← Общие книги

Общие книги · id 22855

أجنحة المكر الثلاثة

عبد الرحمن حبنكة الميداني

Полный текст (750 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

الإسلام بحسب أهوائهم، وتنادي بالأخوة الإنسانية، دون تفريق بين الأديان القائمة، وتفسّر بأنه واحد من هذه الأديان المنتشرة في الأرض، يدعو إلى المحبة، وإلى التآخي العامّ بين البشر، مهما كانت مذاهبهم واتجاهاتهم وأعمالهم ومعتقداتهم، ولا يفرض نفسه على الناس فرضاً، وما هو بدين قتالٍ وسفك دماء. وأمَّا القتال الذي حصل في صدر الإسلام فقد كان عملية مرحلية فقط، وقد انتهى دورها بانتشار الإسلام في العالم، وأضافوا إلى هذا التغيير في مفهوم الإسلام أخلاطاً اعتقادية أخرى تنسف الإسلام من أساسه. واستأجروا للقيام بتنفيذ هذا المخطط أجراء ضمن صفوف المسلمين، بألوان شتى، وصور مختلفة، وظهر بعض هؤلاء بأثواب قادة سياسيين، وظهر بعضهم بأثواب مصلحين دينيين، وابتدع بعضهم ديناً جديداً دعا إليه وجمع فريقاً من المرتزقة عليه، فظهرت البهائية في إيران، وظهرت القاديانية في الهند، وكلٌّ منهما قد ضمَّن أخلاطه الاعتقادية الملفقة إلغاء ركن الجهاد في سبيل الله بالقتال، ودعا إلى التعايش بمحبَّة وإخاءٍ وتعاون مع السلطات الكافرة، التي تمتص خيرات البلاد، وتنشر مبادئها باعتبارها أمَّة غالبة مستعمرة. وفيما يلي تعريف موجز بالبهائية، وبالقاديانية: البهائية: هي نحلة جديدة ظهرت في جسم الأمة الإسلامية، بتدبير من أعداء الإسلام، وإمداد منهم لها بالأموال، وبتيسير المصالح، بالدعم والتأييد، فلفقت ديناً جديداً بعقيدته وشريعته، تحت قناع الإصلاح الديني والاجتماعي المزيف، وباسم التآخي العام بين الناس على اختلاف أديانهم وقومياتهم ومذاهبهم. ولهذه النحلة (البهائية) صلة في مفاهيمها بالإباحية من جهة، وبطرح الفوارق الدينية من جهة أخرى، وإلغاء مبدأ الجهاد في سبيل الله من جهة ثالثة، وتعمل على هدم الإسلام وتمزيق وحدة الأمة الإسلامية، وخدمة أغراض وأهداف المستأجرين لها من أعداء الإسلام والمسلمين.

стр. 282

وقد بدأت فكرة هذه الفرقة الضالة في مدينة شيراز من مدن إيران سنة (١٢٦٠هـ) على يد فارسي اسمه "علي محمد الشيرازي" حين أعلن أنه باب العلم بالحقيقة الإلهية، وسمى نفسه "الباب". واجتمع حوله أتباع من ضعفاء العقول وأصحاب الشهوات. ولما أعلن مقالته في الناس قامت فتنة دعت الحاكم إلى أن يسجن أتباعه. ثم هاجر من شيراز إلى أصفهان فحماه حاكمها، ولما توفي هذا الحاكم تلقى خلفه أمراً بالقبض على (الباب) وحبسه في قلعة (ماكو) . وفي سنة (١٢٦٦هـ) أي: بعد ست سنوات من بدء ضلالته قتل رمياً بالرصاص في تبريز، ولم ييأس أعداء الإسلام من متابعة مكرهم في إيجاد خلف له، فاشتروا رجلاً للقيام بالمكيدة اشتهر باسم (البهاء) أو (بهاء الله) وإلى هذا الرجل تنسب طائفة البهائية، ولم يلبث هذا الرجل بعد تسلمه رئاسة الدعوة لهذه النحلة الجديدة حتى اتهم بالاشتراك في مؤامرة لاغتيال ناصر الدين شاه (ملك إيران) انتقاماً للباب، فاعتقل وأبعد، فنزل بغداد، وأقام بها اثنتي عشرة سنة يبشر بضلالته، وضج منه علماء العراق، فقصد (الآستانة) وقاومه علماؤها، ثم كان آخر أمره في (البهجة) وهي قرية من قرى (عكة) بفلسطين، ومات بها سنة (١٣٠٩هـ) . ودعم أعداء الإسلام من بعده ابنه المعروف (بعباس عبد البهاء) وقد رافق هذا أباه منذ بدء ضلالته، وتنقل معه، وقام هذا بأمر البهائية وتنظيم جماعاتها، ونشط هذا الشيطان الابن في نشر ضلالة هذه الطائفة، وكان متوقد الذكاء، وقد زار أوربا في سنة (١٣٣٠هـ) وزار أمريكا في سنة (١٣٣١هـ) وعاد إلى فلسطين فمات في (حيفا) . وتتلقى هذه الطائفة دعماً ومالاً من أمريكا ومن اليهود ومن غيرهما من أعداء الإسلام. فقد تأكد أن الجاسوسية الروسية هي التي تولت غرسها، وأن اليهودية الصهيونية هي التي احتضنتها، وأن الصليبية ومؤسساتها الاستعمارية والتبشيرية

стр. 283

تدعمها وتشد أزرها، لأن الجميع يلتقون على هدف واحد، هو هدم الإسلام، وتجزئ المسلمين، وتوهين قواهم. تقوم هذه النحلة الضالة على تأليه (البهاء) فبهاء الله عندهم الذي هو الرئيس الثاني لدعوتهم، هو الرب الذي بشرت به الديانات كلها، وهو المشرع الأعلى الذي تنبأت بظهوره البوذية والبرهمية واليهودية والمسيحية والإسلام. وقاموا بدور الأجير المطيع في تنفيذ مخططات أعداء الإسلام، من صليبيين واستعماريين ويهود. إنهم يقررون ويعترفون في كتبهم ونشراتهم بأنهم عملوا على سقوط الحكومة العثمانية في فلسطين، وبأن المستعمرين الإنكليز قد دخلوا الأراضي المقدسة بمساعيهم، ويتباهون بأنهم كانوا قد تنبأوا بقيام الدولة الإسرائيلية ثم يتحدثون عن الصلاة الوثيقة التي تقوم بينهم وبين إسرائيل. وفيما يلي طائفة من الوثائق التي تكشف تآمرهم مع أعداء الإسلام: ١-نشرت مجلة (الأخبار الأمرية) التابعة للمحفل الروحاني الوطني للبهائيين، بالعدد الخامس، الصادر في أيلول لعام (١٩٥١م) حديثاً لرئيس القسم العالي للبهائيين مع وزير أمور الأديان الإسرائيلي، يقول فيه: "إن أراضي الدولة الإسرائيلية في نظر البهائيين واليهود والمسلمين أراض مقدسة، وقد كتب حضرة عبد البهاء قبل أكثر من خمسين عاماً أنه في النهاية ستكون فلسطين موطناً لليهود، وهذا الكلام طبع في حينه وانتشر". ٢- جاء في كتاب الوقيعات المباركة بالمجلد الثانية "شوقي أفندي" وهو الزعيم الثالث للفرقة البهائية، في الصفحة (٢٩٠) ما يلي: "لقد تحقق الوعد الإلهي لأبناء الخليل ووارث الكليم، وقد استقرت الدولة الإسرائيلية في الأراضي المقدسة، وأصبحت العلاقات بينها وبين المركز العالمي للجامعة البهائية وطيدة وقد أقرت واعترفت بهذه العقيدة الإلهية". ٣- نشرت مجلة (الأخبار الأمرية) بالعدد العاشر في عام (١٩٦١م) ما قالته "روحية ماكسول" زوجة "شوقي أفندي" وزعيمة البهائيين حالياً، في مقابلة صحفية لها مع "مزدهيفت" وهو:

стр. 284

"فإن كان من المقرر لنا الاختيار، فمن الجدير أن يكون هذا الدين الجديد في أحدث دولة، وفيها يترعرع، وإن لنا مع إسرائيل روابط ووحدة مصير، وفي الواقع يجب أن أقول: إن مستقبلنا ومستقبل إسرائيل يرتبطان ببعضهما كحلقتين في سلسلة واحدة". ٤- إن مركز تشكيلات البهائيين الرئيسي ويسمى "بيت العدل" يوجد حالياً في مدينة حيفا بفلسطين المحتلة، وتشرف عليه هيئة مكونة من تسعة أشخاص، بينهم أمريكون وأوربيون، والرئاسة الروحية فيه لتلك المرأة الأمريكية الأصل "روحية ماكسول". وكل المحافل الأخرى التي تقام في العالم تعتبر فرعاً للمركز الرئيسي في إسرائيل. ٥- أعلن في النشرة الرسمية للبهائيين في إيران أيام رئاسة "ابن غوريون" للوزارة الإسرائيلية ما يلي: "مع كمال الفخر نبلغ البهائيين باتساع الروابط بين البهائيين والمسؤولين في دولة إسرائيل". وفي تلك الأثناء قام وفد من البهائيين بمقابلة "ابن غوريون" وقدم له تمنيات البهائيين القلبية لتقدم وتطور إسرائيل. ٦- في السابع من شهر نيسان لعام (١٩٦٤م) قام الرئيس السابق لإسرائيل "زالمان شازار" بزيارة رسمية لمركز البهائيين، واستقبله هؤلاء استقبالاً حاراً، ظهر فيه مدى التعاطف والتعاون بينهم وبين اليهود. ٧- ثبت لدى مكتب المقاطعة العربية لإسرائيل أن البهائية تتعامل مع الصهيونية وتتآزر معها، لذلك أصدر في شهر صفر عام (١٣٩٥هـ) الموافق لآذار عام (١٩٧٥م) قراراً باعتبار (البهائية) من الحركات الهدامة، وبوضعها في القائمة السوداء، ومقاطعتها، وحظر أي نشاط لها في البلاد العربية، لثبوت تعاملها مع العدو الإسرائيلي، وافتضاح اتصالاتها المشبوهة بالصهيونية وأجهزتها السرية والعلنية. * * *

стр. 285

القاديانية: هي نحلة جديدة، عملت بما تستطيع من خدمة مأجورة من قبل المستعمرين الإنكليز، لهدم العقائد والشرائع الإسلامية، التي يخدم هدمها مصالح المستعمرين في بلاد المسلمين، وكان لتأسيس هذه النحلة تحت ستار ديني هدفان رئيسان: الهدف الأول: تفريق وحدة المسلمين، وتوهين قوتهم، وهدم مبادئهم وعقائدهم. الهدف الثاني: تمكين الدولة البريطانية من بسط نفوذها على البلاد الإسلامية التي اغتصبتها، لا سيما الهند التي نشأت هذه الطائفة فيها. وقصة هذه الطائفة تتلخص بما يلي: اجتمع قواد الاستعمار البريطاني وزعماؤه في مدينة (لندن) ووضعوا خطة لهدم أركان العقيدة والشريعة الإسلامية، ولتمزيق وحدة المسلمين، وتوهين قوتهم، فكان من مظاهر هذه الخطة إنشاء فرق باطلة في صفوف المسلمين تدعمها الحكومات البريطانية. وتغذيها بالرشوات والمساعدات المالية، تحميها من غضبة المسلمين، وتمدها بالمعونات المادية بقدر ما تسمح به الظروف، على أن تحمل هذه الفرق في الظاهر اسم الإسلام، وتعمل في الحقيقة على هدم أصوله وقواعده، وتقطيع أوصاله، وإبعاد المسلمين عن جوهره، وتخدم في كل مناسبة مصالح الاستعمار البريطاني بكل ما لديها من قوة. فأرسلت بريطانيا من أجل هذه الغاية بعثات خاصة إلى البلاد المستعمرة من قبلها، للبحث عن الظروف الملائمة، والتفتيش عن المنحرفين الطامعين، ممن لديهم استعداد للقيام بهذه المهمة الخبيثة، فعثرت في الهند على رجل منحرف نفسياً وفكرياً طامع بالمال، طامح إلى زعامة دينية مزورة، ضمن أسرة عميلة للاستعمار الإنكليزي، فاشترته وأطمعته، ووجهته للقيام بزعامة فرقة باسم الإسلام، تشق عصا المسلمين، وتهدم أركان الإسلام ومبادئه فقام هذا الرجل بمهمته الخائنة لدينه وأمته وبلاده.

