Полный текст (750 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
الحق , ولعادوا إلى سبيل الرشاد , ولعلموا أن مفترق الطريق الذي بدأ عنده الانشقاق قد كان خلافاً سياسياً على تولي الحكم , يحدث نظيره في كل عصر , وفي كل أمة , ويجب أن يطويه الزمن مع ما يطوي من أحداث جسام , ويجب أن لا تخلفه أحقاد متوارثة , مهما كانت صورة الخلاف تحمل استحقاق جهة ما من جهات النزاع بالسلطان , وعدوان الجهة الأخرى لتستأثر به , وذلك لأن قضية الخلاف السياسي في الأمة الواحدة قضية شخصية زمنية , ولا يجوز بحال من الأحوال أن تكون قضية دينية اعتقادية , أو قضية إنسانية يتوارثها جيل لاحق عن جيل سابق.
إلا أن أعداء مندسين مقنعين قد أرادوا أن يتلاعبوا فيها فيجعلوها قضية دينية متوارثة , وقد وقع تحت تأثيرهم كثيرون من ذوي النيات السيئة , ثم تحولت مع الزمن فدخل فيها عنصر التعصب
(٣) تفتيت وحدة المسلمين هدف مشترك لدى أجنحة المكر
إن هدف تفتيت وحدة المسلمين , وتفريق كلمتهم , وتسليط طاقاتهم المختلفة بعضها على بعض , لإضعاف القوة الجماعية التي يتمتعون بها , وتوهين قواهم الأخرى المادية والمعنوية , وتبديدها في الفتن الداخلية , وفي أشكال الصراع التي تثار فيما بينهم , هدف تلتقي عليه الأجنحة الثلاثة لجيش الغزو , ومعها سائر أعداء الإسلام.
стр. 317
والدليل على اشتراكهم في هذا الهدف ظاهر من تاريخ المستعمرين , ودسائس المستشرقين وأقوال المبشرين وأعمالهم.
لقد دخل المستعمرون معظم البلاد العربية الإسلامية , فكان أول عمل باشروه تجزئة الأمة العربية ذات الأكثرية الإسلامية , إلى دويلات صغيرة , وأقاموا بينها الحدود والحواجز المصطنعة , وحاولوا أن يغرسوا بينها تبايناً في المصالح الاقتصادية والسياسية والثقافية , ثم تبايناً آخر في القوميات والعصبيات الإقليمية , مضافاً إلى ذلك إيجاد التنافر بين الكتل الطائفية , وأمعنوا في ذلك إمعاناً بالغاً , إذ كانوا يأتون إلى الكتل الطائفية القليلة العدد , التي بدأت تنسى عزلتها الطائفية , وتنصهر في الجماعة الواحدة الكبرى , فيشجعونها على أن تعود إلى أصولها , وتوجد لنفسها تكتلاً مضاداً حاقداً على الأكثرية المنتشرة في البلاد , وذلك في ظل التسامح العام الذي تشعر به الأكثرية المسلمة , على أسس وطنية بحتة أخذت تنادي بها هيئاتها السياسية وغيرها , وهي غافلة عن المكيدة المدبرة.
وإمعاناً في التجزئة على أساس التفرقة الطائفية نشط المستعمرون في مد عناصر الطوائف القليلة بالمساعدات المختلفة , والتسهيلات الاقتصادية , والإغضاء عن الجرائم والمخالفات , ونفخ روح العزلة والحقد والكراهية في نفوس أفرادها وقادتها , ضد الأكثرية , وضد الطوائف الأخرى , وإشعارها بضرورة انفصالها بحكم ذاتي خاص بطوائفها.
وأقاموا بينهم وبين هذه الطوائف علاقات تتسم بطابع الصداقة والمودة التي تستتبع تبادل زيارات عائلية , وجلسات فكاهة وسمر وأكل وشرب , ورحلات متنوعة , وهكذا إلى آخر ما يدخل في هذا الجدول الاجتماعي , وعقدوا معهم صلات مناظرة للصلات التي عقدوها مع مجموعة من كبار الأسر السياسية والاقتصادية المنتمية إلى الطائفة التي تشكل في البلاد الأكثرية العددية , ولكن دسائسهم في كل زمرة منها تختلف عن دسائسهم في الأخرى. وذلك ليتم لهم بناء الجدار الغليظ بينهما , وليوسعوا الهوة الفاصلة بين الطوائف , ويزرعوها بالألغام الكثيرة , من الكراهية , وتباين المصالح , والأحقاد التاريخية الموروثة , والعصبيات المختلفة ذات الدوائر الضيقة.
стр. 318
ومن أمثلة ذلك الفتن الطائفية التي أشعلوا نيرانها في النصف الثاني من القرن العشرين في لبنان , والفتن التي يوقدون نيرانها في الهند.
وإلى جانب هذه الأعمال التي سجلها التاريخ على المستعمرين , تقدم لنا السجلات حشداً كبيراً من أقوال المبشرين والمستشرقين , الدالة على اهتمام الأجنحة الثلاثة بالتسديد على هذا الهدف الخطير , فمن أقوالهم الكثيرة ما يلي:
١_ يقول "لورانس براون" وهو أحد زعماء المبشرين , في كتابه "الإسلام والإرساليات": "إذ اتحد المسلمون في امبراطورية عربية أمكن أن يصبحوا لعنة على العالم وخطراً , وأمكن أن يصبحوا نعمة له أيضاً , أما إذا بقوا متفرقين فإنهم يظلون حينئذ بلا قوة ولا تأثير".
٢_ ويقول القسيس "كالهون سيمون" وهو أحد زعماء المبشرين: "إن الوحدة الإسلامية تجمع آمال الشعوب السود , وتساعدهم على التملص من السيطرة الأوربية , ولذلك كان التبشير عاملاً مهماً في كسر شوكة هذه الحركات , ذلك لأن التبشير يعمل على إظهار الأوربيين في نور جديد جذاب , وعلى سلب الحركة الإسلامية من عنصر القوة والتمركز فيها".
وعلى هذا النسق تسير أقوالهم التعليمية , ونصائحهم , وتوجيهاتهم , وتوصياتهم , لعناصر العمل في مؤسساتهم وجمعياتهم , وللقوى العسكرية والسياسية الاستعمارية , وذلك لتلتقي الأجنحة المختلفة المهمات على هدف تفتيت وحدة المسلمين , وتجزئة دولهم إلى دويلات صغيرة لا حول لها ولا طول , مع تمكين الخلاف والفرقة بينها , وإثارة النعرات القومية والإقليمية والطائفية والمذهبية , وشحنها بالمقدار المدمر من الحقد والكراهية والبغضاء , ومدها بمختلف عناصر الخلاف وتباين المصالح.
(٤) دسائس وألاعيب استعمارية لتمزيق وحدة المسلمين
جاء في كتاب (الحياة السرية للورنس العرب) ما يلي:
"ذكر الكولونيل لورنس في تقريره الذي رفعه إلى المخابرات البريطانية في
стр. 319
كانون الثاني (١٩١٦م) بأن أهدافنا الرئيسية تفتيت الوحدة الإسلامية , بدحر الإمبراطورية العثمانية وتدميرها , وإذا عرفنا كيف نعامل العرب فسيبقون في دوّامة الفوضى السياسية , داخل دويلات صغيرة حاقدة متنافرة غير قابلة للتماسك". هامش
وقد سلك المستعمرون شتى الوسائل الماكرة للتفريق بين المسلمين وبث عوامل التجزئة.
فكان من صور هذه الوسائل التي مهروا اصطناعها في بلاد المسلمين , أنهم إذا أرادوا تنفيذ أمرٍ يثير النقمة الشديدة في بعض البلاد الإسلامية التي استعمروها أمروا بعض موظفيهم من بلد آخر واقع تحت سلطانهم , أن يباشروا تنفيذ هذا الأمر المثير للنقمة , فيذهب هؤلاء الموظفون وهم يجهلون سياسة المكر التي يدبرها المستعمرن , فيقومون بتنفيذ ما أمروا به , وحينما تشتد النقمة وتبلغ غايتها , تتدخل السلطات الاستعمارية , فتعرب عن سخطها واستنكارها لما حصل من بعض موظفيها , وتحمل موظفيها الذين أرسلتهم هي مسؤولية إساءة التصرف , وتتبرّأ من الأمر , كما وصف الله الشيطان بقوله في سورة (الحشر / ٥٩ مصحف / ١٠١ نزول) :
﴿ ﴿
كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ .
وتنطلي الخديعة على الجماهير التي ليس لها بصر بألاعيب السياسة فتشحن قلوبها بالضغينة على هؤلاء الموظفين , ومع تكرار مثل هذه الحوادث تنصب النقمة على جميع سكان البلد الذي ينسب إليه هؤلاء الموظفون , ومع الزمن يتولد بين رعايا البلدين حقد موروث , أو شقاق مستحكم , يجني المستعمرون منه ثمرة الاستقرار والسيادة على الأجزاء المتفرقة , التي قذفوا بينها عوامل العداء والشقاق.
ومن أمثلة ذلك ما كان يفعله الاستعمار الإنكليزي , إذ يأمر بعض
стр. 320
موظفي الشرطة أو الجيش من المصريين بتنفيذ أمر على بعض السودانيين , وهذا الأمر يثير النقمة , كأمر مصادرة , أو تحصيل ضريبة , أو قبض على ذي وجاهة دينية أو اجتماعية أو سياسية , يقلق راحة السلطات المستعمرة , بنضاله ضد أعمالهم المسيئة لأهل البلاد , وتشدد هذه السلطات المستعمرة أوامرها الموجهة لهؤلاء الموظفين بأن يستعملوا كل ما في أيديهم من قوة وحزم وخشونة , ويدعون النقمة تربو حتى تبلغ أشدها , وحينما يلاحظون بوادر انفجار النقمة , يرسلون إلى الناقمين من يقنعهم برفع الشكوى إلى صاحب السلطة العليا الإنكليزي , وذلك لينظر في أمرهم , ويدفع عنهم عنت موظفي الشرطة أو الجيش , وحينما يرفعون إليه شكواهم مما حصل , ويشدد تعنيفه لموظفي الشرطة أو الجيش المصريين , وهم الذين باشروا الأمر المثير للنقمة , ليوهموهم أن هذا التصرف تصرف مصري لا تصرف استعماري , وبذلك يلقون في قلوب السودانيين جرثومة الكراهية الشديدة التي تباعد الشقة بين المسلمين.
ويفعل المستعمرون مثل ذلك بين سكان مدينة وسكان مدينة أخرى داخل قطر واحد , وبين سكان المدن وسكان الريف , كأن يسلطوا الموظفين الدمشقيين على سكان مدينة حلب , والعكس , والموظفين البغداديين على سكان الموصل , والعكس , والموظفين القاهريين على سكان الاسكندرية , وكذلك العكس , والموظفين من سكان المدن على سكان القرى وسكان البادية , وكذلك العكس.
وهكذا بين كل بلد وبلد , وبين كل مدينة وقرية , وبين كل حي وحي آخر ضمن البلد الواحد , وكذلك يفعلون بين المنتسبين إلى قوميات مختلفة , مع اشتراكهم في وحدة دينية , تفريقاً بين المسلمين , فيسلطون الشراكس أو الأتراك أو الأكراد على العرب , ويسلطون العرب على الشراكس أو الأتراك أو الأكراد كي يملأوا قلوب كل قوم منهم بالحقد والضغينة على المنتسبين إلى القوميات الأخرى , إذ يوهمونهم أن الأذى الذي أصابهم لم يكن من أوامر المستعمرين المشددة , وإنما كان من دوافع خاصة لدى القوم الذين يباشرون التنفيذ.
стр. 321
ويفعل المستعمرون مثل ذلك بين المنتسبين إلى الفرق والطوائف والمذاهب الإسلامية , فيمعنون في التفرقة مثلاً بين سني وشيعي من المسلمين , وبين كل طائفة وأخرى , وكل أتباع مذهب وأتباع مذهب آخر , وهكذا إلى غير حد من وسائل التجزئة , التي مهروا في اصطناعها مهارة بلغت الغاية من المكر والدهاء , والكيد للإسلام والمسلمين.
فهل يتيقظ المسلمون فينفوا عنهم عوامل التفرقة , ويجتثوا ما زرعه أعداؤهم فيهم؟
(٥) التقسيم الطبقي
ومن التجزئة التي تعمل لها جيوش الغزاة لهدم وحدة المسلمين , ما يدسونه في صفوفهم من بواعث فوارق طبقية مختلفة , من شأنها أن تجزئ الأمة إلى وحدات وفرق وطبقات تتصارع فيما بينها , فتبدد بأيديها طاقاتها التي كان من الممكن أن تتجمع وتتوحد , وتكون قوة ذات شأن في الأرض , تعيد إلى المسلمين مكانهم الطبيعي القيادي بين الأمم.
فمن الغزاة من يحمل بين صفوف المسلمين شعار وحدة الطبقة العاملة , ومنهم من يهمس بين صفوفهم بوحدة الطبقة المستغلة , وكلا الاتجاهين يهدفان إلى غاية واحدة , هي هدم البنيان الواحد الذي يمسك بعضه بعضاً , ويكوِّن الأمة الإسلامية الواحدة , وهدم هذا البنيان المعقود عقداً محكماً قد يكون بنزع القفل الصلب الذي يمسكه , كما لو نزع قفل البرج العظيم انهارت جوانبه , وتناثرت أحجاره , وتهاوى يحطم بعضه بعضاً , بعد أن كان يشد بعضه بعضاً. وقد لا يكون الفرق بين موجبات الاستمرار ومسببات الانهيار كبيراً , إذ يكفي إيجاد خلل يسير لهدم صرح شامخ.
وكثيراً ما يستغفل أعداء الإسلام بعض المسلمين لتبني أمر يؤدي في النتيجة إلى هدم بناء الأمة الإسلامية , ثم يسخرونهم عمالاً يحملون عنهم
стр. 322
معاول الهدم , فيهدمون بنيان أمتهم لصالح أعدائهم , وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً.
إن المجتمع الإسلامي المتقيد بتعاليم الإسلام مجتمع متماسك البنيان , قوي الأركان , متسامي الذروات , تبدو المجتمعات الأخرى أمامه كركامٍ من الصخر , أو كثيب من الرمل المتناثر , أو أقزامٍ من الأبنية المخلخلة التي تتلاعب بها الرياح , ومهما ارتقت فإنها لا تدانيه قوة وتماسكاً وسمواً , وذلك لأن كل عضو من أعضاء المجتمع الإسلامي العام المتقيد بتعاليم الإسلام يعمل في مكانه وموقعه من الجماعة بما يجب عليه تجاهها , ويؤدي واجب الطاعة لأولي الأمر من المسلمين , وتصل إليه حقوقه موفورة , ويبتغي بكل أمر من أموره مرضاة الله تعالى وثوابه , وتربطه بالمجتمع وبكل فرد من أفراده مجموعة من الأربطة المتينة , منها الأربطة التالية: الأخوة الإيمانية , والمودة المتبادلة , والحب في الله , والعدل , والإيثار , والتضحية , وتأدية الواجب , والمصاحبة والمعاشرة بالمعروف , والصدق , والأمانة , والوفاء بالعهد , والصدق في الوعد , وإفشاء السلام , واحترام الأخ المسلم وتكريمه , والصدق في الوعد , وإفشاء السلام , واحترام الأخ المسلم وتكريمه , والصدقة , والهبة والهدية , وإكرام الضيف , والتزاور في الله , وعيادة المريض , والإصلاح بين المتخاصمين , والتسامح , والعفو , وإبراء الذمة؛ ورحمة الكبير للصغير , وتوقير الصغير للكبير , إلى غير ذلك من أربطة اجتماعية.
ومعظم هذه الأربطة تنقطع بفصل المجتمع إلى طبقتين أو طبقات متنازعة على مصالح مادية , تدخل فيها عناصر الأنانية , والاستئثار , والطمع , وتفضيل الفرد نفسه بغير حق , والحقد , والحسد , والبغضاء.
إن التقسيم الطبقي من أخطر المسببات التي تأتي إلى القوة الحقيقية الكامنة , في مجتمع من المجتمعات فتبددها , وتجعلها كالهباء المنثور.
وكلا طرفي منحدر اليمين ومنحدر اليسار في العالم يحملان دسائس هذا التقسيم الطبقي , على أسس مادية بحتة اقتصادية وسياسية , وكلاهما يدركان خطورة تماسك المجتمعات الإسلامية على أسس روابطها المتينة الدينية والمادية والأدبية والوجدانية والعقلية , لذلك فهما يحاولان دائماً تقسيم هذه الوحدة ,
стр. 323
وتجزئتها بأي ثمن , وتلتقي قوتاهما _ على اختلافهما وتنازعهما _ عند خط تجزئة المجتمع الإسلامي , تجزئة تهدم عوالم قوته وتماسكه.
(٦) هدم الخلافة الإسلامية
وفي خطة تحطيم وحدة المسلمين , وتجزئتهم إلى أجزاء متفرقة كثيرة , عملت جيوش الغزاة بكل ما لديها من وسائل معنوية ومادية , لهدم الخلافة الإسلامية , لأن هذه الخلافة _ مهما كان شأنها _ تمثل الحزام الذي يجمع المسلمين في شتى أقطار الأرض , أو الرمز السياسي الذي يجعلهم يلتقون التقاء ما تحت راية سياسية واحدة , وهذا الأمر يقض مضاجع الأعداء , وإن وصل به الضعف إلى أن غدا رمزاً ليس له أي سلطان فعلي.
وذلك لأن بقاء أمر الخلافة مقروناً بالدوافع والمحرضات الدينية التي قد تحيي ما مات منه , وقد تعيده إلى بعض مراكز قوته الأصلية , مما تخشاه جيوش الغزاة خشية كبيرة , نظراً إلى ما للشعوب المسلمة من وزن عظيم في العالم , تمثله أعدادهم البشرية , ورقعة الأرض التي يملكونها وما فيها من خيرات وكنوز كثيرة , وما لهم من تاريخ حضاري غابر , قد يحرك فيهم بواعث نهضة حضارية جديدة , تستطيع أن تنافس وتسابق الحضارة الغربية المادية الحديثة , فيما لو أطلقت أيديها المغلولة , مضافاً إليها سبقهم الحضاري العظيم في عقائدهم , وفي مفاهيمهم الأخلاقية , وفي أسس بناء أمتهم بناء متماسكاً متيناً , على أصول الحق والعدل والخير ونشدان الكمال , والبعد عن الباطل والظلم والشرب والرضى بالدنايا.
وظلت الخلافة الإسلامية رمزاً لوحدة المسلمين في أقطار الأرض , حتى عام (١٩٢٤م) وفي أوائل شهر آذار (مارس) ألغى "كمال أتاتورك" الخلافة الإسلامية العثمانية من تركيا , وكان ذلك في ظروف سياسية هيأت له الذرائع للقيام بهذا العمل الخطير.
ومن المعلوم أن الخلافة قد تم هدم مضمونها قبل ذلك , منذ نجحت
стр. 324
الثورة التي دبرت ضد السلطان عبد الحميد في عام (١٩٠٨م) والتي قادها العسكريون من أعضاء "جمعية الاتحاد والترقي" الموجهون من قبل المحافل الماسونية , التي كانت تعمل بوحي من الدسائس الاستعمارية من جهة , والدسائس اليهودية من جهة أخرى أشد من الأولى مكراً , وأكثر عمقاً , وأصبح هؤلاء العسكريون هم حكام البلاد في الحقيقة , وعلى أيديهم تمت هزيمة تركيا في الحرب العالمية الأولى , وأمست الخلافة بعد السلطان عبد الحميد رمزاً لا مضمون له , إذ تولاها بعده السلطان "محمد رشاد" الذي لقب بالسلطان "محمد الخامس" ثم تلاه السلطان "محمد السادس" ثم تلاه السلطان "عبد المجيد" وكان هذا آخر الخلفاء الرمزيين , حين أعلن "كمال أتاتورك" إلغاء الخلافة.
وكان ما جرى تنفيذاً دقيقاً لما رسمته جيوش الغزاة من خطط لهدم الخلافة الإسلامية , إذ كانت هذه الخلافة على ما وصلت إليه من ضعف بمثابة سور عظيم , متعب لجيوش الغزاة الطامعين , يلم الشعوب الإسلامية على اختلاف لغاتها , وألوانها وأعراقها , وعلى تباعد مواطنها , في إطار سياسي واحد , مهما كان مبلغه من الضعف والرمزية.
واستقبل العالم الإسلامي نبأ إلغاء الخلافة بحزن شديد وألم ممض , فقد كانت لهم التاج العظيم الذي توارثوه أكثر من ألف سنة , وكان وجود الخلافة في المسلمين يتضمن لديهم المعاني التالية:
الأول: أن بقاء الخلافة يعني وجود نظام سياسي يجمع شمل المسلمين , مهما بلغ واقع حال هذا النظام إلى مستوى محزن من الضعف والرمزية , بفعل الدسائس الاستعمارية.
