيون الماء في ديار أبي الطمحان التي يحن إليها وهو خليع مجاور في مكة فهي في صفائها كعين الغراب:
إذا شاء راعيها استقى من وقيعة ... كعين الغراب صفوها لم يكدر٢
ويستغل الشعراء الصعاليك السماني استغلالا طريفا، فهم يشبهون بأشلائها نعالم الممزقة، وهي طرافة تأتي من تلك المفارقة الغريبة بين طرفي التشبيه:
ونعل كأشلاء السماني تركتها ... على جنب مور كالنحيزة أغبرا٣
ونعل كأشلاء السماني تبذتها ... خلاف ندى من آخر الليل أورهم٤
ويستغل الشعراء الصعاليك الإبل في تشبياتهم على صورة واسعة، ولكنها لا تصل إلى الدرجة التي نراها في استغلالهم لحيوان الصحراء السريع أو ضواربها.
ومرد ذلك -فيما يبدو- إلى قلة اتصالهم بتلك الفصيلة من الحيوان التي هي أول سمات "الرأسمالية" العربية. وقد يؤيد هذا ما نلاحظه من أن أكثر الأوضاع التي يتخيرونها للإبل في تشبيهاتهم تعد من الناحية النفسية أصداء لذلك الحقد الذي كان يملأ نفوسهم عليها، فالصعلوك الخامل المذموم عند عروة:
يعين نساء الحي ما يستعنه ... فيمسي طليحا كالبعير المحسر٥
والجبل بعد أن غسله المطر وصقله عند صخر الغي كالبعير الأجوب الذي طلى ونتف:
فذاك السطاع خلاف النجا ... ء تحسبه ذا طلاء نتيفا٦
وحين يسخر أبو خراش من امرأته التي لا تستطيع صبرا على الجوع يذكر
стр. 283
أن رجوفها كجوف البعير:
إذا هي حنت للهوى حن جوفها ... كجوف البعير، قلبها غير ذي عزم١
والقبر عنده في احديدابه ومنظره العالم كالبعير:
إذا راحوا سواي وأسلموني ... لخشناء الحجارة كالبعير٢
ومع ذلك فلا يخلو الأمر من بعض الصور الطريفة التي أحسن الشعراء الصعاليك اختيار أوضاعها وألوانها، فحين يصف أبو خراش عدوه هو ورفاقه في ليلة ممطرة من ليالي جمادى الباردة، يشبه الغثاء الكثيف الملتف تحت أقدامهم بأوساط الإبل الدهم التي قرن بعضها ببعض:
إذا ابتلت الأقدام والتف تحتها ... غثاء كأجواز المقرنة الدهم٣
وصوت القوس عند عمرو ذي الكلب كحنين الناقة المسنة المتخلفة عن الإبل الفنية لأنها لا تستطيع مسايرتها:
تعج في الكف إذا الرامي اعتزم ... ترنم الشارف في أخرى النعم٤
أما الخيل فهي قليلة الدوران في تشبيهات الشعراء الصعاليك لدرجة كبيرة. ويبدو أن السبب في هذا قلة اعتمادهم عليها في حياتهم. ولكن الصور التي وردت -على قلتها- مشرقة زاهية. ولعل أطرف هذه الصور على الإطلاق صورتان: صورة الفجر عند تأبط شرا حين لاح ضوءه كأنه تلك الخطوط البيض في جواد أدهم:
وقد لاح ضوء الفجر عرضا كأنه ... بلمحته أقراب أبلق أدهم٥
وصورة البرق الذي يلمع بين السحاب الأسود عند عروة كأنه فرس بلقاء حديثة النتاج تنحي برجليها ذكور الخيل عن ولدها فيبدو بياض بطنها:
إذا قلت استهل على قديد ... يحور ربابه حور الكسير
стр. 284
تكشف عائذ بلقاء تنفي ... ذكور الخيل عن ولد، شغور١
ويستغل تأبط شرا جبن الغنم وخوفها في رثائه للشنفرى، فيشبه أعداءه وهو يجيل فيه سلاح الموت بالغنم المذعورة:
تجيل سلاح الموت فيهم كأنهم ... لشوكتك الحدى ضئين نوافر٢
أما الشنفرى فيستغل أولاد البقر في رسم صورة غريبة، فهو يشبه سيوف رفاقه الصعاليك مشرعة في أيديهم وهي تنهل من دماء أعدائهم وتعل بأولاد البقر الصغار إذا رأت أمهاتها فجعلت تحرك أذنابها:
تراها كأذناب الحسيل صوادرا ... وقد نهلت من الدماء وعلت٣
وهي صورة تستمد غرابتها من هذه المفارقة بين طرفي التشبيه: أولاد البقر الصغيرة المسألة، وسيوف الصعاليك المخضبة بالدماء.
