← Общие книги

Общие книги · id 22855

أجنحة المكر الثلاثة

عبد الرحمن حبنكة الميداني

Полный текст (750 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

وخلال القرنين السابع عشر والثامن عشر حاولت فرنسا أن تحصل على موطئ قدم في جزيرة "مدغشقر". ثم أضحى ساحل هذه الجزيرة مكمناً مفضَّلاً للقراصنة الأوربيين، لا سيما الفرنسيون والهولنديّون والإنكليز. ولم تنجح فرنسا في إقامة مراكز صغيرة لها على الجزيرة، رغم محاولات عديدة من جانب التجار الفرنسيين. وحاولت فرنسا منذ عام (١٦٠١م) إقامة مستعمرات كبرى لها في هندستان، إلا أن القوة العسكرية للأباطرة المغول أحبطت كلَّ محاولاتها. ثم انتزعت انكلترا من فرنسا أكبر مستعمراتها في الهند في صلح باريس عام (١٧٦٣م) . ١٢- وطعمت "هولندة" بأن يكون لها نصيب في الاستعمار، فبعثت رحلاتها إلى العالم الجديد. وفي عام (١٦١٤م) ادَّعوا أنَّ لهم حقوقاً في استعمار وامتلاك المنطقة الساحلية في أمريكا الشمالية. وفي عام (١٦٢٦م) صارت "نيونذرلند" أو "هولندة الجديدة" مستعمرة حقيقية لهولندة. ثم استردها الإنكليز منها عام (١٦٦٤م) . وفي عام (١٦٧٣م) احتل الهولنديون "نيويورك" وأعادوا إليها اسمها الهولندي، ولكن لم يلبث البريطانيون أن استردوها منهم عام (١٦٧٤م) وظلَّت إنكليزية حتى قيام الثورة الأمريكية. وفي الشرق احتل الهولنديون جزيرة "سنت هيلانة". وأقاموا مستعمرة عند رأس الرجاء الصالح سنة (١٦٥٢م) . وأقاموا محطات لتجارة الحرير في موانئ فارس، والخليج العربي، ومحطة لتجارة البنّ في "مخا" باليمن. لكن اهتمام الهولنديين الرئيسي قد كان موجّهاً لأرخبيل الملايو،

стр. 177

إذ طردوا البرتغاليين، وجعلوا أنفسهم سادة جزر الهند الشرقية. وفي منتصف القرن السابع عشر صار الهولنديون أكبر قوة أوربية في البحار الشرقية. (٢) الاستعمار الغربي للبلاد الإسلامية العربية ١- بدأ الغزو الاستعماري الفرنسي للجزائر بحصار بحري في شهر (مايو) أيار سنة (١٨٢٧م) ، وتذرعت فرنسا بعدة أعذار. وكان للعامل الديني المعادي للإسلام أثره القوي في هذا الاحتلال، فقد كانت رغبة الفرنسيين قوية في تنصير الجزائريين الذين كانوا ألد أعداء المسيحيين. فقد أعلن الملك "شارل العاشر" اعتزامه إنشاء مستعمرة ذات شأن في شمال أفريقية، تكون نواتها الجزائر. وفي عام (١٨٣٠م) نزل الجيش الفرنسي المكوّن من حوالى خمس وثلاثين ألف مقاتل إلى أرض الجزائر. ولكن حصرت المقاومة الجزائرية الزحف الفرنسي في شريط ساحلي لا يشمل كل الشاطئ , وخلال الأعوام من (١٨٣٠إلى ١٨٣٩م) كانت سياسة فرنسا قائمة على فكرة الاحتلال المحدود المقتصر على الساحل دون الداخل. وقامت صدامات دموية وثورات قوية ضد فرنسا , ثم اتجهت فرنسا للاحتلال الشامل لكل الجزائر. وضعفت مقاومة الجزائريين تدريجيا , حتى أمست البلاد خاضعة للحكم الفرنسي عام (١٨٤٨ م) . ومع ذلك فقد استمرت بعض المقاومات المحدودة طوال قرابة عشر سنين أخرى , إلى أن استتب الأمر للفرنسيين عام (١٨٥٧ م) . وبين حين وآخر كانت تتفجر ثورات جزئية تنتهي بقمع المحتلين لها.

стр. 178

وفي سنة (١٨٨١ م) صدر مرسوم فرنسي بإلحاق الجزائر إداريا بفرنسا , وحكمة فرنسا الجزائر حكما استعماريا شاملا. إلى أن قامت الثورة الجزائرية الكبرى التي انتهت بخروج فرنسا، وتحرر الجزائر من استعمارها. ثم كان احتلال فرنسا لتونس عام (١٨٨١ م) نتيجة طبيعية لإخضاعها الجزائر إخضاعا كاملا , إذ وقعت منذ ذلك الحين تحت الحماية الفرنسية. ٢- في عام (١٧٩٨ م) غزت فرنسا مصر , ونبه عمل فرنسا هذا إنكلترا على ضرورة الاهتمام بمصر , فشاركت في حمل فرنسا على الجلاء عن مصر بالقوة , فاضطرت هذه أن تغادر قواتها مصر عام (١٨٠١ م) . ثم حاولت إنكلترا أن يكون لها النفوذ الأعلى في مصر أوائل القرن التاسع عشر , وحاولت احتلالها فيما عرف بحملة "فريزر" عام (١٨٠٧ م) . لكنها لم تنجح , وانسحبت تحت ضغط المقاومة الشعبية المصرية. واستمرت محاولات إنكلترا من أجل فرض نفوذها في مصر , حتى احتلتها عام (١٨٨٢ م) بدعوى إنقاذ مصر من الفوضى التي انتشرت في البلاد المصرية , وإعادة حياة الاستقرار والاطمئنان , وإدخال أساليب المدنية الحديثة إلى مصر , وحماية الأقليات والجاليات الأجنبية في مصر , والمحافظة على مصالحهم , وحماية المصالح الإنكليزية الخاصة السياسية والاقتصادية وغيرها. وكان طابع الاحتلال الإنكليزي لمصر طابع الحكم المستأثر المسيطر , أما المصريون فيجب أن يكونوا تابعين ومحكومين. ويؤكد هذا الطابع تقرير كتبه المعتمد البريطاني في مصر اللورد "كرومر" سنة (١٩٠٣ م) جاء فيه ما يلي: يحسن بكل بريطاني موظف في الحكومة المصرية أن يعرف الظروف

стр. 179

الخاصة التي يعمل بها في هذه البلاد , هذه الظروف ينتج عنها بالضرورة أن يكون الأوربي متقدما , والمصري تابعا له , حتى ولو كان منصب الأوربي دون منصب المصري اسما , وأن تكون القيادة للموظف الأوربي بالضرورة. وسيطر اللورد "كرومر" على مقدرات الأمور في مصر سيطرة شديدة , وحرم المصريين من كل سلطة , واتخذ مواقف متشددة من الحركة الوطنية المصرية , ورسم سياسة إجلاء المصريين عن السودان , وإحلال السيطرة الإنكليزية محلها. وعملت بريطانيا على فصل السودان عن مصر , منتهزة فرصة الثورة المهدية عام (١٨٨١ م) . واستمرت الدعاوى الإنكليزية تقول: إن الاحتلال مؤقت , حتى شبت الحرب العالمية الأولى - وكانت مصر ما زالت من الناحية الشكلية تابعة لسيادة تركيا - فانتهزت إنكلترا فرصة اشتراك تركيا إلى جانب ألمانيا في الحرب ضد الحلفاء , فأعلنت الحماية البريطانية على مصر , وفصلت مصر عن تركيا. ٣- ومن عدن انطلق الإنكليز للسيطرة على بقية أجزاء الجنوب العربي. ومن عام (١٧٦١ م) انتقل المركز الرئيسي للتجارة الإنكليزية في الخليج إلى البصرة. وصار مركز بريطانيا التجاري في الخليج لا يضارع , وهي في هذا قد ورثت النفوذ البرتغالي والهولندي والفرنسي. ومنذ أواخر القرن الثامن عشر أخذ الإنكليز يمارسون أنواعا من التدخل في شؤون إمارات الخليج العربي , وأخذ نفوذهم يقوى فيه طوال القرن التاسع عشر. ٤- في فلسطين وشرقي الأردن كان نشاط البعثات التبشيرية النصرانية أسلوبا من أساليب التغلغل الأجنبي في الأقطار العربية.

стр. 180

وقد شاركت إنكلترا في حماية هذه البعثات التي تنتسب إليها , وساعدتها على فتح المؤسسات المتعددة كالمدارس والكنائس. واهتم القنصل الإنكليزي في القدس بالمشروعات التي من شأنها المساعدة على هجرة يهودية كبيرة إلى فلسطين , تمهيدا لإقامة دولة صهيونية فيها. ٥- وبناء على اتفاقات دولية بين الدول الاستعمارية غزت إيطاليا ليبيا في شهر سبتمبر عام (١٩١١م) , ولكن الليبيين قاوموا الاحتلال الإيطالي مقاومة عنيفة حتى عام (١٩٣١ م) . ولم تخرج إيطاليا من ليبيا إلا بعد هزيمتها في الحرب العالمية الثانية , ووقعت الصومال أيضا تحت الاستعمار الإيطالي. ٦- وفي عام (١٩١٢ م) وقعت مراكش تحت الحماية الفرنسية. ٧- وأرادت بريطانيا أن تدخل كل مناطق العراق تحت سيطرتها. ففي عام (١٩١٦ م) كان من بنود اتفاق مؤتمر (سايكس بيكو) بين بريطانيا وفرنسا وروسيا دخول العراق تحت الانتداب الإنكليزي عقب انتهاء معارك الحرب العالمية الأولى. وكان اتفاق "سايكس بيكو" من أجل تقسيم أملاك الدولة العثمانية بين الدول الثلاث , إذ كان من بنوده ما يلي: أ- أن يكون لفرنسا الجزء الأكبر من سوريا وجانب كبير من جنوب الأناضول , ومنطقة الموصل في العراق. ب- أن يكون لإنكلترا البلاد الواقعة بين الخليج والمنطقة الفرنسية (العراق وشرق الأردن ثم حيفا وعكا) . جـ- إنشاء إدارة دولية في فلسطين بسبب وجود الأماكن المقدسة فيها. د- حقوق لروسيا في الأناضول والمضايق. وفي سنة (١٩١٧ م) أعلنت إنكلترا على لسان وزير خارجيتها اللورد

