← Общие книги

Общие книги · id 22855

أجنحة المكر الثلاثة

عبد الرحمن حبنكة الميداني

Полный текст (750 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

وبالخطط الماكرة الذكية، وبالأعمال التنفيذية الدائبة، استطاع الأعداء الغزاة أن يجنوا من ثمرات إفسادهم الاجتماعي للأمة الإسلامية الواحدة ما حققوا به قدراً كبيراً من أهدافهم الظالمة الآثمة. * * * الوسيلة الثانية عشرة الإفساد الخلقي والسلوكي ومن وسائل الغزو غير المسلح الإفساد الخلقي، وقد اكتشف الأعداء الغزاة طريقين للوصول إلى إفساد أخلاق الشعوب، والهبوط بها من قمة الكمال الإنساني إلى حضيض النقص والرذيلة: الطريق الأول: العبث بالمفاهيم والحقائق الخلقية. الطريق الثاني: الغمس بالمجتمعات ذات الأخلاق الفاسدة. أ- العبث بالمفاهيم والحقائق الخلقية والسلوكية: وقد ظهر العبث بالمفاهيم والحقائق الخلقية في حشد النظريات الفلسفية الأخلاقية المنحرفة عن الشرائع الربانية المستندة إلى مبادئ الخير والشر، والنفع والضر، والمصالح والمفاسد. ومن نظرياتهم ما يعتمد على تمجيد اللذة الفردية، وإباحة كل ما يحققها، مهما أضر ذلك بجسم الفرد أو عقله أو أضر بالجماعة، أو خالف أوامر الله لعباده. ومنها النظريات التي تعتمد على تمجيد قوة الجماعة، التي تمثلها دولة سياسية، فكل ما يفضي إلى دعم هذه القوة أو إنمائها فإنه لا ينافي الأخلاق الكريمة لدى هذه النظريات المنحرفة. ومنها التضليلات التي تدرس بين الشعوب المسلمة أن الأخلاق أمور اعتبارية تتواضع عليها الشعوب، إذ تمليها عليها مصالح أو دوافع نفسية، أو أحوال

стр. 247

خاصة اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية أو غيرها، وليس لها أصول فكرية ثابتة، ويضربون على ذلك الأمثلة من تقاليد بعض الشعوب البدائية، أو مما تواضعت عليه بعض الشعوب المنحلة خلقياً، كأن التقاليد البدائية أو الانحلال الخلقي من الصور المعتبرة التي يصح أن توضع في جداول الأخلاق الفاضلة لدى التصنيف الذي يقوم به متتبعو الحقيقة بالبحث العلمي المتجرد النزيه. ومن العجيب أن يتصيد هؤلاء المضلون الأمثلة من شعوب بدائية أو شعوب منحلة، بغية زلزلة أصول الأخلاق التي يريدون تهديمها في الشعوب المسلمة، ذات التقدم الحضاري في ميادين الأخلاق التي اكتسبها من رسالة الإسلام الربانية، مع أنهم في الوقت نفسه لا يعتبرون أكواخ الشعوب البدائية، وطراز لباسها، وطرق أكلها وشربها، ووسائل عيشها، وأنظمة مجتمعاتها المتخلفة، ونحو ذلك من الأمثلة التي يصح أن توضع في جداول المدنيات المتقدمة، وأن تقارن بما توصلت إليه المدنيات الراقية، من بناء ناطحات السحاب، إلى طراز الألبسة الأنيقة، وطرق الأكل والشرب الراقية النظيفة، التي تنتزع الإعجاب والاستحسان، ثم إلى وسائل الرفاهية والراحة والقوة والسرعة، ثم إلى كل منجزات العلم المادي الحديث. ويقول قائل هؤلاء المضلِّين: إن بعض القبائل تأكل موتاها بدافع اقتصادي، ولا ترى ذلك منافياً للأخلاق أو للسلوك السليم، وبعض الشعوب لا ترى في العري والزنى بأساً، ولا ترى شيئاً من ذلك منافياً للأخلاق أو للسلوك السوي، ويسوق كلامه هذا دليلاً على أن الأخلاق أمور اعتبارية تتواضع عليها الشعوب، وليس لها أصول ثابتة. ولقد كان على صاحب هذا التضليل أن يكون منسجماً مع نفسه، فيقول مع ذلك: إن التقدم المدني ليس له صورة ثابتة أيضاً، فالأكواخ البدائية، وسكنى الغابات والكهوف والمغارات، واستخدام الحجارة بدل أوراق الكتابة أو بدل السكاكين، والتقاتل بها في الحروب بدل الأسلحة الحربية المتفوقة، ونحو ذلك هو من الصور المدنية التي تتواضع عليها الشعوب، أخذاً من الواقع الذي عليه الناس، فهي ومظاهر المدنيات

стр. 248

الراقية المدهشة توضعان على قدم المساواة، إن قياس كلامه يقتضي ذلك. فإذا كان هذا في المدنيات أمراً مرفوضاً فهو في ميادين الحضارة الخلقية مرفوض أيضاً، وبنسبة أكبر، إن ميادين الحضارة الخلقية ذات سلم في الرقي الإنساني يماثل سلم الرقي المدني، إلا أن ثمرات الرقي المدني لا تزيد على أنها تحقق رفاهية الإنسان، أما الرقي الخلقي فثمراته تحقق سعادة الإنسان، وفرق عظيم بين هذين الصنفين من الثمرات، ندرك هذا الفرق حين ندرك أن السعادة أثمن ما في الحياة كلها. ب- الغمس بالمجتمعات ذات الأخلاق الفاسدة والسلوك المنحرف قد يكون الغمس في المجتمعات الموبوءة بعناصر الفساد الخلقي والسلوكي من أفعل وسائل الإفساد العملي، ولذلك تلجأ إليه كتائب الغزو غير المسلح لإفساد أخلاق المسلمين. فمن المعروف المجرَّب في طبائع الناس، أن الإنسان بطبيعته قابل للتكيف والتأثر بالبيئات الاجتماعية التي ينغمس فيها، وأن مقداراً من التفاعل لا بد أن يتم بين مجتمع ما وبين من يدخل فيه، ولا بد أن يتأثر كل منهما بالآخر على مقدار ما لدى كل منهما من قوة التأثير وقابلية التأثر. فلو وضعنا تقياً نقياً غير معصوم في بيئة اجتماعية، معظم ممن فيها فاسدون متحللون ماديون لا يعرفون في حياتهم إلا الانحرافات الخلقية وأنواع السلوك الفاسد فإن الذي يحدث لهذا التقي النقي عملية تحول تدريجي تمر بمراحل، واجتياز هذه المراحل قد يكون بطيئاً وقد يكون سريعاً. قد تبدأ مراحل التحول بالنفرة الشديدة والمقاومة والصمود، ثم تنتقل إلى الانكماش والتوجس، ثم تنتقل إلى حالة من حالات العزلة النفسية، وفي كل مرحلة من هذه المراحل لون من ألوان التأثر بالبيئة لا محالة، ثم تنتقل إلى الشعور بعدم المبالاة فراراً من الصراع النفسي والقلق الدائم، وسأماً من العزلة النفسية القائمة ثم تنتقل إلى إلف هذه البيئة، وذلك لأن تكرار مشاهدة القبيح من الوسائل التي تجعله مألوفاً لا يثير في النفس نفرة ولا اشمئزازاً، وربما غدت

стр. 249

علامات قبحه من الأمور المنسية التي لا يلتفت الذهن إليها، وإن كانت مما تشهده الحواس، وهذا في القبيح النفسي أو القبيح الحسي، فكيف بالأمور التي لا يدرك قبحها إلا عن طريق الشرع، أو عن طريق التأمل العقلي العميق والنظر الفكري الدقيق، وهي جميلة لدى الحواس، لذيذة في النفوس، تهفو إليها الغرائز، وتميل إليها الأهواء والشهوات. وبعد مرحلة الإلف تبدأ مراحل المسايرة، ثم مراحل الاندماج الكلي، والتحول التام، والتلاؤم مع واقع البيئة الجديدة. فلا عجب أن نجد تقياً نقياً تحول إلى فاسق فاجر من الطراز الأول إذا استطاع شياطين الإنس أن يزجوا به في بيئة اجتماعية ماكرة، مملوءة بالعناصر الفاسدة الفاسقة، المنغمسة بالمال واللذة والنساء، والاستمتاع بأنواع الشهوات المحرمة، ومرافقات هذه العناصر، مما يحرك الغرائز ويهيجها، ويؤثر في النفوس ويستميلها. وفي مقابل ذلك ربما يستطيع المصلحون أن يعملوا على تحويل فاسق فاجر إلى تقي نقي طاهر، إذا استطاعوا أن يغمسوه في بيئة اجتماعية كريمة، مملوءة بعناصر الصلاح والتقوى من غير تنفير، مزينة ببعض ما تحبه النفوس وتميل إليه مما أذن الله به وأباحه، ولا غرو أن يمر هذا في مراحل مناظرة لمراحل تحويلات البيئة الفاسدة لذلك التقي النقي. وقد عرفت كتائب الأعداء الغزاة هذه الطبيعة النفسية عند الإنسان، فوضعت في منهاج عملها أن تسلك طريق غمس المسلمين في بيئات فاسدة منحلة خلقياً، تصدرها إليهم من خارج بلادهم، أو تستوردهم إليها، فستقدمهم بهجرات الدراسة أو العمل أو غير ذلك، وفي كلا الأمرين تتهيأ أكثر الظروف الملائمة لإفساد الأجيال من أبناء المسلمين إفساداً عملياً، عن طريق الغمس في المجتمعات الموبوءة بجراثيم الفساد الخلقي والسلوكي. ومعلوم أن أهم عناصر هذا الإفساد العناصر التالية: المال - النساء - الخمر - المادية البحتة - أنماط العيش التي تعتمد على الرفاهية والمتعة واللذة وعدم المبالاة إلا بما تمتص طاقات الفكر والجسد من متعة ولذة ولهو.

стр. 250

ومهمة المصلحين في مقابل ذلك أن يعملوا على تهيئة البيئات الصالحة المؤثرة، التي تتوافر فيها معظم الشروط لتحويل الفاسدين إلى الصالحين، أسوة بالبيئة النبوية التي انصهر فيها الجيل الإسلامي الأول، وتخرج منها إلى العالم دعاة إلى الخير، فاتحون بالهداية، مصلحون بالحكمة والموعظة الحسنة، والقدوة الكريمة. شاهد على الإِفساد باستقدام كثير من أبناء المسلمين إلى بلاد الكفر جاء في مقدمة كتاب "المنبوذون في الأرض" لناشر الضلال وداعيته اليهودي الفرنسيّ "جان بول سارتر" حامل لواء الوجودية الملحدة، قوله: "كنَّا نُحْضِر رؤساء القبائل، وأولاد الأشراف والأثرياء والسّادة، من أفريقية وآسيا، ونطوف بهم بضعة أيّام، في أمستردام، ولندن، والنرويج، وبلجيكا، وباريس، فتتغيّر ملابسهم، ويَلْتَقطون بعض أنماط العلاقات الاجتماعيّة الجديدة، ويرتدون السّترات والسراويل. ويتعلّمون منا طريقةً جديدة في الرَّواح والْغُدُوّ، والاستقبال والاستدبار، ويتعلّمون لغاتنا، وأساليبَ رَقْصِنَا ورُكوب عربتانا، وكُنَّا نُدَبِّر لبعضهم أحياناً زواجاً من أوروبيّة، ثُمَّ نلقِّنُهُمْ أسلوبَ الحياة على أثاث جديد، وغذاء أوروبيّ، وكُنَّا نضعُ في أعماق قلوبهم الرغبة في أوروبّة بلادِنا، ثم نرسِلُهم إلى بلادهم، وأيّ بلاد؟! لقد كانت أبوابُ بلادهم مغلقة دائماً في وجوهنا، لم نكن نجد منفذاً إليها، كُنَّا بالنسبة إليها رِجْساً ونجساً وخَنَا، كُنَّا أعداءً يخافون منا، وكأنّهم همجٌ لم يعرفوا بشراً، لكنَّا بمجرد أن أرسلنا المفكرين الذين صنعناهم إلى بلادهم، كُنّا بمجرّدِ أن نصيح من أمستردام، أو برلين، أو بلجيكا، أو باريس، قائلين: "الإخاء البشري" نرى أنّ أصواتنا يرتَدُّ من أقاصي أفريقية، أو من فجّ من الشرق، الأوسط أو الأدنى أو الأقصى، أو شمال أفريقية. ثمّ إنّنا كنّا واثقين من أنّ هؤلاء المفكرين لا يملكون كلمةً واحدةً يقولونها غير ما وضعنا في أفواههم، ليس هذا فحسب، بل إنَّهم سُلِبُوا حق الكلام عن مواطنيهم.

