← Общие книги

Общие книги · id 22855

أجنحة المكر الثلاثة

عبد الرحمن حبنكة الميداني

Полный текст (750 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وقد استطاعوا أن يستأجروا عدداً من هذه المجلات والصحف لنشر مقالاتهم، والترويج لأفكارهم. واستطاعوا أيضاً أن يستأجروا كتاباً وأساتذة جامعيين وغير جامعيين، وأدباء وشعراء يحملون أفكارهم من أبناء الشعوب المسلمة وينشرونها بأقلامهم وألسنتهم ليكونوا أكثر تأثيراً في الأجيال الناشئة وهؤلاء هم أتباع المستشرقين وذيولهم وأجراؤهم وعملاؤهم من الشرقيين فهم شرقيون مستغربون. الحادي عشر: ووجه المستشرقون عناية عظمى لإفساد المرأة المسلمة، عن طريق دعوات تحريرها، وانطلاقها للعمل في شتى حقول المجتمع، وإعطائها - بحسب دعواهم المضللة - كامل حريتها وكامل حقوقها. وأثاروا الشبهات حول أحكام الإسلام الخاصة بشأن المرأة. وافتروا أنواعاً كثيرة من المفتريات. وتبع المستشرقين في ذلك غير المسلمين من مواطني البلاد الإسلامية ومعهم المستغربون الملاحدة والأجراء من أبناء المسلمين. ولما رأى أعداء الإسلام أن الريف في البلاد الإسلامية ظل بعيداً عن تيار الاستغراب، تحركوا بخطوات منظمة لإفساد الريف بوجه عام، وإفساد المرأة فيه بوجه خاص، فانطلق المستشرقون يخططون عن طريق التعليم في الريف لإقامة ما أسموه "التربية الأساسية"، وجاءت التوصيات بضرورة العناية بمراكز "التربية الأساسية" في الريف، لتؤدي دورها المرسوم لها، في إفساد الريف وتغريبه لا سيما المرأة فيه.

стр. 142

(٦) أخطر وسائل المستشرقين الفكرية التشكيك - إلقاء الشبهات - المغالطات - تزيين الأفكار البديلة - افتراء الأكاذيب - دس السموم الفكرية بخفاء وتدرج. ترجع الوسائل الفكرية الرئيسية التي استخدمها المستشرقون لهدم الإسلام وتجزئة المسلمين وتشويه تاريخ الأمة الإسلامية، وتشويه حاضرها، وخداع أجيال هذه الأمة بنبذ الإسلام واتباع مناهج وأساليب الحضارة المادية المعاصرة إلى الأصول التالية: ١- التشكيك في مصادر الدين الإسلامي وصحة نبوة الرسول. ٢- إلقاء الشبهات حول أحكام الإسلام التشريعية ومصادرها. ٣- المغالطات. ٤- تزيين الأفكار البديلة. ٥- افتراء الأكاذيب واختراع التعليلات والتفسيرات الباطلات. ٦- التلطف في دس السموم الفكرية بصورة خفية ومتدرجة، حتى يبتلعها المغزوّون وهم لا يشعرون، وقد يأخذونها وهم فرحون بحلاوة ما يرافقها. ونلاحظ في مكتوباتهم حول الإسلام والمسلمين ما يلي: الأول: التشكيك في صحة رسالة النبي محمد، فجمهور المستشرقين ينكرون أن يكون محمد نبياً أوحى الله إليه، وأنزل عليه كتاباً من لدنه، ويتخبطون في تفسير مظاهر الوحي التي كان يراها أصحابه، لا سيما عائشة أم المؤمنين ﵂، فمن المستشرقين من يرجع ذلك إلى "صرع" كان ينتاب النبي حيناً بعد حين، ومنهم من يرجعه إلى تخيلات كانت تملأ ذهن النبي،ومنهم من يفسرها بمرض نفسي، إلى غير ذلك. مع أنهم لا ينكرون ظاهرة الوحي في الواقع الإنساني، لأنهم يعترفون بأنبياء التوراة، فهم إما يهود أو نصارى، وكل تفسير سلكوه لظاهرة الوحي عند

стр. 143

محمد يمكن أن تفسر به ظاهرة الوحي عند أنبيائهم الذين يعترفون هم بنبواتهم، إلا أن تعنتاً مبعثه التعصب الديني هو الذي جعلهم يفرقون بين أمرين متساويين تماماً، فيعترفون بأحدهما ويجحدون الآخر عصبية عمياء. الثاني: ويتبع التشكيك في رسالة محمد إنكارهم كون القرآن كتاباً منزلاً عليه من عند الله ، وحين يفحمهم ما ورد في القرآن من حقائق تاريخية عن الأمم الماضية، مما يستحيل صدوره عن أمي مثل محمد يزعمون ما زعمه المشركون الجاهليون في عهد الرسول، فيقولون: إن محمداً استمد هذه المعلومات من أناس كانوا يخبرونه بها، ويجعلون القرآن مأخوذاً من كتب أهل الكتاب، ويتخبطون في ذلك تخبطاً عجيباً. وحين يفحمهم ما جاء في القرآن من حقائق علمية لم تعرف ولم تكتشف إلا في هذا العصر، يرجعون ذلك إلى ذكاء محمد وعبقريته الخاصة، فيقعون في تخبط أشد غرابة من سابقه. الثالث: وإذ أنكروا رسالة محمد وزعموا أن القرآن ليس بكلام الله، لزمهم أن يعلنوا أن الإسلام ليس ديناً منزلاً من عند الله، وإنما هو ملفق من الديانتين اليهودية والنصرانية، وهم في هذا يخبطون خبط عشواء، إذ لا يملكون أي مستند يؤيده البحث العلمي السليم. جلُّ ما يملكونه ادعاءات تستند إلى وجود نقاط التقاء بين الإسلام والديانتين السابقتين، الأمر الذي يرجع في حقيقته إلى وحدة الرسالات الربانية في أصولها الصحيحة. ويلاحظ أن المستشرقين اليهود - أمثال "جولدتسيهر" و"شاخت" - هم أشد حرصاً على ادعاء استمداد الإسلام من اليهودية وتأثيرها فيه. أما المستشرقون المسيحيون فيجرون وراءهم في هذه الدعوى، إذ ليس في المسيحية تشريع يستطيعون أن يزعموا تأثر الإسلام به، وأخذه منه، وإنما في المسيحية مبادئ أخلاقية وبعض تعديلات تشريعية، زعموا أنها أثرت في الإسلام، ودخلت عليه منها، وقد يعممون من غير أي أصل يستندون عليه. ولم يكن التشابه في الأديان السابقة سبباً في نظرهم في إنكار المتأخر منها، ثم ليس المفروض في الديانات الربانية أن تتعارض أو تتناقض في أصلوها أو مبادئها أو تشريعاتها، بل المفروض فيها ما دام مصدرها واحداً أن تتلاقى

стр. 144

وتتفق، ويدعم بعضها بعضها، وأن يكون المتأخر منهما متمماً للسابق، وهذه هي حقيقة الدين الرباني، الذي أرسل الله لتبليغه للناس رسلاً تترى، وختمهم بمحمد بن عبد الله. الرابع: التشكيك في صحة الحديث النبوي الذي اعتمده علماء المسلمين المحققون، ويتذرع هؤلاء المستشرقون بما دخل على الحديث النبوي من وضع ودس، متجاهلين تلك الجهود التي بذلها علماء المسلمين لتنقية الحديث الصحيح، مستندين إلى قواعد بالغة الدقة في التثبت والتحري، مما لم يعهد عندهم في ديانتهم عشر معشاره في التأكد من صحة الكتب المقدسة عندهم. والذي حملهم على الشطط في دعواهم هذه ما رأوه في الحديث النبوي الذي اعتمده علماء المسلمين من ثروة فكرية وتشريعية مدهشة، وهم لا يؤمنون بنبوة الرسول محمد، فادعوا أن هذا لا يعقل أن يصدر كله عن رجل واحد أمي، إنما هو عمل المسلمين خلال القرون الثلاثة الأولى، فالعقدة النفسية عندهم هي عدم تصديقهم بنبوة محمد، ومن هذه العقدة تنبعث تخبطاتهم وأوهامهم. الخامس: التشكيك في قيمة الفقه الإسلامي الذاتية، ذلك التشريع العظيم الذي لم يجتمع مثله لجميع الأمم في جميع العصور. لقد سُقط في أيديهم حين اطلاعه على عظمته وهم لا يؤمنون بنبوة محمد، فلم يجدوا بداً من الزعم بأن هذا الفقه مستمد من القانون الروماني، أي: أنه مستمد من الغربيين، وقد بين علماء المسلمين الباحثون تهافت هذه الدعوى وفيما قرره مؤتمر الفقه المقارن المنعقد بلاهاي من أن الفقه الإسلامي فقه مستقل بذاته وليس مستمداً من أي فقه آخر، ما يفحم المتعنتين منهم، ويقنع المنصفين الذين لا يبغون غير الحق سبيلاً. السادس: التشكيك في قدرة اللغة العربية على مسايرة التطور العلمي، لتظل الأمة العربية المسلمة عالة على مصطلحات الغربيين، وبذلك تشعر هذه الأمة بفضل الغربيين وسلطانهم الأدبي.

