Полный текст (750 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
فانظر بلاداً دمّرت أو نكّست بين البلاد
واستنطق الآثار
واسأل رسوم الدار
وابحث عن الدِّيار
واستقرئ التاريخ عنهم تلقهم عبّاد معصية ومنكر
أبذاك نفخر؟
* * *
لا. لا والكتاب ومن أتمّه *** وأتى به للناس رحمة
وأظلّ دنيانا بنعمةٍ *** ما فوقها في الكون نعمة
بنبينا أحمد
القائد المفرد
المرسل الأمجد
الطيّب المحتد....صلّى عليه الله
* * *
ما كان قبل محمد في قومنا نحن العرب
مجدٌ نفاخر فيه إلا أن نلفّق بالكذب
حاشا سليل المجد إسماعيل صهرهمو الأحب
وأثارة من حكمة عنه استقرّت في العرب
نحن بني العرب على طول المدا
ما جاءنا يوم ونلنا سؤددا
إلا بإسلام حمانا وهدى
تاريخنا ومجدنا لقد بدا
مذ أرسل الله لنا محمداً.... صلّى عليه الله.
* * *
стр. 352
الفصْل الحَادي عشر أعمال الغزَاة ضِدّ اللغةِ العربيَّة
١- مقدمة عامّة حول أهمية اللغة.
٢- الاستعمار ومحاربته للعربية الفصحى.
٣- الدعوة إلى نشر العاميّات واللهجات الإقليمية، واعتبارها لغة العلم والأدب والفن.
٤- نظرة تاريخية إلى حركة التحويل عن الفصحى.
٥- ردود على مزاعم خصوم الفصحى.
٦- دغدغة العواطف القومية القديمة للتحويل عن العربية الفصحى.
٧- مزاعم إصلاح رسم الخطّ العربي.
٨- غزو الفصحى عن طريق العبث بقواعدها.
٩- غزو اللغة العربية بالمفردات الأجنبية الدخيلة.
١٠- طلائع المستجيبين لمكيدة إحلال العاميات محلّ الفصحى.
١١- نحن والغزاة.
стр. 353
(١) مقدمة عامة حول أهمية اللّغة
تتمثل اللغة في الأمة الناطقة بها الصورة التعبيرية الثابتة لثرواتها الفكرية والحضارية والدينية، وذلك لأن تداول الخاطرة العلمية لدى أمة من المم هو الذي يملي عليها الصيغة التعبيرية الملائمة، كما أن تداول الصور الحضارية بينها - سواء أكانت مشاعر وجدانية أو آداباً اجتماعية أو منتجات مادية - لا بد أن يملي عليها ألواناً من الصيغ الكلامية، التي تستطيع أن تكون بها دقيقة التعبير عن مشاعرها، وآدابها، ومنتجاتها، يتولى ذلك النخبة الممتازة من أصحاب المهارات الفكرية والقدرات اللسانية، القادرين على تطوير الأوضاع اللغوية، وابتكار ألوان التعبير، ذات الدلالات الدقيقة الرائعة على المراد.
كما أن تداول الحقائق الدينية - سواء كانت أفكاراً ومبادئ عقلية أو وجدانية، أو كانت تشريعاً عملياً، أو أخلاقاً وآداباً، أو أخباراً وأنباءً، أو تنبؤات بما سيأتي - لا بد أن يملي عليها أيضاً ألواناً أخرى من المفردات والصيغ التعبيرية الدينية، التي تستوعب المعاني المرادة، وتدل عليها دلالات صحيحة.
وهذه الصيغ التعبيرية المؤلفة من حروف الهجاء والمفردات والجمل والقواعد والأساليب البيانية هي التي تتكون منها لغة الأمة التي تنطق بها، وتعطي صورة حالية عنها، وصورة ثابتة عن تاريخها.
ونستطيع لدى التحليل أن نقول: إن اللغة هي الجزء المشترك من كيان الأمة، وهي الوطن المعنوي الواحد لحركة اللسان المعبرة عن حركة الفكر والنفس والوجدان، وهي في هذا تشبه حدود الأرض التي تحوي داخل محيطها
стр. 354
الوطن المادي لحركة جسم كل فرد من أفراد الأمة، إذ يعبر بذلك عن مطالبه الفكرية والنفسية والوجدانية، وعن آماله وتطلعاته لنفسه وأهله وذرياته وأمته.
ولذلك نجد الباحثين يلجأون إلى اللغة ليستنبطوا منها خصائص أمة من الأمم، كلما عجزت الدلائل الأخرى عن أن تعطيهم صورة صحيحة عنها.
ورقي لغة من اللغات عنوان رقي الأمة الناطقة بها، كما أن انطاط لغة من اللغات عنوان انحطاط الأمة الناطقة بها، والثروة العلمية والثقافية والأدبية والفنية، التي تقدمها لغة من اللغات، متمثلة فيما أنتجه العلماء والمثقفون والأدباء الناطقون بها، أعظم مجد يتمتع به تاريخها الذي يكسو الأمة صاحبة هذه اللغة بحلل من المجد العلمي والحضاري.
ولدى البحث المقارن في تاريخ اللغات العالمية نلاحظ أن للعربية الفصحى أكبر نصيب عرفته لغة واسعة الانتشار في العالم، منذ فجر التاريخ حتى عصر النهضة الأوروبية الحديثة. تشهد بذلك هذه الكنوز العلمية والثقافية والحضارية الدينية والمدنية، المنبثة في المكتبة الإسلامية العربية الجامعة لعشرات الألوف من المؤلفات الضخمة النافعة، في شتى العلوم ومختلف الفنون والآداب، والتي يقع في منزلة الرأس منها كتاب الله المنزل، ثم من دونه كلام الرسول العربي محمد صلوات الله عليه، ثم تأتي ذخائر الكتب النفيسة التي تستطيع أن تتوج الأمة الإسلامية والعربية بتاج المجد العظيم بين أمم الأرض.
ومع الحزن الذي يقرّح الفؤاد نجد أن هذه الأمة قد وصلت إلى مرحلة تاريخية رمت فيها هذا التاج العظيم عن رأسها، وذلك بأسباب شتى، بعضها قد كان من إهمالا وتقصيرها، وبعضها قد كان من الغزو المركز المحكم الذي تداهمها به جيوش أعداء الإسلام، المسلحة بالأسلحة الحديثة المشحونة بدهاء ومكر شديدين.
لقد أدرك أعداء الإسلام أن الشعوب الإسلامية ما دامت على صلة وثيقة باللغة العربية، فإنها ستظل مرتبطة بالإسلام وبالقرآن، وستظل متمسكة بفكرة الوحدة الإسلامية الكبرى.
стр. 355
ومن أجل ذلك أخذ أعداء الإسلام يوجهون مختلف القوى، ويتابعون ألوان الجهود، ويتخذون شتى الوسائل الممكنة لهم، لصد الشعوب الإسلامية عن اللغة العربية، وصرف الشعوب العربية عن اللغة العربية الفصحى، وتغذية اللهجات الإقليمية المحلية، وتشجيع أبناء الشعوب الإسلامية على أن تكون لغاتها المحلية ولهجاتها الإقليمية العامية البعيدة كل البعد عن اللغة العربية الفصحى هي اللغات المستعملة في كتاباتها المتنوعة، في العلوم والفنون والآداب والمعاملات وسائر ما يحتاج فيه إلى الكتابة والتسجيل، وتشجيعها أيضاً على هجر رسم الكتابة العربية، ووضع الحروف اللاتينية موضعها، أو إحداث رسم جديد بعيد عن الرسم العربي، الذي يضم نفائس الثروات العربية الإسلامية في شكله المختصر الجميل، وإن كان فيه بعض الصعوبة التي لم تكن في يوم من الأيام عائقاً عن الانطلاق في ميادين المعرفة، على أن هذه الصعوبة أقل من الصعوبات التي يعانيها مثلاً متعلم اللغة الإنكليزية ذات الرسم الحفظي، الذي لا تطابق فيه بين الرسم والنطق في كثير من مفرداتها.
ولكن الخطة المدبرة تهدف إلى محاربة الإسلام عن طريق تقليص ظل اللغة العربية الفصحى عن المسلمين، فهل يكون المسلمون على بصيرة مما يدبّر ضدهم، فيحذرون من خطط أعدائهم وأعداء دينهم.
(٢) الاستعمار ومحاربته للعربية الفصحى
منذ دخلت القوات الاستعمارية عدداً كبيراً من البلاد الإسلامية، والدوائر الاستعمارية على اختلاف اتجاهاتها السياسية، وتباين مصالحها، ما فتئت تعمل على محاربة اللغة العربية الفصحى بمختلف الوسائل، بغية إبعاد شعوب هذه البلاد عن مصادر الشريعة الإسلامية، وفي مقدمتها القرآن الكريم والسنة المطهرة، ثم كتب التفسير والفقه، ومن ورائها سائر كتب العلوم الإسلامية والعربية، وذلك في خطتها لمحاربة الإسلام وهدم وحدة المسلمين.
ويقوم اليهود في إسرائيل وأجراؤهم في غيرها بالدور نفسه الذي قامت به الدول الاستعمارية.
стр. 356
فمن الوسائل التي اتخذوها لمحاربة العربية الفصحى محاولة صهر الشعوب الإسلامية المغلوبة بالشعوب الغالبة، وذلك بفرض لغة الغازين على أفراد الشعب المغلوب، وقد أخذ فرض لغة الغازين عدة أشكال وصور.
فمن ذلك جعل لغة المستعمرين لغة إجبارية في المدارس منذ المرحلة الابتدائية حتى المرحلة الجامعية فما فوق ذلك، واعتبارها هي اللغة الأولى في البلاد، مع إهمال اللغة العربية، بدعوى أنها لغة وطنية لا تحتاج إلى تعليم واسع، وهم يخلطون في هذا الكلام بين اللغة العامية المنتشرة وبين اللغة العربية الفصحى، لغة القرآن والسنة، ولغة العلوم العربية على اختلافها، لتنطلي الحيلة على أفراد الشعب، فلا يمر على الشعب المغلوب عقود من السنين حتى ينشأ فيه جيل ينطق بلغة المستعمرين، مثلما ينطق بها أهلها، وأما لغته العربية الأساسية فتصبح لغة منسية أو شبه منسية، حتى إذا أراد أن يتكلم بها أخذ يرطن فيها كما ترطن الأعاجم، متعثراً بالحرف والكلمة وبالصياغة والتركيب، بَلْه قواعد النحو والصرف.
ثم يتبع ذلك الإلزام بأن تكون لغة المستعمرين هل لغة دوائر الحكومة، ودواوين الدولة، وهذه الصورة لون من ألوان الإلزام القهري للشعب المغلوب على أمره أن ينسى لغته الأساسية، ويحل محلها لغة الغزاة المستعمرين، ويرافق ذلك حرمان طالب العمل أو الوظيفة مما يطلبه ما لم يكن متقناً للغة الغزاة المستعمرين إتقاناً جيداً، وفي هذا أيضاً لون من ألوان الإكراه على صهر الشعب المغلوب صهراً تاماً، باللغة التي يفرضها عليه غالبوه ومستعمروه.
وهذا ما حصل في بعض البلاد الإسلامية العربية، التي غدت زمرة كبيرة من أجيالها لا تحسن النطق إلا باللغة الأجنبية التي فرضتها عليها الدوائر الاستعمارية، بوسائلها التي تتسم بطابع الإكراه المباشر أو غير المباشر.
ونجم عن ذلك ابتعاد هذه الأجيال ابتعاداً كبيراً عن مصادر الشريعة الإسلامية، حتى صار أحدهم وهو العربي الأصيل لا يحسن تلاوة سورة من سور القرآن الكريم، ولا يحسن قراءة حديث من أحاديث الرسول العظيم، أو قصيدة من الشعر العربي، أو كتاب قد كتب باللغة العربية، مهما كانت عباراته
стр. 357
ومفرداته سهلة لينة مستساغة.
ولولا أن الله أنقذ بعض هذه البلاد بقيام حركات تحويرية ذات طابع إسلامي موصول بالقرآن الكريم، لاستمرت في الخط الموغل في البعد عن الدائرتين الإسلامية والعربية، حتى تكون في يوم من الأيام جزءاً لا يتجزأ من جسم الشعب الغازي، المستعمر بأسلحته ولغته ودينه، ومن أمثلة ذلك ما حاولته فرنسا في الجزائر....
ويمكن تلخيص خطة صهر الشعوب المغلوبة بالشعوب الغالبة بما يلي:
١- جعل التعليم بلغة الشعب الغالب المستعمر إجبارياً في مختلف مراحل التعليم، ولجميع الموالد التعليمية.
٢- إهمال اللغة العربية التي هي اللغة الأساسية للبلاد إهمالاً كلياً أو شبيهاً به، أو جعلها في المراحل الأولى للخطة لغة ثانية لا لغة أولى، ثم التخفيف من شأنها شيئاً فشيئاً، حتى تصل إلى مرحلة الإهمال الكلي.
٣- التنفير من اللغة العربية، بإثارة عبارات الاستهزاء منها، ومن قواعدها، والاستهانة بها، مع الترغيب بلغة المستعمرين، عن طريق تزيينها في النفوس، وتوجيه الدعايات المختلفة لعلومها وفنونها وآدابها، وربط المنافع الاقتصادية والعلمية والسياسية والصلات العالمية بها.
٤- جعل لغة المستعمرين هي اللغة الرسمية لدوائر الدولة المغلوبة ولدواوينها، وكذلك يفعل اليهود في إسرائيل.
٥- حصر الوظائف والأعمال بالذين يتقنون لغة المستعمرين، وتتبع دولة إسرائيل هذه الخطة مع الشعب العربي في فلسطين.
إلى غير ذلك من وسائل أخرى تستخدمها الدوائر الاستعمارية، لصهر ما يريدون صهره من الشعوب بهم صهراً كليَّاً، حتى يفقدوا بذلك كل كيانهم الأصلي الشامل لكيانهم الديني واللغوي والتاريخي.
ويتفق مع الدوائر الاستعمارية في محاربة العربية الفصحى جناحا التبشير والاستشراق، وتؤازر الأجنحة الثلاثة الدوائر الصهيونية والدوائر الماركسية،
стр. 358
وأعوان جميع هؤلاء الأعداء، وأجراؤهم، وأنصارهم، والسائرون في أفلاكهم.
ومهمة المسلمين في مضادّة خطط هؤلاء تتجلى بالحرص على وحدتهم الدينية واللغوية التي تمثلها اللغة العربية الفصحى، لغة القرآن، ولغة رسول الإسلام محمد ولغة الأمجاد الإسلامية العظيمة.
(٣) الدعوة إلى نشر العاميات واللهجات الإقليمية
واعتبارها لغة العلم والأدب والفن
من المخططات التي أعدها الغزاة لإقامة السدود بين الشعوب الإسلامية واللغة العربية الفصحى، اتخاذ مختلف الوسائل لنشر اللهجات العامية الإقليمية، والتشجيع على أن تكون هي اللغة الرسمية في البلاد، والتشجيع على أن يكتب المسلمون بها علومهم وآدابهم وأشعارهم وقصصهم وتواريخهم وعقودهم وسائر معاملاتهم، وأن يهجروا العربية الفصحى نهائياً، بحجة أن معظم الشعب لا يحسنها، وأنه متى انطلق يكتب بلغته العامية الدارجة استطاع أن يبتكر ويبدع، ويساهم مع معظم أفراده في مختلف العلوم والفنون والآداب.
وما هذه الحجج الضعيفة إلا ذرائع كلامية لخطة تهدف إلى تجزئ الشعوب الإسلامية، والشعوب العربية، وإقامة السدود اللغوية بينها، التي ستجعل من الشعب الواحد شعوباً متعددة بمقدار تعدد أقاليمه، حتى ينتهي الأمر إلى أن ينطق سكان كلِّ إقليم منها بلغة خاصة، لا تمتُّ إلى لغة الإقليم الآخر بصلة فعلية إلا صلة الاشتقاق التاريخي من أصل واحد، وهذا سينسى خلال عدد قليل من القرون، ويمسي لكل إقليم لغته وقوميته وتقاليده الخاصة.
ودراسة كثير من اللغات المتعددة في العالم، تعطينا نماذج تطبيقية شتى، للغات مختلفة فيما بينها كل الاختلاف، مع أنها مشتقة في أصلها من لغة واحدة، يمكن أن نُسميها بالنسبة إليها اللغة الأم، ولكن انفصال اللهجات المحلية الإقليمية عن بعضها مضافاً إلى ذلك العامل الزمني الذي طالت فيه مدّة
стр. 359
الانفصال قد أدى إلى تكوّن لغات متباينة، لا يفهم الناطق بأحدها على الناطق بالأخرى.
وقد عرف الأعداء الغزاة هذه الحقيقة لتاريخ اللغات المختلفة بين الشعوب، فرأوا أن يُحدِثوا عزلاً صناعياً ينشأ عنه لغات متعددة لشعب واحد، مماثلاً لظروف الانعزال الطبيعي، الذي نشأ عنه في الأزمان الغابرة لغات مختلفة كل الاختلاف فيما بينها، مع أنها كانت في أصولها واحدة، ولكن انفصال أبناء الشعب الواحد عن بعضهم، وانعزالهم في أقاليمهم، واستمرارهم في تطوير لهجاتهم الإقليمية خلال حقب مديدة من الزمن، قد أدى إلى تكوين عدد كثير من القوميات المختلفة، وعدد كثير من اللغات المختلفة أيضاً.
ومثال ذلك: اللغات السامية المتفرعة عن أصل ساميٍّ واحد، واللغات اللاتينية المتفرعة عن الأصل اللاتيني، وفي الهند ما يزيد على سبعين لغة إقليمية متفرعة عن اللغة الأصلية التي كان سكان الهند الأولون ينطقون بها، ولولا ظل الدولة الإسلامية التي وحدت الهند طوال قرون على اللغة الأردية الغنية بالمفردات العربية لانفصل الهنود إلى قوميات كثيرة بعدد لغاتهم المختلفة، ونجد نظير ذلك في الشعب الأندونوسي.
وقد ظهرت الدعوة إلى العامية داخل البلاد العربية أول ما ظهرت في كتابات عدد من المستشرقين، إذ قدموها في ثياب الناصحين لسكان هذه الأقاليم العربية ليصرفوهم عن لغة القرآن، التي ينبغي أن تجمع المسلمين كلهم ضمن جامعة لغوية ودينية واحدة، فكيف بالشعوب العربية الإسلامية؟!
وقد استطاعوا أن يزينوا كلامهم بوجهين: أحدهما إيجابي في صالح العامية الدارجة على ألسنة العامة، وثانيهما سلبي ضد اللغة العربية الفصحى.
فأعطوا العامية صفة اللين والسهولة، والقدرة على تلبية رغبات جميع الأفراد في التعبير عمّا يخطر في أفكارهم ويختلج في نفوسهم، وألبسوا العربية الفصحى صفات التعقيد والشدة والصعوبة، وعدم تلبيتها لرغبات جميع الأفراد في التعبير عمّا يخطر في أفكارهم ويختلج في نفوسهم.
стр. 360
وتظاهر هؤلاء المستشرقون بثياب الناصحين الشرفاء، إذ زعموا أنهم يريدون للأمة الخير، إذ أن فتح الباب للكتابة بالعامية سيطلق في الأفراد حوافز الاختراع والابتكار، دون أن تقف الضوابط والقواعد التي تشتمل عليها العربية الفصحى عائقاً في طريق تسجيل أفكارهم ونشرها، إلى غير ذلك من هذه المزاعم المغلَّفة بالمكر الشديد، والتي لا تستطيع أن تقف على أرجلها أمام مناظر جدية مخلصة، كما أنها لا تستطيع أن تحقق نفسها لدى التطبيق الفعلي.
فلكل أمة لغة راقية تسجل بها معارفها وعلومها وأفكارها، وهي لا تخلو من بعض الضوابط اللغوية التي تهيئ للمعاني أن تكون مصونة عن التحوير ضمن الألفاظ الكلامية التي تدل عليها، ولها أيضاً لغة دارجة سهلة لينة على الألسنة، يتخاطب أفرادها بها في شؤونهم اليومية، فإذا أرادوا تسجيل شيء من ذلك صاغوه باللغة الراقية المنضبطة، التي تحميها القواعد عن الاختلاف في المعاني.
وهذا لون حضاري رفيع من ألوان الحضارة التي تكسب الأمم مجداً لغوياً راقياً.
(٤) نظرة تاريخية إلى حركة التحويل عن الفصحى
أ- أول من حث على التحول عن الكتابة باللغة العربية الفصحى إلى الكتابة بالعاميات الإقليمية داخل البلاد العربية، المستشرق الألماني الدكتور "ولهلْم سبيتا" وقد كان مديراً لدار الكتب المصرية خلال الثلث الأخير من القرن التاسع عشر، في كنف الاحتلال البريطاني ففي سنة (١٨٨٠م) وضع في ذلك كتاباً سماه "قواعد اللغة العربية العامية في مصر" وقد أورد في هذا الكاب نبذة عن فتح العرب لمصر في سنة (١٩هـ) وانتشار لغتهم بين أهلها، وقضائها على اللغة القبطية، لغة البلاد الأصلية حسبما يرى، والتي لم يبق من آثارها سوى بعض المفردات، وحاول في هذا أن يثير
стр. 361
العنصرية العرقية المصرية ضد اللغة العربية، ثم اختتم مقدمة كتابه بشرح الفكرة التي راودته طويلاً، وهي اتخاذ العامية المصرية لغة أدبية إذ يقول: "وأخيراً سأجازف بالتصريح عن الأمل الذي راودني على الدوام طوال مدة جمع هذا الكتاب، وهو أمل يتعلق بمصر نفسها، ويمس أمراً هو بالنسبة غليها وإلى شعبها يكاد أن يكون مسألة حياة أو موت، فكل من عاش فترة طويلة في بلاد تتكلم العربية يعرف إلى أي حد كبير تتأثر كل نواحي النشاط فيها بسبب الاختلاف الواسع بين لغة الحديث ولغة الكتابة".
ثم أخذ يؤيد فكرته التي دعا إليها بمختلف الأدلة، فتارة بالنَيل من العربية الفصحى، وصعوبة قواعدها وطريقة كتابتها، وأخرى بإعلاء شأن العامية التي يزعم أنه بذل جهداً كبيراً في استنباط القواعد لتنظيمها، حتى يثبت صلاحها للاستعمال الكتابي، ثم يقول:
"وبالتزام الكتابة العربية الكلاسيكية القديمة لا يمكن أن ينمو أدب حقيقي ويتطور، لأن الطبقة المتعلمة القليلة العدد هي وحدها التي يمكن أن يكون الكتاب في متناول يدها، أما بالنسبة إلى جماهير الناس فالكتاب شيء لا يعرفونه بتاتاً، فإذا احتاج رجل عادي من عامة الشعب إلى كتابة خطاب أو تنفيذ وثيقة فعليه أن يضع نفسه وهو مغمض العينين تحت يدي كاتب محترف، ويجب عليه في ثقة عمياء أن يختم أهم الأوراق بختم لا يمكنه أن يقرأه، ومن الممكن تقليده، بل ويقلد في بعض الأحايين".