стр. 181

"بلفور" وعدا بإنشاء وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين. ٨- وفي عام (١٩٢٠ م) قررت الدول الاستعمارية الصليبية في مؤتمر سان ريمو ما يلي: أ - جعل منطقة شرقي الأردن من نصيب بريطانيا , كجزء من دائرة الوصاية على فلسطين. ب - فرض الانتداب الفرنسي على كل من سوريا ولبنان. جـ - فرض الانتداب البريطاني على العراق وفلسطين. الإمارات والسلطنات في الجزيرة العربية وقعت معظم السواحل الجنوبية للجزيرة العربية الممتدة على شواطئ المحيط الهندي , والخليج العربي , تحت السيطرة البريطانية , المباشرة أو غير المباشرة منذ عام (١٨٣٩ م) وأطلقت عليها بريطانيا اسم محميات , وكان غرض بريطانيا من بسط سلطانها على هذه المناطق العربية تأمين سلامة مواصلاتها إلى الهند. (١) ففي سنة (١٨٣٩ م) سقطت عدن في يد الإنكليز , وجعلوها قسمين: * "محمية عدن الشرقية" وألحقوا بها ثلاثا من السلطنات أو المشيخات السابقة. * "ومحمية عدن الغربية" والحقوا بها السلطنات الأخرى العشرين. وخرج الإنكليز من عدن سنة (١٩٦٧ م) . (٢) وفي سنة (١٩١٥ م) احتلت بريطانيا جزيرة "كامران" اليمنية , وظلت كذلك , حتى سنة (١٩٦٧ م) عندما اقترع سكانها العرب على تفضيلهم الانضمام إلى جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية. (٣) وفي سنة (١٧٣٨ م) احتلت فرنسا جزيرة بريم اليمنية , ثم احتلتها

стр. 182

بريطانيا سنة (١٧٩٩ م) وتخلت عنها في السنة نفسها , ثم عادة واحتلتها عام (١٨٥١ م) ثم تحررت سنة (١٩٦٧ م) . عمان غزاها البرتغاليون , واحتلوها من سنة (١٥٠٧ م) حتى سنة (١٦٥٠ م) إذ قام عليهم الإمام ناصر بن مرشد وسلطان بن سيف اليعربي وأجلوهم عنها , ولم يكتف اليعربي بإجلائهم عن شواطئ البلاد , بل طاردهم إلى سواحل الهند وأفريقية الشرقية. وفي سنة (١٨٩١ م) فرضت عليها معاهدة حماية بريطانية , وجددت مرة ثانية سنة (١٩٣٩ م) وجددت مرة ثالثة سنة (١٩٥١ م) لمدة خمسة عشر عاما , ثم اندلعت حرب بين القبائل العمانية وقوات الاحتلال البريطاني في سنتي (١٩٥٦م - ١٩٥٧ م) واستقلت في سنة (١٩٦٧ م) . وأعيدت إلى عمان جزر (كوريا موريا) التي كانت بريطانيا تحتلها منذ سنة ١٨٥٤ م عند استقلالها. (٣) الاستعمار البريطاني للهند وآثاره ١- سقطت الهند في يد الاستعمار البريطاني الذي زحف من منغوليها إليها , وذلك في عام (١٨٥٧ م) , وكانت حتى ذلك التاريخ في يد الدولة المنغولية , واستمرت تحت الاستعمار البريطاني حتى استقلت عام (١٩٤٧ م) . ٢- وأول ما بدأ به الاستعمار البريطاني محو الشخصية الإسلامية من الدولة , واتبع لذلك أساليب متعددة منها الأساليب التالية: أ- حملات التبشير المؤيدة من السلطة الاستعمارية , والتي اتخذت صبغة حكومية في بعض أوقاتها. ب- حرمان الجماعات المسلمة من حقوقها في التعليم , وفرض سياسة

стр. 183

التجهيل عليها , والقضاء على قوة المسلمين الصناعية والحضارية بمحاولات الضغط على كبار أرباب الصناعات أو إبادتهم. جـ- استغلال أطفال المسلمين في ميادين العمل منذ سن مبكرة , مستغلين في ذلك فقر العائلات المسلمة , الأمر الذي يضطرها إلى استخدام أطفالها لتأمين لقمة العيش. د - حرمان المسلمين من تولي المراكز القيادية وذات الأهمية , وعزلهم عن الدولة , وفصلهم اجتماعيا وثقافيا. ولتحقيق ذلك عمد البريطانيون إلى تشجيع الهندوس من الوثنيين , وتسليمهم تدريجيا مقاليد الحكم والإدارة في البلاد , وإلى تأليب الهندوس والطوائف الأخرى ضد المسلمين. ونتيجة لتحريض الطوائف غير المسلمة على المسلمين , بدأت حملات الإبادة المنظمة ضد المسلمين , بدءا بفتنة عام (١٩١٨ م) , التي جرت مسلسلا دمويا رهيبا , دفع المسلمين في شبه القارة الهندية إلى المطالبة بدولة إسلامية مستقلة. وتبين الإحصائيات أن المذابح والاضطرابات التي شهدتها الهند منذ استقلالها بلغت أكثر من (٨٠٨٠) مذبحة واضطراب , وقد كانت حصيلة ضحاياها أكثر من مليون مسلم. ٣- وبعد منح الهند استقلالها ضمن إطار دستوري , عمدت الحكومات الهندية المتعاقبة على استبعاد المسلمين عن المراكز المهمة في البلاد , وشرعت في تنفيذ هذه السياسة باتباع الأعمال التالية: أ- إبعاد المسلمين عن القوات المسلحة , وتسريح من كان يعمل فيها فعلا. ب- حرمان المسلمين من المراكز القيادية في الدولة.

стр. 184

جـ- احتلال المقاطعات الإسلامية , بوضع اليد على شؤونها , لا سيما الكبرى منها , مثل "حيدر أباد" و "جوناكرة" و "مناور". د- حرمان المسلمين من فرص العمل , ومن التسهيلات الاقتصادية , التي أمست حكرا على الهندوس , وحرمانهم من التجارة في بعض السلع كالسجاد , والأدوات المنزلية. هـ- وضع العقبات أمام انتساب المسلمين إلى الكليات والثانويات الإسلامية بوضع يد الدولة عليها وتحويلها إلى مدارس عامة. و إعلان قانون عام (١٩٧٥ م) وفيه محاربة التعليم الإسلامي , وإجبار المسلمين على التعقيم , وقد ألغي قانون التعقيم سنة (١٩٨٢ م) تحت تأثير احتجاجات المسلمين الشديدة في العالم. (٤) أبرز أعمال الكيد التي قام بها الاستعمار في بلاد المسلمين مهما اختلف الاستعماريون فيما بينهم على المصالح , اختلافا قد يصل إلى قيام حروب طاحنة فيما بينهم , فإنهم كانوا متفقين اتفاقا كاملا على مخطط كيدي موحد ضد الأمة الإسلامية , وكانت أعمالهم متشابهة في البلدان التي استعمروها من بلدان العالم الإسلامي. وباستطاعة الباحث المتتبع أن يكتشف من أعمالهم الأعمال الكيدية التالية: الأول: تذليل مهمات المبشرين بالنصرانية , ومهمات المستشرقين العاملين على تنصير أبناء المسلمين , أو إخراجهم من الإسلام إلى الإلحاد والكفر بكل القيم الدينية. الثاني: فصل الدين عن الدولة وسائر الأمور السياسية , وإلغاء الحكم الإسلامي نهائيا. الثالث: افتتاح المدارس والمعاهد والجامعات العلمانية في صورتيها المعادية للدين صراحة , والمتظاهرة نحوه بالحياد كمدارس "اللاييك".

стр. 185

الرابع: التخطيط للتعليم العلماني في المؤسسات التعليمية الوطنية , وتوجيهها لما يحقق إبعاد كل تعليم إسلامي عنها. الخامس: الضغط على التعليم الإسلامي التقليدي , واتخاذ مختلف الوسائل التي تفضي إلى إلغائه نهائيا. السادس: إخضاع نظم البلاد للقوانين المدنية الوضعية الغربية , أو غيرها بدل أحكام الشريعة الإسلامية. السابع: التوسل إلى إلغاء القضاء الشرعي الإسلامي بمختلف الوسائل الظاهرة , أو الخفية الماكرة , وإلغاء الأوقاف الإسلامية شكلا ومضمونا , أو مضمونا فقط. الثامن: إفساد أخلاق الشعوب المسلمة , وتقطيع روابطها الاجتماعية بمختلف الوسائل , كنشر الرشوة , والكذب , والخيانة , والإهمال الوظيفي , وتعود البطالة والكسل.... وغير ذلك من المفاسد الأخلاقية الفردية والاجتماعية. التاسع: نشر أسلوب الحياة الغربية الإباحية بين الشعوب المسلمة , المحكومة بالدول الاستعمارية مباشرة , أو المتأثرة بها عن طريق الجوار , أو السراية والعدوى من بعيد. العاشر: نشر لغة المستعمر في البلاد , وإحلالها محل لغة الشعب الوطنية , ومحاربة اللغة العربية على وجه الخصوص , لأنها لغة القرآن ومصادر التشريع الإسلامي الأخرى , ولغة التراث الأكبر للمسلمين. الحادي عشر: استغلال خيرات البلاد الإسلامية , والاستيلاء على ثرواتها المختلفة , بما في ذلك ثرواتها العلمية , والفنية , والصناعية , ونقلها إلى بلاد المستعمرين. مع امتصاص الطاقات البشرية في تلك المستعمرات تحت أسوأ الظروف لتقديم أكبر كمية إنتاج بأقل أجر ممكن. الثاني عشر: محاولة الامتلاك الاستيطاني لبعض البلاد الإسلامية المجاورة لدولة الاستعمار , كما حصل في الجزائر.

стр. 186

الثالث عشر: وضع السلطات الإدارية الفعالة في البلاد في أيدي النصارى الوطنيين , ثم في أيدي الأقليات الطائفية غير الإسلامية , ثم في أيدي ذيولهم من مستغربين علمانيين وملاحدة وماسونيين وأشباههم , ومساعدة هؤلاء على تعلم العلوم التي تميزهم وتؤهلهم لاحتلال أرفع المناصب العلمية والعملية في البلاد مع حرمان أبناء المسلمين من ذلك. الرابع عشر: تمكين النصارى الوطنيين ثم الطوائف غير الإسلامية من السيطرة على اقتصاديات البلاد , والمراكز ذات الأهمية المناخية , والاقتصادية , والحربية , في المدن والقرى والثغور , ومنحهم امتيازات خاصة يحرم منها المسلمون. الخامس عشر: إثارة الفتن والنعرات الطائفية بين المسلمين وغيرهم , والنعرات القومية والمذهبية والحزبية , لاتخاذ ذلك ذريعة للضغط على المسلمين , وتبديد قواهم جميعا , وتمكين الطوائف غير المسلمة من مواطن القوة والمعرفة والمال في البلاد. واصطناع فرق منحرفة عملية ضمن شعوب الأمة الإسلامية. السادس عشر: تقسيم البلاد وتجزئتها إلى وحدات صغرى , وبذر بزور الشقاق والخلاف فيما بينها , وغرس ما ينجم عنه تباين المصالح فيما بينها , حتى لا تتهيأ لها في المستقبل الظروف المناسبة لإعادة اتحادها , ضمن كتلة مسلمة واحدة ذات إدارة سياسية واحدة قوية. السابع عشر: إيجاد قواعد دائمة للاستعمار , ذات كيان سياسي مستقل , ضمن بلاد المسلمين , من طوائف غير مسلمة , لتقوم هذه بمصالح دولة الاستعمار السياسية وغيرها في مجموعة البلاد الإسلامية المجاورة لها , إذا اضطرت دولة الاستعمار إلى الخروج منها. الثامن عشر: ربط اقتصاديات البلاد المستعمرة , وربط نقدها , بدولة الاستعمار , لتكون هذه البلاد تابعة لها , ولو خرجت الدولة الاستعمارية منها كما هو واقع الحال بالنسبة إلى (الكومنولث البريطاني) .

стр. 187

التاسع عشر: السيطرة على وسائل الإعلام المختلفة لتوجيه الرأي العام ضمن المخططات التي تضعها قيادات أجنحة المكر. العشرون: دس الدسائس لإثارة الحروب بين البلاد الإسلامية , بغية تعميق العداوة والبغضاء فيما بينها , وإضعاف قواها جميعا , واستنزاف طاقاتها , وتحطيم كتلها البشرية , ومن وسائل الاستعمار إلى ذلك إبلاغ عملائهم إلى مراكز الحكم , وتوجيههم لإشعال هذه الحروب. الحادي والعشرون: القضاء على حركات الجهاد الإسلامي , وإلغاء فكرة الجهاد في سبيل الله بمختلف الوسائل. الثاني والعشرون: تربية أجيال موالية للدول الاستعمارية ومحبة لشعوبها , ومعجبة بطرائق حياتها , وكارهة للإسلام وقيمه وأحكامه , وعاملة في بلدانها بدائل للاستعمار المباشر في تنفيذ مخططاته بعد رحيله. الثالث والعشرون: أما الاستعمار الشيوعي الشرقي , فيتلخص بنظرية واحدة , هي: الاستيلاء القاهر على البلاد وما فيها ومن فيها امتلاكا , واستعبادا , وفرض نظام الدولة المستولية , وعقيدتها , وفرض إرادتها ومبادئها قهرا , أو السحق والموت الشنيع. الرابع والعشرون: وللدول الصليبية الاستعمارية بعد خروجها من البلاد , وكذلك التي لم يسبق لها أن كانت دولة استعمارية , أعمال كيدية كثيرة يحققون بها ما يريدون داخل البلاد الإسلامية , كالتعليم اللاديني , والتربية على طريقة الحياة الإباحية وإفساد الأخلاق والضمائر , والضغط على الإدارات السياسية , وشراء العملاء من المتعلمين والعسكريين والتجار , وربط المصالح التجارية والثقافية والعسكرية وغيرها بتحقيق أهدافهم , سواء أكان ذلك فيما يسمى بالقطاع العام أو بالقطاع الخاص. ومن مظاهر ذلك نشاهد مؤسسات تجارية قوية أصحابها مسلمون , وهذه المؤسسات تبذل بسخاء لإنشاء كنائس في بلاد إسلامية وومؤسسات تعليمية وغيرها للمبشرين والمستشرقين.

стр. 188

(٥) وثيقة من دولة استعمارية لنصارى وطنيين من الدولة الأم إلى أبنائها المخلصين. إلى أبناء يسوع المسيح , فيا من صبرتم على الذل والهوان عبر القرون دفاعا عن عقيدتكم , أيها الشرفاء الأطهار. لا تنسوا هذه الوصايا العشر: ١- قد رتبنا لكم أهم الأشياء التي تضمن لكم معيشة حسنة على هذه المنطقة , مثل تمليك الأراضي , والوكالات الأجنبية , والوضع السياسي , وشؤون النقد , ويبقى عليكم أن تحافظوا على هذه المكاسب وزيادتها مع الأيام. ٢- إن هذا الوطن لم يخلق إلا لكم , حتى تجمعوا شملكم وتباشروا حريتكم بعد الحروب الخيرة التاريخية , فاعلموا جيدا أن كلمة لبناني معناها مسيحي , أما العرب الذين جاؤوا من الصحراء فيجب أن يعودوا إليها. ٣- جاهدوا للسيطرة على المصايف وأمور السياحة وامتلاك ساحل البحر وأخرجوهم من قراكم كلما أصبحتم أغلبية , ولا تنسوا تجهيز ميناء احتياطي في مدينة غير بيروت , لا يكون فيها مسلمون , وذلك عندما تسنح لكم الفرص. ٤- عليكم بأسباب القوة من رياضة وسلاح وتنظيمات للشباب , واهتموا بالجيش وعليكم بكتمان أموركم. ٥- احرصوا على الزعامة الأدبية , مثل نشر الكتب , والسيطرة على النقابات والاتحادات , ولا تعترفوا بأن تراث لغتكم وتاريخكم ملك للمسلمين , وحاربوا (بلا هوادة) الأفكار والأشخاص الذين يعاكسون اتجاهكم.

стр. 189

٦- إن الاختلافات المذهبية بينكم يجب أن لا تخرج عن النظرية السطحية , لأن حياتكم مرهونة باتحادكم أمام العدو الكافر , من حيث إنك أبناء يسوع الذي علمنا المحبة. ٧- ادرسوا دائما مخططات الآخرين , وتدخلوا معهم لكي تعرفوا ما عندهم , ولا مانع للبعض من التظاهر بتأييدهم عند الضرورة , ولكن على كل واحد منكم أن يبقى مرتبطا برؤسائه وكنيسته....؟ ٨- ارفعوا رؤوسكم في كل مكان مرتفع , واعلموا بأن كل القوى الجبارة في العالم الحر تساعدكم , وتقف لجانبكم في أسرع وقت , ولكن عليكم أن تتصرفوا كأنكم لا تعرفون ذلك. ٩- اجتهدوا بالتقرب من ملوك العرب ورؤسائهم بالخدمات الشخصية , وهذا شيء سهل جدا , ولكنه يفتح لكم مجالات واسعة للعمل , ويدر عليكم أموالا هائلة , ونفوذا أكبر , حتى في البلدان المستعصية عليكم. ١٠- إن حركة الجنسية اللبنانية شديدة الأهمية , فدققوا كثيرا في ذلك , واهتموا بإخوانكم المغتربين , والذين نزلوا عليكم من البلدان الأخرى , حتى لا تضيع الأغلبية المقررة لكم , ألا جدوا كل الجد.

стр. 190

الفصل الخامس عناصر التلاقي والأهداف والأعمال المشتركة للأجنحة الثلاثة ١- الالتقاء على الكراهية والحقد. ٢- الالتقاء على كسب المغانم. ٣- الالتقاء على محاربة الإسلام وتطبيقاته. ٤- محاولات الفصل الكلي بين الإسلام والمسلمين. ٥- محاولات الفصل الجزئي بين الإسلام والمسلمين.

стр. 191

(١) الالتقاء على الكراهية والحقد يكاد الكره والحقد الموروثان في نفوس الأجنحة الثلاثة لجيش الغزو الظالم الآثم ضد الإسلام والمسلمين يكونان عنصر الالتقاء الرئيسي بينها. ولا نعلم سببا صحيحا ناتجا عن مبدأ إنساني كريم يبرر وجود هذا الكره والحقد في نفوسهم. أ- أما الدعوة الإسلامية فلم يكن فيها ما يستدعي ذلك , لأنها قامت على أساس تصحيح اعتقادي , مستند إلى أدلة علمية , ومناقشات منطقية , ومبني على أساس تكميل ديني مرتكز على مبدأ وحدة الرسالات الربانية , في أسسها وفي مصدرها , وأن اللاحقة منها تكمل السابقة , حسب الإرادة الربانية التي أنزلتها جميعا , وأن الذين قبلوا التعاليم السابقة ملزمون أيضا بأن يقبلوا التعاليم اللاحقة , بما فيها من تعديلات قررتها إدارة منزل التعاليم , حسب مقتضيات علمه وحكمته. ومثل ذلك في الأرضيات الإنسانية كمثل من يقبل قانون الدولة السابق , ثم يرفض قانونها اللاحق المكمل والمعدل للأول , دون أن يكون له حجة في رفضه إلا مجرد التعصب للسابق , لأنه صار مأنوسا مألوفا له , أو مطوعا بالتحريف لهواه. والتصحيح الاعتقادي قضية علمية بحتة , تعرض نفسها للمناقشة والبحث , وينبغي أن لا يكون فيها مجال للتعصب النفسي , ولا أثر من آثار الانفعال , فالباحثون العلميون يطرحون باستمرار نظرياتهم العلمية