стр. 145

والتشكيك في غنى الأدب العربي، وإظهاره على أنه مجدب فقير، بغية أن تتجه الأمة العربية إلى آداب الغربيين، وهذا هو الاستعمار الأدبي الذي يبغونه مع الاستعمار العسكري الذي يباشرونه. السابع: تشكيك المسلمين في قيمة تراثهم الحضاري، إذ يدعون أن الحضارة الإسلامية منقولة عن حضارة الرومان،وأن المسلمين لم يكونوا إلا نقلة لفلسفة تلك الحضارة وآثارها، ولم يكن لهم إبداع فكري ولا ابتكار حضاري، وحين يتحدثون بشيء من الحضارة الإسلامية وحسناتها، فإنما يذكرونها على مضض ومع انتقاص كبير. الثامن: إضعاف ثقة المسلمين بتراثهم، وبث روح الشك في كل ما بين أيديهم من قيم وعقيدة ومثل عليا، ليسهل على الاستعمار المباشر وغير المباشر تشديد وطأته عليهم، ونشر ثقافته الحضارية فيما بينهم، فيكونوا عبيداً لها،يجرهم حبها إلى حبهم أو إلى إضعاف روح المقاومة في نفوسهم. التاسع: إضعاف روح الإخاء الإسلامي بين المسلمين في مختلف أقطارهم، وذلك عن طريق إحياء القوميات القديمة، وإثارة النعرات بين شعوبهم، وإقامة الحواجز المصطنعة بين بلدانهم وأقاليمهم، وإقامة العقبات الكثيرة دون تقاربهم، ووحدة كلمتهم، ووحدة صفهم، والعمل على تعميق تجزئتهم في دويلات صغرى متعادية متناحرة. وفيما يلي أمثلة من افتراءاتهم: المثال الأول: يحاول فريق من المستشرقين إقناع العالم الغربي، والذين يتأثرون بهم من الشعوب الأخرى، ومن الجهلة من أبناء المسلمين، بأن الإسلام شكل جديد للوثنية، وأن محمداً نصب تمثاله الذهبي في الكعبة المحرمة بعد ما أخرج منها التماثيل والأصنام القديمة وكسرها. هذه فرية ظاهرة جداً، لا يقبلها من الغربيين أنفسهم، من اطلع على القدر اليسير من الأصول الإسلامية المنقولة بأمانة. المثال الثاني: فريتهم المفضوحة التي زعموا فيها أن محمداً أخذ

стр. 146

القرآن عن بحيرا الراهب في بصرى الشام، حين سافر مع عمه أبي طالب إلى الشام وهو غلام، وقد سبق شرح هذه الفرية. المثال الثالث: زعمهم أن الفقه الإسلامي مستمد من القانون الروماني، مع أن أي ناظر في مصادر التشريع الإسلامي يكتشف بأدنى تأمل أن الفقه الإسلامي مستنبط من القرآن والسنة، وأن أدلة مسائله أحكامه مبينة في كتب الفقه الإسلامي، فلا وجود لأية أمارة ظاهرة أو خفية تسمح بإثارة هذه الشبهة، فضلاً عن أن تتحول إلى قضية تطرح في ميدان البحث العلمي. المثال الرابع: الترويج للرواية التاريخية الساقطة التي تزعم أن القائد الأموي لجيش يزيد بن معاوية بعد أن أخضع المدينة المنورة، وقتل من أهلها من قتل، أباحها لجنوده ثلاثاً عملاً بوصية يزيد الذي أمره بذلك. المثال الخامس: تفسير الفتح الإسلامي بأنه لم يكن لنشر دين الله، ولإعلاء كلمته، وإنما كان هدفه الحصول على وسائل العيش الثرة،في بلاد الشام والعراق وفارس ومصر، والتخلص من ظروف العيش السيئ داخل الجزيرة العربية. المثال السادس: فرية بعضهم أن محمداً نقل معظم أصول الدين الإسلامي وفروعه من اليهودية والنصرانية، أو من الأمم الأخرى الهندية والفارسية، وصاغها بطريقته الخاصة صياغة عربية. هذه أمثلة مفضوحة مكشوفة، زيفها واضح، والافتراء فيها بين، ولكن توجد مئات القضايا الجزئية التي أدخلها المستشرقون في بياناتهم لمفاهيم الإسلام وتعاليمه، ومنها ما قد يخفى على بعض أهل العلم والخبرة لأن التحريف فيها يسير قد يظنه الخبير خطأً في الاجتهاد، أو قصوراً في الفهم. وهم يسلكون في الأفكار المحرفة أسلوب التدرج، إذ قد يبدأ التحريف بمقدار درجة واحدة من درجات الدائرة الهندسية، حتى إذا استقرت فكرة هذا التحريف انتقلوا إلى درجة وراءها، وهكذا تسلسلاً، حتى يكون بين المحرف والأصل مسافة كبيرة جداً.

стр. 147

وعلى الباحث أن يحذر الدسائس حذراً شديداً، وأن يكون على بصيرة دائمة، وارتباط وثيق بنصوص الإسلام الكبرى ومصادره الأولى، وما كان عليه سلف الأمة الصالح، وأن يغلب جانب الشك في كل ما يقوله المستشرقون وتلامذتهم من أفكار ومفاهيم وأخبار وروايات عن الإسلام وتاريخ الأمة الإسلامية، وحاضر العالم الإسلامي، وإن كان الكلام مغلفاً بالثناء والإطراء والتمجيد. فقد علمتنا الملاحظة والتجربة الطويلة أن كيد هؤلاء عظيم، قد يدخل على أكثر أهل العلم يقظة وحذراً. (٧) موازين البحث عن المستشرقين نظرة عامة: يعتمد جمهور المستشرقين في تحرير أبحاثهم عن الشريعة الإسلامية على ميزان غريب بالغ الغرابة في ميدان البحث العلمي، فمن المعروف أن العالم المخلص يتجرد عن كل هوى وميل شخصي فيما يريد البحث عنه، ويتابع النصوص المراجع الموثوق بها، فما أدت إليه بعد المقارنة والتمحيص كان هو النتيجة الحتمية التي ينبغي له اعتمادها والأخذ بها. إلا أن أغلب المستشرقين يضعون في أذهانهم فكرة معينة يريدون تصيد الأدلة لإثباتها، وحين يبحثون عن هذه الأدلة لا تهمهم صحتها بمقدار ما يهمهم الاستفادة منها لدعم آرائهم الشخصية، وكثيراً ما يستنبطون الأمر الكلي من حادثة جزئية، ومن هنا يقعون في مفارقات عجيبة، لولا الهوى والغرض المريض لربأوا بأنفسهم عنها، وكثيراً ما يعتمدون على الوهم المجرد لتفسير الأمور، ويقيسون المسلم الذي يؤمن بالله ويخشاه على الذين لا تردعهم

стр. 148

دين ولا خلق قويم، ويعتبرون أن كل سلوك المسلمين أفراداً وجماعات، لا بد أن يفسر بالأغراض الشخصية والنوازع النفسية الدنيوية، وأن أي دافع ديني أخروي يبتغي به وجه الله لا وجود له عندهم، إلى غير ذلك من موازين ساقطة في نظر أي باحث علمي يخلص للحقيقة ويحترم منطقه وعقله. وفيما يلي طائفة من الأمثلة التي تكشف هذه الموازين عند المستشرقين، حينما يكتبون في الإسلام وتاريخ المسلمين. ١- في محاولة المستشرق "جولدتسيهر" لإثبات زعمه بأن الحديث في مجموعه من صنع القرون الثلاثة الأولى للهجرة، وليس من قول الرسول، ادعى أن أحكام الشريعة لم تكن معروفة لجمهور المسلمين في الصدر الأول من الإسلام، وأن الجهل بها وبتاريخ الرسول كان لاصقاً بكبار الأئمة، وقد حشد لذلك بعض الروايات الساقطة المتهافتة، من ذلك ما نقله عن كتاب "حياة الحيوان" للدميري، من أن أبا حنيفة ﵀ لم يكن يعرف هل كانت معركة بدر قبل أحد أم كانت أحد قبلها!!. وما لا شك فيه أن أقل الناس اطلاعاً على التاريخ يرد مثل هذه الرواية، فأبو حنيفة وهو من أشهر أئمة الإسلام الذين تحدثوا عن أحكام الحرب في الإسلام حديثاً مستفيضاً، وذلك في فقهه الذي أثر عنه، وفي كتب تلامذته الذين نشروا علمه كأبي يوسف ومحمد، من غير المتصور بحال من الأحوال أن يكون جاهلاً بوقائع سيرة الرسول ومغازيه،وهي التي استمد منها فقهه في أحكام الحرب، ويكفي ذكر كتابين في فقهه في هذا الموضوع يعتبران من أهم الكتب المؤلفة في التشريع الدولي في الإسلام. أولهما - كتاب الرد على سير الأوزاعي لأبي يوسف ﵀. ثانيهما - كتاب السير الكبير لمحمد بن الحسن ﵀، وقد شرحه السرخسي وهو من أقدم وأهم مراجع الفقه الإسلامي في العلاقات الدولية، وقد طبع هذا الكتاب تحت إشراف جامعة الدول العربية، برغبة من جمعية محمد بن الحسن الشيباني للحقوق الدولية.

стр. 149

وفي هذين الكتابين يتضح إلمام تلامذة الإمام - وهم حاملو علمه - بتاريخ المعارك الإسلامية في عهد الرسول وعهد خلفائه الراشدين. و"جولدتسيهر" لا يخفى عليه أمر هذين الكتابين، وكان بإمكانه لو أراد الحق أن يعرف ما إذا كان أبو حنيفة جاهلاً بالسيرة أو عالماً بها، من غير أن يلجأ إلى رواية "الدميري" في كتابه "الحيوان" وهو ليس مؤرخاً، وكتابه ليس كتاب فقه ولا تاريخ، وإنما يحشر فيه كل ما يرى إيراده من حكايات ونوادر تتصل بموضوع كتابه،من غير بحث عن صحتها. ولا يخفى ما كان من أبي حنيفة ومعاصريه ومقلديهم من بعدهم من خصومة في المنهج الاجتهادي الذي اعتمده، وقد كانت هذه الخصومة مادة دسمة لرواة الأخبار ومؤلفي كتب الحكايات والنوادر، لنسبة حوادث وحكايات، منها ما يرفع من شأن أبي حنيفة، ومنها ما يضع من سمعته، وأكثرها ملفق مختلق، موضوع للمسامرة والتندر من قبل محبيه أو كارهيه على السواء، الأمر الذي يجعلها عديمة القيمة العلمية في نظر العلماء والباحثين. فـ"جولدتسيهر" أعرض عن كل ما دون من تاريخ أبي حنيفة تدويناً علمياً ثابتاً، واعتمد رواية مكذوبة ليدعم بها ما تخليه من أن السنة النبوية من صنع المسلمين في القرون الثلاثة الأولى. ٢- أعرض المستشرق "جولدتسيهر" عما أجمعت عليه كتب الجرح والتعديل وكتب التاريخ، من صدق الإمام محمد بن مسلم بن شهاب الزهري ﵀ (٥٠-١٢٤هـ) ، وورعه وأمانته ودينه، وزعم أن الزهري لم يكن كذلك، بل كان يضع الحديث للأمويين، وهو الذي وضع حديث: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد إلخ..) لعبد الملك بن مروان، وكل حجته أن هذا الحديث من رواية الزهري، وأن الزهري كان معاصراً لعبد الملك ابن مروان!!. ٣- يحاول المستشرقون أن يؤكدوا تعالي العرب الفاتحين عن المسلمين الأعاجم، وانتقاصهم من مكانتهم، وغرض المستشرقين من هذا إفساد قلوب