стр. 251

هذا دور المفكّر الّذي يتشكَّل بالشَّكْل الأوروبّي، ويلْعَبُهُ في الدُّول الإسلاميّة، إنّه دور "دليل الطريق" للاستعمار في البلاد التي لم نكن نعْرفُها، أو نعرفُ لغاتها، وهو السوس الذي عمل في الشرق من أجل تثبيت موادّنا الثقافية والاقتصادية والأخلاقية والفلسفيّة والفكريّة، المسمّمة للاستعمار الغربيّ، داخل هذه الأشجار الوارفة الأصيلة. هذا هو السوس الذي كُنَّا صنعناه وسمَّيْنَاهُ بالمفكرين، كانوا عالمين بلغاتنا، وكان قُصَارى همِّهم، ومُنْتَهى أمَلِهم، أنْ يصبحوا مثْلَنا، في حين أنَّهم أشباهُنَا، وليسوا مثلنا. إنَّهُمْ نَخَرُوا من الداخل ثقافة أهليهم، وأديانهم القوميّة، الّتي تصنَعُ الحضارات، ونَخَرُوا مُثُلَهُم وأحاسيسهم وأفكارهم الجميلة، وأصالتَهُم الأخلاقيّة والإنسانيّة، وتحتَ أيّ شعار؟ وبأيّ اسم؟ باسْمِ مقاومة الخرافات، أو مكافحة الرّجعيّة أو الوقوف ضِدّ السلفيّة". هذا مخطّطهم فليحذر المسلمون. * * *

стр. 252

الفصْل السّابع منْ وَسَائل الغزو الفكري: التفريغ وَالملء ١- مقدمة. ٢- عناصر الخطة. ٣- وسائل التفريغ. ٤- عمليات ملء التفريغ. ٥- تسخير الجيش الجديد من أبناء الأمة.

стр. 253

(١) مقدّمة علمتني الحشرة حينما تدخل إلى باطن الثمرة فتجوفها كيف يحاول أن يصنع أعداء الإسلام به، إنهم يحاولون تفريغ الإسلام من محتواه الاعتقادي والعملي والخلقي حتى يُمسي قشرة فارغة محكوماً عليها بالطرح والفناء وهكذا يفعلون، وبالإسلام يكيدون. تكون الثمرة الجميلة في ريعان نضارتها وحيويتها، متسارعة في سلم نُموها، فتغفل عنها عينُ جنّانها، وتُهمل يده صيانتها، فتأتي إليها حشرة صغيرة دون ما يدركه النظر، فتغمز منها طرفاً متوارياً، وتحفر فيه ثغرة يسيرة لا يعبأ بها الغادون ولا الرائحون، وتعمل في مكان غير ظاهر لضوء الشمس، فتأكل على قدرها عابرة في نفق تصنعه لنفسها، وتنمو الحشرة في الظلمات، وتترعرع حتى تصل إلى النواة، وفي النواة تجد لها غرضاً لذيذاً، ومطعماً طيباً، فتأكلها، وتلتهم ما تلتهم من لب الثمرة، وتفسد ما تعجز عن التهامه، حتى إذا بقيت الثمرة قشرة ذابلة تداعت على نفسها، وسقطت وصارت إلى الفناء، كذلك يفعل المفسدون أعداء الإسلام حينما يمكرون به، وكذلك يكيدون. وقد تداعى أعداءٌ مفسدون كثيرون على هذه الجنة العظيمة، الوارفة الظلال، ليأكلوا ثمرها، ويفسدوا شجرها، ويدعوها أرضاً قاحلة جردا، لا خضرة فيها ولا ماء، إنها جنة الإسلام، بخيراتها، وخصبها، ونمائها. هذه الجنة التي تداعى عليها الحاقدون والحاسدون والمفسدون في الأرض هي الإسلام بعقيدته الثابتة الحقة، التي تدعمها البراهين، والآيات البينة،

стр. 254

والحجج الساطعة، وبعباداته الشائقة الجميلة الرشيقة الميسرة النافعة، التي يحسده على كثير منها كل الشعوب التي لا تدين به، وبنظمه المحكمة الصالحة الكفيلة بسعادة الإنسان، وهي نظم ربانية ما بلغ نظامٌ في الدنيا من وضع الناس مرتبة كماله بعد التجارب الكثيرة إلا كان مطابقاً لها، وملتقياً معها على طريق واحدة. هذه الجنة هي الإسلام، أما الكفر فكله ملة واحدة في عدائه لهذه الجنة العظيمة، وكيده لها، وإن تفاوتت مذاهبه في مقدار حقده وحسده وكيده، وكذلك بعض الشر أشد من بعض، كما أن بعض الحشرات أكثر فتكاً بالجنات من بعض. ولقد تعرضت معظم المجتمعات الإسلامية لهذا الغزو الكافر المفسد، فأصابها مثل ما يصيب الثمرة التي تأكل الحشرة نواتها، وتلتهم لُبَّها، ولا تبقي منها إلا قشرة متجعدة فارغة أو فاسدة المحتوى، فإذا كشف الباحث عما في جوفها لم يجد إلا غريباً عابثاً أكل لبها، وطرح فضلاته فيها، أو فساداً منتشراً يحكي للناظر إليه قصة الإهمال والتعاون، اللذين صرفا الحماة والرعاة عن الحراسة والصيانة الدائمة. إنه لم يبق عند بعض هذه المجتمعات الإسلامية إلا الاسم وعصبية النسبة، وما قيمة الأسماء إذا لم تطابقها مسمياتها، فلو أخذنا قطعة من الفخار وموهنا ظاهرها بلون الذهب، وسميناها سبيكة من ذهب، أفيجعلها اللون والاسم ذهباً حقاً؟ وما أكثر المسلمين في هذا العصر الذين ليس عندهم من الإسلام إلا اسمه، وليس عندهم من القرآن إلا رسمه؟! ولقد وصل المسلمون إلى هذا بإهمالٍ منهم، وكيدٍ من أعدائهم وأعداء دينهم، وأعداء تاريخهم وأمجادهم.

стр. 255

(٢) عناصر الخطة يعمل العدو باستمرار على نسف أسس العقيدة الإسلامية من قلوب المسلمين وعقولهم، لينتهوا من البواعث الدائمة الراسخة التي تعيد المسلمين إلى حظيرة الإسلام مهما انحرفوا عنه في التطبيقات العملية. وقد تنوعت وسائلهم لتحقيق هذه الغاية في المسلمين، فكان منها تجزئة أركان العقيدة الإسلامية، وإثارة الشكوك والشبهات حول كل واحدٍ منها، في صفوف شباب المسلمين وناشئتهم المتطلعين إلى المعرفة، والراغبين بالتزود من ثقافات العصر وعلومه. فأثاروا الشكوك حول وجود الخالق ﵎، وأثاروا الشكوك حول وجود الملائكة والوحي، وأثاروا شكوكاً أخرى حول الرسل ﵈، وحول الكتب السماوية، ونبشوا عن أقوال أهل الجاهلية الأولى في البعث واليوم الآخر، وألقوا الشبهات حول عقيدة القضاء والقدر، وعملوا على إبعاد شبابنا عن دراسة الإسلام دراسة وعي وتفهم، حتى تجد شبهاتهم مكاناً فارغاً في عقول أجيالنا الناشئة، فتتمكن منها. واستغلوا ميادين المعرفة الحديثة، ودسوا في معظم أجهزة التعليم والتخطيط له عناصر مقنعة، بغية القبض على ناصية التوجيه والتخطيط للمعارف والعلوم، والتمكن بذلك من إعداد أجيالٍ منا على ما يشتهون، أعداءٍ لدينهم وأمتهم وتاريخهم. لأنه متى فرغت أجيالنا من أصول عقيدتها التي هي المقومات الأساسية لشخصيتها لم تجد سبيلاً إلا اتباع المناهج والعقائد المستوردة من بلدان الأعداء، وعندئذ يهون عليها أمر نفسها هواناً تضطر معه إلى الاستسلام التام لما تمليه عليها مخططات أعدائها، وبذلك تكون الأمة جميعها لقمة سائغة في فم الطامعين بخيراتها، وشربة لا غصة فيها. إنها خطة بعيدة الغور طويلة المدى، ولكن لم يعرف التاريخ أشد منها

стр. 256

مكراً، ولا أخبث منها كيداً، وقد اكتوت الأمة الإسلامية منها في هذا العصر الحاضر كياتٍ أصابت منها الصميم. وتتلخص هذه الخطة الخبيثة بثلاثة عناصر، هي أخطر ما عرف الكون من عوامل هدم لمقومات أمةٍ ذات مجد عظيم فكري ونفسي وأخلاقي وتاريخي. العنصر الأول: تفريغ أفكار الأجيال الناشئة وقلوبهم ونفوسهم من محتوياتها، ذات الجذور العقلية والعاطفية والوجدانية والأخلاقية، وانتزاع كل آثارٍ لها، وهو ما يسمى بعملية، (غسل الدماغ) . العنصر الثاني: ملء فراغ عقولهم وقلوبهم ونفوسهم بمخترعات فكرية وعاطفية مزورة مزيفة، تخدم غايات العدو الطامع الغازي، وتهدم كيان الأمة الموضوعة هدفاً للغزو. العنصر الثالث: تسخير طوابير الجيش الجديد الذي تصطنعه أيدي العدو في هدم كل مقوم من مقومات أمته، ومحاربة كل ما يتبقى لها من فكر وعقيدة، أو خلق وسلوك، أو تاريخ ومجد. (٣) وسائل التفريغ واتخذ العدو الغازي عدة وسائل لتفريغ أفكار الأجيال من أبناء المسلمين، وتفريغ قلوبها ونفوسها، من محتوياتها ذات الجذور العقلية والوجدانية والعاطفية والأخلاقية. وباستطاعتنا أن نلاحظ عدة وسائل وضعها العدو في خطته لتحقيق غاية التفريغ، وهي جميعُها تهدف إلى إبعاد وصرف وعزل الأجيال الناشئة في المجتمعات الإسلامية عن كل وعي ديني سليم، لئلا يتعرفوا على الإسلام بصورته الصحيحة المنيرة المشرقة، وتهدف إلى وضع العقبات الكثيرة في سُبل معرفتهم لها، واصطناع العثرات في طريق كل ذي فكر منير واعٍ يسعى لتصحيح مسيرة الأجيال المتعلمة نحو الحق، وتهدف إلى إفساد المفاهيم