стр. 192

على مختلف المدارس الفكرية دون أن يجد أنصار إحداها غضاضة في هذا الطرح , لأنهم جميعا وحينما تقوم الأدلة القاطعة على رأي من الآراء العلمية يترك أصحاب المذاهب والمدارس الفكرية المختلفة آراءهم السابقة , ويقبلون الحقيقة الناصعة , التي قامت عليها الأدلة القاطعة , أما التعصب للخطأ الموروث والاستمساك بالباطل فليس من شأن الإنسان العاقل المنصف الباحث عن الحقيقة. وأمام هذا المنطق الهادئ البعيد عن كل عنف وتعصب نجد الإسلام يعلم المسلمين أن يقولوا للآخرين عند الجدال في قضايا الدين ما جاء في سورة (سبأ / ٣٤ مصحف/ ٥٨ نزول) : ﴿وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين﴾ . كما يأمرهم بأن يجادلوا أهل الكتاب بالتي هي أحسن , فقال الله تعالى في سورة (العنكبوت /٢٩ / ٨٥ نزول) : ﴿ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم وقولوا ءامنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون﴾ . وقد أمر الله رسول الله محمد بأن يدعو أهل الكتاب دعوة مشبعة بالرفق واللين , وذلك بأن يقول لهم كما جاء في سورة (آل عمران / ٣ مصحف / ٨٩ نزول) : ﴿قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون﴾ . ب- وأما المسلمون فلم يكن منهم في مواجهة أهل الكتاب إلا الرفق واللين والتسامح والدعوة الخيرة , وهذا ما جعل النسبة العظمى من سكان البلاد التي دخلها الإسلام بما فيهم أهل الكتاب يسرعون إلى الدخول في الإسلام طواعية دون إكراه , إدراكا منهم للحق , وشعورا بسلامة أسس الدعوة الجديدة , ومطابقتها للأسس الصحيحة التي يعلمونها من رسالة

стр. 193

موسى وعيسى وسائر النبيين عليهم الصلاة والسلام. وهذا ما دعا بعض المنصفين منهم إلى أن يعترف بذلك اعترافا صريحا , ومن أمثلة ذلك شهادة "غوستاف لوبون" المشهورة إذ يقول فيها: "ما عرف التاريخ فاتحا أرحم من العرب" ومنها تحسر الأديب الفرنسي الكبير "أناتول فرانس" إذ يقول: "ليت شارل مارتل قطعت يده ولم ينتصر على القائد الإسلامي (عبد الرحمن الغافقي) , إن انتصاره عليه أخر المدنية عدة قرون إلى الوراء". إلا أن روح التعصب الذميم الذي لا يمكن أن يكون من صفات طلاب الحق ودعاته هو الذي أملى على جيش الغزو ذي الأجنحة الثالثة الكراهية والحقد , ويشهد لروح التعصب هذه المشبعة بالكراهية للإسلام والمسلمين والحقد عليهما أقوال كثيرة صادرة عنهم , مضافا إليها أعمالهم الجماعية المستمرة الدالة على مبلغ التعصب الذميم المسيطر على نفوسهم , فمن أقوالهم ما يلي: ١- لما دخل القائد الاستعماري الفرنسي "غورو" "دمشق" في الربع الأول من القرن العشرين الميلادي منتصرا على الشعب العربي الأعزل في سورية , ووصل إلى مثوى البطل الإسلامي صلاح الدين الأيوبي , ضرب قبره بقدمه , وقال كلمته المشهورة: "ها قد عدنا يا صلاح الدين " وقد هان عليه أن ينفس عن حقده أمام قبور الموتى , لأنه لم يجد في الأحياء من يرد بأسه. ولما دخل الجنرال: "اللنبي" قائد جيوش الحلفاء مدينة القدس قال: "الآن انتهت الحروب الصليبية" ٢- مقالة قالها زعماء المبشرين جاء فيها: "ألم نكن نحن ورثة الصليبيين؟ ألم نرجع تحت راية الصليب لنستأنف التسرب التبشيري والتمدين المسيحي" ٣- ما ذكره المستشرق الألماني "بيلر" في قوله: "إن هناك عداء من النصرانية

стр. 194

للإسلام بسبب أن الإسلام عندما انتشر في العصور الوسطى أقام سدا منيعا في وجه انتشار النصرانية , ثم امتد إلى البلاد التي كانت خاضعة لصولجانها ". فالسياسيون والعسكريون _ وارثوا الكراهية والحقد من جراء الخيبة التي منيت بها الحروب الصليبية _ يشتركون مع المبشرين والمستشرقين _ وارثي الكراهية والحقد أيضا _ من أجدادهم الذين حرضوا الجيوش الصليبية لغزو البلاد الإسلامية خلال قرنين كاملين , فلم يظفروا منها بطائل , وارتدوا منها على أعقابهم خاسرين. ولدى تحليل الأسباب تحليلا إنسانيا كريما نجدها نوعا من التعصب القبيح الذميم , وضيق الأفق النفسي , والأنانية الشديدة , وهي كلها مرفوضة لدى العقول السليمة , والأفكار المستقيمة , والنفوس الكريمة , التي تسعى إلى الحق أين كان , وتريد الخير لأنفسها وللإنسانية جمعاء. (٢) الالتقاء على كسب المغانم نقطة لقاء تلتقي عليها أجنحة المكر الثلاثة وخوافيها إنها كسب المغانم والاستثمارات المادية. أ- أما المستعمرون فيكاد يكون الهدف الرئيسي لهم كسب المغانم الكثيرة من المسلمين وبلادهم , ويضاف إلى هذا الهدف أهداف كثيرة أخرى ستأتي الإشارة إليها. إن المستعمرين لما عرفوا أوضاع المسلمين , ودرسوا أحوال بلادهم , وما فيها من خيرات كثيرة , وما للأرض التي تمتد شعوبهم في أرجائها من فضائل وحسنات اقتصادية وسياسية وعسكرية , تحلبت أشداقهم شرها إليها , وطعما باقتناص خيراتها والاستيلاء على كنوزها , واستغلال كل ما أمكن استغلاله فيها , وتسخير الطاقات البشرية المسلمة

стр. 195

التي تعيش عليها في خدمة أهدافهم الاستغلالية الاستثمارية , مع حجب الخبرات الفنية عنها ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا. وقد مهدوا لاحتلالهم البلاد الإسلامية بالمبشرين ومؤسساتهم , فأمدوهم بإمدادات كبيرة سخية , ليكونوا قاعدتهم الأولى لتحقيق أهدافهم الاستعمارية , ومهدوا له أيضا بالمؤسسات التجارية والاستثمارية والتعليمية , وبالبعوث من المستشرقين , ثم استطاعوا بحيلهم وألاعيبهم ورشواتهم أن ينتزعوا الامتيازات الضخمة لشركاتهم الكبيرة , بالاتفاقات الدولية , وأن يدخلوها إلى العواصم الكبرى في البلاد الإسلامية , وهي تحمل في حقيبتها غايتين: الأولى: اقتصادية طامعة بالاستغلال والربح. الثانية: سياسية تعمل على تهيئة القواعد السياسية والاجتماعية المناسبة , الممهدة لدخول القوات العسكرية الغازية , الطامعة ببسط سلطانها المباشر. ودخلت قوات المستعمرين العسكرية بعد أن تهيأت لهم الظروف الدولية المناسبة وساعدهم على ذلك وصول الشعب المسلمة إلى دور الانحطاط النسبي الذي دفعتهم إليه عوامل شتى , داخلية وخارجية , ومن هذه العوامل ما يلي: ١- فقدان الوعي الإسلامي العام , وعزوف الناس عن المعارف والعلوم المختلفة , الدينية والكونية , واشتغالهم في ميادين التجارة والزراعة والصناعة التقليدية , دون أن يدخلوا عليها شيئا من التطوير والتحسين. ٢- نقص الخبرات الفنية المتعلقة بالمكتشفات العلمية , والمخترعات الآلية الحديثة , والتخلف في التطبيقات التكنولوجية. ٣- تفرق كلمة المسلمين , وقلة مبالاتهم بأمور أنفسهم الكبرى، وبأمور المسلمين العامة. ٤- انتشار حشد من المفاهيم الخاطئة بينهم , منها ما يتعلق بالأمور الدينية

стр. 196

البحث , ومنها ما يتعلق بالأمور الدنيوية التي يأمر بها الدين , ويرشد فيها إلى أقوم السبل. ٥- المؤتمرات التي تدبر ضدهم في المحافل الدولية الكبرى , ويستخدم لتنفيذها الأجراء من داخل الإسلامية. ٦- إثارة الفتن الطائفية التي يقصد منها إعطاء الجيوش الاستعمارية ذرائع الاحتلال باسم حماية الأقليات. إلى غير ذلك من عوامل شتى. ب- وأما المبشرون فبالإضافة إلى أهدافهم ومهماتهم الرئيسية , المتعلقة بالتبشير , والمتعلقة بالتمهيد للاستعمار السياسي والعسكري , والتمكين له , كانت لهم أهداف أخرى لها صلة بالاستثمار والاستغلال , ذلك لأن مؤسساتهم التعليمية التي تبدأ من دور الحضانة وتترقى حتى المراحل الجامعية العليا , ومؤسساتهم الصحية التي تبدأ من نشر الأطباء والممرضين والممرضات في المدن والقرى , وترتقي حتى تصل إلى إنشاء المستشفيات الكبرى , ومؤسساتهم الاجتماعية المختلفة وقد كانت مراكز استثمار تتدفق لهم منها أرباح وفيرة , تدعم ميزانياتهم التبشيرية دعما قويا , وتهيئ لهم الفرص الملائمة للاستزادة والتوسع. فبينما ترضى المؤسسات التعليمية الإسلامية بمقدار الكفاف من الأقساط الشهرية أو السنوية التي يدفعها أولياء التلاميذ , مع النسب المجانية المرهقة , تصر المؤسسات التبشيرية على تحديد الأقساط العالية جدا , التي لا يستطيع تقديمها إلا طبقة الأغنياء والمترفين , بغية تسديد هدفين محكمين. الهدف الأول: تربية أبناء الطبقة الثرية تربية مناسبة تخدم أهداف المبشرين خدمات جلى , نظرا إلى أنهم قد كانوا في أغلب الأحيان هم الذين يرشحون لاستلام مراكز الإدارة والحكم. الهدف الثاني: تحصيل الأرباح الوفيرة منهم , لأنهم هم الذين