стр. 286

إنه (ميرزا غلام أحمد) القادياني المولود في قرية (قاديان) إحدى قرى البنجاب في سنة (١٨٣٩م) في أسرة عميلة للاستعمار الإنكليزي، فقد كان أبوه واحداً من الذين خانوا المسلمين، وتآمروا عليهم، وساعدوا الكفار الغاصبين، سعياً وراء المال الحرام، والجاه الخائن. وسعى (ميرزا غلام أحمد) يدعو إلى ضلالته، ويخدم الإنكليز خدمة العبد المطيع، ويتلقى المكافآت الكثيرة منهم على ما يقدمه إليهم من خدمات. ففي سنة (١٨٨٢م) ادّعى أن الله ألهمه مهمة خاصة، ثم ادّعى بعد مُدَّة أن جبريل قد نزل عليه بوحي من السماء، ثم ادَّعى بعد حين أن الله تعالى لقبه برسول وسماه "محمداً" وفي عام "١٩٠١م" أعلن بصراحة أنه نبي مرسل من الله. وفرض الاستعمار الإنكليزي هذا الرجل وأمده وحماه، وقدم له كل التسهيلات للقيام بمهمته، وخصص له جنوداً من قبله لحراسته، حتى لا تنزل به نقمة المسلمين في الهند، وأتاح لأتباعه المستأجرين أيضاً لنشر نحلته فرصاً كبيرة لإقامة مراكزهم التبليغية في أنحاء العالم، لا سيما البلاد الخاضعة للاستعمار الإنكليزي، وصار الإنكليز يحثون من لهم عليهم يد من الأسر الإسلامية البارزة أن يعتنقوا القاديانية، فمن اعتنقها منهم منحوه ما يسره من لقب ووسام. وظل القاديانيون يرتعون في كنف الاستعمار البريطاني، ويصيبون من خيرات البلاد ما لا يصيبه غيرهم، ليقوموا بهدم الإسلام وتمزيق وحدة المسلمين من ضمن صفوفهم، وليقوموا بخدمة المصالح الاستعمارية وفق ما يملي عليهم سادتهم. وألف (ميرزا غلام أحمد) كتباً ورسائل ونشرات كثيرة، ضمنها الحث الصريح على طاعة الدولة البريطانية، وعدم الخروج عليها، ومما أفتى به أنه لا يجوز للمسلم أن يرفع السلاح في وجه الإنكليز لأن الجهاد قد رفع، ولأن الإنكليز هم خلفاء الله في الأرض فلا يجوز الخروج عليهم. ومما جاء في رسائله: "لقد قضيت معظم عمري في تأييد الحكومة

стр. 287

الإنكليزية ونصرتها، وقد ألفت في منع الجهاد ووجوب طاعة أولي الأمر الإنكليزي، ما لو جمع بعضه إلى بعض لملأ خمسين خزانة". (وما جاء في أقواله: "إن الحكومة البريطانية أقرّت بأن أسرتي في مقدمة الأسر التي عرفت في الهند بالنصح والإخلاص للإنجليز، ودلت الوثائق التاريخية على أن والدي وأسرتي كانوا من كبار المخلصين لهذه الحكومة من أول عهدها". وقوله أيضاً: " وقد قدّم والدي فرقة من خمسين فارساً لمساعدة الحكومة الإنجليزية في ثورة (١٨٥٧م) وتلقى على ذلك رسائل شكر وتقدير من رجال الحكومة". ثم انقسمت الهند، وقامت الدولة المسلمة (باكستان) في عام (١٩٤٧) محاطة بالمشكلات الصعبة التي وضعها فيها الاستعمار الإنكليزي، وبخطة مدبرة انتقل مركز القاديانيين من (قاديان) في الهند إلى باكستان، ليتابعوا مكيدتهم في الدولة المسلمة الناشئة، وفرض على هذه الدولة الحديثة تولية الزعيم القادياني المشهور السير (ظفر الله خان) وزيراً للخارجية، واحتج المسلمون على هذا الإجراء، وأجابهم رئيس وزراء باكستان يومئذ (الخواجا ناظم الدين) بأنه لا يستطيع التخلي عنه، لأن ذلك يحرم باكستان من المساعدات الأجنبية، لا سيما المواد الغذائية التي كانت باكستان بأمس الحاجة إليها، فدل ذلك على متابعة دعم القاديانيين من الدول المعادية للإسلام، لاستكمال تنفيذ مخططات المكيدة، وظلت الحكومات في باكستان تواجه الضغوط الخارجية لمنح القاديانيين ما يطلبون من تسهيلات وامتيازات. وانتهز القاديانيون هذه الفرصة المواتية فوضعوا عدة مشاريع طبقوها بنجاح ملحوظ، فعمقوا جذورهم في باكستان، وانطلقوا من ذلك ينشرون دعايتهم في العالم بدعم مستمر من سادتهم، المستفيدين من أعمالهم في باكستان ما يلي:

стр. 288

١- إنشاء مدينة لهم باسم (ربوة) وهذه المدينة خاصة بهم، لهم فيها نظام بوليسي خاص، ومحاكم خاصة ومدارس وكليات ومستشفيات خاصة، ولا يستطيع أحد من المسلمين أن يشتري فيها أرضاً، أو يستأجر فيها داراً، وكل الوظائف فيها لا يشغلها إلا القاديانيون، أقاموا فيها سكرتارية فخمة مجهزة بأحدث الآلات، ومنها ينشرون التضليل القادياني. ٢- شحن المناصب الهامة في الجيش وفي الإدارة المدنية وفي السفارات الباكستانية بالقاديانيين. وكان ذلك بتأثير السير (ظفر الله خان) . ٣- إنشاء المدارس والكليات والمستشفيات على مستوى عالٍ، واستدراج المسلمين عن طريقها إلى القاديانية، على مثل ما تقوم به البعثات التبشيرية المسيحية. ٤- تقديم المنح الدراسية والمساعدات المالية المشروطة باعتناق القاديانية. ٥- استغلال الوظائف والمناصب الحكومة استغلالاً غير مشروع، وذلك بربط التعيين والترقيات بأن يعتنق طالب ذلك نحلتهم. ٦- عمل القاديانيون المتغلغلون في أجهزة الحكم على منح المنتسبين إلى نحلتهم مساعدات غير عادية، ليتقدموا تقدماً كبيراً في مجالات الصناعة والتجارة والزراعة. ٧- وقاموا بنشاط كبير في مجال طبع الكتب والنشرات القاديانية، التي تثير الشبهات حول العقائد الإسلامية، وتضلل أبناء المسلمين، وتحاول إبعادهم عن الإسلام الحق. وقام المسلمون في باكستان بمظاهرات واحتجاجات ضد تصرفات القاديانيين في مناسبات متعددة، ولم يستطيعوا أن يعزلوهم عزلاً تاماً عن جسم الأمة الإسلامية حتى عام (١٩٧٤م) إذ استطاع المسلمون أن يوجهوا ضغوطاً متعددة اضطر على أثرها البرلمان المركزي الباكستاني أن يصدر في

стр. 289

السابع من شهر أيلول لعام (١٩٧٤م) قراراً إجماعياً يقضي باعتبار جميع الفئات القاديانية أقلية غير إسلامية. الخطة الخامسة: خطَّة استغلال المنظمات الدولية المندسة في الشعوب المسلمة ، لبثّ الأفكار الرامية إلى هدم الإسلام عن طريقها، ومن ذلك الاهتمام الشديد بإلغاء ركن الجهاد في سبيل الله بالقتال. ويبرز أمامنا لدى ملاحظة هذه الخطة دور الجمعيات السرّية المعادية للإسلام، كالماسونية، والروتاري، والليونز، فقد كان وما يزال لهذه المنظمات دور كبير في محاربة الإسلام، عن طريق دعوات الأخوة الإنسانية، ودور كبير في إلغاء ركن الجهاد في سبيل الله. وبما أن "الماسونية" هي الأمّ للروتاري، والليونز، فمن المستحسن تقديم صورة موجزة جداً عن الماسوني، والروتاري، والليونز. الماسونية: ١- منظمة عالمية، محاطة أهدافها الحقيقية بسريّة عظيمة، وهي من أخطر الجمعيّات، وأثَّرت تأثيراً مباشراً على مصائر كثير منها، وتحكَّمت في سياسة معظم دول العالم، ومن أهدافها الرئيسة العمل على إلغاء الجهاد الإسلامي داخل شعوب الأمة الإسلامية، وهدم وإلغاء الأديان كلّها باستثناء اليهوديّة. ٢- وحظَّ اليهودية العالمية من أعمال هذه المنظمة هو الحظ الأوفر، ونصيبها هو نصيب الأسد من الفريسة مع صغار الوحوش. ٣- وقد أكَّدت البحوث المستفيضة لكثير من الباحثين أن هذه المنظمة تهيمن عليها قيادة يهودية سريّة، وتدير محالفها عناصر يهودية قادرة على إخفاء

стр. 290

هويّتها. وتُوجَّه الأوامر المهمّة فيها بطريقة شفوية، حتى يبقى أصحاب الأمر الحقيقيون فيها مستورين عن الأنظار، ولئلا تنكشف للعميان المنتمين إلى المحافل الماسونية خطّة المكر اليهودية، التي توجّه السياسات العالمية، والأفكار، والمذاهب الاجتماعية والاقتصادية، وسائر مجالات الحياة، كما تستغلّ كل نشاط لتحقيق المخطّطات اليهودية، الرامية إلى تدمير الأمم غير اليهودية، وتدمير أديانها وأخلاقها وأنظمتها، وإيصال اليهود إلى قمة الإدارة العالمية المسيطرة بشكل مباشر على كلّ شيء في العالم. ٤- واسم هذه المنظمة المشتهر بالماسونية ترجمته الحرفية: "البنَّاؤون الأحرار" فهي إذن: "جمعية البنَّائين الأحرار". وتستطيع محافل الماسونية أن تغير أسماءها، كلَّما أحست بالخطر، فحين أغلق "هتلر" جميع محافلها في ألمانيا، لأنَّه اكتشف صلتها بالمكر اليهودي، وأنَّ القيادة اليهودية السرّية العالمية هي التي تديرها بطرائق خفيّة، عادت متستّرة باسم "نوادي الفرسان الألمان". ٥- وللماسونية وجهُ بَاسِمٌ خدّاع، ينادي بالإخاء الإنساني، وبالتعاون بين الإخوة المنتظمين في محافلها، وشعارها المعلن: "الحرية والإخاء والمساواة". ولها وجه باطن خفي، يدبّر الخطط، ويحيك الدسائس، ويرتّب المؤامرات، ليوصل اليهود إلى مراكز التحكّم بمصائر كلّ الأمم، وكلّ الدول، وليُتِم تَنْفيذَ المخطّطات اليهودية الرامية إلى تدمير الشعوب وحكم العالم. وقد عرَّف المستشرق الهولندي "دوزى الماسونية بتعريف موجز قال فيه: "جمهور كبير من مذاهب مختلفة يعملون لغاية واحدة: هي إعادة الهيكل، إذ هو رمز دولة إسرائيل". ٦- ويتعرَّف أعضاء هذه المنظمة بعضهم على بعض عن طريق الرموز اللفظية، والرموز الحركية الجسمية، ومنها الضغط على الأصابع عند المصافحة بطرق خاصة.

