← Общие книги

Общие книги · id 22855

أجنحة المكر الثلاثة

عبد الرحمن حبنكة الميداني

Полный текст (750 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

لقد قبضنا أيها الإخوان في هذه الحقبة من الدهر من ثلث القرن التاسع عشر إلى يومنا هذا على جميع برامج التعليم في الممالك الإسلامية، ونشرنا في تلك الربوع مكامن التبشير والكنائس والجمعيات والمدارس المسيحية الكثيرة التي تهيمن عليها الدول الأوربية والأمريكية، والفضل إليكم وحدكم أيها الزملاء. إنكم أعددتم له بوسائلكم جميع العقول في الممالك الإسلامية إلى قبول السير في الطريق الذي مهدتم له كل التمهيد. إنكم أعددتم شباباً في ديار المسلمين لا يعرف الصلة بالله،ولا يريد أن يعرفها، وأخرجتم المسلم من الإسلام، ولم تدخلوه في المسيحية، وبالتالي جاء النشء الإسلامي طبقاً لما أراده له الاستعمار، لا يهتم للعظائم ويحب الراحة والكسل. ولا يصرف همه في دنياه إلا في الشهوات فإذا تعلم فللشهوات، وإذا جمع المال فللشهوات، وإن تبوأ أسمى المراكز فللشهوات، ففي سبيل الشهوات يجود بكل شيء. إن مهمتكم تمت على أكمل الوجوه، وانتهيتم إلى خير النتائج، وباركتم المسيحية،ورضي عنكم الاستعمار، فاستمروا في أداء رسالتكم فقد أصبحتم بفضل جهادكم المبارك موضع بركات الرب". وبهذه الكلمات انتهى خطابه، وما أحسب هذا الخطاب بحاجة إلى أي تعليق عليه، ولكنني لست أدري ما هو هذا الرب الذي تُلتمس بركاته ثواباً على تضليل الناس، وإخراجهم من دينهم وعقائدهم بالله وبرسالاته، وغمسهم بالشهوات والموبقات والرذائل؟!. ويكفيني عن أي تعليق قول الله تعالى في سورة (الجاثية/٤٥ مصحف/٦٥ نزول) : ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ ?تَّخَذَ إِلَـ?هَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ ?للَّهُ عَلَى? عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى? سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى? بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ ?للَّهِ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ . وقد بلغ القسيس زويمر الخامسة والثمانين ومات سنة (١٩٥٢م) دون أن يظفر بما كان يصبو إليه، إلا أنه قد لقي عند ربه جهنم وبئس المصير، إذ كرّس حياته لتضليل أهل الإيمان، وتحويلهم عن صراط الله.

стр. 107

٥- مؤتمرات أخرى وما يزال المبشرون يعقدون المؤتمرات لتطوير وتحسين وسائلهم لتنصير العالم الإسلامي. ومن هذه المؤتمرات مؤتمر كنسي عقد في ولاية "كولارادو" بأمريكا في عام (١٩٧٧م) .وموضوع هذا المؤتمر هو ما يلي: "العمل على اكتشاف وتحديد المسؤوليات المسيحية في أمريكا الشمالية تجاه تنصير المسلمين". وهذا المؤتمر امتداد لمؤتمرات أخرى عقدت لهذا الغرض في "لوزان" عام (١٩٧٤م) بهدف تنصير شعوب العالم. وتم اختيار المرشحين لهذا المؤتمر من المبشرين المهتمين بتنصير المسلمين. وكان الإحساس السائد بين المشاركين في المؤتمر أنه يجب تغيير طريقة العمل الرئيسية وفقاً لوضع العالم الإسلام المعاصر. وأنه يجب قبول مبدأ قدرة الله وسيطرته وتحكمه، لإزالة الشك الذي لدى المسلمين الذي يرى أن العالم المسيحي يشجع بقوة عملية توجيه العالم الإسلامي إلى العلمانية. ووافق المشتركون في المؤتمر على أن الموقف المتشدد تجاه العالم الإسلامي لن يعين في عملية تنصير العالم الإسلامي، لذلك فهي يعتقدون أنه يجب العمل على إيجاد جوّ ودّي بينهما. ومن مقررات هذا المؤتمر ما يلي: ١- يجب بذل الاهتمام الكافي والتركيز بقوة على زرع جاليات مسيحية في قلب العالم الإسلامي، وهم سيحاولون بدورهم تطويل وإيجاد وسائل منهجية جديدة أكثر ملاءمة عند تقديم الإنجيل للمسلمين. ويجب الاهتمام الشديد باستخدام الآيات القرآنية ذات الصلة بهذه الموضوعات، وخاصة في المراحل الأولية لعملية التنصير.

стр. 108

٢- بناء وزرع الكنائس التي تهتم بالمتنصرين، والترتيبات الخاصة بهم والشعائر الدينية. إلى غير ذلك من مقررات. (٣) مجالات أنشطة المبشرين ١- التحدي المباشر للإسلام عن طريق المناظرة لعلماء المسلمين. كان المجال الأول الذي بدأ به المبشرون (المنصّرون) هو مجال التحدي المباشر للإسلام، عن طريق المناظرة لعلماء المسلمين. وقد بدأ هذا التحدي القس "فاندر" أحد مؤلفي كتاب "ميزان الحق" عمدة المبشرين والمستشرقين في مناظراتهم للمسلمين. وتصدى له في الهند الشيخ رحمة الله الهندي (الكيرانوي) (١٢٣٣-١٣٠٨هـ) صاحب كتاب "إظهار الحق". وقامت بينهما مناظرة علنية في (١١ رجب سنة ١٢٧٠هـ) الموافق لـ (١٠ نيسان ١٨٥٤م) في مدينة "أكبر آباد آكره" إحدى مجالات النشاط التبشيري في الهند. وقد حضر هذه المناظرة ولاة المديرية، وموظفو الثكنة الإنكليزية من الإنكليز، وعدد كبير من أعيان البلد ووجهائه. وقد أسفرت هذه المناظرة في يومها الأول عن اعتراف القس "فاندر" بوقوع التحريف في ثمانية مواضع من الإنجيل. وفي اليوم التالي تزايد عدد الذين حضروا المناظرة من الحكام الإنجليز والمسيحين والهنادك والسيخ، وظهر ضعف القس "فاندر" في المناظرة وظهر تعنته. وفي اليوم الثالث لم يعد القس إلى مجلس المناظرة التي لم تنته، وكان كلما علم بوجود الشيخ "رحمة الله" في مكان غادره.

стр. 109

ثم عدل المبشرون عن مثل هذه المواجهة الصريحة، وانطلقوا في المجالات الأخرى غير المباشرة. ٢- مجال الخدمات الصحية وكان ذلك بتأسيس المستشفيات والمستوصفات التبشيرية، وتوجيه الأطباء المتنقلين، والمستوصفات المتنقلة، وقد تحملوا في ذلك مشقات الدخول في أصعب الأماكن الإفريقية، وغيرها. وقد وجهوا اهتمامات كبرى لتنصير المسلمين في مجال خدماتهم الطبية، في معظم بلدان العالم الإسلامي الكبرى والصغرى، واستثمروا مؤسساتهم الطبية استثماراً اقتصادياً واسعاً مع قيامهم بمهمّات التنصير. ٣- مجال تأسيس الكنائس والأديرة والرهبنات وذلك في كل بلد إسلامي يوجد فيه نصارى، ولو لم يتجاوزوا عدد أصابع اليدين، لتكون هذه المؤسسات الدينية بؤرة للتنصير، ومسوغاً للادعاءات المستقبلية بحقوق تاريخية في بلاد المسلمين. ٤- مجال تأسيس المدارس وذلك في المرحلة دون المرحلة الجامعية التي هي من اختصاص المستشرقين، وقد أسسوا في هذا المجال مدارس كثيرة في بلدان العالم الإسلامي، من دور الحضانة حتى شهادة الدراسة الثانوية، وأتقنوا بناءها ونظامها،واجتذبوا إليها أعداداً هائلة من أبناء وبنات المسلمين، وكان من ثمراتها إخراج أجيال متنكرة لدينها ولأمتها ولأوطانها تابعة للغرب، متشبثة بذيول الحضارة الأوروبية، وبريق ألوانها مع ما فيها من انحلال وفوضى خلقية وسلوكية، دون الأخذ بعوامل النهضة المادية الحقيقية. ومن الأمثلة على ذلك: ما تكشفه الإحصائيات عن وجود قرابة (١٤٠) مدرسة طائفية وأجنبية في الأردن في السبعينات من القرن العشرين الميلادي الجاري، وعدد الطلاب والطالبات فيها يزيد على ثلاثين ألفاً، معظمهم من أبناء وبنات المسلمين، والمعلمون والمعلمات فيها معظم من غير المسلمين.

стр. 110

٥- مجال الخدمات الاجتماعية المختلفة كدور الأيتام والعجزة الأرامل والمطلقات ونحو ذلك. ٦- مجال العلاقات الاجتماعية: فمن ذلك الصلات الودية الشخصية والصداقات والزيارات العائلية والعلاقات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية المختلفة، واتخاذ هذه الأمور وسيلة لإفساد المسلمين والمسلمات. ٧- استغلال الأزمات والكوارث الفردية والاجتماعية ويتجلى ذلك بتصيد اللقطاء والمشردين والمشردات وأصحاب الأزمات المختلفة من أبناء وبنات المسلمين، وكذلك الذين فقدوا أهلهم في الحروب، والفتن والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الأخرى وإيوائهم لتنصيرهم. ومن أمثلة ذلك: الحملات المكثفة التبشيرية لتنصير أطفال المسلمين اللاجئين في الصومال، التي نشرت الصحف عنها في عام (١٤٠٢م) . والحملات التبشيرية لتنصير أطفال لاجئي الأفغان في باكستان، الذين فرَّ بهم أهلوهم، خوفاً عليهم من التدمير الشيوعي الأحمر، وقد نُشر عنها في عام (١٤٠٣هـ) . وهذه الحملات تأتي تحت قناع هيئة الصليب الأحمر. وكذلك الحملات التبشيرية لتنصير أطفال من أندنوسيا، ليكونوا إذا كبروا مبشرين بالنصرانية بين ذويهم، وقد أسموا هذا المشروع بمشروع "الأسر البديلة". وحصل ما هو أشنع من ذلك في أطفال المسلمين اللبنانيين، وذلك في الفتن السياسية التي قامت بين الطوائف اللبنانية المختلفة، في السبعينات، وأوائل الثمانينات من القرن العشرين الجاري، إذ كانوا يُلتقطون ليؤخذوا إلى معسكرات وملاجئ التنصير، أو إلى القتل.

