← Общие книги

Общие книги · id 22855

أجنحة المكر الثلاثة

عبد الرحمن حبنكة الميداني

Полный текст (750 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

(١) مقدمة عامة استخدم الأعداء الغزاة عدة وسائل لتحقيق أهدافهم , وتنقسم هذه الوسائل إلى قسمين رئيسين: القسم الأول: وسائل الغزو المسلح الذي يشترك فيه المستعمرون وسائر الطامعين بالتسلط سياسيين كانوا أو عسكريين , تؤازرهم في ذلك سائر القوى المادية والمعنوية التي تتجند معهم في حملات الغزو. القسم الثاني: وسائل الغزو غير المسلح , ويشترك فيه المبشرون والمستشرقون وبعض السياسيين والاستعماريين , ويؤازرهم في ذلك الشركات والمؤسسات ذات الاختصاصات المتنوعة , تجارية كانت أو صناعية , أو إنشائية عمرانية , أو هندسية , أو غير ذلك , وتؤازرهم أيضاً البعوث العلمية , والمؤسسات التعليمية على اختلاف درجاتها , وتفاوت مستوياتها , وكذلك الخبراء الفنيون والإداريون في شتى نواحي الحياة , حينما تدعوهم الضرورة إلى ذلك وتتسنى لهم المؤازرة والتأييد. أما وسائل الغزو المسلح فقد تختفي مقدماتها تحت أستار الخداع السياسي أو الاقتصادي , أو التعليمي , أو العسكري , وحينما يجد الغزاة الطامعون أن الفرص السياسية والعسكرية قد أصبحت مواتية لهم يفتعلون الأحداث لإثارة طيش الجهة التي يهدفون إلى غزوها , أو يفتعلون الفتن الداخلية الطائفية أو الطبقية أو القومية , أو يرشون من يطلب منهم التدخل , ليتخذوا من إحداها

стр. 212

مبرراً لتدخلهم السافر , بحجة التأديب والانتقام , أو حجة حماية الأقليات , أو بحجة العمل على فرض الأمن والاستقرار , أو حجة تلبية طلب بعض أهل البلاد لنجدتهم , أو حجة التمدين والمساعدة على التقدم , أو حجة تماثل بحجة الذئب ضد الخروف في الحمام , إذ قال الذئب للخروف بعد أن نظر إليه بشراسة ولؤم ونهم إلى افتراسه: لماذا تثير الغبار علي أيها الخروف الوقح؟ . فقال له الخروف: وهل في الحمام يا صاحب السلطان والصولجان غبار؟ ألا ترى أنه لا يوجد في الحمام إلا بلاط وماء , ولكن قل لي: أريد أن آكلك , وكفى , ولا تفتعل المبررات المرفوضة شكلاً وموضوعاً , فغريزة العدوان وحب السطو في نفسك كافية لأن تبرر لك كل جريمة , ولكن الذئب اعتبر كشف هذه الحقيقة إهانة بالغة له فسطا على الخروف فأكله وأخرس لسانه. ثم التفت فرأى في ناحية نائية من الحمام خروفاً آخر , فقال له: وأنت؟! . فقال له الخروف: أما أنا فلم أثر غباراً ولم أوجه اعتراضاً. فقال له الذئب: ولكنك من صنف من اعترض علي وناقشني , ثم سطا عليه وافترسه. وهكذا يتم بسط نفوذ الطامعين , حينما تتوافر لديهم القوى المادية الكافية , أو حينما تنجح حيلهم التي تظفرهم بمطامعهم , دون أن يكلفهم الظفر بها نفقات كثيرة ودماء غزيرة , وقتالاً مضنياً. أخرى , استطاعت أن تصمد لكل محاولات الهدم الظالمة الآثمة , التي يوجهها الأعداء الغزاة ضدها. (٢) وسائل الغزو غير المسلح وأما سوائل الغزو غير المسلح فكثيرة جداً يخططها الدهاء والمكر الشديد , وينفذها الجد والصبر وطول الأمل , ومن هذه الوسائل ما يلي: ١- الوجوه المستعارة التي تظهر معاني إنسانية جميلة يستأنس بها الناس , وتخفي من ورائها رؤوس ونفوس الوحوش الضاريات. ٢- الخداع السياسي , وتتولاه الأجهزة السياسية للدول ذات المطامع بالسيطرة , ولهذا الخداع أشكال مختلفة كثيرة , تعتمد على الكذب والنفاق والحيلة والاستدراج والدفع إلى المزالق.

стр. 213

٣- الضغط السياسي , ويكون باستخدام وسائل الضغط الدولية والمحلية. ٤- الحصار الاقتصادي , وله أشكال مختلفة كثيرة , والغرض منه الإلجاء إلى الخضوع والخنوع والموافقة على الشروط التي تمليها السلطات الطامعة. ٥- الحصار العلمي والثقافي , وله أشكال كثيرة , والغرض منه الإبقاء في دائرة التخلف , والإلجاء للموافقة على قبول المذاهب الفكرية أو الاجتماعية أو الدينية التي تمليها السلطات الطامعة , أو الرضى بتنفيذ خططهم السياسية والعسكرية. ٦- التمييز الطائفي , وهو نوع من الإلجاء إلى الانتساب إلى الطائفة المميزة لتحصيل الفوائد المالية أو العلمية أو الاجتماعية أو المغانم السياسية أو العسكرية التي تميز بها من غيرها من الطوائف. ٧- التمييز العنصري , وهو مظهر من مظاهر العصبيات الجاهلية التي تدعو إلى سيطرة بعض العناصر البشرية على بعض , وإن اتفقت في أديانها ومذاهبها الفكرية والاجتماعية , وأوطانها ولغاتها. ٨- التضليل الفكري , وذلك لتحويل مناهج سلوك الشعوب التي يوجه لها هذا التضليل. ٩- العبث النفسي , وذلك بالتلاعب بالانفعالات الآنية والعواطف الثابتة لاستثمار ذلك في تحقيق الأهداف التي يرمي إليها الطامعون بالتسلط. ١٠- حيل السلب المالي , وذلك لتحقيق ما يمكن استلابه من المطامع المالية عن طريق الحيلة ١١- الإفساد الاجتماعي ببث عوامل الخلاف والضعف في صفوف الأمة , وذلك لإضعاف قوتها الجماعية , ولدفعها إلى سحيق التخلف حتى تفقد ثقتها بنفسها وترضى مواقف الاستعباد ١٢- الإفساد الخلقي , لما لهذا من نتائج وخيمة , تظهر بانهيار الشعوب التي تفسد أخلاقها , وتظهر بضعفها وتخلفها , وتمزق وحدتها , وكل روابط

стр. 214

التماسك فيها , وعندئذ يتمكن الطامعون من السيطرة عليها سيطرة تامة. ١٣- إقامة أنواع الصراع الطبقي , والطائفي , والحزبي , والمذهبي , والقومي , والعرقي , والإقليمي , وغيرها. وفيما يلي شرح إجمالي لهذه الوسائل من وسائل الغزو غير المسلح: (٣) شرح الوسائل الوسيلة الأولى: الوجوه المستعارة حينما تريد كتائب الغزو غير المسلح تحقيق أهدافها المختلفة في الشعوب المسلمة فإنها تلبس لذلك وجوهاً مستعارة متنوعة , لتخفي بها هويتها الحقيقية. وقد استطاع الدهاة العالميون أن يبتكروا للذين يريدون التنكر وإخفاء أهدافهم وجوهاً مستعارة كثيرة , ومعظم هذه الوجوه المستعارة إنساني السمات , ولكن الوجوه الحقيقية التي تختفي وراء هذه الوجوه المستعارة لا تمت إلى الإنسانية بصلة. وفي داخل الأقفاص الحديدية يشاهد زائرو الأجنحة الخطرة من حدائق الحيوانات أشباه هذه الوجوه الحقيقة , إلا أنها من الآدميين تسترها وجوه مستعارة خادعة يستأنس بها. ومن الوجوه المستعارة المؤسسات التعليمية التي يصدرها إلى البلاد الإسلامية المبشرون والمستعمرون والملحدون , ويتبعها مناهجهم التعليمية , وحشد الكتب التي تحمل ألوان الثقافة المدسوسة بما يريدون غزو الشعوب الإسلامية به , مما يهدم دينهم وكيانهم الذاتي , ويمزق شخصيتهم الواحدة إلى أشلاء متناثرة. فما لا شك فيه أن العلم وجه إنساني مشرق , ولكن العلم متى أخفى وراءه خطة من خطط الإفساد والتضليل أمسى في الحقيقة وجهاً من الوجوه

стр. 215

الوحشية المفترسة للإنسانية وفضائلها وكمالاتها , ولا بد أن ينحسر عنه ذلك الوجه المستعار مهما طال أمد المصانعة والرياء والنفاق. ومن الوجوه المستعارة أيضاً المؤسسات الصحية التي يصدرها المبشرون إلى بعض البلاد الإسلامية، يقول المبشر ((موريسون)) : ((نحن متفقون بلا ريب على أن الغاية الأساسية من أعمال التنصير بين المرضى , أن ندخلهم أعضاءً عاملين في الكنيسة المسيحية الحية , وتحرص مؤتمرات التبشير على أن تكون توجيهاتها وقراراتها مؤكدة لخطورة استخدام العلاج الطبي في التبشير)) . ومما لا ريب فيه أيضاً أن الطب وجه إنساني مشرق , ولكن الطب متى غدا وسيلة من وسائل التضليل الفكري , وإفساد العقائد الصحيحة التي تدين بها الشعوب الإسلامية , أمسى في الحقيقة وجهاً من وجوه الثعالب الشيطانية , التي تخادع الإنسانية لترمي بها في الجحيم , وتدفعها إلى الشر والإثم والباطل , ومهما طال الأمد فلا بد أن ينحسر ذلك القناع الخادع , ويظهر الوجه الحقيقي اللئيم. ومن الوجوه المستعارة المساعدات الاقتصادية والمعونات المادية التي تقدمها الدول الاستعمارية الطامعة. وخليق بالمساعدات والمعونات أن تكون وجهاً إنسانياً مشرقاً , ولكنها حينما تكون وسيلة للتسلط , أو وسيلة لفرض شروط معينة تتعلق بالكرامة , أو بالسيادة , أو بالعقائد , أو بالأخلاق , أو بكيان الأمة الإسلامية الواحدة , فإنها لا غرو أن تمسي وجهاً متوحشاً مفترساً , يقدم لفريسته الطعم , لينقض عليها متى دنت منه , ولا بد أن ينحسر القناع , ويظهر الوجه الشره الفراس مهما طال أمد المصانعة والمداراة والنفاق. ومن الوجوه المستعارة المساعدات العسكرية بالأعتدة الحربية , أو بالرجال , أو بالخبراء والفنيين.