الثاني: أن بقاء الخلافة دليل على استمرار تاريخ المسلمين , في ظل شعار سياسي واحد.
الثالث: أن بقاء الخلافة يعني بقاء الرباط الذي يبرر للمسلمين الاشتراك والمساهمة في الدفاع الدولي عن بلاد المسلمين وحقوقهم , وإقامة ألوان التعاون فيما بينهم.
стр. 325
الرابع: أن بقاء الخلافة يقضي في أدنى الحدود الرمزية بأن لا تقوم بين بلادهم حواجز مصطنعة , وهذا يعني اشتراك الشعوب الإسلامية في ديارهم , وتمتعهم بحريات تنقلهم وتملكهم وتجاراتهم وسائر مصالحهم الاقتصادية والاجتماعية فيها.
ومع الحزن الشديد الذي تلقت به الشعوب الإسلامية نبأ إلغاء الخلافة قام فريق من أصدقاء المستعمرين , والموالين لهم في البلاد الإسلامية , يبردون حرارة الألم , ويبررون ما وقع , ويزعمون مزاعم كاذبة على المفاهيم الإسلامية , ويضعون مفاهيم مبتدعة غريبة , يفصلون بها بين الدين والحكم , وينسفون بها الأسس النظرية التي تقوم عليها الخلافة الإسلامية , ويضعون بدلها أسساً أخرى من عند أنفسهم ينسبونها إلى الإسلام زوراً وبهتاناً , وكان من هؤلاء في مصر "الشيخ علي عبد الرزاق" فقد كتب كتاباً جعل عنوانه "الإسلام وأصول الحكم" احتوى على آراء تخالف ما أجمع عليه المسلمون , وتهدم أسساً ضخمة من أسس بناء الأمة الإسلامية , وتطعن في التاريخ الإسلامي , وتنكر علاقة الخلافة في جميع عصورها بالإسلام.
وتصدى للرد عليه كثيرون , منهم الشيخ "محمد شاكر" من كبار العلماء , وكان وكيلاً سابقاً للأزهر , ومنهم الشيخ السيد "محمد رشيد رضا" صاحب تفسير المنار , وصاحب مجلة المنار , فقد كتب هذا مقالاً بعنوان: (الإسلام وأصول الحكم _ بحث في الخلافة والحكومة في الإسلام _ بل دعوة جديدة إلى نسف بنائها وتضليل أبنائها) . وقد جاء في هذا المقال ما يلي:
"ما زال أعداء الإسلام يجاهدون بالسيف والنار , وبالكيد والدهاء والأفكار , وبإفساد العقائد والأخلاق , وبالطعن في جميع مقومات هذه الأمة , وتقطيع جميع الروابط التي ترتبط بها شعوبها وأفرادها , ليسهل جعلها طعمة للطامعين , وفريسة لوحوش المستعمرين.
وهذه الحرب السياسية العلمية للإسلام أضر وأنكى من الحروب الصليبية باسم الدين.. وقد كان آخر فوز لهذه الحرب على المسلمين إلغاء الترك لمنصب الخلافة من دولتهم , وتأليفهم حكومة جمهورية غير مقيدة بالشرع
стр. 326
الإسلامي , فذعر لهذا العالم الإسلامي , وطرب له الإفرنج ومروجو سياستهم ورفع هؤلاء عقائرهم في مصر هاتفين لعمل الترك , ونشطوا لجعل الحكومة المصرية حكومة لا دينية مثل حكومة "أنقرة".
وبينا نحن كذلك إذا نحن ببدعة حديثة لم يقل بمثلها أحد انتمى إلى الإسلام _ صادقاً ولا كاذباً _ بدعة شيطانية لم تخطر في بال سني ولا شيعي ولا خارجي , بل لم تخطر على بال بعض الزنادقة.
والناعق بهذه البدعة من العلماء المتخرجين من الأزهر من قضاة المحاكم الشرعية (إن هذا لشيء عجاب) ".
ثم ختم الشيخ رشيد رضا مقاله بقوله: "أول ما يقال في وصف هذا الكتاب أنه هدم لحكم الإسلام وشرعه من أساسه , وتفريق لجماعته , وإباحة مطلقة لعصيان الله ورسوله في جميع الأحكام الشرعية الدنيوية , وتجهيل للمسلمين كافة من الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين".
وانهالت الردود الكثيرة على كتاب "علي عبد الرزاق" وتسفيه ما جاء فيه , وبيان مخالفته للإسلام , ولما أجمع عليه المسلمون , وبيان ارتباط كاتبه بخدمة أغراض الدوائر الاستعمارية.
ثم عملت السلطات الاستعمارية بعد ذلك على تعميق المفاهيم المعارضة للخلافة الإسلامية , وتثبيت واقع التجزئة , وإقامة أنواع من الحكم المنفصل عن تطبيق الشريعة الإسلامية؛ وإيجاد مبادئ أخرى تقوم عليها مفاهيم الحكم في الشعوب المسلمة , وانهارت بذلك الأمة الإسلامية , وفقد المسلمون ما كان لهم من هيبة في نفوس أعدائهم , الطامعين بهم وبخيراتهم وبلادهم.
وابتكروا لذلك عقاقير منع الحمل المؤقت والدائم , وسهلوا العمليات الجراحية للتعقيم , ونشروها نشراً كبيراً.
وتحاول هذه النظريات الاقتصادية المقرونة بفروض التكاثر العددي للبشر أن تقنعنا بضرورة الأخذ بفكرة تحديد النسل , في الوقت الذي يسعى فيه اليهود أصحاب النظرية بكل جهدهم لزيادة أنسالهم في إسرائيل , ويشجعون رجالهم ونساءهم على الإنجاب بمختلف الحوافز. كما يسعى البابوات لزيادة أنسال النصارى في البلاد الإسلامية , لتزيد أعدادهم على أعداد المسلمين.
وقد حرم البابا "شنودة" على شعب الكنيسة في مصر استعمال حبوب منع الحمل.
وتدفع أجهزة الدوائر المعادية للمسلمين عملاءها لنشر هذه الفكرة بينهم , أو تشجيعهم على الأخذ بها , في خطة بالغة الكيد.
(٧) مكيدة تحديد النسل
وفي محاولة ماكرة لإيقاف نشاط تكاثر المسلمين عن طريق التناسل , أطلق دهاة الغزاة بين المسلمين نظريات اقتصادية تتعلق بنسبة تزايد الموارد الغذائية
стр. 327
ومقارنتها بنسبة التكاثر العددي للبشر , وتفيد هذه النظريات أن المجموعة الإنسانية لا بد أن تتعرض إلى مجاعة واسعة النطاق , ما لم تلجأ إلى وضع برنامج تحدد فيه أنسالها , حتى يتناسب تزايد الموارد الغذائية مع تكاثر الأعداد البشرية.
في حين نجد بعض الدول المعادية التي تريد أن يحدد المسلمون أنسالهم , تلجأ إلى تشجيع الاستزادة من النسل بين شعوبها , ليكثروا ضمن نظام سلسلة هندسية , وليوقف المسلمون تكاثرهم ضمن نظام سلسلة عددية , ولا يخفى ما في هذا من كيد ظاهر للأمة الإسلامية.
ونحن المسلمين لا نرى الأخذ بفكرة تحديد النسل على المستوى العام , مهما كانت المبررات لذلك من وجهة نظر المادية الاقتصادية , وذلك لعدة أسباب:
أسباب عدم أخذنا بفكرة تحديد النسل
السبب الأول: أن الأخذ بهذه الفكرة يضر بمصلحة الطاقة البشرية التي نملكها , ويجب أن نملكها بتكاثر مستمر , في مقابل الأعداد البشرية التي تقذف بها الأمم الأخرى , وإن الحد من تكاثر الطاقة البشرية بالسلالات الإسلامية ,
стр. 328
ليؤثر على كيان حجم المسلمين في العالم بالنسبة إلى غيرهم من الأمم.
السبب الثاني: أن رقعة الأرض التي يملكها المسلمون في العالم , وما فيها من خيرات دفينة وطاقات غذائية قابلة للتفجير والاستثمار. تنادي بحاجتها إلى فيض من الطاقات البشرية , لاستثمارها , ولحمايتها , والانتفاع بخيراتها , وإلا كانت مطمع الطامعين الكثيرين من الأمم والشعوب التي تتكاثر بنسب رهيبة.
والواجب المنوط بإرادة المسلمين في العالم الإسلامي , والمنوط بطاقاتهم الإنتاجية , هو النهوض بوثبة إنتاجية اقتصادية تشمل مرافق حاجات الإنسان إلى الغذاء والكساء , والمسكن والدواء , والأدوات والإناء , وإعداد المستطاع من القوة.
والواجب في هذه الوثبة يتطلب تعاون المسلمين في مختلف ديارهم وأقطارهم على الإنتاج والاستثمار , فأرضهم مليئة بالخيرات , مشحونة بمختلف الطاقات , تنادي: أيها المسلمون , اعملوا واستثمروني , أعطكم خيراً كثيراً , وأفيض عليكم فيضاً كبيراً , ولن أشح عليكم ما عملتم في استثماري , واستنتاج خيراتي , فإذا فعلتم ذلك كنت لكم سكناً وجنات , وحصناً ومنبع خيرات.
فلدى المسح الجغرافي يتبين لكل ناظر أن رقعة الأرض التي يملكها المسلمون في العالم _ بحسب واقعها الحالي ومن غير حاجة إلى ابتكارات كثيرة وحلول سكينة واقتصادية فوق العادة _ مستعدة لاستيعاب أضعاف مضاعفة من أبناء المسلمين , وسلالاتهم , ومستعدة لإمدادهم بمختلف حاجات الحياة.
فلتأخذ الشعوب والأمم الأخرى بما شاءت من أفكار لتحديد نسلها , وإيقاف نشاط سلالتها , لكن هذه الفكرة ليست في مصلحة المسلمين , ولا في مصلحة محافظتهم على أرضهم وحمايتهم لها من غزو الطامعين من ذوي الحاجات الاقتصادية , والأطماع الاستعمارية.
السبب الثالث: أن المسلم حين ينجب ويرعى من ينجبه بالتربية الإسلامية , يشعر بأنه يمد جيش المسلمين في العالم بجندي من جنود الله , وأنه
стр. 329
بذلك يقوم بأحد واجبات الجهاد في سبيل الله لأن إمداد جيش الجهاد بالمال أو بالرجال أو بالعتاد كل ذلك من الجهاد.
ولذلك حث الرسول صلوات الله عليه على الزواج من المرأة الودود الولود , ليكاثر الأمم بالسلالات الإسلامية , روى أبو داود والنسائي عن معقل ابن يسار قال: قال رسول الله ﷺ : "تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم" حديث صحيح بوجه عام.