стр. 257

الصحيحة المتوارثة في الشعوب الإسلامية، تمهيداً لانتزاعها انتزاعاً كلياً. فمن وسائل خطة التفريغ الوسائل التالية: الوسيلة الأولى: فصل العلوم الدينية عن العلوم الأخرى فصلاً يجعل بينها هوة سحيقة، واصطناع الخلاف والشقاق ثم العداء بين علوم الدين وعلوم الدنيا، وبين علماء هذين القسمين وتيسير سبل المال والمجد الدنيوي لمتعلمي علوم الدنيا، وحجبها عن نظرائهم من متعلمي علوم الدين، ولم تقتصر عملية الفصل هذه على مستوى التخصص العالي، ولكن المكيدة كانت شاملة، تهدف إلى عزل طلاب علوم الدنيا عن الدراسات المتعلقة بعلوم الدين عزلاً تاماً في الصيغة والطريقة والمضمون، وإلى عزل طلاب علوم الدين عن الدراسات المتعلقة بعلوم الدنيا عزلاً تاماً أيضاً، وذلك لئلا تنكشف الملاءمة التامة بين الأصول الصحيحة لقسمي علوم الدين وعلوم الدنيا، ولئلا تظهر الصداقة العميقة، أو الأخوة العريقة بين القسمين، فينصر الحقُّ من كل منهما الحقَّ من صاحبه، وينفي عنه الدخيل الدعيّ، ولئلا تتكامل منهما المعرفة على صراط الله المستقيم، فيحتل المسلمون لله مجد الدنيا والآخرة. ومن طبيعة هذا الفصل الموضوع في الخطة أن يولد مع الزمن تعصب كل فريق لنوع دراسته، ولمنهج بحثه، وطريقة تقصيه للحقائق، حتى تكون طريقة كل منهما مزدراة عند الفريق الآخر أول الأمر، وبذلك تبذر بزور الشقاق والخلاف، ومع تطاول الزمن يستحكم ذلك وتتسع دائرته، ثم تتولد القناعة عند الفريقين بأن علوم الدين وعلوم الدنيا في خلاف وشقاق، مع أن العلم مهما كانت طريقته إنما هو بحث عن الحقيقة، ولا عداء بين الحقائق، ولكن بينها الوئام التام، وإنما العداء بين الحق والباطل، بين الصدق والكذب. وما دامت مواكب المتعلمين ستتجه لدراسة علوم الدنيا وفق الصيغة التي وضعت لها، بما تحمله هذه الصيغة من عداء مدسوس أو سافر لأصول الدين وأحكامها وتزييف في بعض المعارف الإنسانية، وبعض النظريات. فإن النتيجة التي يقدرها واضعو الخطة هي انتصار هذه العلوم، وانتصار مادس فيها فجاء مرافقاً لها، وهزيمة علوم الدين بكل ما فيها من حق وخير ومجد للناس عظيم.

стр. 258

وعلى إثر هذا الفصل المصطنع كان على دارسي العلوم الدينية في معظم بلاد المسلمين أن يكونوا بعيدين عن كل مجالٍ حيوي إلا مجال المساجد وما يكون فيها من عبادات، وبعض الوظائف ذات الاختصاص الديني، مع تضييق موارد الرزق فيها، وإلجاء القائمين بها إلى طرق من الكسب تثير النقد اللاذع والازدراء والتندر. أما فيما عدا ذلك من المجالات فإنهم يحجبون عنها حجباً تاماً، حتى يظلوا معزولين عن معظم مجالات المجتمع، وحتى لا يكون لأفكارهم تأثير في التوجيه والتخطيط العام للأمة، وحتى لا يكون لهم رقابة على من يتولى ذلك من أجراء أعداء الإسلام وعملائهم في شتى المجالات. وفي مقابل ذلك وضعت الخطة في حسابها أيضاً عزل دارسي علوم الدنيا في معظم بلاد المسلمين عن دراسة علوم الدين، وحين يؤذن لهم بشيء من ذلك تحت تأثير ضغط جماهير المسلمين، فإنما يؤذن لهم منه بالنزر اليسير الذي لا يكوّن عندهم ملكة المعرفة بأصول الدين، وبنظمه الإنسانية التي تكفل للناس سعادتهم، وتركز الخطة فيما تأذنُ به على اختيار الموضوعات التي ليست من أسس العقيدة، ولا من أسس المعاملة، ولا من أسس إقامة المجتمع الإسلامي، وتحاول استرضاء الضغط العام ببعض مباحث الأخلاق المشتركة بين الإسلام وغيره، وبعض صور من التاريخ الإسلامي المشوه، وبعض صور من نشأة بعض العلوم عند المسلمين، ونحو ذلك. ثم تفتح لهؤلاء الدارسين وفق هذه الخطة مجالات الحياة كلها، وبمرور الزمن يتم الفصل بين الدين والحياة، وحينئذ تجد الأمة نفسها مضطرة لأن تقتبس لنظام حياتها من الأنظمة المستوردة من بلاد أعداء الإسلام، على أسس لا صلة لها بالدين ولا تعترف بشريعة الله، وبذلك يحقق الغزاة هدفهم من غزو الأفكار والنفوس والقلوب، وغزو سلوك المسلمين، واحتلال هذه المواقع بجيوش الغزاة الفكرية والوجدانية والعاطفية والسلوكية. ومتى انزلقت هذه الأمة في هذا المنزلق الخطر عدت عليها عوادي الكفر، وقد تتم عند الجماهير المخضرمة المصالحة الصورية بين عقيدتها وسلوكها، أما

стр. 259

عقيدتها فالإسلام كما تدَّعي، وأما سلوكها فعلى مناهج الكفر كما تطبق، هذا ازدواج في الشخصية لا تثبت عليه أمة أكثر من جيل واحد، إذ يأتي الجيل الجديد فيأخذ السلوك المطبق، ويختار له عقيدة تلائمه، وعندئذ يتم التحويل الكامل إلى الكفر. وتنسلخ الشخصية الإسلامية انسلاخاً تاماً، ويتحقق بذلك المسخ المعنوي. الوسيلة الثانية: تسخير وتشجيع فئات تدخل في المفاهيم الإسلامية أغاليط وأكاذيب وتلفيقات ومبتدعات ما أنزل الله بها من سلطان، وتعمل على تشويه حقائق الإسلام الناصعة، وذلك لطعن الإسلام بها من جهة، ولإبعاد الأجيال الناشئة عنه تذرعاً بهذه التشويهات الدخيلة عليه والغريبة عنه. وقد رأينا ونرى باستمرار أعداء الإسلام والمسلمين، يدسون، ويسخرون، ويشجعون، في المجتمعات الإسلامية من ينشرون مفاهيم وأعمالاً فاسدة خاطئة، يزعمونها من الإسلام، وهي ليست منه، فمنها حشد البدع المحدثة، التي كانت تشجعها السلطات الاستعمارية في مختلف بلاد المسلمين المحتلة من قبل أعدائها، ويتخذون لهم أجراء من المنتسبين إلى الأمة، ويقوم هؤلاء الأجراء بتنفيذ خطة العدو، ويتلقون منه التعليمات في ذلك. وفي الوقت الذي ضيق فيه المستعمرون الخناق على المدارس الإسلامية والعلوم الدينية الصحيحة، وجدناهم يدعمون ويشجعون مجموعات من الجهلة بالدين , تمارس طقوساً من العبادات المبتدعة المخترعة، التي لم يعرفها الصدر الأول من المسلمين، والممزوجة بشيء كثير من حظوظ النفس، تحت ستار التصوف الديني، مع أنه ليس لأحد أن يشرع من الدين ما لم يأذن به الله. وعلمنا أن كبار رجال الاحتلال الاستعماري كانوا يحضرون هم وعائلاتهم كثيراً ومن هذه الاجتماعات التي يتصور القائمون بها أنها لون من ألوان العبادات الإسلامية، وما هي في الحقيقة إلا مجموعة من أغاني التشبب ترافقها أصوات بعض آلات الموسيقى والحركات الإيقاعية المسماة برقص السماح، ويرافقها ترديد لبعض الأذكار المختلفة. وكانت تؤخذ لهذه المجالس رسوم فوتوغرافية، تضاف إلى سجل المعلومات التي تؤخذ عن المسلمين

стр. 260

وبلادهم، وقد بلغنا في حينها أن السلطات الاستعمارية كانت تشجع القائمين بهذه الاجتماعات بالمنح المالي، وبإظهار استحسان ما يقومون به، وباستدراج فريق منهم ليكونوا أجراء لهم، ويكونوا فيما بعد قوة دينية في البلاد تساند المحتل، وتخدمه في تحقيق أغراضه. وهذا اللون من التحوير في مفاهيم الدين وفي تطبيقاته له آثار سيئة جداً، ومنها الآثار التالية: الآثار السيّئة للبدع الدخيلة في الدّين ١- إبعاد هذه المجموعات عن دراسة علوم الدين دراسة صحيحة، تعدّهم لتفهّم غاياته وأحكامه التي يأمر بها، والتي منها عزة المسلمين، ووجوب مجاهدة الكافرين، والعمل على بسط سلطان الحكم الإسلامي في البلاد. ٢- امتصاص شحنة الطاقة الدينية الكامنة في نفوس المسلمين، والدافعة لهم إلى العمل بواجبات الإسلام التي تعتبر العبادات الخالصة لوناً روحياً من ألوانها. ويكون امتصاص هذه الطاقة بما تورثه هذه الأعمال المجهدة المحببة للنفوس من القناعة الداخلية بقيام الفرد نحو ربه بجهد كاف، ثم هو يطالب الله بعدها بأن يحقق للمسلمين النصر على عدوهم، دون أن يشارك هو بعمل فعَّالٍ من شأنه أن يضيف إلى قوة المسلمين قوة، أو إلى صفوف مكافحيهم جندياً عاملاً. ٣- تحويل المسلمين عن تعاليم الإسلام الأصلية، وإضافة أشياء جديدة له، قابلة للتنوع بين مختلف المجموعات، ثم بعد أمدٍ قد يطول أو يقصر تصبح هذه المحدثات هي الأصل الديني عند هذه الفئات، وتصبح أركان الإسلام الأصلية شيئاً ثانوياً، ولربما تترك فروض الإسلام وتهمل اكتفاء بهذه المحدثات التي حلت محَلَّها عند هذه الفئات. ٤- تنفير الأجيال المثقفة عن الإسلام، تذرعاً بهذه الأخلاط المبتدعة البعيدة عن سمو الشريعة وكمالها، والتي تصمه بأنه مزيج مقتبس من العبادات