قال "ولهلْم سبيتا" كلامه هذا إذ كانت الأمية منتشرة يومئذ، فحاول تغشية الحقيقية، بأن نسب التخلف إلى عوامل ذاتية في اللغة العربية الفصحى، لا إلى عوامل أخرى ناشئة عن التخلف الاجتماعي والثقافي العام، الذي كان انتشار الأمية بعض مظاهره، ولو تسنى له الآن أن يطّلع وهو من وراء حجاب الزمن لرأى سيول الأجيال العربية، التي أصبحت بحمد الله وفضله تحسن القراءة والكتابة ضمن قواعد اللغة العربية الفصحى إجمالاً ولرأى أن أكثرهم قد غدا باستطاعته أن يكتب
стр. 362
بها ما يمر في خاطره، وما يختلج في نفسه، من أفكار ومعان علمية وأدبية وقانونية وعاطفية، دون الحاجة إلى المفردات العامية وأساليبها، ولرأى أن اللغة العربية الفصحى هي اللغة المشتركة الجامعة التي تتفاهم بها جميع الشعوب العربية مهما اختلفت لهجاتها الإقليمية المحلية، ولو أن الشعوب العربية قد أخذت بنصيحته التي هم في غنى عنها لكانوا اليوم أشتاتاً، ليس لهم لغة جامعة، ولعاش كل قسم منهم في عزلة تامة عن أخيه، ولأدى الأمر بين الشعوب الإسلامية العربية إلى قريب مما وصلت إليه الشعوب الإسلامية ذات اللغات المختلفة.
وأدرك الدكتور "ولهلْم سبيتا" أن اعتراضات مهمة ستتوجه على مشروعه الخطير، فحاول أن يقدم المبررات التخديرية التي ظن أنه قد يرضي بها الشعور الإسلامية عند المسلمين فقال:
"فلماذا لا يمكن تغيير هذه الحالة المؤسفة إلى ما هو أحسن؟ ببساطة لأن هناك خوفاً من تهمة التعدي على حرمة الدين إذا تركنا لغة القرآن تركاً كلياً".
وقد أجاب على ذلك فقال:
"ولكن لغة القرآن لا يكتب بها الآن في أي قطر، فأينما وجدت لغة عربية مكتوبة فهي اللغة العربية الوسطى، أي: لغة الدواوين، وحتى ما يدعى بالوحدة بين الشعوب الإسلامية لا يمكن أن يقلقها تبني لغة الحديث العامية، إذ أن لغة الصلاة والطقوس الدينية الأخرى ستظل كما هي في كل مكان".
من الظاهر أنه بهذا الكلام قد حاول تخدير العواطف الإسلامية، وذر الرماد في العيون، وذلك لأن الحقيقة التي يعلمها هو بخلاف ذلك، فلو أن العامية قد انتشرت انتشاراً واسعاً، وأبعدت لغة القرآن عن الاستعمال، لأمست لغة القرآن بعد قرون لغة مجهولة تماماً داخل الشعوب العربية، وتتبعها في ذلك الشعوب الإسلامية قاطبة، ولغدت العربية الفصحى شبيهة باللغات اللاتينية أو اليونانية القديمة أو السريانية
стр. 363
غير المفهومة التي يرددها بعض الكهنة في كنائسهم.
إن هذه الفكرة الخبيثة بمثابة خنجر مسموم حاول المستشرقون أن يغمسوه في قلب الإسلام، ولكن الله ﵎ حمى الشعوب العربية من شرها، فقامت النهضات المباركة التي تبنت نشر العربية الفصحى داخل هذه الشعوب، وسارت مع مسيرة محو الأمية وبث المعارف والعلوم المختلفة، ومهما كنا بحاجة ماسة إلى خطوات أخرى واسعة في هذا المضمار، فإن حالة اللغة أصلح بشكل عام من ذي قبل، وإن كان هناك تدن في الخيرة الممتازة من العلماء المتضلعين بالجوانب المختلفة للغة العربية الفصحى.
ب- وأيد المستشرق الألماني "ولهلْم سبيتا" اللورد "دوفرين" في تقرير وضعه عام (١٨٨٢م) دعا فيه إلى هجر اللغة العربية الفصحى، وإحلال العامية المصرية محلها في مصر، واعتبارها حجر الزواية في بناء منهج الثقافة والتعليم والتربية، وقال في تقريره:
"إن أمل التقدم ضعيف في مصر طالما أن العامة تتعلم اللغة الفصيحة العربية - لغة القرآن - كما هو في الوقت الحاضر".
جـ- ثم تابع الدعوة إلى هذه الفكرة المستشرق الألماني الدكتور "كارْل فولرس" فقد تولى إدارة دار الكتب المصرية خلفاً للدكتور "ولهلْم سبيتا" وحمل بعده لواء الدعوة إلى هجر العربية الفصحى وإلى ضرورة الكتابة بالعامية الدارجة، ووضع كتاباً سماه "اللهجة العربية الحديثة" وجه العرب فيه لاستعمال الحروف اللاتينية لدى كتابة العامية، وحاول أن يدرس فيه قواعدها، ممثلاً بكثير من نصوصها.
أما مقدمة هذا الكتاب فقد تحدث فيها "كارل" عن اللهجات العربية الحديثة وتعددها بتعدد الأقطار التي انتشرت فيها العربية، وتحدث عن وجوب دراستها، لأنها بحسب زعمه لا تمثل حالة انحطاط وتدهور للعربية الفصحى، وإنما هي لهجات قديمة، كان لها تاريخ ونمو
стр. 364
منفصل يرجع إلى عصور بعيدة، وزعم أنها تختلف عن اللغة العربية الفصحى اختلافاً كلياً، وحاول أن يعطيها صورة تستطيع أن تنفذ بها إلى ميدان الكتابة في مختلف العصور والأقطار.
ثم أخذ يندد بجمود العربية الفصحى، ويشبهها باللاتينية الكلاسيكية، ويشبه العلاقة بينها وبين اللهجة العامية في مصر بالعلاقة التي بين اللاتنية الكلاسيكية والإيطالية.
وغرضه من ذلك حث العرب على أن تكون للغاتهم العامية الدارجة آداب مكتوبة، في جميع العلوم والآداب والفنون، لعلَّلها تنافس العربية الفصحى، وتحتلّ مكانها لديهم، وعندئذ تموت لديهم الفصحى بطريقة تدريجية، ويبتعدون عن المصادر الإسلامية الرائعة، وينقسمون إلى أوصال وأجزاء متباعدة بعدد لغاتهم الإقليمية.
وإذ زعم أنَّ اللهجات العامية الشائعة ذات جذور عميقة متصلة بلغات قديمة، فقد حاول بذلك أن يدغدغ في الناطقين بهذه اللهجات مشاعر إقليمية محليّة، مضادة للمشاعر الدينية المتعلقة بالعربية الفصحى تعلقاً روحياً وعلمياً وتاريخياً، وحاول أن يحتال في هذا بغير الحيلة التي احتال بها سلفه "ولهلْم سبيتا" وهي التي أورد فيها أن العرب الذين فتحوا مصر هم الذين نشروا لغتهم بين أهلها، وبذلك قضوا على اللغة القبطية لغة البلاد الأصلية، وظاهر من كلام "سبيتا" أن العامية الشائعة حالة من حالات الانحطاط والتدهور للعربية الفصحى، على خلاف كلام خلفه "فولرس".
د- وحمل أيضاً لواء الدعوة إلى العامية الدارجة المستشرق الإنكليزي "سِلْدُن ولمور" الذي كان قاضياً في المحاكم الأهلية بالقاهرة، إبَّان الاحتلال البريطاني، إذ أصدر في سنة (١٩٠١م) كتاباً سماه "العربية المحكية في مصر" اتجه فيه رائد الحملة المستشرق الألماني "سبيتا" فحاول دراسة العامية المصرية الشائعة، ووضع قواعد لها، ودعا إلى كتابتها بحروف لاتينية، وإلى اتخاذها لغة أدبية، واستغل دعوته هذه ليحقق بها هدفاً من
стр. 365
أهداف الغزاة، هو فصل المسلمين عن لغة القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة وكنوز العلوم الإسلامية وإقامة الحواجز بينهم وبين ماضيهم المجيد، وتفتيت الوحدة اللغوية القائمة بين الشعوب الناطقة بالعربية الفصحى.
وقد استخدم هذا المستشرق في دعوته أسلوباً أكثر ذكاء من أسلوب من سبقه، إذ عرض إقناعه لاتخاذ العامية لغة أدبية، في صور تجعل معارضة الدعوة أمراً ذا خطر أكبر من الخطر الذي يتحاشونه، هذا الخطر هو انقراض العامية الشائعة والعربية الفصحى معاً، واحتلال لغة أجنبية محلها، إذ قال:
"ومن الحكمة أن ندع جانباً كل حكم خاطئ وجِّه إلى العامية، وأن نقبلها على أنها اللغة الوحيدة للبلاد، على الأقل في الأغراض المدنية التي ليست لها صبغة دينية، وهناك سبب يدعو إلى الخوف هو أنه إذا لم يحدث ذلك، وإذا لم نتخذ طريقة مبسطة للكتابة فإن لغة الحديث ولغة الأدب ستنقرضان، وستحل محلها لغة أجنبية، نتيجة لزيادة الاتصال بالأمم الأوربية".
ولكن هذا الخطر الذي حاول أن يخوف منه قد حل محله بفضل الله وحمده طمأنينة على العربية الفصحى، وذلك بعد نحو نصف قرن وأكثر من تحذيراته، إذ أخذت الفصحى تنتشر وتزدهر، ويُسهم انتشارها وازدهارها في ارتفاع مستوى العامية الشائعة، إلى درجات حسنة من الرقي اللغوي، وذلك بموت كثير من المفردات والأساليب النابية فيها، الأمر الذي جعل يدنيها شيئاً فشيئاً من قواعد الفصحى ومفرداتها، وإن كان ما يزال بينهما بون شاسع، فإن كثيراً من مظاهر انحطاط العاميات قد بدأ يختفي اختفاء يدعو إلى التفاؤل بالتطور إلى الكمال، والقرب من الأصل الفصيح.
وأصبح حفظ القرآن بحمد الله ظاهرة منتشرة في الأجيال العربية الناشئة، ولا يجد حفَّاظه صعوبة في حفظه، مع أنه قمة الأداء الفصيح
стр. 366
للعربية، ولا يعوقهم حفظه عن الأخذ بجوانب المعرفة، بل كثيراً ما يساعد على ذلك، فنجد كثيراً من المتفوقين في دراسة العلوم هم من حفظة القرآن.
هـ- وفي أثناء هذه الموجة التي أثارها "سلدن ولمور" نشر عالم أمريكي في فقه اللغة مقالة دعا فيها إلى اتخاذ العامية لغة أدبية، وإلى كتابتها بحروف لاتينية، وعبر فيها عن أمانيه بإدخال هذا التطور في بلد عربي مسلم، وسار على الخط الذي سار عليه "سبيتا" من قبل.
و وحمل أيضاً لواء هذه الدعوة المستشرقان الإنكليزيان "باول" و"فيلوت".
أما الأول فقد كان قاضياً في المحاكم الأهلية بالقاهرة، وأما الثاني فقد كان أستاذاً للغات الشرقية في جامعة "كمبردج" وجامعة "كلكتا" وقد اشتركا في وضع كتاب أسمياه "المقتضب في عربية مصر" حاولا فيه أن يضعا قواعد لتسهيل تعلم اللغة العامية المصرية، تلك اللغة التي ضاعت كرامتها على حد زعمها بتركها تنساب مفككة بدون ضوابط تربطها، حتى أصبحت كأنها لا وجود لها، لأن آدابها ليست مكتوبة، وأخذا يرددان الشكوى من صعوبة اللغة العربية الفصحى، ومن صعوبة كتابتها الخالية من حروف الحركة.
ز- وأخطر من اضطلع بكبر الدعوة إلى إقضاء العربية الفصحى عن ميدان الكتابة والآداب، وإحلال العامية الشائعة محلها، وأكثرهم إلحاحاً وطول نفس، المستشرق الإنكليزي، "وليم ولكوكس" الذي كان مهندساً للري في القاهرة إبان الاحتلال البريطاني، فقد وفد إلى مصر سنة (١٨٨٣م) مع أوائل عهد الاحتلال، وتولى الإشراف على تحرير مجلة الأزهر سنة (١٨٩٣م) أي: بعد عشر سنوات من قدومه، وذلك لمدة أشهر فقط.
وقد كان لهذا المستشرق نشاط ظهر وتحمّس ملحّ، في بث هذه الدعوة بين العرب، فلم يأل جهداً في ذلك.
стр. 367
ففي سنة (١٨٩٣م) ألقى في نادي الأزبكية محاضرة بعنوان: "لم لم توجد قوة الاختراع لدى المصريين الآن".
وقد ضمَّن هذه المحاضرة الدعوة الملحة إلى الكتابة بالعامية، وهجر العربية الفصحى، ونشر هذه المحاضرة بالعربية في مجلة الأزهر، إذ كانت هذه المجلة تحت إشرافه، باعتباره ممثلاً لقوة الاحتلال الأجنبية.
وهذه المحاضرة تدور حول ربط انحطاط قوة الاختراع والابتكار في العصور المتأخرة عند العرب (وهو يخاطب في هذا عرب مصر) بسبب اضطرارهم إلى أن يتقيدوا بالعربية الفصحى، لدى الكتابة والتأليف، وأنهم متى كسروا هذا الحاجز، وصاروا يكتبون وينشرون باللغة العامية الشائعة نمت عندهم من جديد قوة الاختراع والإبداع.
وقد يبدو هذا الرابط غريباً، ولكنه استطاع أن يزور له سفسطة ينخدع بها أحداث الأحلام، ويجد الأجراء فيها مجالاً للبحث وتزويق الألفاظ، ولذلك حاولوا أن يروجوا لها في بعض صحفهم ومجلاتهم.
إنه ربط انحطاط قوة الاختراع والإبداع بتقيد الناس لدى الكتابة والتأليف بالعربية الفصحى، وحاول عن تعمد أن يتجاهل السبب الحقيقي الذي تكمن فيه مشكلة التخلف العام، وهو لا يمتُّ إلى اللغة بصلة ما، وإنما يرجع إلى أحاول اجتماعية كثيرة، أهمها الجهل العام، وانتشار الأمية، وانصراف الناس للسعي وراء لقمة العيش، وانشغالهم بالملذات المؤقتة، وتكالب أعدائهم عليهم، إذ أخذوا يفرضون عليهم ظروف التخلف بشكل مباشر أو غير مباشر، وكان من نتائج تراكب عوامل التخلف عليهم حملهم على السير في الطرق المتعرجة المنحدرة، بقوى متسارعة تتنامى كلما زادت نسبة الانحدار بعيداً عن مركز الانطلاق الكريم.
ويتضح من محاضرة "ولكوكس" أن هدفه من الدعوة إلى العامية هو القضاء على العربية الفصحى، ليحرم المسلمين من تراثهم العظيم
стр. 368
الديني والعلمي والأدبي، تنفيذاً للخطة الماكرة التي تهدف إلى طعن الإسلام في الصميم.
وفي سنة (١٩٢٦م) نشر "ولكوكس" رسالة بعنوان: "سورية ومصر وشمال إفريقية ومالطة تتكلم البونية لا العربية".
وهذه الرسالة تدور حول مزاعم تحايل لإثباتها بأدلة واهية، وتقضي هذه المزاعم بأن اللغات العامية التي ينطق بها أهل الشام وأهل مصر وليبيا والمغرب وتونس والجزائر ومالطة هي اللغة الكنعانية أو الفينيقية، أو البونية السابقة للفتح الإسلاميِّ، ولا صلة لها بالعربية الفصحى، وهدفه من ذلك كهدف زملائه من دعاة هذه الفكرة إثارة العصبيات القومية لهذه اللغات العامية ضد العربية الفصحى، حتى يتشجع سكان هذه البلاد على اتخاذ لغاتهم العامية في كتاباتهم العلمية والأدبية والحقوقية وغيرها، كيما تحلّ محلّ الفصحى، وبتطاول الزمان تزداد الفروق اللغوية بينهم وبين الفصحى، فتنقطع صلتهم بها، وبذلك تنقطع صلتهم بمصادر الدين الإسلامي، كما تزداد الفروق اللغوية بين سكان الأقاليم العربية، ومع دسائس فكرية ونفسية وتاريخية تتأصل عصبيات إقليمية ضيقة الحدود، ثم تتحول هذه العصبيات الإقليمية تدريجياً حتى تكون عصبيات قومية، وعند ذلك يستطيع الغزاة أن يشحنوها بمقدار كبير من العداء والكراهة وعوامل الشقاق.
وقد بلغ العداء في نفس المستشرق "ولكوكس" للعربية الفصحى مبلغه، إذ جعل ينظر إليها وكأنها لغة جوفاء، لا تحمل أي معنى من المعاني لسامعيها، ممن يتحادثون بالعامية، وما هي إلا ألفاظ رنانة فقط، إذ يقول:
"ومن السهل جداً أن ترى في هذه البلاد ذلك التأثير المخدر، الذي تحدثه الألفاظ الرنانة، التي لا تفهم منها لفظة واحدة في نفس السامع، إن سماع مثل هذه الألفاظ يقتل في الذهن كل ابتكار بين أولئك الذين لا يقرأون، كما تقتله أيضاً في نفس الطالب تلك الدروس التي تلقى عليه
стр. 369
باللغة العربية الفصحى المصطنعة، التي تبلغ الرأس دون القلب، فتمنع من يتسمّون بالعلماء في هذه البلاد من التفكير البكر".
وهكذا سار في رسالته على هذا النسق من المغالطات الفاحشة التي يعزو فيها حالة التأخر إلى العربية الفصحى.
وكما هاجم "ولكوكس" في رسالته العربية الفصحى هاجم العرب بشتائم تكشف عن مبلغ حقده الصليبي عليهم، فهم في نظره كسالى، قتلة، لصوص، قطاع طرق، جبناء، ويستند في ذلك إلى مزاعم يسوقها على أنها تجارب شخصية، ويحاول بذلك أن يحكم الفصل بين سكان سورية ومصر والمغرب العربي ومالطة وبين عرب الجزيرة، تجزئة لهذه الأمة الواحدة في لغتها وتاريخها ورسالتها الدينية.
وتصدت الكثرة الكاثرة من الناطقين بالعربية لمهاجمة الدعوة إلى العامية وهجر العربية، وكان تصديهم مدعماً بالحجج القاطعة، ومؤيداً بالبراهين الصحيحة، وأخذوا يفندون المزاعم الواهية التي استند إليها حملة لواء هذه الدعوة، ويهتكون الأستار عن الأهداف الحقيقية منها، فلجأ "ولكوكس" إلى الإغراء بالمكافآت التشجيعية للذين يتبارون بكتابة الآداب والعلوم بالعامية، فلم يظفر من ذلك بطائل يشجعه على تحقيق أمنية الدوائر الاستعمارية والاستشراقية، ولما رأى أنه مُني بالفشل أعلن إغلاق المجلة التي أسسها لهذا الغرض، بعد أن أصدر العدد العاشر منها.
ح- وآزر الدعوة إلى العامية وترك الكتابة بالحروف العربية، منخدعون ومأجورون ومستغربون من أبناء اللغة العربية، وتحمس لها طائفة من رجال الكنيسة، وانتقلت هذه الدعوة من مصر إلى المغرب وإلى لبنان.
وانجرف في تيارها عدد من قادة الأدب العربي، ما بين مساير للمستشرقين مسايرة تامة، ومعتدل متوسط، ومتخذ بعض الخطوات التي أطلق عليها اسم الإصلاح.
فكان "لطفي سيد" من أوائل المصريين الذين حملوا لواء الدعوة
стр. 370
إلى العامية بعد أن مهد لها دعاتها من المستشرقين.
وفي إطار الدعوة إلى كتابة العربية بالحروف اللاتينية، أو إصلاح الكتابة العربية، قدمت عشرات من المشروعات، أخطرها مشروع قدمه "عبد العزيز فهمي باشا" لكن مشروعه قوبل بالسخط والنكير الشديدين من حماة اللغة العربية الذائدين عنها.
وكان من المتوسطين الذين دعوا إلى نشر اللغة الوسطى بين العامية والفصحى: "فريد أبو حديد - توفيق الحكيم - أمين الخولي".
ثم دعا "طه حسين" إلى شيء أسماه "تطوير اللغة" بتبديل الخط العربي أو إصلاحه وتهذيب قواعد النحو والصرف، ولا يخفى ما في ذلك من مكر يقوم على أسلوب التدرج في التحويل، لتحقيق الهدف الذي دعا إليه المستشرقون.
ثم حمل لواء الدعوة التي دعا إليها المستشرقون الذين سبق ذكرهم عدد من أدباء العرب في لبنان وغيره، منهم: "سعيد عقل - أنيس فريحة - ولويس عوض".
وقد لا نعجب كثيراً إذا وجدنا معظم المتحمسين للفكرة من النصارى، لأنهم يعبرون في ذلك عن كراهيتهم للإسلام ولغة القرآن، ولكن نعجب أشد العجب إذا رأينا من أحفاد السلالات العربية الإسلامية من يستأجر للدعوة إليها.
وعلى الرغم من أن الدعوة لم يكتب لها النجاح في العالم العربي، إلا أن الغزاة المقنعين لم ييأسوا من تكرير محاولاتهم، وتحريك أجهزتهم، لعلهم يحققون بعض أهدافهم الرامية إلى طعن العربية الفصحى، وطعن الإسلام من وراء ذلك، وتمزيق وحدة الأمة العربية المسلمة.
ففي حزيران سنة (١٩٧٣م) انعقد مؤتمر في "برمّانا" بلبنان، وفي هذا المؤتمر تقدمت بعض الهيئات الأجنبية بمشروع "العربية الأساسية" ويشتمل هذا المشروع على عناصر هدم لمعالم اللغة العربية، ولما علم شيخ
стр. 371
الأزهر يومئذ الدكتور الشيخ عبد الحليم محمود بما جاء في هذا المشروع أعلن استنكاره، ووجه التحذير منه.
وكشف الدكتور "عمر فروخ" في تقريره عما دار في المؤتمر خيوط المكيدة المدبرة ضدَّ اللغة العربية والإسلام، إذ قال في تقريره:
"وفي أثناء الجلسات الرسمية للمؤتمر، وفي الفترات المتعددة بين الجلسات، جرت بحوث واقتراحات وملاحظات، جعلتني أوجس خيفة شديدة من المشروع.... إن كل ما دار في مؤتمر برمّانا كان يولد فيَّ شعوراً بأن الغاية الأولى والأخيرة من المؤتمر الاهتمام بالعامية.... لقد حضر هذا المؤتمر عدد قليل من اللبنانيين، ونفر من العرب غير اللبنانيين، (وكثرة) من الأجانب، لفت نظري أن جلَّهم من الرهبان اليسوعيين....".
(٥) ردود على مزاعم خصوم الفصحى
من جيد الردود المنطقية التي ظهرت إبان دعوة "ولكوكس" وأنصاره إلى العامية وهجر العربية الفصحى، رد للأستاذ "إبراهيم مصطفى" إذ بيَّن فيه أن العربية الفصحى تحتل - بحسب صفاتها الذاتية واستناداً إلى المقارنات الموضوعية بينها وبين سائر اللغات - أرقى درجة من درجات الكمال التي تحتلها اللغات المنتشرة في العالم.