стр. 150

المسلمين من غير العرب على المسلمين من العرب، لإقامة الحواجز القومية بينهم. يقول المستشرق "بروكلمان" في كتابه "تاريخ الشعوب الإسلامية": "وإذا كان العرب يؤلفون طبقة الحاكمين فقد كان الأعاجم من الجهة الثانية هم الرعية، أي: القطيع. وجمعها رعايا كما يدعوهم، وهو تشبيه سامٍ قديم كان مألوفاً حتى عند الآشوريين". لقد تجاهل "بروكلمان" جميع الوثائق التاريخية التي تؤكد عدالة الفاتحين المسلمين، ومعاملتهم أفراد الشعب على السواء، من غير تفرقة بين عربي وغيره، وتعلق بلفظ "الرعية" تعلقاً لغوياً، واستنتج منها أن المسلمين نظروا إلى الأعاجم نظر القطيع من الغنم، ولو رجعنا إلى مادة "رعى" في قواميس اللغة وجدناها تقول كما يلي: "الراعي: الوالي. والرعية: العامة. ورعى الأمير رعيته رعاية. وكل من ولي أمر قوم فهو راعيهم، وهم رعيته، فعيلة بمعنى مفعول. وقد استرعاه إياهم استحفظه. واسترعيته الشيء فرعاه". فالراعي في اللغة يطلق على رئيس القوم وولي أمرهم، كما يطلق على راعي الغنم، والرعية تطلق في اللغة على القوم، ومن معاني الرعاية الحفظ والإحسان. فإطلاق لفظ الرعية على القوم وضع لغوي، ولم يجعل المسلمون إطلاق هذه الكلمة خاصاً بالأعاجم، بل إطلاقها شامل كل قوم عرباً كانوا أو عجماً، تبعاً للوضع اللغوي، والأحاديث في ذلك كثيرة معروفة، منها قول الرسول في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري وغيره: "ألا كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته، فالإمام الذي على الناس راع وهو مسؤول عن رعيته، والرجل راعٍ على أهل بيته وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية على أهل بيت زوجها وولده وهي مسؤولة عنهم، وعبد

стр. 151

الرجل راع على مال سيده وهو مسوؤل عنه، ألا فكلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته". قال الحافظ ابن حجر في كتابه "فتح الباري ١٣/٩٦" لدى شرحه هذا الحديث: "والراعي: هو الحافظ المؤتمن صلاح ما اؤتمن على حفظه، فهو مطلوب بالعدل فيه والقيام بمصالحه". وقد جاء أيضاً إطلاق الرعية على المسلمين في الحديث الذي رواه البخاري وغيره: "ما من والٍ يلي رعية من المسلمين، فيموت وهو غاشٌّ لهم إلا حرم الله عليه الجنة". فكيف أغمض "بروكلمان" عينيه عن هذا كله، واستجاز لعلمه أن يدعي بأن المسلمين نظروا إلى الأعاجم نظرة القطيع، وأنهم أطلقوا عليهم وحدهم لفظ الرعية؟ أليس هذا خيانة علمية، وتضليلاً مكشوفاً؟. أين ادِّعاؤه هذا من النصوص الكثيرة التي ألغت الفوارق القومية والعرقية واللونية، وجعلت المسلمين جميعاً سواسية في الحقوق العامة؟. إن الهوى الجانح والغرض المريض يعميان البصائر عن رؤية الحق، ويصمان الآذان عن سماعه. ٤- زعم المستشرق "مايور" كما نقله عنه "مرجليوث" أن أهل البدو كانوا كثيري الاهتمام بتعلم البلاغة وطلاقة اللسان، أن النبي مارس هذا الفن حتى نبغ فيه. وهذا يعطينا صورة عن موازين البحث الفاسدة عند هؤلاء، حينما يبحثون المسائل المتعلقة بالإسلام. إن المسألة هنا عند "مايور" تقوم على استنتاج وهمي من أمرٍ لم يقع، فلا العرب كانوا يتعلمون البلاغة، ولا كانت لها مدارس وتلامذة يضعون قواعدها، ولا النبي عرف عنه قبل النبوة فعل ذلك، وليس

стр. 152

بين أيدينا نص واحد يثبته، بل إن المؤكد أن الرسول لم ينقل عنه أثر من نثر أو شعر قبل النبوة، وقبل أن يتنزل عليه القرآن الكريم. ٥- يفرط المستشرقون في اختراع العلل والأسباب والحوادث التي يدرسونها اختراعاً ليس له سند إلا التخيل والتحكم، ويزيد في فساد أسلوبهم هذا أنهم يتخليون أحداث الشرق والعرب والمسلمين وعاداتهم وأخلاقهم، بأوهامهم وخيالاتهم الغريبة البعيدة عن واقع حال الشرق والعرب والمسلمين، ولا يريدون أن يعترفوا بأن لكل بيئة مقاييسها وأذواقها وعاداتها. وقد أحسن المستشرق الفرنسي المسلم "ناصر الدين دينيه" في حديثه عن أسلوب المستشرقين وموازينهم في الحكم على الأشياء، مما جعلهم يتناقضون فيما بينهم تناقضاً واضحاً في الحكم على شيء واحد، كل ذلك لأنهم حاولوا أن يحللوا السيرة المحمدية وتاريخ ظهور الإسلام بحسب العقلية الأوروبية، فضلوا بذلك ضلالاً بعيداً، لأن هذا غير هذا، ولأن المنطق الأوروبي لا يمكن أن يأتي بنتائج صحيحة في تاريخ الأنبياء الشرقيين. قم قال: إن هؤلاء المستشرقين الذين حاولوا نقد سيرة النبي بهذا الأسلوب الأوروبي البحث، لبثوا ثلاثة أرباع قرن يدققون ويمحصون بزعمهم، حتى يهدموا ما اتفق عليه الجمهور من المسلمين من سيرة نبيهم، وكان ينبغي لهم بعد هذه التدقيقات الطويلة العريضة العميقة أن يتمكنوا من هدم الآراء المقررة والروايات المشهورة من السيرة النبوية،فهل تسنى لهم شيء من ذلك؟ الجواب: أنهم لم يتمكنوا من إثبات أقل شيء جديد، بل إذا أمعنا النظر في الآراء الجديدة التي أتى بها هؤلاء المستشرقون، من فرنسيين وإنكليز وألمان وبلجيكيين وهولنديين وغيرهم لا نجد إلا خلطاً وخبطاً، وإنك لترى كل واحدٍ منهم يقرر ما نقضه غيره من هؤلاء المدققين بزعمهم، أو ينقض ما قرره.

стр. 153

ثم أخذ "دينيه" يورد الأمثال على هذه المتناقضات، وختم كلامه بقوله: "وإن أردنا استقصاء هذه المتناقضات التي نجدها بين تمحيصات هؤلاء الممحصين بزعمهم يطول بنا الأمر، ولا نقدر أن نعرف أية حقيقة، ولا يبقى أمامنا إلا أن نرجع إلى السيرة النبوية التي كتبها العرب، فأما المؤلفون الذين زعموا أنهم يريدون ترجمة محمد بصورة عملية شديدة التدقيق، فلم يتفقوا منها ولو على نقطة مهمة، وبرغم جميع ما نقبوه ونقروه، وحاولوا كشفه بزعمهم، فلم يصلوا ولن يصلوا إلا إلى تمثيل أشخاص في تلك السيرة،ليسوا أعرق في الحقيق الواقعية من أبطال أقاصيص "فالترسكوت" و"اسكندردوماس" فهؤلاء القصاص تخيلوا أشخاصاً من أبناء جنسهم يقدرون أن يفهموهم، ولم يلحظوا إلا اختلاف الأدوار بينهم، أما أولئك المستشرقون فنسوا أنه كان عليهم قبل كل شيء أن يسدوا الهوة السحيقة التي تفصل بين عقليتهم الغربية والأشخاص الشرقيين الذين يترجمونهم،وأنهم بدون هذه الملاحظة جديرون بأن يقعوا في الوهم في كل نقطة. (٧) موازين البحث عند المستشرقين ويمكن تلخيص موازين البحث عند المستشرقين في الموضوعات الإسلامية بما يلي: ١- تحكيم الهوى ونزعات العداء للإسلام والمسلمين , والتعصب الأعمى للنصرانية، وللشعوب والأمم المنتمية إليها. ٢- وضع الفكرة مقدماً ثم البحث عن أدلة تؤيدها مهما كانت ضعيفة واهية، ولو اضطرهم الأمر إلى اعتماد أسلوب المغالطات والأكاذيب، واقتطاع النصوص، وهذا عكس المنهج العلمي الاستدلالي السليم.

стр. 154

٣- تفسير النصوص والحوادث والوقائع والنيات والغايات تفسيراً لا تتفق مع دلالاتها وأماراتها الحقيقة، ولا مع النتائج التي أثبتها تاريخ الأمة الإسلامية. ٤- تضخيم الأخطاء الصغر، وجعلها تطغى على ساحة صورة تاريخ المسلمين، وطمس الصور الرائعة المشرقة في هذا التاريخ. ٥- تجميع الهفوات التي لا تخلو منها أمة مهما عظمت كمالاتها، ووضعها في صورة واحدة، وتقديمها على أنها هي كل صورة تاريخ المسلمين. ٦- تصيد الشبهات التي يشتبه وجه الحق فيها على كثير من الناس. ولا يستبين لهم ما لم يمتحنوها بالتجارب الطويلة، وإثارة الانتقادات حولها، وتحريك الزوابع المملوءة بالغبار وما تحمله من قمامات. وفي ذلك يستغلون أنانيات النفوس وأهواءها وشهواتها،ويستغلون شعارات خادعات براقة المظهر، زخرفية القول، كشعار حرية المرأة. ٧- اعتماد ما يوافق هواهم من كل خبر ضعيف، ورأي مردود شاذ، وقول ساقط لا سند له من عقل ولا نقل صحيح. ٨- رفض الحق بالنفي المجرد، الذي لا يدعمه دليل صحيح مقبول في المنهج العلمي السليم. ٩- تفسير التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية بالمنظار الذي يفسرون به التاريخ الغربي والحضارة الغربية، مع تباين الواقعين عقيدة ونظاماً وشريعة، وبيئة ودوافع تبايناً كلياً. ١٠- استنباط القواعد الكلية العامة من الحوادث الفردية الجزئية، التي لا يصح منطقياً تعميمها. ١١- الاعتماد على الوهم المجرد لتفسير الأمور والوقائع. ١٢- قياس المؤمن المسلم الذي يخشى الله على الذين لا تردعهم روادع دين ولا خلق.