стр. 291

٧- ولهذه المنظمة مراتب ثلاث كبرى: المرتبة الأولى: الماسونية العامة، وتسمى "الماسونية الرمزية" وهي مرتبة تضم المبتدئين الذين يجهلون الأهداف الحقيقية الغائية لها، ويعرفون عند أهل المرتبتين الثانية والثالثة بالعميان. المرتبة الثانية: الماسونية الملوكية، وتسمّى "العقد الملوكي" وهي مرتبة يعرف الواصلون إليها بعض أهدافها البعيدة، إلاَّ أنهم قد أعمتهم مصالحهم التي تتحقق عن طريقها، وأماتت فيهم ضمائرهم. المرتبة الثالثة: الماسونية الكونية، وهي تضم حكماء إسرائيل، وورثة السرّ، وهم الذين يتصرفون سرّاً بالمحافل الماسونية المنتشرة في العالم، ويوجهونها لتحقيق أهداف اليهود الخفية. ٨- ولهذه المنظمة درجات كشف الباحثون المتتبعون رموزها، وهي "ثلاث وثلاثون" درجة، يبتدئ المنتسب إليها بالدرجة الأولى، ثمَّ يُرَقَّى فيها درجة فدرجة، بحسب نشاطه وإخلاصه في خدمة المنظمة، ولا يُرَقَّى إلى الدرجة الأعلى حتى يستوفي شروط الدرجة التي هو فيها استيفاءً كاملاً، بحسب نظر القيادة اليهودية السرية. وكلَّما انسلخ من دينه وقومه ووطنه وكلِّ مبادئه وقيمه، وخدم أهداف اليهود، اقترب من احترام وتقديس العقيدة اليهودية كان جديراً بأن يُرقَّى في الدرجات، وإلاّ بقي عند حدود الدرجات الدنيا. والمرشح للدرجة الثالثة والثلاثين عليه أن يقسم على التوراة، ويشتم عيسى ومحمداً عليهما الصلاة والسلام، ويكذّب بالإنجيل والقرآن، وينكر المسيحية والإسلام، ويعلن إيمانه بموسى وهارون فقط.

стр. 292

الروتاري: إحدى بنات الماسونية منظمةٌ أطلق عليها اسم "الروتاري"، وأهم أهدافهم محاربة الدين، والتجرد من المصالح القومية والوطنية، ونبذ القيم، والعمل تحت شعار الفكرة الإنسانية العامة، ولكنَّ أعمالها تسير في قنوات تصب في أحواض المصالح اليهودية، ومخططاتها الكبرى، مع خدمة مصالح الدول الكبرى، الاستعمارية وغيرها، إذا كان ذلك لا يتعارض مع الأهداف اليهودية العالمية. الليونز = الأسود: أسست نوادي باسم نوادي "الليونز" أي الأسود، وهي من بنات الماسونية أيضاً. وشعار هذه النوادي العمل لإقامة السلم العالمي، والتحرر من القيم الدينية والأخلاقية. وجلُّ أعضاء هذه النوادي من الملوك، والرؤساء، والوزراء، وذوي المال الوفير والجاه العريض في بيئاتهم. وأعضاؤها يتحركون على شبه تحرك أعضاء الماسونية، ليحققوا أخيراً الأهداف التي تنشدها الماسونية. الخطة السادسة: خطة التوريط والإحباط، لإقناع جماهير المسلمين بالعجز عن عودة الجهاد إلى سابق مجده. فمن مكايده أعداء الإسلام لنسخ فكرة الجهاد في سبيل الله بالقتال، من أذهان المسلمين وقلوبهم، ولو بصورة مؤقتة، خطة التوريط دون استكمال العدّة

стр. 293

الكافية، وإتباعه بالإحباط المؤلم المقرون بخيبة الرجاء، والاقتناع بعدم جدوى هذا الأسلوب نهائيَّاً. ولتنفيذ هذه الخطّة ربما دسّ دهاة المكر بين صفوف المسلمين الغيورين المتحمسين لإسلامهم، من ينفخ في نار حماستهم، ليؤجّجَها، متظاهراً بالغيرة الشديدة على الإسلام والمسلمين، وهو منافق كذَّاب. وغرضه أن يثير غضبهم، ويزيّن لهم ضرورة التحرّك السريع للقتال في سبيل الله، من أجل رفع طغيان قائم، وبغي جاثم، أو لإقامة حكم الإسلام في الأرض، ويزعم لهم أنَّ أمر القتال قد صار واجباً شرعياً، وأمراً حتمياً، ولو لم يكن لدى الثلّة المؤمنة إلاَّ القوة القليلة التي لا تكفر في ميزان القوى السببيّة للتغلّب على خمسة في المئة من قوى البغي أو الكفر التي يريدون قتالها لإسقاطها. وقد يفتعل الأعداء أو أجراؤهم مثيرات غضب المسلمين من أجل دينهم، ليستدرجوهم إلى تحرّكات طائشة رعناء، ثم ليوقعوهم في فخ كانوا قد نصبوه لهم. وقد يندفع المتحمسون للإسلام برعونة وقصر نظر، وغفلة عما يُرادُ لهم، وهم يجهلون فقه الجهاد في سبيل الله بالقتال، وتنتهي الاندفاعة الرعناء بالخيبة والهزيمة، وتنبري القوى المعادية للإسلام فتنزل بالمسلمين ما كانت قد دبّرت لهم من قمع وتنكيل واضطهاد. وبذلك يظفر أعداء الإسلام، والسائرون في ركابهم، أو الدائرون في أفلاكهم، بما كانوا يهدفون إليه من هذه الخطة. وتشيع في جماهير المسلمين فكرة اليأس من الخلاص، واليأس من جدوى القتال والإعداد اللازم له. وهذا هو ما يريد الأعداء الوصول إليه. الخطّة السابعة: خطّة تقديم صُوَرٍ مصطنعة من جهاد قتالي أو إرهابيّ يحمل شعارَ جهادٍ إسلاميّ، وهو ليس منه منهجاً ولا غاية، للتنفير من الجهاد

стр. 294

في سبيل الله بالقتال، كصُوَرِ الأعمال الإرهابية والثورات الفوضويّة التي تقتل الأبرياء، وتغتال وتدمّر، دون مواجهات قتالية. إنّ تاريخ الجهاد الإسلاميّ بالقتال قد كان مقتصراً على قتال جيوش أعدائهم، في جهاد إسلاميّ مقدّس، قتالاً تُوَاجِه فيه الجيوش الإسلامية جيوش الأعداء، بلا غَدْر ولا خيانة ولا نقضٍ للعهود، ولا تَتَعرَّضُ لغير الجيوش المقاتلة من أفراد شعوبهم الذين لا يشاركون في القتال. ولم يكن المسلمون يعرفون بدعة الإرهاب المعاصرة، الَّتي خطَّط لها اليهودُ والنصارى والملاحدة والوثنيُّون وأُجراؤُهم، ومارسوها في ثوراتهم واضطراباتهم، وتبعهم فيها ثوريّون مختلفون من شعوب الأرض، وهذه البدعة تهدف إلى إثارة القلاقل والاضطرابات في الشعوب، وقتل الأبرياء، وتخريب العمران، ومصادرة الطائرات، وتدمير الأبنية على سُكّانها بالمفتجِّرات، وتدمير المدُنِ، وقتل سكانها في إبادة جماعيّة بأسلحة الدّمار الشامل، ونشر الفساد في الأرض. إنّ هذه الأعمال الّتي أُطْلِق عليها اسم أعمال إرهابيّة، لا يَعْرِفُها المسلمون خلال تاريخهم الجهاديّ الطويل، ولا يُجِيزها الإسلام، ولا يُبِيح للمسلمين أن يمارسوها. وفي خطّة ماكرةٍ مُدَبّرة دفع أعداء الإسلام سرّاً بعض أجرائهم، فدفعوا بعض أبناء المسلمين الذين لا يعرفون أحكام الإسلام ولا يطبّقونها في سلوكهم، للقيام ببعض الأعمال الإرهابيّة الّتي قلدُوا فيها الإرهابيين من غير المسلمين، من اليهود والنصارى والملاحدة والوثنيين، ورفَعُوا مع أعمالهم شعارات جهاد إسلاميّ، مع أنّ هذه الأعمال لا تَمُتُّ للإسلام بصلةٍ، بل يُحَرِّمها الإسلام ولا يأذن بها. واستغلَّ أعداءُ الإسلام هذه الأعمال لتشويه صورة الإسلام والمسلمين، بوسائل الإعلام الكثيرة الّتي يملكونها.

стр. 295

إنّ أعداء الإسلام يصنعون القبائح بأيدي أُجرائهم وبعض الجهلة والأغبياء من المسلمين، ليحاربوا الإسلام والمسلمين بها. * * * (٥) محاولات الغزاة تفريغ الإسلام من أحكام المعاملات وسائر شؤون الحياة من الأمور البدهية في الشريعة الإسلامية أنها تتناول بأحكامها وأنظمتها الإلهية أحوال الأفراد والجماعات الإنسانية، على اختلافها في الخصائص الفردية والجماعية فلم يترك الإسلام حالة من أحوال الناس إلا وتناولها بحكم شرعي، يضمن مصالحهم الفردية والجماعية، وهذا الحكم إما منصوص عليه، وإما مدلول عليه بدليل ما من الأدلة الشرعية، ولا يعدو عمل فقهاء المسلمين ومجتهديهم البحث في مصادر التشريع الإسلامي، حتى ينكشف لهم حكم الله فيما يُعرض عليهم من مسائل، وفيما يجدّ للمسلمين من أحوال. وهذه قضية ليست محل جدلٍ عند المسلمين، ولكن أعداء الإسلام يريدون تفريغه من مضامينه، ولا سيما ما يتعلق منها بالأحكام المنظمة لمعاملات الناس وعلاقاتهم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ونحو ذلك، ويريدون إحلال أنظمتهم الوضعية محلها، ليوجدوا نوعاً من التشابه بين أوضاع المسلمين وبين أوضاعهم الخاصة والعامة، تمهيداّ للقضاء على الإسلام جذوراً وفروعاً، وقد وجدوا بينهم وبين تحقيق هذه الغاية سداً منيعاً، هو استمساك المسلمين بأحكام الشريعة الإسلامية، التي تتناول جميع حياة الناس، ففكروا وقدّروا، ثم عثروا على فكرة شيطانية خبيثة، وهي أن يفصلوا بين أحكام الدين المتعلقة بالعبادات، وأحكامه المتعلقة بالأحوال الشخصية، وأحكامه المتعلقة بالنظم الأخرى.