стр. 261

الوثنية، وما هي في الحقيقة إلا أمور دخيلة عليه، محدثة، ما أنزل الله بها من سلطان. الوسيلة الثالثة: تولية قيادات دينية تعطي صورة سيئة عن الإسلام في مفاهيمها أو في سلوكها، وإبعاد كل عنصر صالح يدرك حيل أعداء الإسلام، ويكافح لإحباط مخططاتهم. وبهذه الوسيلة يحاربون الإسلام بسلاحين خطيرين: سلاح يطعن به المسلمون أنفسهم، وسلاح آخر في أيدي عدوهم يطعنهم به في الخفاء، وقد يعلنه متى واتته الفرصة. إن تولية مثل هذه القيادات ينتج عنه أسوأ الأثر في جماهير المسلمين. إنها في الاسم الرسمي أو المعلن قيادات تتولى مناصب دينية لها نوع تقديس في نفوس معظم الجماهير المسلمة، فلا بد أن تكون أسوة وقدوة لمعظم هذه الجماهير، فإذا كانت منحرفة التفكير، أو منحرفة السلوك، كانت أيسر طريق للتضليل الذي يريده العدو، لأن الجماهير التي تجد في هذه القيادات أسوة لها لا بد أن تضل النسبة العظمى منها بدافع الاقتداء والاتباع، وهذا ظفر عظيم لأعداء الإسلام، وأما الثلة الواعية التي لا ترضى سلوك هذه القيادات فإنها تسلط نقمتها عليها، وعلى كل من له قيادة دينية رسمية أو غير رسمية، وتتجه في طريق آخر، وهذا ظفر ثان لأعداء الإسلام أيضاً. ومتى اتجهت النقمة العامة ضد ما يسمى بالقيادات الدينية تحلل من الاتجاه إلى دراسة العلوم الدينية كل من تحدثه نفسه بخدمة الإسلام عن طريقها، وسلك مسلكاً آخراً، وهذا ظفر ثالث لأعداء الإسلام أيضاً، كما يجد ضعفاء الإرادة الطامعون بالدنيا أن الانحراف طريق ميسر سهل إلى تولي المناصب الدينية، فينحرفون ليصلوا إليها، وهذا ظفر رابع لأعداء الإسلام أيضاً. ومتى انعدمت من الأمة فئة الدعاة إلى الله الموثقين بدعوتهم، الحارسين لحدود الإسلام، قام جنود الشياطين يعبثون في صفوفهم، دون أن يجدوا عقبة تقف في طريقهم تقول لهم لا تفعلوا الشر، وتحذر الأمة من شرورهم، وتنبهها

стр. 262

على خطرهم، وتدلها على مكايدهم، وبفقد الدعاة إلى الله الحارسين لحدود دينه يتحقق ظفر خامس لأعداء الإسلام أيضاً. وحين يتم للعدو هذا الظفر بأنواعه ومراحله المختلفة وصوره المتعددة تخسر الأمة الإسلامية أعز ما تملك من مقومات وجودها بين أمم الأرض. وهكذا يفعل أعداء الإسلام بالمسلمين ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً، فهل إلى يقظة من سبيل؟؟.. الوسيلة الرابعة: التضييق على طلاب العلوم الدينية والمعارف المتصلة بها، وتزهيدهم فيها، وتوجيه ألوان الاضطهاد للدعاة إلى الإسلام منهم، ومحاربة كل حركة إصلاحية تضطلع بأعباء رسالتها هيئة منظمة، أو يقودها ملح ذو شخصية مؤثرة، وذلك بإضعاف قواها المادية، وإثارة الشكوك حولها، والإيقاع بينها وبين غيرها من المؤسسات الإصلاحية، وإدخال عناصر مدسوسة فيها تعمل على تفتيت طاقاتها، وتحوير اتجاهها السليم. وقد مني المسلمون بنكبات متعددة من جراء تنفيذ هذه الوسيلة، على أيدي أعداء الإسلام مباشرة، أو على أيدي أجرائهم وعملائهم من المنتسبين إلى الأمة الإسلامية انتساباً وراثياً، لا انتساباً اعتقادياً إرادياً. الوسيلة الخامسة: إثارة الشكوك والشبهات حول عقائد الإسلام، ومبادئه، ونظمه، وعباداته، لإضعاف ثقة المسلمين بكمال دينهم الذي كان سر مجدهم، ولإقناعهم بأن تقدمهم في مختلف مجالات العلوم التي تخرجهم من واقع التخلف الذي أصابهم، رهن بتركهم لدينهم ولتعاليمه، ولنظمه، وهنا يستعملون دسيستهم المشهورة، وهي قياسهم العالم الإسلامي على أوربا، مع مغالطة فاحشة في عناصر القياس. هذه الدسيسة هي قولهم: إن أوربا لم يُتح لها النجاح حتى فصلت عملها وسياستها عن سلطان الكنيسة، وكذلك لا يتاح للعالم الإسلامي النجاح حتى يجعل الدين محبوساً في زوايا المسجد، وحتى يتم الفصل بين الدين والدولة في سياستها وفي نظمها وفي قضائها، متهمين الإسلام بالعجز والقصور عن مواكبة ركب العصر الحاضر في أنواع تقدمه العلمي والحضاري والمدني.

стр. 263

وفساد القياس آتٍ من الواقع المتباين ما بين الإسلام الحق الذي لم يدخل فيه التحريف والتغيير، وبين غيره من الأديان التي لم تبق على أصولها الربانية، فلم تعد صالحة للحياة بسبب التحريف الإنساني الذي دخل فيها. ولئن كان كلامهم مقبولاً في بعض جوانبه بالنسبة إلى المذاهب والأديان والملل غير الإسلامية، فإنه لن يصح بحال من الأحوال بالنسبة إلى الإسلام الحق، الذي يحتل مركز القمة في دفعه المسلمين إلى كل تقدم حضاري، والذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، لأن الله حفظ كتابه كما أنزله على رسوله. الوسيلة السادسة: إثارة ألوان الهزء والسخرية وأنواع التهكم بعلماء الدين الإسلامي، وبالأحكام الإسلامية، وبالعبادات وممارسيها. ولهذا السلاح أثره القوي لدى ضعفاء النفوس، الذين توجههم الضغوط الاجتماعية إذ يتخاذلون أمامها،ويجنبون عن فعل الحق والخير وسلوك سبيل الهدى، أمام استهزاء المستهزئين، وسخر الساخرين، وتهكم المتهكمين، وما أكثر ما يستعمل دعاة الباطل هذا السلاح الحقير ضد أنصار الحق من المؤمنين. وقد انتشرت في المجتمعات الإسلامية المختلفة الأجهزة المأجورة لاستخدام هذه الوسائل، كأسلحة خطيرة يقاتلون بها في أعمال الغزو غير الحربي، للإجهاز على الإسلام والمسلمين، والقضاء عليهم من داخل صفوفهم. وواجب أهل الرأي والغيرة والعمل أن يقابلوا كل سلاح بما يبطله ويُفني أثره، وأن يقوموا بحركة غزو مضادة على مواقع أعداء الإسلام الفكرية والنفسية والسلوكية، حتى يحبطوا كيدهم، وينصروا دين ربهم، ويستعيدوا مكانهم القيادي في العالم. الوسيلة السابعة: تنفير الأجيال من أبناء المسلمين من واقعهم المعاصر، ومن تاريخهم الغابر، عن طريق تشويهه، وتجميع النقائص المتفرقة، وعرضها في صورة واحدة تمثل صورة المسلمين، مع طمس كل الفضائل والكمالات، التاريخية والمعاصرة، وتسخير عناصر مأجورة ضمن الأمة ليسيئوا سمعتها بأعمالهم، وليصدقوا أقوال أعدائهم فيهم.

стр. 264

(٤) عمليات ملء الفراغ وحين يتم للعدو الغازي تفريغ أفكار أبناء المسلمين وقلوبهم ونفوسهم، من محتوياتها الإسلامية، ذات الجذور العقلية والوجدانية والعاطفية والأخلاقية، يهون عليه جداً ملء الفراغ بما يريد، عن طريق مدارس التعليم، ومعاهده، وجامعاته، وعن طريق أندية الثقافة والفن، وعن طريق المكتوبات والمنشورات، من رسائل، وكتب أخبار، وصحف ومجلات دورية، وكتب علوم مبسطة يدسّ فيها العدو ما يريد من أفكار ونظريات، وعن طريق الإذاعة والتلفزيون، وسائر وسائل الإعلام. وأعمال ملء الفراغ تواكب أعمال التفريغ في خطة الغزو، حتى لا تضيع على الغازي فرصة من فرص العمل، وتطبيقاً لنظريته التي يقول فيها: إن الطبيعة تأبى الفراغ. وربما يكون التفريغ وملء الفراغ كمن يلقي الحصى في كأس اللبن، إذ يخرج من اللبن بمقدار ما ألقى في الكأس من حصى. وفي الساعة التي يستخرج فيها ساكن من سكان الدار يحتل فيها ساكن جديد من قبل العدو، وتحدث مشكلة عدم التلاؤم بين العناصر الدخيلة والعناصر الأصيلة، ويقوم بعض الصراع الجزئي، ولكن متابعة تنفيذ خطة الغزو تفرض نوعاً من التعايش بين العناصر بانفصام الشخصية، أو بإقامة حجب بين العناصر، أو بإضعاف العناصر الأصلية وتخديرها حتى لا تشعر بالنفرة من الغريب المحتل، أو بجعل الغريب الدخيل يكمن في زاوية مظلمة، بانتظار قدوم عناصر جديدة أخرى تشد أزره، وتقوي ظهره. وبمتابعة العمل، والدأب الدائم، في عمليات التفريغ والملء، يحقق العدو الغازي أهدافه. ومن النصوص الكاشفة لخطة الغزو ما يلي: جاء في كتاب "غزو العالم الإسلامي" للمستشرق شاتلي، ما يلي:

стр. 265

"....وإذا أردتم أن تغزوا الإسلام، وتخضدوا شوكته، وتقضوا على هذه العقيدة التي قضت على كل العقائد السابقة واللاحقة لها، والتي كانت السبب الأول والرئيس لاعتزاز المسلمين وشموخهم، وسبب سيادتهم وغزوهم للعالم.... عليكم أن توجهوا جهود هدمكم إلى نفوس الشباب المسلم والأمة الإسلامية، بإماتة روح الاعتزاز بماضيهم وتاريخهم، وكتابهم القرآن، وتحويلهم عن كل ذلك بوساطة نشر ثقافتكم وتاريخكم ونشر روح الإباحية، وتوفير عوامل الهدم المعنوي، وحتى لو لم نجد إلا المغفلين منهم، والسذج البسطاء لكفانا ذلك، لأن الشجرة يجب أن يتسبب لها في القطع أحد أغصانها....". (٥) تسخير الجيش الجديد من أبناء الأمة وحين تستطيع الغزاة تنشئة أجيالٍ من أبناء المسلمين على ما أرادوا من تفريغ وملء، يهون عليهم جدّاً استئجار هؤلاء، أو تسخيرهم، أو دفعهم من وراء حجاب، لهدم ما تبقّى من الإسلام في أمتهم، وللإمعان في تجزئتها وتبديد طاقاتها، بقوة وعنف، وبطريقة جريئة صريحة وقحة، لأنهم من أبناء الأمّة، ولهم في العرف العامّ الحقّ في الإصلاح والتغيير، وهم الطبقة المثقفة التي يظنّ الجهلة من عامة المسلمين أنها العليمة الخبيرة بخير الأمة ومصالحها، والعليمة الخبيرة بسياستها وإدارة شؤونها. والواقع المرّ المعاصر من تاريخ المسلمين، قد أثبت أنَّ هؤلاء قد كان لهم دورٌ في هدم الإسلام وتجزئة المسلمين وتبديد طاقاتهم، أكبر وأخطر من الدور الذي قام به الأعداء الأصليّون بصورة مباشرة. لقد فاق التلاميذ أساتذتهم في تحقيق الأهداف التدميرية. * * *

стр. 266

الفصْل الثامِن خطط العَدُوّ لغزو الإسْلام بتفريغه من مضامينه الصحيحة ١- خطة وغرض. ٢- التحريف في مفهوم التوكل على الله. ٣- سوء فهم معنى الرضى بالقضاء والقدر. ٤- محاولات الغزاة إلغاء ركن الجهاد في سبيل الله بالقتال. ٥- محاولات الغزاة تفريغ الإسلام من أحكام المعاملات وسائر شؤون الحياة. ٦- محاولة إلغاء تطبيق أحكام الأحوال الشخصية الإسلامية. ٧- التلاعب بالأحكام الإسلامية بحيلة المرونة في الشريعة. ٨- حيلة خلط معنى التمسك المحمود بالحق بمعنى التعصب الجاهلي المذموم. ٩- التلاعب بعبارات التقدمية والرجعية والتمدن والتخلف ونحوها. ١٠- حيلة التحسر على افتقار الأمة العربية إلى فلسفة ترفع من شأنها. ١١- حيلة التمجيد بعبقرية محمد لتفريغ دعوته من كونها رسالة ربانية.

стр. 267

(١) خطة وغرض في خطة من خطط الغزو الفكري للمسلمين الذي يبيّته أعداء الإسلام تصيُّد المفاهيم الفاسدة الموجودة عند بعض المسلمين، الداخلة عليهم عن طريق الأخطاء الفكرية، أو بفعل كيد مدّبر، من قبل عدو من أعداء الإسلام والمسلمين، ثم العمل على دعم هذه المفاهيم ونشرها، وتوسيع رقعتها بكل وسيلة، والوقوف دون أية حركة إصلاحية تصحح هذه المفاهيم الفاسدة، وتعيد الآخذين بها إلى الفهم الإسلامي الصحيح. والغرض من التصيُّد هذه المفاهيم ودعمها ونشرها والوقوف دون أية حركة إصلاحية لتقويمها التمهيدُ لطعن الإسلام بها، والتشهير به على زعم أنها من تعاليمه الأساسية، واستغلالُها لتوهين قوة المسلمين ضد أعدائهم، وصرفهم عن مفاهيم الإسلام الحقة. وبطريقة ماكرة يوحون إلى الأجيال الناشئة في البيئات الإسلامية أن الإسلام غير صالح للحياة، وأنه مشكوك بكونه من التعاليم الربانية الصحيحة، ويستشهدون على ذلك بهذه المفاهيم غير الصحيحة، مدعين أنها من صلب الإسلام، بدليل تمسك فريق من المسلمين بها. (٢) التحريف في مفهوم التوكل على الله دخل المستعمرون بلاد المسلمين ضمن دوامة من المؤامرات الدولية أدّت إلى إضعاف الدول الإسلامية، ووجدوا المقاومة العنيفة لهم من الشعوب المسلمة،

стр. 268

وهي تعلن الجهاد ضد قوى الاحتلال الكافرة الغاشمة الظالمة، ولم يتركوا سبيلاً من سبل العنف العسكري إلا استخدموه ضد مقاومة المسلمين المستمرة لهم، دون أن يظفروا بثمرة الاستقرار فيما احتلوه من بلاد، فاتجهوا إلى تصيد الأفكار التي يمكن أن تُخمد نار المقاومة المتأججة ضدهم، إذا تمكنوا من بثها في أفكار الشعوب المسلمة. وقد عثروا على فكرة التوكل على الله. وأدركوا أن من الممكن التحريف فيها، والتلاعب بمضمونها، حتى تغدو سلاحاً ضد المسلمين، وبعد أن كانت سلاحاً خطيراً جداً في أيديهم ضد أعدائهم، وهذا التحريف لا يكلفهم أكثر من عملية تعميم في المضمون، يتجاوز حدود مواقع التوكل المطلوب في الإسلام. إن التوكل على الله كما قرره الإسلام، وفهمه المسلمون الأوائل وطبقوه، وظيفة من وظائف الجانب القلبي الاعتقادي في الفرد المسلم والجماعة الإسلامية، وليس وظيفة من وظائف الطاقات المادية، والقدرات الجسدية، والأعمال التخطيطية والتنفيذية في المسلم، ومتى صح إدراك هذا الفرق لدى الأفراد والجماعات، كان التوكل على الله في الجانب القلبي الإيماني ممداً بقوة معنوية عظيمة، تضاعف القوى المادية العاملة أضعافاً كثيرة، حتى يغلب عشرون مؤمنون صابرون مئتين بإذن الله، والله مع الصابرين. ومن الملاحظ أن أهم عوامل الخذلان التي تمنى بها القوى المادية على كثرتها في الجيوش المحاربة، إنما هي تناقص القوى المعنوية القلبية، التي أثبتت التجارب التاريخية أن في مقدمتها قوة التوكل على الله، فهي أثقل القوى المعنوية على الإطلاق. فالذي يعد العدة، ويستخدم الأسباب، متوكلاً على حدود ما أعد من قوى يظل قلبه قلقاً حذراً جباناً خائفاً من أن تكون قوة عدوه زائدة على قوته ولو بمقدار يسير، وبذلك فقد تنهار قوته، وتفقد أسلحته وأسبابه مضاءها المقدَّر لها، لفقدان الروح المعنوية في قلبه، وأما الذي يعد العدة الكاملة، ويتخذ ما يستطيع من أسباب ويباشر العمل وهو موقن بأن قوة قادرة على كل شيء تدعمه من وراء الحجب المادية، وتشد أزره، فإنه يستطيع أن يستعمل في نضاله وجهاده كل قوته مع حضور القلب وسرعة بديهة، نظراً إلى أنه لم يسمه الخوف الذي يقلق

стр. 269

القلوب ويفسد الرؤية الصحيحة للعقول. وما يقال في أعمال القتال يقال نظيره في كل أعمال الحياة. والتحريف الذي أدخل على معنى التوكل على الله هو تعميم مضمونه، حتى امتد فكان في أفكار بعض المسلمين وظيفة أيضاً من وظائف الطاقات المادية، والقدرات الجسدية، والأعمال التخطيطية والتنفيذية، واستطاع الأعداء أن يستغلوا هذا التحريف لتثبيط المسلمين عن إعداد ما يجب عليهم إعداده من قوى مادية، وصرفهم عن اتخاذ الأسباب الواجبة، وعن مباشرة كل ما من شأنه أن يحقق النتائج وفق سنن الله في كونه، تخدر التصورات الفاسدة لمعنى التوكل طاقات العمل والسعي والتكفير فيهم، وتجعلهم يعيشون في أحلام تحقيق غاياتهم بمعجزات خارقة خارجة عن سنن الحياة المستمرة. ولا شك أن هذا المفهوم الفاسد لمعنى التوكل على الله يعطل حركة السعي الواجب، لاتخاذ كل الوسائل المادية والمعنوية المستطاعة، التي من شأنها أن تظفر الساعي بالنتيجة المطلوبة وفق سنن الله في كونه، وكانت مكيدة العدو في استخدام هذا التحريف مكيدة خطيرة جداً، أخطر من مكيدة الأفيون الذي نشره المستعمرون في الصين، وقد تضمنت هذه المكيدة سلاحاً ماضياً لصالح العدو. بينما فهم المسلمون الأولون معنى التوكل على الله فهماً صحيحاً، مقروناً بفهمهم لما يجب عليهم من عمل وجهاد وكفاح، وما يجب عليهم من اتخاذ أتم الوسائل المستطاعة لبلوغ الغايات، ومقروناً بفهمهم لسنن الله في كونه، القائمة على الأسباب، ثم تأتي المعونة الإلهية من وراء اتخاذ الأسباب المأمور بها، ولذلك لم يترك المسلمون الأولون سبيلاً من سبل العمل المستطاعة لهم إلا أخذوا به، ولا سبباً من الأسباب التي أمكنهم الظفر بها إلا استخدموه، وبذلك حقق لهم المجد والنصر المبين. وهكذا كانت تربية رسول الله لهم في حياته كلها، وفي دعوته إلى دين الله، هكذا كان صلوات الله عليه في دعوته، وفي جهاده، وفي غزواته، وفي سعيه لاكتساب الرزق، وفي عباداته، وفي شؤونه الخاصة، وفي شؤون المسلمين العامة، وفي حثه المسلمين على السعي والعمل والجهاد والصبر والمصابرة.

стр. 270

وكذلك كانت تربية القرآن الكريم لرسول الله وللمسلمين، ونصوص القرآن زاخرة بالأمر بالعمل والحث عليه، ووجوب اتخاذ الوسائل التي ربط الله بها النتائج في قوانين الحياة التي سنها، فلا مبدل لها، وخرق هذه السنن لا يكون إلا في حالات نادرة، آية لرسول، أو إكراماً لفئة قليلة مؤمنة صادقة مع الله، بذلت قصارى جهدها، ولم تتهاون في واجب فرضه الله عليها. (٣) سوء فهم معنى الرضى بالقضاء والقدر التحريف في مفهوم التوكل على الله واقترن بالتحريف الذي أدخل على مفهوم التوكل على الله سوء فهم لمعنى الرضى بالقضاء والقدر، إن فهم التوكل فهماً فاسداً، نشأ عنه ترك الأخذ بالأسباب، والقيام بما فرض الله من إعداد المستطاع من القوة، والجهاد في سبيل الله، وهذا قد لزم عنه تسلط الأعداء على المسلمين، ووقوع المسلمين في نكبات الاضطهاد، ولتبرير التحريف الدخيل، مع المحافظة على الانتساب إلى الإسلام، كان لا بد من قبول فهم فاسد آخر يتصل بالقضاء والقدر، إذ يحاول هذا الفهم أن يقنع العصاة بتوكلهم الفاسد، أن الله قد تخلى عن نصرهم وإذْلال عدوهم مع استحقاقهم لذلك لأنه أراد أن ينزل بهم مصيبة على يد عدوهم، لا بسبب أنهم قصروا بما أوجب عليهم، ولكن ليرضوا بمقاديره ويصبروا عليها، وجعلوا ذلك مثل مصائب الفقر والمرض والموت التي يبتلي الله بها عباده؛ ليعلم الصابرين منهم والمتضجرين. إنهم يجعلون النتائج السببية التي تأتيهم بأسباب منهم، كالمصائب الربانية التي يبتلي الله بها عباده، فيسيئون فهم القضاء والقدر، ويضعون الأمور في غير مواضعها، ويسلكون في هذا مسلكاً شبيهاً بمسلك المنافقين الذين كانوا إذا أوذوا مع المسلمين في قتال، جعلوا فتنة الناس كعذاب الله، وأخذوا يطرحون الشكوك بالإسلام، ويعتبرون أن ما أصاب المسلمين من أذى هو شبيه بعذاب الله لهم، وفيهم يقول الله في سورة (العنكبوت/٢٩ مصحف/٨٥ نزول) : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يِقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَآ أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ

стр. 271

وَلَئِنْ جَآءَ نَصْرٌ مِّن رَّبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ * وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾ وظاهر أن الاستكانة إلى العدو على معنى الرضى بقضاء الله وقدره استكانة وينهى الإسلام عنها، ولا يرضى بها، ولا يجوز أن تكون وفي قدرة المسلمين أن يدافعوا ويكافحوا ويجاهدوا في سبيل الله، وما يصاب المسلمون بالخذلان، أو بتسلط أعدائهم عليهم إلا بذنوبهم، وبتقصيراتهم عن القيام بما أوجب الله عليهم من اتخاذ الأسباب، لصد أعدائهم، وإعلاء كلمة الله. إن مبدأ الرضى بقضاء الله وقدره في المفهوم الإسلامي الصحيح يمنح المسلمين قوة عملية فعالة لا تني، وطاقة اندفاع كبرى إلى الجهاد في سبيل الله، وتحمّل كل مصيبة في ذلك، اعتقاداً منهم بأنهم لن يصيبهم إلا ما كتب الله لهم. فالمسلمون يدخلون معارك الجهاد في سبيل الله فيصابون في أنفسهم وأموالهم وأولادهم، فيتقبلون كل ذلك بتمام الرضى عن الله فيما يجري به قضاؤه، دون أن يتضجروا أو يتذمروا من ذلك، ثم إذا دعاهم داعي الجهاد مرة ثانية وثالثة ورابعة وإلى ما لا نهاية له لم يتوانوا عنه، لأنهم يعتقدون اعتقاداً جازماً أنه لن يصيبهم إلا ما كتب الله لهم، فهم يتلقون كل ذلك بالتسليم والرضا عن الله، معلقين آمالهم بما أعد الله من أجر عظيم للصادقين الصابرين. وفي مقابل هذه العقيدة السليمة الممدة بقوى الصبر والمصابرة واحتمال الأذى، تأتي العقيدة الموهنة المثبطة المخذلة التي يعتقدها الكافرون، وهي التي تجحد القضاء والقدر، وتزعم انفراد الأسباب بتحقيق النتائج، وتعتقد أنه لولا حصول السبب الفلاني لما حصلت المصيبة الفلانية، وعلى أساس من هذه العقيدة الباطلة، أثار المنافقون بعد غزوة أحد التي أصيب فيها المسلمون بنكسة بعد ظفرهم على عدوهم، بسبب مخالفة فئة الرماة أمر الرسول بعدم تركهم موقعهم الذي حدده لهم، أثاروا مقالتهم: لو كان لنا من الأمر شيء ما قتل

стр. 272

هذا النفر الذي قتل في أحد. إذ كان رأي زعيم المنافقين عبد الله بن أبي بن سلول عدم الخروج من المدينة إلى ملاقاة المشركين في أحد، وانخذل عن الرسول هو والمنافقون معه وكانوا قرابة ثلث الجيش. وكانت مقالة المنافقين بعد أن حصل ما حصل للمسلمين في الموقعة لوناً ماكراً من ألوان تثبيط القوى الإسلامية عن الجهاد في سبيل الله، والخروج إلى مقارعة حملة ألوية الكفر. لذلك كان لا بد للعقيدة الإسلامية الصحيحة حول القضاء والقدر من أن تقف موقفاً حازماً جازماً لا تردد فيه، تثبيتاً لقلوب المؤمنين، ورداً لكيد المنافقين، فينزل القرآن معلناً أن الذين قتلوا من المسلمين في أحد قد قتلوا بآجالهم المقررة لهم في قضاء الله وقدره، وقضوا حياتهم في مصارعهم المقدر لهم أن يموتوا فيها. فلو أن المعركة كلها لم تحصل، ولم يخرج المسلمون من المدينة إلى قتال عدوهم، لخرج الذين كتب عليهم القتل بسبب آخر إلى موطن المعركة، ولكان مصيرهم القتل، ولكانت مضاجعهم هي مصارعهم، قال الله تعالى في سورة (آل عمران/٣ مصحف/٨٩ نزول) : ﴿ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ . على مثل هذا يكون استعمال العقيدة بالقضاء والقدر، والتوكل على الله، والرضى عن الله والتسليم التام له فيما تجري به مقاديره، تقوية لقلوب المؤمنين وتثبيتاً، وتطهيراً لها من عوامل الخوف والقلق والاضطراب والجزع. أما الجنوح بهذه العقيدة إلى المعنى المغمور بالضعف والتخاذل، وترك مباشرة الأسباب، والرضى بأية نتيجة تأتي من جراء ترك ما أوجب الله اتخاذه، فهو جنوح عن أساس العقيدة الإسلامية، التي ألزمنا الله باعتناقها والاستمساك بها. والفهم الإسلامي الصحيح في هذا صراط وسط بين منحدرين،

стр. 273

والانحياز عنه من ذات الشمال يوقع بالإفراط في التعلق بالأسباب وإهمال المقادير الربانية، وهذا انفصال عن عنصر أساسي من عناصر العقيدة الإسلامية من نتائجه الوهن والتخاذل والجبن والقلق والتسخط والندم، والانحياز عنه من ذات اليمين يوقع بالتفريط بما أوجب الله الأخذ به، من كل سبب من شأنه الإيصال إلى الغاية المطلوبة وفق سنن الله في كونه، ومن نتائجه الاستكانة والتواني وترك العمل، وإيثار البطالة والكسل، وما ينجم عنها من مصائب ونكبات وآلام وضعف وذل، وبها يستشري الفساد في الأرض، ويظهر الكفر ويعلو الباطل، ويتسلط أعداء الله والحق. (٤) محاولات الغزاة إلغاء ركن الجهاد في سبيل الله من أركان الدعوة إلى الله ونشر الإسلام وحماية المسلمين استمرت جيوش الاحتلال الاستعماري في البلاد الإسلامية تنام على أشواك القلق والاضطراب والفزع، من مباغتة المقاومة التي يقوم بها المجاهدون المسلمون، وفي طليعة هذه الجيوش جيوش الاستعمار الإنكليزي والفرنسي، ثم جيوش الاستعمار الإيطالي والبرتغالي، والهولندي، وغيرها. وبحثوا عن سر هذه المقاومة العنيدة المستمرة، والفداء الذي لم ينقطع فوجدوا أن من واجبات الإسلام لنشره وصيانته وحماية المسلمين وبلادهم من أي تسلط غير إسلامي، واجب الجهاد في سبيل الله بالقتال عند توافر أسبابه، الذي يغذيه في قلب المسلم إيمانه الراسخ بما أعد الله للمجاهدين في سبيله من أجر عظيم عنده، فهو إن لم يظفر في الدنيا بالنصر، ظفر في الآخرة برضوان الله والجنة. ولذلك وجه الاستعماريون والمبشرون والمستشرقون واليهود وسائر أعداء الإسلام جهوداً عظيمة في خطة متعددة الشُّعَب، لغزو هذا الركن العملي الخطير

стр. 274

من أركان الدعوة إلى الله ونشر الإسلام وإقامة العدل في الأرض، وإضعاف أثره في صفوف المسلمين , وهدم بواعثه في قلوبهم. وكان من مظاهر محاولاتهم لإلغاء هذا الركن العظيم ما يلي: ١- خطَّة الهجوم على الإسلام بأنه انتشر بالسيف، وبإكراه الناس عليه. لاستغلال ردود الأفعال عند بعض المسلمين، الذين ينزلقون إلى بعض ما يريد الغزاة، وهم يرون أنهم يدافعون عن الإسلام. ٢- خطَّة تفريغ الجهاد في سبيل الله بالقتال من مضامينه، وذلك باصطناع البدائل، كالوطنية، والقومية، والأرض، والكرامة، والاشتراكية والحريّة، ونحو ذلك. ٣- حيلة الربط الدوري بين الجهاد في سبيل الله وبين إقامة الحكم الإسلامي. ٤- خطَّة اصطناع الفرق العميلة الأجيرة، التي تعمل على إلغاء الجهاد في سبيل الله، بحيل شتى، ومنها ما ينقض الإسلام كلَّه، مثل فرقة البهائية، وفرقة القاديانية. ٥- خطَّة استغلال المنظمات الدولية المندسة في شعوب العالم الإسلامي، كالماسونية والروتاري اللّيونز، لبث الأفكار الرامية إلى هدم الإسلام عن طريقها، ومن ذلك الاهتمام الشديد بإلغاء الجهاد في سبيل الله. ٦- خطَّة التوريط والإحباط، لإقناع جماهير المسلمين بالعجز عن عودة الجهاد بالقتال إلى سابق مجده. ٧- خطة تقديم صور مصطنعة من جهاد قتاليّ يحمل شعار جهاد إسلاميّ، وهو ليس منه منهجاً ولا غاية، للتنفير من الجهاد في سبيل الله بالقتال، كصور الأعمال الإرهابيّة الّتي تقتل الأبرياء، وتغتال وتدمّر، دون مواجهات قتالية واضحة. وفيما يلي شرح موجز لهذه الخطط السَّبع: الخطة الأولى: خطَّة استغلال ردود الأفعال الناتجة عن توجيه الاتهام .

стр. 275

أطلق المستشرقون والمبشرون فريتهم التي اتهموا فيها الإسلام بأنه إنَّما انتشر بالسيف، وبإكراه الناس عليه، فكان ردُّ فعل هذا الاتهام عند بعض المسلمين الغيورين على إسلامهم، دفاعهم عن الإسلام بأنَّ الحروب الإسلامية لم تكن إلاَّ حروباً دفاعية فقط، وهذا هو ما يريده الغزاة المهاجمون، هو أن يستدرجوا المسلمين إلى هذه المقالة، ليلغوا بذلك جزءاً مُهِمَّاً من مفهوم الجهاد في سبيل الله، وهم يصلون بذلك إلى هدم شطر عظيم من ركن الجهاد في سبيل الله، الذي دلت عليه النُصوص الإسلامية، ومفاهيم المسلمين الأولين، ودلّت عليه وقائع الفتوحات الإسلامية العظمى التي طبقت هذه المفاهيم. وضمن الغيورين على الإسلام المدافعين عنه بصدق، والمستدرجين إلى إطلاق مفاهيم غير صحيحة عنه، اندس مأجورون للمستعمرين والمستشرقين وغيرهم، فتظاهروا بالغيرة على الإسلام، وأخذوا ينشرون فكرة حصر القتال في الإسلام بقتال الدفاع فقط، وأطلقوا نظرياتهم بأنَّ الحروب الإسلامية لم تكن إلا حروباً دفاعية فقط، فهدموا بذلك شطراً من ركن الجهاد في سبيل الله. وتذرع أصحاب النظرية الجديد بالحقيقة الإسلامية التي أعلنها القرآن بقول الله تعالى في سورة (البقرة/٢ مصحف/٨٧ نزول) : ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيْؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ . وبالهدم الجزئي الذي تضمنه هذا الفهم الدخيل المبتدع تعطل شطر من شطري الجهاد في سبيل الله، وهو الشطر الذي تكون الغاية منه نشر الدين، وإبلاغه للعالمين، وكسر الأسوار التي تحجب الحق عن أن يصل إلى أسماع الغافلين المتعطشين إلى المعرفة من الشعوب المغلوبة على أمرها، الراغبة بالخلاص من ظلمات الجهل، وسلطان الحكومات الآثمة الظالمة، التي تحجب عنها النور، وتفرض عليها أهواءها، وتمنعها من تنسم أي حقيقة تخالف ما تمليه عليه بالقوة. مع أن الجهاد بالقتال في سبيل الله كما هو واضح وصريح في كتاب

стр. 276

الله المجيد، وسنة رسوله صلوات الله عليه، والفتوحات الإسلامية التي تمت في عهود الخلفاء الراشدين ومن تبعهم بإحسان، له غايتان رئيستان: الغاية الأولى: الدفاع، وهذا حق تتفق على شرعيته جميع الأمم والمذاهب والأديان، فلا مجال للمناقشة فيه. الغاية الثانية: القتال لتأمين الدعوة وللقيام بواجب تبليغ الحق الرباني إلى الناس كافة، وإقامة العدل في الأرض، والقتال للقيام بواجب التبليغ من الأمور التي اتفقت عليها الشرائع الربانية الثلاث، المنزلة على موسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام، قال الله تعالى في سورة (التوبة/٩ مصحف/١١٣ نزول) : ﴿ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الّجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ . وطالب موسى ﵇ بني إسرائيل أن يدخلوا الأرض المقدسة فاتحين، بعد أن أنجاهم الله من فرعون وجنوده، وأغرق عدوه، فأجابوه بقولهم: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون، وقص الله علينا قصتهم في ذلك، فقال تعال في سورة (المائدة/٥ مصحف/١١٢ نزول) : ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَآءَ وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً وَآتَاكُمْ مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِّن الْعَالَمِينَ * يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ * قَالُوا يَامُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ * قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُواْ عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * قَالُواْ يَامُوسَى إِنَّا لَنْ نَّدْخُلَهَآ أَبَداً مَّا دَامُواْ فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ .

стр. 277

ففي هذا النص بيان واضح أنهم كانوا مطالبين بالقتال لتحقيق الغاية الثانية وهي القيام بواجب تبليغ الحق الرباني، وفتح الأرض المقدسة وإزالة حكم الكفر، وإقامة حكم شريعة الرب. وهذا هو الحكم في الإسلام إلا أنه أصبح مسايراً للدعوة العالمية التي جاء بها الإسلام، والتي ليست مهمتها قاصرة على حدود قومية أو حدود قومية. فقد تدعو الضرورة إلى هذا النوع من القتال، وذلك حينما يكون شعب أو طائفة من الناس مغلوبين على أمرهم، محكومين بسلطة قاهرة، تحجب عنهم كل حقيقة، وتحرمه من ممارسة حق حريتهم فيما يعتقدون وفيما يعملون، ولا تسمح للدعاة المسلمين أن يدخلوا إليهم ويبصرهم بالحق الذي يحملونه، وأوجب الله عليهم تبليغه إلى الناس. ولما كانت طبائع الحكم مهما كان نوعه تقاوم كل فكرة من شأنها أن تؤثر على نظامه، فإن ضرورة التبليغ دعت الإسلام إلى اللجوء إلى قتال الحكومات التي لا تسمح لسلطان التبليغ الحر أن ينتشر بين رعاياها المغلوبة على أمرها. وهذا هو معنى وقوف الجيوش الإسلامية على أبواب الممالك التي فتحتها عارضة عليها واحداً من ثلاثة أمور: ١- فإما أن تدخل هذه الحكومات في الإسلام، وعندئذ تنتهي المشكلة، إذ تصبح الدعوة الإسلامية حرة الانتشار. ٢- وإما أن يعطوا الجزية للمسلمين، وهي مرتبة دون الأولى، وهي تتضمن إعطاء الحرية التامة للدعوة الإسلامية الربانية أن تنتشر بين صفوف الشعب المكلف بدفع الجزية. ٣- وإما أن تناجز السلطة الحاكمة المسلمين القتال، وهو أمر ألجأت إليه الضرورة، والغرض منه تحقيق حرية انتشار الدعوة، وإقامة العدل عن طريق حكومة إسلامية رشيدة. أمَّا الإكراه في الدين فلا مجال له بحال من الأحوال، لأن أول أسس الدين عقيدة في القلوب، ومحال أن تكره القلوب إكراهاً مادياً على أن تعتقد

стр. 278

عقيدة ما، وإعلان القرآن عن هذا فيه من الروعة ما يسكت كل لسان. ولا مجال بعد هذا البيان للاعتذار عن ركن الجهاد بالقتال في سبيل الله، والقص من أطرافه، وحصره في قتال الدفاع، فقضيته قضية حق رباني، وغايته من أشرف الغايات وأنبلها، ولولا أن ألجأت إليه الضرورة في المجتمع الإنساني الظالم الآثم، الذي يتحكم فيه الطغاة البغاة الجبابرة أصحاب الأهواء، الذين يجعلون أنفسهم أرباباً من دون الله، لما كان له وجود في شرائع الله، لأن أساسها قائم على القاعدة التالية: "فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر" ومن وراء ذلك الجزاء بالثواب أو بالعقاب يوم الدين. هذا.... ونجد الأمم التي تنتقد ركن الجهاد في سبيل الله وتحاول أن تنسخه من عقائد المسلمين، تسلط قوى الإفناء عندها على الشعوب الإسلامية المستضعفة لديها، بحقد بالغ، وقسوة شنيعة، وظلم لا حد له، بغية فرض مبادئها الباطلة عليها، أو فرض سلطانها أو مصالحها المادية. وكم عانت وتعاني الأقليات من ذلك في روسيا، وفي يوغسلافيا، وفي الفلبين وفي الحبشة، وفي غيرها من دول العالم. * * * الخطة الثانية: خطَّة تفريغ الجهاد في سبيل الله بالقتال من مضامينه، باصطناع البدائل. فمما لجأ إليه الأعداء في محاربة ركن الجهاد في سبيل الله بالقتال تفريغه من مضامينه، ومن معانيه السامية، ومن أسسه وبواعثه التي تمدّ المسلمين بطاقة كبرى من الإقدام والصمود والصبر والمصابرة، وذلك بصرف المسلمين عن الغاية التي يقاتلون في سبيلها،إلى غايات مختلفة أخرى، بعيدة كلّ البعد عن معاني الإسلام السامية، ليس في مضمونها ما يدفع المسلم حقَّاً إلى التضحية والفداء، والشجاعة والثبات عند قتال الأعداء، ومن هذه الغايات المحدثة التي أحلّوها محلّ الغاية الإسلامية عبارات الوطنية، والقومية، المضيقة أو الموسعة، وعبارات شعارات أخرى خُلَّبَّية زائفات، كعبارات البسالة، والشجاعة

стр. 279

والحمية، والأخلاق الثورية، وأشباه هذه العبارات الجوفاء المنتفخة، وكل ما يرمي إلى غايات جاهلية ضعيفة الأثر، لا تستطيع أن تقف على أقدامها، أمام غايات ثابتة ذات قوة. لقد رأينا لليهود على ما هم عليه من انحلال وانقسام في الأرض قضية في هذا العصر، لها غاية محدّدة واضحة، تدعمها قوى معنوية ذات جذور تاريخية دينية، وتطبيقاتٍ حرفية طبق شريعتهم المحرفة. ورأينا للشيوعيين غايات محدَّدة، أخذت صيغة عقيدة يستميتون في سبيلها، ورأينا للصليبيين غايات محدَّدة، مدفوعة بدوافع دينية ذات جذور تاريخية. أمَّا العرب المسلمون وسائر المسلمين فقد أريد لهم أن تكون قضيتهم مشتتة مضطربة مائعة، تحمل شعارات محدثة، ليس لها أصالة في نفوس الشعوب المسلمة، ولا تدعمها قوى معنوية من دينهم وعقيدتهم وتاريخهم، ومن أجل نُكبوا بما نُكبوا به من قِبَل أعدائهم، فهل إلى رجعة من سبيل، نعود فيها إلى مبادئنا ومفاهيمنا وعقيدتنا الإسلامية الصافية النقية من الشوائب، والخالية من التحريف. الخطة الثالثة: اتخاذ حيلة الربط الدوري بين ركن الجهاد في سبيل الله بالقتال وبين إقامة الحكم الإسلامي . وهنا نلاحظ أن أعداء الإسلام اتخذوا حيلة مغلَّفة ماكرة، ينخدع بها بعض الغيورون على الإسلام ومجد المسلمين، وتفضي إلى إلغاء الجهاد في سبيل الله بالقتال بطريقة عملية، إنها حيلة الربط الدوري بين الجهاد في سبيل الله بالقتال وبين إقامة الحكم الإسلامي. والنتيجة التي تحصل من هذا الربط: أن لا يباشر المسلمون القتال للخلاص حتى يقيموا الحكم الإسلامي، وبما أن الحكم الإسلامي لا يستطيع أن يقوم في الأحوال الراهنة، إلا عن طريق الجهاد في سبيل الله بالقتال، بعد استكمال العُدَّة اللازمة له، وفق سنن الله التكوينية، فإنه لن يقوم حكم إسلامي ولا جهاد بالقتال.

стр. 280

لأنَّ كلاًّ من الركنين قد ارتبط بالآخر ارتباطاً دوريَّاً، فتساقط بذلك طرفا الدور، فلا يقوم الحكم الإسلامي المطلوب، ولا يباشر المسلمون الجهاد في سبيل الله بالقتال. وقد قامت نظريات جديدة تبنَّاها بعض المسلمين تنادي بأن الجهاد بالقتال حقٌّ، وركن من أركان العمل الإسلامي، لنشر الإسلام وصيانته، ولكن لا يصحّ مباشرته قبل توافر شروطه الأساسية. والأمر عند هذا الحد سليم لا غبار عليه، ولكن عند الحديث عن الشروط يعملون على انتحال شروط بعيدة المنال، في ظروف المسلمين الحالية. ثم يعملون بكل وسيلة على جعل هذه الشروط مستحيلة الوقوع، أو كالمستحيلة. كما يعمل أعداء الإسلام على ربط هذه الفئات التي تنادي بهذه النظريات الجديدة بهم ربطاً محكماً، يجعل كلَّ أنواع النشاط التي تقوم به تحت اسم الإسلام كمن يحرث في البحر، تمتصّ بالجهد طاقاته، ولا تؤثر في الماء محاريثه، ثمَّ ينتهي الأمر إلى تعطيل ركن الجهاد في سبيل الله بالقتال تعطيلاً نهائيَّاً، وإبقائه كمادّة معطّلة عن التطبيق في دستور نظري. على أنَّ من الواجب أن نبيّن أنه لا يصح مباشرة القتال قبل توافر شروطه، من تحديد الغاية الأساسية، وإعداد العدّة المطلوبة للمواجهة، والقيام بواجب الجهاد بالدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة أولاً، وانتظار الفرصة الملائمة. ولكن على المسلمين جميعاً في مشارق الأرض ومغاربها أن يخطّطوا ويساهموا في الإعداد التامّ، لردّ صور العدوان التي يبيتها ضدّهم أعداء الإسلام، ليوقعوا في شركهم كلّ بلد من بلدان العالم الإسلامي، وعلى المسلمين جميعاً أن لا يتوانوا في هذا لحظة واحدة. * * * الخطة الرابعة: اصطناع الفرق العميلة الأجيرة ، التي تعمل على إلغاء الجهاد في سبيل الله، بحيل شتى، ومنها ما ينقض الإسلام كلَّه. لقد جرب الغزاة أن ينشروا بين المسلمين عقائد جديدة تفسّر نصوص

стр. 281

الإسلام بحسب أهوائهم، وتنادي بالأخوة الإنسانية، دون تفريق بين الأديان القائمة، وتفسّر بأنه واحد من هذه الأديان المنتشرة في الأرض، يدعو إلى المحبة، وإلى التآخي العامّ بين البشر، مهما كانت مذاهبهم واتجاهاتهم وأعمالهم ومعتقداتهم، ولا يفرض نفسه على الناس فرضاً، وما هو بدين قتالٍ وسفك دماء. وأمَّا القتال الذي حصل في صدر الإسلام فقد كان عملية مرحلية فقط، وقد انتهى دورها بانتشار الإسلام في العالم، وأضافوا إلى هذا التغيير في مفهوم الإسلام أخلاطاً اعتقادية أخرى تنسف الإسلام من أساسه. واستأجروا للقيام بتنفيذ هذا المخطط أجراء ضمن صفوف المسلمين، بألوان شتى، وصور مختلفة، وظهر بعض هؤلاء بأثواب قادة سياسيين، وظهر بعضهم بأثواب مصلحين دينيين، وابتدع بعضهم ديناً جديداً دعا إليه وجمع فريقاً من المرتزقة عليه، فظهرت البهائية في إيران، وظهرت القاديانية في الهند، وكلٌّ منهما قد ضمَّن أخلاطه الاعتقادية الملفقة إلغاء ركن الجهاد في سبيل الله بالقتال، ودعا إلى التعايش بمحبَّة وإخاءٍ وتعاون مع السلطات الكافرة، التي تمتص خيرات البلاد، وتنشر مبادئها باعتبارها أمَّة غالبة مستعمرة. وفيما يلي تعريف موجز بالبهائية، وبالقاديانية: البهائية: هي نحلة جديدة ظهرت في جسم الأمة الإسلامية، بتدبير من أعداء الإسلام، وإمداد منهم لها بالأموال، وبتيسير المصالح، بالدعم والتأييد، فلفقت ديناً جديداً بعقيدته وشريعته، تحت قناع الإصلاح الديني والاجتماعي المزيف، وباسم التآخي العام بين الناس على اختلاف أديانهم وقومياتهم ومذاهبهم. ولهذه النحلة (البهائية) صلة في مفاهيمها بالإباحية من جهة، وبطرح الفوارق الدينية من جهة أخرى، وإلغاء مبدأ الجهاد في سبيل الله من جهة ثالثة، وتعمل على هدم الإسلام وتمزيق وحدة الأمة الإسلامية، وخدمة أغراض وأهداف المستأجرين لها من أعداء الإسلام والمسلمين.