стр. 155

وتفسيرهم لسلوك المسلمين أفراداً وجماعات بأنه مدفوع بأغراض شخصية، ونوازع نفسية دنيوية، وليس أثراً لدافع ابتغاء مرضاة الله وثواب الآخرة. (٨) الجامعات الغربية وأثر المستشرقين فيها على المسلمين رافق جهود المستشرقين فتنة المسلمين بالحضارة المادية الغربية، ووقعهم فريسة خطط التحويل عن طريق برامج التعليم ومناهجه وأساليبه ومضامينه في كل العلوم بما فيها العلوم الإنسانية والعلوم الدينية والعربية وفتنة المسلمين بالشهادات التي تمنحها الجامعات الغربية، لا سيما شهادات الماجستير والدكتوراه، يضاف إلى ذلك غزو آخر ماكر، جعل الجامعات في بلاد المسلمين تحصر المراتب العلمية فيها بحملة هذه الشهادات العليا، وتؤثر وتقدم حامليها من الجامعات الغربية على حامليها من الجامعات الإسلامية، ووضعت بهذا الغزو الماكر شروط خاصة وشكليات معينة للتدريس في هذه الجامعات، وهذه الشروط والشكليات تحجب عن التدريس فيها الذين لا يحملون الشهادات العليا، مهما كانوا على درجة كبيرة من العلم، وتدفع إلى احتلال مراكز التعليم ونيل الألقاب الكبيرة حملة هذه الشهادات، وإن كانوا فارغين من العلم، ومحرومين من الإخلاص لدينهم وأمتهم، وإن كانوا أدوات لتنفيذ خطط الأعداء داخل بلادهم. مع أن الشهادات العليا الجارية على أصولها دون غش ولا تزوير، إنما هي أول الطريق الذي يهيئ للدارس الجاد وسائل متابعة المعرفة، فإما أن يبدأ الدارس -بعمله الذاتي- تكوين نفسه بالبحث الجاد الدؤوب، وإما أن يجعل الشهادة غاية ينتهي عندها، ويقف عند حدودها. وقد أعلن هذه الحقيقة البروفيسور "ارنولدون" إذ يقول كما جاء في كتاب: Revol Against Reason Prof. مطبوعة لندن عام ١٩٤٨ ص١٩٢:

стр. 156

"إن عصرنا هو عصر عقدة الشهادات، فالماجستير والدكتوراه أصبحت غاية في حد ذاتها لشبابنا، ولكن كل ينسى هذه الحقيقة: وهي أن الماجستير والدكتوراه ما هي إلا حروف الأبجدية الأولى لبداية المعرفة، والمعرفة لا يمكن تخزينها في زجاجة الماجستير أو الدكتوراه. إن هذه لنظرة مزيفة،جامعاتنا هي فقط مؤسسات علمية لإعداد الطلبة ليتعرفوا على كيفية التحصيل العلمي والمعرفة" اهـ. وقد أدرك المبشرون والمستشرقون عقدة الشهادات في البلاد الإسلامية، فوجهوا توصيتهم للجامعات الغربية، بشراء من يستطيعون شراءه من أبناء المسلمين بالشهادات، فقد جاء ما يلي في كتاب المشكلة الشرقية Eastern Problem London. ١٩٥٧-P.١٤٩: " لا شك أن المبشرين فيما يتعلق بتخريب وتشويه عقيدة المسلمين قد فشلوا تماماً، ولكن هذه الغاية يمكن الوصول إليها من خلال الجامعات الغربية، فيجب أن تختار طلبة من ذوي الطبائع الضعيفة والشخصية الممزقة والسلوك المنحل من الشرق ولا سيما من البلاد الإسلامية، وتمنحهم المنح الدراسية، حتى تبيع لهم الشهادات بأي سعر، ليكونوا المبشرين المجهولين لنا، لتأسيس السلوك الاجتماعي والسياسي الذي نصبوا إليه في البلاد الإسلامية. إن اعتقادي لقوي بأن الجامعات الغربية يجب أن تستغل استغلالاً تاماً جنون الشرقيين للدرجات العلمية والشهادات. واستعمال أمثال هؤلاء الطلبة كمبشرين ووعاظ ومدرسين لأهدافنا ومآربنا باسم تهذيب المسلمين والإسلام". تحت كل هذه المؤثرات المتعددة اندفع فريق من أبناء المسلمين إلى الجامعات الغربية، لنيل شهادة الماجستير والدكتوراة في مختلف العلوم، بما في ذلك العلوم الدينية والعلوم العربية، والعلوم الإنسانية والاجتماعية، التي أولاها المستشرقون عناية خاصة، لجعلها شبكة مقنعة لاصطياد أبناء المسلمين، وبنائهم بناء جديداً، يجعلهم خدام أغراض الاستشراق وأغراض التبشير والاستعمار، في أفكارهم ومفاهيمهم وفي أعماله وتنظيماتهم، داخل بلاد المسلمين من حيث يشعرون أو من حيث لا يشعرون، ويمنحونهم الشهادات العليا، والألقاب العلمية الكبيرة، لأقل بحث يكتبونه في غير العلوم البحتة،

стр. 157

ويربطون من يربطون منهم بوسائلهم الكثيرة، الموصولة بأجهزتهم المستورة، ويعودون إلى بلادهم وقد امتلأت نفوسهم غروراً، يضاف إلى ذلك ما تعرضوا إليه من تحول في السلوك، ضمن البيئات الغربية التي أقاموا فيها خلال فترة التحصيل , وافتتان بمظاهر الحضارة المادية التي شاهدوها. وسقطت معظم الجامعات المنشأة في بلاد المسلمين تحت الأيدي الخفية للاستشراق والتبشير والدوائر الاستعمارية، وغدت خططها ومناهجها وتوجيهاتها تخضع بطريق غير مباشر لما تفرضه وتمليه هذه الأيدي الخفية، وغدت الكنيسة الغربية تفخر بأن العلوم الإسلامية والعلوم العربية تدرس على طريقتها التي تخدم أغراضها في بلاد المسلمين، وبأن المشرفين على تدريس هذه العلوم من تلامذة أبنائها. وأي انتكاس أقبح من هذا الانتكاس، أن يتعلم المسلمون دينهم ولغاتهم وفق طرائق أعدائهم وأعداء دينهم، ووفق دسائسهم وتشويهاتهم وتحويراتهم وأكاذيبهم وافتراءاتهم. هل يقبل اليهود والنصارى أن يتعلموا أصول ديانتهم وفروعها على أيدي علماء المسلمين وأن يأخذوا منهم الشهادات لذلك؟. فما بال المسلمين يسقطون من هذا الانتكاس الشائن؟ إن الاستعمار المادي المباشر أهون من هذا اللون من ألوان الاستعمار، الذي وصل إلى القاعدة الكبرى التي تقوم عليها الأمة الإسلامية، وهي قاعدة دينها وعلومها المتصلة بهذا الدين. وتأثر كثيرون من الذين درسوا في الجامعات الغربية من أبناء المسلمين بدراسات المستشرقين، وانخدعوا بأساليبهم, وأخذوا يرددون شبهاتهم ويروجون لها بين المسلمين ويعتبرونها حقائق علمية مسلماً بها، وأخذوا يعلمونها طلابهم من المسلمين، ويكتبون فيها المؤلفات العديدة، وتعمل الدوائر الاستعمارية على ترويج هذه الكتب، ودعم مؤلفيها، ودفعهم بأيد خفية إلى أعلى مراكز الإدارة والتوجيه داخل بلادهم، للاستفادة منهم في خدمة أغراض التبشير والاستعمار، وفي تهديم الإسلام وتشويه تاريخ المسلمين.

стр. 158

وغدا كثير من الكتاب في العلوم الإسلامية، وفي التاريخ الإسلامي، وفي اللغة العربية، لا يرجع إلا إلى ما كتبه المستشرقون، ويعتبرون ذلك أفضل المصادر التي يرجعون إليها، أما المصادر الإسلامية فلا يكلفون نفوسهم عناء الرجوع إليها، ولا البحث فيها، ثقة عمياء بما كتبه المستشرقون، أو خدمة مأجورة لما توجههم له الدوائر الاستعمارية، وأجهزة الاستشراق، وجمعيات التبشير. ومن غريب الأباطيل التي يروجها المستشرقون ما حدثنيه الأستاذ الدكتور (وصفي أبو مغلي) عن صديقه وأستاذه الدكتور (بحر محمد بحر) وهو سوداني ويعمل مدرساً في جامعة عين شمس في مصر، أنه حينما كان يدرس في انجلترا، قال أحد المدرسين وهو يتحدث عن الحضارة الإسلامية: كان إله محمد الناقة التي كان يركبها، والدليل على ذلك أنه حينما هادر إلى المدينة ودعاه أهلها للنزول عندهم قال لهم: دعوا الناقة حيث تبرك، فاستدل من ذلك على أنه كان يعبد الناقة ويتلقى منها الوحي. هل يحتاج مثل هذا التضليل إلى تعليق أكثر من إطلاق ضحكات سخرية وتعجب؟!. شهادة صدق عرض الأستاذ الدكتور مصطفى السباعي ﵀ لقاءاته المباشرة لعدد من المستشرقين في جولة طاف فيها على أكثر جامعات أوربا عام (١٩٥٦ م) ، وما جرى بينه وبينهم من أسئلة ومناقشات، واستخلص من هذه الجولة النتائج التالية: أولاً: أن المستشرقين - في جمهورهم- لا يخلو أحدهم من أن يكون قسيساً أو استعمارياً أو يهودياً، وقد يشذ عن ذلك أفراد. ثانياً: أن الاستشراق في الدول الغربية غير الاستعمارية _ كالدول السكندنافية _ أضعف منه عند الدول الاستعمارية.

стр. 159

ثالثاً: أن المستشرين المعاصرين في الدول غير الاستعمارية يتخلون عن "جولدتسيهر" وأمثاله المفضوحين في تعصبهم. رابعاً: أن الاستشراق بصورة عامة ينبعث من الكنيسة، وفي الدول الاستعمارية يسير مع الكنيسة ووزارة الخارجية جنباً إلى جنب، ويلقى منهما كل تأييد. خامساً أن الدول الاستعمارية كبريطانيا وفرنسا ما تزال حريصة على توجيه الاستشراق وجهته التقليدية، من كونه أداة هدم للإسلام وتشويه لسمعة المسلمين. ففي فرنسا لا يزال "بلاشير" و"ماسينيون" وهما شيخا المستشرقين الفرنسيين في وقتنا الحاضر يعملان في وزارة الخارجية الفرنسية، كخبيرين في شؤون العرب والمسلمين. وفي إنكلترا رأينا أن الاستشراق له مكان محترم في جامعات لندن وأكسفورد وكمبردج وأدنبرة وجلاسكو وغيرها، ويشرف عليه يهود وإنكليز استعماريون ومبشرون، وهم يحرصون على أن تظل مؤلفات "جولدتسيهر" و"مرجليوث" ثم "شاخت" من بعدهما، هي المراجع الأصلية لطلاب الاستشراق من الغربيين، وللراغبين في حمل شهادة الدكتوراة عندهم من العرب والمسلمين، وهم لا يوافقون على رسالة لطلب الدكتوراه يكون موضوعها إنصاف الإسلام، وكشف دسائس أولئك المستشرقين. وأثبت في غضون مقاله أسماء أخطر المستشرقين المعاصرين وأهم في رسالة صادرة عن دار البيان في الكويت عام (١٣٨٧هـ) . أما لقاءاته للمستشرقين فقد ذكر فيها عليه رحمة الله ما يلي، تحت عنوان: (مع المستشرقين وجهاً لوجه في أوروبا) : "لقد كنت كتبت عن المستشرقين كلمة موجزة في كتابي "السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي" قبل أن أزور أكثر جامعات أوربا عام (١٩٥٦م) وأختلط