стр. 296

وأعداء الإسلام يدبّرون كلّ مكيدة للتخلّص من كلّ زعيم يعمل على نصرة الأمة الإسلامية، أو تطبيق الشريعة الإسلامية في بلده. ومع هذا الفصل أخذوا يدسون على المسلمين دسيستهم التي تتضمن تحوير مفهوم عبارة (الدين لله) وذلك بجعلها في معنى أن الأحكام الدينية هي الأحكام التي تتعلق بأمور العبادات، التي هي لله وحده، وأما الأحكام الأخرى التي تتعلق بتنظيم أحوال الناس الشخصية والعامة، المادية والأدبية، السياسية وغير السياسية، في السلم والحرب، فلا علاقة للدين بها، وما هي إلا أمور متروكة للناس ينظمونها كما يشاؤون، وقد سرت فعلاً هذه الفكرة المحورة في صفوف معظم المسلمين البعيدين عن دراسة الشريعة الإسلامية، باستثناء أحكام الأحوال الشخصية من زواج وطلاق ونفقة وأمثال ذلك. وبسريان هذه الفكرة المحورة استطاع أعداء الإسلام أن يكسروا عدة جدُر من السور الإسلامي الكبير، الذي يحمي حصنهم الفكري المنيع. وحملت هذه العبارة معنى لزم منه عدم اهتمام المسلمين بدار الإسلام، وبالحكم الإسلامي، حتى وجدنا جماهير المسلمين تبعاً لقادتهم السياسيين يردّدون بغباءٍ عبارة (الدين لله والوطن للجميع) وذلك في غمرة نشاط الثورات الوطنية لإخراج المستعمرين، والتي كان وقودها من شهداء المسلمين. وانطلقت الجماهير تردد هذه العبارة المحورة في شطرها الأول، والمدسوسة في شطرها الثاني، وكأن أحكام الله في شريعته لا علاقة لها بالأوطان، ولا بتنظيم شؤون الناس الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. وعلى إثر هذا التحوير وبضغط من السلطان الأجنبية المعادية استطاعت النظم الوضعية الأوربية الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والعدلية أن تنفذ إلى معاقل المسلمين؛ وتحتل فيها احتلال المالك الأصلي.

стр. 297

فإذا دخلنا محاكم القضاء في معظم البلاد الإسلامية وجدنا روح القوانين الأوربية هي النافذة فيها، وإذا دخلنا في أي مجال اقتصادي وجدنا أسس النظم الاقتصادي الأوربيّة اليهودية هي السائدة والمهيمنة على كل شيء فيها، وإذا راقبنا الأسس القائمة عليها سياسة معظم هذه البلاد الإسلامية وجدناها أسساً أوربية شرقية أو غربية، بعيدة عن الأسس الإسلامية التي كان بها مجد المسلمين وعزهم، وما زال تحقيق مجدهم وعزهم رهناً بتطبيقها. وإن يوم الخلاص من تسلط أعداء الإسلام على المسلمين هو يوم عودة المسلمين إلى تطبيق نظم دينهم الشاملة لنواحي حياتهم كلها دون تجزئة، أو مساومة أو نفاق. (٦) محاولة إلغاء تطبيق أحكام الأحوال الشخصية الإسلامية عقب خطة التحوير الذي دسه أعداء الإسلام في عبارة: (الدين لله) واستغلال هذا التحوير لتسلل القوانين الوضعية؛ واحتلالها معظم أجهزة الحكم والإدارة في البلاد الإسلامية، ومعظم مجالات الحياة فيها، وفي مرحلة من مراحل الغزو المباشر على الشريعة الإسلامية، اتجهت السلطات الاستعمارية إلى تغيير أحكام الأحوال الشخصية الإسلامية في بلاد المسلمين، وإحلال قوانين مدنية غير إسلامية محلها، واتخذت لذلك وسائل مختلفة شتى. ومن أمثلة ذلك ما فعلته السلطة الاستعمارية الفرنسية التي كانت تحكم سورية أيام الانتداب، إذ أصدرت قراراً بقانون يتعلق بالأحوال الشخصية، ليطق على الرعايا السوريين جميعاً مسلمين وغير مسلمين، واشتهر هذا القانون في حينه باسم قانون الطوائف. وقد تضمن هذا القانون أحكاماً تناقض أحكام الشريعة الإسلامية، فيما يتعلق بالأحوال الشخصية، إذ يسمح بموجب أحكام هذا القانون لأي رجل من أية طائفة أن يتزوج بأية امرأة، دون أن يستطيع أولياء المرأة الاعتراض على هذا

стр. 298

الزواج بمخالفته أحكام الشريعة الإسلامية، إلى غير ذلك من مواد تقنينية مسايرة للقوانين المطبقة في فرنسا. وضج علماء المسلمين من هذا القانون، وتحركت الجماهير المسلمة بقيادة علمائها ثائرة عليه، مستنكرة له، تطالب بإلغائه فوراً، وتنذر بقيام ثورة، واضطرت السلطات المستعمرة إلى إلغائه قبل أن يوضع موضع التنفيذ، وانطوت صفحة من صفحات كفاح المسلمين. وللتاريخ أذكر أن الذي أثار الحركة وقادها في حينها والدي سماحة الشيخ حسن حبنكة الميداني، وقد أيدته الجماهير المسلمة، وكتب الله له النصر في المعركة وتم إلغاء قانون الطوائف. ولكن الدوائر الاستعمارية عملت ما هو أدهى وأمرّ من فرض أنظمتها وقوانينها بقرارات تصدرها هي، فقد قامت بتربية جيل حديث داخل صفوف المسلمين، متحلل من الإسلام، غير عابئٍ بأحكامه وشرائعه، يعمل على وضع قوانين وأنظمة للبلاد الإسلامية أفحش من قانون الطوائف الذي ثار عليه المسلمون من قبل، ويأتي إلى أسس الدين الإسلامي وأصوله، فيقتلعها من جذورها، ويضطهد علماء المسلمين، الذين كافحوا الاستعمار بالأمس، وقاوموه أشد المقاومة، وأججوا عليه نار الثورات التي نغصت عليه مقامه في البلاد. وهكذا نفذ أعداء الإسلام ما يريدونه في المسلمين، دون أن يباشروا بأيديهم لهيب النار، أو يمسوا جمراتها، واتخذوا لذلك الوسائل الهادئة، والخطوط الطويلة الأمد، التي تحقق أغراضهم بعد حين، بينما تكون ضحاياهم غافلة عما يمكرون، مشغولة في دوامة المظاهر الغوغائية الخادعة، التي لا تلبث أن تجد نفسها في الفخ الذي نصبه العدو، لينطبق على فريسته في اليوم المقدر له. إنه لون عجيب من ألوان الكيد الذي يدبره أعداء الإسلام على اختلاف اتجاهاتهم، وتعدد بلدانهم، وينفذونه في صفوف المسلمين تنفيذاً بارعاً،! لا تنكشف فيه يد المجرم الحقيقي. أما الذين يباشرون الجريمة فما هم في نظر العدو إلا أدوات، إن سلمت فربما سر العدو سلامتها ليتابع استخدامها مرة أخرى، وإن لم تسلم لم يحزن

стр. 299

لهلاكها، ومثلها في نظره كمثل القنبلة الموقوتة، يضعها واضعها لتنفجر في وقت معلوم، فتخرب من أهداف العدو على مقدار طاقتها، وأول حساب العدو بالنسبة إليها هو أن يخسرها ليربح المعركة، ويظفر بغايته. على أن العدو ربما يعمل على الخلاص من هؤلاء الأدوات، متى أصبحوا غير صالحين للاستعمال، أو غدوا عبئاً متاعبه أكبر من منافعه، وبهذه الخطة الماكرة يستغفل أعداء الإسلام ويكيدون القسمين معاً، قسم الأدوات المستأجرين، وقسم الضحايا الغافلين. والمستأجرون من أدوات الخيانة قد لا يكلفون أعداء الإسلام إلا أن يقدموا لهم المطامع والوعود، أو أدنى الأجور النقدية، أو بعض الشهوات المبذولة لكل روادها، وكذلك يفعلون. (٧) التلاعب بالأحكام الإسلامية بحيلة المرونة في الشريعة حينما تتناول الشريعة الإسلامية أحكام العبادات تتسم باليسر والسماحة، وحينما تتناول بيان حقوق الناس تتسم بالدقة والحيطة والتحديد، وحينما تتناول بيان الحدود والعقوبات تتسم بالاحتياط في وسائل إثبات موجب العقوبة، بالعنف الرادع في إقامتها. أما حينما تتناول الشريعة الإسلامية بيان النظم التي تكفل للناس الحياة الأفضل فإنها تتسم بالمرونة، وقد راقب أعداء الإسلام جانب النظم فوجدوا أن فريقاً من المسلمين لم يحسنوا الاستفادة من المرونة في الأصول الشرعية التي تتناول هذا الجانب؛ إذ لبثوا جامدين عند الصور التطبيقية التي اقتضتها ظروف العصور الإسلامية الأولى، فأخذوا يهاجمون الإسلام بأن نظمه لا تساير العصور التي تتطور فيها ظروف الحياة الإنسانية الفردية والاجتماعية، وأمام هذا الهجوم قامت فئة من الباحثين المسلمين، وفريق منهم حسن النية، فقذفوا حبل المرونة في الشريعة إلى أقصى اليمين أو إلى أقصى اليسار، وزعموا أن نظم الشريعة

стр. 300

الإسلامية مرتبطة بالمصالح التي يقدرونها، فحيثما وجدت المصلحة التي يقدرونها هم فثم شرع الله، وهذا الاتجاه الخطر يؤدي بالشريعة الإسلامية إلى أن تكون وحي الآراء والأفكار، ومستجيبة لمطالب كل الأهواء والشهوات، ويجعلها قابلة لأن تدخل في إطار نظمها كل نظام من أنظمة العالم، ولو كانت أسسه أو تطبيقاته غير إسلامية، ولا يأذن بها الإسلام، ولو كانت المصالح المتوخاة فيه لا تعتبرها الشريعة الإسلامية من المصالح. وفي كلا التجاهين الجامد المفرط، والمرن المتجاوز حدود المرونة المقبولة شرعاً كان الرابح في المعركة أعداء الإسلام، لأن الجمود على تطبيقات معينة اقتضتها الظروف الاجتماعية السائدة في العصور الأولى، يجعل الأجيال المسلمة المعاصرة تنفر من الإسلام، وتقذف بأنفسها في أحضان النظم العالمية الأخرى، وعندئذ تجد نفسها في أحضان أعداء الإسلام، وهذا ما يبتغيه أعداء الإسلام الذين ركزوا خطة هجومهم عليه. أما الاتجاه الأخير المتجاوز حدود المرونة المقبولة شرعاً فما هو إلا صورة من صور التحلل من ربقة الأحكام الإسلامية، تحت ستار المرونة التي تتمتع بها أصول الشريعة الإسلامية، وذلك لأن المصلحة التي يهدف إليها المقننون من البشر تختلف اختلافاً كبيراً من شخصٍ لآخر، ومن هيئة لأخرى. فبينما ترى فئة من الناس المصلحة في جهة ترى فئة أخرى المصلحة في جهة مضادة لها تماماً، ذلك لأن كل إنسان ينظر إلى المصالح من زاوية وجهة نظر معينة متأثرة بأهوائه وأغراضه، أو أهواء وأغراض الفئة التي ينتمي هو إليها، ومن الصعب عليه جداً أن ينظر نظرة شاملة عامة متجردة، تستوعب مصالح جميع الناس الذين يوضع لهم ذلك النظام. وسلوك هذا السبيل تحوير في مفهوم مرونة الشريعة الإسلامية، وسير بها في طرق النظم الوضعية الإنسانية، التي لا تضع في حسابها الأسس الربانية، التي يجب أن تبنى عليها نظم الناس، ومتى وصل المسلمون إلى السير في هذا الطريق فقد ظفر أعداء الإسلام بما عملوا له، وأخرجوا المسلمين عن دائرة إسلامهم في جانب من جوانب أحكام شريعتهم، وهو جانب النظم، وهي خطة بالغة الكيد للإسلام، والمكر بالمسلمين.