لقد أشار إلى ما قام به علماء اللغات من تقسيم اللغات على تباينها إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: لغات أحادية المقطع، وهي خالية من حروف المعاني، وعدد كلماتها أقل من غيرها بكثير، ولا تتغير صيغتها، ولا تدل على النوع أو الكيفية أو العدد أو الزمن أو النسب بين الأشياء، ولكن كل ذلك يفهم من
стр. 372
تكييف الصوت بهذه المقاطع في الكلام المنطوق، أما في الكلام المكتوب فيمكن فهمه من مكان الكلمة في الجملة، ومن أمثلة هذا القسم اللغة الصينية، وعدد كلماتها قليل جداً، إلا أن هذه الكلمات تنطق على وجوه صوتية مختلفة للدلالة على المراد، ويتطلب التمييز بينها مهارة خاصة في السمع، وقد يعبَّر في هذا القسم من اللغات عن المعنى الواحد بعدد من الكلمات، كأن يعبَّر عن معنى الأسرة مثلاً بما يلي: (زوج - زوجة - أولاد) .
القسم الثاني: لغات مزجية، وهي لغات تعتمد على ضمِّ الكلمات بعضها إلى بعض للدلالة فيها على النسب الزمانية والمكانية وغيرها، مع محافظة كل كلمة منها على صيغتها وشكلها ومعناها، فالمعنى الذي يمكن تأديته بكلمة واحدة يحتاج للدلالة عليه في هذا القسم من اللغات إلى سطر طويل، مؤلف من عدة كلمات مرصوصة، ومن أمثلة هذا القسم اللغة اليابانية.
القسم الثالث: لغاتٌ اشتقاقية، وهي لغات تكون الدلالة فيها على مختلف النسب المتعلقة بالزمان أو المكان أو العدد أو الكيفية أو النوع أو غيرها، بتغيير صور كلماتها عن طريق التصريف والاشتقاق، مع المحافظة على المادة الأصلية للكلمة، وللغات هذا القسم حروف معانٍ تربط الألفاظ والتراكيب بعضها ببعض، ومن أمثلة هذا القسم اللغة العربية الفصحى، واللغات الأوربية، ولكن اللغة العربية تحتل المرتبة الأولى بينها، لأنها تمثل حالة راقية من حالات التقدم الحضاري في الميدان اللغوي.
إن القسم الأول من هذه اللغات إنما يمثل طوراً بدائياً من أطوار الحضارة اللغوية، ولا يفي بالتعبير عن كل حاجات الأمم المتقدمة حضارياً، ويتبعه القسم الثاني فيمثل طوراً أرقى نسبياً من الطور الأول، وهو مع ذلك لا يفي كل الوفاء بالتعبير عن كل حاجات الأمم المتقدمة حضارياً، وأما القسم الثالث فهو القسم الذي يمثل أرقى تطورٍ لغوي يفي بالتعبير عن جميع المعاني التي تحتوي عليها الحضارات الراقية.
ثم أجرى مقارنة بين العربية الفصحى وسائر اللغات الاشتقاقية، فأثبت أن العربية امتازات بخصائص تجعلها من أليق اللغات وأكثرها تلبية لحاجات
стр. 373
العلوم، فمن خصائصها الأمور التالية:
أولاً: سعتها، أي: كثرة عدد مفرداتها، فبينما نجد عدد كلمات اللغة الفرنسية نحواً من خمسة وعشرين ألفاً، وعدد كلمات اللغة الإنكليزية نحواً من مئة ألف، ومعظم هذا العدد اصطلاحات علمية وصناعية، وبسبب غنى العربية وسعتها نجد فيها للمعاني الشديد التقارب كلمات خاصة بكل معنى منها، مهما كانت درجة التفاوت، وبذلك لا يكون محلٌّ للالتباس أو الإبهام اللذين هما آفة العلم والأدب.
ثانياً: توغلها في ميدان الاشتقاق، متابعة للمعاني المترابطة ببعضها، فللمادة الواحدة مصدر للدلالة على المعنى مجرداً عن الزمن، وأفعال بعضها يدل على المعنى مقترناً حدوثه بالزمن الماضي، وبعضها يدل على المعنى مقترناً حدوثه بالزمن الحاضر أو المستقبل، وبعضها يدل على المعنى مقترناً بالأمر بفعله، وللمادة أيضاً صيغة تدل على الشخص الذي فعل ذلك المعنى أو قام به، وتسمى اسم الفاعل، وصيغة أخرى تدل على المفعول به، وثالثة تدل على زمانه، ورابعة تدل على مكانه، وخامسة تدل على النسبة، وسادسة على التفضيل، وسابعة على التعجب، وثامنة على التصغير، وهكذا.
وليس في أية لغة من لغات العالم هذا الانطلاق اللغوي المترابط في ميدان الاشتقاق اللفظي، المناظر والمناسب لترابط المعاني فكرياً.
ثالثاً: معظم مشتقاتها تقبل التصريف إلا فيما ندر منها، وهذا يجعلها في طوع أهلها أكثر من غيرها، ويجعلها أيضاً أكثر تلبية حاجة المتكلمين.
وبهذا نستطيع أن نجعل اللغات العالمية مرتبة من الأدنى إلى الأعلى على الوجه التالية:
١- اللغات أحادية المقاطع، وهي في المرتبة الدنيا.
٢- اللغات المزجية، وهي في المرتبة الثانية.
٣- اللغات الأوربية، وهي في المرتبة الثالثة.
стр. 374
٤- العربية الفصحى، وهي أرقى اللغات وأمثلها بالعلم.
وعلى هذا التحليل العلمي المتين كان ردّ "إبراهيم مصطفى" على خصوم العربية الفصحى، إذن فالذين يحاولون أن يحلو العامية محلها يريدون أن ينحطوا بالأمة العربية في ميدان الحضارة اللغوية، إضافة إلى أغراضهم الأخرى الرامية إلى فصل المسلمين عن مصادر الإسلام، وتجزئة الأمة العربية.
أما الحجج الواهية التي يلوكها خصوم العربية الفصحى في محاولتهم إحلال العاميات محلها فلا تستطيع أن تقف في وجه حقيقة اللغة العربية إلا موقف اللص الجبان، الذي يحاول أن يسرق الإنسان من نفسه، ويجعله يتنازل طائعاً عن جزء من كيانه، وعنصر من عناصر قوته. إن حججهم لا تعدو أن تكون مخادعة كلامية لا أساس لها من الحقيقة.
وما مثل خصوم العربية الفصحى إلا كمثل جاسوس قوم معادين محاربين، اندسَّ بين صفوف قوم آمنين مسالمين، وكان لهؤلاء القوم المسالمين ميراث عظيم من قوة الحرب وآلاته، ولكن القليل منهم الذين يحسنون استعمال هذه الآلات العظيمة التي لا يملك العدو نظيرها، فلبس هذا الجاسوس الثعلب المندس فيه ثياب الناصحين، وجعل يطوف بين صفوفهم ويقول: إن هذه الآلات الحربية المخزونة عندكم معقدة وصعبة الاستعمال، والقليل منكم هم الذين يحسنون استعمالها، وإنكم إذا تركتكم هذه الآلات الصعبة جانباً، واستعملتم الأسلحة التي يُحسن استعمالها كل فرد فيكم، وهي العصي والسكاكين والحجارة، فإنكم ستتقدمون وتضاهون أعداءكم في قوتهم، لأن كل فرد منكم سيساهم في عمل من أعمال الدفاع على قدر استطاعته، وسينبغ بذلك فيكم أفذاذ قوة وأبطال شجاعة، وبهذه الطريقة ستتهيأ للجميع فرصة الاشتراك في إحراز التقدم، وإني ناصح لكم.
ثم أخذ هذا العدو المندس يكرر هذا الكلام، ويعيده مرة تلو المرة، ويقلبه على عدة وجوه.
فهل يقبل كلامه هذا أحدٌ من العقلاء المخلصين لأمتهم؟
стр. 375
هيهات.... ولكن سيقول الجميع إننا سندرب القادرين والقادرات من رجال أمتنا ونسائهم على استعمال هذه الآلات الحربية الضخمة التي يحويها ميراثنا العظيم، ولأن نؤخر المعركة مع عدونا مدّة من الزمن بالمطاولة والمراوغة، حتى نحسن استعمال ما لدينا من آلات حربية معقدة، خير لنا من أن نعرض أنفسنا لمواجهة التهلكة، إذ نخوض معارك القرن العشرين بأسلحة القرون الأولى من حجارة وعصيٍّ وسكاكين.
وما أظنني قد بالغت في ضرب هذا المثل، لإبانة وجه المكر الذي تنطوي عليه الدعوة التي أخذت تحاول أن تخدع الأمة العربية الإسلامية، لتهجر العربية الفصحى، لدى كتابة العلوم والآداب، ولِتُحِّل محلها العاميات المختلفة فيما بينها اختلافاً كبيراً، ولتستبدل الرسم اللاتيني برسمها.
وقد انكشف لنا تماماً أن هدف العدو من ذلك أن يقطع الصلة بين الأمة العربية الإسلامية وبين تاريخها ودينها وعلومها، ويقيم الحواجز اللغوية الغليظة بين أبناء الأقاليم والأقطار العربية، كما أقام بينهم من قبل الحواجز السياسية المصطنعة، وغاية ما لدى ثعلب النصيحة من حجج ما يلي:
الحجة الأولى: أن كثيراً من سكان الأقطار العربية لا يحسنون الكتابة والقراءة بالعربية الفصحى.
وقد غدت هذه الحجة بعد أقل من نصف قرن حجة ساقطة، إذ أخذت العربية المنضبطة وفق قواعد الفصحى تنتشر بين الأجيال العربية الحديثة، انتشاراً مواكباً لانتشار العلم بينها، حتى أصبح العامي الذي لا يحسن العربية الفصحى يمج بالذوق استماع النص الملحون، من الخطيب أو المحاضر أو مذيع الراديو، ويحسُّ بأن فيه خللاً وإن كان لا يعرف وجه ذلك الخلل.
الحجة الثانية: أن الاكتشافات العلمية والمخترعات الحديثة كثيرة، وليس في العربية الفصحى كلمات تدل عليها.
ويبدو أن هذه الحجة في منتهى الضعف أيضاً، وردها يكون من وجهين:
أولهما: أن لغات العالم كلها بما فيها العاميات الشائعة في الأقطار العربية، ليس فيها كلمات تدل على ما يحدث من مكتشفات علمية ومخترعات حديثة، وهي تلجأ إلى إدخال مصطلحات حديثة على لغاتها لتدل عليها.
وثانيهما: أن العربية الفصحى فاتحة بابها لضم أية مصطلحات جديدة لمعان علمية مبتكرة، وأسماء لمخترعات حديثة، مثلما اتسعت في عصور التدوين لألوف من المصطلحات النحوية والصرفية والبلاغية والفقهية والفلسفية والطبية والكيميائية والفيزيائية وغيرها.... وكل هذه المصطلحات لم تكن معروفة قبل العصور الإسلامية، والمجامع العربية مسؤولة عن توحيد المصطلحات الحديثة، واختيار الألفاظ العربية المناسبة للمستحدثات من المعاني الفكرية، والأشياء المادية، ومسؤولة عن تعميمها على الأقطار العربية.
стр. 376
الحجة الثالثة: صعوبة اللغة العربية، وهذه الحجة معارضة بالنظير، فالعاميات التي يدعون إلى ضبطها ستكون أكثر صعوبة من الفصحى المضبوطة بالقواعد، بسبب الشذوذات الكثيرة الموجودة في هذه العاميات، يضاف إلى ذلك أن الأمة الواحدة ستحتاج إلى تعلم نحو عشر لغات عامية على الأقل، حينما يتطاول العهد عليها وتزداد الفوارق في العاميات المختلفة الشائعة في أقاليمها، أو سيحدث الانفصام التام الذي هو شر من تحمل بعض الصعوبة في تعلم العربية الفصحى.