стр. 282

وقد بدأت فكرة هذه الفرقة الضالة في مدينة شيراز من مدن إيران سنة (١٢٦٠هـ) على يد فارسي اسمه "علي محمد الشيرازي" حين أعلن أنه باب العلم بالحقيقة الإلهية، وسمى نفسه "الباب". واجتمع حوله أتباع من ضعفاء العقول وأصحاب الشهوات. ولما أعلن مقالته في الناس قامت فتنة دعت الحاكم إلى أن يسجن أتباعه. ثم هاجر من شيراز إلى أصفهان فحماه حاكمها، ولما توفي هذا الحاكم تلقى خلفه أمراً بالقبض على (الباب) وحبسه في قلعة (ماكو) . وفي سنة (١٢٦٦هـ) أي: بعد ست سنوات من بدء ضلالته قتل رمياً بالرصاص في تبريز، ولم ييأس أعداء الإسلام من متابعة مكرهم في إيجاد خلف له، فاشتروا رجلاً للقيام بالمكيدة اشتهر باسم (البهاء) أو (بهاء الله) وإلى هذا الرجل تنسب طائفة البهائية، ولم يلبث هذا الرجل بعد تسلمه رئاسة الدعوة لهذه النحلة الجديدة حتى اتهم بالاشتراك في مؤامرة لاغتيال ناصر الدين شاه (ملك إيران) انتقاماً للباب، فاعتقل وأبعد، فنزل بغداد، وأقام بها اثنتي عشرة سنة يبشر بضلالته، وضج منه علماء العراق، فقصد (الآستانة) وقاومه علماؤها، ثم كان آخر أمره في (البهجة) وهي قرية من قرى (عكة) بفلسطين، ومات بها سنة (١٣٠٩هـ) . ودعم أعداء الإسلام من بعده ابنه المعروف (بعباس عبد البهاء) وقد رافق هذا أباه منذ بدء ضلالته، وتنقل معه، وقام هذا بأمر البهائية وتنظيم جماعاتها، ونشط هذا الشيطان الابن في نشر ضلالة هذه الطائفة، وكان متوقد الذكاء، وقد زار أوربا في سنة (١٣٣٠هـ) وزار أمريكا في سنة (١٣٣١هـ) وعاد إلى فلسطين فمات في (حيفا) . وتتلقى هذه الطائفة دعماً ومالاً من أمريكا ومن اليهود ومن غيرهما من أعداء الإسلام. فقد تأكد أن الجاسوسية الروسية هي التي تولت غرسها، وأن اليهودية الصهيونية هي التي احتضنتها، وأن الصليبية ومؤسساتها الاستعمارية والتبشيرية

стр. 283

تدعمها وتشد أزرها، لأن الجميع يلتقون على هدف واحد، هو هدم الإسلام، وتجزئ المسلمين، وتوهين قواهم. تقوم هذه النحلة الضالة على تأليه (البهاء) فبهاء الله عندهم الذي هو الرئيس الثاني لدعوتهم، هو الرب الذي بشرت به الديانات كلها، وهو المشرع الأعلى الذي تنبأت بظهوره البوذية والبرهمية واليهودية والمسيحية والإسلام. وقاموا بدور الأجير المطيع في تنفيذ مخططات أعداء الإسلام، من صليبيين واستعماريين ويهود. إنهم يقررون ويعترفون في كتبهم ونشراتهم بأنهم عملوا على سقوط الحكومة العثمانية في فلسطين، وبأن المستعمرين الإنكليز قد دخلوا الأراضي المقدسة بمساعيهم، ويتباهون بأنهم كانوا قد تنبأوا بقيام الدولة الإسرائيلية ثم يتحدثون عن الصلاة الوثيقة التي تقوم بينهم وبين إسرائيل. وفيما يلي طائفة من الوثائق التي تكشف تآمرهم مع أعداء الإسلام: ١-نشرت مجلة (الأخبار الأمرية) التابعة للمحفل الروحاني الوطني للبهائيين، بالعدد الخامس، الصادر في أيلول لعام (١٩٥١م) حديثاً لرئيس القسم العالي للبهائيين مع وزير أمور الأديان الإسرائيلي، يقول فيه: "إن أراضي الدولة الإسرائيلية في نظر البهائيين واليهود والمسلمين أراض مقدسة، وقد كتب حضرة عبد البهاء قبل أكثر من خمسين عاماً أنه في النهاية ستكون فلسطين موطناً لليهود، وهذا الكلام طبع في حينه وانتشر". ٢- جاء في كتاب الوقيعات المباركة بالمجلد الثانية "شوقي أفندي" وهو الزعيم الثالث للفرقة البهائية، في الصفحة (٢٩٠) ما يلي: "لقد تحقق الوعد الإلهي لأبناء الخليل ووارث الكليم، وقد استقرت الدولة الإسرائيلية في الأراضي المقدسة، وأصبحت العلاقات بينها وبين المركز العالمي للجامعة البهائية وطيدة وقد أقرت واعترفت بهذه العقيدة الإلهية". ٣- نشرت مجلة (الأخبار الأمرية) بالعدد العاشر في عام (١٩٦١م) ما قالته "روحية ماكسول" زوجة "شوقي أفندي" وزعيمة البهائيين حالياً، في مقابلة صحفية لها مع "مزدهيفت" وهو:

стр. 284

"فإن كان من المقرر لنا الاختيار، فمن الجدير أن يكون هذا الدين الجديد في أحدث دولة، وفيها يترعرع، وإن لنا مع إسرائيل روابط ووحدة مصير، وفي الواقع يجب أن أقول: إن مستقبلنا ومستقبل إسرائيل يرتبطان ببعضهما كحلقتين في سلسلة واحدة". ٤- إن مركز تشكيلات البهائيين الرئيسي ويسمى "بيت العدل" يوجد حالياً في مدينة حيفا بفلسطين المحتلة، وتشرف عليه هيئة مكونة من تسعة أشخاص، بينهم أمريكون وأوربيون، والرئاسة الروحية فيه لتلك المرأة الأمريكية الأصل "روحية ماكسول". وكل المحافل الأخرى التي تقام في العالم تعتبر فرعاً للمركز الرئيسي في إسرائيل. ٥- أعلن في النشرة الرسمية للبهائيين في إيران أيام رئاسة "ابن غوريون" للوزارة الإسرائيلية ما يلي: "مع كمال الفخر نبلغ البهائيين باتساع الروابط بين البهائيين والمسؤولين في دولة إسرائيل". وفي تلك الأثناء قام وفد من البهائيين بمقابلة "ابن غوريون" وقدم له تمنيات البهائيين القلبية لتقدم وتطور إسرائيل. ٦- في السابع من شهر نيسان لعام (١٩٦٤م) قام الرئيس السابق لإسرائيل "زالمان شازار" بزيارة رسمية لمركز البهائيين، واستقبله هؤلاء استقبالاً حاراً، ظهر فيه مدى التعاطف والتعاون بينهم وبين اليهود. ٧- ثبت لدى مكتب المقاطعة العربية لإسرائيل أن البهائية تتعامل مع الصهيونية وتتآزر معها، لذلك أصدر في شهر صفر عام (١٣٩٥هـ) الموافق لآذار عام (١٩٧٥م) قراراً باعتبار (البهائية) من الحركات الهدامة، وبوضعها في القائمة السوداء، ومقاطعتها، وحظر أي نشاط لها في البلاد العربية، لثبوت تعاملها مع العدو الإسرائيلي، وافتضاح اتصالاتها المشبوهة بالصهيونية وأجهزتها السرية والعلنية. * * *

стр. 285

القاديانية: هي نحلة جديدة، عملت بما تستطيع من خدمة مأجورة من قبل المستعمرين الإنكليز، لهدم العقائد والشرائع الإسلامية، التي يخدم هدمها مصالح المستعمرين في بلاد المسلمين، وكان لتأسيس هذه النحلة تحت ستار ديني هدفان رئيسان: الهدف الأول: تفريق وحدة المسلمين، وتوهين قوتهم، وهدم مبادئهم وعقائدهم. الهدف الثاني: تمكين الدولة البريطانية من بسط نفوذها على البلاد الإسلامية التي اغتصبتها، لا سيما الهند التي نشأت هذه الطائفة فيها. وقصة هذه الطائفة تتلخص بما يلي: اجتمع قواد الاستعمار البريطاني وزعماؤه في مدينة (لندن) ووضعوا خطة لهدم أركان العقيدة والشريعة الإسلامية، ولتمزيق وحدة المسلمين، وتوهين قوتهم، فكان من مظاهر هذه الخطة إنشاء فرق باطلة في صفوف المسلمين تدعمها الحكومات البريطانية. وتغذيها بالرشوات والمساعدات المالية، تحميها من غضبة المسلمين، وتمدها بالمعونات المادية بقدر ما تسمح به الظروف، على أن تحمل هذه الفرق في الظاهر اسم الإسلام، وتعمل في الحقيقة على هدم أصوله وقواعده، وتقطيع أوصاله، وإبعاد المسلمين عن جوهره، وتخدم في كل مناسبة مصالح الاستعمار البريطاني بكل ما لديها من قوة. فأرسلت بريطانيا من أجل هذه الغاية بعثات خاصة إلى البلاد المستعمرة من قبلها، للبحث عن الظروف الملائمة، والتفتيش عن المنحرفين الطامعين، ممن لديهم استعداد للقيام بهذه المهمة الخبيثة، فعثرت في الهند على رجل منحرف نفسياً وفكرياً طامع بالمال، طامح إلى زعامة دينية مزورة، ضمن أسرة عميلة للاستعمار الإنكليزي، فاشترته وأطمعته، ووجهته للقيام بزعامة فرقة باسم الإسلام، تشق عصا المسلمين، وتهدم أركان الإسلام ومبادئه فقام هذا الرجل بمهمته الخائنة لدينه وأمته وبلاده.
следующие страницы →