стр. 301

أما المرونة الحقة فليست هي الجمود الذي يخدم العدو الغازي، ولا المروق من نظمه الذي يحقق أغراضه، ولكنها وسط بين بين، فهي التزام بكل الأسس المنصوص عليها، أو التي تدل عليها مصادر التشريع الإسلامي من جهة، وتكيف مع المصالح المعتبرة في الشريعة الإسلامية من جهة أخرى. (٨) حيلة خلط معنى التمسك المحمود بالحق بمعنى التعصب الجاهلي المذموم يطلق التعصب على التقليد الأعمى لما كان عليه الأسلاف دون بصر ولا نظر، ودون تفريق بين حق وباطل، مع التشدد في الاستمساك به، والانتصار له، ولو كان باطلاً لا يمت إلى الحق والصلاح بصلة فكرية أو واقعية، وهذا التعصب أمر مذموم، ذم القرآن المتصفين به ذماً شديداً، فقال الله تعالى في شأن المشركين في سورة (البقرة/٢ مصحف/٨٧ نزول) : ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَآ أَنزَلَ اللَّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَآ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ﴾ . وقال تعالى في سورة (لقمان:٣١ مصحف/٥٧ نزول) : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدًى وَلاَ كِتَابٍ مُّنِيرٍ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُواْ مَآ أَنزَلَ اللَّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ . هذا هو التعصب المذموم، لأنه لا سند له إلاّ الانتصار لما كان عليه الآباء والأجداد، والمحافظة عليه، والتزامه، ولو كان غير مستند إلى عقل أو هداية، ولو كان ثمرة استجابة لدعوة الشيطان الذي دعوهم إلى شقائهم الأبدي في عذاب السعير. أما الالتزام بما كان عليه الأسلاف من حق يشهد به المنطق الصحيح،

стр. 302

وتقوم عليه دلائل الواقع، فليس هو من التعصب في شيء، وإنما هو استمساك بالحق، وهو فضيلة لا يجافيها الإنسان إلا متجهاً في سبل الرذيلة. وقد تلاعب أعداء الإسلام في هذين المعنيين بين صفوف المسلمين تلاعباً خطيراً، وأوهموا متبعيهم أن الاستمساك بشريعة الله، والأخذ بما ثبت فيها، والمحافظة على ما كان عليه السلف الصالح من عقيدة صالحة وعمل صالح، لون من ألوان التعصب المذموم. أما إحياء التراث الجاهلي، والتعصب له، والأخذ بتقاليد الجاهلية الأولى، والرجعة إليها، فهو فضيلة قومية، ولو كان ذلك شراً، أو أمراً تافهاً من أمور الفن، أو عملاً فاسداً غير صالح. وصاروا بهذا التلاعب التضليلي يحلون بين المسلمين عرى استمساكهم بأحكام دينهم، وأصول شريعتهم، عروة فعروة، فإذا التزم المسلم بفريضة الصلاة فأداها في أوقاتها اتهموه بالتعصب، ووجهوا إليها عبارات الهزء والتندر، أو رشقوه بالهمز واللمز، وإذا تباعد عن شرب الخمر، أو تجافى عن موائد القمار، أو انتصر لمبادئ الإسلام وأحكام شريعة الله، قالوا: هذا متعصب متزمت، وإذا احتشمت المرأة المسلمة في لباسها أرعبوها بغول التعصب، وهكذا في جميع الالتزامات الإسلامية، بغرض تفريغ العقيدة الإسلامية من مضمونها العملي. وكثير من المسلمين تضعف نفوسهم عن مقاومة هذا الاتهام المزور اللاذع، الموجه ضمن عبارات الهزء والسخرية والتندر، فينحل تماسكهم، ويخشون أن يقال: إنهم مسلمون، لأنهم يخشون أن يتهموا بالتعصب، وهي خديعة من أخبث صور الخداع، التي استخدمها أعداء الإسلام في المجتمعات الإسلامية. وقد بلغ الأمر بكثير من المسلمين أنهم صاروا يتهاونون بحقوق أنفسهم، وحقوق إخوانهم، الذين تجمعهم معهم الوحدة الإيمانية،خشية أن يتهموا بالتعصب، وبدأ أعداء الإسلام والمسلمين ينفذون من هذا الباب إلى نهب حقوق المسلمين المشروعة من أموال ووظائف ومراتب ومصالح اقتصادية

стр. 303

أو اجتماعية أو سياسية، والمسلمون يخشون أن يؤيدوا حق إخوانهم في ذلك حذر أن يتهموا بالتعصب. وطارت بين المسلمين نظرية التسامح الإسلامي، بزعم الدفاع عن الإسلام، واستخدمت هذه النظرية في غير مجالها، حتى صار تطبيق التسامح الإسلامي يعني تنازل المسلمين عن حقوقهم الشخصية، وعن حقوق جماعة المسلمين، وهي حقوق لا يجوز بحال من الأحوال التنازل عنها، لأن المسلمين كلهم أو بعضهم لا يملكون مثل هذا الحق، ما دام من شأنه أن يفضي إلى الإضرار بجوهر الإسلام، وسياسته في الأرض، ووحدة جماعته، وسلطان شريعته. وزحف أعداء الإسلام وخصوهم هذه الخديعة الماكرة حتى وصلوا إلى معظم مراكز السلطة الفعالة في طائفة من بلاد المسلمين، وأخذت قلتهم القليلة الكثرة الكاثرة من مراكز القوة والحكم والإدارة والمال، ثم امتدت أيديهم إلى مقاتل المسلمين، وأخذوا يقبضون عليها بشدة متصاعدة، ويحتكرون بتعصب ذميم كل خير يجدونه، ولا يسمحون لغير المنتسبين إلى جماعاتهم بأن يصل إلى أي مركز حقيقي له قوة فعالة في البلاد، ومن عجيب المفارقات أنهم من أكثر الناس تعصباً للباطل الذي توارثوه عن آبائهم وأجدادهم وطوائفهم، ولا يقبلون فيه أية مناقشة منطقية مهما كان شأنها، وأنهم من أكثر الناس تعصباً أعمى للمنتسبين إلى أقوامهم أو طوائفهم، في الوقت الذي يستخدمون فيه سلاح الاتهام بالتعصب ضد المسلمين، الذين ليس عندهم من التعصب مثقال ذرة، وإنما يوجب عليهم الإسلام أن يستمسكوا الحق، وينصروا إخوانهم بالحق. ومما يؤسف له أن كثيراً من المسلمين في غفلة كثيرة عن هذه الخديعة، التي يستخدمها أعداء الإسلام ضد المسلمين، ليصرفوهم عن الاستمساك بالحق الذي أنزله الله، وليحلوا بينهم وبين إخوانهم المؤمنين معاقد الترابط، وليغشّوا على أبصارهم حتى لا يروا الجيوش الزاحفة على حقوقهم وخيراتهم، السارقة لكل قوة لهم، والعاملة على هدم دينهم وكيانهم بين أمم الأرض.

стр. 304

(٩) التلاعب بعبارات التقدمية والرجعية والتمدن والتخلف ونحوها وكذلك تلاعب أعداء الإسلام وأجراؤهم بعبارات التقدمية والرجعية، والتمدن والتخلف، والسبق الحضاري والبدائية، والتطور الجمود، ونحو ذلك من عبارات، فيضعونها في غير مواضعها، أخذوا يطلقون على كل فضيلة خلقية، وكمال أدبي، ومعاملة شريفة، واستمساك بالدين وبالعادات الحسنة، عبارات الرجعية والتخلف والبدائية والجمود، لتنفير المسلمين منها، وتضليلهم، وصرفهم عن الحق الذي هم عليه. ويطلقون على الرذائل الخلقية والسلوكية، وعلى التحلل من كل كمال أدبي، وعادة حسنة، وعمل ديني، عبارات التقدمية، والتمدن، ومقتضيات الحضارة، ومقتضيات التطور، ونحو ذلك من عبارات، لتبرير هذه القبائح، والتشجيع عليها، وتحبيب الأجيال الناشئة بها، التي تستهويها مغربات التجديد، وتستدرجها بوارق الطموح، ويحلو لها أن تثبت شخصياتها بالتحرر من القيود، وأن ترضي نفوسها بالانطلاق فيما تشتهي دون حدود. وبهذه الحيلة الخطيرة استطاع أعداء الإسلام والمسلمين، أن يجندوا من أبناء المسلمين وبناتهم أجيالاً تقف في المقدمة من جيوش الغزاة الطامعين، العاملين على هدم الإسلام، وتفتيت وحدة المسلمين وتوهين قوتهم، واستغلال طاقاتهم وخيراتهم، والتسلط على بلادهم، وما فيها من كنوز وثروات مادية ومعنوية. (١٠) حيلة التحسر على افتقار الأمة العربية إلى فلسفة ترفع من شأنها تصدَّر فريق من أبناء المسلمين الذين أثرت فيهم دسائس أعداء الإسلام، مع فريق آخر من أعداء الإسلام المداهنين، وانتحلوا لأنفسهم اسم

стр. 305

الطليعة المثقفة، وانطلقوا يطعنون أمجاد المسلمين وتاريخهم، وكل مقدمات وجودهم في ماضيهم وحاضرهم ومستقبلهم، ويحسب الفريق من أبناء المسلمين أنهم يحسنون صنعاً، ويجهلون أنهم يساقون بالخديعة كالقطعان البله إلى مذابح القرِمين إلى لحوم الأمة الإسلامية، الباغين بها وبمبادئها وعقائدها وبلادها شراً مستطيراً. ولما شعر هؤلاء المتصدرون باسم الطليعة المثقفة بالفراغ الفكري والنفسي بعد أن ارتدوا عن الإسلام، أخذوا يطلقون عبارات التحسر على الأمة العربية، زاعمين أن العرب ليس لهم فلسفة ذاتية تحيي مشاعرهم القومية، وتكون هي قوامهم الفكري الذي يصعد بهم إلى المجد بين الأمم، لذلك فهم بحاجة إلى فيلسوف فذ يوجد لهم هذه الفلسفة القومية، ويمثلون لذلك بمثل "فتخة" الفيلسوف الألماني الذي وضع للألمان فلسفتهم القومية. والهدف من هذا الكلام تحقيق غرضين: الغرض الأول: إيجاد القناعة عند الأجيال الحديثة بأن العرب ليس لهم فلسفة قومية، تؤهلهم لمجد طارف، وأن الإسلام لا يصلح لأن يكون فلسفة تقيم لهم كياناً، وتعبد طريقهم إلى التقدم والمجد بين الأمم. الغرض الثاني: التمهيد لقبول الفلسفات الحديثة، التي تضع للأمة العربية فلسفتها القومية، والتبشير برجل ممتلئ بالحقد على الإسلام، والضغينة للمسلمين يطلقون عليه اسم فيلسوف القومية العربية، الذي يهيئونه لتحل أفكاره ودسائسه محل جميع العقائد والأخلاق والسلوك التي تدين بها الكثرة الكاثرة من الأمة العربية، والتي كان بها عزهم التالد، ومجدهم الخالد، وليحل هذا الفيلسوف المنتظر محل رسول الإسلام محمد صلوات الله عليه، وليحل أتباعه وجنوده محل أصحاب رسول الله، في زعامة الأمة العربية الحديثة، والانعطاف بها إلى مواقع الكفر، ونشر الأفكار التي توضع في حجرات الدوائر الاستعمارية والتبشيرية العالمية، الطامعة في بلاد المسلمين، والعريقة في معاداتها للرسالة الإسلامية الخالدة. وقد استطاعوا أن يشحنوا عقول دفعات من الأجيال الناشئة بأفكارهم