стр. 111

ونشرت الصحف أنَّ بعض النصارى اللبنانيين باعوا ألفين من أطفال المسلمين في لبنان، إلى المؤسسات التنصيرية في أوربا وأمريكا. ونشرت الصحف أيضاً ما يثبت أن هناك منظمات سرية يشرف عليها قساوسة لشراء أطفال من أبناء المسلمين، بغية أخذهم إلى معسكرات التنصير. ٨- تأسيس الإذاعات وهي الإذاعات الخاصة بالدعوة إلى النصرانية،ونشر الإنجيل بصورة علنية ظاهرة، أو بصورة خفية متوارية. ومن هذه الإذاعات: ١- إذاعة "مونت كارلو". ٢- إذاعة "صوت الغفران". ٣- إذاعة "مركز النهضة". ٤- إذاعة قبرص في نيقوسيا. ٥- إذاعة فيبا بجمهورية السيثيل في المحيط الهندي. ٩- توزيع المطبوعات والمنشورات الداعية إلى النصرانية وذلك ببثها بين صفوف المسلمين، مقروناً بالأساليب الودية، والوعد بتلبية المطالب. والمبشرون بالنصرانية يستغلون إمكاناتهم الواسعة المادية والعلمية والبشرية، لطبع ملايين الكتب والرسائل والمنشورات وتوزيعها بين المسلمين. ومع ما لديهم من أموال وفيرة تحوَّل إليهم فوائد ودائع المسلمين في البنوك الغربية، الذين يودعون أموالهم فيها ولا يأخذون فوائدها الربوية، وهم بذلك قد ساعدوا أعداء الإسلام بأموالهم مرتين. ١٠- الإغراء بين الجنسين وذلك بتصيد الشباب عن طريق الفتيات الحسناوات المرضيات

стр. 112

بصداقاتهن الخاصة والآسرات للنفوس والباذلات أجسادهن ولو بطرق محرّمة. ١١- تأسيس الجمعيات والمنظمات والنوادي ومن مجالات أنشطة المبشرين بالنصرانية، الجمعيات والمنظمات والنوادي ذات النشاط الاجتماعي أو الأدبي أو الثقافي، أو الفني أو الرياضي. ومن هذه المنظمات ما يلي: ١- منظمة "نداء الرجاء" بمدينة "شتوتكارت" الألمانية. ٢- منظمة "بعثة الصداقة" التي لها فروع في لبنان وهولندا وألمانيا وفرنسا وأمريكا. ٣- منظمة "مركز الشبيبة النصراني" ومركزها الرئيسي بألمانيا الغربية، ومؤسسها "فالترشرمان" الألماني الجنسية. إلى غيرها من المنظمات. ١٢- المساعدة على افتتاح أكبر عدد ممكن من دور الخمر وقد تمَّ ذلك في بلدان العالم الإسلامي، لنشر معاقرة الخمور بين المسلمين. وقد لاحظ المتتبعون في السودان أن الكنيسة والمؤسسات وراء تعطيل أي مشروع لتحريم الخمر، فعندما أعلن مجلس منطقة أم درمان تحريم بيع الخمور، قامت الكنيسة بمعارضة ذلك، واضطربت ودفعت الأموال الطائلة لتعطيل تنفيذ القرار. ١٣- الاهتمام بالمجتمعات الإسلامية النامية والنائية تهتم حركات التنصير بالمجتمعات النائية والنامية، والتي يكثر فيها الأمية، وينتشر فيها الفقر والمرض لاستغلال حاجاتهم والبؤس الذي يعانون منه. الأمر الذي قد يسهّل عليهم بيع دينهم لتحصيل الغذاء والدواء والكساء، والعمل الذي يحصّلون عن طريقه أرزاقهم.

стр. 113

ويقنع المنصّرون بمن يتنصّر طمعاً بتأمين حاجاته،لا عن إيمان بالنصرانية ولا عن اعتقاد بصحتها. ١٤- استغلال أشرطة "الكاسيت" واستخدمت حركات التنصير - مع انتشار آلات التسجيل على نطاق واسع في العالم - طبع أشرطة "الكاسيت" وحشوها بما يريدون بثّه من أفكار، وتوزيعها في مجالات أنشطتهم. ١٥- تأسيس منظمات سرية تعمل في الخفاء ومن أمثلة هذه المنظمات السرية ما أعلنته الصحف السودانية في أواخر السبعينات من أن سلطات الأمن السودانية اكتشفت خلية سرية تعمل في الخفاء لبث الدسائس والأفكار المعادية للإسلام والداعية إلى النصرانية وذلك إذ داهمت هذه السلطات وكر خلية من خلايا هذه المنظمة في "الخرطوم" العاصمة السودانية. وزعيم هذه الخلية طبيب سويسري يعمل في "الخرطوم". وهي تابعة لمنظمة دولية مركزها في "بازل" بسويسرا. ولهذه المنظمة فروع في ألمانيا، والنمسا ولبنان. وحين تمت مداهمة هذا المركز عثر على (٢٠٠) ألف كتاب من الكتب المعادية للدين الإسلامي والمحرفة له والمشوهة لصورته الحقيقية والداعية إلى الردة عنه. وضبطت فيه أيضاً كميات كبيرة من الأشرطة التي سجلت فيها موضوعات وأحاديث مناوئة للإسلام. وبعضها يشتمل على تلاوات شبيهة بالتلاوات القرآنية وهي ليست قرآناً بل معادية ومناقضة له، بغية تضليل عوام المنتمي إلى الإسلام في إفريقية وغيرها، حيث الجهل بالإسلام منتشر. وذكرت الصحف السودانية آنئذٍ أن رئيس هذه المنظمة، هو الألماني "فالترفشرمان"، وأنه كان قد بعث بخطاب إلى الطبيب السويسري مدير الخلية

стр. 114

في "الخرطوم" يدعوه فيه إلى تكثيف النشاط للحدّ من المدّ الإسلامي. ١٦- مجال المسابقات بأنواعها ومن هذه المسابقات الإعلان عن مسابقات عن طريق المراسلة، ومضامين هذه المسابقات تتطلب التعرف على موضوعات يُهم المبشرين التعريف بها. وتُرصد لهذه المسابقات جوائز مادّية وعينية قيمة، بغية شد انتباه الناس إليها، وتحريك مطامع ذوي المطامع للمشاركة فيها. ١٧- تأليف الكتب وهي الكتب المعدة لتكون مراجع للبحوث الدينية، ومنها الكتب التالية: ١- "ميزان الحق" مؤلف من ثلاثة أجزاء. ٢- "تنوير الأفهام في مصادر الإسلام". ٣- "الهداية" مؤلف من أربعة أجزاء. ٤- "مقالة في الإسلام". ٥- "الباكورة الشهية في الروايات الدينية". ٦- "دعوة الحق". ٧- "أصول الإيمان". ٨- "الصليب في الإنجيل والقرآن". ٩- "دين المسيح لم ينسخ". ١٠- "شخصية المسيح في الإنجيل والقرآن". ١٨- مجال الفنادق العالمية الكبرى وذلك باستغلال الفنادق العالمية الكبرى ذات الفروع في معظم عواصم العالم، ودس ما يمكن عن طريقها من غزو تبشيري صليبي، وسلوك غربي يخدم مصالح الاستعمار الغربي، ويحوّل المسلمين عن مفاهيمهم الإسلامية، وأنواع سلوكهم الإسلامي.

стр. 115

١٩- استخدام الأسواق المجمعة "السوبر ماركت" يتم ذلك باستغلالها لترويج ما يخدم أفكار الغزاة، ويشجع على ممارسة أنواع سلوكهم وطرائق حياتهم. ٢٠- إنشاء معاهد لإعداد المنصّرين المتخصصين بتنصير المسلمين مثل: "معهد صمويل زويمر" الذي أنشئ في شمال كاليفورنيا، وقرروا إنشاء معهد آخر ورصدوا له مليار دولار أمريكي. وهناك مجالات كثير أخرى قائمة، أو يمكن أن تتفتق أذهان أعداء الإسلام لاستخدامها.١- تتابعت مخططات المبشرين الهادفة إلى محو الإسلام من الوجود، وتمزيق وحدة المسلمين، واتسعت دوائر أعمالهم وملاحقتهم للإسلام في كل بلد اتساعاً كبيراً، ولكنهم لم يظفروا بكل ما يريدون تحقيقه داخل المجتمعات الإسلامية، عن طريق أعمالهم ونشاطاتهم الخاصة المنفصلة عن الحكومات الاستعمارية، فلجأوا إلى هذه الحكومات يلتمسون منها العون والتأييد المالي والسياسي والعسكري. (٤) التآزر بين المبشرين والمستعمرين ١- تتابعت مخططات المبشرين الهادفة إلى محو الإسلام من الوجود، وتمزيق وحدة المسلمين، واتسعت دوائر أعمالهم وملاحقتهم للإسلام في كل بلد اتساعاً كبيراً، ولكنهم لم يظفروا بكل ما يريدون تحقيقه داخل المجتمعات الإسلامية، عن طريق أعمالهم ونشاطاتهم الخاصة المنفصلة عن الحكومات الاستعمارية، فلجأوا إلى هذه الحكومات يلتمسون منها العون والتأييد المالي والسياسي والعسكري. فرأت الدول الاستعمارية جيوش المبشرين كنزاً ثميناً لها، فقررت أن تدعمها في أهدافها التبشيرية، لتستخدمها في الأهداف الاستعمارية. وقد كان المبشرون الذين يفدون إلى البلاد الإسلامية، يأتون أول الأمر متسترين بأسماء مختلفة، فإذا استقروا في البلاد أخذوا يقومون بالتبشير على مقدار وسعهم، فإذا وجدوا من الدول الإسلامية مراقبة لهم وتذمراً من أعمالهم وملاحقة لتصرفاتهم لجأوا إلى قناصلهم طالبين حمايتهم، وكان المسؤولون في القنصليات الأجنبية يدافعون عنهم ويحمونهم بوصفهم من