стр. 216

وخليق أيضاً بالمساعدات العسكرية التي يقصد منها صد عدوان المعتدين وإقامة الحق والعدل أن تكون وجهاً من الوجوه الإنسانية المشرقة , ولكنها حينما تكون وسيلة للتسلط , أو تكون مصحوبة بشروط تمس كرامة الأمة , أو سيادتها , أو عقائدها أو أخلاقها , أو كيانها المتماسك القوي , أو تكون مقيدة بقيود تحجزها عن الحركة الفعلية في صد العدوان أو استرداد الحق المغصوب , فإنها لا بد أن تسفر عن وجه من الوجوه المتجهمة المتوحشة المفترسة , التي تتصنع لفريستها , فتلبس أمامها وجهاً مستعاراً تأنس به وتميل إليه , وذلك لتتمكن من تحقيق أهدافها دون أن تثير حذر فريستها , وتلجئها إلى المخابئ. وهكذا تتنوع الوجوه المستعارة التي تخفي وراءها وجوهاً مختلفة شتى , يلاحظ أهل البصر النافذ فيه وجوه الثعالب , والذئاب , والضباع , والثعابين , والتماسيح , والفهود , والنمور وغير ذلك من وحوش البر والبحر. أما الموقف الحزين فهو موقف الإنسانية الكريمة , التي تقف ذليلة مهينة متألمة تنظر شطر السماء , وتتحرق خجلاً من انتساب هذه الوحوش الضارية إلى سلالتها البشرية. الوسيلة الثانية الخداع السياسي مراقبو الأحداث يشاهدون كم نكبت البلاد الإسلامية بحيلٍ مختلفة من حيل الخداع السياسي الذي مهره الغزاة الطامعون الغربيون والشرقيون مهارة فائقة. وعناصر الخداع السياسي ترجع إلى مجموعة من الرذائل الخلقية , كالكذب والنفاق والرياء والخيانة ونقض العهد وعدم الوفاء بالوعد ونحو ذلك. وتاريخ المآسي التي اكتوى المسلمون بنارها على أيدي الأعداء الغزاة والطامعين مشحون بأمثلة الخداع السياسي , ومنها الأمثلة التالية: أ - الخديعة التي وقعت الأمة العربية في فخها على أيدي الاستعماريين خلال الربع الأول من القرن العشرين للميلاد , فأدت إلى قصم ظهر الوحدة

стр. 217

الإسلامية , بقيام الثورة العربية ضد الشعب التركي المسلم , لا ضد سلطاته الحاكمة فقط , وذلك في عام (١٩١٦م) , ثم إلى تقسيم الأمة العربية إلى دويلات , وبسط النفوذ الاستعماري عليها , وقد رافق هذه الأحداث الجسام سلسلة متعاقبة من حلقات الخداع السياسي الذي تصيد به المستعمرون مشاعر الأمة العربية أولاً , واستغلوا به ضعفهم وغفلتهم وجهلهم بألاعيب السياسة الدولية وحيلها وأكاذيبها , ونقضها للعهود , وعدم وفائها بالوعود , ومطامعها بالاستغلال وبسط السلطات , ونهب خيرات البلاد , وابتزاز أموالها وثرواتها وطاقاتها. وقد بدأت الخديعة بإثارة مشاعر الاستقلال والتحرر في شعوب الأمة العربية , ثم انتقلت إلى خديعة تقديم المساعدات المالية والعسكرية , لإشعال الثورة العربية , ثم انتقلت إلى خديعة التحالف مع زعماء الشعب العربي يومئذ. وبينما كانت بنود التحالف تنص على تأسيس دولة عربية موحدة تضم الجزيرة العربية وفلسطين وشرق الأردن ولبنان وسورية والعراق , كانت تجري مباحثات ((سايكس - بيكو)) بين فريقين من الدول الاستعمارية , بغية تقسيم البلاد العربية وإخضاع دول الهلال الخصيب لسلطة الانتداب , فكانت العراق وفلسطين والأردن من نصيب بريطانيا , وكانت سوريا ولبنان من نصيب فرنسا. وفي الوقت نفسه كانت الترتيبات تهيأ لإعلان وعد ((بلفور)) الذي يتضمن العطف على اليهود لإقامة وطن قومي لهم في فلسطين , فكان ذلك الإعلان في الثاني من شهر تشرين الثاني لعام (١٩١٧م) , ثم بدأت السلطات الاستعمارية تهيئ ما يلزم لتنفيذ الوعد , ثم قامت دولة اليهود , وسارعت الدول الكبرى للاعتراف بها , وحلت المصيبة بالعالم العربي والعالم الإسلامي أجمع. ب - ومن أمثلة الخداع السياسي الدولي الهدنة التي فرضت على الدول العربية المحيطة بالدولة اليهودية المصطنعة في قلب الأمة العربية عام (١٩٤٨م) ,

стр. 218

وقد فرضت هذه الهدنة لتهيئة الفرصة الكافية لهذه الدولة الغاصبة كي تتمكن في الأرض , وتنشئ في جوٍ من الطمأنينة دولتها العدوانية داخل جسم الأمة العربية , ومن حولها سائر الشعوب الإسلامية , وقد استثمر اليهود والدول المساندة لهم هذه الخديعة أو في استثمار , وكان ذلك على حساب الأمة العربية والشعوب الإسلامية الأخرى. جـ - ومن أمثلة الخداع السياسي الوعود السرية بتحقيق آمال الأمة العربية أو بعض المطامع الشخصية أو الحزبية , وهي الوعود التي تقدمها بعض الدول الكبرى مقابل إثارة اضطرابات وثورات , ونزعات متباينة متناقضة , ومقابل رج الأوضاع المختلفة داخل البلاد العربية , أملاً بتصحيح الأمور الفاسدة المنتشرة فيها , فتقدم الأمة العربية - وهي الطرف الضعيف - الثمن الباهظ المفروض عليها , وتنفذ ما يملى عليها تنفيذاً دقيقاً , مع زيادات تقتضيها ظروف الهدم لم تكن تتوقعها , حتى إذا قدمت من جانبها كل شيء وجدت نفسها في فخ الخديعة مقبوضاً عليها من كل جانب , وعندئذ تلبث تجتر الندم , ولكن حيث لا ينفع الندم , إذ تكون الآلام الكثيرة قد انتشرت , والأوضاع الفاسدة السيئة قد زادة فساداً وسوءاً , وأضيفت إليها عناصر فساد جديدة لم تكن تعرفها الأمة العربية من قبل. وأما الآمال المنشودة الأولى التي كانت تملأ أنوارها عرض الأفق فإنها تنطفئ فجأة بخيبة قاتلة , لتحل محلها آمال جديدة هي آمال الخلاص من عضة الفخ. والذي أوصل إلى هذه النتائج سلسلة من المؤامرات الدولية الكبرى , التي يظهر تنفيذها بشكل مفاجئ بعد خداع سياسي طويل , والتي تسوق الطرف الضعيف المقصود بالمكيدة إلى مزالق خطيرة , قد تلجئه إلى أن يرمي نفسه في أتون المهالك وهو يحسب أنه يحسن صنعاً. د - ومن أمثلة الخداع السياسي التطمينات والتحذيرات والتهديدات الدولية الكاذبة , التي تباشرها الدول الكبرى الطامعة , مصحوبة ببعض

стр. 219

الإمدادات العسكرية وغير العسكرية , وما هي إلا حفنة من الحيل التي يعرفها الصيادون السياسيون ويستخدمونها في تحقيق مطامعهم. وربما دار الزمن دورته التاريخية على أحداث هذه الحقبة التي يعاصرها جيل الربع الثالث من القرن العشرين للميلاد , فاستطاع العالم الإسلامي الذي يغط في سبات الآلام الجاثمة , والآمال المقهورة أن يطلع على أكداس السجلات الدولية المشحونة بأمثلة الخداع السياسي , الذي عانت الأمة الإسلامية منه مصائب كثيرة انطبقت عليها فخاخه الخانقة المؤلمة , بعد أن اندفعت بشعاراته المحببة البراقة , بكل طاقاتها الفكرية والجسدية والمادية. وإذا كتب الله لهذه الأمة الإسلامية الخلاص من نكباتها هيأ لها من يقود سفينتها قيادة حكيمة , وجمع كلمتها على الحق والتمسك بدينها ووحدتها. د- ومن أمثلة الخداع السياسي تظاهر الاتحاد السوفياتي بمساعدة الدول العربية التي سارت في فلكه ضد الدولة الإسرائيلية المعتدية، لاكتساب مغانم مادية وسياسية وتحقيق أهداف فكرية مذهبية هادمة للإسلام، مع وجود اتفاق سري بين الاتحاد السوفياتي وأمريكا على خطة عمل واحدةٍ في منطقة الشرق الأوسط. وكان من مظاهر هذا الخداع أحداث كثيرة، ولا ننسى أن إسرائيل لما قررت هجومها على البلاد العربية المتاخمة لها في حرب خاطفة عام (١٩٦٧م) وكانت أمريكا وروسيا على علم بذلك، سارعتا بتقديم نصائحهما وتهديداتهما للقيادة العربية يومئذ بعدم البدء بالهجوم على إسرائيل، والاعتصام بضبط النفس، وكان الغرض الضمني من ذلك تمكين إسرائيل من الظفر بتحطيم القوى العربية، واستجابت القيادة العربية لذلك، وتمت الخديعة، وتحطمت القوى العربية خلال ساعات معدودات من أول المعركة، وتحملت الشعوب العربية والإسلامية آلام نتائج هذه الخديعة وما رافقها من خيانات. وفي معركة رمضان عام (١٩٧٣م) سارعت أمريكا لإنجاد

стр. 220

حليفتها إسرائيل فوضعت ثقلها الكبير بجانبها ضد الأمة العربية، وأمدتها بالأسلحة الضخمة، في حين تباطأت روسيا عن إمداد الدول العربية عند شد الأزمة بأسلحة الحماية وقطع الغيار، رغم كل وعود التساند والمناصرة القائمة بينهما. ونجد خديعة مشابهة جرت من هاتين الدولتين الكبيرتين في العالم ضد دولة باكستان المسلمة في نزاعها مع الهند، وفي مؤامرة تقسيمها إلى دولتين. فأمريكا بحسب الظاهر حليفة باكستان، وروسيا حليفة الهند، ولما وقعت الأزمة المدبرة لتقسيم باكستان سارعت روسيا لإمداد الهند باعتبارها حليفتها، وتخلت أمريكا عن مساعدة باكستان، وتمت المكيدة، وعرف الخبراء المتتبعون للحقائق أن ما تم قد كان خطة متفقاً عليها من قبل روسيا وأمريكا ضد باكستان، باعتبارها دولة من الدول الإسلامية. * * * الوسيلة الثالثة: الضغط السياسي ومن وسائل الغزو غير المسلح الضغط السياسي، وللضغط السياسي أشكال كثيرة، وصور متعددة تتفتق عنها قرائح دُهَاةٍ السياسة العالميين. ومن صوره الكثيرة المؤامرات الدولية الكبرى، والاتفاقات القائمة بينها على أساس تبادل المصالح، وتقاسم المنافع، وتقاسم مناطق النفوذ. ومنها تسخير الدول الكبرى أثقال القوى التي تملكها لإلحاق الدول الصغرى في أفلاكها السياسية والاقتصادية الدولية، ويلحق بها أفلاكها الثقافية والاجتماعية وغيرها. ومنها المناورات والحيل السياسية التي تجري داخل جمعية الأمم المتحدة

стр. 221

لحمل أكبر عدد من الدول على إعلان تأييدها لأحد المشاريع ولو كان فيه دعم للباطل وهضم للحق. ومنها إيقاع البلاد الإسلامية في أزمات سياسية محلية خانقة، تضطرها إلى الموافقة على الشروط السياسية أو العسكرية أو الاقتصادية أو الاجتماعية التي تمليها الدول ذات المطامع المختلفة في المسلمين وبلادهم ومصادر ثرواتهم. ومنها الوسائل التي تدخل في حقول الإغراءات الشخصية أو العامة، والوسائل التي تدخل في حقول التحذيرات والتهديدات والإنذارات الشخصية أو العامة، ويدخل فيها التهديد بنشر الفضائح الخلقية والسلوكية الشخصية، أو الفضائح السياسية الحقيقية أو الكاذبة. ومنها تأسيس الأحزاب السياسية المرتبطة بالدول ذات المطامع ارتباطاً فكرياً ونفسياً، أو ارتباطاً نفسياً فقط، والأدهى من ذلك أن تكون مرتبطة ارتباطاً عضوياً أيضاً. وعن طريق هذه الأحزاب تستطيع الدول ذات المطامع أن تضمن لنفسها استمرار القبض على المحركات الفعلية لسياسة الشعوب المستهدفة بالمكيدة، وبذلك تجد هذه الشعوب نفسها مسوقة بقوة الضغط غير المنظور، لتنفيذ السياسة التي يضعها قادة الدول ذات المطامع. وعلى هذا النسق تسير ضغوطهم السياسية الكثيرة التي ترافقها الضغوط الاقتصادية والعسكرية والعلمية والثقافية غالباً. وهدفهم منها إخضاع الشعوب الإسلامية لسلطانهم وإلجاؤهم إلى الموافقة على تنفيذ مخططاتهم المختلفة، والاندماج في فلكهم السياسي الدولي شرقياً كان هذا الفلك أو غربياً، ولا يسمحون لهم أن يقفوا موقف الحياد الفعلي البعيد عن حلبة الصراع والتنافس الدولي، ويساعدهم على ذلك واقع الضعف الذي دفعوا هذه الشعوب إليه، بمؤامراتهم الكبيرة التي عملوا على تنفيذها بنفس طويل، وصبر مديد، وتآزرت على ذلك الدول المتنافسة فيما بينها، المتنازعة على المصالح، لأن بينها لقاءً فكرياً ونفسياً على هدم الإسلام وتوهين المسلمين.