ولجملة هذه الأسباب الثلاثة السابقة , نرى أن حمل الأمة الإسلامية أو تشجيعها على تطبيق فكرة تحديد النسل جريمة بحق هذه الأمة , لا يقوم بها إلا جاهل بالحقيقة غافل عن النتائج , أو ساقط في شبكة مكيدة من المكائد الكبرى التي تدبر ضد المسلمين , للحد من تزايد طاقاتهم البشرية.
ومشكلة التكاثر البشري المخيف ليست موجودة في واقع المسلمين بالنسبة إلى واقع الرقعة الأرضية التي يملكونها في العالم , إنما هي موجودة في شعوب أخرى من العالم , فإن كانت هذه الشعوب تشعر بالمشكلة فليفكر قادتها بما شاؤوا من تطبيقات لتحديد أنسالهم , فنحن لا مصلحة لنا في الأمر.
وتعقد مؤتمرات عالمية لحمل الشعوب أو تشجيعها على تحديد النسل , ومن الخير لنا أن لا نشترك في أي منها.
السبب الرابع: أن للمسلمين مذهبهم الخاص في مفاهيم الحياة , كما أن لهم عقيدتهم الخاصة في قضايا الرزق وقانون التوازن في هذا الكون:
الرزق:
أما الرزق فهو في عقيدة المسلمين مضمون للإنسان عن طريق كسبه بمختلف وسائل الكسب المأذون به شرعاً , وذلك بنسبة عمره المقدار له في الحياة , بل هو مضمون لكل كائن حي حتى أجله المقدر له , والرزق أعظم المشكلات التي تحاول حلها فكرة تحديد النسل , بحسب وجهة نظر المادية الاقتصادية , فالله ﵎ يقول في سورة (هود / ١١ مصحف / ٥٢ نزول) :
стр. 330
﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ .
ويقول سبحانه في سورة (العنكبوت / ٢٩ مصحف / ٨٥ نزول) :
﴿وَكَأَيِّن مِّن دَآبَّةٍ لاَّ تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ .
ويقول سبحانه في سورة (الذاريات / ٥١ مصحف / ٦٧ نزول) :
﴿وَفِي السَّمَآءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ * فَوَرَبِّ السَّمَآءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَآ أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ﴾ .
ففي هذه النصوص تقرير لحقيقة من حقائق التكوين المتممة لظروف هذه الحياة وشروطها ضمن مقادير آجالها , وضمن حدود الغاية منها , وهي ابتلاء الإنسان في هذه الحياة الدنيا , وهذا الابتلاء معلن بقول الله تعالى في سورة (الملك / ٦٧ مصحف / ٧٧ نزول) :
﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ .
وإذ نهى الله ﵎ الأولياء المنفقين عن قتل الأولاد من إملاق أعلن عن تكلفه برزقهم ورزق أولادهم مرتين:
أ - ففي أحد النصين أعلن الله تكفله برزقهم , وعطف عليه تكلفه برزق أولادهم , فقال تعالى في سورة (الأنعام / ٦ مصحف / ٥٥ نزول) :
﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُمْ مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ.... *﴾ .
أي: لا تقتلوهم لتتخلصوا من النفقة عليهم بسبب ما أنتم فيه من واقع فقر , فالله كفيل إذا توكلتم عليه وقمتم بما يجب عليكم من كسب أن يزرقككم ويرزقهم عن طريقكم.
ب- وفي النص الآخر أعلن الله تكلفه برزق الأولاد وعطف عليه تكلفه برزق أوليائهم المنفقين عليهم , فقال تعالى في سورة (الإسراء / ١٧ مصحف / ٥٠ نزول) :
стр. 331
﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئاً كَبِيراً﴾
أي: لا تقتلوهم لتتخلصوا من النفقة عليهم خشية أن تصابوا في المستقبل بالفقر بسبب النفقة عليهم , فالله كفيل بأن يرزقهم ويرزقكم إذا نفدت النفقة التي في أيديكم , وقد يكون رزقهم بسببهم , أو عن طريقهم إذا كبروا. ولما كان الباعث هنا خشية حدوث الفقر لا واقع الفقر كان الإعلان مشتملاً على تقديم رزق الأولاد على رزق أوليائهم الذين ينفقون عليهم , لأن الأمر هنا يتعلق بالحذر من المستقبل المجهول , وفيه شك بالله ووعده , ومقادير رزقه , وفيه تخلٍ عن واجب التوكل عليه ﵎ , بخلاف الحالة الأولى فإن واقع الفقر وما فيه من آلام يحدث اضطراباً في النفس والفكر قد يغشي على ثوابت الإيمان وركائزه وتصوراته , فيجعل صاحبه يتصرف تصرف غير المؤمنين , لذلك كان بحاجة إلى ما يزيل الغشاوة عن نفسه وفكره , فتبين له حقيقة من حقائق الإيمان , وهي: أن الله يزرقه ويرزق أولاده , فلا داعي للتخلص من واجب النفقة عليهم , ومن واجب السعي لاكتسابها كما أمر الله , فالقضية واجب اجتماعي مضمون النتائج بكفالة الخالق الرازق.
تقدير الأقوات:
والله ﵎ إذ قضى بأن يخلق عالم الحيوان في الأرض , وإذ جعل حياة الحيوان منوطة بقوته , جعل الأرض مستودعاً لأقوات الأحياء المقضي لهم بأن يحيوا فيها إلى أن تقوم الساعة , ضمن حدود الآجال المقدرة لها في قضاء الله وقدره.
وما على الناس إلا أن يهتدوا إلى مفاتيح أبواب هذه المستودعات , لتتدفق عليهم خيرات الأرض , ما في برها وأعماقها وجبالها وبحارها وسمائها من أقوات.
فقضية الأقوات قضية مقدرة بقضاء الله حسب حاجة الأحياء المقضي لهم أن يحيوا على هذه الأرض , وبمقدار أعمارهم المقدرة لهم , وهي في عقيدة
стр. 332
المسلمين قضية مضمونة بتقدير الخالق الرازق المقيت , وما على الحي إلا أن يسعى لاكتساب قوته وقوت من هو مكلف بالنفقة عليه , وما على الجماعات البشرية إلا أن تحتال لاستخراج الأقوات من مستودعات الأرض وخزائنها , وهذه الحقيقة معلنة في قول الله تعالى في سورة (فصلت / ٤١ مصحف / ٦١ نزول) :
﴿قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَآءً لِّلسَّآئِلِينَ﴾
فهذا النص القرآني يبين بياناً واضحاً أن الله قد بارك في الأرض وقدر فيها أقوات أحيائها تقديراً سواءً السَّائلين , أي: تقديراً مستوياً بإحكامٍ تام , وهذا التقدير المستوي لأجل السائلين , وهم طالبوا أقواتهم من خزائنها , ولا يطلب القوت إلا حي تتوقف حياته عليه.
فقضية تقدير الأقوات في خزائن الأرض قضية مفروغ منها , فلا خوف من نقص الأقوات بالنسبة إلى كل كائن حي قضى الله أن يحيى في الأرض إلى أجل , ولكن بشرط الكسب والعمل وإعمال الفكر للوصول إلى مفاتيح خزائن الأرض. وحين يسعى الحي لكسب قوته فلا يجده فإن عمره في الحياة قد انتهى , وإن أجله قد حلَّ , وإن حرمانه من القوت هو السبب الذي اختير في القضاء والقدر لموته , وموته بإمساك القوت عنه كموت غيره بعلة مرضية , أو بسكتة قلبية , أو بحادثة قاتلة , أو بحروب طاحنة , أو بتعذيب بأيدي ظلمة , أو بدون أية علة ظاهرة.
هذه هي عقيدة المسلمين , فلا مبرر عندهم للخوف من تكاثر السلالات , واللجوء إلى تحديد النسل من أجل قضية القوت , فالله على كل شيء مقيت , أي: هو مهيمن ومدبر ومقيت لمن وهبه الحياة وهو بحاجة إلى القوت لاستمرارها قال الله تعالى في سورة (النساء / ٤ مصحف / ٩٢ نزول) : ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقِيتاً﴾ .
стр. 333
شروط الكسب:
وإذ ضمن الله للناس أرزاقهم , وقدر في الأرض أقواتهم وأقوات كل كائن حي فيها , فقد جعل تحصيل أقواتهم وأرزاقهم منوطاً بالكسب والمشي في مناكب الأرض المختلفة , بحثاً عن أرزاقهم وأقواتهم , وأودع في كل كائن حي غريزة البحث عن قوته.
ولئلا يفهم المسلمون من معنى التوكل على الله القعود عن كسب الأرزاق والأقوات أمرهم الله تعالى بالمشي في مناكب الأرض , ليأكلوا من رزقه , فقال تعالى في سورة (الملك / ٦٧ مصحف / ٧٧ نزول) :
﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُواْ فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُواْ مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾
والمشي في مناكب الأرض يشمل كل أنواع البحث عن خزائن الرزق المتيسرة بالتناول المباشر , والمدفونة في التراب التي يمكن استنباطها بالزراعة , وتوليدها بالتربية الحيوانية , والتي يمكن استنباطها بأية وسيلة أخرى باستطاعة الإنسان أن يخضعها لإرادته , كالتحليل والتركيب بالوسائل الكيميائية , وغير ذلك مما يمكن أن يكتشفه الإنسان بالبحث العلمي , وفي حدود هذه الدائرة , تقع مسؤولية الناس أفراداً وجماعات في هذا المجال.
ويرتبط بتقدير الأقوات ما يلاحظ في الكون من سنة الله في ضابط التوازن.
ضابط التوازن:
فمما هو ملاحظ في سنن الله في كونه ما يمكن أن نسميه (ضابط التوازن) وهذا الضابط يهيمن على الوجود كله.
وبضابط التوازن تنحل كل مشكلة يعجز الإنسان عن حلها بالوسائل التي يستطيع استخدامها , وبضابط التوازن بين الأحياء وأقواتهم في الأرض تنحل أية مشكلة يقدر الاقتصاديون أنها ستواجه المجموعات البشرية , حين
стр. 334
يتضاعف عدد الناس ضعفاً وأضعافاً كثيرة عما هم عليه الآن , إذ يقدرون أن عددهم سيصل في عام ألفين إلى ستة أو سبعة مليارات نسمة , وسيصل في عام ألفين وخمسين إلى اثني عشر مليار نسمة.