стр. 160

بهم وأتحدث إليهم وأناقشهم. فلما تم لي ذلك ازددت إيماناً بما كتبته عنهم، واقتناعاً بخطرهم على تراثنا الإسلامي كله سواء كان تشريعياً أم حضارياً، لما يملأ نفوسهم من تعصب ضد الإسلام والعرب والمسلمين. كان أول من اجتمعت بهم هو البروفسور "أندرسون" رئيس قسم قوانين الأحوال الشخصية المعمول بها في العالم الإسلامي - في معهد الدراسات الشرقية في جامعة لندن - وهو متخرج من كلية اللاهوت في جامعة "كمبردج"، وكان من أركان حرب الجيش البريطاني في مصر خلال الحرب العالمية الثانية ـ كما حدثنا هو بذلك عن نفسه ـ, تعلم اللغة العربية من دروس اللغة العربية التي كان يلقيها بعض علماء الأزهر في الجامعة الأميركية في القاهرة، ساعة واحدة في كل أسبوع لمدة سنة واحدة. كما تعلم العامية المصرية من اختلاطه بالشعب المصري حين توليه عمله العسكري الآنف الذكر، وتخصص في دراسة الإسلام من المحاضرات العامة التي كان يلقيها المرحوم "أحمد أمين" والدكتور "طه حسين" والمرحوم الشيخ "أحمد إبراهيم". ثم انتقل من الخدمة العسكرية بعد الحرب إلى رئاسة قسم قوانين الأحوال الشخصية في جامعة (لندن) كما ذكرنا. لا أريد أن أذكر أمثلة عن تعصبه ضد الإسلام وقد حدثني كثيراً ذلك المرحوم الدكتور (حمود غرابة) مدير المركز الثقافي الإسلامي في لندن حينذاك. ولكني أكتفي بأن أذكر ما حدثني به البروفسور "أندرسون" نفسه، من أنه أسقط أحد المتخرجين من الأزهر، الذين أرادوا نوال شهادة الدكتوراه في التشريع الإسلامي من جامعة لندن، لسبب واحد هو أنه قدم أطروحته عن حقوق المرأة في الإسلام، وقد برهن فيها على أن الإسلام أعطى المرأة حقوقها الكاملة، فعجبت من ذلك، وسألت هذا المستشرق: وكيف أسقطته ومنعته من نوال الدكتوراه لهذا السبب، وأنتم تدعون حرية الفكر في جامعاتكم؟ قال: لأنه كان يقول: الإسلام يمنح المرأة كذا، والإسلام قرر للمرأة كذا, فهل هو ناطق رسمي باسم الإسلام؟ هل هو أبو حنيفة أو الشافعي حتى يقول هذا

стр. 161

الكلام ويتكلم باسم الإسلام؟ إن آراءه في حقوق المرأة لم ينص عليها فقهاء الإسلام الأقدمون، فهذا رجل مغرور بنفسه حين ادعى أنه يفهم الإسلام أكثر مما فهمه أبو حنيفة والشافعي. وزرت جامعة أدنبرة "اسكتلندة"، فكان المستشرق الذي يرأس الدراسات الإسلامية فيها قسيساً بلباس مدني، وقد وضع لقبه الديني مع اسمه على باب بيته. وفي جامعة "جلاسكو" (استكلندة أيضاً) كان رئيس الدراسات العربية فيها قسيسا عاش رئيساً للإرسالية التبشيرية في القدس قرابة عشرين سنة، حتى أصبح يتكلم العربية كأهلها. وقد حدثني بذلك عن نفسه في الزيارة، وكنت قد اجتمعت به قبل ذلك في المؤتمر الإسلامي المسيحي الذي انعقد في "بحمدون" (لبنان) عام (١٩٥٤م) . وفي جامعة أكسفورد وجدنا رئيس قسم الدراسات الإسلامية والعربية فيها يهودياً يتكلم العربية ببطء وصعوبة، وكان أيضاً يعمل في دائرة الاستخبارات البريطانية في ليبيا خلال الحرب العالمية الثانية، وهناك تعلم العربية العامية، ثم عاد إلى بلاده انكلترا ليرأس هذا القسم في جامعة اكسفورد. ومن العجيب أني رأيت في منهاج دراساته التي يلقيها على طلاب الاستشراق: تفسير آيات من القرآن الكريم من الكشاف للزمخشري - وهو لا يحسن فهم عبارة بسيطة في جريدة عادية - ودراسة أحاديث من البخاري ومسلم، وأبواب من الفقه في أمهات كتب الحنفية والحنابلة، وسألته عن مراجع هذه الدراسات: فأخبرني أنها من كتب المستشرقين أمثال: جولدتسيهر؛ ومرجليوث، وشاخت، وحسبك بهؤلاء عنواناً على الدراسات المدخولة المدسوسة الموجهة ضد الإسلام والمسلمين. أما في جامعة كمبردج فكانت رئاسة قسم الدراسات العربية والإسلامية فيها للمستشرق المعروف "آربري" واختصاصه في اللغة العربية فحسب. وقد قال لي - خلال أحاديثي معه _: بأننا نحن المستشرقين نقع في أخطاء كثيرة في

стр. 162

بحوثنا عن الإسلام، ومن الواجب أن لا نخوض في هذا الميدان، لأنكم _ أنتم المسلمين العرب - أقدر منا على الخوض في هذه الأبحاث, وربما قال هذه مجاملة أو اعتقاداً منه بصحته. وفي مانشستر (انكلترا) اجتمعت بالبروفسور "روبسون" وكان يقابل سنن أبي داود على نسخة مخطوطة، وله كتابات في تاريخ الحديث، يتفق فيها غالباً مع آراء المستشرقين المتحاملين، وقد حرصت على أن أبين له أن الدراسات الاستشراقية السابقة فيها تحامل وبعد عن الحقيقة, وتعرضت لآراء جولدتسيهر, وأثبت له أخطاءه التاريخية والعلمية، فكان مما أجاب به عنه: "لا شك أن المستشرقين في هذا العصر أكثر اطلاعاً على المصادر الإسلامية من جولدتسيهر نظراً لما طبع ونشر وعرف من مؤلفات إسلامية كانت غير معلومة في عصر جولدتسيهر". فقلت له: أرجو أن تكون أبحاثكم - المستشرقين - في هذا العصر أقرب إلى الحق والإنصاف من جولدتسيهر، ومرجليوث، وأمثالها. فقال: أرجو ذلك. سوفي جامعة "ليدن" بهولندا اجتمعت بالمستشرق الألماني اليهودي "شاخت" وهو الذي يحمل في عصرنا هذا رسالة "جولدتسيهر" في الدس على الإسلام، والكيد له، وتشويه حقائقه، وباحثته طويلاً في أخطاء "جولدتسيهر" وتعمده تحريف النصوص التي ينقلها عن كتبنا، فأنكر ذلك أول الأمر، فضربت له مثلاً واحداً مما كتبه جولدتسيهر - وكنا نجلس في مكتبته الخاصة _فقال: معك الحق، إن جولدتسيهر أخطأ هنا. قلت له: هل هو مجرد خطأ؟ فاحتد وقال: لماذا تسيؤون الظن به؟ فانتقلت إلى بحث تحليله لموقف الزهري من عبد الملك ابن مروان، وذكرت له من الحقائق التاريخية ما ينفي ما زعمه جولدتسيهر وبعد مناقشة في هذا الموضوع قال: وهذا خطأ أيضاً من جولدتسيهر، ألا يخطئ العلماء؟ قلت له: إن جولد تسيهر هو مؤسس المدرسة الاستشراقية التي تبني حكمها في التشريع الإسلامي على وقائع التاريخ نفسه، فلماذا لم يستعمل مبدأه هنا حين تكلم عن الزهري؟ وكيف جاز له أن يحكم على الزهري بأنه

стр. 163

وضع حديث فضل المسجد الأقصى إرضاءً لعبد الملك ضد ابن الزبير، مع أن الزهري لم يلق عبد الملك إلا بعد سنوات من مقتل ابن الزبير؟ وهنا اصفر وجه "شاخت" وأخذ يفرك يدا بيد، وبدا عليه الغيظ والاضطراب، فأنهيت الحديث معه بأن قلت له: لقد كان مثل هذه "الأخطاء" كما تسميها أنت، تشتهر في القرن الماضي، وينتاقلها مستشرق منكم عن آخر على أنها حقائق علمية، قبل أن نقرأ -نحن المسلمين- تلك المؤلفات إلا بعد موت مؤلفيها، أما الآن فأرجو أن تسمعوا منا ملاحظاتنا على "أخطائكم" لتصححوها في حياتكم قبل أن تتقرر كحقائق علمية. ومن الملاحظ أن هذا المستشرق كان يدرس في جامعة القاهرة - فؤاد سابقا - وله مؤلف في تاريخ التشريع الإسلامي كله دس وتحريف، على أسلوب شيخه جولدتسيهر. وفي جامعة "أبسلا" في السويد التقيت بالشيخ المستشرق "نيبرج" وهو الذي كان قد أشرف على تصحيح كتاب "الانتصار لابن الخياط" - على ما أظن - وطبعته قديما "لجنة التأليف والترجمة في القاهرة"، وجرى بيني وبينه حديث طويل كان أكثره حول أبحاث المستشرقين ومؤلفاتهم عن الإسلام وتاريخه، وجعلت "جولدتسيهر" محور الحديث عن المستشرقين، وذكرت له أمثلة من أخطائه وتحريفه للحقائق، فكان مما قاله بعد ذلك: إن جولدتسيهر كان في القرن الماضي ذا شهرة علمية، ومرجعا للمستشرقين، أما في هذا العصر - بعد انتشار الكتب المطبوعة في بلادكم عن العلوم الإسلامية - فلم يعد جولدتسيهر مرجعا كما كان في القرن الماضي.. لقد مضى عهد جولتسيهر في رأينا. وقد أتيح لي خلال تلك الرحلة أن أواصل زيارة الجامعات عدا ما ذكرته منها في عواصم كل من: (بلجيكا) و (الدانيمرك) و (النرويج) و (فنلندا) و (ألمانيا) و (سويسرا) و (فرنسا) ، واجتمعت بمن كان موجودا فيها حينئذ من المستشرقين".