стр. 222

ولعل تاريخ السياسة الدولية منذ الحروب الصليبية لا يسجل لقاء بين الدول المتصارعة المتنافسة على اختلاف مذاهبها السياسية والاجتماعية أهم ولا أبرز من لقائها على حرب الإسلام وتفريق كلمة المسلمين، وتوهين قواهم في العالم، وربما اختلفت مناهجهم وخططهم التطبيقية لتحقيق هذا الهدف، وتفاوتت شدة وضعفاًَ، ولكنها على كل حال لا تخرج من حسابها العمل لتحقيقه، طال الزمن أو قصر. * * * الوسيلة الرابعة: الحصار الاقتصادي تتعرض بلاد المسلمين باستمرار من قبل أمواج الطامعين الغربيين والشرقيين إلى أشكال متنوعة من الحصار الاقتصادي والضغط المرافق له. والهدف من ذلك إخضاع الشعوب الإسلامية وإلجاؤها إلى الاستسلام لسلطان الغزاة السافرين أو المقنعين، والإذعان لتنفيذ مخططاتهم السياسية والاقتصادية والعسكرية ومرافقاتها الفكرية، بغية اجتثاث كل فكرة تعرقل سبيل جيوش الغزاة، وتقف عقبة في طريق تنفيذ مطامعهم السياسية أو العسكرية أو الاقتصادية. أما وسائل الحصار الاقتصادي فكثيرة، منها الوسائل التالية: الوسيلة الأولى: افتعال الأزمات الاقتصادية بحيل مقنعة، أو بضغوطٍ سافرة، أو استغلالها عند حدوثها لمحاربة المسلمين في أقواتهم وضروريات عيشهم، بغية إخضاعهم، وانتزاع موافقتهم على تنفيذ مطالب الطامعين في أموالهم أو بلادهم أو أنفسهم أو أفكارهم ومبادئهم. ومن أمثلة ذلك حجب صفاتٍ التموين في سنوات القحط، أو الإغراء بتحويل معظم زراعة البلاد عن استنتاج المواد التموينية طمعاً بأرباح المواد الأخرى غير التموينية، ثم ترقب فرص حدوث الضرورات التموينية لشد

стр. 223

الحبال على الرقاب، حين لا يغنيها شد الأحزمة على البطون. الوسيلة الثانية: حمل المسلمين عن طريق الإكراه المباشر أو غير المباشر على تطبيق نظم اقتصادية من شأنها أن تهدم اقتصاد المسلمين وتبدد ثرواتهم، وتلقي بهم في أزمات اقتصادية خانقة، وبعد حدوث الأزمات الاقتصادية المثيرة للضجر ينكشف وجه العدوان ببسماته الصفراء، مقدماً كراسة شروطه القاسية المادية والمعنوية لتقديم مساعداته في حل عقد الحبل الخانق الذي أدارته على الرقاب الأزمة المفتعلة. الوسيلة الثالثة: حرمان الشعوب الإسلامية من وسائل تقدمها وتطورها في العلوم العلمية، والعمل على إبقائها في منطقة التخلف الصناعي والزراعي والتجاري والعسكري، إلا ضمن شروط سياسية وعسكرية واقتصادية تتسم بطابع الإذلال والاستعباد، أو ضمن شروط فكرية واجتماعية تتسم بطابع التحويل في العقائد والأنظمة والأحكام الدينية، وهدم الأبنية الاجتماعية والخلقية التي تمثل ميراث المجد والفضيلة. ونجد أمثلة من ذلك تطبق على مختلف الشعوب المسلمة في آسيا وأفريقية، وفي الشرق الأقصى، وتطبق بشكل بارز قوي على مسلمي القارة السوداء. الوسيلة الرابعة: مضاربة اقتصاديات الشعوب الإسلامية النامية بثقل الاقتصاد العالمي القوي، الذي يتمتع بالقدرات الحكومية والشعبية الواسعة، بغية إفقار هذه الشعوب، وردها إلى مواقف التخلف، وإلجائها إلى الموافقة على تنفيذ الخطط السياسية والعسكرية والثقافية والاقتصادية التي يميلها الطامعون داخل بلادها، تحقيقاً لمطامعهم المختلفة. الوسيلة الخامسة: شَغْل الشعوب الإسلامية في معارك داخلية لا تمس مصالح الطامعين، وهذه المعارك تستهلك ثروات هذه الشعوب، وتمتص طاقاتها المختلفة، وتعيق تقدمها الحضاري والمدني، وتسد عنها ينابيع الازدهار، وتحرمها من نعمة الاستقرار، بغية إفقارها وردها إلى مواقف التخلف، وإلجائها إلى أن

стр. 224

تعلن موافقتها على تنفيذ الخطط السياسية والعسكرية والثقافية والاقتصادية التي يُمليها الطامعون شرقيين كانوا أو غربيين. الوسيلة السادسة: ربط الشعوب الإسلامية بالقروض الكثيرة التي تتنامى بالفوائد الربوية، بغية إيقاعها تحت مطرقة المطالبة المستمرة، والضغط عليها بحواصر الالتزامات إلى أن تستسلم بسبب العجز عن توفية ما عليها من التزامات، فتوقع الاتفاقات السياسية والعسكرية والثقافية والاقتصادية التي يمليها الطامعون بأرضها وخيراتها وطاقاتها البشرية. وهكذا تتعدد وسائل الحصار الاقتصادي، وهي على اختلافها تهدف إلى استغلال نتائج الحصار لصالح الدول الطامعة باستغلال المسلمين واستثمار بلادهم، واجتثاث إسلامهم واقتلاعه من جذوره، والسير بهم عبيداً أذلاء في ركب أحد المخططات الدولية الكبرى. * * * الوسيلة الخامسة: الحصار العلمي والثقافي يصطدم كثير من أبناء المسلمين بعقبات الحصار والاحتكار العلمي، التي أقامها في طريق تقدمهم المستعمرون والطامعون الغربيون والشرقيون، وإرساليات التبشير السافرة والمقنعة، والمؤسسات التعليمية العليا، في الغزو غير المسلح الذي يكيدونهم به، والهدف من ذلك إلجاؤهم بطريق مباشر أو غير مباشر لتنفيذ الرغبات وتحقيق المطالب الاستعمارية والتبشيرية، أو المطالب الرامية إلى هدم الإسلام وتوهين المسلمين، إذ يجعلون فتح أبواب العلم لأبناء المسلمين مشروطاً بدفع الثمن الغالي من الرصيد الباقي من الإيمان والعقيدة والتفكير، أو من السلوك والأخلاق والضمير. ويوجّه هذا الحصار ضد الأفراد المسلمين الذين يفدون إلى معاهد العلم، وضد الدول الإسلامية التي تحاول أن تشق طريقها إلى التقدم العلمي في مختلف

стр. 225

المجالات العلمية المادية النافعة، التي تعتبر أساساً للتقدم الصحيح، لا سيما ما يتعلق منها بعلوم الطاقة وبتطبيقاتها في مجالات القوة. والثمن الذي يفرض على طالبي العلم والتقدم إما أن يقدمه الأفراد وإما أن يقدمه حكام البلاد. والذين يمعنون النظر في عدسات البحث والمتابعة، التي تطوف مناظيرها في أرجاء العالم، يشاهدون كم عانى ويعاني أبناء مسلمي البلاد الواقعة تحت تأثير الأعداء الغزاة، من خطط احتكار العلم، وحرمانهم من نعمته، وإبقائهم في دركات الجهل، ما لم يجندوا أنفسهم في كتائب الاستعمار، أو كتائب الإلحاد أو كتائب التبشير. أما المجندون في هذه الكتائب بحكم الوراثة فتفتح لهم أبواب العلم، وتُمد لهم المعونات، وتُمهد لهم السبل، وتهيأ لهم أفضل الشروط لاستكمال دراساتهم العالية، وتقدم إليهم المنحات والبعثات الدراسية المختلفة. وقد يصارع بعض أبناء المسلمين، فيشق بكفاحه وجهده الشخصي طريقه لتحصيل العلوم الملائمة لميوله النفسية واستعداداته الفطرية، وقد يستطيع تخطي العقبات الكثيرة، حتى إذا ظفر ببعض الاختصاصات العالية النادرة ظهرت أمامه عقبات الحياة العملية، التي تهدف إلى حجبه عن مراكز التعليم والتوجيه والإدارة والإنتاج، وهنا يظهر في وجهه تواطؤٌ رهيبٌ من قبل الأجهزة المعادية للإسلام السافرة أو المقنعة، على إغلاق كل باب في وجهه يمكن أن يعبر منه إلى خدمة صحيحة لأمته الإسلامية، ضمن إطار اختصاصه، حتى إذا بدأت تنكشف لجماهير المسلمين الدلائل التي نثبت أنه يُحارب وتوصد في وجهه الأبواب لكونه من المسلمين الملتزمين بإسلامهم، وخشيت الأجهزة المقنعة الفضيحة التي تستتبع يقظة المسلمين العامة توجهت نحوه المغريات المادية، ثم قُذف به إلى عمل بعيد كل البعد عن اختصاصه، بغية قتل ما حصَّله من علم خلال سنين عديدة في أعمالٍ يستطيع القيام بها أقل الذين يحسنون صنعة القراءة والكتابة، وبغية إبعاده عما ينفع أمته الإسلامية، أو يخدم راسلتها الفكرية والتطبيقية، وربما رافق ذلك إغراءات كثيرة من قبل دول أجنبية تدعوه للهجرة إليها، والعمل عندها بمرتبات ضخمة، كيما تستثمر اختصاصه وتضيفه