стр. 306

هذه، وأن يستميلوا معظم عواطفهم إليها، وذلك بترديدها عليهم في دور العلم، على اختلاف مستوياتها، وبعد أن احتلوا في هذه الدور مراكز تعليمية ذات أهمية في التربية والتوجيه عملوا على حجب طلابهم عن التزود من أي مصدر علمي آخر، بمختلف الوسائل الما كرة الصارفة عن قيادات التوجيه الحق، والصادة عن مبلغي الشريعة الربانية، والثقافة الإسلامية، تؤازرهم في ذلك جميع القوى المعادية للإسلام، والغازية لبلاد المسلمين بشكل سافر أو مقنع. وهكذا تطوع هذا الفريق المرتد من أبناء المسلمين في جيش الغزاة، الذين وضعوا خطتهم الحديثة لغزو المسلمين غزواً ماكراً، لا يحملون فيه سلاحاً من حديد أو نار أو أية قوة مادية قاتلة، وإنما يحملون فيه أسلحة أفعل وأدهى وأمر، إنها أسلحة العلم، والثقافة، والفن، والاقتصاد، واللهو واللعب، ومغريات التقدم المادي، وملحقاتها. ومع الفراغ الفكري والنفسي من كل القيم الموروثة في طائفة من الأجيال الناشئة من أبناء المسلمين، تعطشت عقولهم ونفوسهم إلى ملء الفراغ الذي أصابهم بالكيد الذي تعرضوا له. ومع ما غرس في عقولهم ونفوسهم من أن أمتهم ليس لها فلسفة قومية حتى يرجعوا إليها، لا بد أن يتهالكوا على ما يصدره إليهم أعداء الإسلام، من فلسفات فكرية، ومبادئ، وعقائد، ونظم مضادة للإسلام، هادمة لكل أسسه وعقائده ومبادئه ونظمه والأخلاق التي يدعو إليها، وأحكام السلوك التي يأمر بها. واصطرعت الأخلاط الفاسدة من الواردات الحديثة في نفوسهم وأفكارهم، فساروا في الدروب المتعارضة على غير هدى، منطلقين بسرعات جنونية، كثرت معها حوادث التصادم المريع، التي تساقطت فيها طاقات كثيرة من طاقات الأمة، وتناثرت أشلاءً هامدة تدب فيها عوامل الفساد، ولا تجد من يواريها في الأرض. والسرعات المتعارضة مستمرة، يقودها سكارى المذاهب الوافدة، أما

стр. 307

تصاعد نسبة التصادم فأمر مريع جداً، والناس منه في حالة محزنة جداً، لا ترى فيها إلا القلق والاضطراب والتخبط على غير هدى، والضحايا المتناثرة أشلاءً أشلاءً. (١١) حيلة التمجيد بعبقرية محمد لتفريغ دعوته من كونها رسالة ربانية من أساليب الخدع الكبرى التي خدع بها فريقٌ من أعداء الإسلام بعض أبناء المسلمين، ما أخذوا يعلنونه ويرددونه في صفوف المسلمين بأقوالهم وكتاباتهم وخطاباتهم عن شخصية محمد صلوات الله عليه من تمجيد بعبقريته، وثناء على حركته الإصلاحية الإنسانية، وإطراء لأقواله، وبعض مناهجه التي رفعت الأمة العربية من الحضيض الذي كانت فيه، ودعت الشعوب الأخرى إلى الخير والصلاح وسلوك سبيل المجد، وهم إذ يسوقون إليه عبارات التمجيد والمدح والثناء يعتمدون أن يبعدوا عنه كلّ وصف من أوصاف النبوة والرسالة الربانية، إذ يثبتون له وصف العبقرية الإنسانية فقط. ثم أخذوا يكررون ذلك على أسماع الذين فتنوا بأقوالهم من أبناء المسلمين، ويدسون فيه ما يوحي إليهم بأن احتمال العبقرية ليس وقفاً على محمد، بل يمكن أن يأتي في كل عصر من بعده عبقري يستطيع أن يقود الناس إلى إصلاحٍ جديد، يناسب متطلبات العصور المتطور، أو أن تجتمع الأمة فتعادل قوة ذلك العبقرية، وغرضهم من ذلك أن ينقضوا عقيدة المسلمين الراسخة بأن محمداً خاتم رسل الله وأنبيائه. ثم بعد هذا التمجيد الكبير لشخص محمد بوصفه بالعبقرية، ينتقلون إلى صيغة جديدة يغلفونها بمكر شديد، ويلبسونها أقنعة خادعة من العبارات التي تتصنع الفلسفة، فينسفون بها من عقول الذين يلقون إليهم السمع عقيدتهم بالوحي، وعقيدتهم بالمعجزات وعقيدتهم بأن القرآن كلام الله، ويوحون إليهم بأن كل ذلك من صنع محمد، وقد آزرته في ذلك طلائع الإصلاح العربية، إلى

стр. 308

آخر هذا التضليل الذي أخذوا يصوغون له العبارات المتنوعة، المشحونة بالأكاذيب والافتراءات الخالية من أي مستندٍ عقلي أو واقعي. ولما انطلت حيلتهم هذه على ثُلَّة من أبناء المسلمين أدخلوا في روعهم أن رسالة الإسلام كانت ثورةً عربية على أوضاعٍ اجتماعية، تزعمها عبقري مصلح منهم، وأن رسالته ومبادئه كانت صالحة لشعوب تلك العصور، وقد أصبحت اليوم بالية بدائية غير مناسبة لأن تكون أسساً للإصلاح في القرن العشرين، من أجل ذلك يجب أن تقوم ثورات حديثة، تحمل أسساً جديدة للإصلاح، مناسبة لهذا القرن، يتزعمها عبقري جديد، يقوم في هذا العصر بمثل الدور الذي قام به محمد من قبل، وأطلقوا بين أتباعهم المفتونين بهم من أبناء المسلمين العرب مقالة قائلهم المشهورة: "من الطبيعي أن يستطيع أي رجل مهما ضاقت قدرته أن يكون مصغراً ضئيلاً لمحمد، ما دام ينتسب إلى الأمة التي حشدت كل قواها فأنجبت محمداً، أو بالأحرى ما دام هذا الرجل فرداً من أفراد الأمة التي حشد محمد كل قواه فأنجبها في وقت مضى، تلخصت في رجل واحد كل حياة أمته، واليوم يجب أن يصبح كل حياة هذه الأمة في نهضتها الجديدة تفصيلاً لحياة رجلها العظيم، كان محمد كل العرب، فليكن كل العرب اليوم محمداً". وهكذا يصغ هذا الزيف في مثل هذا الكلام الذي يبتسم ظاهره ابتسامة عريضة، ولكن وراء هذه الابتسامة نهم شديد لافتراش الإسلام والمسلمين , والإجهاز على كيان الأمة العربية، وضمن هذا الأخذ والرد في حيل العبارة الكلامية الخادعة للمغفلين أو الجاهلين يبدو للبصير الحاذق مبلغ الكيد العظيم للرسالة الربانية، التي لم يأت بها محمد صلوات الله عليه من تلقاء نفسه، وإنما تلقاها من الوحي، ولم تكن ثمرة عبقريته الخاصة، وإنما كانت تنزيلاً من عند الله، مع أنه صلوات الله عليه أوفر الناس عبقرية، وأكثرهم كمالاً إنسانياً. ولكن هؤلاء المخربين يريدون أن يجعلوا محمداً نتاج الأمة العربية، وأن يجعلوا دينه ثمرة عبقريته الفذة، وأن يفتحوا الباب لعباقرة مُحدثين يأتون برسالة

стр. 309

جديدة من عند أنفسهم، تحتل مركز الرسالة الإسلامية الربانية. ولا تخفى على المتأمل نفثة الكيد والحقد التي تقذفها عبارة قائلهم: "كان محمد كل العرب فليكن كل العرب اليوم محمداً". أي: فليصنع العرب اليوم رسالة جديدة تناسب العصر الحاضر غير رسالة الإسلام التي أنتجتها بحسب تضليلهم عبقرية محمد من قبل. ولو صح هذا الكلام بالنسبة إلى رسالة محمد لكان أكثر صحة لو قيل بالنسبة إلى الرسالات الربانية التي جاء بها عيسى وموسى من قبل، ولا سيما معظم ما فيها محرف منتقد، لكنهم لا يحملون هذا التضليل إلا في صفوف المسلمين فقط، وبالنسبة إلى رسالة الإسلام فقط. فإذا أضفنا إلى هذا أن أصحاب هذه الدعوة صليبيون متعصبون سراً لصليبيتهم لم تخف علينا الدوافع التي تدفعهم إليها، ولا عتب عليهم أن يمكروا بالإسلام وهم يعادونه، إنما العتب كل العتب على أبناء المسلمين الذين تنطلي عليهم حيل الأعداء، فيجندون أنفسهم في صفوفهم، أو يضعون أنفسهم في الصفوف الأولى من صفوف الكتائب الموجهة لحرب الإسلام والمسلمين. * * *

стр. 310

الفصْل التاسِع الغزاة وأعمالهم في هدم وحدة المسلمين وتقليل أعدَادِهم ١- مقدمة عامة. ٢- التجزئة باستغلال الخلافات السياسية. ٣- تفتيت وحدة المسلمين هدف مشترك لدى أجنحة المكر. ٤- دسائس وألاعيب استعمارية لتمزيق وحدة المسلمين. ٥- التقسيم الطبقي. ٦- هدم الخلافة الإسلامية. ٧- مكيدة تحديد النسل.