стр. 164

(٩) مقارنة بين التبشير والاستشراق وأعمالها مما كتب الأستاذ "إبراهيم خليل أحمد" في كتابه "المستشرقون والمبشرون في العالم العربي والإسلامي" أستفيد المقارنة التالية، ومن الجدير بالذكر أن المذكور قد كان قسيساً وعاملاً في مضمار التبشير بالمسيحية بين المسلمين، ثم هداه الله إلى اعتناق الإسلام، فهو ذو خبرة مباشرة بالعمل التبشيري، وعلى اطلاع حسن بأعمال المستشرقين وأهدافهم، وقد كشف بعد اعتناقه الإسلام كثيرا من الحقائق التي يعرفها، وقدم بها شهادة عارف خبير. أ- التبشير والاستشراق دعامتان من دعائم الاستعمار، وعملاء التبشير والاستشراق عملاء للاستعمار وخدام لسياسته، وإن ظهروا بوجوه مقاومة الاستعمار وتحرير البلاد منه. ب- تقاسم التبشير والاستشراق والاستعمار جوانب الأعمال المقررة في الخطة العامة لغزوة الإسلام والمسلمين وديار الإسلام. فحمل الاستشراق أعباء الأعمال في ميادين المعرفة الأكاديمية، وادعى لبحثه الطابع العلمي العالي، واستخدم الكتابة والتأليف وإلقاء المحاضرات، والمناقشات في المؤتمرات العلمية العامة، وكراسي التدريس في الجامعات. فألف المستشرقون المؤلفات الكثيرة، وألقوا المحاضرات والدروس الكثيرة، وجمعوا الأموال، وأنشأوا الجمعيات الاستشراقية، وعقدوا المؤتمرات، وأصدروا الصحف والمجلات، وسلكوا مسالك أخرى كثيرة، مما رجوا أن يحقق أهدافهم. وحمل التبشير أعباء الدعوة الجماهيرية، في حدود مظاهر العقلية العامة، التي تتناسب مع مفاهيم الجماهير، استخدم وسائل التعليم المدرسي في دور الحضانة ورياض الأطفال والمراحل الابتدائية والثانوية للبنين والبنات، واستخدم أيضا إنشاء المؤسسات الخيرية التي تتظاهر بالعمل الخيري، كالمستشفيات، ودور الضيافة، والملاجئ للكبار، ودور

стр. 165

الأيتام، وكان له نشاط دعائي عن طريق الطباعة والنشر والأعمال الصحفية. ج- استطاع الأمريكيون تحت لواء الامتيازات الممنوحة للأجانب، وباسم الصداقة للشعوب الآسيوية الأفريقية أن يغزوا آسيا وأفريقية بوفود المبشرين والمستشرقين، واستطاعوا بأموالهم أن يؤسسوا لهم مراكز تبشيرية وعلمية كثيرة في العالم الإسلامي. د- يسير العمل التبشيري في البلاد التي تتمتع باستقلالها وحريتها مستخدما أسلوب الدهاء المكر، وذلك باستخدام تلاميذ المبشرين والمستشرقين من الوطنيين، حتى لا يصطدموا بقوانين البلاد فيكرهوا على الرحيل الفوري. هـ - استعان التبشير بالقوى العسكرية الاستعمارية ليقوم بمهماته وهو آمن على نفسه، واستعان بأفكار ومؤلفات المستشرقين. و ينقسم العمل التبشيري ثلاثة أقسام: ١- التبشير بين الجماعات: وهذا يحدث بالمدارس والمستشفيات والندوات الدينية العامة. ٢- التبشير مع الفرد الواحد: وهذا يحتاج إلى مثابرة وصبر واستعداد للترحاب بالضيف، وإظهار كل إمكانيات الود والصداقة، حتى يأنس إليه الفرد ويثق به،وهنا يصبح آلة مسخرة يكيفها المبشر كما يشاء، ويصل بها إلى النصرانية طواعية واختياراً. ٣- العمل التبشيري الصامت: ويكون هذا بتوزيع الكتاب المقدس، وتوزيع النشرات الدينية، والصور، والأيقونات. ز- من الكتب الجدلية التي يستعين بها المبشر للوصول إلى غايته ما يلي: ١- كتاب "ميزان الحق" للدكتور فاندر المستشرق الأمريكي، والدكتور سنكلير تسدل.

стр. 166

٢- كتاب "الهداية" ويقع في أربع أجزاء، وهو يشتمل على مطاعن كثيرة للإسلام والقرآن الكريم. ٣- كتاب "مقالة في الإسلام" تأليف المستشرق الدكتور سال. ٤- كتاب "مصادر الإسلام" تأليف الدكتور سنكلير تسدل. وهذه الكتب الأربعة تعتبر للمستشرقين والمبشرين من أخطر المراجع، للهجوم على الإسلام والقرآن والرسول محمد صلوات الله عليه. ح - نجح التبشير والاستشراق والاستعمار في كثير من البلاد الإسلامية بتربية أجيال متعاقبة، لا تفقه الإسلام، ولا تحفظ القرآن إلا آيات معدودة، ولذا كان من اليسير جداً غزوهم غزواً فكرياً واسعاً. ط- يدعو المبشرون والمستشرقون إلى قراءة الكتب ضمن الخطط التي يرسمونها، فيؤسسون المكتبات العامة، ويؤثثونها بكل وسائل الراحة للقراء والمطالعين، ويزودونها بمختلف أنواع الكتب في شتى العلوم والفنون، وبدار طباعة لطبع جريدة أسبوعية باسم الصداقة، ويرسلونها إلى المترددين على مكتباتهم العامة، ويستغلون المكتبة في القيادة التوجيهية للمترددين عليها، ويعملون مسابقات في المطالعة بتلخيص مجموعة في المكتب تختار من بين مجموعة تعرضها لجنة المكتبة، ويمنحون جوائز تشجيعية في حفل رائع للفائزين. ي- لم يكن المبشرون ولا معظم المستشرقين يوما ما ينصفون الحقيقة العلمية للعلم بل كانت أبحاثهم موسومة بصورة واضحة من أسس عقائدهم، ومقاصدهم الخبيثة. ك- سلك المبشرون والمستشرقون كل مسلك ظنوه محققاً لأهدافهم، واستطاعوا أن يتسللوا إلى المجمع اللغوي بمصر، والمجمع العلمي بدمشق، والمجمع العلمي ببغداد، كما تدخلوا - بتأييد من الاستعمار - في مجال التربية والتعليم محاولين غرس مبادئ التربية الغربية في نفوس المسلمين، ونجحوا في هذا إلى حدٍ كبير.

стр. 167

فمن المستشرقين الذين اشتركوا في المجالات العلمية الرسمية المستشرقون التالية أسماؤهم: ١- هـ ا. ر. جب، أكبر مستشرق إنكليزي، وكان عضوا بالمجمع اللغوي بمصر، وهو الآن أستاذ الدراسات الإسلامية والعربية في جامعة هارفارد الأمريكية، ومن كبار محرري وناشري (دائرة المعارف الإسلامية) ، وله كتابات كثيرة فيها عمق وخطورة، وهذا هو شر خطورته. ٢- لوي ماسينيون، أكبر مستشرق فرنسي معاصر، وهو مستشار وزارة المستعمرات الفرنسية في شؤون شمال أفريقية، والراعي الروحي للجمعيات التبشيرية الفرنسية في مصر، وكان عضوا بالمجمع اللغوي المصري، والمجمع العلمي العربي بدمشق، وهو متخصص في الفلسفة والتصوف الإسلامي. ٣- د. س. مرجوليوث، مستشرق إنكليزي متعصب ضد الإسلام، ومن محرري (دائرة المعارف الإسلامية) ، كان عضواً بالمجمع اللغوي المصري، والمجمع العلمي بدمشق. ٤- ر. ا. نيكولسون، كان من أكبر مستشرقي إنجلترا المعاصرين، ومن محرري (دائرة المعارف الإسلامية) ، تخصص في التصوف الإسلامي والفلسفة، وكان عضواً بالمجمع اللغوي بمصر، وهو من المنكرين على الإسلام أنه دين روحي، ويصفه بالمادية وعدم السمو الإنساني. ٥- جريفني، الإيطالي، وكان عضواً بالمجمع العلمي بدمشق. ٦- جوتهيل، الكولومبي، وكان عضواً بالمجمع العلمي بدمشق. ٧- جويدي، الإيطالي، وكان عضواً بالمجمع العلمي بدمشق. ٨- جي سو، الفرنسي، وكان عضواً بالمجمع العلمي بدمشق.

стр. 168

٩- نالينو، الإيطالي، وكان عضواً بالمجمع العلمي بدمشق، وهو مشهور بكتاباته ضد الإسلام. ١٠- هارتمان، ألماني الأصل، وكان عضواً بالمجمع العلمي بدمشق، ومن مؤلفاته: "الإسلام والقومية". ١١- م. هوتمان، الهولندي، وكان عضوا بالمجمع العلمي بدمشق، ومن محرري (دائرة المعارف الإسلامية) . ل- يعمل المستشرقون وفق خطط مدروسة، إذ يجتمعون في هيئة مؤتمرات بين الحين والحين، وكذلك يعمل المبشرون. م- من المستشرقين نفر اشتغلوا بالآداب الشرقية والعربية والعلوم الإسلامية، ثم ساروا بدراستهم إلى الموازنة بين الآداب الغربية وسمّوها وكمالها والآداب العربية (الإسلامية) وتخلفها عن ركب الحياة (كما يزعمون) . ن- إذا كان الاستشراق والتبشير قد قام على أكتاف الرهبان والآباء في أول الأمر، ثم اتصل من بعد ذلك بالمستعمرين، فإنه لا يزال حتى اليوم يعتمد على أولئك، وإن تظاهروا برسالتهم الدينية والخيرية فإنهم يقظون دائما، يحدقون بعيونهم ويصيخون بآذانهم إلى مختلف الأوساط لمعرفة كل الاتجاهات، حتى يستطيعوا أن يذللوا أي عقبة تعترض سبيل نشاطهم وعملهم، فهم في سرية أعمالهم كالجمعية الماسونية، تنشد في الظاهر السلام العالمي، لكنها دعوة سرية لاستتباب حكم التوراة في ربوع العالم. س- يعتمد المستشرقون والمبشرون في تحقيق أهدافهم وتمويلها على ما تقوم به المؤسسات الدينية والسياسية والتجارية في الغرب، وكان ملوك وأمراء أوربا وأثرياء أمريكا يحبسون أوقافاً لهذا ومنحاً لهذا العمل.