стр. 226

إلى ثرواتها العلمية، وتحرم أمته الإسلامية منه، أما عواطفه نحو أمته فقد ذبحها الأجراء الذين ينفذون مخططات أعداء الإسلام الرامية إلى عرقلة سبيل تقدم المسلمين، وأما مطامعه الشخصية فقد أرضاها سادتهم الذين خططوا لهم، واستخدموهم في التنفيذ. وحينما كسرت بعض الشعوب المسلمة الحصار بكفاحها المتواصل، ويقظة بعض أبنائها، أخذت الأجهزة التي تضمر لهم العداء تحاول أن تمكر بهم، وتفسد خطتهم التعليمية، وتحول مجرى مسيرتهم عن الطريق السوي الذي يوصلها إلى التقدم المادي الصحيح، وقد ظهرت محاولات هذا المكر الرامي إلى حرمان المسلمين من العلوم العلمية، وحجبها عنهم بأشكال متنوعة، ووسائل شتى، منها ما يلي: أولاً: شَغْل أبناء المسلمين بالعلوم النظرية البحت، البعيدة عن المجالات التطبيقة النافعة، المتصلة بالمنجزات العلمية ذات الأثر المادي، والمبتكرات الصناعية الحديثة، وذلك بالإيعاز لأجرائهم أن يشحنوا المناهج الدراسية بالبحوث النظرية البحت، لقتل طاقاتهم الفكرية بها، وصرفهم عن الأشياء العلمية، والعلوم التي يمكن استثمارها في التقدم الصناعي، وفي مسايرة منجزات العصر التي تتطور بسرعة فائقة. ثانياً: شغل أبناء المسلمين بالفلسفات الفكرية المتناقضة المتعارضة، وغمسهم في صراع المبادئ الاجتماعية، بغية قتل طاقاتهم الفكرية والجسدية بها. ثالثاً: شغل أبناء المسلمين بحشد من التفاهات التعبيرية التي يسمونها أدبا، دون أن يكون لها ثمرة تربوية قويمة، أو خلقية كريمة، أو فكرية تضيف علماً، أو نفسية تنمي ذوقاً، أو تسمو بوجدان. رابعاً: إدخال فنون التمثيل والرقص والغناء والتصوير والنحت في قائمة العلوم التي يتوقف ارتقاء الأمم وتقدمها عليها، بغية امتصاص طاقات المعرفة في هذه المجالات وصرفها عن العلوم العلمية النافعة. وبهذه الركامات غير المثمرة التي يملؤون بها فراغ طالبي المعارف والعلم

стр. 227

تتكون لديهم عقدة استعلاء نفسي، يرافقها واقع جهل بكل العلوم العملية النافعة، التي ينحصر فيها تقدم الشعوب المتخلِّفة للأخذ بأسباب المدنية المزدهرة المتطورة. ويكافح نفر من أبناء المسلمين الملتزمين بإسلامهم حتى يجتازوا مرحلة الدراسة الجامعية، ويطمحون إلى خدمة أمتهم بمتابعة الدراسات العليا لتحصيل شهادات الدكتوراه في العلوم العملية المثمرة، فتظهر في طريقهم عقبات ذات مستوى رفيع، تصدهم بالمناورات والمداورات وفرض الشروط التي لا يطالب بمثلها نظراؤهم من المجندين في كتائب مناهضة الإسلام وعرقلة سبيل المسلمين، وتصدهم أحياناً بعدم الاعتراف بثمرات جهدهم التي لو قدمها غيرهم لكانوا في نظر مانحي الدرجات العلمية عباقرة وممتازين، إلا أنهم يتلقونها من هؤلاء المسلمين بسمع موصود، وضمير مفقود، فيرفضونها أو يسرقونها، أو يوجهون ضدها الدعاوي الكاذبة، وسر ذلك أنهم لا يريدون لمسلم ملتزم بإسلامه، متحمس له، أن يحمل لقباً علمياً عالياً يخدم به أمته. أما الذين يبيعون ضمائرهم من أبناء المسلمين للغزاة الأعداء، فيُمنحون الألقاب العلمية الرفيقة التي لا يستحقونها، دون أن يبذلوا جهداً، أو يكتسبوا علماً، وعن طريق هؤلاء يستطيع الغزاة تحقيق أغراضهم في الشعوب الإسلامية وفي بلاد المسلمين، إذ يستخدمونهم في الأعمال كما يريدون، وهم في ألقابهم العلمية لا يخدمون أمتهم شيئاً، لأنها لم تمنح لهم وهم يستحقونها، ثم يدفعون بهم إلى المراكز الكبيرة في بلادهم، لينفذوا ما يُملى عليهم من قبل الذين منحوهم ما لا يستحقون، واشتروهم بما يشتهون. * * * الوسيلة السادسة: التمييز الطائفي من وسائل الغزو غير المسلح التمييز الطائفي، ويظهر هذا التمييز بتقديم غير المسلمين على المسلمين في مختلف المجالات، تعبيراً عن الكراهية

стр. 228

للمسلمين، وإلجاءً لهم إلى حتى ينفذوا الرغبات الاستعمارية، ويحققوا المطالب التبشيرية المعادية للإسلام، والرامية إلى هدم أبنيته وقواعده، وتوهين المسلمين وتشتيت شملهم وتمزيق وحدتهم. ففي المجالات الاقتصادية تحاول أجهزة الغزو غير المسلح بكل ما تستطيع من جهد أن تفتح أبواب الاستثمارات المختلفة لغير المسلمين، بينما توصها في وجوه المسلمين، وقد عانت الشعوب الإسلامية من صور هذا التمييز في معظم البلاد التي كان للاستعمار فيها يد حاكمة سافرة أو مقنعة، وكان للمبشرين فيها أيادٍ تعبث بشكل سافر أو مقنع، وما زال كثير من المسلمين يعانون من هذا التمييز بنسب مختلفة باختلاف قوة تسلط الأجهزة الاستعمارية والتبشيرية، الأمر الذي نشأ عنه تضخم ثروات غير المسلمين على حساب استثمارهم واستغلالهم للأكثرية المسلمة. ومن أمثلة ذلك تسهيل أعمال الاستيراد والتصدير للأفراد والشركات والمؤسسات الاقتصادية غير المسلمة، وعرقلة أعمال المسلمين فيهما، والسماح بإنشاء الشركات الصناعية والمؤسسات الاقتصادية الكبرى لغير المسلمين، وعدم السماح للمسلمين بمثل ذلك، ما لم يكن النصيب الأكبر لغيرهم. وفي مجالات التوظيف في الدوائر والمؤسسات الرسمية تحاول الأجهزة الاستعمارية والأجهزة السائرة في مخططها أو تسُند معظم الوظائف المهمة لغير المسلمين، وحينما تلح عليها الضرورة أو المجاملة أن تسند بعض الوظائف للمسلمين فإنها تختار من المسلمين الضعفاء، أو غير الملتزمين بإسلامهم، أو تختار لهم الأعمال البعيدة عن مراكز القيادة والتوجيه، والبعيدة أيضاً عن الأعمال المفيدة في اكتساب خبرات فنية، وعن سائر الأعمال التي ترى الأجهزة المتعصبة تعصباً طائفياً ضد المسلمين ضرورة تسليط غير المسلمين عليها. والهدف واضح وهو إبقاء المسلمين في مناطق التخلف، يضاف إلهي ما في التمييز الطائفي من التنفيس عن الكراهية والحقد، وإلجاء أبناء المسلمين حتى يخرجوا عن دينهم وينفذوا في أنفسهم وفي أمتهم وبلادهم مخططات أعدائهم الطامعين.

стр. 229

ويصنعون نظير ذلك داخل المؤسسات العسكرية، حيث تتجمع أثقال القوى المسلحة، ولهم في هذا المجال أهداف أخرى تضاف إلى أهدافهم العامة، وهذه الأهداف تمليها مخططات الأجهزة السياسية والعسكرية الاستعمارية الرامية إلى تسخير جيوش البلاد الإسلامية في تحقيق مصالح أعداء الإسلام بطرقٍ سلبية تارة وإيجابية أخرى. ومن الطرق السلبية تجميد الجيوش الإسلامية عن القيام بأي عمل يفيد المسلمين أو يعمل على تحريرهم من عدوهم، ومن الطرق الإيجابية تحريض هذه الجيوش أو عناصر منها على ضرب العناصر المسلمة باسم الإصلاح، وتوجيهها ضد كل إصلاح وتعمير للمسلمين. ويستغل الأعداء الغزاة من وراء الستار رغبات التسلط التي يشعر بها من تتجمع لديهم قوى مسلحة قادرة على التسلط. ويتجلى التمييز الطائفي أيضاً في معظم المجالات العلمية، لا سيما مجالات العلوم العملية، ومجالات اكتساب الخبرات الفنية والصناعية والمهارات الإنتاجية المختلفة، ولا تخفى أهداف التمييز الطائفي في هذا المجال، منها محاولة إبقاء المسلمين في مناطق التخلف والضعف. وحينما نمرّ على المواد القانونية الصادرة في ظل الاستعمار نلاحظ فيها أمثلة كثيرة للتمييز الطائفي المتعمد. ففي القوانين الجمركية نلاحظ إعفاءات خاصة بالمستوردات ذات الطابع الطائفي، وبمستوردات المؤسسات التبشيرية التعليمية والصحية وغيرها، في حين أن كثيراً من هذه المستوردات قد كان ينزل إلى الأسواق التجارية العامة ليباع بأسعار البضائع التي يدفع المستهلكون ضرائبها الجمركية لصندوق الدولة، بينما تضيف المؤسسات الطائفية نسب الضريبة إلى أربحاها النقدية، في حين أن معظم المؤسسات الإسلامية لم تكن تتمتع بهذه الإعفاءات من الضريبة بشكل قانوني أو بشكل عملي. ونجد مثل ذلك أيضاً في قوانين الضرائب المختلفة. ويظهر التمييز الطائفي في الحريات السياسية، وفي الحريات الدينية، وفي نسبة مقاعد التمثيل النيابي، كلما وجدت السلطات الاستعمارية سبيلاً إلى

стр. 230

ذلك، على أن كل صورة من صور التمييز الطائفي، إنما تكون على حساب حقوق الأكثرية المسلمة في معظم البلاد الإسلامية، التي يظفر الأعداء الغزاة بسلطة ما فيها، سافرةٍ أو مقنعة. * * * الوسيلة السابعة: التمييز العنصري والقومي ومن وسائل الغزو غير المسلح التمييز العنصري والقومي، بغية تفريق كلمة المسلمين وتمزيق وحدتهم، ولهذا التمييز أشكال: أ - فمنها أن تتبنى السلطات الاستعمارية هذا التمييز، وذلك بأن تميز عنصراً أو قوماً على قوم في تسهيل المصالح الاقتصادية، أو في الاستخدام في الوظائف المدنية أو العسكرية، أو في فتح المجالات العلمية، أو في توجيه المساعدات والخدمات العامة إلى غير ذلك. ومن شأن هذا التمييز أن يولد الكراهية والحقد في نفوس العناصر والأقوام التي هُضم حقها، ولم تُعط نصيبها العادل، ولو كانت تجمعها مع المميزين المفضلين ديانة واحدة أو وطن واحد، ومن شأن هذا التمييز أيضاً أن يغرس بذور الشقاق والخلاف داخل الأمة الواحدة، ويؤدي إلى تفريق كلمتها، وإضعاف قوتها، وهذا ما يهدف إليه الأعداء الغزاة. ب- ومنها إثارة النعرات العنصرية والقومية داخل الأمة الواحدة، وذلك عن طريق الدسائس والأكاذيب، وافتعال الفتن الداخلية الموصولة بالمفاهيم والنزوات الجاهلية البعيدة عن كل مرتقىً حضاري سليم، والغرض من ذلك أيضاً تمزيق وحدة المسلمين وإضعاف قوتهم. ومن غريب دسائسهم وأكاذيبهم التي ينشرونها ما ينشرهُ بعض جنودهم بين الإفريقيين السود إذ يقولون لهم: إن الإسلام يفرق بين البيض والسود، فيجعل بيض الوجوه في الجنة، ويجعل سود الوجوه في النار، ويتلاعبون بدلالات بعض النصوص القرآنية في ذلك، كقول الله تعالى في سورة (آل عمران/٣ مصحف/٨٩ نزول) :