стр. 311

(١) مقدمة عامة هال أعداء الإسلام ذلك التماسك الصلب والترابط المتين ما بين المسلمين , على اختلاف أعراقهم ولغاتهم وبلدانهم , وعرفوا أن تماسكهم وترابطهم قائمان على أساس العقيدة الواحدة , والأخوة الإيمانية , وتأملوا طويلاً في ذلك الطود البشري الراسخ المنيع , المتراص من اتحاد الشعوب الإسلامية , وانصهارها في بوتقة الإيمان بالعقيدة الإسلامية , والتآخي في الله , وعجزوا عن مقاومته خلال قرون , حتى أوحت لهم شياطينهم أن يعمدوا إلى تفتيته بوسائل التجزئة المختلفة , ضمن خطة مرسومة , وبدأوا يضربون في ذلك الطود الهائل أسافين الشقاق , ويسقونها جرثومة الفساد والضغينة والعصبية والخلافات المتنوعة , ويعطون للزمن فرصة تمكين الشقاق والخلاف وتعميقه , حتى يفعل تطاول العهد بهذه الأمة الإسلامية الواحدة من التمزيق والتشقيق والتفتيت ما لم تفعله الحروب المسلحة الكبرى. أما وسائل التجزئة فكثيرة ومختلفة: لقد عمدوا إلى التجزئة والتفتيت , بعناصر الاختلاف السياسي , ثم بعناصر الاختلاف الطائفي , وذلك بإلقاء جرثومة الخلاف في العقائد , ثم بعناصر الاختلاف المذهبي , وذلك بتشجيع التعصب المذهبي وبتغذيته ضد المذاهب المخالفة , وقد لعبت هذه العناصر دورها في جميع الشعوب الإسلامية على اختلاف قومياتهم. ثم عمدوا إلى التجزئة بعناصر الاختلاف العرقي والقومي واللغوي , مع تمكين التجزئة بعناصر الاختلاف الأخرى , حتى تصطرع فيما بينها عناصر

стр. 312

الشقاق المختلفة , لتزيد منه وتمكن له. ثم أوغلوا في التجزئة بعناصر الاختلاف الإقليمي , بين أهل الأقاليم التي تجمعها عقيدة واحدة , وقومية واحدة , ولغة واحدة. ثم انتقلوا إلى التجزئة بعناصر الاختلاف القطري , والاختلاف بين بلد وبلدٍ داخل إقليم واحد أو قطر واحد. وهكذا تتسلسل هذه العناصر حتى تصل إلى عناصر الاختلاف الأسري , ثم إلى عناصر الاختلاف الشخصي داخل الأسرة الواحدة , كل ذلك بجرثومة الأنانية التي تتسع حيناً وتضيق حيناً آخر. وقد اتخذت كتائب الغزاة لهذا التفتيت وسائل عملية كثيرة جداً , وجندوا له طاقات ضخمة استخدموها في أعمال الإفساد , حتى تم لهم تمزيق وحدة الأمة الإسلامية من الناحية التطبيقية العامة , وإن كانت عواطف الوحدة بين الشعوب المسلمة , التي تغذيها العقيدة الإسلامية والتعاليم الربانية , ما يزال لها الأثر الكبير في نفوس أفراد هذه الشعوب , وإن كانت حبيسة في مواقع تجزئاتها , فهي لا تستطيع أن تعطي آثاراً عملية فعلية على الصعيد السياسي الرسمي , والتطبيق العام , وذلك بفعل ضواغط التجزئة الجاثمة على صدورهم , والتي عمل أعداء الإسلام على ترسيخها وإلقاء الأثقال عليها خلال قرون. وما تزال أعمال التجزئة ومخططاتها مستمرة على نطاق واسع , وقد يسير في تيارها كثيرون من أفراد الشعوب الذين يقاومون التجزئة بين المسلمين , ويدعون إلى جمع كلمتهم , وتوحيد صفهم , دون أن يعلموا أنهم في تيارها سائرون , وضمن مخططاتها يعملون , وذلك لأن الأعداء قد أحكموا خطة مكرهم إحكاماً ينطلي على كثير من أهل الوعي والبصر النافذ , فضلاً عن الأغبياء والمغفلين. وأول أبواب الحذر التي يجب أن يراقبها المسلمون هو الشك بكل فكرة

стр. 313

يوحي بها أعداء الإسلام , أو يرتاحون لها , ولو أعجبت المسلمين في ظاهرها , ثم إذا رأوا بعد تأمل طويل أن من الخير العمل بها , فعليهم أن يخططوا بأنفسهم طريقة العمل وأسلوبه , ويحددوا بأنفسهم غايته , وينتقوا بإرادتهم الحرة عناصره , وأن يكونوا فوق كل ذلك على حذر من مزالق قد تفاجئهم على حين غرة , من جهة ربما كانوا قد غفلوا عنها , أو كانت محجوبة عنهم بأستار خادعة. وليست قضايا المسلمين بالقضايا السهلة , فأعداؤهم كثيرون , وقواهم كبيرة في الأرض , ولكنهم مع ذلك يستطيعون بإمكاناتهم الحالية , مع حكمة عالية , وإخلاص في العمل , ودأب لا ينقطع , وقيادة رشيدة , والتجاء إلى الله , واعتماد عليه أن يظفروا بإفساد كل مخططات أعدائهم , وبالانتصار على كل مكر يبيتونه لهم , وكل كيد يكيدونهم به , مهما تظاهرة دول الأرض ضدهم , لأن صدق التوكل على الله مع صدق الجهاد في سبيله , وبذل كل طاقة ممكنة مادية ومعنوية , لا بد أن يجازي الله عليه بتحقيق النصر , فقد وعد الله المؤمنين به , متى حقق المؤمنون شروطه في أنفسهم , بموجب قوله تعالى في سورة (الحج /٢٢مصحف/١٠٣نزول) : ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِنْ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ وَأَمَرُواْ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْاْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ فهذا وعد من الله , والله لا يخلف الميعاد , ولئن كان التفوق في القوة يعتمد على الوسائل المادية فإن تحقيق النصر لا يكون إلا من عند الله , ودليل ذلك في قول الله تعالى في سورة (آل عمران / ٣ مصحف / ٨٩ نزول) : ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ وفي قوله تعالى في سورة (الأنفال / ٨ مصحف / ٨٨ نزول) : ﴿ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ وحوادث التاريخ تشهد بذلك , وحسبنا من الله شواهد وآيات , وحسبنا من مقاديره عبر وعظات , وانطلاقة التضامن الإسلامي على يد المغفور له الملك

стр. 314

فيصل وبعض آثارها في العالم الإسلامي والعالم العربي _ ولا سيما في حرب رمضان ١٣٩٣هـ _ قد أقضت مضاجع أعداء الإسلام , حتى رأوا أن يتخلصوا منه بأية وسيلة. (٢) التجزئة باستغلال الخلافات السياسية وقد عرف أعداء الإسلام المقنَعون منذ العصور الإسلامية الأولى كيف يستفيدون من الخلافات السياسية بين المسلمين , وقد بدأ ذلك في عصر الخلفاء الراشدين , واتسعت دائرته فيما وراءه من العصور. وعرف أعداء الإسلام أيضاً كيف يصطنعون هذه الخلافات , ويثبتونها بين صفوف المسلمين. وقد كان من الممكن أن تنحصر الخلافات السياسية في حدود صغيرة لا تتعداها في الزمان أو المكان أو الأشخاص , ولكن أعداء الإسلام المقنعين نشطوا نشاطاً كبيراً في توسيع دائرة الخلافات السياسية , واتخذوا دائماً خطة الانقسام إلى فريقين أو أكثر , وانضمام كل فريق إلى جهة من جهات التنازع السياسي , وإمعانه في تمكين الخلاف , وتعميق جذور التنازع , وشحن أفئدة الجهة التي اندس فيها بالحقد والضغينة على الجهة أو الجهات الأخرى المخالفة , ومهما عمل العقلاء والمصلحون لتقريب وجهات النظر , ومعالجة الجرح السياسي ليندمل ويعفي الزمن أثره , فإن هؤلاء المقنعين من أعداء الإسلام لا يرضيهم ذلك , بل يسرعون في الخفاء إلى إثارة الغبار في الوجوه , لتنعدم الرؤية الصحيحة , ويفتعلون الأحداث الجديدة بالتحريض , أو يدعون وجودها بالكذب , أو يبعثون من قبلهم من يندس لافتعالها , ثم يعمدون إلى الجرح السياسي الذي كاد يندمل فينكأونه من جديد , ويسوقون إليه موجة جديدة من موجات الحقد والضغينة , ثم يتركون لهاتين الجرثومتين ما تثيرانه في النفوس من الرغبة بالانتقام , ومع الانتقام تزداد شقة الخلاف , وتتسع الهوة ما بين الفرقاء المتنازعين وما بين أنصار كل منهم , وتمتد في الزمان والمكان والأشخاص.

стр. 315

ولم يقتصر أعداء الإسلام على أن يبقى الخلاف السياسي مهما اتسع ضمن حدوده السياسية , بل عملوا على أن ينقلوه من دائرة خلاف سياسي يطويه الزمن , إلى خلاف اعتقادي وديني تتوارثه الأجيال , ويأخذ مع الزمن صبغة خلاف طائفي يستعصي دفعه , ويتعذر رفعه , وذلك إمعاناً منهم في متابعة مكرهم بالإسلام والمسلمين. ومن آثار هذه الخطة الماكرة بدأ الخلاف بين مستحقي الخلافة من آل البيت , وبين الظافرين بالحكم من الأمويين , ولقد كان من الممكن أن تضيق دائرة هذا الخلاف , ويتجه المسلمون كلهم إلى واجبات نشر الإسلام في الأرض , ولكن أصابع الفتنة المندسة لم تدع الجرح السياسي يلتئم , وإنما عملت على أن تغذيه باستمرار بجراثيم الإفساد، وتحشد مندسيها في كل من أنصار الفريقين المتنازعين , كي يعمل هؤلاء المندسون على إغراء الجهة التي يظهرون الولاء لها بالإفراط في عداوة الجهة الأخرى , وقتالها والانتقام منها , وما زالوا يعمقون هذا الخلاف السياسي حتى جعلوه خلافاً في أصل العقيدة الدينية , الأمر الذي تولد عنه خلاف آخر في المذاهب الفقهية , ومع رغبتهم الشديدة بتعميق الخلاف , وتوسيع الشقة , عملوا على تغيير ما استطاعوا تغييره من أسس ليس من شأنها أن يكون فيها تنازع أو خلاف مطلقاً , ولكن المكيدة المبيتة كانت ترمي إلى تمزيق وحدة المسلمين , وطعن الإسلام في الصميم , لذلك كان جنودها يعملون في الخفاء عملاً دائباً لتحقيق هذه الغاية. ولما استطاعوا أن يصلوا إلى التلاعب بالأسس نشط زبانيتهم في استحداث الفرق الكثيرة , ضمن الجهة التي ظفروا بأن تكون واثقة بهم , وأخذوا يشققونها , ومع كل تشقيق جديد توغل في الانحراف عن العقيدة الإسلامية , حتى استطاعوا أن يصلوا في بعض أطراف التشقيق إلى مرتدين عن كل العقيدة الإسلامية , كافرين بكل ما جاء فيها , أكثر ولاء لغير المسلمين منهم للمسلمين الذين يزعمون أنهم فرقة منهم. الطائفي لما كان عليه الآباء والأجداد. ومهمة الإصلاح اليوم يتحملها القادة المصلحون الصادقون في جميع الفرق , فيجب عليهم أن يبصروا أتباعهم بالحقيقة , لينقذوا أنفسهم من الكيد المدبر لهم ولغيرهم على السواء , وإنها لمسؤولية كبيرة ملقاة عليهم , سيُسألون عنها بين يدي الله يوم القيامة , وسيحاسبون على تقصيرهم فيما يجب عليهم تجاه ربهم , وتجاه دينهم , وتجاه الأمة الإسلامية التي مزقتها دسائس الأعداء. ولو عرفت هذه الفرق المنشقة أنها وقعت في فخ أعداء الإسلام من حيث لا تشعر , وانحرفت بتأثير ألاعيبهم الماكرة المقنعة , لاهتدى كثيرون منها إلى

стр. 316

الحق , ولعادوا إلى سبيل الرشاد , ولعلموا أن مفترق الطريق الذي بدأ عنده الانشقاق قد كان خلافاً سياسياً على تولي الحكم , يحدث نظيره في كل عصر , وفي كل أمة , ويجب أن يطويه الزمن مع ما يطوي من أحداث جسام , ويجب أن لا تخلفه أحقاد متوارثة , مهما كانت صورة الخلاف تحمل استحقاق جهة ما من جهات النزاع بالسلطان , وعدوان الجهة الأخرى لتستأثر به , وذلك لأن قضية الخلاف السياسي في الأمة الواحدة قضية شخصية زمنية , ولا يجوز بحال من الأحوال أن تكون قضية دينية اعتقادية , أو قضية إنسانية يتوارثها جيل لاحق عن جيل سابق. إلا أن أعداء مندسين مقنعين قد أرادوا أن يتلاعبوا فيها فيجعلوها قضية دينية متوارثة , وقد وقع تحت تأثيرهم كثيرون من ذوي النيات السيئة , ثم تحولت مع الزمن فدخل فيها عنصر التعصب (٣) تفتيت وحدة المسلمين هدف مشترك لدى أجنحة المكر إن هدف تفتيت وحدة المسلمين , وتفريق كلمتهم , وتسليط طاقاتهم المختلفة بعضها على بعض , لإضعاف القوة الجماعية التي يتمتعون بها , وتوهين قواهم الأخرى المادية والمعنوية , وتبديدها في الفتن الداخلية , وفي أشكال الصراع التي تثار فيما بينهم , هدف تلتقي عليه الأجنحة الثلاثة لجيش الغزو , ومعها سائر أعداء الإسلام.