стр. 197

يستطيعون تقديم الأجور الشهرية أو السنوية الكبيرة لتعليم أبنائهم. جـ- وأما المستشرقون فإن مطامعهم الشخصية بالأرباح والمغانم مرتبطة بنجاح الجناحين الآنفي الذكر: المستعمرين والمبشرين , لأن هذين الجناحين هما اللذان يقدمان لمعظم المستشرقين ما يحتاجون إليه من دعم مادي وأدبي كبيرين , وقد يكون الدعم المادي لهم مفتوح الحدود العليا , فهم يتصرفون كما يشاؤون , ويرضون مطالب نفوسهم على ما يشتهون. بينما يتضور الباحثون من المسلمين قلة وفاقة , فلا يجدون من يسد حاجاتهم وحاجات أسرهم. (٣) الالتقاء على محاربة الإسلام وتطبيقاته ويلتقي الغزاة المستعمرون والمبشرون ومعظم المستشرقين على محاربة الإسلام ومقاومة دعوته وهدم أبنيته. وسبب التقائهم على محاربته واضح لا يحتاج إلى تأمل كثير , فالإسلام بعقائده الحقة , وتعاليمه المشرقة , ودعوته الإنسانية العامة , وحيويته الكبرى , وفاعليته في نفوس المستمسكين به , هو الجدار الوحيد الذي يقف دون تحقيق المطامع المختلفة التي يهدف إليها كل جناح من الأجنحة الثلاثة , كما هو القوة المحركة في صد الحروب الصليبية التي قادها أجدادهم لغزو البلاد العربية الإسلامية طوال قرنين من الزمان , حتى اضطروا أن يرضوا من الغنيمة بالإياب , فأورثهم ذلك كراهية وحقدا , يصاف إلى ذلك أن الإسلام بما يتمتع به من حق ذاتي استطاع أن يقف في وجه توسع الأديان الأخرى , التي يحرص دعاتها على نشرها , إذ احتل مركز الصف الأول في التوسع وتقبل الشعوب المختلفة له , ومنهم أفواج كثيرة من أصحاب الديانات السابقة , الذين رأوا فيه الصورة الصحيحة للدين الرباني الحق , الذي أنزله الله على أنبيائه ورسله في مختلف أدوار التاريخ.

стр. 198

وقد أخذت محاربة هذا المثلث للإسلام تتمثل بمحاولة النيل منه على قدر المستطاع من جهودهم الضخمة , وهدفهم البعيد الذين يكدحون من أجله هو الوصول إلى هدم الإسلام هدما كليا , ونسخه من الوجود , ولذلك نجد المبشر "جسب" يود لو يمحي الإسلام من العالم. ولكنهم بعد الدراسة والتجربة رأوا أن هذا مطلب متعذر المنال ما دام في العالم مئات الملايين من الشعوب المختلفة التي تدين بالإسلام , فانتقلوا إلى محاولات تحقيق أهداف دون ذلك , وتتلخص هذه الأهداف بما يلي: الهدف الأول: الفصل الكلي بين الإسلام وبين معظم المسلمين فصلا فكريا وتطبيقيا , أو فصلا تطبيقا فقط , تمهيدا للفصل الفكري , لأنه متى طال العهد بين فكرة ما وبين تطبيقها غدا انتزاعها من أساسها أيسر وأقرب منالا , لأن شجرتها المغروسة في النفس تمسي حينئذ ضعيفة الجذور واهية واهنة , بسبب انعدام ثمارها وأزهارها وأوراقها , وما مثل التطبيق للأفكار إلا كمثل أوراق الأشجار وأزهارها وثمارها , وحينما تحبس الشجرة في جو خانق فاسد , أو تطلى بطلاءات تمنع تفتح أفنانها وأكمامها تذبل أغصانها , ثم تموت , وتموت معها جذورها , وتمسي حطبا ينادي على نفسه بالكسر والتحريق. الهدف الثاني: الفصل الجزئي بين الإسلام وبين المسلمين , فصلا فكريا وتطبيقيا , أو فصلا تطبيقيا فقط , والفصل التطبيقي على طول الخط مرحلة تمهيدية للفصل الفكري. ويختار أعداء الإسلام لدى محاولات هذا الفصل الجزئي أن يحصروا الإسلام في أمور العبادات , ثم يضيقوا عليه الخناق , حتى لا يخرج من المسجد إلى أي مجال من مجالات الحياة , ويحاولون أن يجعلوا السيادة في هذه المجالات المختلفة لأنظمة غير إسلامية , وقوانين غير إسلامية , ومفاهيم غير إسلامية , وتطبيقات بعيدة عن الإسلام بعد الباطل عن الحق , وبعد الظلمة عن النور. وتنفيذ هذا الهدف يأتي سابقا لتنفيذ الهدف الأول , عملا بسياسة التدرج. الهدف الثالث: ويأتي تنفيذه مرافقا لتنفيذ الهدفين السابقين , وهو تشويه

стр. 199

صورة الإسلام في نفوس المسلمين , وذلك بعدة خطط من خطط الهجوم الظالمة الآثمة منها الخطط التالية: ١- إثارة الشبهات حول أحكام الإسلام وتشريعاته وأنظمته المختلفة. ٢- إثارة الشبهات حول القرآن الكريم والسنة المطهرة. ٣- دس الأفكار الفاسدة , وإغراء بعض ضعفاء النفوس أو ضعفاء العقول من المسلمين باعتناقها على أنها من تعاليم الإسلام ومفاهيمه , ثم محاربة الإسلام بها. ٤- اختلاق الأكاذيب والافتراءات على الإسلام وتاريخ المسلمين , وتشويه غايات الفتح الإسلامي. ٥- مقابلة بعض أحكام الإسلام وأركانه وتشريعاته بالاستهزاء والسخرية والازدراء , ووصف المستمسكين بها بالرجعية والتأخر والتعصب والجمود , ونحو ذلك من العبارات التي تضعف حماسة المتدينين للتمسك بدينهم , وتفت في أعضادهم , في ركب المتحللين من الدين. ٦- احتقار علماء الدين الإسلامي وازدراؤهم , وإلجاؤهم إلى أضيق مسالك اكتساب الرزق , لتنفير المسلمين منهم ومن طريقتهم , ثم تقديم جهلة منحرفين إلى مراكز الصدارة , ليعطوا صورة مشوهة سيئة عن التطبيق الإسلامي , توسلا إلى تشويه الإسلام نفسه عن طريقهم. ٧- متابعة تركيز الهجوم ضد الإسلام , وتكريره بإلحاح , أملا بحدوث الغفلة من الدعاة المسلمين الذين ينشرون المفاهيم الإسلامية ويحذرون من دسائس أعداء الإسلام , وأنت خبير بما للتكرار الملح من تأثير في نفوس الناس , ولو كان مضمونه كذبا وباطلا , وهذا ما تلجأ إليه وسائل الإعلام الحديثة المضللة للجماهير.

стр. 200

(٤) محاولات الفصل الكلي بين الإسلام والمسلمين وضح لدينا أن الغزاة يحاولن إحداث الفصل الكلي بين الإسلام والمسلمين , وتتخذ محاولات هذا الفصل طابع الفصل الفكري الذي يلازمه الفصل التطبيقي حتماً , فإن لم يتحقق لهم ذلك اكتفوا بمحاولات الفصل التطبيقي , الذي ينجم عنه بعد طول العهد ضعف الارتباط الفكري , ثم ذبوله , حتى لا يبقى منه إلا عصبية النسبة , ثم انقطاعه , وعندئذ يتم الانفصال الذاتي , أو الفصل بأقل جهد. والخطط التي تهدف إلى إحداث هذا الفصل تعتمد على توجيه مختلف الأسلحة الفكرية والمادية لأسس العقيدة الإسلامية , ولأركان الإسلام بشكل مباشر , فيوجه الغزاة وسائل حربهم إلى أسس الإسلام الاعتقادية والعملية الكبرى , ويتناولون في هجومهم المضلل عن الحق العناصر التالية: ١- عقيدة الإيمان بالله وبصفاته , إذا يحاربونها بدعوات الإلحاد بالله , وبالنظرات الوجودية , والفلسفات المادية , ودسائس التشكيك , أو بدعوات الصرف عن الإيمان بالله وحده , إلى التلفيقات الوثنية , والعقائد المصنوعة المختلفة , وهذا ما لا يستخدمه المبشرون إلا نادراً , لئلا يقعوا في تناقض مع أصل مهمتهم , وهي مهمة التبشير بالعقيدة النصرانية. ٢- عقيدة الإيمان بالكائنات الغيبية عن حواسنا , كالملائكة والجن , وذلك بالبحوث التي تشكك بوجود أشياء غيبية , وتحاول إنكارها وجحودها مستندة إلى إيهامات مادية بحت بعيدة عن مستوى الفكر الراقي. ٣- عقيدة الإيمان بالرسل عليهم الصلاة والسلام. أما الملحدون الذين يعلنون إنكار الرسالات الربانية كلها أو المتظاهرون بالإلحاد فإنهم يواجهون كل العقائد بالإنكار والجحود , ويحجرون على عقولهم , كي تظل حبيسة في الماديات المدركة بالحواس الظاهرة , ولا تلجئهم عقائد أخرى إلى التحايل للتفريق بين عقيدة

стр. 201

وأخرى , وبين رسول من عند الله ورسول آخر من عنده. وأما الذين يعلنون أنهم يتبعون أو يعبدون أحل الرسل السابقين , فيركزون هجومهم على التكذيب برسالة محمد صلوات الله عليه , لينقضوا بذلك الإسلام من جذوره , وقد يدفعون من وراء الستار من يتبنى الإلحاد ليصرف المسلمين عن عقائدهم ويجعلهم ملحدين , شعوراً منهم بأن الملحدين أهون عليهم من أصحاب دينٍ حقٍ منافسٍ لهم , مقبولٍ لدى العقول والنفوس. ٤- عقيدة الإيمان بالكتب الربانية السماوية , ويحاول مدعو حملة رسالة أخرى غير الإسلام أن يوجهوا أسلحتهم الظالمة الآثمة ضد القرآن , أعظم كتاب سماوي عرفته الإنسانية , وذلك بالتشكيك فيه , وبادعاء أنه من صنع محمد , أو أنه مقتبس من الكتب السابقة , أو أن فيه أشياء لا يعقل أن تصدر عن الله , أو نحو ذلك من دسائس مختلفة , وهم يعلمون أن كل ادعاءاتهم أكاذيب يفترونها ويلفقونا , ليخدعوا بها الجهلة من أبناء المسلمين. وقد تصدى لدفع شبهاتهم وفضح أكاذيبهم وافتراءاتهم عدد كثير من الباحثين المسلمين. ٥- عقيدة الإيمان باليوم الآخر وما أعد الله فيه من جزاء بالثواب أو بالعقاب. أما الملحدون أو المتظاهرون بالإلحاد فيبثون بين أبناء المسلمين النظريات المادية البحت , ويقطعون الصلة بين الإنسان وبين فكرة العدل والجزاء , التي قامت عليها حكمة الابتلاء , والتي يكمن فيها سر خلق الله الإنسان , وهو ما أعلنه سبحانه في سورة (الملك/٦٧مصحف/٧٧نزول) : ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ . وأما مدعو اتباع رسالة ربانية أخرى فيوجهون هجومهم إلى صورة