стр. 231

﴿ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ . فيوهمون عوامهم أن الإسلام يفرق بين بيض الوجوه وسود الوجوه من حيث اللون، ويخفون عنهم المراد الحقيقي من النص القرآني، وهو العلامة السوداء التي تظهر على وجوه الكافرين يوم القيامة بسبب كفرهم ولو كانوا في الدنيا بيض الوجوه، والعلامة البيضاء التي تظهر على وجوه المؤمنين يوم القيامة وضاءةً ونوراً ولو كانت وجوههم في الدنيا تحمل اللون الأسود. يضاف إلى ذلك الصورة المشرقة المثالية الرائعة التي جاء بها الإسلام، وتعلمها المسلمون وطبقوها في مختلف عصورهم التي التزموا فيها بالإسلام، إنها صورة تزري بكل مزاعم الرقي الحضاري التي يزعمها رواد حضارة القرن العشرين الميلادي، الذين ما زالت شعوبهم تعاني من مشكلات التمييز العنصري آلاماً كثيرة، وما زالت المفاهيم والتقاليد الجاهلية مسيطرة على عقولهم وعواطفهم. وهذه الأخبار العالمية تنقل إلينا باستمرار أنباء التمييز العنصري بين البيض والسود في أرقى دول العالم تمتعاً بمظاهر المدنية الحديثة التي وصل إليها إنسان القرن العشرين، وتنقل إلينا أنباء العنجهية التي يتعاظم بها البيض الغرباء على السود أصحاب البلاد في إفريقية وغيرها، والتي يتعاظم بها إنسان القرن العشرين الأبيض على سائر الملونين لمجرد بياض بشرته، وهو يدَّعي المدنية والحضارة والرقي، مع أن بياض البشرة ليس عنصراً من عناصر المدنية والحضارة والرقي. أما الإسلام الذي جمع البيض والسود والحمر والصفر وسائر الألوان الإنسانية على صعيد واحد، فإنه يقرر في القواعد الأولى لتكوين الجماعة الإسلامية أنه لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأبيض على أسود إلا

стр. 232

بالتقوى أو عمل صالح، وأن الناس كلهم على اختلاف أعراقهم وألوانهم ولغاتهم في الحقوق الإنسانية سواء، وأن كل واحد منهم أهل لأن يرتقي بكفاءاته وأهليته أعظم منصب سياسي أو ديني في الإسلام، فقد جاء في كلام الرسول قوله: "اسمعوا وأطيعوا ولو تأمر عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة) . وبهذا نرى أن التمييز العنصري الذي يباشره المستعمرون لتفريق صفوف المسلمين بإثارة عوامل الحقد والكراهة، والذي يحاولون أن يفتعلوه بالدسائس التي يدسونها بين المسلمين، وبالتشويهات التي يحاولون أن يشوهوا بها حقيقة الإسلام الناصعة المخالفة لما يفترون عليه، لا يراه الناس إلا عند الشعوب المستعمرة فنسها، والشعوب التي تدَّعي السبق المدني والحضاري في القرن العشرين، أما في الإسلام وعند المسلمين الفاهمين لإسلامهم والملتزمين به فإن التمييز العنصري والتمييز القومي لا وجود له مطلقاً. * * * الوسيلة الثامنة: التضليل الفكري ومن وسائل الغزو غير المسلح التضليل الفكري، ببث المفاهيم الفاسدة عن الدين والحياة والوجود وعن الاجتماع والأخلاق والسلوك، وعن شروط التقدم ووسائله، وعن النفس والوجدان والضمير، وغير ذلك. وقد دخلت كتائب الغزاة بين المسلمين في مختلف حقولهم الاجتماعية والفكرية لبث ما تريد بثه من أفكارٍ مضللة لهم، ومؤثرة في سلوكهم الفردي والجماعي، بالميل به عن المنهج القويم على مقدار ما فيها من فساد، وذلك لأن معظم أعمال الناس في حياتهم إنما هي آثار من آثار المفاهيم المسيطرة على قلوبهم وعواطفهم، فحينما تكون هذه المفاهيم سليمة قويمة يكون السلوك في غالب أحواله سليماً قويماً، إلا في عاطفة آسرة، أو شهوة قاسرة، أو رغبة نفسية

стр. 233

جامحة، أو عادة مستحكمة جانحة. وحينما تكون المفاهيم منحرفة عن منهج الحق فإن السلوك في غالب أحواله يكون منحرفا عن الصراط المستقيم، إذ يحلو للإنسان عندئذ أن ينطلق ويتفلت من الضوابط الدينية والخلقية، والروابط الاجتماعية، والقيود الحادة من حرية أهوائه وشهواته فيشذ وينحرف، وتقوده الشياطين والطواغيت إلى مواطن هلاكه. وقد تناول هذا البثُّ التضليلي التحويل عن معظم الأسس التي تتكون عنها عناصر الشخصية الإسلامية الفذة، وعناصر الأمة الإسلامية الكبرى ذات الوحدة العالمية، التي ليس لها حدود قومية ولا عرقية ولا لغوية ولا إقليمية، وإنما لها حدود فكرية يدخل الحق في إطارها ويخرج الباطل عنه، ولها حدود خلقية وعملية تضم أنواع الخير في داخلها، وتمنع أنواع الشر والرذيلة من أن تقرب منها. وهذه التضليلات الفكرية التي تبثها الأجهزة الاستعمارية والتبشيرية والاستشراقية والإلحادية كثيرة جداً، ربما يملأ الحديث عنها مجموعة من مجلدات البحث العلمي الهادئ، الخالي من الثورات الانفعالية، والجمل الخطابية الجوفاء. فمن هذه التضليلات ما يكون الغرض منه النفوذ إلى أسس العقائد والتشريعات الإسلامية الربانية الحقة، بغية اقتلاعها من عقول فريق من أبناء المسلمين وقلوبهم، وبذلك يتكون منهم فيلقٌ مرتدٌٌ عن الإسلام، خارج عن الملة، معادٍ للمسلمين، مهمته تحويل الأجيال الناشئة عن دينها، وتجنيدها في جيوش الردة. ومن هذه التضليلات ما يكون الغرض منه إيجاد فريق من المسلمين يتحلون باسم الإسلام، ويتعصبون له تعصباً شديداً، ولكن المفاهيم التي يستمسكون بها على أنها جزءٌ من الإسلام مفاهيم فاسدة مدسوسة، ليست من الإسلام في شيء، فلا يشهد لصحتها نص ولا إجماع ولا قياس صحيح، وقد تشهد هذه المصادر على عكسها، ويمثل هذا الفرق قوة الصد عن الإسلام

стр. 234

والتنفير منه. وبالفريقين المرتد والمخطئ في فهم الإسلام المتعصب للخطأ يجتمع على الأجيال الناشئة قوتان: قوةٌ من خارج الحدود الإسلامية، تقوم بهمة بناء المجاري التحويلية عن الإسلام، وإجراء الأجيال الناشئة فيها، وقوة أخرى من داخل الحدود الإسلامية بحسب الظاهر، وهي تقوم بمهمة الصد عن الإسلام والتنفير منه كمهمة الكتل الصخرية التي تقف في الأنهر عند مواطن التحويل، لتمنع الينابيع عن أن تجري في مجاريها الطبيعة، وبذلك يتسنى لبناة المجاري التحويلية أخذ أكبر قدر منها إلى مجاريها المصطنعة. ويرافق كلا من التضليلات الأولى والتضليلات الثانية تضليلات تعتمد على عنصر الإغراء المادي، ومن أمثلة ذلك الأفكار الدعائية التي توهم المسلمين أن التقدم المادي في شؤون المدنية الحديثة رهنٌ بترك الاستمساك بتعاليم الإسلام، وأن الإسلام عقبة في طريق التقدم، ويتغابى الذين يبثون هذه التضليلات عن الحقيقة الناصعة التي عليها الإسلام الحق، وهي أن الإسلام يدفع المسلمين بقوة إلى كل تقدم حضاري ومدني سليم من الآفات الفكرية والنفسية والخلقية والاجتماعية، ويقدم الذين يبثون التضليلات مزاعم كثيرة خالية من كل سندٍ واقعي، لدعم الأفكار الدعائية التي يضللون بها، على أن البحث الحر الهادئ كفيل بأن يقدم لطالبي الحق الحقيقة الناصعة عن الإسلام. أما الحقول الاجتماعية والفكرية التي دخلت كتائب الغزاة فيها لبث تضليلاتهم الفكرية بين المسلمين فكثيرة، منها الحقول التالية: ١- المدارس والمعاهد والكليات على اختلاف مستوياتها واختصاصاتها. ٢- الأندية وقاعات المحاضرات وسائر مراكز التوجيه الثقافي الخاصة أو العامة. ٣- الجمعيات العلمية والثقافية والأدبية والفنية ونحوها. ٤- الكتب والمجلات والصحف الدورية. ٥- وسائل الإعلام المختلفة (كالراديو والتلفزيون والفديو) . ٦- الأحزاب والهيئات السياسية والاجتماعية. ٧- المراكز الصحية على اختلاف مستوياتها.

стр. 235

٨- المعامل والمؤسسات التجارية والصناعية والإدارية وغيرها. * * * الوسيلة التاسعة العبث النفسي ومن وسائل الغزو غير المسلح العبث النفسي، وله صورتان: الصورة الأولى: وتكون بالتلاعب بالانفعالات الآنية والعواطف الثابتة لاستثمار ذلك في تحقيق الأهداف التي يرمي إليها الطامعون بالتسلط. ويعتمد هذا التلاعب على دراسات نفسية واسعة يمدها علم نفس الأفراد، وعلم نفس الجماعات والأمم. ويربط العابثون الجملة العصبية النفسية للشعوب التي يهدفون إلى التسلط عليها بمولدات حرارية قوية التأثير، وذلك حينما يريدون إثارة انفعالاتها لاستثمارها في تحقيق أهدافهم، ويربطونها في أوقات أخرى بمبردات نفسية تعمل على امتصاص درجات حرارتها وتجميدها وإزالة كل أثر انفعالي منها، لاستثمار ذلك أيضاً في تحقيق أهدافهم. ومن أمثلة العلم على رفع درجة حرارة الانفعالات الجماعية استغلال تجمع غوغائي سليم، أو اصطناع مثل هذا التجمع الغوغائي على أمرٍ لا يدعو إلى الريبة أو الحذر منه، حتى إذا التقى أفراد الجمع أخذ العابثون ينشرون بينهم شحنة حرارية تثير فيهم عاطفة من العواطف، إما بترديد شعارات موافقة لعواطفهم تلهب حماستهم، أو بترديد شعارات مضادة لهم تلهب غضبهم، ووسائل ذلك كثيرة: منها الخطابات الحماسية، ومنها الهتافات الجماعية، ومنها الهمسات التي تصدر الأخبار الكاذبة الملفقة، وتشيعها بين الأفراد، ومنها الشتائم التي تمس أفراداً ذوي مكانة عالية موقرة، أو تمس جماعات معينة، أو عقيدة أو ديناً أو مذهباً، وقد يتبع ذلك افتعال حادثة تصادم دموي يستأجر له