стр. 116

رعاياهم. وكلما ضعفت الدول الإسلامية أمام نفوذ الدول الأجنبية زادت هذه الدول في دعم المبشرين داخل البلاد الإسلامية، وفي حمايتهم وتأييدهم. ومن أمثلة ذلك: لما أراد الخديوي إسماعيل باشا أن يغلق مدارس المبشرين البروتستانت في مصر، لأن هؤلاء كانوا يتدخلون في السياسة، ويثيرون الاضطرابات في البلاد، ويزيدون مشاكل الحكومة تدخلت في الأمر قنصليتان تابعتان لأكبر دولتين يومئذٍ، فأيدتا المبشرين، وحملتا الحكومة المصرية على أن تتقيد بالخط الهمايوني (أي: بالدستور) الذي ينص على احترام الحرية الدينية. علماً بأن احترام الحرية الدينية لا يتعارض مع الأمر بإغلاق مدارس تبشيرية أجنبية،تحاول أن تعبث بعقائد المسلمين وتخرجهم عن دينهم. ولكن سياسة دعم المبشرين هي التي حرضت الدول الأجنبية على أن تتدخل لصالح التبشير هذا التدخل السافر. ٢- ويكشف سياسة التآزر بين المبشرين والمستعمرين ما جاء في الكتاب المئوي للمبشرين اليسوعيين، بعد أن أمست سورية ولبنان تحت الانتداب الفرنسي، وهو قولهم: "أجل لقد كنا نعتمد على مساعدة فرنسا الظافرة والآن ها هي فرنسا هنا". ٣- وفي المؤتمر الذي أقامه المبشرون على ظهر الباخرة "غالف" في البحر الأحمر، صرح حاكم إفريقية الشرقية: بأنه يجب على الحكومة وعلى المبشرين أن يشتركوا في العمل ضد الإسلام. ٤- وفي سبيل مؤازرة المبشرين للدولة الاستعمارية المتربصة، أخذ المبشرون يفتعِلُون داخل البلاد الإسلامية الأسباب التي تقود إلى الحرب، لأن الحرب ستضعف الدولة الإسلامية. ومن خلال ذلك يجد المبشرون منافذ واسعة لهم كي يقوموا بمهمة التبشير بين المسلمين على ما يحبون. ويحاول المستعمرون من جهتهم تحقيق أهدافهم الاستعمارية، بينما يحاول المبشرون تحقيق أهدافهم التبشيرية.

стр. 117

وهذا ما أعطى الحروب التي كانت تُشن ضد العالم الإسلامي صفة دينية صليبية بما في ذلك الحروب التي شنتها الدول الأوربية على الحكومات الإسلامية في القرنين التاسع عشر والعشرين. يقول المبشر لورانس براون: "وكذلك شنت الدول الأوربية في القرن التاسع عشر والقرن العشرين حروباً عدوانية على الحكومات المسلمة، ثم انتزعت منها أراضيَ ضمتها إلى سلطانها هي. ولقد كانت النتائج في أحوال كثيرة غير سارة لبعض الشعوب التي استعبدت، وخصوصاً من المسلمين، ولكن هذه الشعوب لم تصل بعد إلى درجة تشعر فيها بأنها أصبحت أقليات مضطهدة". ويقول "وليم كاش" في كتاب صغير له: "قبل هذه التطورات التي طرأت على العالم الإسلامي بعد الحرب العالمية الأولى، كان المبشرون قد اتخذوا مراكز استراتيجية في العالم الإسلامي، واستطاعوا في أثناء الثورات والحروب والاضطرابات أن يتابعوا عملهم بهدوء وثبات. ولقد كتب هذا الكتاب الصغير ليدل على هذه التطورات التي حدثت، وليبين للكنائس تلك الحاجة الملحة للتقدم بمشروعها في يوم الفرصة السانحة". وقبل أن يحتل الاستعمار الإيطالي أرتيريا استخدم الطليان المبشر الطلياني الأب "سابيتو" ليتاع لهم "عَصَب" من الأريتريين، ففعل، وكان ذلك هو البداية للاحتلال الاستعماري. وكذلك كانت للمبشرين أدوار كثيرة مماثلة في التمهيد للاستعمار، كما كان للدول الاستعمارية أدوار كثيرة في مساعدة المبشرين ومؤازرتهم وحمايتهم لهم، وخطط العمل من الفريقين يكمل بعضها بعضاً. ٥- ونجد الآن بعد استقلال البلاد الإسلامية من الاستعمار المباشر، نشاطاً كبيراً للمبشرين في بلاد كثيرة من بلاد المسلمين، وهذا النشاط تدعمه الدول الاستعمارية الكبرى. منه نشاط المبشرين في إفريقية ونشاط المبشرين الكبير في أندونيسيا، إذ تتزايد فيها الإرساليات التبشيرية تزايداً كبيراً.

стр. 118

نشرت صحيفة "واشنطن بوست" في عددها الصادر في (٧/٩/١٩٧٣م) تعليقاً بعنوان: "تعاظم التنصير في أندونيسيا" أشارت فيه إلى ازدياد عدد الكنائس في وسط أندونيسيا المسلمة.... وذكرت أن جاوه - وهي أكثر الجزر ازدحاماً بالسكان - إذ تبلغ نسبة عدد سكانها (٦٥%) من مجموع سكان أندونيسيا، أصبحت تربة صالحة لنشاط الإرساليات التبشيرية، وقد تضاعف عدد كنائس البروتستانت والكاثوليك في جاوه الوسطى والشرقية إلى أربعة أضعاف ما كان عليه.... ويبلغ عدد أعضاء كنيسة جاوه الشرقية وحدها "٢١٠٠٠٠" واحداً وعشرين ألف شخص.... ورغم ما يواجه رجال التبشير في بعض المناطق الإسلامية من مقاومة وإعراض، إلا أنهم بالإغراء المادي المسيحي استطاعوا أن يتغلبوا على هذه المصاعب. وقالت الجريدة: إنه توجد في أندونيسيا الآن جريدتان إحداهما للبروتستانت،والأخرى للكاثوليك. وقالت: إن المسيحيين الذين تبلغ نسبتهم (٥%) من مجموع سكان البلاد يسيطرون على بعض المرافق. وأعادت الصحيفة إلى الأذهان أن طلائع البعثات التبشيرية دخلت أندونيسيا في عام (١٥٠٠م) مع البرتغاليين الذين استعمروا جزر البهارات.... وقد استمرت الحملات التبشيرية وبعثاتها تتوالى على البلاد في مختلف العهود التي مرت بها. انتهى. ومع تزايد النشاط التبشيري في أندونيسيا أخذت الأموال تتدفق عليها من دول الغرب ومن أمريكا بالذات، ومعظم هذه الأموال لخدمة أهداف المبشرين الرامية إلى تنصير الشعب المسلم في أندونيسيا.

стр. 119

٦- ومما يدل على أن التبشير تمهيد للاستعمار ومقدمة له، ما جاء في خطاب القسيس "زويمر" الذي ألقاه في مؤتمر القدس التبشيري الذي سبق بيانه إذ قال فيه للمؤتمرين: "وبذلك تكونون أنتم بعملكم هذا طليعة الفتح الاستعماري في الممالك الإسلامية". ويقول المبشر "لورنس براون" - وهو أ؛ د أقطاب المبشرين في العالم: ".. ولكن الخطر الحقيقي كامن في نظام الإسلام، وفي قوته على التوسع والإخضاع وفي حيويته. إنه الجدال الوحيد في وجه الاستعمار الأوربي". وتقول مجلة العالم الإسلامي الإنكليزية: "إن شيئاً من الخوف يجب أن يسيطر على العالم الغربي، ولهذا الخوف أسباب منها: أن الإسلام منذ أن ظهر في مكة لم يضعف عددياً، بل هو دائماً في ازدياد واتساع، ثم إن الإسلام ليس ديناً فحسب، بل إن من أركانه الجهاد، ولم يتفق قط أن شعباً دخل في الإسلام ثم عاد نصرانياً". ٧- ويكشف سياسة التآزر بين المبشرين والمستعمرين ما جرى في المؤتمر الاستعماري الألماني. فقد نشرت "مجلة إرساليات التبشير البروتستانتية" التابعة لجمعية التبشير في مدينة بال بسويسرا مقالة ذات شأن عن موقف إرساليات التبشير في المؤتمر الاستعماري الألماني. ومما يزيد في أهمية هذه المقالة أنها مكتوبة بقلم المبشر "م. ك. اكسنفلد" صاحب التقرير عن الفرع المختص بالإسلام في المؤتمر الاستعماري المذكور. وهو أيضاً أمين سر جمعية التبشير في برلين. قال صاحب المقالة: إن المؤتمر الاستعماري امتاز بمزيتين: الأولى: أنه بحث في الشؤون الصناعية والاقتصادية. الثانية: إجماعه على وجوب ضم المقاصد السياسية والاقتصادية إلى الأعمال الأخلاقية والدينية في سياسة الاستعمار الألماني. واستشهد بقول "شنكال" رئيس غرفة التجارة في همبرغ: "إن نمو ثروة

стр. 120

الاستعمار متوقف على أهمية الرجال الذين يذهبون إلى المستعمرات، وأهم وسيلة للحصول على هذه الأمنية إدخال الدين المسيحي في البلاد المستعمرة،لأن هذا هو الشرط الجوهري للحصول على الأمنية المنشودة، حتى من الوجهة "الاقتصادية". ثم حضَّ "اكسنفلد" على تقدير عمل المبشرين، وإحلاله في محله اللائق به. وعندما أخذ المؤتمر الاستعماري يبحث في أعمال فرعه الرابع الخاص بالمسألة الإسلامية أفاض المبشرون المشتركون في المؤتمر، وتوسعوا في القول، حتى خُيّل للجميع أن المؤتمر الاستعماري تحول إلى مؤتمر تبشيري. وجاء في قرارات المؤتمر الاستعماري المذكور ما يلي: "إن ارتقاء الإسلام يتهدد نمو مستعمراتنا بخطر عظيم، ولذلك فإن المؤتمر الاستعماري ينصح الحكومة بزيادة الإشراف والمراقبة على أدوار هذه الحركة ز والمؤتمر الاستعماري مع اعترافه بضرورة المحافظة على خطة الحياد تماماً في الشؤون الدينية يشير على الذين في أيديهم زمام المستعمرات أن يقاوموا كل عمل من شأنه توسيع نطاق الإسلام، وأن يزيلوا العراقيل من طريق انتشار المسيحية، وأن ينتفعوا من أعمال إرساليات التبشير التي تبث مبادئ المدنية، خصوصاً بخدماتهم التهذيبية والطبية. ومن رأي المؤتمر " أن الخطر الإسلامي يدعو إلى ضرورة الانتباه لاتخاذ التدابير - من غير تسويف - في كل الأرجاء التي لم يصل إليها الإسلام بعد". وجاء في خطاب ألقاه الأستاذ "باكر" أحد أعضاء المؤتمر الاستعماري الألماني: "إن السياسة التي ينبغي الجري عليها في معاملة المسلمين تحتم علينا وضع خطة جديدة في مجرى سياسة حكومتنا.. والمبشرون هم الذين اختصوا وحدهم بالاهتمام بأمر الإسلام، والبحث في شؤونه في كل مستعمراتنا الألمانية إلى هذه الأيام الأخيرة.... وأنا لا أرى أن تظل الحالة على ما هي عليه، بل من رأيي أن تنتقل أزمة السياسة الإسلامية منذ الآن