стр. 169

(١٠) المستشرقون يدركون قدرة الإسلام الذاتية كتب المستشرق البريطاني البروفسور "مونتجمري وات" مقالاً في جريدة التايمز اللندنية في (٨/٣/١٩٦٨م) جاء فيه: "إذا وجد القائد المناسب الذي يتكلم الكلام المناسب عن الإسلام، فإنه من الممكن لهذا الدين أن يظهر كإحدى القوى السياسية العظمى في العالم مرة أخرى". واستطرد معبّراً عن قلقه بتأكيد قول أحد زملائه، وهو المستشرق "السير هاملتون جيب" فقال: "وكما نوه (السير هاملتون جيب) : فإن هنالك احتمالاً من الحكمة للغرب أن لا يقلّل من شأنه، ألا وهو ظهور الإسلام من جديد، وكقوَّةٍ عالميّة". * * *

стр. 170

الفصْل الرابع الاسْتِعْمَار وَالمُسْتَعْمِرُون ١- فكرة عامة عن بدء الاستعمار. ٢- الاستعمار الغربي للبلاد الإسلامية العربية. ٣- الاستعمار البريطاني للهند وآثاره. ٤- أبرز أعمال الكيد التي قام بها الاستعمار في بلاد المسلمين. ٥- وثيقة من دولة استعمارية لنصارى وطنيين.

стр. 171

١- كانت الامبراطوريات القديمة الرومانية والفارسية وغيرها إحدى مظاهر الاستعمار القديم، وقد انهارت هذه الإمبراطوريات بظهور الدولة الإسلامية الكبرى الفاتحة، تحمل لواء الإسلام، وتدعو إلى عبادة الله وحده، وتنادي بوحدة الأمة الإسلامية، مهما اختلفت أعراقها،ولغاتها وبلدانها ومواطنها من الأرض. (١) فكرة عامة عن بدء الاستعمار ١- كانت الامبراطوريات القديمة الرومانية والفارسية وغيرها إحدى مظاهر الاستعمار القديم، وقد انهارت هذه الإمبراطوريات بظهور الدولة الإسلامية الكبرى الفاتحة، تحمل لواء الإسلام، وتدعو إلى عبادة الله وحده، وتنادي بوحدة الأمة الإسلامية، مهما اختلفت أعراقها،ولغاتها وبلدانها ومواطنها من الأرض. ٢- ولما دب الوهن في الأمة الإسلامية، بابتعادها عن تطبيق أحكام الإسلام، ودخول الاختلافات الفكرية المذهبية الاعتقادية في كتل كبرى من المنتمين إليه، ودخول التنازل على السلطة ومطامع الحياة الدنيا في صفوف ذوي السلطان والمال والاستغراق في متاع الحياة الدنيا، توجهت مطامع الدول الصليبية الأوروبية لمحاربة المسلمين، بحجة استعادة الأرض المقدسة لدى النصارى في بلاد الشام. ٣- وبعد حروب دامت قرابة قرنين من الزمان، وخيبة الصليبيين في تحقيق أهدافهم، وطرد المسلمين لهم، وعودتهم إلى بلدانهم معتقدين أن ما خسروه في حروبهم شيء عظيم، وأنه ما كان من مصلحتهم أن يغامروا فيما غامروا فيه طوال هذه الحروب -صرفوا النظر عن القيام بمغامرات جديدة مماثلة، قبل أن يهيئوا شعوب الأمة الإسلامية لتقبل حكم الغرب، وتقل سيادته عليهم، دينياً ونفسياً واجتماعياً. ٤- عندئذ تحولت النزعة الاستعمارية لدى الغربيين لاكتشاف مواطن في العالم

стр. 172

غنية يمتلكونها، ولا يصارعون لامتلاكها شعوباً تنتمي إلى الإسلام، وتحميها مراكز القوة في العالم الإسلامية. ومع بداية القرن الثالث عشر الميلادي (السادس الهجري) ظهر في الغرب ما يعرف بعهد الكشوف الجغرافية، وقد تضافرت في الغرب عدة عوامل أدت إلى ظهور حركة الكشف الجغرافي، أهمها العوامل التالية: الأول: العامل السياسي، وقد قوي مع ظهور الدولة الوطنية الحديثة، ذات الرغبة الملحة في بسط سيطرتها على غيرها من الأمم والشعوب. الثاني: العامل الاقتصادي، الذي دفع الغربيين للتخلص من سيطرة المسلمين على الطرق البحرية التي تصل الغرب بالشرق، والذي حرك أطماع الغربيين في الحصول على الذهب والأرض والعبيد. الثالث: العامل الديني، الذي كان له دور كبير في دفع حركة الكشف الجغرافي، بغية نشر النصرانية، وقد برز هذا العامل بوضوح لدى البرتغاليين، والأسبانيين، منذ القرن الرابع عشر الميلادي. فبعد إخراج المسلمين من الأندلس صار لدى نصارى شبه جزيرة إيبريا رغبة قوية في مطاردة المسلمين خارجها. وانتقل نشاطهم إلى شمال إفريقية وغربها يتعقبون المسلمين. وراودتهم الآمال بإمكان محاصرة الإسلام عن طريق البحر، وطعنه من الخلف، ولا تزال مدينتا "سبتة" و"مليلة" المغربيتان ثغراً المغرب على البحر الأبيض المتوسط مستعمرتين من قبل الإسبان منذ ستة قرون. وكان من أهداف البرتغاليين تحويل المسلمين في غرب إفريقية وفي غيرها من البلدان الآهلة بهم إلى النصرانية، ومن المؤكد لدى المؤرخين أن الرغبة في نشر المسيحية، ومعاداة الإسلام، كانت من الحوافز التي دفعت

стр. 173

المغامرين من البرتغال وأسبانيا لتحمل المشقات العظمية أثناء رحلاتهم. وظل هذا الحافز الديني يوجه جهود المكتشفين والمستعمرين الأوروبيين، وكان محل رضى عدد من البابوات، فأصدروا مراسيم متلاحقة تخول ملوك الببرتغال وأسبانيا الحق في ملكية كل إقليم جديد، وكل بحر جديد يتم اكتشافه في الحاضر والمستقبل. ووصف بعض البابوات في هذه المراسيم الإسلام بأنه "طاعون" وطالبوا ببذل أقصى الجهود لتنصير سكان المناطق التي اكتشفت أو سوف تكتشف، والحيلولة بينهم وبين الإصابة بطاعون الإسلام. وبذل البابوات نفوذهم الديني والأدبي لإغراء البحارة على الانخراط في سلك البعثات الكشفية، وصاروا يعدون المشتركين في تلك الرحلات بالعفو يوم القيامة، وبدخول الجنة. وصدرت الأوامر البابوية برسم الصلبان على أشرعة السفن وكان المبشرون بالنصرانية من رجال الكنيسة يرافقون الرحلات الكشفية للقيام بمهمات التبشير. ٥- وفي أواخر القرن الخامس عشر (١٤٩٧-١٤٩٩م) قام "فاسكوداجاما" بأول رحلاته المشهورة للوصول إلى الهند واجتاز رأس الرجاء الصالح، واستعان بالملاح المسلم "شهاب الدين أحمد بن ماجد" في الوصول إلى ساحل "مليبار". وهذه الرحلة فتحت الطريق أمام البرتغاليين للسيطرة على البحار الشرقية، واحتكار تجارة الشرق، ونقلها إلى أوربا عن طريق رأس الرجاء الصالح، بعيداً عن الطرق الأخرى التي يسيطر عليها المسلمون. ٦- ثم رأى البرتغاليون مصلحتهم في القضاء على المسلمين في هذه البحار التي يسيطرون عليها، فقاموا بحملات تصادم مع المسلمين انتهت بسيطرتهم على هذه البحار الموصلة إلى الهند، وإقامة مستعمرات هي بمثابة مراكز تجارية على السواحل.

стр. 174

وساعد البرتغاليين على تحقيق أغراضهم الاستعمارية في مواطن المسلمين واقع الانقسامات بين المسلمين، والخلاف الشديد القائم بين الدولة العثمانية،والدولة المملوكية في مصر والشام، والدولة الصفوية في فارس. ٧- وفي النصف الأول من القرن السادس عشر الميلادي كان البرتغاليون قد استولوا على مجموعة من الممتلكات على طول شواطئ شرق إفريقية وغربها وفارس والخليج العربي، والمليبار وسيلان والهند الصينية وأرخبيل الملايو. ٨- ومع أوائل القرن السادس عشر الميلادي اكتشف "كولمبس" باسم مملكة أسبانيا "العالم الجديد" الذي كان يظنه جزر الهند الشرقية، ثم صار يعرف بجزر الهند الغربية، وهي في الحقيقة من أمريكا الجنوبية. ثم اتجه بعض الأسبان صوب أمريكا الشمالية، في الوقت الذي كانوا يؤسسون فيه مستعمراتهم في أمريكا الوسطى، وأمريكا الجنوبية، ودخلوا الأقاليم المعروفة الآن باسم الولايات المتحدة الأمريكية. وظهر للأسبان مستعمرات واسعة في أمريكا. ٩- يلخص المؤرخون نظام الاستعمار الأسباني في العالم الجديد بما يلي: "قد عمل على إخضاع جماعات كبيرة العدد من الأهالي الهادئين النشيطين لحفنة قليلة من العسكريين والتجار المخاطرين، الذين لم يكن لهم همٌُّ سوى جمع الثروة في أسرع وقت ممكن، وأصبح ملايين الهنود تحت رحمة بضعة آلاف من الغزاة الجبابرة العتاة، وفتح الأسبانيون مناجم غنية كان يعمل فهيا عشرات الألوف من الهنود حتى الموت. أما سكان البلاد الأصليون والزنوج الذين جلبوا من الخارج عن

стр. 175

طريق الاسترقاق القهري، ومواليدهم، فقد سخرهم الغزاة المستعمرون عبيداً أرقاء يعملون لهم في الأرض. وتكدَّست الثروة في أيدي عدد قليل من الناس، أما سائر الناس فهم في فقر وضنك من العيش". ١٠- وفي أواخر القرن السادس العشري الميلادي بدأ الإنكليز يسيطرون على الساحل الشرقي لأمريكا الشمالية، ويؤسسون فيه مستعمراتهم، بعد انتصاراتهم على الأسطول الأسباني. وبدأ الاستعمار الإنكليزي في العالم الجديد بعام (١٥٧٨م) . ثم أخذت السفن الإنكليزية في القرن السادس عشر الميلادي تدخل البحر المتوسط، بحثاً عن السع الشرقية والاتِّجار فيها. ومع انتهاء هذا القرن أيقن الإنكليز أنه لا توجد وسيلة للوصول إلى ثروة الشرق إلا بمزاحمة البرتغاليين مباشرة في الأسواق الشرقية. وتحولت الملاحة البريطانية من طرق البحر المتوسط إلى طريق رأس الرجاء الصالح. وتأسست شركة الهند الشرقية الإنكليزية سنة (١٦٠٠م) ، وحصلت على براءة ملكية تمنحها حق احتكار التجارة في المنطقة الواقعة إلى الشرق من رأس الرجال الصالح، وحق شراء الأراضي في هذه المنطقة. ونزل الإنكليز أيضاً في إفريقية الغربية، وتأسست الشركة الإفريقية عام (١٦١٨م) . وسيطر الإنكليز على الهند عن طريق شركة الهند الشرقية البريطانية عام (١٧٤٨م) حتى عام (١٨٥٨م) ، ثم أخضعتها بريطانيا لإدارتها المباشرة. ١١- وشاركت فرنسا متأخرة في حملاتها الراغبة باستعمار مواطن في العالم الجديد.