стр. 202

العقيدة الإسلامية بالدار الآخرة , وما فيها من جنة ونار ونعيم وعذاب ماديين , مع أن أصول الشرائع الربانية الصحيحة كلها متفقة على هذه الحقيقة التي جاءت في الإسلام , وأوضح تفصيلاتها القرآن العظيم , وأما التحريفات الدخيلة على الأديان الأخرى فهي أوضاع إنسانية لا يحتج بها على الأخبار الربانية , وهي مرفوضة أصلاً وفرعاً. ٦-عقيدة الإيمان بالقضاء والقدر , وترتبط خطة هجوم أعداء الإسلام على هذه العقيدة بهجومهم على الإيمان بالله وبصفاته , لأن القضاء والقدر مظهران من مظاهر صفات الخالق جلا وعلا. ويحاول الأعداء الغزاة أن يشوهوا صورة العقيدة الإسلامية المتعلقة بهذا الركن من أركان الإيمان , إذ يجعلونها على الصورة الجبرية التي يزعمها الجبريون , ويغالطون المسلمين في ذلك , ويخفون عنهم لدى توجيه دسائسهم الصورة النقية الرائعة , التي يعتقدها معظم المسلمين , والتي تدل عليها نصوص الإسلام المختلفة , وهي الصورة المثالية التي توضح أن الإنسان مسؤول عن جميع أعماله وتصرفاته الإرادية , وأنه كاسب لها بإرادته الحرة , وتوضح أن الله تعالى بيده الخلق والأمر وهو على كل شيء قدير. ٧- أركان الإسلام الكبرى , كالصلاة , والزكاة , والصيام , والحج , ولواحقها , كالجهاد في سبيل الله , ونظام الحكم في الإسلام , ونظام كسب المال وإنفاقه , وأحكام الأحوال الشخصية التي يعتمد عليها بناء الأسرة , إلى غير ذلك من تعاليم الإسلام وأحكامه في الحلال والحرام. وهكذا يحاول الأعداء الغزاة أن يركزوا هجومهم على أصول الإسلام وأركانه وفروعه , لفصل المسلمين عنه فصلاً كلياً , ولما كانت العقائد والتعاليم والأحكام الإسلامية من الصلابة والمتانة ومطابقة الحق وثباتها في نفوس المؤمنين بمنزلة لا تعادلها أية نظريات أخرى , استطاعت أن تصمد لكل محاولات الهدم الظالمة الآثمة , التي يوجهها الأعداء الغزاة ضدها.

стр. 203

(٥) محاولات الفصل الجزئي بين الإسلام والمسلمين عن أبي أمامة عن النبي قال: ((لتنقضن عرا الإسلام عروةً عروة , فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها , فأولهن نقضاً الحكم , وآخرهن الصلاة)) . حينما لا يتمكن الأعداء الغزاة من إحداث الفصل الكلي بين الإسلام والمسلمين ويتعذر عليهم تحقيق هذا المطلب , يكتفون بمحاولات إحداث الفصل الجزئي. وتتخذ محاولات إحداث هذا الفصل طابع الفصل الفكري , الذي يلازمه باستمرار الفصل التطبيقي , نظراً إلى أن التطبيق ثمرة العقائد والمفاهيم الفكرية , فإن لم يتحقق لهم ذلك اكتفوا بمحاولات الفصل التطبيقي الذي ينجم عنه بعد طول العهد ضعف الارتباط الفكري , ثم ذبوله , حتى لا يبقى منه إلا الذكرى , ثم انقطاعه انقطاعاً تاماً , وعندئذ يتم الانفصال الفكري انفصالاً ذاتياً , أو يتم الفصل بأدنى جهد. والخطط التي تهدف إلى إحداث هذا الفصل الجزئي تعتمد على توجيه مختلف الأسلحة الفكرية والمادية إلى بعض أركان الإسلام العملية , وأحكامه الاجتماعية والاقتصادية والسياسية , التي يهم الأعداء الغزاة إلغاؤها , لأنها تمثل عقبات كبرى في طريق تحقيق أغراضهم العدوانية , الرامية إلى الاستيلاء والاستعباد واستنزاف الخيرات والطاقات الأرضية والبشرية داخل البلاد الإسلامية , والرامية إلى دفع المسلمين للمسير في الركب المعادي للإسلام والمناهض له. وهم في هذه الخطط يحاولون أن يأتوا الإسلام فينقصوه من أطرافه , وينهشوا منه على قدر استطاعتهم , مزينين للمسلمين ذلك , متخذين في تزيينهم كل صور الخداع , فمنها ما يكون بقالب نفسي , ومنها ما يكون بقالب علمي ,

стр. 204

ومنها ما يكون على وجه النصيحة والرغبة بمساعدة المسلمين على التقدم والرقي , إلى غير ذلك من صور. وكل دارس لتاريخ المسلمين المعاصر يلاحظ أن أعداء الإسلام الغزاة قد عملوا على الفصل بين المسلمين وبين العناصر التالية من إسلامهم: العنصر الأول: الجهاد في سبيل الله , لأن هذا الركن التشريعي في الإسلام يمثل القوة الهائلة لصيانة المسلمين من أعدائهم , واستغلالهم لهم , واحتلالهم أرضهم , ويمثل القوة الهائلة أيضاً لإزاحة العقبات من طرق انتشار الإسلام بين مختلف الأمم والشعوب في طول الأرض وعرضها , وللمحافظة عليه من التخلخل والضعف داخل الأمم والشعوب الإسلامية. العنصر الثاني: نظام الحكم في الإسلام , ويلح الأعداء الغزاة على اتخاذ الوسائل المختلفة الكثيرة للفصل بين هذا النظام وبين المسلمين , لأنه يمثل الدرع الواقي , الذي يمنع تسرب أعداء الإسلام أو أجرائهم إلى سدة حكم المسلمين. العنصر الثالث: نظام المال في الإسلام , ويلح الأعداء الغزاة أيضاً على اتخاذ الخطوات الجبارة لإحداث الفصل بين هذا النظام وبين المسلمين , لأنه متى طبق على صورته الصحيحة وعلى الوجه الأتم , ورافقت تطبيقه خشية الله ومراقبته الدائمة أعطى الثمرات التاليات: ١- تخفيف الفوارق الفاحشة في التملك المالي , الأمر الذي يؤدي إلى توزيع ثروات البلاد توزيعاً يحقق الكفاية للجميع , ويحقق الرفاه للنسبة العظمى من جماهير الأمة , وهذه الثمرة تسيء إلى مطامع أعداء الإسلام , أما الشرقيون منهم فيجدونها درعاً يقي المسلمين من تسرب مذاهبهم الاقتصادية الملحدة إلى صفوفهم , وهي المذاهب التي تمثل طلائع الجيش الشرقي الطامع بغزو البلاد الإسلامية , وأما الغربيون فيجدونها أيضاً درعاً بقي المسلمين من تكالب مطامع كل الطامعين باستغلال خيراتهم وابتزاز أموالهم , وهم يريدون شعوباً تفتح كل خزائنها لهم حتى يرضوا مطامعهم بسلبها.

стр. 205

٢- الازدهار الاقتصادي الذي يعتمد على حشد مختلف طاقات الأمة في العمل والإنتاج والاستثمار , وهذه الثمرة لا ترضي أيضاً مطامع أعداء الإسلام , الذين يريدون استغلال هذه الطاقات لأنفسهم , كما لا ترضيهم من وجه آخر , وهو أن الازدهار الاقتصادي أحد سبل القوة التي تتمتع بها الشعوب , والأعداء الغزاة يحرصون على أن تظل الشعوب الإسلامية بعيدة عن كل سبيلٍ من سبل القوة. ٣- إبراز المجتمع الإسلامي بواقع اقتصادي محبب جذاب , يقدم للناس أفضل صورة تطبيقية حيةٍ لنظامٍ تامٍ , يحقق للناس الكفاية والرفاهية والتعاون , الأمر الذي يفتح للإسلام ولأنظمته الربانية طرق التوسع والانتشار , وضرورة انجذاب الشعوب وتقبلها لكل صالح ونافع فيه الخير والسعادة , وذلك متى شهدت له صورة تطبيقية حية , تدعمها قوة مادية , وهذه الثمرة تسوء أيضاً أعداء الإسلام الذين يعملون جهدهم لإلغائه ومحوه من الوجود وتنفير الناس عنه. العنصر الرابع: التعليم الديني الصحيح لأبناء المسلمين وبناتهم , ويتخذ الأعداء الغزاة الخطوات الجبارة لإحداث الفصل بين الشعوب المسلمة وبين تعلم العلوم الإسلامية المختلفة تعلماً صحيحاً مقروناً باطلاع واسع على الثقافات المعاصرة , لأن دراسة هذه العلوم على الطريقة المثلى تشكل في نفوس المسلمين منطقاً ثقافياً واعياً , لديه ما يكفي من قوة المحاكمة للأمور , وقوة الحجة , وقوة الجدل والدفاع , وقوة تجلية الحق وإبرازه بالتعبير المؤثر الجذاب , كما أنها تمثل قوة الحماية لعقول المسلمين وقلوبهم من أن تتسرب إليها الدسائس الفكرية , التي يحاول الأعداء الغزاة إقناعهم بها , وتمثل أيضاً قوة التوعية الدائمة والتحذير من مكايد أعداء الإسلام والمسلمين على اختلاف اتجاهاتهم وأغراضهم. وكل واحد من هذه الأمور يغيظ أعداء الإسلام الذين يعملون ويكدحون لهدمه , ويعملون ويكدحون لابتزاز خيرات المسلمين وتسخير طاقاتهم واستعبادها.