стр. 121

وبعد الآن إلى يد الحكومة في مستعمراتنا، ويجب على حكومتنا في هذه الخطة الجديدة التي أشير إليها أن تستعين بالوجهة الوطنية لا بالوجهة الدينية، كيما تتوصل إلى مقاصدها". ثم قال: وأنا أقترح على حكومتنا أن تضع خطة موطدة الأركان في الأمور الآتية: الأول: في الخطة العامة للنظام الإداري والديني. الثاني: في علاقة الشرع الإسلامي بالقوانين الأوربية. الثالث: في نظام التعليم. ثم ختم خطابه بقوله: "يجب علينا بالرغم من العناية برعاية الإسلام أن نهتم بمقاومة انتشاره في مستعمراتنا على قدر الإمكان، وليس هنالك غير وساطة واحدة توصلنا إلى هذه الغاية، وهي إنشاء مراكز ثابتة الأركان، كما تفعل إرساليات التبشير". ٨- ويكشف سياسة التآزر بين المبشرين والمستعمرين ما قاله القس اليسوعي "مييز" في معرض حديثه عن سياسة فرنسا الدينية في الشرق: "إن الحرب الصليبية الهادئة التي بدأها مبشرونا في القرن السابع عشر، لا تزال مستمرة إلى أيامنا هذه، ولقد احتفظت فرنسا طويلاً بروح الحرب الصليبية، وبالحنين إلى تلك الحروب الحية نفسها، وكان من غايات الامتيازات الأجنبية دائماً أن تحتفظ فرنسا بالدور الذي يلعبه رهبانها، وقد اعْتُرِفَ لقناصلنا وسُفرائنا بالحماية للنصارى، وكثيراً ما اختارت فرنسا قناصِلَها وسفراءها من رجال الدين". ٩- ويكشف سياسة التآزر بين المبشرين والمستعمرين الكتاب الذي أصدرته

стр. 122

لجنة التبشير الأمريكي، والتي تهتم بالاستفادة من الحروب في أعمال التبشير في عام (١٩٢٠م) وقد جاء في مقدمة هذا الكتاب: "من أبرز الأمور المتعلقة بدخول الولايات المتحدة في الحرب العالمية الأولى، أن الآراء والمبادئ التي كانت تهدف إليها الإرساليات التبشيرية، وقد تبنتها الآن الأمة الأمريكية، ثم أعلنت أنها هي أهدافها الأخلاقية، وغاياتها من خوض تلك الحرب، إن هذه المبادئ التبشيرية قد سمّيت الآن أسماء سياسية فقط". (٥) الأموال التي تجمع للتنصير مع إعداد المنصرين ووسائل التنصير (١) إينا "نيويورك" ذكرت مجلة أمريكية أن ما تم جمعه خلال العام الماضي من تبرعات لأغراض كنسية من غرب أوربا وشمال أمريكا بلغ (١٥١) بليون دولار، وذلك لتمويل النشاط الكنسي في إفريقية، ولدى المؤسسات التنصيرية "١٩٠٠" محطة إذاعة وتليفزيون، ولديهم أربعة ملايين وعشرين ألف منصر متفرغ، وأربعمائة مجلة دورية مسيحية. (٢) وجاء في مقالة كتبه: "د. كامل الدقس": "أن مجلس الكنائس العالمي رصد (١٣٠) بليون دولار أمريكي لتنصير قارة آسيا وأفريقية. وقد رصدوا لجزيرة جاوة وحدها بليون دولار، لكي تكون مسيحية بحلول سنة "٢٠٠٠م" وقد جمع "بيلي جراهام" زعيم البروتستانتيين في أمريكا بليوني دولار أمريكي لتمويل مشروعاته التنصيرية في أفريقية وآسيا. ولدى الفاتيكان ميزانية ضخمة للتنصير قدّرها بعضها الاقتصاديين بأنها تجعل من العالم الثالث أغنى دول العالم". * * *

стр. 123

الفصْل الثالث المستَشرقون وَأعمَالهمْ ١- تعريف عام بالاستشراق والمستشرقين. ٢- موجز تاريخ الاستشراق. ٣- مدارس الاستشراق. ٤- دوافع المستشرقين وأهدافهم. ٥- مجالات أنشطة المستشرقين. ٦- أخطر وسائل المستشرقين الفكرية. ٧- موازين البحث عند المستشرقين. ٨- الجامعات الغربية وأثر المستشرقين فيها على المسلمين. ٩- مقارنة بين التبشير والاستشراق وأعمالهما. ١٠- المستشرقون يدركون قدرة الإسلام الذاتية.

стр. 124

(١) تعريف عام بالاستشراق والمستشرقين سبق في الفصل الثاني من هذا الكتاب تعريف الاستشراق والمستشرقين، وإعادةً توضيحاً له في بدء الفصل الخاصّ ببحث هذا الجناح من أجنحة المكر بالإسلام والمسلمين أبيّن ما يلي: تعريف الاستشراق تعبير أطلقه غير الشرقيين على الدراسات المتعلقة بالشرقيين: (شعوبهم وتاريخهم وأديانهم ولغاتهم وأوضاعهم الاجتماعية وبلدانهم وسائر أراضيهم وما فيها من كنوز وخيرات وحضاراتهم وكل ما يتعلق بهم) . وكان هدف الغربيين من هذا الإطلاق العام الذي يشمل كل الشرق والشرقيين، مسلمين أو غير مسلمين، أن يكون غطاءً للهدف الأساسي، الذي هو دراسة كل ما يتعلق بالإسلام والمسلمين لخدمة أغراض التبشير من جهة، وأغراض الاستعمار الغربي لبلدان المسلمين من جهة أخرى، ثم لإعداد الدراسات اللازمة لمحاربة الإسلام وتحطيم الأمة الإسلامية وتجزئتها وتفتيت وحدتها. ثم توسعت الدراسات الاستشراقية بعد توسع الاستعمار الغربي في الشرق، فتناولت جميع ديانات الشرق وعاداته وحضاراته وجغرافيته وتقاليده ولغاته وكل ما يتعلق به.

стр. 125

المستشرقون هم الذين يقومون بالدراسات الاستشراقية من غير الشرقيين، ويقدمون دراساتهم ونصائحهم ووصاياهم: ١- للمبشرين بغية تحقيق أهداف التبشير. ٢- وللدوائر الاستعمارية بغية تحقيق أهداف الاستعمار. وكثير من المستشرقين قساوسة منتظمون في السلك الكنسي، فهم بمقتضى مهنتهم أصحاب مهمات تبشيرية. وآخرون منهم موظفون ببلدانهم في الدوائر السياسية والإدارية المختصة بشؤون الاستعمار بصفة باحثين أو مستشارين أو نحو ذلك. واندس في الاستشراق يهود كثيرون ينافقون النصارى ويخدمون سراً أهدافاً يهودية ضمن المخطط اليهودي العام. وظهر ضمن المستشرقين نفرٌ عُني بالدراسات الاستشراقية، رغبة في البحث العلمي المتجرد، دون أن يكون مدفوعاً بدافع تبشيري، أو دافع استعماري، وكان من بعض هؤلاء إنصاف للحقيقة دون تحيز، وبعض هؤلاء المنصفين تأثر بالإسلام وبالحضارة الإسلامية، واستطاع أن يتحرر من تقاليده العمياء وعصبيته الجاهلية فأسلم. ثم اتسعت الدراسات الاستشراقية لأهداف متعددة، اقتصادية وسياسية وعسكرية وعلمية وغير ذلك. واحتلَّ كثير من المستشرقين مراكز علمية مرموقة في الجامعات الغربية، وأوكل إليهم في هذه الجامعات أمر منح الشرقيين في العلوم الإسلامية والعربية الشهادات العليا: (الماجستير والدكتوراة) ، بغية صناعة حملة شهادات من بلدان العالم الإسلامي، طبق ما يريد المبشرون والمستعمرون. واستغلّ اليهود هذا المجال من مجالات الاستشراق استغلالاً واسعاً، حتى أمسى عدد وفير من كراسي الأستاذية للدراسات الاستشراقية في الجامعات

стр. 126

الغربية يحتله يهود، يعملون لتحقيق أهداف يهودية، وهم يلبسون بين النصارى أقنعة مزوّرة، كما أن لليهود مندسين كثيرين في كل مجال من مجالات الاستشراق الأخرى بأسماء يهودية أو بأسماء مستعارة أخرى. (٢) موجز تاريخ الاستشراق لا يعرف بالضبط من هو أوَّل غربي عني بالدراسات الشرقية،ولا في أي وقت كان ذلك، ولكن من المؤكد أن بعض الرهبان الغربيين قصدوا الأندلس في إبان عظمتها ومجدها، وتثقفوا في مدارسها، وترجموا القرآن والكتب العربية إلى لغاتهم، وتتلمذوا على علماء المسلمين في مختلف العلوم، وبخاصة في الفلسفة والطب والرياضيات.... ومن أوائل هؤلاء الرهبان الراهب الفرنسي "جربرت" الذي انتخت بابا لكنيسة روما عام (٩٩٩م) ، بعد تعلمه في معاهد الأندلس وعودته إلى بلاده، ومنهم الراهب "بطرس المحترم ١٠٩٢-١١٥٦"، ومنهم الراهب "جيراردي كريمون ١١١٤-١١٨٧". وبعد أن عاد هؤلاء الرهبان إلى بلادهم نشروا الثقافة المكتوبة باللسان العربي، ومؤلفات أشهر علمائهم، ثم أسست المعاهد للدراسات العربية أمثال مدرسة "بادوي" العربية، وأخذت الأديرة والمدارس الغربية تدرس مؤلفات العرب المترجمة إلى اللاتينية - وهي لغة العلم في جميع بلاد أوربا يومئذ-، واستمرت الجامعات الغربية تعتمد على الكتب العربية وتعتبرها المراجع الأصلية للدراسة قرابة ستة قرون. ولم ينقطع منذ ذلك الوقت وجود أفراد درسوا الإسلام واللغة العربية وترجموا القرآن وبعض الكتب العربية العلمية والأدبية، حتى جاء القرن الثامن عشر - وهو العصر الذي بدأ فيه الغرب في استعمار العالم الإسلامي والاستيلاء على ممتلكاته - فإذا بعدد من علماء الغرب ينبغون في الاستشراق، ويصدرون