стр. 236

بعض الأفراد، ويندس فيه المحضرون المغرضون، فتلتهب في الجمع ثورة رعناء. ومن أمثلة العمل على رفع درجة حرارة الانفعالات الجماعية بث الدعايات الملفقة الهمسية، والصحفية، والإذاعية، لشحن نفوس الجماهير بعواطف الميل نحو أمرٍ ما، فالحب له، فالشغف به، وهكذا حتى الدرجات العظمى التي تقرب من مستوى التقديس والعبادة، أو لشحن نفوس الجماهير بعواطف النفور من أمرٍ ما فالكراهية له، فالبغض الشديد، فإعلان العداوة، وهكذا حتى درجة التصميم على الفتك وإثارة الفتن والحروب والتضحية في سبيل ذلك بالأموال والأنفس والثمرات. وحينما تصل درجة حرارة الانفعالات إلى نسبة معينة يأتي دور تنفيذ المؤامرة المدبرة التي أحكم الأعداء التخطيط لها، ولهم عند ذلك ألوان شتى من المكر، فإما أن يقذفوا الجماهير التي هاجها الانفعال إلى فخ معركة خاسرة، أو فتنة مهلكة. وإما أن يدفعوا بهم إلى التسرع في بت أمرٍ يستفيد منه إلا عدوهم، مستغلين فيهم حالة الانفعال العاطفي، التي من شأنها أن تطير صواب الجماهير، وتسلبهم الرشد والتفكير والحكمة والتدبير. وإما أن يعملوا على كشف اتفاق قيادات الجماهير مع العدو، أو إلصاق التهم الكاذبة بهذه القيادات لامتصاص القدرة على التحركات العاطفية التي يمكن أن تجتمع عليها الجماهير، فتجلب للأمة خيراً ومنفعة حسنة، إذا كانت تسيرها وتوجهها قيادة حكيمة مخلصة، ويكون امتصاص القدرة على التحركات الجماعية العاطفية في هذه الصورة بإلقاء الشك في نفوس الجماهير، ومع الشك تنعدم الثقة بالعاملين الموجهين، وتبردُ النفوس، وتجمد عن الحركة، وعندئذ تحقق المكيدة أغراضها. ومن وسائل تبريد حرارة الانفعالات غمس معظم أفراد الأمة بالأموال والمتع والشهوات والملذات وأنواع اللهب واللعب، ومختلف مرضيات وممتعات الأنفس والحواس، لأن من شأن هذه الأمور أن تطفئ كل وقدة حرارية في النفس يمكن أن تولد عاطفة عامة، لأن السعي وراء إشباع الغرائز الذاتية والشهوات النفسية يبني في الأنفس صروح الأنانيات الفردية وما أشبهها،

стр. 237

ويمتص منها قوى المشاركات الوجدانية العامة، كما يُطفئ فيها شعلات العواطف الدينية والوطنية والإنسانية، وغيرها من العواطف غير الأنانية، وذلك لأن القوى النفسية كلها منصرفة إلى إمداد الجملة العصبية الغارقة في المتع واللذات الجسدية. ومن وسائل تبريد حرارة الانفعالات الجماعة تفتيت الأمة إلى وحدات لا يثق أحدٌ منها بالآخر، وذلك لأن من شرط المشاركات العاطفية العامة وجود الجو الجماعي المتعاون، ومع تفتت الأمة وانعدام ثقة بعضها ببعض لا وجود للجو الجماعي المتعاون ولا للمشاركات العاطفية العامة. الصورة الثانية: التلاعب بأهواء النفوس، واصطيادها بشباك الشهوات واللذات والمغريات، وتحويل ميلها عن الخير، إلى مرضيات شهواتها من الشر. ذلك لأن أصول الشر في الحياة تعتمد على تحرير النفس من الضوابط، أما أصول الخير فتعتمد على تكليف النفس جهد الصعود واجتياز العقبات. وأهون الأمرين في يد الذين يحملون وظيفة الإغواء، والعبث بالنفوس، ونشر الشر في الأرض، وهم الشياطين وجنودهم. أما الذين يحملون رسالة الإصلاح، وضبط النفوس، وبناء دعائم الخير في الأرض، وهم الرسل وأتباعهم، فرسالتهم رسالةٌ شاقة، وطريقهم طويلة، مملوءة بالعقبات، مشحونة بالمتاعب الكثيرة. ولدى المحاولات التنفيذية لخطط التلاعب بأهواء النفوس تأتي كتائب الغزو غير المسلح، فتنتشر حبائلها التي تجذب إليها الحواس بمفاتنها ومغرياتها بصورة تدريجية، وذلك ضمن المجتمعات الإسلامية التي تهيمن عليها مفاهيم اجتماعية عامة، تمثل قوة الصيانة التي تملكها الجماعة، لحجز الأفراد عن الانزلاق الفردي، الذي قد يندفعون إليه تلبيةً لشهوة من شهوات نفوسهم، أو نزغة من نزغاتهم. ويرافق ذلك دسٌ فكريٌ يهوِّن من شأن المفاهيم والتطبيقات الإسلامية السائدة. أما الذي يحدُث من جراء نشر الحبائل التي تجذب إليها الحواس بمفاتنها

стр. 238

ومغرياتها مع ما يرافقها من دسائس فكرية، فهو أن موجتين من الصراع النفسي داخل المجتمع الذي يتم فيه إجراء العمليات تصطدمان في محاولة تغلُّب إحداهما على الأخرى. أما الأولى فهي الموجة التي تمثل قوة الدفاع عن الأخلاق السائدة، والتطبيقات الإسلامية الموروثة، والمفاهيم الصحيحة. وأما الثانية فهي الموجة المتخاذلة بين يدي المغريات النفسية، المنشقة عن الاتجاه العاطفي نحو الخير والفضيلة، والمنحازة إلى صف العدو المهاجم الذي نشر في المجتمع حبائله. ويتكرر التصادم، ويزيد العدو المهاجم من إلقاء حبائله المغرية الفاتنة يوماً بعد يوم، وتدعمه القوى المؤازرة له من داخل المجتمع أو من داخل النفوس، ومهما قويت موجة الدفاع على الموجة المتخاذلة المنشقة فإنها مع تكرار حركات التصادم، والإمدادات المستمرة من جهة الباطل، وفقد الإمدادات الفعالة من جهة الآخذين بالحق، لا بد أن تتناقص شيئاً فشيئاً، وتتصاغر وتضعف، ثم يصيبها الوهن، فتعزف عن الدفاع، ومتى حل فيها الركود أخذت تنحل تدريجياً، لتضيع في غمرة الفاسد الطامي. وقد عرف هذا الأمر الأعداء الغزاة من شياطين الجن والإنس، فأحكموا خططهم على وفقه لإفساد المجتمعات الإسلامية عن طريق التلاعب بأهواء النفوس، واصطيادها بشباك الشهوات واللذات والمغريات. وقد كان على القادة المسلمين في مقابل ذلك أن يعملوا بصمت وروية وتدبُّر لوضع خطط الإصلاح المضادة. التي من شأنها أن تحبط خطط الإفساد، مهما تكررت عمليات الصراع، وأن يضعوا في حسابهم كل احتمالات الهجوم المفاجئ، وأن يختاروا من الخطط ما يزيد من قوى الصمود والتقدم، لا ما يعطي بثاً دعائياً فقط، أو مظاهر فارغة ليس لها ثمرة حقيقية مجدية. وليس وضع الخطط المضادة لخطط الأعداء بالأمر العسير، وإنما العسير هو التنفيذ، لأنه يحتاج إلى جنود عمل، وإلى دأب طويل، وصبر مديد، ومتابعة مستمرة، وجهد متواصل، ومن شروطه أن لا يستعجل العاملون فيه النتائج. والأصول الأولى للخطط المضادة على ما أرى تعتمد على توعية أكبر مقدار

стр. 239

ممكن من القاعدة الإسلامية بجوهر الإسلام، وتبصيرهم بالثغرات الخطيرة التي ينفذ منها أعداؤهم إلى داخل صفوفهم، ليعملوا على هدم كل مقوماتهم الفكرية والنفسية والخلقية، وليعملوا على إضعاف كل قوة فردية أو جماعية لديهم. يضاف إلى هذه التوعية تجميع الشباب في نشاطات الأعمال الإسلامية الإيجابية، وتربيتهم على السلوك الإسلامي القويم، وتحميلهم مسؤوليات الجهاد الصامت الدائب لتوسيع القاعدة الإسلامية الواعية العارفة بدين ربها، والعاملة به المطبقة لأحكامه وتعاليمه، وإعدادهم إعداداً جيداً للأخذ بزمام الأمور حين تواتي الفرصة، وحين تتسع القاعدة وتكون هي القوة الشعبية الفعلية، لا بد أن ينبغ فيها من يقفز إلى القيادة، ويتسلم زمام الأمور، وعندئذ تجد الكثرة المسلمة حكماً إسلامياً رشيداً، يبني الحضارة الإسلامية، بعيداً عن مؤثرات أعداء الإسلام. حبائل التلاعب: ونتساءل عن حبائل التلاعب بأهواء النفوس التي يستخدمها الأعداء الغزاة، فنرى أنها لا تكاد تحصى أشكالها وألوانها وصورها، إلا أنها قد لا تعدو الأنواع الرئيسة التالية: النوع الأول: الأموال على اختلاف أصنافها، وتباين طرق تحصيلها. النوع الثاني: النساء وزينتهن وما يتصل بشهوات الجنس. النوع الثالث: الجاه والسلطان وسائر أشكال الأحكام. النوع الرابع: المآكل والمشارب وما يتصل بشهوات البطون. النوع الخامس: متع السمع والبصر. النوع السادس: السياحات والرحلات والنزهات والتنقل في أرجاء الأرض. النوع السابع: اللهو واللعب والدعة والمضحكات والمسليات. ومن البدهي أن ميل النفوس إلى هذه الأنواع أمر فطري لا يحتاج إلى تعليم أو إقناع بالحجج والبراهين، ولا يتطلب معاكسة أو مخالفة لهوى أو غريزة، على أن درجات ميل النفوس إلى كل منها متفاوتة، كما أن أفراد الناس

стр. 240

مختلفون في نسبة ميول كل فرد منهم إلى كل نوع منها، أما ضوابط الحق والخير والفضيلة فإنها تحتاج إلى تعليم وإقناع وتربية على كبح جماح شهوات النفوس، ومخالفة أهوائها المرسلة. ومن أجل ذلك تغدو مهمة المفسدين في الأرض كمهمة مطلقي الخيول من أعنتها، أو مطلقي الوحوش الضارية من أقفاصها، إذ يتركونها ترتع وتفسد في الحقول المختلفة، والرياض الغناء حسب أهوائها وعلى مقدار شراستها. أما مهمة المصلحين فإنها كمهمة سائسي الخيول. أو مروضي الوحوش الذين يكبحون جماحها، ويعقدون الأعنة في رؤوسها، ويطوعونها، ويكسرون حدة شراستها، فيطعمونها ويسقونها بحكمة على مقدار حاجتها، ولا يدعونها تفسد الحقول، وتتلف الزروع، وتسطو على ذوات الضروع، وتكسر الشجر، وتبدد الثمر. وفرق عظيم بين المهمتين في العمل وفي الغاية، فعمل المفسدين هين لين، ولكن نتائجه فساد كثير، وشر مستطير، في حين أن عمل المصلحين كدح دائم ومشقات مستمرة، لكن نتائجه بناءٌ وتعمير، وخير وفير، وجمالٌ وزينة. ومن الأموال والنساء والسلطات والمآكل والمشارب ومتع السمع والبصر واللهو واللعب وما يلحق بها ينصب الأعداء الغزاة حبائلهم المختلفة بين المسلمين، لاصطياد نفوسهم بها، وجذبهم إلى طرق الفتنة، ثم إلى أبواب جهنم، وبين ذلك يجد شياطين الإنس أيسر الفرص لتحقيق ما يريدون في المسلمين وفي أرضهم، من مالٍ يسلبونه، أو سلطان يبسطونه، أو تسخير بجنون ثمراته، أو دين يهدمون أركانه. ومن أمثلة حبائل الإفساد عن طريق المال ما يدفعون من رشوات حقيرة لأصحاب نفوس كذلك، وبالرشوات التي يدفعونها إليهم يحققون عن طريقهم ما يريدون ومثل الرشوات أمور كثيرة لا تخرج عن كونها بيعاً رخيصاً للذمم، بثمن بخس دراهم معدودة. ومنها نشر وسائل كسب المال الحرام دون جهد يبذل، ويدخل في ذلك أصناف المقامرات والمغامرات المالية غير المشروعة. ومن أمثلة حبائل الإفساد عن طريق النساء بث العاريات الفاسدات

стр. 241

في المجتمعات العامة، وتسهيل الاختلاط بهن، دون أية ضوابط دينية أو خلقية، حتى تصبح المجتمعات الإسلامية مفتوحة لكل وارد من واردات الإفساد. ومن أمثلة حبائل الإفساد عن طريق الجاه والسلطان والحكم إرضاء شهوات بعض أصحاب النفوس المريضة بشيء من عنجهية الحكم، لتسخيرهم فيما تريد كتائب الغزو غير المسلح. ومن أمثلة حبائل الإفساد عن طريق المآكل والمشارب الإغراء، بإتقان الموائد السخية المصحوبة بالمحظورات الإسلامية من مآكل ومشارب، وذلك لنشر استحسانها بين المسلمين، كيما تنهار شخصيتهم المستقلة، ويندمجوا بطراز العيش الذي يصدره الغزاة، حتى لا يروا مانعاً من خضوعهم لسلطانهم. وهكذا تتعدد حبائل الصيد بمقدار تعدد الأهواء والشهوات، وبعض هذه الحبائل أشد إرغاءً وأسراً وفتنة من بعض؛ ولكن الصيادين الشياطين اعتادوا أن يقذفوا بين المسلمين كل حبائلهم، ليصطادوا بها أكبر مقدار منهم، ولتتآزر الحبائل فيما بينها فتؤدي أمهر أدوارها. وقد أدرك اليهود قيمة المؤثرات النفسية في تحويل جماهير الشعوب، والتلاعب وتنفيذ مخططاتهم فيها، فتسللوا بوسائلهم المختلفة في الجامعات الغربية، حتى غدا معظم رؤساء أقسام عمل النفس الاجتماعي وغيره من الفروع النفسية والاجتماعية في هذه الجامعات من اليهود. * * * الوسيلة العاشرة: حيل السلب المالي ومن وسائل الغزو غير المسلح حيل السلب المالي، ومراقبو الأعمال التي يتم فيها سلب أموال الشعوب عن طريق الحيل الدولية الكبرى يشاهدون أشكالاً عجيبة رهيبة منها.