فمن أجل كل الأسباب التي سبق بيانها فإن المسلمين المؤمنين بعقائدهم الإسلامية , والمدركين لواقع كتلتهم البشرية ضمن الكتل البشرية الأخرى , يرفضون رفضاً باتاً كل محاولة لحمل جماهير المسلمين أو تشجيعهم على تحديد أنسالهم , وإيقاف نشاط تكاثر سلالاتهم , ويعلمون أن بث هذه الفكرة في مجتمعاتهم يحتوي على مكيدة مدبرة ضد حجمهم الثقيل في العالم , يكيدهم بها أعداؤهم وأعداء دينهم.
مكر وكيد لتحديد أنسال المسلمين بجرائم الأطباء أو أوامر السلطة:
ومن الأعمال الكيدية التي قام بها أعداء الإسلام ضد تكاثر شعوب الأمة الإسلامية ما يلي:
الأول: اتخاذ الوسائل الظاهرة أو الخفية لإسقاط الأجنة من أرحام الحوامل من المسلمات , أو تعقيمهن , عن طريق الأطباء غير المسلمين الذين يعالجون نساء مسلمات حوامل , أو يردن أن يحملن , فيرتكبون جرائم الإجهاض أو التعقيم سرّاً دون أن يكونوا عرضة للإدانة القضائية.
الثاني: الإكراه عن طريق السلطة ومن الأمثلة قانون الطوارئ الذين أعلن في الهند عام (١٩٧٥م) الذي جاء في بنوده عن طريق السلطة ومن الأمثلة قانون الطوارئ الذين أعلن في الهند عام (١٩٧٥م) الذي جاء في بنوده إجبار المسلمين على التعقيم , ومن يخالف هذا القانون تطبق ضده أقصى العقوبات.
ولما أفتى أحد العلماء بتحريم التعقيم قتل وأحرق أمام الناس.
وقد ألغي هذا القانون سنة (١٩٨٢م) تحت تأثير احتجاجات المسلمين الشديدة في العالم.
* * *
стр. 335
الفصْل العاشر الغزو بفكرة القوميّة
١- خطة وأهداف.
٢- مغالطة جدلية.
٣- موقع الشعب العربي بين الشعوب الإسلامية الأخرى.
٤- تقبل المبادئ الأخرى بعد التفريغ بفكرة القومية.
٥- الأمة العربية بعد الإسلام وقبله.
стр. 336
(١) خطة وأهداف
في خطة ملء الفراغ أو مزاحمة مالئ الفراغ وإزاحته، أراد أعداء الإسلام أن يضعوا محلّ المبادئ الإسلامية مبادئ أخرى، ليصرفوا المسلمين عن مبادئهم صرفاً كلياً.
فزيفوا لهم شعاراتٍ حسنوها في نظرهم بزخرفٍ من القول، وبدغدغة نزغات أنانيّةٍ تنشأ في الناس مع نشأة مجتمعات جاهلية بدائية، وهذه الشعارات لا تحمل من المقومات الفكرية ما يجعلها جديرة بتوحيد أمة، وتفجير طاقاتها إلى مجدٍ عظيم بين أمم الأرض.
إن المسلمين تجمعهم وحدة دينية ذات مقومات فكرية وعاطفية وتاريخية، وذات هدف أسمى يسعى إليه كل فرد مسلم، وهو يجني بعض ثماره في هذه الحياة الدنيا، ويدخر القسم الخالد منها إلى الحياة الأخرى، حياة الخلود في دار الجزاء.
وقد عمل أعداء الإسلام على تفتيت هذه الوحدة الدينية الكبرى بمختلف الوسائل فلم يظفروا، إلى أن عثروا على السلاح الخطير القادر على تفتيت وحدة المسلمين، مع ضعف الإسلام فيهم، إنه سلاح القومية، إنه المتفجر الهائل الذي يفرق المسلمين إلى قوميات شتى، ويعيدهم إلى أصولهم الأولى التي كانوا عليها، قبل أن تجمع بينهم الوحدة الإسلامية الكبرى.
وعلى إثر التفرق بين المسلمين على أساس قومي ستنمو عوامل الشقة فيما
стр. 337
بينهم، وستعمل مجموعة من الأحداث التاريخية على تعميم الفرقة، وترسيخ قواعد السدود بترسبات تصطنعها العصبيات القومية، وبعض الخلافات السياسية والاقتصادية.
ولكن القضية تحتاج إلى تجنيد جنود كثيرين يحسنون استخدام هذا السلاح، ويعملون على بث الفكرة القومية بين صفوف المسلمين، وقد استخدم أعداء الإسلام للوصول إلى هذه الغاية عدة وسائل:
١- فكان منها أولاً العمل على هدم الخلافة الإسلامية، بإثارة نزعة القومية العربية، مستفيدين من الأخطاء الكثيرة التي انتهى إليها الحكم التركي، بفعل الدسائس اليهودية والأوربية التي أوحت بهذه الأخطاء، وأسهمت في انتشارها، ثم عرفت كيف تستفيد منها بتحريض القوميات غير التركية على السلطان التركي، ومنها الأمة العربية.
وكانت الخديعة الكبرى التي انزلقت فيها الشعوب العربية تحت شعار التحرر القومي، والتي انتهت بهم إلى التجزئة، وكانت هذه الخديعة سلّماً للمستعمرين حقق لهم فرصتهم الذهبية لفرض حكمهم المباشر على المجزءات العربية، فحكموها وأمعنوا في تجزئتها متابعة منهم للخط القومي الضيق، الذي يفصل هذه الأمة عن وطنها الأم الكبير، ألا وهو الوطن الإسلامي الواحد في مبادئه وعقائده وشرائعه وعاداته وتاريخه الطويل المجيد، وأسرع أعداء الإسلام يتناهبون التركة التي خلّفتها الخلافة الإسلامية بعد قتلها.
ووقعت المصيبة التي دبرها للمسلمين أعداؤهم، وتحققت النتيجة التي كان قد ذكرها من قبل الكولونيل (لورانس) في عام ١٩١٦م إذ قال في تقريره للمخابرات البريطانية: "إن أهدافنا الرئيسة تفتيت الوحدة الإسلامية بدحر الامبراطورية العثمانية وتدميرها، وإذا عرفنا كيف نعامل العرب فيسبقون في دوامة الفوضى السياسية داخل دويلات صغيرة حاقدة متنافرة غير قابلة للتماسك".
٢- وكان من هذه الوسائل أيضاً العمل على تأسيس الأحزاب القومية الضيقة
стр. 338
حيناً، والواسعة حيناً آخر، فمن الضيقة: الأحزاب التي أخذت تنادي بفكرة القومية السورية مثلاً، ومن الواسعة: الأحزاب التي حملت شعار القومية العربية، وكثيرٌ منها مؤسس في جذوره العميقة على خدمة أغراض أعداء الإسلام، وإبعاد الجماهير العربية عنه.
وقد تم تركيز الهدف في هذه الخطة على الأجيال المثقفة بالثقافات المعاصرة، وعلى أبناء الطوائف المنعزلة ضمن جسم المجتمع الإسلامي الكبير.
٣- وكان من هذه الوسائل استئجار كبار الكتاب والمفكرين وأصحاب الأقلام لإثارة النزعات القومية، التي إذا اتسعت شملت الأمة العربية، وإذا ضاقت كانت منحصرة في إقليم خاص، كالفرعونية، والسورية.
٤- وكان من هذه الوسائل أيضاً بث الإشاعات الكاذبة، التي تثير في الجماهير العصبيات القومية، وتحكم بناء الحاجز الكثيف بين أبناء القوميات المختلفة وأبناء شعوب القومية الواحدة الذين يدينون بشريعة الإسلام.
٥- وكان من هذه الوسائل إحياء الجاهليات القديمة، وتمجيد بطولاتها، ورفع شأن العناصر غير الإسلامية عبر تاريخ المسلمين، والاهتمام بدراسة آدابهم وآداب العصور الجاهلية في الجامعات وما دونها من معاهد ومدارس للصدّ عن الإسلام والمسلمين، وغرس فسائل الولاء لغيرهم في نفوس أبناء وبنات المسلمين.
ولم يتنبه معظم المسلمين إلى هذه المخططات المحكمة الدسائس حتى وجدوا أنفسهم فريسة تنشب فيها مخالب أعدائهم وأعداء دينهم.
стр. 339
(٢) مغالطة جدلية
قامت مغالطة جدلية حول القومية والإسلام، وكانت محكمة التركيز من قبل العدو الغازي، وقد اعتمدت هذه المغالطة على مجموعة من الأسئلة أهمها الأسئلة التالية:
١- هل القومية تتعارض مع الإسلام؟
٢- هل حارب الإسلام القوميات؟
٣- هل نستطيع أن نتعايش مع من لا يدينون بالإسلام من العرب؟ وأشباه هذه الأسئلة:
وقد انطوت هذه الأسئلة على مكر شديد، يعتمد على المغالطة في المفاهيم، وذلك لأن القومية كما يريدها أعداء الإسلام في قلوب المسلمين، ومثلهم بالنسبة إليها وبالنسبة إلى المفاهيم الأخرى المضادة للإسلام، كمثل من يأتي إلى كأس مملوءة لبناً خالصاً سائغاً للشاربين، فيطرح فيها حصاة فحصاة، وحفنة فحفنة من الرمل، ليخرج من اللبن بمقدار ما طرح فيها من رمل أو حصى، حتى يملأها بما يريد فتفرغ آلياً مما لا يريد وهذا ما يغذون به أتباعهم وحملة فكرتهم، ولكنهم عند الجدل مع المسلمين يغالطون في المفهوم الذي أرادوه للقومية، وينتحلون مفهوماً آخر يقره الإسلام، ولا يتعارض معه، ليظفروا بسكوت المسلمين عنهم وعدم مقاومتهم لفكرتهم.
أمام مفهوم القومية الذي يريدونه، ويوسوسون به إلى أتباعهم وحملة فكرتهم، فهو يعتمد على عناصر عصبية عرقية، تكتفي بأن تجمع الأفراد المنتسبين إليها على أساس العرق، وحينما صدمتهم حقيقة الكيان الإنساني، وأنه ليس مجرد كائن جسدي تحكم الصلة العرقية رباطه، أضافوا إلى مفهوم الصلة على أساس العرق مفهوم الاشتراك في لغة التخاطب، ومفهوم الاشتراك في التاريخ، ومفهوم الاشتراك في المشاعر من آلام وآمال.