стр. 127

لذلك المجلات في جميع الممالك الغربية، ويغيرون على المخطوطات العربية في البلاد العربية والإسلامية، فيشترونها من أصحابها الجهلة، أو يسرقونها من المكتبات العامة التي كانت في نهاية الفوضى، وينقلونها إلى بلادهم ومكتباتهم، وإذ بأعداد هائلة من نوادر المخطوطات العربية تنتقل إلى مكتبات أوربا، وقد بلغت في أوائل القرن التاسع عشر مائتين وخمسين ألف مجلداً، وما زال هذا العدد يتزايد حتى اليوم. وفي الربع الأخير من القرن التاسع عشر عقد أول مؤتمر للمستشرقين في باريس عام (١٨٧٣م) ، وتتالى عقد المؤتمرات التي تلقى فيها الدراسات عن الشرق وأديانه وحضاراته، وما تزال تعقد حتى هذه الأيام. فقد بدأ الاستشراق إذن منذ دقَّت جيوش الفتح الإسلامي أبواب أوربا العريضة، وكان المسلمون قد احتلوا عرش السيادة الدولية، وملأوا سمع الزمان وبصره وقلبه وسائر مشاعره. وأخذت أوربا الغارقة في الجهل والتخلف الحضاري يومئذ تبحث عن أسباب نهضة المسلمين، وبلوغهم هذا المجد العظيم الذي بلغوه، وأخذ بعض رجال الكنيسة الأوربيين يدرسون علوم هؤلاء الفاتحين ولغاتهم، لعلهم يظفرون بما يوقفون به مد هذا الفتح الإسلامي، ولعلهم يكتبسون من علوم المسلمين ما ينفعهم في إنقاذهم من تخلفهم، ويفتح لهم أبواب الارتقاء، فكان الاستشراق طلباً لعلوم الشرقيين ولغاتهم وأوضاعهم، وبحثاً عنها. وفي أعقاب الحروب الصليبية وضعت الخطة لغزو المسلمين بوسائل أخرى غير وسيلة الحرب المسلحة بالأسلحة المادية، واقتضت خطة الغزو الجديد التوسع في الدراسات الاستشراقية، لتكون تمهيداً لهذا الغزو، وإعداداً لشروطه الفكرية والنفسية. ولما كان المحركون للحرب الصليبية من رجال الكهنوت الأوربيين والعلوم العليا تكاد تكون منحصرة في الكنيسة لديهم يومئذ، كان أوائل

стр. 128

المتوجهين للدراسات الشرقية من هؤلاء الرجال، ولا ريب أن أغراضهم في ذلك تواكب أغراض الحروب الصليبية التي أخذت أسلوباً جديداً في الغزو، غير أسلوب الغزو المادي المسلح بالأدوات الحديدية،وتتفق مع أهداف التبشير بالمسيحية. وانطلق المتوجهون للدراسات الشرقية يعملون في هذا المضمار بجد، ويترجمون إلى لغاتهم كتباً كثيرة من كتب المسلمين. ونبتت نابتة الفكر الاستعماري في دول أوربا بعد نهضتها، واحتاج الطامعون باستعمار بلاد المسلمين إلى زاد من الدراسات الشرقية، فوجهت الدوائر الاستعمارية أعداداً من المتعلمين في بلادها للتفرغ للدراسات الشرقية، من جوانب متعددة: لغوية ودينية واجتماعية وتاريخية وسياسية وغير ذلك. وكان كثير منهم من منسوبي الكنيسة الذين يحملون في نفوسهم أهداف التبشير. فالتقت في الاستشراق أهداف جمعيات التبشير وأهداف الدوائر الاستعمارية، ومن طبيعة الأهداف التي تسبق الأعمال في التصور أن تكون موجهة للأعمال ومؤثرة فيها. إلا من نما في قلبه وجدان حب الحق، وسيطرت عليه الرغبة بنصرته ولو كان ضد هواه، وضد عصبياته الخاصة. ثم أسست للاستشراق معاهد، وتألفت جمعيات من المستشرقين للتعاون في الأعمال المتعلقة بالدراسات والعلوم الشرقية، كنشر بعض المخطوطات العربية ووضع الفهارس الشاملة لبعض الكتب الإسلامية الأصول , ووضع بعض المعاجم المفهرسة، وتفصيل آيات القرآن الكريم بحسب موضوعاتها، ونحو ذلك. ودخلت هذه الدراسات الشرقية في الجامعات الكبرى، فكان لها فروع حتى مستوى تحصيل شهادة الدكتوراة، وأخذ فريق من المستشرقين يؤلف المؤلفات المتعلقة بالعلوم الإسلامية لخدمة أهداف الاستشراق الأساسية الرامية إلى

стр. 129

تشويه الإسلام وتشويه التاريخ ألإسلامي ووضع الشبهات وتصيد الأدلة لها، وتوجيه الانتقادات الملفقة إلى أحكام الإسلام وشرائعه، وتتبع الأخبار الساقطة والأقوال الضعيفة المردودة، وتفسير الظواهر تفسيراً مادياً بحسب ما يروق لهم، وشرح النصوص القرآنية على أساس أن القرآن ليس من كلام الله،وليس كتاباً منزلاً، وشرح الأحاديث النبوية على أساس أن محمداً عبقري من الناس وليس برسول كسائر الرسل، وتعليل الفتح الإسلامي بالرغبات الشخصية المماثلة للرغبات التي توجد عند الاستعماريين، وإبعاد كل دافع ديني إسلامي عن كل حدث تاريخي للمسلمين، ومحاولات التحريف في النصوص عند الاستشهاد بها، واللجوء إلى المغالطات الكثيرة لدى مناقشة الموضوعات الإسلامية، وتعمد إبراز سقطات الفساق من المسلمين في مدى تاريخهم الطويل والتشكيك بصحة الأحاديث الصحيحة المروية بتوجيه المطاعن إلى رواة الحديث ولو كانوا من أصحاب الرسول، والتشكيك بالقرآن الكريم، بتوجيه المطاعن المفتراة إلى نقله وتدوينه والقراءات الثابتة فيه وإلى مضامينه، وبتوجيه المطاعن إلى ظاهرة الوحي التي تلقى بها الرسول كتاب ربه، إلى غير ذلك من أمور لا تحصى، وأساسها جميعاً الرغبة بإبطال الحق تعصباً واتباعاً للهوى. ورأى اليهود الاستشراق باباً خطيراً من أبواب التسلسل إلى البلاد التي يحلمون بالسيطرة عليها وفق طريقتهم، ويريدون أن يتخذوا لأنفسهم صنائع فيها من أبنائها، فتخصص فريق منهم بالدراسات الشرقية وتابعوا المسيرة ضمن الخطط اليهودية، حتى احتل اليهود عدداً وفيراً من كراسي الدراسات الشرقية في الجامعات الكبرى، وأخذوا يخدمون الأغراض اليهودية الصهيونية في هذا المجال تحت ستار خدمة أغراض المستشرقين المسيحيين وأغراض الدوائر الاستعمارية. ودخل الأوربيون الشرقيون بعد نجاح الثورة الشيوعية في بلادهم ميادين الاستشراق تبعاً للغرب وبغية استخدام دراساتهم في هذا المجال لتقويض الإسلام واستدراج الشعوب الإسلامية إلى الشيوعية.

стр. 130

(٣) مدارس الاستشراق وإذْ دخل ميادين الاستشراق عناصر مختلفة الغايات والأهداف، على الرغم من أن ساحة عمل الجميع واحدة،كان باستطاعتنا أن نلاحظ أنه قد غدا للاستشراق عدة مدارس، كلُّ منها له أهداف تنسجم مع المذهب الفكري أو الديني الذي يتبعه المنتسبون إليها. وباستطاعتنا أن نقسّم هذه المدارس إلى ما يلي: ١- المدرسة النصرانية، وهي تنقسم إلى فرعين: أ- الكاثوليكية. ب- البروتستانتية. وهذان الفرعان يلتقيان في الأعمال والأهداف، وإن اختلفا في بعض الآراء المذهبية. ٢- المدرسة اليهودية: وهذه المدرسة ذات أهداف خاصة تخدم مخططات اليهودية العالمية، مهما لبست في البيئات التي تكون فيها من ألبسة النفاق تمالئ فيها هذه البيئات، ومهما سترت وجهها الحقيقي بأقنعة مزورة. ٣- المدرسة الإلحادية العامة: والمنتمون إلى هذه المدرسة هم المستشرقون الملحدون في الغرب، وتتلخص أهدافهم بنشر الفكر الإلحادي، وإقامة مفاهيم الحياة على المادية التي تنكر وجود الله ، وهؤلاء موزعون في مختلف المذاهب الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. ٤- المدرسة الإلحادية الشيوعية: والمنتمون إلى هذه المدرسة هم المستشرقون الشيوعيون، وتتلخص

стр. 131

أهدافهم بنشر الإلحاد والشيوعية معاً، واستدراج شعوب الأمة الإسلامية إليهما. (٤) دوافع المستشرقين وأهدافهم باستطاعتنا أن نتلمس دوافع المستشرقين وأهدافهم من أعمالهم، ومما حققوه من أهداف، ومن النظرات التاريخية إلى واقع حال الدول الغربية، قبل أن تنبت فيها نابتة الاستشراق، وإلى واقع حالها بعد ذلك،ومن النظر إلى صلة الاستشراق بالتبشير بالنصرانية، وإلى صلته بالاستعمار. وفيما يلي خلاصة عن دوافعهم وأهدافهم مع العلم بأن الدوافع تلتقي مع الأهداف،باعتبار أن الدافع يمثل المحرض النفسي لاتخاذ الوسائل التي توصل إلى الأهداف الغائية من العمل. الأول: الدافع الديني أو المذهبي ضد الإسلام والمسلمين عرفنا أن الاستشراق بدأ بالرهبان والقساوسة والنصارى، ثم استمر بعد ذلك ومعظم المستشرقين من رجال الكهنوت المسيحي، وكان هؤلاء مدفوعين بدافع الانتصار للنصرانية، والرغبة بتنصير المسلمين الذين اكتسحوا امبراطوريتهم واستطاع دينهم الحق أن يغلب النصرانية المحرفة في نفوس أتباعها. واتجه هؤلاء للطعن في الإسلام وتشويه محاسنه وتحريف حقائقه بغية إقناع جماهيرهم التي تخضع لزعاماتهم الدينية بأن الإسلام دين لا يستحق الانتشار، وبأن المسلمين قوم همج لصوص سفاكو دماء يحثهم دينهم على الملذات الجسدية ويبعدهم عن كل سمو روحي وخلقي. ثم اشتدت حاجتهم إلى هذا الهجوم في العصر الحاضر، بعد أن رأوا الحضارة الحديثة قد زعزعت أسس العقيدة بالنصرانية عند الغربيين، وأخذ تشكُّكُهم بكل التعاليم التي كانوا يتلقونها عن رجال الدين عندهم يزداد، فلم