стр. 317

والدليل على اشتراكهم في هذا الهدف ظاهر من تاريخ المستعمرين , ودسائس المستشرقين وأقوال المبشرين وأعمالهم. لقد دخل المستعمرون معظم البلاد العربية الإسلامية , فكان أول عمل باشروه تجزئة الأمة العربية ذات الأكثرية الإسلامية , إلى دويلات صغيرة , وأقاموا بينها الحدود والحواجز المصطنعة , وحاولوا أن يغرسوا بينها تبايناً في المصالح الاقتصادية والسياسية والثقافية , ثم تبايناً آخر في القوميات والعصبيات الإقليمية , مضافاً إلى ذلك إيجاد التنافر بين الكتل الطائفية , وأمعنوا في ذلك إمعاناً بالغاً , إذ كانوا يأتون إلى الكتل الطائفية القليلة العدد , التي بدأت تنسى عزلتها الطائفية , وتنصهر في الجماعة الواحدة الكبرى , فيشجعونها على أن تعود إلى أصولها , وتوجد لنفسها تكتلاً مضاداً حاقداً على الأكثرية المنتشرة في البلاد , وذلك في ظل التسامح العام الذي تشعر به الأكثرية المسلمة , على أسس وطنية بحتة أخذت تنادي بها هيئاتها السياسية وغيرها , وهي غافلة عن المكيدة المدبرة. وإمعاناً في التجزئة على أساس التفرقة الطائفية نشط المستعمرون في مد عناصر الطوائف القليلة بالمساعدات المختلفة , والتسهيلات الاقتصادية , والإغضاء عن الجرائم والمخالفات , ونفخ روح العزلة والحقد والكراهية في نفوس أفرادها وقادتها , ضد الأكثرية , وضد الطوائف الأخرى , وإشعارها بضرورة انفصالها بحكم ذاتي خاص بطوائفها. وأقاموا بينهم وبين هذه الطوائف علاقات تتسم بطابع الصداقة والمودة التي تستتبع تبادل زيارات عائلية , وجلسات فكاهة وسمر وأكل وشرب , ورحلات متنوعة , وهكذا إلى آخر ما يدخل في هذا الجدول الاجتماعي , وعقدوا معهم صلات مناظرة للصلات التي عقدوها مع مجموعة من كبار الأسر السياسية والاقتصادية المنتمية إلى الطائفة التي تشكل في البلاد الأكثرية العددية , ولكن دسائسهم في كل زمرة منها تختلف عن دسائسهم في الأخرى. وذلك ليتم لهم بناء الجدار الغليظ بينهما , وليوسعوا الهوة الفاصلة بين الطوائف , ويزرعوها بالألغام الكثيرة , من الكراهية , وتباين المصالح , والأحقاد التاريخية الموروثة , والعصبيات المختلفة ذات الدوائر الضيقة.

стр. 318

ومن أمثلة ذلك الفتن الطائفية التي أشعلوا نيرانها في النصف الثاني من القرن العشرين في لبنان , والفتن التي يوقدون نيرانها في الهند. وإلى جانب هذه الأعمال التي سجلها التاريخ على المستعمرين , تقدم لنا السجلات حشداً كبيراً من أقوال المبشرين والمستشرقين , الدالة على اهتمام الأجنحة الثلاثة بالتسديد على هذا الهدف الخطير , فمن أقوالهم الكثيرة ما يلي: ١_ يقول "لورانس براون" وهو أحد زعماء المبشرين , في كتابه "الإسلام والإرساليات": "إذ اتحد المسلمون في امبراطورية عربية أمكن أن يصبحوا لعنة على العالم وخطراً , وأمكن أن يصبحوا نعمة له أيضاً , أما إذا بقوا متفرقين فإنهم يظلون حينئذ بلا قوة ولا تأثير". ٢_ ويقول القسيس "كالهون سيمون" وهو أحد زعماء المبشرين: "إن الوحدة الإسلامية تجمع آمال الشعوب السود , وتساعدهم على التملص من السيطرة الأوربية , ولذلك كان التبشير عاملاً مهماً في كسر شوكة هذه الحركات , ذلك لأن التبشير يعمل على إظهار الأوربيين في نور جديد جذاب , وعلى سلب الحركة الإسلامية من عنصر القوة والتمركز فيها". وعلى هذا النسق تسير أقوالهم التعليمية , ونصائحهم , وتوجيهاتهم , وتوصياتهم , لعناصر العمل في مؤسساتهم وجمعياتهم , وللقوى العسكرية والسياسية الاستعمارية , وذلك لتلتقي الأجنحة المختلفة المهمات على هدف تفتيت وحدة المسلمين , وتجزئة دولهم إلى دويلات صغيرة لا حول لها ولا طول , مع تمكين الخلاف والفرقة بينها , وإثارة النعرات القومية والإقليمية والطائفية والمذهبية , وشحنها بالمقدار المدمر من الحقد والكراهية والبغضاء , ومدها بمختلف عناصر الخلاف وتباين المصالح. (٤) دسائس وألاعيب استعمارية لتمزيق وحدة المسلمين جاء في كتاب (الحياة السرية للورنس العرب) ما يلي: "ذكر الكولونيل لورنس في تقريره الذي رفعه إلى المخابرات البريطانية في

стр. 319

كانون الثاني (١٩١٦م) بأن أهدافنا الرئيسية تفتيت الوحدة الإسلامية , بدحر الإمبراطورية العثمانية وتدميرها , وإذا عرفنا كيف نعامل العرب فسيبقون في دوّامة الفوضى السياسية , داخل دويلات صغيرة حاقدة متنافرة غير قابلة للتماسك". هامش وقد سلك المستعمرون شتى الوسائل الماكرة للتفريق بين المسلمين وبث عوامل التجزئة. فكان من صور هذه الوسائل التي مهروا اصطناعها في بلاد المسلمين , أنهم إذا أرادوا تنفيذ أمرٍ يثير النقمة الشديدة في بعض البلاد الإسلامية التي استعمروها أمروا بعض موظفيهم من بلد آخر واقع تحت سلطانهم , أن يباشروا تنفيذ هذا الأمر المثير للنقمة , فيذهب هؤلاء الموظفون وهم يجهلون سياسة المكر التي يدبرها المستعمرن , فيقومون بتنفيذ ما أمروا به , وحينما تشتد النقمة وتبلغ غايتها , تتدخل السلطات الاستعمارية , فتعرب عن سخطها واستنكارها لما حصل من بعض موظفيها , وتحمل موظفيها الذين أرسلتهم هي مسؤولية إساءة التصرف , وتتبرّأ من الأمر , كما وصف الله الشيطان بقوله في سورة (الحشر / ٥٩ مصحف / ١٠١ نزول) : ﴿ ﴿ كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ . وتنطلي الخديعة على الجماهير التي ليس لها بصر بألاعيب السياسة فتشحن قلوبها بالضغينة على هؤلاء الموظفين , ومع تكرار مثل هذه الحوادث تنصب النقمة على جميع سكان البلد الذي ينسب إليه هؤلاء الموظفون , ومع الزمن يتولد بين رعايا البلدين حقد موروث , أو شقاق مستحكم , يجني المستعمرون منه ثمرة الاستقرار والسيادة على الأجزاء المتفرقة , التي قذفوا بينها عوامل العداء والشقاق. ومن أمثلة ذلك ما كان يفعله الاستعمار الإنكليزي , إذ يأمر بعض

стр. 320

موظفي الشرطة أو الجيش من المصريين بتنفيذ أمر على بعض السودانيين , وهذا الأمر يثير النقمة , كأمر مصادرة , أو تحصيل ضريبة , أو قبض على ذي وجاهة دينية أو اجتماعية أو سياسية , يقلق راحة السلطات المستعمرة , بنضاله ضد أعمالهم المسيئة لأهل البلاد , وتشدد هذه السلطات المستعمرة أوامرها الموجهة لهؤلاء الموظفين بأن يستعملوا كل ما في أيديهم من قوة وحزم وخشونة , ويدعون النقمة تربو حتى تبلغ أشدها , وحينما يلاحظون بوادر انفجار النقمة , يرسلون إلى الناقمين من يقنعهم برفع الشكوى إلى صاحب السلطة العليا الإنكليزي , وذلك لينظر في أمرهم , ويدفع عنهم عنت موظفي الشرطة أو الجيش , وحينما يرفعون إليه شكواهم مما حصل , ويشدد تعنيفه لموظفي الشرطة أو الجيش المصريين , وهم الذين باشروا الأمر المثير للنقمة , ليوهموهم أن هذا التصرف تصرف مصري لا تصرف استعماري , وبذلك يلقون في قلوب السودانيين جرثومة الكراهية الشديدة التي تباعد الشقة بين المسلمين. ويفعل المستعمرون مثل ذلك بين سكان مدينة وسكان مدينة أخرى داخل قطر واحد , وبين سكان المدن وسكان الريف , كأن يسلطوا الموظفين الدمشقيين على سكان مدينة حلب , والعكس , والموظفين البغداديين على سكان الموصل , والعكس , والموظفين القاهريين على سكان الاسكندرية , وكذلك العكس , والموظفين من سكان المدن على سكان القرى وسكان البادية , وكذلك العكس. وهكذا بين كل بلد وبلد , وبين كل مدينة وقرية , وبين كل حي وحي آخر ضمن البلد الواحد , وكذلك يفعلون بين المنتسبين إلى قوميات مختلفة , مع اشتراكهم في وحدة دينية , تفريقاً بين المسلمين , فيسلطون الشراكس أو الأتراك أو الأكراد على العرب , ويسلطون العرب على الشراكس أو الأتراك أو الأكراد كي يملأوا قلوب كل قوم منهم بالحقد والضغينة على المنتسبين إلى القوميات الأخرى , إذ يوهمونهم أن الأذى الذي أصابهم لم يكن من أوامر المستعمرين المشددة , وإنما كان من دوافع خاصة لدى القوم الذين يباشرون التنفيذ.
следующие страницы →