وعند كلامهم على الاشتراك في التاريخ يحاولون أن يحبوا التاريخ القومي
стр. 340
قبل الإسلام، وأن يجعلوا له لوناً من ألوان المجد، وقد يستشهدون ببعض الأبطال من المسلمين، ولكن في أحوال نادرة وللتمويه بذكرهم، ومع ذلك فهم لا يستشهدون بهم على أساس كونهم حملة رسالة ربانية، وإنما يستشهدون بهم على أساس أنهم ينتسبون من الناحية العرقية للقومية الخاصة. ويحاولون أيضاً أن يميتوا كل مجد كان بسبب الإسلام، ويوسعون الدائرة في ضرب أمثلة من قوميين غير مسلمين، ويحاولون أن يلبسوهم تيجان مجد علمي أو أدبي أو بطولي لا يستحقونه في مقاييس المقارنات المادية.
وعند كلامهم على الاشتراك في المشاعر بين أتباعهم يذكرون لهم آلام التفرقة على أساس الدين، وآلاماً تاريخية أصابت القومية بسبب تسلط قومية أخرى عليها باسم الإسلام، وقد يدمجون فيها آلام تسلط المستعمرين على البلاد، ويدخلون في ضمن المستعمرين كل من حكم القوم من غيرهم مسلماً كان أو غير مسلم.
وكل هذه المفاهيم التي يبثونها بمكر بالغ تزاحم في نفوس ملتزميها الجاهلين أو الغافلين العقيدة الإسلامية، وتحل محلها، فيمسي ملتزمها فارغاً من الإسلام ممتلئاً بها، وحينما يكتشف بالتطبيقات المتتابعة أنها تعارض الإسلام من أساسه، ويجد نفسه فارغاً من كيان فكري أصيل، ومنغمساً في شهوات آسرة لا يرضاها الإسلام، يضطر أن يسلك مسلك الإلحاد بالله، واللجوء إلى مذاهب إنسانية أخرى منسجمة مع مسلك الإلحاد، لتملأ فراغه النفسي والفكري، أو يرده وجدانه إلى الحق، فيرفضها ويعود إلى حظيرة الإسلام.
أما مفهوم القومية الذي لا يتعارض مع الإسلام، ويغالط أعداء الإسلام به، فهو المفهوم الذي يدل عليه قول الله تعالى في سورة (الحجرات/٤٩ مصحف/١٠٦) :
﴿
ياأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُواْ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ .
فالاختلاف بين الناس على أساس الذكورة والأنوثة شيء اقتضته سنة الله في التناسل وتوزيع الخصائص في الحياة، والاختلاف بين الناس على أساس
стр. 341
الشعوب والقبائل شيء اقتضته طبيعة التقسيم للتعارف فقط، لا ليكون أساساً للتناكر والتخالف والعصبيات.
وفكرة الجماعة الإنسانية في الإسلام يحددها صدر الآية: ﴿ياأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾ أي فكلكم من عرق واحد، ويحددها أيضاً قول الرسول: "كلكم لآدم وآدم من تراب" وغير ذلك من نصوص كثيرة.
وقد استطاع الغزاة وأجراؤهم أن يفجِّروا في صفوف المسلمين بهذه المغالطة الدائرة حول القومية والإسلام قنبلة ماكرة من قنابل التحويل الاعتقادي، وقد استطاعوا أن يستروا هذه القنبلة أول الأمر بالعقلانيات والفلسفات والغيبيات التي ليس لها أساس صحيح.
(٣) موقع الشعب العربي بين الشعوب الإسلامية الأخرى
اختار الله الأمة العربية لتقوم بدور تاريخي تحمل فيه مجد الإسلام، وتحتل فيه الصف الأول الذي يقود معركة تحرير الإنسان من الوثنيات الفكرية والظلم الاجتماعي، وبناء حقيقة الإيمان بالله في عقول الناس وقلوبهم، وإقامة شرائعه التي أنزلها على رسوله محمد، واختار اللغة العربية لينزل بها كتابه المعجز الخالد، الذي تكفل بحفظه وصيانته من أن تعبث به أيدي التغيير والتحريف.
كان هذا الاختيار الرباني بينما كانت الأمة العربية في وضع فكري واجتماعي يجعلها أبعد ما تكون عن مسايرة ركب الحضارات التي كانت عليها الأمم الأخرى، فضلاً عن أن تقود الأمم إلى حضارة عظمى، هي في مركز القمة بين الحضارات المختلفة الفكرية والواقعية.
وتمت معجزة التحويل المفاجئ التي أجراها الله على يد خاتم رسله محمد صلوات الله عليه، فاجتمع متفرق الشعب العربي بسرعة تاريخية مذهلة، وارتقى في سلم المعرفة، واحتل مركز القيادة، وامتد على قلة عدده وعُدده فاتحاً العالم بحضارته الجديدة، التي كان دوره فيها مطبق التعاليم الإلهية، لا دور
стр. 342
مبتكر النظم، ومجرب الحياة، وانطلق باذلاً كل طاقاته، مستمداً من الله التأييد والعون والنصر، وكان له مجد هذا الاصطفاء الرباني، إنه اصطفاء بالرسالة، إذ اختار الله من هذا الشعب خاتم رسله، واصطفاء بالكتاب، إذ أنزل بلغة هذا الشعب خاتمة كتبه للناس، واصطفاء بالقيادة، إذ جعل من هذا الشعب المسلمين الأولين الذين احتلوا الصف الأول الذي قاد حركة الفتوحات في دنيا الناس، وأخذ أول جائزة من جوائز شرف الشهادة على الناس بتبليغ شريعة الله للناس بعد الرسل، فكانوا أول من تحقق فيهم قول الله تعالى في سورة (البقرة/٢ مصحف/٨٧ نزول) :
﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً....﴾
فيأتون يوم القيامة شهداء على الناس بتبليغ دين الله، ويأتي الرسول شهيداً عليهم، ويأتي رسول كل أمة سلفت فيشهد عليها.
هذه هي حقيقة الأمة العربية، ولكن حاول دعاة القومية من أعداء الإسلام أن يحوروا هذه الحقيقة، فيجعلوا كل المجد الذي نالته الأمة هو ما ظفرت به من دولة كبرى وتقدم حضاري مادي، وأن يجعلوا ذلك ثمرة من ثمار القومية العربية، بمعنى أن العناصر العرقية الراقية، التي كانت أيام الجاهلية هي التي تفاعلت فأنتجت قائداً عبقرياً هو محمد، الذي استطاع في دوره التاريخي أن يقود هذه الأمة إلى مجد تاريخي وباستطاعة هذه العناصر العرقية المستمرة أن توجد في كل عصر عبقرياً جديداً مثل محمد.
إن هذا الكلام ينطوي على حيلة ماكرة تجذب إليها غرور الشباب، الذي يحلم بأن ينبغ في هذه الأمة قائد مجد جديد، وهذه الحيلة تضيف إلى حلم الشباب المقبول عنصراً جديداً مفسداً، إذ تدس فيه أن يحمل هذا القائد الجديد أسساً عصرية غير الأسس الدينية التي حملها محمد من قبل، وتتسع دائرة هذه الحيلة حتى تجعل رسالة محمد عملاً إنسانياً بحتاً، ويكفر المنخدعون بها برسالة محمد الربانية، ويقبلون أفكاراً زائفة مباينة للحقيقة المماثلة في وجه التاريخ، وفي وجه كل دراسة منصفة تنشد الحقيقة.
стр. 343
ثم يتابع دعاة القومية من أعداء الإسلام تحوير حقيقة الواقع التاريخي للعرب من قبل الإسلام ومن بعد الإسلام، فيحاولون بفلسفاتهم الباطلة المموهة بحيل من زخرف القول أن يقنعوا أتباعهم من الشبان الطائشين بأن القرآن كتاب صنعته الأمة العربية من قبل، بما لديها من عناصر عرقية راقية، وباستطاعة هذه الأمة أن تصنع في كل عصر كتاباً جديداً يناسب ما تتطور إليه العصور، وتدور هذه الشبهة في نفوس الشبان الذين لم يتزودوا من المعارف الإسلامية الصحيحة، وتتمكن في نفوس بعض المغرورين الطامحين المنغمسين في أوحال مغريات أعداء الإسلام، فيحملون هذه الفكرة بحرارة وقناعة واندفاع.
وبعد أن يزحزح أعداء الإسلام بدعوة القومية العقيدة بأن محمداً رسول الله، وبأن القرآن كتاب منزل من عند الله، لا بد أن يسهل عليهم تفسير كل مجد حصل للمسلمين في تاريخهم الطويل بأنه أثر من آثار انطلاقة القومية العربية إلى المجد، بطاقاتها العرقية الأصيلة، التي تمتاز على الأعراق الأخرى بقوى الإبداع والابتكار، وتمتاز عليها بالبطولات.
وبهذه الفلسفة الباطلة، التي لا يدعمها من الواقع دليل تقبله العقول؛ يهيلون آخر كوم ترابي على ما يريدون وأده حياً من إسلام وعروبة معاً، في نفوس الذين يستجيبون لهم.
(٤) تقبّل المبادئ الأخرى بعد التفريغ بفكرة القومية
على إثر وأد الإسلام في نفوس حملة فكرة القومية العربية على الوجه الذي خطط له العدو الغازي، لا بد أن يجد الفرد من هؤلاء القوميين نفسه فارغة من المقومات الفكرية والروحية والنفسية والعاطفية الحقيقية، التي تصلح لأن ترتقي به وبقومه إلى قمة حضارية بين الأمم الأخرى، ذات السبق العلمي، والسبق المدني، والسبق العسكري، والسبق السياسي، إلى مختلف أنواع السبق الذي لا
стр. 344
يستطيع جيله أن يسايرها، بالنظر إلى الإمكانات المادية والبشرية التي يتمتع بها الواقع العربي الحاضر.
وحينما يجد هذا الإنسان القومي نفسه فارغة هذا الفراغ الظامئ الطالب للامتلاء، فإنه سيلجأ ضرورة إلى أن يرتمي في أحضان السابقين من شرقيين أو غربيين، ثم تهون في نفسه نزعة القومية شيئاً شيئاً، وهي التي بها أزاح العدو الغازي الإسلام من قلبه، بعد أن عمل على توهين قيمة الإسلام لديه، وعند ذلك سيصبح أجيراً تابعاً من أجراء أعداء دينه وقوميته معاً.
هذه هي الحيلة الحديثة الخبيثة التي خطط لها أعداء الإسلام في صفوف المسلمين العرب غير العرب، ليجهزوا على الإسلام بسلاح القومية، ثم ليجهزوا على القوميات بأسلحة المبادئ الأخرى التي لا تستطيع القوميات أن تقف أمامها، لأنها غير ذات محتوى فكري ونفسي وسلوكي يستمر مع الزمن، إنما هي عاطفة مؤقتة، ونزوة عابرة، تغري بأهداف براقة وهمية، ثم لا تلبث حقبة مع الزمن حتى ينكشف زيفها، فهي بمثابة الأشكال السحرية التي لا وجود لها إلا في حالة الخداع البصري، الذي يوجده الساحر الماهر بأعماله المؤقتة، وحينما ينتهي الساحر من نفثاته يظهر كل شيء على حقيقته، ويبدو ما كان على ما كان.