على أن شيوع الفصحى سيخفف كثيراً من صعوبتها، إذ يجعلها مثل لغة التخاطب العادي، أو داخلة في كثير من عناصره، وقد وقع بعض هذا فعلاً.
(٦) دغدغة العواطف القومية القديمة للتحويل عن العربية الفصحى
استغل الغزاة من أعداء الإسلام والمسلمين، دغدغة العواطف القومية القديمة لتحويل الشعوب الإسلامية عن اللغة العربية الفصحى، وكان لدغدغة هذه العواطف وجوه كثيرة المكر، يحملها الأجراء، وينخدع بها كثير من
стр. 377
أصحاب الرعونات، الذين يندفعون بالانفعالات المؤقتة، التي يصطنع الشياطين لها الظروف والأجواء والبيئات النفسية والفكرية والاجتماعية المناسبة.
فإذا ظهر مدغدغو العواطف القومية بين ذوي الأعراق الهندية مثلاً أثاروا فيهم القومية الهندية، وأظهروا حماستهم للحضارة الهندية القديمة ولآدابها وعلومها ولغتها السنسكريتية الأولى، ونبشوا المقابر المهجورة منذ قرون، واستخرجوا منها العظام الباليات، وربطوا في أفكار الهنود التأخر عن ركب الحضارة الحديثة بصلتهم بالإسلام، وبنفوذ اللغة الأردية التي وحدت شعوب هذه البلاد إثر الفتح الإسلامي تحت راية واحدة، والتي كتبت بها علومهم وآدابهم التي تصلهم بالإسلام والمسلمين، في حين أنهم لا يثيرون مثل ذلك في بلاد وثنية بحتة، مختلفة عن ركب الحضارات تخلفاً فاحشاً يقدر بعشرات القرون، مع أنها ما زالت محافظة على قومياتها ولغاتها القديمة.
وإذا ظهروا مثلاً في شمال إفريقية أثاروا بين سكانها القومية البربرية، وتظاهروا بالحماسة للهجاتها، وأسرعوا يضعون مختلف الكتب التي تضمن دراسة اللهجات البربرية وقواعدها، لإحلالها محل العربية الفصحى، بينما يكتب هؤلاء المستشرقون التقارير السرية إلى حكوماتهم الاستعمارية، يقولون فيها كما جاء في تقرير بعضهم:
"من الواجب صرف الجهد إلى التقليل من أهمية اللغة العربية، لتحويل الناس عنها، بإحياء اللهجات المحلية، واللغات العامية في شمال إفريقية، حتى لا يفهم المسلمون قرآنهم، وحتى يمكن التغلب على عواطفهم".
وإذا ظهروا مثلاً في تركيا أثاروا بين الأتراك عواطف القومية التركية الطورانية، وصوروا لهم أن المدنية والحضارة التركية من أقدم الحضارات، فهي تتصل بالمدنيات والحضارات البابلية والآشورية القديمة، ولا صلة لها بالحضارة الإسلامية، وحاولوا خدعهم بهذه الأقوال، ثم صوروا لهم أن طريق مجهم رهن بقطع الصلة بينهم وبين الشعوب الإسلامية، لا سيما الشعوب العربية، ورهن بالسير في الركب الأوربي الحديث، وبهدم جميع الأبنية الإسلامية القائمة بينهم، وصوروا لهم أن خطوات الإصلاح يجب أن تبدأ من هذا المنطلق.
стр. 378
وقد استجاب حزب تركيا الفتاة، وجمعية الاتحاد والترقي لهذه الدسائس، وقادهما المأجورون، والأعداء المقنعون، والرعاع المستغفلون، في المسيرة التي رسمها الغزاة من أعداء الإسلام، فأثاروا عوامل التفرقة بينهم وبين سائر المسلمين، وبذلك تقطعت حبال قوية من روابط الوحدة الإسلامية، وانهارت قوة المسلمين الكبرى، وأعلن انقلاب "كمال أتاتورك" الخطة العلمانية، وألغى الخلافة الإسلامية، وحرم على الشعب التركي النطق باللغة العربية، حتى في عباداته الدينية، وألغى الكتابة بالرسم العربي، وجعل مكانه الكتابة بالحروف اللاتينية، وجنى الأعداء الغزاة ثمرة دسيستهم، واستطاعوا بذلك أن يفصلوا مسلمي الترك عن مسلمي العرب حقبة من الزمن، سار فيها كل من العرب والترك، ضمن خطوط السير التي رسمها لهم من قبل شياطين الدسائس والمؤامرات على الإسلام والمسلمين.
وهذا ما جعل المستشرق الألماني "كامغماير" يقرر في شماتة فيقول:
"إن تركيا منذ حين لم تعد بلداً إسلامياً، فالدين لا يدرّس في مدارسها، وليس مسموحاً بتدريس اللغتين العربية والفارسية في المدارس....
وإن قراءة القرآن العربي وكتب الشريعة الإسلامية قد أصبحت الآن مستحيلة بعد استبدال الحروف اللاتينية بالحروف العربية....".
ولكننا نقول لصاحب هذا التقرير ولكل أجنحة المكر بالإسلام والمسلمين: إنه لن يطول - بعون الله - أثر مكيدتهم، فستبرز - بإذن الله - النهضات المباركة المضادة لأعمالهم، ولن يستطيعوا أن يطفئوا نور الله، والبشائر الإسلامية في تركيا قد ظهرت، ولا بد أن تتفجر عيونها - إن شاء الله - من ثنايا الصخر الذي سدَّ به الأعداء الغزاة ينابيع الحق والهداية.
ثم إذا ظهر الأعداء الغزاة بين الشعوب العربية بشكل عام أثاروا بينهم القومية العربية، وتصيدوا لهم أخطاء الشعوب الإسلامية الأخرى ضدهم، وهي الأخطاء التي عملت جنود الغزاة على إيجادها أو تنميتها عند أولئك، كما عملوا على إيجاد نظيرها عند العرب ضد الشعوب الإسلامية غير العربية.
стр. 379
وحينما يثير الغزاة في العرب عواطف القومية العربية، يرجعون بهم إلى العصور الجاهلية المتخلفة عن كل ركب حضاري ومدني، متجاوزين بذلك جميع العصور الإسلامية الذهبية، التي قاد فيها العرب المسلمون الفتح الديني والحضاري، منذ ظهور الإسلام، الذي صنع فيهم ذلك الانقلاب الحضاري التاريخي، فبدد ظلمات الجاهلية بنور العلم والمعرفة والأخلاق والحضارات الإنسانية الراقية.
ولكن الغزاة إذ يتظاهرون بالدعوة إلى القومية العربية، لتقف صفاً واحداً في مواجهة القوميات الإسلامية الأخرى، يظلون في حالة تخوف من وحدة الشعوب العربية، حتى مع الرجع الجاهلي، لأنهم يخشون أن تظل هذه الشعوب على صلة بمصادر الدين الإسلامي، وتاريخ المسلمين وعلومهم، فكان لا مندوحة لهم من سلوك خط السير الآخر، بعد أن رأوا أنهم قد فصلوا المسلمين من العرب عن سائر الشعوب الإسلامية، تحت ستار القوميات، وذلك بأن يتابعوا التجزئة، فيجزئوا الشعوب العربية إلى قوميات أصغر وأقل تجميعاً عددياً من القومية العربية، بإثارة قوميات تاريخية قديمة لدى سكان الأقاليم العربية، وبالتنقيب عن العظام النخرة في مقابر القرون الأولى.
فإذا ظهروا في مصر دغدغوا في المصريين العواطف الفرعونية، وأحيوا بينهم تاريخ رمسيس، وبناة الأهرامات، وأمجاد القرون الأولى السابقة للإسلام، وزعموا لهم أن العامية المصرية ذات جذور قديمة لا صلة لها بالعربية الفصحى، وأن تقدمهم الحضاري الآن متوقف على إحياء كل ما له صلة بالآثار الفرعونية، من علوم وآداب وفنون، ونصحوهم بأن يهجروا العربية الفصحى، وبثوا بينهم من يحمل هذه الدسائس، وأرادوا أن يحمل حزب مصر الفتاة مثل المهمة التي حملها من قبل حزب تركيا الفتاة وجمعية الاتحاد والترقي، إلا أن معظم جهودهم قد كانت تبوء بالفشل عن تحقيق كامل الغاية المرسومة، ولا تعطيهم كامل الثمرات التي يرجونها، بفضل قادة الدفاع الذين تصدوا لفضح مؤامرات الغزاة، على اختلاف العوامل المحرضة لهم على ذلك، فكان منهم عوامل دينية، واحتل أصحابها صف الدفاع الأول، وكان منها عوامل عربية، واحتل أصحابها صف الدفاع الثاني
стр. 380
وإذا ظهروا في سورية ولبنان والأردن حاولوا أن يدغدغوا في سكان هذه البلاد عواطف القومية السورية الواسعة، مستغلين أمل شعوب هذه البلدان بالوحدة الكبرى، التي يرون من خطواتها أنواع الانضمام الجزئي مهما كان نوعه، وفي ضمن هذه القومية السورية يحاولون أن يحيوا قوميات قديمة سابقة للفتح الإسلامي، وأن ينبشوا المقابر المهجورة عن عظامها النخرة البالية، كالفينيقية، والكنعانية، إلا أن جهودهم في إحياء القوميات السورية قد باءت بالفشل أيضاً، فلم يكتب لها النجاح الذي يرجونه منها، ولم يؤت الثمرة المتوخاة، للتناقض التام بين شعوب هذه البلدان وبين هذه الدعوة التي ولدت ميتة، بعد أن كانت هذه البلدان صاحبة لواء الدعوة إلى وحدة الأمة العربية، يضاف إلى ذلك ارتباط معظم سكانها بالإسلام ارتباطاً عاطفياً قوياً.
وإذا ظهروا بين الأكراد أثاروا فيهم القومية الكردية، وهو أمر لا بد أن يظهر مع التعصب للقومية العربية، وقالوا هم: هؤلاء العرب قد أحيوا قوميتهم العربية غير مبالين بالإسلام، فما بالكم أنتم لا تفعلون مثل ذلك، فتحيون قوميتكم الكردية، وتعملون لها، وتبرزون كيانكم المستقل بين شعوب الأرض.
وكذلك يفعلون، ففي كل شعب لهم وجه، وفي كل أمة لهم طريقة، وفي كل حالة لهم لبوس.
والهدف الذي يرمون إليه على اختلاف وجوههم واحد، والغاية التي يعملون لها واحدة، ألا وهي هدم الإسلام، وإبعاد الشعوب الإسلامية عنه، وتفتيت وحدة هذا الجيل المنيع الذي يضمُّ الشعوب الإسلامية برابطة الإسلام القوية المتينة.
(٧) مزاعم إصلاح رسم الخط العربي
أما دسائس النصيحة الكاذبة التي تدور حول إصلاح رسم الخط العربي، فما تزال رياح المستشرقين والمستغربين تدير فيها بين حين وآخر طواحين هوائية
стр. 381
مثيرة للجعجعة، داخل عدد من العواصم العربية، كأن في هذا الرسم العربي مشكلة كبرى تعوق الناطق العربي عن التقدم، وتعرقل المسيرة العلمية والإنتاجية المطلوبة.
أ- فمرة ينادون بإصلاحه عن طريق استبدال الحروف اللاتينية به، مع أن الحروف اللاتينية قاصرة عن استيفاء حروف الهجاء العربية، كما يعترف بذلك المستشرق الإيطالي "نالينو" رغم عداوته للإسلام وكتابته ضده، إذ يقول في اعترافه:
"إن الخط العربي موافق لطبيعة اللغة العربية، ولو أدرنا استبدال الحروف اللاتينية بالحروف العربية لتحتم علينا إيجاد حروف جديدة نضيفها إلى الأبجدية اللاتينية الحالية، لكي تعبر عن الأصوات العربية التي تمثلها حروف: ج - ح - خ - ش - ط - ظ - ص - ض - ع - غ - ولاحتجنا كذلك إلى التمييز بين الحروف المتحركة الممدودة وبين الحروف المقصورة" إهـ.