стр. 206

العنصر الخامس: أحكام المعاملات المختلفة , التي اشتمل عليها نظام الإسلام وهي الأحكام التي يجب أن يتقيد بها الحكم والقضاء. ويتخذ الأعداء الغزاة الخطوات الجبارة لإحداث الفصل بين الشعوب المسلمة وبين تطبيق الأحكام الإسلامية في حكمها وقضائها , ولإحلال القوانين المدنية محلها , لأن الأحكام الإسلامية تمنع تصرف أعداء الإسلام في بلاد المسلمين بحسب أهوائهم , نظراً إلى الحصانة الكبرى التي يتمتع بها القضاء الإسلامي والأحكام الشرعية , ونظراً إلى ثبات أسس الأحكام الشرعية , وعدم قابليتها لأن تتبدل بتبدل أهواء الحكام ومصالحهم إذ هي تستند إلى مصادر التشريع الإسلامي الثابتة كما يحقق تطبيقها العدل والاستقرار , بما فيها من اتباعٍ للحق , واعتصام بالحزم , وأخذ بجوانب الرحمة التي لا تشجع المفسدين , ولا تظلم أحداً , ولا تهضم حقاً. والثمرات العظيمة التي تقدمها الأحكام الإسلامية التي يتقيد بها القضاء الإسلامي السليم النزيه , تسيء إلى أعداء الإسلام إساءات بالغات , إذ تحرمهم من سلطة التلاعب بالقوانين حسب أهوائهم ومصالحهم , كما تبقي للإسلام نوعاً من السلطة التنفيذية , إذ يظل المسلمون عن طريقها مرتبطين بإسلامهم , يضاف إلى ذلك ما يمنحه تطبيق أحكام الإسلام من طمأنينة واستقرار وتخفيف من المشكلات الاجتماعية , نظراً إلى شعور المسلمين بأن الأحكام الربانية هي التي تطبق عليهم , وهذا الشعور يفرغ على قلوبهم رضى بها , وسر ذلك أن الأحكام الإسلامية الموضوعة قيد التطبيق في الحكم تجمع في وقت واحد السلطة المادية والسلطة الروحية. العنصر السادس: أحكام الأحوال الشخصية , الشاملة لأنظمة بناء الأسرة وحقوقها وواجباتها. ويتخذ الأعداء الغزاة الخطوات الجبارة لإحداث الفصل بين المسلمين وبين تطبيق الأحكام الإسلامية المتعلقة بالأحوال الشخصية , التي تتناول أحكام عقد الزواج وحله , وتتناول ضوابط العفة , وأصول الأسرة , وأسس روابطها , وواجبات أعضائها وحقوقهم , وتتناول أحكام تكافلهم , وحدود النفقة

стр. 207

الواجبة , ومن يتحمل مسؤوليتها , ومن يستفيد منها , ويلحق بذلك أحكام المواريث. ويحاول الأعداء الغزاة أن يحلوا محل أحكام الإسلام المتعلقة بالأحوال الشخصية فوضويات مختلفة , وقوانين فاسدة أو ناقصة من أوضاع الناس , بغية خلخلة بناء الأسرة الإسلامية , وإحداث الفصل الجزئي بين المسلمين والإسلام , تمهيداً لإحداث الفصل الكلي بينهم وبينه. إنه متى فقدت الأسرة المسلمة نظامها المحكم القائم على التعاليم الإسلامية انحلت روابطها , وانتزعت منها روح التعاطف والمودة والثقة المتبادلة , ونمت الأنانية الفردية , وشعر كل فرد بأن مسؤولياته نحو أفراد أسرته أعباء لا موجب لها , وتمسي علاقات الأسرة إذا وجدت علاقات مادية صرفة قائمة على أسس تبادل المصالح والمنافع , كالأسس التي تقوم عليها التجارة , والمعاملات الاقتصادية الأخرى , وهذا ما وصلت إليه الأسرة الأوربية التي أخذت في طريق الانحدار , مستهينة بتقاليدها وأنظمتها الموروثة , المستقاة أصولها من بقايا التعاليم الدينية القديمة. وحينما يفقد عقد الزواج قدسيته وأحكامه الربانية , وتقوم الارتباطات الأسرية على اتفاقات فوضوية , تتحكم بكل من الرجل والمرأة أهواؤهما ونزواتهما العارضة التي ينحل بها الارتباط , ليقوم مقامه صفقة ارتباط آخر , ثم تنشأ مشكلة المسؤولية نحو الأولاد إذا وجدوا , وعندها تتوارد مشكلات اجتماعية كثيرة , تستدعي إنشاء دور اللقطاء , وملاجئ المشردين الذين لا أسر لهم , ويكثر أطباء الإجهاض الذين يقتلون الأجنة , ويتفشى في الفتيات تعاطي حبوب منع الحمل , وتتفشى في الناس الأمراض الخطيرة , التي تمثل العقاب الإلهي للفوضى الجنسية. وحينما تفقد أعضاء الأسرة ضوابط العفة التي أمرت بها الشرائع الربانية كلها , تمسي العلاقات قائمة على أساس فقد الثقة , ومع فقد الثقة يذبل الشعور بالمسؤولية نحو الأولاد , والشعور بالعطف والمودة نحوهم ونحو التي أنجبتهم , ومع هذه الخاطرات النفسية القلقة تنمو الأنانية الذاتية وتفقد الأسرة

стр. 208

جزءاً كبيراً من أركانها المعنوية , وهذا ما يريده أعداء الإسلام للمجتمعات الإسلامية. وحينما تفقد الأسرة أصول تكوينها وأسس روابطها تتدفق سيول المشكلات الحقوقية , التي تدفع معها كتلاً صلبة كثيرة من الجرائم الإنسانية المؤلمة , وهذا ما يريده أيضاً أعداء المسلمين للمجتمعات الإسلامية. وحينما تمسي واجبات أعضاء الأسرة واجبات غير ربانية , وتكون عرضة للتحولات والتبدلات بحسب آراء المقننين ينحل من نفوس الأفراد عنصر كبير من العناصر المحرضة على الالتزام , الدافعة له بقوة , ألا وهو عنصر مراقبة الله وخشيته , وعندئذ تنشأ آلام اجتماعية كثيرة , ويتهرب الناس من تأدية الحقوق متى وجدوا إلى ذلك سبيلاً يحميهم من عقاب السلطة الحاكمة. ونظام الميراث يمثل رابطاً قوياً من الروابط المادية للأسرة , إضافة إلى الروابط المعنوية الأخرى , وبانقطاع هذا الرابط تفقد عوامل بناء الثروة العامة شطراً كبيراً من عناصرها النفسية , لأن معظم الناس يضاعفون كدحهم في الحياة رغبة في إسعاد وإغناء أولادهم وذرياتهم من بعدهم , فإذا انقطعت آمالهم من ذلك تضاءلت القوى المحرضة لهم على العمل والإنتاج , وأمست قاصرة على تحقيق المطامع التي تتعلق بأشخاصهم فقط. ويتخذ أعداء الإسلام لهدم الأنظمة الإسلامية المتعلقة بالأحوال الشخصية عدة وسائل , منها الوسائل التالية: ١- التلاعب بالنظريات الحقوقية , وبث نظريات مختلفة مزخرفة , يلبسونها أثواب التحرر. ٢- نشر المذاهب الفكرية الإلحادية القائمة على أساس إلغاء نظام الأسرة وضوابط العفة , وبث المجتمعات الإنسانية بثاً بهمياً. ٣- الغزو بأنواع السلوك المقرون بالفوضى الجنسية , وهذا الغزو قد جاءت أمواجه إلى أبناء المسلمين وبناتهم متدفقةً من الغرب ومن الشرق.

стр. 209

٤- وكان من الوسائل خطط تهدف إلى إفساد الوضع التطبيقي للقضاء الإسلامي والقضاة المسلمين , أو إيجاد العقبات دون إصلاح وضعه الفاسد , والغرض من ذلك أن يحمل هذا الوضع الفاسد مبررات إلغائه , وبعد إلغائه يتم إلغاء أصوله وأحكامه , وإحلال القوانين المدنية محله , وهذا ما جرى فعلاً في بعض البلاد الإسلامية. العنصر السابع: الأخلاق الإسلامية , وسائر أنواع السلوك الإسلامي الفردي والجماعي , فعملوا على نشر الفساد الخلقي والسلوكي بين المسلمين. واهتموا اهتماماً بالغاً بإفساد المرأة عن طريق نظريات تحريرها , وإغرائها بالانطلاق من قيود العفة , ورقابة الأسرة , ونقد المجتمع , وخدعوها بشعارات الحرية والمساواة , وحرضوها هم وأجراؤهم على السفور والاختلاط , حتى انجرفت إلى مزالق كثيرة. العنصر الثامن: العبادات الإسلامية الفردية والجماعية , وسائر شرائع الإسلام وأحكامه , ومفاهيمه المتعلقة بشتى شؤون النفس والحياة والفكر والعمل. العصر التاسع: لب دائرة الإسلام الذي ترتكز فيه أركان العقيدة الإيمانية , وهو الهدف الأخير. ويحاول الأعداء الوصول إلى هدم هذا العنصر الذي هو أساس الدين , بعد عمليات الفصل الجزئي للعناصر السابقة , ومتى تم هدم هذا العنصر فقد تم هدم الإسلام كله , بحل آخر عروة من عرا الإسلام.

стр. 210

الفصل السادس وسائل الغزاة وحيلهم ١- مقدمة عامة ٢- وسائل الغزو غير المسلح. ٣- شرح الوسائل.