ولو أن أعداء الإسلام الذين خططوا لنشر فكرة القومية بين صفوف المسلمين بدأوا بنشر المبادئ المعدة لأن تكون هي الغاية المقصودة بالنشرة لتعثرت كثيراً، ولم تجد لها آذاناً سامعة، لأن الإسلام يمثل الدرع الحصين ضدها في نفوس أكثر المسلمين، وله في نفوسهم من الحجج القوية ما يدحضها، يضاف إلى ذلك تفوق الإسلام عليها بمبادئه الإلهية، التي تضمن للناس أوفر سعادة ترمي إلى تحقيقها النظم الإنسانية الوضعية بحسب ادّعاء أصحابها، مع المحافظة على أرقى فلسفة واقعية إصلاحية عرفها التاريخ، إنها الفلسفة الدينية والخلقية القائمة على أسس الإيمان بالله واليوم الآخر، والإيمان بالحساب والجزاء، والإيمان بشرائع الله لعباده، وهي الشرائع التي أنزلها في كتبه، وأمر رسله بتبليغها، وكلف عباده المؤمنين بالإسلام أن يحملوها ويبلغوها للناس أجمعين.
стр. 345
هذا: وعلى دعاة الإسلام، وعلى كل مسلم عرف الحقيقة، أن يكشفوا للمسلمين هذه الحقائق التي أصبحت سافرة أكثر من أي وقت مضى، بعد أن كشف الأعداء الغزاة كثيراً من الأقنعة التي كانت على وجوههم، وباشروا بتطبيق المخططات السافرة لهدم الإسلام من أساسه، والسير في ركاب النظم والمبادئ التي أعدوها شرقيين أو غربيين للتطبيق على المسلمين.
وأي تهاون في إصلاح ما فسد من فكر أو عمل سيعرض المسلمين في مختلف البلاد الإسلامية إلى الأسر الذليل الدائم في أيدي أعدائهم ويعرض دينهم ودين ذراريهم وأجيالهم القادمة إلى الزوال.
ومتى صدق المسلمون مع الله، وعملوا بما فرض عليهم من جهاد بالقول والمال والعمل أيدهم الله بنصره على أعدائهم، وما النصر إلا من عند الله.
(٥) الأمة العربية بعد الإسلام وقبله
لست أنكر أني عربي، فالعربية تجري في دمي ولحمي وعظمي، ولا أعرف من عرقي إلا أني عربي، إن جسدي يتصل بها نسباً وعرقاً، ولساني يتصل بها لغةً ونطقاً، أما أفكاري وعقائدي وما استقام من سلوكي فلا تمت إلى العربية الجاهلية بصلة، إنها هبة إسلامية، لم تعمل الأمة العربية فيها غير حسن التلقي، وحسن الاتباع، ودقة التبليغ، وحماسة النشر والتعليم على شعوب الأرض.
ويريد أعداء الإسلام أن ينفثوا في نفسي وفي نفوس الشعب العربي المسلم قناعة بأن الإسلام بمبادئه وعقائده وشرائعه وأخلاقه وكمال دعوته قد كان صناعة عربية.
وهل يصح في مقاييس العقول السليمة إنكار الحقائق التاريخية، التي تؤكدها كل الدلائل، وتثبتها جميع البراهين الفكرية والواقعية؟.
أي مجد كان للعرب قبل أن يصنع الإسلام منهم أمة قائدة رائدة؟ نظرتُ في التاريخ فوجدت أن عروبة عمر بن الخطاب أثبت ألف مرة من عروبة دعاة
стр. 346
القومية العربية الأدعياء في هذا العصر، ومع ذلك فإن عمر بن الخطاب يقول: "نحن قوم أعزنا الله بالإسلام فمهما ابتغينا العز بغير ما أعزنا الله أذلنا الله" وقد أقر عمر بن الخطاب على مقالته هذه سائرُ العرب الأقحاح، في عصره وبعد عصره، وهم الذين أسسوا للأمة العربية مجداً تاريخياً لم تحلم أمة من الأمم بمثله. لقد أقروه على ذلك، وما كانوا ليقرُّوه على خطأ، في حين أن امرأة استطاعت أن تراجعه في قضية المهور وهو على منبر الإسلام، وهو خليفة المسلمين، فأعلن في الحال كلمته المشهورة: "أصابت امرأة وأخطأ عمر، لولا امرأة لهلك عمر".
وأدعياء العروبة اليوم، الذين لا يعرف لهم نسب متصل بالأمة العربية يريدون أن ينقضوا هذه الحقيقة التاريخية، التي أعلنها جيل الأمة العربية الذي عاصر الجاهلية والإسلام، وأعلنتها بقية الأجيال العربية التي توالدت من بعده.
أما الأجيال العربية الجاهلية التي كانت قبل الإسلام فلم يتهيأ لها مجد أصيل يصح أن يفتخر به حتى تعلنه، غير بعض تقاليد وعادات حسنة متناثرة في مجتمعاتهم ورثوها عن الدين الرباني الذي جاءهم به من قبل إسماعيل بن إبراهيم ﵉.
إن الأمة العربية قد كانت وصارت كما وصف الله في كتابه بقوله تعالى في سورة (آل عمران/٣ مصحف/٨٩ نزول) :
﴿وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَآءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُمْ مِّنْهَا كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ .
وكما وصف الله في كتابه بقوله في سورة (الأنفال/٨ مصحف/٨٨ نزول) :
﴿وَاذْكُرُواْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾
لقد كان واقع الأمة العربية في الجاهلية قبل الإسلام يتلخص بالعناصر التالية:
стр. 347
١- العداء بين القبائل والبطون العربية، وقد كان هذا العنصر عاملاً أساسياً من عوامل استمرار الحروب بين القبائل، والتي كانت تثيرها أحداث تافهة صغيرة.
٢- تخلف سكان الجزيرة العربية اقتصاديا في مختلف المجالات الزراعية والصناعية، الأمر الذي جعلهم يركزون جل اعتمادهم على الثروة الحيوانية، وهذه مرتبطة ارتباطاً تاماً بعوامل الجدب والخصب، وقد أدى التخلف الاقتصادي إلى الفقر الذي ورَّثهم دوافع الغزو لتحصيل وسائل العيش.
٣- تخلفهم الحضاري، الذي جعلهم مستضعفين في الأرض ومطمعا للإمبراطوريات المجاورة للجزيرة العربية، ونهباً مقسَّماً بينها، وتمثلها في تلك العصور الإمبراطوريات الثلاث، الفارسية والرومانية والحبشية.
٤- انتشار العقائد الوثنية، والخرافات التي ليس لها أصل فكري يدعمها، وانتشار الفوضى الأخلاقية والاجتماعية، التي تعيش على النظم البدائية القبلية، وتأبى أن تخضع لنظام مدني حضاري عام، إلا بعض الأخلاق والعادات الكريمة النبيلة، وبعض أثارة دينية موروثة من ديانة إسماعيل ﵇، ومكتسبات قليلة آتية من الديانتين النصرانية واليهودية، اللتين كان لهما وجود غير واسع في الجزيرة العربية.
وهذا الواقع هو الذي وصفه الله بقوله: ﴿وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُمْ مِّنْهَا﴾ .
ولما جاء الإسلام، وجمع هذه الأمة على مبادئه السامية، وألف بين قلوبها استطاعت أن تتحول من واقعها المتخلف، وترتقي بسرعة تاريخية مذهلة إلى قمة المجد الرفيع.
وفي حال الأمة العربية قبل الإسلام وبعده قلت:
بماذا تفخر العربية الجاهلية؟؟!!..
مَنْ كان قبل محمد في قومنا نحن العرب
стр. 348
علماً نفاخر فيه عند ذوي المفاخر في النسب
الشامخين بعرقهم ممن تحضر أو غلب؟؟
أفبالملوكِ يتوجون بقصر قيصر ذي المكان؟
أم بالملوك يتوجون بقصر كسرى ذي الإوان
أم بالمؤدين الضريبة للنجاشي في هوان؟
وجميعهم مستأجرون
مستخدمون مذللون
وفق الأوامر يحكمون
ومراسم التمليك تصنع خارجاً وهناك بالإذلال تمهر.
أبذاك نفخر؟
* * *
من كان قبل محمد في قومنا نحن العرب
علماً نفاخر فيه عند ذوي المفاخر في النسب
الشامخين بعرقهم ممّن تحضّر أو غلب؟؟!!
أبأنّ أبرهة الأمير على الجنوب المستبدّ
القائد الحبشي عاث بأرض قومي لم يُردّ
وأراد هدم أجلّ بيت عند قومي واستعدّ؟
أبضعفهم عن ردّه
وبعجزهم عن صدّه
حتى دنا من قصده؟؟
لولا تدارُك ربّ هذا البيت يحفظ بيته لرمى ودمّر
أبذاك نفخر؟
* * *
من كان قبل محمد في قومنا نحن العرب
علماً نفاخر فيه عند ذوي المفاخر في النسب
الشامخين بعرقهم ممّن تحضّر أو غلب؟؟!!
стр. 349
أبعنترٍ وهو الذي ما قاد نحو الفتح جيشاً؟
أم بالقبائل في الخيا وكلها لم تعلُ عرشاً؟
أم بالحروب استقطبت أسبابها جملاً وكبشا؟
وعموم قومي جاهلون
لا يقرأون ويكتبون
مستضعفون مشتتون
إن تُذكر الدور الكبار أو الصغار فإن قومي ليس تذكر
أبذاك نفخر؟
* * *
من كان قبل محمد في قومنا نحن العرب
علماً نفاخر فيه عند ذوي المفاخر في النسب
الشامخين بعرقهم ممّن تحضّر أو غلب؟؟!!
أفبالعلوم ولم يكن منها لهم وفْرُ النصيب؟
أم بالصناعة وهي عنهم كالشروق مع المغيب؟
أم بالبناء وما لهم أثرٌ تسجله الشعوب؟
أبأنهم لا يحسبون؟
ويهود فيهم يرتعون
كم يسلبون وينهبون!!
متعلّلين بأنهم إن يسلبوا قومي فما في الأمر منكر
أبذاك نفخر؟
* * *
من كان قبل محمد في قومنا نحن العرب
علماً نفاخر فيه عند ذوي المفاخر في النسب
الشامخين بعرقهم ممّن تحضّر أو غلب؟؟!!