ونحن نعلم أن الغرض الدفين من هذه الدسيسة ليس هو تسهيل القراءة على المتعلمين، وإنما الغرض منه - كما سبق أن عرفنا - فصل الشعوب العربية عن ثرواتها الإسلامية، وقطع الصلة بين الأجيال القادمة وبين القرآن الكريم، وأحاديث الرسول العظيم، وسائر الكتب الإسلامية المرسومة بالخط العربي، وتكليف الأجيال العربية جهوداً عظيمة جديدة لا داعي لها، بعد أن تفقد كل كنوزها دفعة واحدة.
ولست أدري لماذا يطالبنا المستشرقون الاستعماريون وأجراؤهم بإصلاح الرسم العربي الموجز، المساير للمنطوق من الحروف إلا فيما ندر جداً، مع ترك ضبط حركاتها لحفظ الناطق العربي لمفردات لغته، ويساعده الشكل على ذلك في بعض المراجع المشكولة، كما يساعده الضبط التام في المعاجم.
وعلى فرض التسليم بأن هذا نقص في الرسم العربي، ففي اللغات الأجنبية ما هو أفحش منه، مع أننا لم نجد واحداً من الناطقين بتلك اللغات، ولا واحداً من المستغربين الذين يردّدون أقوال المستشرقين، ينادي بإصلاح الرسم فيها، فما هذه المفارقات التي تنم عن العداء للإسلام ومصادره؟.
стр. 382
إن متعلم اللغة الإنكليزية مثلاً يعاني من عيوب كتابتها ما لا يعانيه متعلم الكتابة العربية، ففي كثير من كلماتها حروف لا تنطق بحال من الأحوال، ويكلف متعلم هذه اللغة أن يكتب هذه الكلمات مع زوائدها التي ليس فيها ما يعقل المعنى، وليس لها قاعدة ثابتة، ومن الواجب عليه أن يحفظها حفظاً حسبما يلقن طريقة رسمها.
فمثلاً: الكلمة الإنكليزية التي يجب أن تكتب كما يلي: "write" يجب أن تقرأ "rit" بمعنى يكتب، وأن يحذف القارئ اعتباطاً دلالة حرف "w" وحرف "E". والكلمة الإنكليزية الأخرى المماثلة لها لفظاً والمخالفة لها معنى، يجب أن تكتب كما يلي "right" بمعنى صحيح أو صواب، وأن يحذف القارئ اعتباطاً دلالة حرفي "GH". والكلمة التي يجب أن تكتب كما يلي "know" يجب أن تقرأ "now" بمعنى يعرف مع حذف حرف "k" اعتباطاً. والكلمة التي يجب أن تكتب كما يلي: "light" يجب أن تقرأ "lit" بمعنى يضيء أو ضوء، وأن يحذف القارئ اعتباطاً دلالة حرفي "GH". والكلمة التي يجب أن تكتب كما يلي: "laugh" يجب أن تقرأ "laf" بمعنى يضحك، وأن يبدل القارئ بذهنه الحروف "ugh" بحرف "F". ونظير ذلك كثير جداً.
والحروف الصوتية عندهم ليس لها صفة صوتية ثابتة، وقراءتها وكتابتها يجب أن يكون كل منهما معتمداً على السماع والحفظ.
فلماذا لا ينادي المستشرقون بضرورة إصلاح رسم الكتابة الإنكليزية وغيرها من اللغات، التي هي بحاجة إلى الإصلاح أكثر من حاجة الكتابة العربية، حينما ينادون فيما بينهم بإصلاح رسم الكتابة العربية؟!
ألا يكشف هذا عن أهدافهم السيئة ضد الإسلام واللغة العربية من أساسها؟
وبهذه المناسبة يطيب لي أن أنصح مخلصاً بإصلاح الكتابة الإنكليزية وغيرها من اللغات اللاتينية.
ولدى اختبار النتائج على واقع حال دارسي العلوم باللغة العربية،
стр. 383
ودارسي العلوم باللغات الأجنبية؛ نلاحظ أن رسم الكتابة العربية لم يكن في يوم من الأيام عائقاً لأي ناطق عربي عن متابعة العلم، ولم نجد أجيالنا العربية الحديثة التي شقت طريقها إلى العلم تتخلف دراسياً عن مستوى الوسط العام الذي عليه الأجيال الأوربية، مع أن أبناءنا في معظم الأحيان يدرسون لغتين أجنبيتين، إلى جانب دراستهم علومهم باللغة العربية المنضبطة على قواعد الفصحى، وبرسم الكتابة العربية.
ب- ومرة ينادون بإصلاح رسم الكتابة العربية عن طريق إدخال عناصر جديدة في بنية كلماتها.
وهذه حيلة غير خافية من حيل المراوغة، أرادوا بها مداراة الشعور القومي عند الشعوب العربية مداراة مؤقتة، لأن هذا الاقتراح يحمل من عوامل الهدم مثل الذي يحمله الاقتراح الأول سواءً بسواء، إذ سيؤدي أيضاً إلى قطع الصلة بين الأجيال العربية القادمة وبين كنوزهم العظيمة، التي تحتوي ثرواتهم العلمية الدينية والدينية، وهي مكتوبة ومطبوعة بالرسم العربي المتبع.
كما أنه سيكون مرحلة تمهيدية تعطي المبررات لتحويل الكتابة إلى الحروف اللاتينية، ما دامت الصلة قد انقطعت فعلاً كلها أو بعضها بالتحوير الجديد، الذي يريدون له أن يتم عن طريق المجامع العربية.
وقد تقدمت طائفة بعضها حسن النية وبعضها مجهول الهدف بمقترحات لهذا الإصلاح، ولكن هذه المقترحات قد باءت بالفشل أمام وعي أكثرية الشعوب العربية، وبسبب صعوبة المجازفة بخطوة خطيرة من هذا النوع، من شأنها أن تعبث بجزء ذي أهمية بالغة من كيان الأمة العربية في جميع أقطارها وأمصارها، إذ لا يخص بلداً بعينه، أو قطراً واحداً داخل الوطن العربي والإسلامي الكبير.
وأخيراً اقتصرت بعض المقترحات على تسهيل الكتابة المطبعية فقط، دون تغيير في أساس الرسم العربي، وسيظل هذا الاقتراح أيضاً بعيداً عن مجال التنفيذ، لأنه اقتراح من شأنه أن يسهل على عمال المطابع فقط ولا علاقة
стр. 384
للجماهير العربية به، وخير له أيضاً أن لا يرى النور، لأن إثمه أكبر من نفعه، إذ هو منزلق مهما يكن يسيراً فقد يتبعه منزلقات أخرى، تمس جهور الكتابة العربية، وتهدم كيانها، وهو كيان ذو تاريخ عظيم.
(٨) غزو الفصحى عن طريق العبث بقواعدها
ومن الدعوات المشبوهة الهدامة التي أطلقت باسم الإصلاح دعوت نادت بتبسيط اللغة العربية الفصحى وتطويرها.
وتدفقت تحت هذا العنوان المقترحات العديدة التي تضمنت النيل من أسس قواعد العربية الفصحى، بغية هدمها باسم تبسيطها وتطويرها.
فمن ذلك المقترحات التالية:
المقترح الأول: إلغاء صورة الإعراب في الكلام العربي، واللجوء إلى تسكين أواخر الكلمات.
ويحمل هذا الاقتراح في ظاهره التسهيل على الناطق بالعربية، ولكنه يحمل في باطنه هدم الصروح التي قامت عليها هذه اللغة العظيمة، وذلك يؤدي مع الزمن إلى التلاعب بمعاني معظم المصادر الإسلامية والعربية، لأنه متى ألغي الإعراب فقد ألغيت المستندات التي يتحاكم إليها في تحديد المعاني، ثم تحتاج اللغة الجديدة المسكنة الأواخر إلى قواعد أخرى تضبط بها المعاني.
ولست أدري كيف تفهم الأجيال التي ستنشأ على إلغاء الإعراب مثل قول الله تعالى في سورة (فاطر/٣٥ مصحف/٤٣ نزول) :
﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾
وقوله تعالى في سورة (البقرة/٢ مصحف/٨٧ نزول) :
﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ....﴾ .
стр. 385
فلو ألغي الإعراب وسكنت أواخر الكلمات لكان المتبادر في النص الأول أن الله هو الذي يخشى العلماء، لا أن العلماء هم الذين يخشونه ولكان المتبادر في النص الثاني أن إبراهيم هو الذي ابتلى ربه، لا أن ربه هو الذي ابتلاه، مع أن الأمر في كل منهما بعكس ذلك، وقاعدة الإعراب هي التي حددت هذه المعاني ومنعت عنها الالتباس.
المقترح الثاني: إيثار كل لهجة أو لغة عربية قديمة توافق العامية، كإيثار اللغة التي تجعل الأسماء الخمسة تلزم الألف دائماً، وإيثار اللغة التي تجعل المثنى يلزم الألف في جميع حالاته.
وهذا المقترح من شأنه أن يكلف المتعلمين تطويع ألسنتهم أن ينطقوا بالعربية مرتين، مرة يتقنون بها قراءة المصادر الإسلامية والعربية وفق القواعد التي استقرت عليها لغة قريش، ونزل بها القرآن الكريم، وأخرى وفق هذا المقترح.
والأسهل من ذلك التزام الطريقة التي نزل بها القرآن.
المقترح الثالث: حذف بعض قواعد النحو أو تعديلها، ومن أمثلة ذلك حذف باب الممنوع من الصرف، واعتبار جميع الكلمات مصروفة، وإلغاء قاعدة التخالف بين العدد والمعدود في التذكير والتأنيث وجعل العدد موافقاً لمعدوده دائماً تذكيراً وتأنيثاً، وإبقاء المفعول به منصوباً في حال بناء الفعل للمجهول، وإلغاء صيغ جموع التكسير في الأسماء التي يجوز جمعها جمع المذكر سالماً وجمع تكسير، والاكتفاء بصيغة جمع المذكر السالم، وإلزام المنادى والمستثنى حالة واحدة من الحالات، فيكون منصوباً دائماً أو مرفوعاً دائماً.
وكأني بهذا المقترح يتضمن محاولة وضع لغة جديدة مشتقة من أصول اللغة العربية، وسيلة لإلغاء اللغة العربية والتخلص منها ومن المصادر العظيمة المكتوبة بها، خدمة لأغراض الأعداء الغزاة، تحت ستار التسهيل على الناطق العربي.
ولا ندري ما سر هذا الإلحاح على تطوير اللغة العربية أو تحريفها أو تغيير أصولها!؟ وكيف يتبناه طائفة من أبناء العربية استجابة للدسائس التي كان قد
стр. 386
بثها طائفة من المستشرقين الاستعماريين، وما يزالون يدفعون إلى تبنيها عدداً من أجرائهم أو السائرين في أفلاكهم من المستغربين؟!
مع أن في اللغات العالمية الأخرى صعوبات وشذوذات عن القواعد القياسية لا تقل عما في اللغة العربية الفصحى، ثم لا نجد أحداً من الشرقيين أو المستشرقين ولا من الغربيين أو المستغربين ينادي بإصلاح تلك اللغات، أو تغيير شيء من قواعدها وأصولها المتبعة، ومن الثابت أن في هذه اللغات عاميات يجري بها حديث الناس في شؤونهم العامة، وفيها إلى جانب ذلك لغة راقية منضبطة يكتب بها العلماء والأدباء، ويسجلون بها آثارهم التي يريدون لها أن تكون خالدة.