стр. 132

يجدوا وسيلة أجدى من تشديد الهجوم على الإسلام لصرف أنظار الغربيين عن نقد ما عندهم من عقيدة وكتب مقدسة. وهم يعلمون ما تركته الفتوحات الإسلامية الأولى، ثم الحروب الصليبية ثم الفتوحات الإسلامية العثمانية في أوربا بعد ذلك في نفوس الغربيين من خوف شديد من قوة الإسلام، ومن كره لأهله، فاستغلوا هذا الجو النفسي، وازدادوا نشاطاً في الدراسات الإسلامية. وحين قامت جمعيات التبشير، ووضعت من أهدافها تحويل المسلمين عن دينهم إلى النصرانية، أو إلى اللادينية والإلحاد الكامل، كانت دوافع الاستشراق لدى المبشرين وأنصارهم ومؤيديهم هي دوافع التبشير أنفسها، وهي تتلخص بالرغبة الملحة في سلخ المسلمين عن دينهم، ومحاولة إدخالهم في النصرانية، أو إبقائهم ملاحدة لا دين لهم، حتى يكونوا أطوع للدول النصرانية الطامعة باستعمار بلاد المسلمين، واستغلال خيراتها. ومن خلال معرفتنا لهذا الدافع نستطيع معرفة الهدف الغائي المرتبط به. فهدف هذا الدافع: هو إخراج المسلمين عن دينهم، فإن أمكن تنصيرهم فذالك، وإلا فإبقاؤهم لا دين لهم مطلقاً هدف مرجو يحقق للنصارى منافع ومصالح سياسية واقتصادية واستعمارية وغير ذلك. ولإخراج المسلمين عن دينهم وسائل كثيرة، منها: ١- تنفير المسلمين من دينهم وحملهم على كراهيته. ٢- تشويه الإسلام، والتشكيك في أسسه، وتوجيه المطاعن له. ٣- تشويه التاريخ الإسلامي، وتشويه حضارة المسلمين، وكل ما يتصل بالإسلام من علم وأدب وتراث. ٤- نبش الحضارات القديمة وإحياء معارفها، وبعث الطوائف الضالة والحركات الهدامة القديمة. ٥- تزيين ما في المسيحية من تعاليم وأحكام. ٦- استدراج المسلمين للأخذ بالحضارة المادية الحديثة، وما فيها من مغريات

стр. 133

للنفوس، ومرضيات للأهواء، وآسرات للشهوات، وباهرات للنظر. ٧- ادعاء أن الفقه الإسلامي مقتبس من القانون الروماني. ٨- ادعاء أن أحكام الشريعة الإسلامية لا تتلاءم مع التطور الحضاري. ٩- الدعوة إلى نبذ اللغة العربية وتبديل طريقة كتابتها. الثاني: الدافع الاستعماري لم ييأس الصليبيون بعد هزيمتهم في الحروب الصليبية من العودة إلى احتلال بلاد العرب وسائر بلاد المسلمين، فاتجهوا لدراسة هذه البلاد، في كل شؤونها: من عقيدة وعادات وأخلاق وثروات ولغات وتاريخ وغير ذلك مما يتعلق بها من جغرافية وسكان بغية أن يتعرفوا إلى مواطن القوة فيها فيضعفوها، وإلى مواطن الضعف فيغتنموها. ثم لما تم لهم الاستيلاء العسكري والسيطرة السياسية، كان من دوافع الدراسات الاستشراقية الرغبة بإضعاف المقاومة الروحية والمعنوية في نفوس المسلمين، وبث الوهن والارتباك في تفكيرهم، وكان لهم في ذلك وساوس كثيرة، تسللوا بها إلى نفوس أبناء المسلمين، ومن هذه الوساوس ما يلي: ١ ً- التشكيك بفائدة ما في أيدي المسلمين من تراث، وبما عندهم من عقيدة وشريعة وقيم إنسانية. والغرض من ذلك أن يفقدوا ثقتهم بأنفسهم، ويرتموا في أحضان الغرب، يستجدون منه المقاييس الأخلاقية والمبادئ والعقائد والحلول لمشاكلهم الحياتية والعادات والتقاليد وأنواع السلوك ليتم للغرب بذلك إخضاع المسلمين لحضارته وثقافته إخضاعاً كاملاً. ٢ ً- إحلال مفاهيم جديدة، أو إحياء مفاهيم ماتت منذ تمكن الإسلام من قلوب المسلمين، كالقوميات الفرعونية والفينيقية والآشورية والعربية الكردية والتركية والفارسية ونحو ذلك ليتسنى لهم تشتيت شمل الأمة الإسلامية الواحدة، التي تجمعها رابطة واحدة، هي وحدة الدين الذي يهيمن على جميع مشاعر الإنسان الداخلية وسلوكه الظاهر.

стр. 134

وللاستشراق الذي يقوم به الشيوعيون دافع مشابه، وهو دافع يطمع بالتسلط الكامل على بلاد المسلمين. ومن خلال معرفتنا لهذا الدافع نستطيع معرفة الهدف الغائي المرتبط به. فهدف هذا الدافع: هو السيطرة على بلدان العالم الإسلامي، وعلى الشعوب الإسلامية، طمعاً باستغلال الأرض واستعباد الناس والسيطرة على كل شيء وسيلة لتحقيق أهواء النفوس وشهواتها،وأن يكن لها العلو في الأرض. الثالث: الدافع الاقتصادي ومن الدوافع التي حرضت كثيراً من الغربيين على الدراسات الاستشراقية رغبتهم بغزو البلاد الإسلامية غزواً اقتصادياً،يهدفون فيه إلى الاستيلاء على الأسواق التجارية والمؤسسات المالية المختلفة والاستيلاء على الثروات الأرضية واستغلال الموارد الطبيعية والحصول عليها بأبخس الأثمان وإماتة الصناعات المحلية القديمة، لتكون بلاد المسلمين بلاد استهلاك لما تصدره المصانع الآلية الغربية. وضمن هذا الدافع وجهت المؤسسات الاقتصادية الغربية، من يهتمون بالدراسات الاستشراقية، ليكونوا وسطاءهم ورسلهم ومستشاريهم والمترجمين لهم في مهماتهم ومطالبهم الاقتصادية أو أبدت استعدادها لاستخدام من يعمل لهم في هذا المجال، فاتجه فريق من الغربيين لهذه الدراسات، طمعاً بأن يجدوا أعمالاً لهم لدى المؤسسات الاقتصادية. وظهر أيضاً فريق من الباحثين العلميين اهتم بالدراسات الاستشراقية، ليقوم نشر كتب التراث الإسلامي، والاستفادة من نشرها في تحصيل الثروات التي يحصل عليها الناشرون عادة. وهكذا صارت الدراسات الاستشراقية وسيلة من وسائل كسب المال لكثير من المستشرقين. ومن خلال معرفتنا لهذا الدافع نستطيع معرفة الهدف الغائي المرتبط به.

стр. 135

فهدف هذا الدافع: تحصيل الأموال والمطامع الاقتصادية. الرابع: الدافع السياسي قبل الاستعمار وبعد تحرر البلاد الإسلامية منه رأت الدوائر الاستعمارية أن حاجتها السياسية تقضي بأن يكون لها في قنصلياتها، وسفاراتها ومندوبيها في الأمم المتحدة وسائر المؤسسات الدولية، من لديهم زاد جيد من الدراسات الاستشراقية، ليقوم لهم هؤلاء بمهمات سياسية متعددة مرتبطة بالشعوب الإسلامية، وبلدان العالم الإسلامي، ومنها ما يلي: ١ ً- الاتصال بالسياسيين والتفاوض معهم، لمعرفة آرائهم واتجاهاتهم. ٢ ً- الاتصال برجال الفكر والصحافة للتعرف على أفكارهم وواقع بلادهم. ٣ ً- بث الاتجاهات السياسية التي تريدها دولهم، فيمن يريدون بثها فيهم، وإقناعهم بها. ٤ ً- الاتصال بعملائهم وأجرائهم الذين يخدمون أغراضهم السياسية داخل شعوب الأمة الإسلامية. وكم بثَّ حاملو هذا الدافع في شعوب المسلمين من أفكار؟! وكم دسوا من دسائس؟! وكم استخدموا من أجراء لإثارة الفتن وإقامة ثورات وانقلابات عسكرية؟!. إلى غير ذلك من أعمال. ومن خلال معرفتنا لهذا الدافع نستطيع معرفة الهدف الغائي المرتبط به. فهدف هذا الدافع: تحقيق غايات سياسية، تريد تحقيقها الدول الموجهة لهذا النوع من الدراسات لتسيير دول العالم الإسلامي في أفلاكها. الخامس: الدافع العلمي النزيه ومن المستشرقين نفر قليل جداً أقبلوا على الدراسات الاستشراقية بدافع من حب الاطلاع على حضارات الأمم وأديانها وثقافاتها ولغاتها. وكان هؤلاء النفر من المستشرقين أقل من غيرهم خطأً في فهم الإسلام

стр. 136

وتراثه، لأنهم لم يكونوا يتعمدون أن يدسوا أو يحرفوا. لذلك جاءت بحوث هؤلاء أقرب إلى الحق، وإلى المنهج العلمي السليم، من أبحاث الجمهرة الغالبة من المستشرقين، بل منهم من اهتدى بدراسته إلى الإسلام، وآمن به، وانتمى إلى الأمة الإسلامية. على أن هؤلاء قلما يوجدون إلا حين يكون لهم من الموارد المالية الخاصة ما يمكنهم من الانصراف إلى الدراسات الاستشراقية بأمانة وإخلاص، لأن أبحاثهم المجردة عن الهوى الجانح لا تلقى رواجاً لا عند رجال الدين، ولا عند رجال السياسة، ولا عند عامة الباحثين الغربيين. بل كثيراً ما يتعرض هؤلاء لمضايقات ومقاومات شديدة، من قبل رجال الدين ورجال السياسة في بلدانهم. ولما كان الاستشراق النزيه الراغب بالبحث العلمي الحيادي المتجرد عن الهوى الجانح، لا يدر على مرتاديه مكاسب ومغانم، كان من الطبيعي أن يندر وجود هؤلاء المرتادين في أوساط المستشرقين. ومن خلال معرفتنا لهذا الدافع نستطيع معرفة الهدف الغائي المرتبط به. فهدف هذا الدافع: إشباع نهم علمي متجرد، وتحصيل معرفة صحيحة تتصل بأمة ذات علم، وحضارة أصيلة. وهؤلاء مع إخلاصهم في البحث والدراسة لا يسلمون من الأخطاء والاستنتاجات البعيدة عن الحق، إما لجهلهم بأساليب اللغة العربية، وإما لجهلهم بالأجواء الإسلامية التاريخية على حقيقتها، فيتصورونها كما يتصورون مجتمعاتها، ناسين الفروق الطبيعية والنفسية والزمنية التي تفرق بين الأجواء التاريخية التي يدرسونها، وبين الأجواء الحاضرة التي يعيشونها. ومن هؤلاء من يعيش بقلبه وفكره في جو البيئة التي يدرسها، فيأتي بنتائج تنطبق مع الحق والصدق والواقع، ولكن هؤلاء يلقون عنتاً من سائر المستشرقين، إذ سرعان ما يتهمون بالانحراف عن المنهج العلمي، أو الانسياق