أبوأد بنتٍ طفلة لم تقترف ذنب الكبار؟
стр. 350
وتعصّب مستسخف لا عقل فيه ولا ادّكار؟
وبهضم حقّ للنساء وهضم حقّ للصغار؟
أم بالعبيد المحقرين
في غير حرب يؤسرون
هم بالعذاب يُسَخّرون؟
من يدعُ منهم للهدى والعدل بين الناس يزجر
أبذاك نفخر؟
* * *
من كان قبل محمد في قومنا نحن العرب
علماً نفاخر فيه عند ذوي المفاخر في النسب
الشامخين بعرقهم ممّن تحضّر أو غلب؟؟!!
أبأنهم كانت لهم عزّى وكان لهم هبل؟
أبأنهم قد أشركوا بالله أحجار الجبل؟
أم أنّ من أربابهم تمراً إذا جاعوا أكل؟
وبذاك كانوا يفخرون
وإلى الضلالة يهرعون
ومع الجهالة يسخرون
من نفحة قدسية للناس تدعوهم إلى: الله أكبر
أبذاك نفخر؟
* * *
من كان قبل محمد في قومنا نحن العرب
علماً نفاخر فيه عند ذوي المفاخر في النسب
الشامخين بعرقهم ممّن تحضّر أو غلب؟؟!!
أبقوم لوط؟ أم بمدين؟ أم بعادٍ؟ أم ثمود
وجميعهم بادوا بما اقترفوا وما اجترحوا الفساد
стр. 351
فانظر بلاداً دمّرت أو نكّست بين البلاد
واستنطق الآثار
واسأل رسوم الدار
وابحث عن الدِّيار
واستقرئ التاريخ عنهم تلقهم عبّاد معصية ومنكر
أبذاك نفخر؟
* * *
لا. لا والكتاب ومن أتمّه *** وأتى به للناس رحمة
وأظلّ دنيانا بنعمةٍ *** ما فوقها في الكون نعمة
بنبينا أحمد
القائد المفرد
المرسل الأمجد
الطيّب المحتد....صلّى عليه الله
* * *
ما كان قبل محمد في قومنا نحن العرب
مجدٌ نفاخر فيه إلا أن نلفّق بالكذب
حاشا سليل المجد إسماعيل صهرهمو الأحب
وأثارة من حكمة عنه استقرّت في العرب
نحن بني العرب على طول المدا
ما جاءنا يوم ونلنا سؤددا
إلا بإسلام حمانا وهدى
تاريخنا ومجدنا لقد بدا
مذ أرسل الله لنا محمداً.... صلّى عليه الله.
* * *
стр. 352
الفصْل الحَادي عشر أعمال الغزَاة ضِدّ اللغةِ العربيَّة
١- مقدمة عامّة حول أهمية اللغة.
٢- الاستعمار ومحاربته للعربية الفصحى.
٣- الدعوة إلى نشر العاميّات واللهجات الإقليمية، واعتبارها لغة العلم والأدب والفن.
٤- نظرة تاريخية إلى حركة التحويل عن الفصحى.
٥- ردود على مزاعم خصوم الفصحى.
٦- دغدغة العواطف القومية القديمة للتحويل عن العربية الفصحى.
٧- مزاعم إصلاح رسم الخطّ العربي.
٨- غزو الفصحى عن طريق العبث بقواعدها.
٩- غزو اللغة العربية بالمفردات الأجنبية الدخيلة.
١٠- طلائع المستجيبين لمكيدة إحلال العاميات محلّ الفصحى.
١١- نحن والغزاة.
стр. 353
(١) مقدمة عامة حول أهمية اللّغة
تتمثل اللغة في الأمة الناطقة بها الصورة التعبيرية الثابتة لثرواتها الفكرية والحضارية والدينية، وذلك لأن تداول الخاطرة العلمية لدى أمة من المم هو الذي يملي عليها الصيغة التعبيرية الملائمة، كما أن تداول الصور الحضارية بينها - سواء أكانت مشاعر وجدانية أو آداباً اجتماعية أو منتجات مادية - لا بد أن يملي عليها ألواناً من الصيغ الكلامية، التي تستطيع أن تكون بها دقيقة التعبير عن مشاعرها، وآدابها، ومنتجاتها، يتولى ذلك النخبة الممتازة من أصحاب المهارات الفكرية والقدرات اللسانية، القادرين على تطوير الأوضاع اللغوية، وابتكار ألوان التعبير، ذات الدلالات الدقيقة الرائعة على المراد.
كما أن تداول الحقائق الدينية - سواء كانت أفكاراً ومبادئ عقلية أو وجدانية، أو كانت تشريعاً عملياً، أو أخلاقاً وآداباً، أو أخباراً وأنباءً، أو تنبؤات بما سيأتي - لا بد أن يملي عليها أيضاً ألواناً أخرى من المفردات والصيغ التعبيرية الدينية، التي تستوعب المعاني المرادة، وتدل عليها دلالات صحيحة.
وهذه الصيغ التعبيرية المؤلفة من حروف الهجاء والمفردات والجمل والقواعد والأساليب البيانية هي التي تتكون منها لغة الأمة التي تنطق بها، وتعطي صورة حالية عنها، وصورة ثابتة عن تاريخها.
ونستطيع لدى التحليل أن نقول: إن اللغة هي الجزء المشترك من كيان الأمة، وهي الوطن المعنوي الواحد لحركة اللسان المعبرة عن حركة الفكر والنفس والوجدان، وهي في هذا تشبه حدود الأرض التي تحوي داخل محيطها
стр. 354
الوطن المادي لحركة جسم كل فرد من أفراد الأمة، إذ يعبر بذلك عن مطالبه الفكرية والنفسية والوجدانية، وعن آماله وتطلعاته لنفسه وأهله وذرياته وأمته.
ولذلك نجد الباحثين يلجأون إلى اللغة ليستنبطوا منها خصائص أمة من الأمم، كلما عجزت الدلائل الأخرى عن أن تعطيهم صورة صحيحة عنها.
ورقي لغة من اللغات عنوان رقي الأمة الناطقة بها، كما أن انطاط لغة من اللغات عنوان انحطاط الأمة الناطقة بها، والثروة العلمية والثقافية والأدبية والفنية، التي تقدمها لغة من اللغات، متمثلة فيما أنتجه العلماء والمثقفون والأدباء الناطقون بها، أعظم مجد يتمتع به تاريخها الذي يكسو الأمة صاحبة هذه اللغة بحلل من المجد العلمي والحضاري.
ولدى البحث المقارن في تاريخ اللغات العالمية نلاحظ أن للعربية الفصحى أكبر نصيب عرفته لغة واسعة الانتشار في العالم، منذ فجر التاريخ حتى عصر النهضة الأوروبية الحديثة. تشهد بذلك هذه الكنوز العلمية والثقافية والحضارية الدينية والمدنية، المنبثة في المكتبة الإسلامية العربية الجامعة لعشرات الألوف من المؤلفات الضخمة النافعة، في شتى العلوم ومختلف الفنون والآداب، والتي يقع في منزلة الرأس منها كتاب الله المنزل، ثم من دونه كلام الرسول العربي محمد صلوات الله عليه، ثم تأتي ذخائر الكتب النفيسة التي تستطيع أن تتوج الأمة الإسلامية والعربية بتاج المجد العظيم بين أمم الأرض.
ومع الحزن الذي يقرّح الفؤاد نجد أن هذه الأمة قد وصلت إلى مرحلة تاريخية رمت فيها هذا التاج العظيم عن رأسها، وذلك بأسباب شتى، بعضها قد كان من إهمالا وتقصيرها، وبعضها قد كان من الغزو المركز المحكم الذي تداهمها به جيوش أعداء الإسلام، المسلحة بالأسلحة الحديثة المشحونة بدهاء ومكر شديدين.
لقد أدرك أعداء الإسلام أن الشعوب الإسلامية ما دامت على صلة وثيقة باللغة العربية، فإنها ستظل مرتبطة بالإسلام وبالقرآن، وستظل متمسكة بفكرة الوحدة الإسلامية الكبرى.
стр. 355
ومن أجل ذلك أخذ أعداء الإسلام يوجهون مختلف القوى، ويتابعون ألوان الجهود، ويتخذون شتى الوسائل الممكنة لهم، لصد الشعوب الإسلامية عن اللغة العربية، وصرف الشعوب العربية عن اللغة العربية الفصحى، وتغذية اللهجات الإقليمية المحلية، وتشجيع أبناء الشعوب الإسلامية على أن تكون لغاتها المحلية ولهجاتها الإقليمية العامية البعيدة كل البعد عن اللغة العربية الفصحى هي اللغات المستعملة في كتاباتها المتنوعة، في العلوم والفنون والآداب والمعاملات وسائر ما يحتاج فيه إلى الكتابة والتسجيل، وتشجيعها أيضاً على هجر رسم الكتابة العربية، ووضع الحروف اللاتينية موضعها، أو إحداث رسم جديد بعيد عن الرسم العربي، الذي يضم نفائس الثروات العربية الإسلامية في شكله المختصر الجميل، وإن كان فيه بعض الصعوبة التي لم تكن في يوم من الأيام عائقاً عن الانطلاق في ميادين المعرفة، على أن هذه الصعوبة أقل من الصعوبات التي يعانيها مثلاً متعلم اللغة الإنكليزية ذات الرسم الحفظي، الذي لا تطابق فيه بين الرسم والنطق في كثير من مفرداتها.
ولكن الخطة المدبرة تهدف إلى محاربة الإسلام عن طريق تقليص ظل اللغة العربية الفصحى عن المسلمين، فهل يكون المسلمون على بصيرة مما يدبّر ضدهم، فيحذرون من خطط أعدائهم وأعداء دينهم.
(٢) الاستعمار ومحاربته للعربية الفصحى
منذ دخلت القوات الاستعمارية عدداً كبيراً من البلاد الإسلامية، والدوائر الاستعمارية على اختلاف اتجاهاتها السياسية، وتباين مصالحها، ما فتئت تعمل على محاربة اللغة العربية الفصحى بمختلف الوسائل، بغية إبعاد شعوب هذه البلاد عن مصادر الشريعة الإسلامية، وفي مقدمتها القرآن الكريم والسنة المطهرة، ثم كتب التفسير والفقه، ومن ورائها سائر كتب العلوم الإسلامية والعربية، وذلك في خطتها لمحاربة الإسلام وهدم وحدة المسلمين.
ويقوم اليهود في إسرائيل وأجراؤهم في غيرها بالدور نفسه الذي قامت به الدول الاستعمارية.
следующие страницы →