стр. 242

أما صور الاستيلاء على الثروات ومصادرها التي يمارسها الغزاة المستعمرون في كل بلد يحتلونه بالقوة فهي صورة بدائية معروفة، لا تحتاج إلى ذكاء عظيم، وتحايل ماكر، وقد ابتليت معظم الشعوب الإسلامية بهذا النوع من الاستيلاء، وعانت منه آلاماً كثيرة، إذ فقدت به معظم ثرواتها المالية النقدية، وثرواتها العلمية، ونوادر مخطوطاتها وآثارها المتحفية. لكن صور الاستيلاء بالحيلة والمكر والدهاء هي الصور التي تظل مستمرة، ولو خرجت جيوش الاحتلال من البلاد، وارتفع كابوس أسلحتها وسلطانها المباشر عن الشعوب المغلوبة. ولقد يكون عسيراً عسراً بالغاً إحصاء أنواع حيل السلب التي تتفتق عنها قرائح شياطين الطمع والشره الدوليون لكثرتها، ولكن هذا لا يمنع من عرض طائفة من حقولها. فمنها الحيل المالية التي تمارسها البنوك الدولية، كعقد صفقات القروض الربوية التي تستنزف ثروات البلاد وطاقات شعوبها بشكل تدريجي، كما يمتص دود العلق دماء ضحاياه فيها من الناس، وكم استنزفت البنوك العالمية من ثروات للشعوب، ولليهود فيها أكبر نصيب، والدولة اليهودية السرية المنبثة في أرجاء العالم هي الوارثة لأموال الكادحين من الشعوب وهم على قيد الحياة، وذلك عن طريق الربا، وسائر حيل سلب الأموال. ومنها الحيل التي تمارسها كثير من الشركات الاستثمارية الأجنبية المختلفة، التي تتظاهر بالاستقامة، وتخفي عن الأنظار ألاعيبها وحيلها التي تعتمد على الغش والكذب والنفاق والرشوة والسرقة والاحتكار واستغلال نفوذها الدولي، وتعتمد أيضاً على استغلال النساء وكل ما يتصل بحقول الإفساد الخلقي. ومنها الاستغلالات التي تمارسها طائفة من المؤسسات التعليمية التبشيرية على اختلاف مستوياتها بدءاً من دور الحضانة حتى الجامعات الكبرى، وكذلك التي تمارسها طائفة من المؤسسات الصحية التبشيرية المختلفة، بدءاً من الطبيب المبشر، والممرضة المبشرة، حتى المستشفيات الكبرى.

стр. 243

ومن الحيل التي تمارسها كتائب الغزاة لابتزاز أموال الشعوب الرشوات والاتفاقات السرية على مشاركة المؤسسات الرسمية في أرباح مبيعاتها، والمشاركة في أرباح المحتكرات المحمية من السلطات، وأرباح المهربات المحظورة التي يسهل الغزاة سبل تهريبها، والمشاركة في الأرباح الزائدة المتحصلة بسبب التهرب من دفع الضرائب الجمركية، التي يدفعها الآخرون لصندوق الدولة وهم طائعون. ومن حيلهم لسلب الأموال التلاعب بالنقد، وذلك عن طريق تخفيض أسعاره، أو إلغاء أوراقه المعتمدة، أو تجمعيها وإخفائها، أو عن طريق التهريب الذي تقوم به العصابات الدولية التي تدعمها كتائب الغزاة وأجراؤها، أو عن طريق التزوير، أو المضاربات الدولية المشحونة بمؤامرات الغش والكذب والخداع. ومن حيلهم لسلب الأموال نشر الخمور والمخدرات وسائر قواتل الجملة العصبية لأجيال الشعوب الإسلامية، ومعلوم أن للدولة اليهودية التي يتزايد ورمها في جسم الأمة العربية باعاً واسعاً في زراعة المخدرات، وتصديرها عن طريق التهريب إلى مختلف الشعوب العربية والإسلامية لقتل هذه الشعوب بها. ومن حيلهم لسلب الأموال أيضاً تأسيس نوادي القمار ودور اللهو والدعارة ومباءات قتل الوقت الثمين بسموم الرذيلة الفتاكة. ومن حيلهم إرسال الدجالين الجاهلين أو الغشاشين بأسماء عريضة وألقاب فخمة، تُدَّعَى لهم خبرات فنية عالية، ثم لا يقدمون من هذه الخبرات شيئاً، إما لأنهم جاهلون وإما لأنهم غشاشون. إلى غير ذلك من حيل لا تحصى وأساليب لا تحصر، ويرافق كل ذلك توجيه الضغوط الاقتصادية الدولية المختلفة، التي تعرف الدول الاستعمارية الاستثمارية كيف توجهها ومتى توجهها. * * *

стр. 244

الوسيلة الحادية عشرة: الإفساد الاجتماعي ومن وسائل الغزو غير المسلح الإفساد الاجتماعي، ويتضمن هذا الإفساد كل خطة ترمي إلى حل التماسك وفك الترابط الجماعي بين أفراد الأمة الواحدة، حتى لا تكون لهم شخصية موحدة قوية تصد عنها مطامع الغزاة. ومن أهم العناصر التي تتم بها الشخصية الجماعية الموحدة التقاء أفراد الأمة على الوحدة التالية: ١- الوحدة الفكرية مع وحدة مناهج البحث. ٢- الوحدة الاعتقادية حول النفس والكون والحياة وسر الوجود والغاية من خلق الإنسان، مع وحدة المصادر الاعتقادية. ٣- الوحدة السلوكية النظرية والتطبيقية. ٤- الوحدة العاطفية نحو الأمور المشتركة بين الأفراد. ولذلك كانت هذه الوحدات في المسلمين بمثابة المقاتل التي يسدد الأعداء الغزاة إليها سهامهم المسمومة، إذ يعملون على تفتيتها، وإحداث التناقض فيما بينها، لينحل التماسك وتتقطع الأربطة الجامعة بين أفراد الأمة الإسلامية، ومتى انحل التماسك وتقطعت الأربطة الجامعة انفرط عقد الجماعة الواحدة، وفقدت قوتها الجماعية، وغدت كمتناثر الرمال، وحتى حدث التناقض والتخالف وتعارض المصالح بين أفرادها، وتلاعبت بهم الأهواء، اتجهت القوى الفردية تتصارع فيما بينها تصارعاً يضعها في طريق الفناء والزوال، ويتيح لأعدائها أن يحققوا كل مطامعهم وهي في منأى عن أن يصيبهم شيء من القَرْح الذي يحدثه التصارع الداخلي. وقد سبق أن منح الإسلام الذين آمنوا به صادقين مخلصين والتزموا تعاليمه كل الوحدات المطلوبة لتكوين الأمة الواحدة، فكانوا بذلك قوة جماعية

стр. 245

كاملة لا تستطيع قوة جماعية أخرى تعادلها في القوة أو تزيد عليها بمقدار ضعفها أن تغلبهم في صراع. وهذا ما كان يرهب أعداء الإسلام، إلى أن اكتشفوا الخطط الشيطانية التي يستطيعون بها أن يعبثوا بالعناصر الرئيسة التي تم فيها تكوين شخصيتهم الإسلامية الموحدة القوية في العالم، فعمدوا إلى قواعد بنيانهم الإسلامي في محاولات شتى لنقضها قاعدة فقاعدة. فأرادوا أن يضعوا بدل الوحدة الفكرية عند المسلمين أشتاتاً وأخلاطاً فكرية متناقضة، أو متضادة، أو متخالفة، لينجم عن هذه الأشتات والأخلاط المتعارضة الدخيلة أشكال الصراع الفكري بين الأمة الإسلامية. كما أرادوا أن يتلاعبوا بمناهج البحث السليمة عند المسلمين وهي المناهج التي أرشدهم الله إليها بالوحي، وأن يضعوا لهم بدلها مناهج قصيرة النظر، تقف عند حدود الظواهر المادية، ولا تتعداها إلى الحقائق الكامنة وراءها. وأرادوا أن يضعوا بدل الوحدة الاعتقادية المهيمنة على قلوب المسلمين أشتاتاً أخرى، من أخلاط اعتقادية فاسدة لا أساس لها من الحق، أو اتجاهات وجودية إلحادية تعمل على تحويل الإنسان إلى مخلوق أناني متوحش، يستخدم كل ذكائه لإشباع رغباته الأنانية المتوحشة. وأرادوا أن يضعوا بدل الوحدة السلوكية النظرية والتطبيقية التي جعلت من المسلمين نسيجاً رائعاً ممتداً على كل الأرض التي يقطنونها، قطعاً ممزقة بالية، واهية الخيوط، تتلاعب بها الرياح الكونية ولو لم تكن عاتية، وتتقاذفها ذات الغرب مرة وذات الشرق أخرى. وأرادوا أن يضعوا بدل الوحدة العاطفية المستندة إلى أساس ديني متين راسخ والتي كانت تحركاتهم بقوة هائلة تحريكاً واحداً، أشتاتاً عاطفية متباينة متناقضة، فمنها أناني شخصي، ومنها إقليمي، ومنها قومي، ومنها مصلحي مادي، ومنها طائفي، ومنها طبقي، إلى آخر ما يدخل في هذه الأشتات العاطفية المختلفة فيما بينها اختلافاً كثيراً.