стр. 211

(١) مقدمة عامة استخدم الأعداء الغزاة عدة وسائل لتحقيق أهدافهم , وتنقسم هذه الوسائل إلى قسمين رئيسين: القسم الأول: وسائل الغزو المسلح الذي يشترك فيه المستعمرون وسائر الطامعين بالتسلط سياسيين كانوا أو عسكريين , تؤازرهم في ذلك سائر القوى المادية والمعنوية التي تتجند معهم في حملات الغزو. القسم الثاني: وسائل الغزو غير المسلح , ويشترك فيه المبشرون والمستشرقون وبعض السياسيين والاستعماريين , ويؤازرهم في ذلك الشركات والمؤسسات ذات الاختصاصات المتنوعة , تجارية كانت أو صناعية , أو إنشائية عمرانية , أو هندسية , أو غير ذلك , وتؤازرهم أيضاً البعوث العلمية , والمؤسسات التعليمية على اختلاف درجاتها , وتفاوت مستوياتها , وكذلك الخبراء الفنيون والإداريون في شتى نواحي الحياة , حينما تدعوهم الضرورة إلى ذلك وتتسنى لهم المؤازرة والتأييد. أما وسائل الغزو المسلح فقد تختفي مقدماتها تحت أستار الخداع السياسي أو الاقتصادي , أو التعليمي , أو العسكري , وحينما يجد الغزاة الطامعون أن الفرص السياسية والعسكرية قد أصبحت مواتية لهم يفتعلون الأحداث لإثارة طيش الجهة التي يهدفون إلى غزوها , أو يفتعلون الفتن الداخلية الطائفية أو الطبقية أو القومية , أو يرشون من يطلب منهم التدخل , ليتخذوا من إحداها

стр. 212

مبرراً لتدخلهم السافر , بحجة التأديب والانتقام , أو حجة حماية الأقليات , أو بحجة العمل على فرض الأمن والاستقرار , أو حجة تلبية طلب بعض أهل البلاد لنجدتهم , أو حجة التمدين والمساعدة على التقدم , أو حجة تماثل بحجة الذئب ضد الخروف في الحمام , إذ قال الذئب للخروف بعد أن نظر إليه بشراسة ولؤم ونهم إلى افتراسه: لماذا تثير الغبار علي أيها الخروف الوقح؟ . فقال له الخروف: وهل في الحمام يا صاحب السلطان والصولجان غبار؟ ألا ترى أنه لا يوجد في الحمام إلا بلاط وماء , ولكن قل لي: أريد أن آكلك , وكفى , ولا تفتعل المبررات المرفوضة شكلاً وموضوعاً , فغريزة العدوان وحب السطو في نفسك كافية لأن تبرر لك كل جريمة , ولكن الذئب اعتبر كشف هذه الحقيقة إهانة بالغة له فسطا على الخروف فأكله وأخرس لسانه. ثم التفت فرأى في ناحية نائية من الحمام خروفاً آخر , فقال له: وأنت؟! . فقال له الخروف: أما أنا فلم أثر غباراً ولم أوجه اعتراضاً. فقال له الذئب: ولكنك من صنف من اعترض علي وناقشني , ثم سطا عليه وافترسه. وهكذا يتم بسط نفوذ الطامعين , حينما تتوافر لديهم القوى المادية الكافية , أو حينما تنجح حيلهم التي تظفرهم بمطامعهم , دون أن يكلفهم الظفر بها نفقات كثيرة ودماء غزيرة , وقتالاً مضنياً. أخرى , استطاعت أن تصمد لكل محاولات الهدم الظالمة الآثمة , التي يوجهها الأعداء الغزاة ضدها. (٢) وسائل الغزو غير المسلح وأما سوائل الغزو غير المسلح فكثيرة جداً يخططها الدهاء والمكر الشديد , وينفذها الجد والصبر وطول الأمل , ومن هذه الوسائل ما يلي: ١- الوجوه المستعارة التي تظهر معاني إنسانية جميلة يستأنس بها الناس , وتخفي من ورائها رؤوس ونفوس الوحوش الضاريات. ٢- الخداع السياسي , وتتولاه الأجهزة السياسية للدول ذات المطامع بالسيطرة , ولهذا الخداع أشكال مختلفة كثيرة , تعتمد على الكذب والنفاق والحيلة والاستدراج والدفع إلى المزالق.

стр. 213

٣- الضغط السياسي , ويكون باستخدام وسائل الضغط الدولية والمحلية. ٤- الحصار الاقتصادي , وله أشكال مختلفة كثيرة , والغرض منه الإلجاء إلى الخضوع والخنوع والموافقة على الشروط التي تمليها السلطات الطامعة. ٥- الحصار العلمي والثقافي , وله أشكال كثيرة , والغرض منه الإبقاء في دائرة التخلف , والإلجاء للموافقة على قبول المذاهب الفكرية أو الاجتماعية أو الدينية التي تمليها السلطات الطامعة , أو الرضى بتنفيذ خططهم السياسية والعسكرية. ٦- التمييز الطائفي , وهو نوع من الإلجاء إلى الانتساب إلى الطائفة المميزة لتحصيل الفوائد المالية أو العلمية أو الاجتماعية أو المغانم السياسية أو العسكرية التي تميز بها من غيرها من الطوائف. ٧- التمييز العنصري , وهو مظهر من مظاهر العصبيات الجاهلية التي تدعو إلى سيطرة بعض العناصر البشرية على بعض , وإن اتفقت في أديانها ومذاهبها الفكرية والاجتماعية , وأوطانها ولغاتها. ٨- التضليل الفكري , وذلك لتحويل مناهج سلوك الشعوب التي يوجه لها هذا التضليل. ٩- العبث النفسي , وذلك بالتلاعب بالانفعالات الآنية والعواطف الثابتة لاستثمار ذلك في تحقيق الأهداف التي يرمي إليها الطامعون بالتسلط. ١٠- حيل السلب المالي , وذلك لتحقيق ما يمكن استلابه من المطامع المالية عن طريق الحيلة ١١- الإفساد الاجتماعي ببث عوامل الخلاف والضعف في صفوف الأمة , وذلك لإضعاف قوتها الجماعية , ولدفعها إلى سحيق التخلف حتى تفقد ثقتها بنفسها وترضى مواقف الاستعباد ١٢- الإفساد الخلقي , لما لهذا من نتائج وخيمة , تظهر بانهيار الشعوب التي تفسد أخلاقها , وتظهر بضعفها وتخلفها , وتمزق وحدتها , وكل روابط

стр. 214

التماسك فيها , وعندئذ يتمكن الطامعون من السيطرة عليها سيطرة تامة. ١٣- إقامة أنواع الصراع الطبقي , والطائفي , والحزبي , والمذهبي , والقومي , والعرقي , والإقليمي , وغيرها. وفيما يلي شرح إجمالي لهذه الوسائل من وسائل الغزو غير المسلح: (٣) شرح الوسائل الوسيلة الأولى: الوجوه المستعارة حينما تريد كتائب الغزو غير المسلح تحقيق أهدافها المختلفة في الشعوب المسلمة فإنها تلبس لذلك وجوهاً مستعارة متنوعة , لتخفي بها هويتها الحقيقية. وقد استطاع الدهاة العالميون أن يبتكروا للذين يريدون التنكر وإخفاء أهدافهم وجوهاً مستعارة كثيرة , ومعظم هذه الوجوه المستعارة إنساني السمات , ولكن الوجوه الحقيقية التي تختفي وراء هذه الوجوه المستعارة لا تمت إلى الإنسانية بصلة. وفي داخل الأقفاص الحديدية يشاهد زائرو الأجنحة الخطرة من حدائق الحيوانات أشباه هذه الوجوه الحقيقة , إلا أنها من الآدميين تسترها وجوه مستعارة خادعة يستأنس بها. ومن الوجوه المستعارة المؤسسات التعليمية التي يصدرها إلى البلاد الإسلامية المبشرون والمستعمرون والملحدون , ويتبعها مناهجهم التعليمية , وحشد الكتب التي تحمل ألوان الثقافة المدسوسة بما يريدون غزو الشعوب الإسلامية به , مما يهدم دينهم وكيانهم الذاتي , ويمزق شخصيتهم الواحدة إلى أشلاء متناثرة. فما لا شك فيه أن العلم وجه إنساني مشرق , ولكن العلم متى أخفى وراءه خطة من خطط الإفساد والتضليل أمسى في الحقيقة وجهاً من الوجوه

стр. 215

الوحشية المفترسة للإنسانية وفضائلها وكمالاتها , ولا بد أن ينحسر عنه ذلك الوجه المستعار مهما طال أمد المصانعة والرياء والنفاق. ومن الوجوه المستعارة أيضاً المؤسسات الصحية التي يصدرها المبشرون إلى بعض البلاد الإسلامية، يقول المبشر ((موريسون)) : ((نحن متفقون بلا ريب على أن الغاية الأساسية من أعمال التنصير بين المرضى , أن ندخلهم أعضاءً عاملين في الكنيسة المسيحية الحية , وتحرص مؤتمرات التبشير على أن تكون توجيهاتها وقراراتها مؤكدة لخطورة استخدام العلاج الطبي في التبشير)) . ومما لا ريب فيه أيضاً أن الطب وجه إنساني مشرق , ولكن الطب متى غدا وسيلة من وسائل التضليل الفكري , وإفساد العقائد الصحيحة التي تدين بها الشعوب الإسلامية , أمسى في الحقيقة وجهاً من وجوه الثعالب الشيطانية , التي تخادع الإنسانية لترمي بها في الجحيم , وتدفعها إلى الشر والإثم والباطل , ومهما طال الأمد فلا بد أن ينحسر ذلك القناع الخادع , ويظهر الوجه الحقيقي اللئيم. ومن الوجوه المستعارة المساعدات الاقتصادية والمعونات المادية التي تقدمها الدول الاستعمارية الطامعة. وخليق بالمساعدات والمعونات أن تكون وجهاً إنسانياً مشرقاً , ولكنها حينما تكون وسيلة للتسلط , أو وسيلة لفرض شروط معينة تتعلق بالكرامة , أو بالسيادة , أو بالعقائد , أو بالأخلاق , أو بكيان الأمة الإسلامية الواحدة , فإنها لا غرو أن تمسي وجهاً متوحشاً مفترساً , يقدم لفريسته الطعم , لينقض عليها متى دنت منه , ولا بد أن ينحسر القناع , ويظهر الوجه الشره الفراس مهما طال أمد المصانعة والمداراة والنفاق. ومن الوجوه المستعارة المساعدات العسكرية بالأعتدة الحربية , أو بالرجال , أو بالخبراء والفنيين.
следующие страницы →