وقواعد كل لغة هي القوانين التي يجب اتباعها، للدلالة على المعاني التي يريدها من أراد النطق أو الكتابة بتلك اللغة، ولتأليف الكلام في كل لغة نظام خاص لا يجوز الإخلال به، ولا يكون الكلام مفهوماً ولا مصوراً للمراد حتى يكون متقيداً به غير زائغ عنه، وأية محاولة لتغيير هذه القوانين اللغوية المتبعة في أية لغة، لا تخلو عن أن تكون عملية اختراع لغة جديدة، اختراعاً كلياً أو جزئياً، وقد يكون أمر اختراع لغة ما حدثاً من الأحداث التي تقذف نفسها إلى ميادين التجربة في حياة الناس، لولا ارتباط الناس بتاريخ حضاري عملي صنعته آلاف الملايين من الآباء والأجداد، ولولا ارتباط لغتهم الموروثة بأهم الأحداث العظيمة التي تربط الناس بخالقهم، إذ اختارها لإعلامهم بدينه وشرائعه وعظاته وأخباره عن أحداث النبوات والرسالات الأولى.
وهدم هذه اللغة تصميم على تنفيذ مؤامرة الزيغ عن دين الله ورسالته الخالدة لخلقه، وتحويل للأمة العربية عن مكان القيادة في مجال الدعوة إلى دين الله، وبيان رسالة الإسلام للناس، وقذف بها إلى مؤخرة الأمم، حيث تجد نفسها مضطرة إلى أن تتلقف صدقات الناس، بعد أن تركت كنوزها، إذ يكون عليها حينئذ أن تدفع ضريبة الحماقة التي سلكتها مهانة وفقراً وذلاً، وأن تقف بين الأمم الأخرى موقف الأيتام على موائد اللئام.
وهذا ما يريده للمسلمين الأعداء الغزاة.
стр. 387
(٩)
(٩) غزو اللغة العربية بالمفردات الأجنبية الدخيلة
في العالم العربي غزو جديد تعرضت له اللغة العربية، إنه غزو متنها بالمفردات الكثيرة الدخيلة من اللغات الأجنبية الشرقية أو الغربية، مع إمكان ترجمة هذه المفردات بما يفهمه الناطق العربي من لغته.
وقد نَفَّذ هذا الغزو بقصد أو بدون قصد مترجمو الكتب والبحوث الأجنبية، وفي مقدمتهم مستوردو الأفكار التي يريدون لها أن تغزو المعاقل الإسلامية، وتكسر أسوار الحصون الفكرية عند المسلمين، وقد تعمد هؤلاء أن يبقوا لهذه الألفاظ ظلها الغامض، حتى يكون لغموضها إشعاع سحري يجعل لها تأثيراً على نفوس أمثال الببغاوات، من البسطاء الذين تعلموا صناعة الكتابة والقراءة، فهؤلاء يرددونها دون أن يفقهوا معانيها وما ترمي إليه , كما يسمح لها أن تهيمن على عقول العامة الذين يستسلمون للذين يرددونها , كما استسلموا من قبل لموجة العلوم المادية الحديثة ومصطلحاتها , واضطروا أن يقبلوا بها في مجالات كثيرة , وأهمها المجال الطبي الذين يسمعون فيه حشداً لا حصر له من أسماء الأدوية المستوردة , التي لا حيلة في ترجمتها , وهم يظنون أن كل ما يأتي به العلم الحديث ينبغي أن يكون بلغة لا يفهمونها.
وامتلأت الكتب الحديثة والصحف والمجلات والخطابات والمحاضرات في الأندية والإذاعات وسائر وسائل الإعلام , بهذا السيل المخيف المتدفق على متن اللغة العربية من المفردات الدخيلة الشرقية والغربية.
ولست أدري ما حاجة اللغة العربية إلى إدخال مثل كلمة "بيولوجي" في متنها , مع إمكان ترجمتها بما يساوي معناها المراد , وهو "علم الحياة". أو إدخال مثل كلمة "فيزيولوجي" مع إمكان ترجمتها بما يساوي معناها , وهو "علم وظائف الأعضاء". أو إدخال مثل كلمة "سيكلوجي" مع إمكان ترجمتها بما يساوي معناها , وهو "علم النفس".
ونظيرها كلمات كثيرة , مثل: "جيولوجي - ايديولوجي - سيسيولوجي -
стр. 388
آنثروبولوجي - ديماغوجي - ديكتاتوري - ديمقراطي - أوتوقراطي - أورستقراطي - بروليتاريا - راديكالي - فولكلور - كوكتيل" إلى آخر هذا الحشد من المفردات الدخيلة , التي بدأت تغزو متن اللغة العربية من غير حاجة إليها , لإمكان ترجمتها بما يدل على معناها من اللغة العربية الفصيحة.
أما الأعلام الأجنبية كأسماء الأشخاص , وأسماء الأدوية , وأسماء البلدان , فهذه لا مندوحة من قبولها بألفاظها , ولا مجال للاعتراض عليها , لعدم إمكان ترجمتها , وقد قبلت اللغة العربية منذ القديم هذا النوع , ولكن مجال البحث في ألفاظ المعاني التي يمكن ترجمتها إلى ألفاظ عربية , أو يمكن وضع مصطلحات عربية لها.
إن قبولنا بتحدي هذه الكلمات الأجنبية في غزوها لغتنا العربية , استخذاء وخنوع لا يرضى به مسلم حريض على لغة الكتاب المجيد , وقد كان من الواجب أن لا يرضى به عربي يرى أنه يناصر قوميته , فما بال جمهورٍ كبير من مثقفينا العرب يفتحون صدورهم لتقبل هذا الغزو الأجنبي للغتهم , ويتولونه بأنفسهم , ثم يتنطعون بين العامة والخاصة بترديد هذه الألفاظ الدخيلة , التي يوهمون بها أنهم أصحاب معرفة واسعة بالعلوم الحديثة , لذلك فما على الجماهير إلا أن تستسلم لقيادتهم وتخضع لإرادتهم.
والمحذور الخطير في الأمر ما يفعله ترديد المفردات الدخيلة في المكتوبات العربية , وتداولها على الأسماع , من تهيئة الجو المناسب لها كيما تنتشر وتتمكن بين الجماهير العربية , حتى تكون هي الكلمات المحفوظة , وبعد حقبة من الزمن تنسى ترجمتها العربية , ويصير الدخيل هو الأصيل صاحب الدار , إذ تتقبله الألسن , وتنسجم معه الأفكار , ومن شأن هذا الأمر أن يعبّد الطريق أمام موجات جديدة من المفردات الأجنبية العديدة , التي يراد لها أن تغزو لغتنا العربية , وحينما يكثر الدخيل الذي يزاحم المفردات العربية ويحل محلها , تصبح مهمة حملة لواء عزل العربية الفصحى عن ميادين الكتابة والعلم أسهل من ذي قبل.
وعند ذلك يرى أعداء اللغة العربية أن الفرصة قد سنحت لهم , لإقامة
стр. 389
الجدار الغليظ بين الشعوب العربية وبين اللغة العربية الفصحى , وبإقامة هذا الجدار يرون أنهم قد ظفروا بعزل العرب المسلمين عن المصادر الإسلامية , التي ما تزال تجدد فيهم شباب العقيدة والنظم والتعاليم الإسلامية العظيمة.
ولكن الله ﵎ سيحفظ كتابه القرآن , رغم مخططات أعداء الإسلام ضده , وسيحفظ اللغة العربية التي أنزل كتابه بها , حتى يظل نوره مشرقاً , ويستمر تعليمه حجةً على الناس , ويبقى صلةً دائمة بين الله ومن يريد أن يسلك سبيل الهداية من عباده , والله متم نوره ولو كره الكافرون.
(١٠) طلائع المستجيبين لمكيدة إحلال العاميات محل الفصحى
أول من استجاب للكتابة بالعاميات الإقليمية دور السينما العربية والمسارح , وكتاب الأغاني , وبعض أصحاب المجلات الفكاهية , والهزلية , ومروجو الفنون الشعبية.
وعلى الرغم من انطلاق هؤلاء في هذا المضمار , مع اختلاف الدوافع التي أملت عليهم ذلك , ومنها دوافع تتصل بمهماتهم الفنية والتجارية البحتة , فقد ظلت النسبة العظمى من هذه الكتابات أقوالاً تُسمع ولا تُقرأ , وما يُقرأ منها فهو ذو طابع زمني , ينقرض بانقراض زمانه , شأنه كشأن معظم الأحاديث والقصص والفكاهات والأمثال العامية , التي تدور على ألسنة العامة في أوقاتها , دون أن يجد فيها الجيل اللاحق الأثر الذي كان يجده فيها الجيل السابق.
وهذه التجارب التي تمر بها ميادين الفنون , ستقدم الدليل القوى على أن العاميات الإقليمية ليس من شأنها أن يكتب لها الخلود والبقاء , إذ ستنتصر عليها العربية الفصحى , وتثبت أنها هي الجديرة بالبقاء , لما تتمتع به من رقي لغوي , وضبط تامٍ يستطاع معه الطمأنينة على ضمان وسلامة المعاني , وحفظها من الميوعة والتحريف , والبلى مع الزمن.
وإننا ننصح لهؤلاء الذين اختاروا لأنفسهم مسالك الفنون , أن يتحسسوا
стр. 390
بشيء من واجبات لغتهم وواجبات تاريخهم عليهم , وهم من أبناء هذه الأمة , وذلك بأن يرتقوا بلغة الفن شيئاً فشيئاً , حتى يدنوها من العربية الفصيحة , وحتى يساهموا بنشرها بين الجماهير الكثيرة , التي تشاهد فنونهم أو تسمعها , كما نهيب بهم أن يرتقوا بها في مراتب الأدب الرفيع , والتوجيه الكريم إلى مكارم الأخلاق , وإلى مختلف الفضائل الفكرية والنفسية والاجتماعية , وأن لا يجعلوا الميادين الفنية سوقاً لكلّ رخيص مبتذل , ولا مرتعاً للمباذل اللفظية والعملية.
ولا يظنوا أن الفرق واسع بين العامي والفصيح , فالقضية ميسورة إذا بذلوا في سبيلها بعض الجهد , وما عليهم إلا أن يعربوا الكلمة , وأن يختاروا من المفردات السهلة الدارجة على الألسن ما يوافق الفصيح , وما أظن هذا الأمر صعباً على من يبذل عشرات الألوف لإنتاج مشهد تمثيلي واحد للشاشة أو المسرح.
أما الأغاني فأمرها أيسر وأسهل , وتصحيحها مطلب قريب المنال لكل قاصد والمسؤولية في هذا تقع على المؤلفين والملحنين والمغنين معاً.
وعلى كلّ من يريد لأدبه أن يكون خالداً أن يكتبه بلغة القرآن الذي تكفل الله بحفظه , ومن حفظه حفظ العربية الفصحى التي أنزله بها , ولَنْ يظفر الأعداء الغزاة بطائل كبير في حربهم لهذه اللغة العظيمة , ما دام منزل القرآن قد تكفل بحفظه , وخيرٌ لهم أن يبذلوا هذه الجهود الطائلة في أمور تنفعهم في بلادهم وتنفع أمتهم , وما لهم ولهذا الصرع مع كتاب الله واللغة التي أنزله الله بها؟
لقد عملوا على هدم الإسلام من كلّ جانب عبر قرون , فلم يظفروا بإلغائه ولا محوه , ورأوا أنهم كلما زادوا المسلمين اضطهاداً ومؤامرات ومكايد , دار الزمن دورته , فتفجَّر حقل إسلامي جديد من جهة من جهات الأرض , فقدم نفسه للعالم نوراً مشرقاً , ودعوة خيرة , وقوة ذات بأس ومنعة.
следующие страницы →