стр. 137

وراء العاطفة، أو الرغبة في مجاملة المسلمين والتقرب إليهم، كما فعلوا مع "توماس أرنولد" حين أنصف المسلمين في كتابه العظيم "الدعوة إلى الإسلام"، فقد برهن فيه على تسامح المسلمين في جميع العصور مع مخالفيهم في الدين، على عكس مخالفيهم معهم. هذا الكتاب الذي يعتبر من أدق وأوثق المراجع في تاريخ التسامح الديني في الإسلام، يطعن فيه المستشرقون المتعصبون بأن مؤلفه كان مندفعاً بعاطفة قوية من الحب والعطف على المسلمين، مع أنه لم يذكر حادثة إلا أرجعها إلى مصدرها. ومن هؤلاء من يؤدي به البحث الخالص لوجه الحق إلى اعتناق الإسلام والدفاع عنه في أوساط أقوامهم الغربيين، كما فعل المستشرق الفرنسي الفنان "دينيه" الذي عاش في الجزائر فأعجب بالإسلام وأعلن إسلامه، وتسمى باسم ناصر الدين دينيه" وألف مع عالم جزائري كتاباً عن سيرة الرسول، وله كتاب "أشعة خاصة بنور الإسلام" بيَّن فيه تحامل قومه على الإسلام ورسوله، وقد توفي هذا المستشرق المسلم في فرنسا، ونقل جثمانه إلى الجزائر ودفن فيها. ومنهم أيضاً المستشرق "عبد الكريم جرمانوس" وهو عالم مجري اعتنق الإسلام في الهند، ولد سنة (١٨٨٥) وتوفي سنة (١٩٧٩م) وكان يتمنى أن يعيش مائة عام، لأن اللغة العربية في رأيه تحتاج إلى مائة سنة لفهمها. كان عضواً في المجمع اللغوي في القاهرة. أحب الإسلام واللغة العربية وخدمهما. ألف أكثر من مائة وخمسين كتاباً عن الإسلام، منها: ١- الله أكبر. ٢- الحركات الحديثة في الإسلام. ٣- شوامخ الأدب العربي. ٤- معاني القرآن.

стр. 138

٥- دراسات في التركيبات اللغوية العربية. وقد أجاد عدة لغات منها الإنكليزية والفارسية والأردية والتركية مع العربية. ومنهم الطبيب الفرنسي "موريس بوكاي" صاحب كتاب "دراسة الكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة" الذي أثبت فيه موافقة ما جاء في القرآن لأحدث الحقائق العلمية التي توصل إليها الناس بوسائلهم، بخلاف ما في الكتب التي يزعم أهل الكتاب من اليهود والنصارى أنها مقدسة. ومنهم المستشرق الأسباني الدكتور "سيمون هايك" كما نقل عنه: محمود بيومي في جريدة المدينة العدد (٨٢٠٣) الخميس ٢٧/٠٣/١٤١٠هـ. وغيرهم ممن عرفوا الحق واتبعوه. (٥) مجالات أنشطة المستشرقين تخصص المستشرقون في مجالات الأنشطة المعرفية والتوجيهية العليا، منها: التعليم الجامعي، والمؤسسات العالمية لتوجيه التعليم والتثقيف، والوظائف الاستشارية العليا للدول الغربية، وتأليف وإصدار الكتب والموسوعات العلمية، وإصدار المجلات الثقافية، وعقد مؤتمرات وإلقاء محاضرات علمية، وعقد ندوات، ولقاءات حوار حول موضوعات يهم المستشرقين دس أفكارهم فيها، ونحو ذلك. وقد تفرغ منهم مجموعات متعددة لأداء المهمات الاستشراقية، في كل مجال من المجالات التالية: الأول: كراسي الدراسات الإسلامية العربية والشرقية بوجه عام، في الجامعات الغربية، واتخاذها بؤرة لاصطياد أبناء الشعوب الإسلامية، والتأثير عليهم فكرياً وسلوكياً ونفسياً. الثاني: تأسيس الجامعات العلمية في بلدان العالم الإسلامي خاصة

стр. 139

وبلدان الشرق عامة، لتخريج أجيال منسلخة من إسلامها، ومستعدة لتقبل المذاهب الفكرية المعاصرة الوافدة، ولكل ما يلقى إليها من أفكار ومبادئ. مثل: كلية بغداد التي أسسها المطران: "وليم آ - رايس) والأب: "إدوارد ف. مدارس" كما ذكر المبشر، الأب: "رتشرد يوسف مكارتي اليسوعي" في إهداءه لكتاب التمهيد للباقلاني، الذي حققه وأخرجه عام ١٩٧٥م والجامعة الأمريكية في بيروت، والجامعة الأمريكية في مصر، والجامعة الأمريكية في تركيا. الثالث: إنشاء الموسوعات العلمية الإسلامية، والشرقية بوجه عام، التي تتناول الشرقيات من جميع جوانب المعرفة، واتخاذها وسيلة لدس الأفكار الاستشراقية السامة التي يريدون دسها، وإقناع أجيال الشعوب الإسلامية بها. والموسوعة الإسلامية التي أصدرها المستشرقون بعدة لغات، قد حُشد لها كبار المستشرقين، وأشدهم عداءً للإسلام،ودُسَّ فيها السم بالدسم، ونثرت فيها أباطيل كثيرة عن الإسلام والمسلمين، ومن المؤسف أنها مرجع لكثير من المثقفين من المسلمين، إذ يعتبرونها حجة فيما تورده من معارف حول قضايا إسلامية، وهي فيها غير نزيهة، لأن كتابها منحازون ضد معظم قضايا الإسلام والمسلمين. وكذلك الموسوعات العامة: كالموسوعة الفرنسية (لاروس) والموسوعة البريطانية. الرابع: عقد المؤتمرات الاستشراقية، لتبادل الرأي فيما يحقق أهداف الاستشراق، وما زالوا يعقدون هذه المؤتمرات منذ عام (١٨٧٣م) وحتى الآن. الخامس: عقد الندوات ولقاءات التحاور الرامية إلى بث الأفكار الاستشراقية والترويج لها، وإقناع مثقفي العالم الإسلامي بها. وفي هذه الندوات ولقاءات التحاور يستدرجون بعض المسلمين من حيث يشعر هؤلاء أو لا يشعرون لتحريف الإسلام، دفاعاً عنه حيناً، وتطويعاً له حتى يساير المفاهيم الغربية حيناً آخر، بحيلة مرونة الشريعة الإسلامية.

стр. 140

السادس: إصدار المجلات الخاصة ببحوثهم حول الإسلام والمسلمين وشعوبهم وبلادهم وكل ما يتعلق بهم. السابع: إمداد إرساليات التبشير بالخبراء من المستشرقين، ودعمها بما تحتاج إليه من جهودهم. الثامن: تأليف الكتب في موضوعات مختلفات عن الإسلام، والرسول، والقرآن وتاريخ المسلمين ومجتمعاتهم. وفي معظم هذه الكتب كثير من التحريف المتعمد في نقل النصوص أو ابتسارها أو في فهمها واستنباط المعاني منها. وفيها أيضاً كثير من التحريف في تفسير الوقائع التاريخية، وتعليل أحداثها. ومن مظاهر تزييفهم ومغالطاتهم في الوقائع التاريخية التعميمات الفاسدة، إذ يأخذون الحوادث الفردية القليلة من حوادث التاريخ، ويتخذون منها قاعدة عامة شاملة يدينون بها كل الأفراد، ويعتبرونها صورة لكل تاريخ المسلمين، وهذا من التضليلات التي يرفضها أي باحث علمي، ولا يقبلها صغار العامة فضلاً عن المثقفين، فكيف بمن يدعون الأمانة العلمية، ويتظاهرون بالحرص عليها. وغدت هذه الكتب مرجعاً للمبشرين، ولكل الدارسين من المسلمين في الجامعات الغربية، ولكل المستغربين من أبناء الشعوب الإسلامية. التاسع: إلقاء المحاضرات في الجامعات، والجمعيات والأندية العلمية، ومن المؤسف أن أشدهم خطراً وعداءً للإسلام يستطيعون تحريك الأيدي الخفية لاستدعائهم إلى الجامعات العربية والإسلامية، لإلقاء المحاضرات التي يتحدثون فيها عن الإسلام، ويدسون فيها ما يستطيعون دسه من أفكار، رغبة في بثها والإقناع بها. العاشر: نقشر المقالات في المجلات والصحف المحلية للبلاد الإسلامية، لبث أفكارهم عن طريقها، والترويج لها بين المسلمين.

стр. 141

وقد استطاعوا أن يستأجروا عدداً من هذه المجلات والصحف لنشر مقالاتهم، والترويج لأفكارهم. واستطاعوا أيضاً أن يستأجروا كتاباً وأساتذة جامعيين وغير جامعيين، وأدباء وشعراء يحملون أفكارهم من أبناء الشعوب المسلمة وينشرونها بأقلامهم وألسنتهم ليكونوا أكثر تأثيراً في الأجيال الناشئة وهؤلاء هم أتباع المستشرقين وذيولهم وأجراؤهم وعملاؤهم من الشرقيين فهم شرقيون مستغربون. الحادي عشر: ووجه المستشرقون عناية عظمى لإفساد المرأة المسلمة، عن طريق دعوات تحريرها، وانطلاقها للعمل في شتى حقول المجتمع، وإعطائها - بحسب دعواهم المضللة - كامل حريتها وكامل حقوقها. وأثاروا الشبهات حول أحكام الإسلام الخاصة بشأن المرأة. وافتروا أنواعاً كثيرة من المفتريات. وتبع المستشرقين في ذلك غير المسلمين من مواطني البلاد الإسلامية ومعهم المستغربون الملاحدة والأجراء من أبناء المسلمين. ولما رأى أعداء الإسلام أن الريف في البلاد الإسلامية ظل بعيداً عن تيار الاستغراب، تحركوا بخطوات منظمة لإفساد الريف بوجه عام، وإفساد المرأة فيه بوجه خاص، فانطلق المستشرقون يخططون عن طريق التعليم في الريف لإقامة ما أسموه "التربية الأساسية"، وجاءت التوصيات بضرورة العناية بمراكز "التربية الأساسية" في الريف، لتؤدي دورها المرسوم لها، في إفساد الريف وتغريبه لا سيما المرأة فيه.