стр. 246

وبالخطط الماكرة الذكية، وبالأعمال التنفيذية الدائبة، استطاع الأعداء الغزاة أن يجنوا من ثمرات إفسادهم الاجتماعي للأمة الإسلامية الواحدة ما حققوا به قدراً كبيراً من أهدافهم الظالمة الآثمة. * * * الوسيلة الثانية عشرة الإفساد الخلقي والسلوكي ومن وسائل الغزو غير المسلح الإفساد الخلقي، وقد اكتشف الأعداء الغزاة طريقين للوصول إلى إفساد أخلاق الشعوب، والهبوط بها من قمة الكمال الإنساني إلى حضيض النقص والرذيلة: الطريق الأول: العبث بالمفاهيم والحقائق الخلقية. الطريق الثاني: الغمس بالمجتمعات ذات الأخلاق الفاسدة. أ- العبث بالمفاهيم والحقائق الخلقية والسلوكية: وقد ظهر العبث بالمفاهيم والحقائق الخلقية في حشد النظريات الفلسفية الأخلاقية المنحرفة عن الشرائع الربانية المستندة إلى مبادئ الخير والشر، والنفع والضر، والمصالح والمفاسد. ومن نظرياتهم ما يعتمد على تمجيد اللذة الفردية، وإباحة كل ما يحققها، مهما أضر ذلك بجسم الفرد أو عقله أو أضر بالجماعة، أو خالف أوامر الله لعباده. ومنها النظريات التي تعتمد على تمجيد قوة الجماعة، التي تمثلها دولة سياسية، فكل ما يفضي إلى دعم هذه القوة أو إنمائها فإنه لا ينافي الأخلاق الكريمة لدى هذه النظريات المنحرفة. ومنها التضليلات التي تدرس بين الشعوب المسلمة أن الأخلاق أمور اعتبارية تتواضع عليها الشعوب، إذ تمليها عليها مصالح أو دوافع نفسية، أو أحوال

стр. 247

خاصة اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية أو غيرها، وليس لها أصول فكرية ثابتة، ويضربون على ذلك الأمثلة من تقاليد بعض الشعوب البدائية، أو مما تواضعت عليه بعض الشعوب المنحلة خلقياً، كأن التقاليد البدائية أو الانحلال الخلقي من الصور المعتبرة التي يصح أن توضع في جداول الأخلاق الفاضلة لدى التصنيف الذي يقوم به متتبعو الحقيقة بالبحث العلمي المتجرد النزيه. ومن العجيب أن يتصيد هؤلاء المضلون الأمثلة من شعوب بدائية أو شعوب منحلة، بغية زلزلة أصول الأخلاق التي يريدون تهديمها في الشعوب المسلمة، ذات التقدم الحضاري في ميادين الأخلاق التي اكتسبها من رسالة الإسلام الربانية، مع أنهم في الوقت نفسه لا يعتبرون أكواخ الشعوب البدائية، وطراز لباسها، وطرق أكلها وشربها، ووسائل عيشها، وأنظمة مجتمعاتها المتخلفة، ونحو ذلك من الأمثلة التي يصح أن توضع في جداول المدنيات المتقدمة، وأن تقارن بما توصلت إليه المدنيات الراقية، من بناء ناطحات السحاب، إلى طراز الألبسة الأنيقة، وطرق الأكل والشرب الراقية النظيفة، التي تنتزع الإعجاب والاستحسان، ثم إلى وسائل الرفاهية والراحة والقوة والسرعة، ثم إلى كل منجزات العلم المادي الحديث. ويقول قائل هؤلاء المضلِّين: إن بعض القبائل تأكل موتاها بدافع اقتصادي، ولا ترى ذلك منافياً للأخلاق أو للسلوك السليم، وبعض الشعوب لا ترى في العري والزنى بأساً، ولا ترى شيئاً من ذلك منافياً للأخلاق أو للسلوك السوي، ويسوق كلامه هذا دليلاً على أن الأخلاق أمور اعتبارية تتواضع عليها الشعوب، وليس لها أصول ثابتة. ولقد كان على صاحب هذا التضليل أن يكون منسجماً مع نفسه، فيقول مع ذلك: إن التقدم المدني ليس له صورة ثابتة أيضاً، فالأكواخ البدائية، وسكنى الغابات والكهوف والمغارات، واستخدام الحجارة بدل أوراق الكتابة أو بدل السكاكين، والتقاتل بها في الحروب بدل الأسلحة الحربية المتفوقة، ونحو ذلك هو من الصور المدنية التي تتواضع عليها الشعوب، أخذاً من الواقع الذي عليه الناس، فهي ومظاهر المدنيات

стр. 248

الراقية المدهشة توضعان على قدم المساواة، إن قياس كلامه يقتضي ذلك. فإذا كان هذا في المدنيات أمراً مرفوضاً فهو في ميادين الحضارة الخلقية مرفوض أيضاً، وبنسبة أكبر، إن ميادين الحضارة الخلقية ذات سلم في الرقي الإنساني يماثل سلم الرقي المدني، إلا أن ثمرات الرقي المدني لا تزيد على أنها تحقق رفاهية الإنسان، أما الرقي الخلقي فثمراته تحقق سعادة الإنسان، وفرق عظيم بين هذين الصنفين من الثمرات، ندرك هذا الفرق حين ندرك أن السعادة أثمن ما في الحياة كلها. ب- الغمس بالمجتمعات ذات الأخلاق الفاسدة والسلوك المنحرف قد يكون الغمس في المجتمعات الموبوءة بعناصر الفساد الخلقي والسلوكي من أفعل وسائل الإفساد العملي، ولذلك تلجأ إليه كتائب الغزو غير المسلح لإفساد أخلاق المسلمين. فمن المعروف المجرَّب في طبائع الناس، أن الإنسان بطبيعته قابل للتكيف والتأثر بالبيئات الاجتماعية التي ينغمس فيها، وأن مقداراً من التفاعل لا بد أن يتم بين مجتمع ما وبين من يدخل فيه، ولا بد أن يتأثر كل منهما بالآخر على مقدار ما لدى كل منهما من قوة التأثير وقابلية التأثر. فلو وضعنا تقياً نقياً غير معصوم في بيئة اجتماعية، معظم ممن فيها فاسدون متحللون ماديون لا يعرفون في حياتهم إلا الانحرافات الخلقية وأنواع السلوك الفاسد فإن الذي يحدث لهذا التقي النقي عملية تحول تدريجي تمر بمراحل، واجتياز هذه المراحل قد يكون بطيئاً وقد يكون سريعاً. قد تبدأ مراحل التحول بالنفرة الشديدة والمقاومة والصمود، ثم تنتقل إلى الانكماش والتوجس، ثم تنتقل إلى حالة من حالات العزلة النفسية، وفي كل مرحلة من هذه المراحل لون من ألوان التأثر بالبيئة لا محالة، ثم تنتقل إلى الشعور بعدم المبالاة فراراً من الصراع النفسي والقلق الدائم، وسأماً من العزلة النفسية القائمة ثم تنتقل إلى إلف هذه البيئة، وذلك لأن تكرار مشاهدة القبيح من الوسائل التي تجعله مألوفاً لا يثير في النفس نفرة ولا اشمئزازاً، وربما غدت

стр. 249

علامات قبحه من الأمور المنسية التي لا يلتفت الذهن إليها، وإن كانت مما تشهده الحواس، وهذا في القبيح النفسي أو القبيح الحسي، فكيف بالأمور التي لا يدرك قبحها إلا عن طريق الشرع، أو عن طريق التأمل العقلي العميق والنظر الفكري الدقيق، وهي جميلة لدى الحواس، لذيذة في النفوس، تهفو إليها الغرائز، وتميل إليها الأهواء والشهوات. وبعد مرحلة الإلف تبدأ مراحل المسايرة، ثم مراحل الاندماج الكلي، والتحول التام، والتلاؤم مع واقع البيئة الجديدة. فلا عجب أن نجد تقياً نقياً تحول إلى فاسق فاجر من الطراز الأول إذا استطاع شياطين الإنس أن يزجوا به في بيئة اجتماعية ماكرة، مملوءة بالعناصر الفاسدة الفاسقة، المنغمسة بالمال واللذة والنساء، والاستمتاع بأنواع الشهوات المحرمة، ومرافقات هذه العناصر، مما يحرك الغرائز ويهيجها، ويؤثر في النفوس ويستميلها. وفي مقابل ذلك ربما يستطيع المصلحون أن يعملوا على تحويل فاسق فاجر إلى تقي نقي طاهر، إذا استطاعوا أن يغمسوه في بيئة اجتماعية كريمة، مملوءة بعناصر الصلاح والتقوى من غير تنفير، مزينة ببعض ما تحبه النفوس وتميل إليه مما أذن الله به وأباحه، ولا غرو أن يمر هذا في مراحل مناظرة لمراحل تحويلات البيئة الفاسدة لذلك التقي النقي. وقد عرفت كتائب الأعداء الغزاة هذه الطبيعة النفسية عند الإنسان، فوضعت في منهاج عملها أن تسلك طريق غمس المسلمين في بيئات فاسدة منحلة خلقياً، تصدرها إليهم من خارج بلادهم، أو تستوردهم إليها، فستقدمهم بهجرات الدراسة أو العمل أو غير ذلك، وفي كلا الأمرين تتهيأ أكثر الظروف الملائمة لإفساد الأجيال من أبناء المسلمين إفساداً عملياً، عن طريق الغمس في المجتمعات الموبوءة بجراثيم الفساد الخلقي والسلوكي. ومعلوم أن أهم عناصر هذا الإفساد العناصر التالية: المال - النساء - الخمر - المادية البحتة - أنماط العيش التي تعتمد على الرفاهية والمتعة واللذة وعدم المبالاة إلا بما تمتص طاقات الفكر والجسد من متعة ولذة ولهو.

стр. 250

ومهمة المصلحين في مقابل ذلك أن يعملوا على تهيئة البيئات الصالحة المؤثرة، التي تتوافر فيها معظم الشروط لتحويل الفاسدين إلى الصالحين، أسوة بالبيئة النبوية التي انصهر فيها الجيل الإسلامي الأول، وتخرج منها إلى العالم دعاة إلى الخير، فاتحون بالهداية، مصلحون بالحكمة والموعظة الحسنة، والقدوة الكريمة. شاهد على الإِفساد باستقدام كثير من أبناء المسلمين إلى بلاد الكفر جاء في مقدمة كتاب "المنبوذون في الأرض" لناشر الضلال وداعيته اليهودي الفرنسيّ "جان بول سارتر" حامل لواء الوجودية الملحدة، قوله: "كنَّا نُحْضِر رؤساء القبائل، وأولاد الأشراف والأثرياء والسّادة، من أفريقية وآسيا، ونطوف بهم بضعة أيّام، في أمستردام، ولندن، والنرويج، وبلجيكا، وباريس، فتتغيّر ملابسهم، ويَلْتَقطون بعض أنماط العلاقات الاجتماعيّة الجديدة، ويرتدون السّترات والسراويل. ويتعلّمون منا طريقةً جديدة في الرَّواح والْغُدُوّ، والاستقبال والاستدبار، ويتعلّمون لغاتنا، وأساليبَ رَقْصِنَا ورُكوب عربتانا، وكُنَّا نُدَبِّر لبعضهم أحياناً زواجاً من أوروبيّة، ثُمَّ نلقِّنُهُمْ أسلوبَ الحياة على أثاث جديد، وغذاء أوروبيّ، وكُنَّا نضعُ في أعماق قلوبهم الرغبة في أوروبّة بلادِنا، ثم نرسِلُهم إلى بلادهم، وأيّ بلاد؟! لقد كانت أبوابُ بلادهم مغلقة دائماً في وجوهنا، لم نكن نجد منفذاً إليها، كُنَّا بالنسبة إليها رِجْساً ونجساً وخَنَا، كُنَّا أعداءً يخافون منا، وكأنّهم همجٌ لم يعرفوا بشراً، لكنَّا بمجرد أن أرسلنا المفكرين الذين صنعناهم إلى بلادهم، كُنّا بمجرّدِ أن نصيح من أمستردام، أو برلين، أو بلجيكا، أو باريس، قائلين: "الإخاء البشري" نرى أنّ أصواتنا يرتَدُّ من أقاصي أفريقية، أو من فجّ من الشرق، الأوسط أو الأدنى أو الأقصى، أو شمال أفريقية. ثمّ إنّنا كنّا واثقين من أنّ هؤلاء المفكرين لا يملكون كلمةً واحدةً يقولونها غير ما وضعنا في أفواههم، ليس هذا فحسب، بل إنَّهم سُلِبُوا حق الكلام عن مواطنيهم.
следующие страницы →