стр. 176

وخلال القرنين السابع عشر والثامن عشر حاولت فرنسا أن تحصل على موطئ قدم في جزيرة "مدغشقر". ثم أضحى ساحل هذه الجزيرة مكمناً مفضَّلاً للقراصنة الأوربيين، لا سيما الفرنسيون والهولنديّون والإنكليز. ولم تنجح فرنسا في إقامة مراكز صغيرة لها على الجزيرة، رغم محاولات عديدة من جانب التجار الفرنسيين. وحاولت فرنسا منذ عام (١٦٠١م) إقامة مستعمرات كبرى لها في هندستان، إلا أن القوة العسكرية للأباطرة المغول أحبطت كلَّ محاولاتها. ثم انتزعت انكلترا من فرنسا أكبر مستعمراتها في الهند في صلح باريس عام (١٧٦٣م) . ١٢- وطعمت "هولندة" بأن يكون لها نصيب في الاستعمار، فبعثت رحلاتها إلى العالم الجديد. وفي عام (١٦١٤م) ادَّعوا أنَّ لهم حقوقاً في استعمار وامتلاك المنطقة الساحلية في أمريكا الشمالية. وفي عام (١٦٢٦م) صارت "نيونذرلند" أو "هولندة الجديدة" مستعمرة حقيقية لهولندة. ثم استردها الإنكليز منها عام (١٦٦٤م) . وفي عام (١٦٧٣م) احتل الهولنديون "نيويورك" وأعادوا إليها اسمها الهولندي، ولكن لم يلبث البريطانيون أن استردوها منهم عام (١٦٧٤م) وظلَّت إنكليزية حتى قيام الثورة الأمريكية. وفي الشرق احتل الهولنديون جزيرة "سنت هيلانة". وأقاموا مستعمرة عند رأس الرجاء الصالح سنة (١٦٥٢م) . وأقاموا محطات لتجارة الحرير في موانئ فارس، والخليج العربي، ومحطة لتجارة البنّ في "مخا" باليمن. لكن اهتمام الهولنديين الرئيسي قد كان موجّهاً لأرخبيل الملايو،

стр. 177

إذ طردوا البرتغاليين، وجعلوا أنفسهم سادة جزر الهند الشرقية. وفي منتصف القرن السابع عشر صار الهولنديون أكبر قوة أوربية في البحار الشرقية. (٢) الاستعمار الغربي للبلاد الإسلامية العربية ١- بدأ الغزو الاستعماري الفرنسي للجزائر بحصار بحري في شهر (مايو) أيار سنة (١٨٢٧م) ، وتذرعت فرنسا بعدة أعذار. وكان للعامل الديني المعادي للإسلام أثره القوي في هذا الاحتلال، فقد كانت رغبة الفرنسيين قوية في تنصير الجزائريين الذين كانوا ألد أعداء المسيحيين. فقد أعلن الملك "شارل العاشر" اعتزامه إنشاء مستعمرة ذات شأن في شمال أفريقية، تكون نواتها الجزائر. وفي عام (١٨٣٠م) نزل الجيش الفرنسي المكوّن من حوالى خمس وثلاثين ألف مقاتل إلى أرض الجزائر. ولكن حصرت المقاومة الجزائرية الزحف الفرنسي في شريط ساحلي لا يشمل كل الشاطئ , وخلال الأعوام من (١٨٣٠إلى ١٨٣٩م) كانت سياسة فرنسا قائمة على فكرة الاحتلال المحدود المقتصر على الساحل دون الداخل. وقامت صدامات دموية وثورات قوية ضد فرنسا , ثم اتجهت فرنسا للاحتلال الشامل لكل الجزائر. وضعفت مقاومة الجزائريين تدريجيا , حتى أمست البلاد خاضعة للحكم الفرنسي عام (١٨٤٨ م) . ومع ذلك فقد استمرت بعض المقاومات المحدودة طوال قرابة عشر سنين أخرى , إلى أن استتب الأمر للفرنسيين عام (١٨٥٧ م) . وبين حين وآخر كانت تتفجر ثورات جزئية تنتهي بقمع المحتلين لها.

стр. 178

وفي سنة (١٨٨١ م) صدر مرسوم فرنسي بإلحاق الجزائر إداريا بفرنسا , وحكمة فرنسا الجزائر حكما استعماريا شاملا. إلى أن قامت الثورة الجزائرية الكبرى التي انتهت بخروج فرنسا، وتحرر الجزائر من استعمارها. ثم كان احتلال فرنسا لتونس عام (١٨٨١ م) نتيجة طبيعية لإخضاعها الجزائر إخضاعا كاملا , إذ وقعت منذ ذلك الحين تحت الحماية الفرنسية. ٢- في عام (١٧٩٨ م) غزت فرنسا مصر , ونبه عمل فرنسا هذا إنكلترا على ضرورة الاهتمام بمصر , فشاركت في حمل فرنسا على الجلاء عن مصر بالقوة , فاضطرت هذه أن تغادر قواتها مصر عام (١٨٠١ م) . ثم حاولت إنكلترا أن يكون لها النفوذ الأعلى في مصر أوائل القرن التاسع عشر , وحاولت احتلالها فيما عرف بحملة "فريزر" عام (١٨٠٧ م) . لكنها لم تنجح , وانسحبت تحت ضغط المقاومة الشعبية المصرية. واستمرت محاولات إنكلترا من أجل فرض نفوذها في مصر , حتى احتلتها عام (١٨٨٢ م) بدعوى إنقاذ مصر من الفوضى التي انتشرت في البلاد المصرية , وإعادة حياة الاستقرار والاطمئنان , وإدخال أساليب المدنية الحديثة إلى مصر , وحماية الأقليات والجاليات الأجنبية في مصر , والمحافظة على مصالحهم , وحماية المصالح الإنكليزية الخاصة السياسية والاقتصادية وغيرها. وكان طابع الاحتلال الإنكليزي لمصر طابع الحكم المستأثر المسيطر , أما المصريون فيجب أن يكونوا تابعين ومحكومين. ويؤكد هذا الطابع تقرير كتبه المعتمد البريطاني في مصر اللورد "كرومر" سنة (١٩٠٣ م) جاء فيه ما يلي: يحسن بكل بريطاني موظف في الحكومة المصرية أن يعرف الظروف

стр. 179

الخاصة التي يعمل بها في هذه البلاد , هذه الظروف ينتج عنها بالضرورة أن يكون الأوربي متقدما , والمصري تابعا له , حتى ولو كان منصب الأوربي دون منصب المصري اسما , وأن تكون القيادة للموظف الأوربي بالضرورة. وسيطر اللورد "كرومر" على مقدرات الأمور في مصر سيطرة شديدة , وحرم المصريين من كل سلطة , واتخذ مواقف متشددة من الحركة الوطنية المصرية , ورسم سياسة إجلاء المصريين عن السودان , وإحلال السيطرة الإنكليزية محلها. وعملت بريطانيا على فصل السودان عن مصر , منتهزة فرصة الثورة المهدية عام (١٨٨١ م) . واستمرت الدعاوى الإنكليزية تقول: إن الاحتلال مؤقت , حتى شبت الحرب العالمية الأولى - وكانت مصر ما زالت من الناحية الشكلية تابعة لسيادة تركيا - فانتهزت إنكلترا فرصة اشتراك تركيا إلى جانب ألمانيا في الحرب ضد الحلفاء , فأعلنت الحماية البريطانية على مصر , وفصلت مصر عن تركيا. ٣- ومن عدن انطلق الإنكليز للسيطرة على بقية أجزاء الجنوب العربي. ومن عام (١٧٦١ م) انتقل المركز الرئيسي للتجارة الإنكليزية في الخليج إلى البصرة. وصار مركز بريطانيا التجاري في الخليج لا يضارع , وهي في هذا قد ورثت النفوذ البرتغالي والهولندي والفرنسي. ومنذ أواخر القرن الثامن عشر أخذ الإنكليز يمارسون أنواعا من التدخل في شؤون إمارات الخليج العربي , وأخذ نفوذهم يقوى فيه طوال القرن التاسع عشر. ٤- في فلسطين وشرقي الأردن كان نشاط البعثات التبشيرية النصرانية أسلوبا من أساليب التغلغل الأجنبي في الأقطار العربية.

стр. 180

وقد شاركت إنكلترا في حماية هذه البعثات التي تنتسب إليها , وساعدتها على فتح المؤسسات المتعددة كالمدارس والكنائس. واهتم القنصل الإنكليزي في القدس بالمشروعات التي من شأنها المساعدة على هجرة يهودية كبيرة إلى فلسطين , تمهيدا لإقامة دولة صهيونية فيها. ٥- وبناء على اتفاقات دولية بين الدول الاستعمارية غزت إيطاليا ليبيا في شهر سبتمبر عام (١٩١١م) , ولكن الليبيين قاوموا الاحتلال الإيطالي مقاومة عنيفة حتى عام (١٩٣١ م) . ولم تخرج إيطاليا من ليبيا إلا بعد هزيمتها في الحرب العالمية الثانية , ووقعت الصومال أيضا تحت الاستعمار الإيطالي. ٦- وفي عام (١٩١٢ م) وقعت مراكش تحت الحماية الفرنسية. ٧- وأرادت بريطانيا أن تدخل كل مناطق العراق تحت سيطرتها. ففي عام (١٩١٦ م) كان من بنود اتفاق مؤتمر (سايكس بيكو) بين بريطانيا وفرنسا وروسيا دخول العراق تحت الانتداب الإنكليزي عقب انتهاء معارك الحرب العالمية الأولى. وكان اتفاق "سايكس بيكو" من أجل تقسيم أملاك الدولة العثمانية بين الدول الثلاث , إذ كان من بنوده ما يلي: أ- أن يكون لفرنسا الجزء الأكبر من سوريا وجانب كبير من جنوب الأناضول , ومنطقة الموصل في العراق. ب- أن يكون لإنكلترا البلاد الواقعة بين الخليج والمنطقة الفرنسية (العراق وشرق الأردن ثم حيفا وعكا) . جـ- إنشاء إدارة دولية في فلسطين بسبب وجود الأماكن المقدسة فيها. د- حقوق لروسيا في الأناضول والمضايق. وفي سنة (١٩١٧ م) أعلنت إنكلترا على لسان وزير خارجيتها اللورد
следующие страницы →