стр. 142

(٦) أخطر وسائل المستشرقين الفكرية التشكيك - إلقاء الشبهات - المغالطات - تزيين الأفكار البديلة - افتراء الأكاذيب - دس السموم الفكرية بخفاء وتدرج. ترجع الوسائل الفكرية الرئيسية التي استخدمها المستشرقون لهدم الإسلام وتجزئة المسلمين وتشويه تاريخ الأمة الإسلامية، وتشويه حاضرها، وخداع أجيال هذه الأمة بنبذ الإسلام واتباع مناهج وأساليب الحضارة المادية المعاصرة إلى الأصول التالية: ١- التشكيك في مصادر الدين الإسلامي وصحة نبوة الرسول. ٢- إلقاء الشبهات حول أحكام الإسلام التشريعية ومصادرها. ٣- المغالطات. ٤- تزيين الأفكار البديلة. ٥- افتراء الأكاذيب واختراع التعليلات والتفسيرات الباطلات. ٦- التلطف في دس السموم الفكرية بصورة خفية ومتدرجة، حتى يبتلعها المغزوّون وهم لا يشعرون، وقد يأخذونها وهم فرحون بحلاوة ما يرافقها. ونلاحظ في مكتوباتهم حول الإسلام والمسلمين ما يلي: الأول: التشكيك في صحة رسالة النبي محمد، فجمهور المستشرقين ينكرون أن يكون محمد نبياً أوحى الله إليه، وأنزل عليه كتاباً من لدنه، ويتخبطون في تفسير مظاهر الوحي التي كان يراها أصحابه، لا سيما عائشة أم المؤمنين ﵂، فمن المستشرقين من يرجع ذلك إلى "صرع" كان ينتاب النبي حيناً بعد حين، ومنهم من يرجعه إلى تخيلات كانت تملأ ذهن النبي،ومنهم من يفسرها بمرض نفسي، إلى غير ذلك. مع أنهم لا ينكرون ظاهرة الوحي في الواقع الإنساني، لأنهم يعترفون بأنبياء التوراة، فهم إما يهود أو نصارى، وكل تفسير سلكوه لظاهرة الوحي عند

стр. 143

محمد يمكن أن تفسر به ظاهرة الوحي عند أنبيائهم الذين يعترفون هم بنبواتهم، إلا أن تعنتاً مبعثه التعصب الديني هو الذي جعلهم يفرقون بين أمرين متساويين تماماً، فيعترفون بأحدهما ويجحدون الآخر عصبية عمياء. الثاني: ويتبع التشكيك في رسالة محمد إنكارهم كون القرآن كتاباً منزلاً عليه من عند الله ، وحين يفحمهم ما ورد في القرآن من حقائق تاريخية عن الأمم الماضية، مما يستحيل صدوره عن أمي مثل محمد يزعمون ما زعمه المشركون الجاهليون في عهد الرسول، فيقولون: إن محمداً استمد هذه المعلومات من أناس كانوا يخبرونه بها، ويجعلون القرآن مأخوذاً من كتب أهل الكتاب، ويتخبطون في ذلك تخبطاً عجيباً. وحين يفحمهم ما جاء في القرآن من حقائق علمية لم تعرف ولم تكتشف إلا في هذا العصر، يرجعون ذلك إلى ذكاء محمد وعبقريته الخاصة، فيقعون في تخبط أشد غرابة من سابقه. الثالث: وإذ أنكروا رسالة محمد وزعموا أن القرآن ليس بكلام الله، لزمهم أن يعلنوا أن الإسلام ليس ديناً منزلاً من عند الله، وإنما هو ملفق من الديانتين اليهودية والنصرانية، وهم في هذا يخبطون خبط عشواء، إذ لا يملكون أي مستند يؤيده البحث العلمي السليم. جلُّ ما يملكونه ادعاءات تستند إلى وجود نقاط التقاء بين الإسلام والديانتين السابقتين، الأمر الذي يرجع في حقيقته إلى وحدة الرسالات الربانية في أصولها الصحيحة. ويلاحظ أن المستشرقين اليهود - أمثال "جولدتسيهر" و"شاخت" - هم أشد حرصاً على ادعاء استمداد الإسلام من اليهودية وتأثيرها فيه. أما المستشرقون المسيحيون فيجرون وراءهم في هذه الدعوى، إذ ليس في المسيحية تشريع يستطيعون أن يزعموا تأثر الإسلام به، وأخذه منه، وإنما في المسيحية مبادئ أخلاقية وبعض تعديلات تشريعية، زعموا أنها أثرت في الإسلام، ودخلت عليه منها، وقد يعممون من غير أي أصل يستندون عليه. ولم يكن التشابه في الأديان السابقة سبباً في نظرهم في إنكار المتأخر منها، ثم ليس المفروض في الديانات الربانية أن تتعارض أو تتناقض في أصلوها أو مبادئها أو تشريعاتها، بل المفروض فيها ما دام مصدرها واحداً أن تتلاقى

стр. 144

وتتفق، ويدعم بعضها بعضها، وأن يكون المتأخر منهما متمماً للسابق، وهذه هي حقيقة الدين الرباني، الذي أرسل الله لتبليغه للناس رسلاً تترى، وختمهم بمحمد بن عبد الله. الرابع: التشكيك في صحة الحديث النبوي الذي اعتمده علماء المسلمين المحققون، ويتذرع هؤلاء المستشرقون بما دخل على الحديث النبوي من وضع ودس، متجاهلين تلك الجهود التي بذلها علماء المسلمين لتنقية الحديث الصحيح، مستندين إلى قواعد بالغة الدقة في التثبت والتحري، مما لم يعهد عندهم في ديانتهم عشر معشاره في التأكد من صحة الكتب المقدسة عندهم. والذي حملهم على الشطط في دعواهم هذه ما رأوه في الحديث النبوي الذي اعتمده علماء المسلمين من ثروة فكرية وتشريعية مدهشة، وهم لا يؤمنون بنبوة الرسول محمد، فادعوا أن هذا لا يعقل أن يصدر كله عن رجل واحد أمي، إنما هو عمل المسلمين خلال القرون الثلاثة الأولى، فالعقدة النفسية عندهم هي عدم تصديقهم بنبوة محمد، ومن هذه العقدة تنبعث تخبطاتهم وأوهامهم. الخامس: التشكيك في قيمة الفقه الإسلامي الذاتية، ذلك التشريع العظيم الذي لم يجتمع مثله لجميع الأمم في جميع العصور. لقد سُقط في أيديهم حين اطلاعه على عظمته وهم لا يؤمنون بنبوة محمد، فلم يجدوا بداً من الزعم بأن هذا الفقه مستمد من القانون الروماني، أي: أنه مستمد من الغربيين، وقد بين علماء المسلمين الباحثون تهافت هذه الدعوى وفيما قرره مؤتمر الفقه المقارن المنعقد بلاهاي من أن الفقه الإسلامي فقه مستقل بذاته وليس مستمداً من أي فقه آخر، ما يفحم المتعنتين منهم، ويقنع المنصفين الذين لا يبغون غير الحق سبيلاً. السادس: التشكيك في قدرة اللغة العربية على مسايرة التطور العلمي، لتظل الأمة العربية المسلمة عالة على مصطلحات الغربيين، وبذلك تشعر هذه الأمة بفضل الغربيين وسلطانهم الأدبي.

стр. 145

والتشكيك في غنى الأدب العربي، وإظهاره على أنه مجدب فقير، بغية أن تتجه الأمة العربية إلى آداب الغربيين، وهذا هو الاستعمار الأدبي الذي يبغونه مع الاستعمار العسكري الذي يباشرونه. السابع: تشكيك المسلمين في قيمة تراثهم الحضاري، إذ يدعون أن الحضارة الإسلامية منقولة عن حضارة الرومان،وأن المسلمين لم يكونوا إلا نقلة لفلسفة تلك الحضارة وآثارها، ولم يكن لهم إبداع فكري ولا ابتكار حضاري، وحين يتحدثون بشيء من الحضارة الإسلامية وحسناتها، فإنما يذكرونها على مضض ومع انتقاص كبير. الثامن: إضعاف ثقة المسلمين بتراثهم، وبث روح الشك في كل ما بين أيديهم من قيم وعقيدة ومثل عليا، ليسهل على الاستعمار المباشر وغير المباشر تشديد وطأته عليهم، ونشر ثقافته الحضارية فيما بينهم، فيكونوا عبيداً لها،يجرهم حبها إلى حبهم أو إلى إضعاف روح المقاومة في نفوسهم. التاسع: إضعاف روح الإخاء الإسلامي بين المسلمين في مختلف أقطارهم، وذلك عن طريق إحياء القوميات القديمة، وإثارة النعرات بين شعوبهم، وإقامة الحواجز المصطنعة بين بلدانهم وأقاليمهم، وإقامة العقبات الكثيرة دون تقاربهم، ووحدة كلمتهم، ووحدة صفهم، والعمل على تعميق تجزئتهم في دويلات صغرى متعادية متناحرة. وفيما يلي أمثلة من افتراءاتهم: المثال الأول: يحاول فريق من المستشرقين إقناع العالم الغربي، والذين يتأثرون بهم من الشعوب الأخرى، ومن الجهلة من أبناء المسلمين، بأن الإسلام شكل جديد للوثنية، وأن محمداً نصب تمثاله الذهبي في الكعبة المحرمة بعد ما أخرج منها التماثيل والأصنام القديمة وكسرها. هذه فرية ظاهرة جداً، لا يقبلها من الغربيين أنفسهم، من اطلع على القدر اليسير من الأصول الإسلامية المنقولة بأمانة. المثال الثاني: فريتهم المفضوحة التي زعموا فيها أن محمداً أخذ
следующие страницы →