أما المنبع الثاني لأصباغ لون التشبيه عند الشعراء الصعاليك، وهو الحياة الإنسانية، فمن الممكن أن نرده إلى أربعة مظاهر من مظاهر هذه الحياة: الحياة الاجتماعية، والحياة الاقتصادية، والحياة النفسية، والحياة الجسدية.
وقد استخدم الشعراء الصعاليك عناصر هذا المنبع الإنساني استخداما طريفا، ولعل أطرف ما فيه أنه يصور كيف كان تأثر هؤلاء الصعاليك بالحياة التي كانت تدور حولهم أو التي كانوا يدورون فيها.
فحين يرى صخر الغي السحاب الثقيل وهو مقبل في بطء لا تتراءى أمامه إلا صورة الأسير الذي يساق في قيوده فهو بطيء الخطو متثاقله:
وأقبل مرا إلى مجدل ... سياق المقيد يمشي رسيفا٤
وهي صورة من الطبيعي أن تترءى لهذا الصعلوك الهذلي الذي كان
стр. 285
يعيش قريب من مكة حيث سوق الرقيق يساق إليها الأسرى الذين لا يفتديهم أهلهم حيث يباعون.
وحين يفرغ هذا السحاب مطره بعد ما تكاثفت أواخره، ويهدأ ذلك الدوي الذي كانت تثيره رعوده، ويرى الشاعر أن أقرب صورة لهذا المنظر صورة جماعة من النصارى مجتمعين في عيد من أعيادهم يسقي بعضهم بعض، وهم من مرحهم ولهوهم في ضجة وصخب، ولكنهم ينظرون فإذا أمامهم رجل من غير دينهم، فإذا ضجتهم تهدأ، وصخبهم ينقطع، حتى يتبينوا أمر هذا الغريب:
كان تواليه بالملا ... نصارى يساقون لاقوا حنيفا١
وهي صورة ترسم في براعة ممتازة جانبا دقيقا من الحياة الدينية في العصر الجاهلي. ومن الطبيعي أن يعرف صخر الغي هذا الجانب معرفة دقيقة، فقد كانت هذيل تنزل في تلك المنطقة التي تقع فيها مكة المركز الديني الأول في جزيرة العرب، والتي تقام فيه أشهر الأسواق التي كان القسس والرهبان يردونها فيعظون ويبشرون، ويذكرون البعث والحساب والجنة والنار.
ومن هنا أيضا نستطيع أن نكشف الستار عن تشبيه الأعلم الهذلي لجلود جراء الضباع السود بثياب الرهبان:
سود سحاليل كأن ... جلودهن ثياب راهب٢
ولكنا مع ذلك نحس شيئا من السخرية الماكرة من هذه التقاليد الكهنوتية في عقد الصلة بين جراء الضباع وبين الرهبان، وهي سخرية ليست غريبة على هؤلاء الصعاليك المتمردين على كثير من تقاليد مجتمعهم.
وحين يلمع البرق فإن الصورة التي تتراءى لصخر الغي هي صورة ذلك البشير الذي أقبل بعد غزوة ناجحة وهي يحرك ترسه في كفه ليعلم أصحابه أنه قد عاد غانما: