← Общие книги

Общие книги · id 22855

أجنحة المكر الثلاثة

عبد الرحمن حبنكة الميداني

Полный текст (750 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

بثها طائفة من المستشرقين الاستعماريين، وما يزالون يدفعون إلى تبنيها عدداً من أجرائهم أو السائرين في أفلاكهم من المستغربين؟! مع أن في اللغات العالمية الأخرى صعوبات وشذوذات عن القواعد القياسية لا تقل عما في اللغة العربية الفصحى، ثم لا نجد أحداً من الشرقيين أو المستشرقين ولا من الغربيين أو المستغربين ينادي بإصلاح تلك اللغات، أو تغيير شيء من قواعدها وأصولها المتبعة، ومن الثابت أن في هذه اللغات عاميات يجري بها حديث الناس في شؤونهم العامة، وفيها إلى جانب ذلك لغة راقية منضبطة يكتب بها العلماء والأدباء، ويسجلون بها آثارهم التي يريدون لها أن تكون خالدة. وقواعد كل لغة هي القوانين التي يجب اتباعها، للدلالة على المعاني التي يريدها من أراد النطق أو الكتابة بتلك اللغة، ولتأليف الكلام في كل لغة نظام خاص لا يجوز الإخلال به، ولا يكون الكلام مفهوماً ولا مصوراً للمراد حتى يكون متقيداً به غير زائغ عنه، وأية محاولة لتغيير هذه القوانين اللغوية المتبعة في أية لغة، لا تخلو عن أن تكون عملية اختراع لغة جديدة، اختراعاً كلياً أو جزئياً، وقد يكون أمر اختراع لغة ما حدثاً من الأحداث التي تقذف نفسها إلى ميادين التجربة في حياة الناس، لولا ارتباط الناس بتاريخ حضاري عملي صنعته آلاف الملايين من الآباء والأجداد، ولولا ارتباط لغتهم الموروثة بأهم الأحداث العظيمة التي تربط الناس بخالقهم، إذ اختارها لإعلامهم بدينه وشرائعه وعظاته وأخباره عن أحداث النبوات والرسالات الأولى. وهدم هذه اللغة تصميم على تنفيذ مؤامرة الزيغ عن دين الله ورسالته الخالدة لخلقه، وتحويل للأمة العربية عن مكان القيادة في مجال الدعوة إلى دين الله، وبيان رسالة الإسلام للناس، وقذف بها إلى مؤخرة الأمم، حيث تجد نفسها مضطرة إلى أن تتلقف صدقات الناس، بعد أن تركت كنوزها، إذ يكون عليها حينئذ أن تدفع ضريبة الحماقة التي سلكتها مهانة وفقراً وذلاً، وأن تقف بين الأمم الأخرى موقف الأيتام على موائد اللئام. وهذا ما يريده للمسلمين الأعداء الغزاة.

стр. 387

(٩) (٩) غزو اللغة العربية بالمفردات الأجنبية الدخيلة في العالم العربي غزو جديد تعرضت له اللغة العربية، إنه غزو متنها بالمفردات الكثيرة الدخيلة من اللغات الأجنبية الشرقية أو الغربية، مع إمكان ترجمة هذه المفردات بما يفهمه الناطق العربي من لغته. وقد نَفَّذ هذا الغزو بقصد أو بدون قصد مترجمو الكتب والبحوث الأجنبية، وفي مقدمتهم مستوردو الأفكار التي يريدون لها أن تغزو المعاقل الإسلامية، وتكسر أسوار الحصون الفكرية عند المسلمين، وقد تعمد هؤلاء أن يبقوا لهذه الألفاظ ظلها الغامض، حتى يكون لغموضها إشعاع سحري يجعل لها تأثيراً على نفوس أمثال الببغاوات، من البسطاء الذين تعلموا صناعة الكتابة والقراءة، فهؤلاء يرددونها دون أن يفقهوا معانيها وما ترمي إليه , كما يسمح لها أن تهيمن على عقول العامة الذين يستسلمون للذين يرددونها , كما استسلموا من قبل لموجة العلوم المادية الحديثة ومصطلحاتها , واضطروا أن يقبلوا بها في مجالات كثيرة , وأهمها المجال الطبي الذين يسمعون فيه حشداً لا حصر له من أسماء الأدوية المستوردة , التي لا حيلة في ترجمتها , وهم يظنون أن كل ما يأتي به العلم الحديث ينبغي أن يكون بلغة لا يفهمونها. وامتلأت الكتب الحديثة والصحف والمجلات والخطابات والمحاضرات في الأندية والإذاعات وسائر وسائل الإعلام , بهذا السيل المخيف المتدفق على متن اللغة العربية من المفردات الدخيلة الشرقية والغربية. ولست أدري ما حاجة اللغة العربية إلى إدخال مثل كلمة "بيولوجي" في متنها , مع إمكان ترجمتها بما يساوي معناها المراد , وهو "علم الحياة". أو إدخال مثل كلمة "فيزيولوجي" مع إمكان ترجمتها بما يساوي معناها , وهو "علم وظائف الأعضاء". أو إدخال مثل كلمة "سيكلوجي" مع إمكان ترجمتها بما يساوي معناها , وهو "علم النفس". ونظيرها كلمات كثيرة , مثل: "جيولوجي - ايديولوجي - سيسيولوجي -

стр. 388

آنثروبولوجي - ديماغوجي - ديكتاتوري - ديمقراطي - أوتوقراطي - أورستقراطي - بروليتاريا - راديكالي - فولكلور - كوكتيل" إلى آخر هذا الحشد من المفردات الدخيلة , التي بدأت تغزو متن اللغة العربية من غير حاجة إليها , لإمكان ترجمتها بما يدل على معناها من اللغة العربية الفصيحة. أما الأعلام الأجنبية كأسماء الأشخاص , وأسماء الأدوية , وأسماء البلدان , فهذه لا مندوحة من قبولها بألفاظها , ولا مجال للاعتراض عليها , لعدم إمكان ترجمتها , وقد قبلت اللغة العربية منذ القديم هذا النوع , ولكن مجال البحث في ألفاظ المعاني التي يمكن ترجمتها إلى ألفاظ عربية , أو يمكن وضع مصطلحات عربية لها. إن قبولنا بتحدي هذه الكلمات الأجنبية في غزوها لغتنا العربية , استخذاء وخنوع لا يرضى به مسلم حريض على لغة الكتاب المجيد , وقد كان من الواجب أن لا يرضى به عربي يرى أنه يناصر قوميته , فما بال جمهورٍ كبير من مثقفينا العرب يفتحون صدورهم لتقبل هذا الغزو الأجنبي للغتهم , ويتولونه بأنفسهم , ثم يتنطعون بين العامة والخاصة بترديد هذه الألفاظ الدخيلة , التي يوهمون بها أنهم أصحاب معرفة واسعة بالعلوم الحديثة , لذلك فما على الجماهير إلا أن تستسلم لقيادتهم وتخضع لإرادتهم. والمحذور الخطير في الأمر ما يفعله ترديد المفردات الدخيلة في المكتوبات العربية , وتداولها على الأسماع , من تهيئة الجو المناسب لها كيما تنتشر وتتمكن بين الجماهير العربية , حتى تكون هي الكلمات المحفوظة , وبعد حقبة من الزمن تنسى ترجمتها العربية , ويصير الدخيل هو الأصيل صاحب الدار , إذ تتقبله الألسن , وتنسجم معه الأفكار , ومن شأن هذا الأمر أن يعبّد الطريق أمام موجات جديدة من المفردات الأجنبية العديدة , التي يراد لها أن تغزو لغتنا العربية , وحينما يكثر الدخيل الذي يزاحم المفردات العربية ويحل محلها , تصبح مهمة حملة لواء عزل العربية الفصحى عن ميادين الكتابة والعلم أسهل من ذي قبل. وعند ذلك يرى أعداء اللغة العربية أن الفرصة قد سنحت لهم , لإقامة

стр. 389

الجدار الغليظ بين الشعوب العربية وبين اللغة العربية الفصحى , وبإقامة هذا الجدار يرون أنهم قد ظفروا بعزل العرب المسلمين عن المصادر الإسلامية , التي ما تزال تجدد فيهم شباب العقيدة والنظم والتعاليم الإسلامية العظيمة. ولكن الله ﵎ سيحفظ كتابه القرآن , رغم مخططات أعداء الإسلام ضده , وسيحفظ اللغة العربية التي أنزل كتابه بها , حتى يظل نوره مشرقاً , ويستمر تعليمه حجةً على الناس , ويبقى صلةً دائمة بين الله ومن يريد أن يسلك سبيل الهداية من عباده , والله متم نوره ولو كره الكافرون. (١٠) طلائع المستجيبين لمكيدة إحلال العاميات محل الفصحى أول من استجاب للكتابة بالعاميات الإقليمية دور السينما العربية والمسارح , وكتاب الأغاني , وبعض أصحاب المجلات الفكاهية , والهزلية , ومروجو الفنون الشعبية. وعلى الرغم من انطلاق هؤلاء في هذا المضمار , مع اختلاف الدوافع التي أملت عليهم ذلك , ومنها دوافع تتصل بمهماتهم الفنية والتجارية البحتة , فقد ظلت النسبة العظمى من هذه الكتابات أقوالاً تُسمع ولا تُقرأ , وما يُقرأ منها فهو ذو طابع زمني , ينقرض بانقراض زمانه , شأنه كشأن معظم الأحاديث والقصص والفكاهات والأمثال العامية , التي تدور على ألسنة العامة في أوقاتها , دون أن يجد فيها الجيل اللاحق الأثر الذي كان يجده فيها الجيل السابق. وهذه التجارب التي تمر بها ميادين الفنون , ستقدم الدليل القوى على أن العاميات الإقليمية ليس من شأنها أن يكتب لها الخلود والبقاء , إذ ستنتصر عليها العربية الفصحى , وتثبت أنها هي الجديرة بالبقاء , لما تتمتع به من رقي لغوي , وضبط تامٍ يستطاع معه الطمأنينة على ضمان وسلامة المعاني , وحفظها من الميوعة والتحريف , والبلى مع الزمن. وإننا ننصح لهؤلاء الذين اختاروا لأنفسهم مسالك الفنون , أن يتحسسوا

стр. 390

بشيء من واجبات لغتهم وواجبات تاريخهم عليهم , وهم من أبناء هذه الأمة , وذلك بأن يرتقوا بلغة الفن شيئاً فشيئاً , حتى يدنوها من العربية الفصيحة , وحتى يساهموا بنشرها بين الجماهير الكثيرة , التي تشاهد فنونهم أو تسمعها , كما نهيب بهم أن يرتقوا بها في مراتب الأدب الرفيع , والتوجيه الكريم إلى مكارم الأخلاق , وإلى مختلف الفضائل الفكرية والنفسية والاجتماعية , وأن لا يجعلوا الميادين الفنية سوقاً لكلّ رخيص مبتذل , ولا مرتعاً للمباذل اللفظية والعملية. ولا يظنوا أن الفرق واسع بين العامي والفصيح , فالقضية ميسورة إذا بذلوا في سبيلها بعض الجهد , وما عليهم إلا أن يعربوا الكلمة , وأن يختاروا من المفردات السهلة الدارجة على الألسن ما يوافق الفصيح , وما أظن هذا الأمر صعباً على من يبذل عشرات الألوف لإنتاج مشهد تمثيلي واحد للشاشة أو المسرح. أما الأغاني فأمرها أيسر وأسهل , وتصحيحها مطلب قريب المنال لكل قاصد والمسؤولية في هذا تقع على المؤلفين والملحنين والمغنين معاً. وعلى كلّ من يريد لأدبه أن يكون خالداً أن يكتبه بلغة القرآن الذي تكفل الله بحفظه , ومن حفظه حفظ العربية الفصحى التي أنزله بها , ولَنْ يظفر الأعداء الغزاة بطائل كبير في حربهم لهذه اللغة العظيمة , ما دام منزل القرآن قد تكفل بحفظه , وخيرٌ لهم أن يبذلوا هذه الجهود الطائلة في أمور تنفعهم في بلادهم وتنفع أمتهم , وما لهم ولهذا الصرع مع كتاب الله واللغة التي أنزله الله بها؟ لقد عملوا على هدم الإسلام من كلّ جانب عبر قرون , فلم يظفروا بإلغائه ولا محوه , ورأوا أنهم كلما زادوا المسلمين اضطهاداً ومؤامرات ومكايد , دار الزمن دورته , فتفجَّر حقل إسلامي جديد من جهة من جهات الأرض , فقدم نفسه للعالم نوراً مشرقاً , ودعوة خيرة , وقوة ذات بأس ومنعة.

стр. 391

(١١) نحن والغزاة تحرص كلّ الشعوب على لغاتها , وتحاول الاحتفاظ بها , ونشرها بين الناس , كما يفعل الاستعماريون , وغيرهم من ذوي النزعات القومية. ونلاحظ تمسّك اليهود تمسكاً شديداً بالعبرية , ضمن دوافع دينية وعرقية قومية , ولو نشأ ناشئوهم بين شعب لا يتكلّم العبرية مطلقاً , وقد يصل التعصب ببعضهم إلى رفض تعلم لغة أخرى. وتفاخر الأمم بالروائع الأدبية والروائع العلمية المكتوبة بلغاتها والمصوغة بألسنتها؛ إذ تشعر في ذلك بلون من ألوان المجد المتصل بذاتياتها ولغاتها الممثلة لصورة الرقي الذي بلغه أسلافها , والذي يمنحهم الشعور بأن وراثة عوامل المجد مستمرة فيهم , وهذه العوامل سيكون لها بين حين وآخر ثمرات متجددة , بينما تشعر أمم أخرى بكثير من الخجل والضآلة , إذا لم تجد في تاريخها الغابر روائع علمية أو أدبية تبرهن للناس على مدى الرقي الذي بلغه أسلافها , الأمر الذي قد يشعر هؤلاء الأحفاد بأنهم لا يملكون النصيب الذي يفخرون به من وراثة عوامل المجد , وبأن القصور الذي أصيب به آباؤهم وأجدادهم قد يكبو بهم أيضاً على مرّ الزمن. هذه ظاهرة من الظواهر الإِنسانية , ذات الأثر في مجتمعات الناس , وإننا نجد أنفسنا مضطرين لعرضها في ميادين البحث الإِِنساني , سواء أقرها التحليل العلمي أو تردد في إقرارها , لأن كلَّ ظاهرة اجتماعية لا بد أن يكون لها عامل أو أكثر من العوامل النفسية داخل الأفراد , وهي التي تمثل بشكل عام جانباً من خصائص الأمة. ولما كانت اللغة العربية الفصحى تحوي ذخائر الروائع الأدبية والعلمية , التي لا تطاولها ذخائر أخرى في العالم؛ حق للأمة العربية في جميع عصورها أن تفخر بهذه الذخائر , وأن تحرص عليها , وأن تكون وفية لأسلافها , وذلك

стр. 392

بالمحافظة على متن لغتها الراقية , وقواعدها التي كتبت بها هذه الذخائر , وضبطت بها علومها وآدابها. وجدير بالأمة العربية فوق ذلك أن تفخر بالشرف العظيم الذي منحها الله إياه , إذ أنزل بلغتها العربية الفصحى القرآن المجيد , آخر الكتب الربانية للناس وخاتمها , وجامع زبدة ما أنزل فيها من علم وهداية , وقد امتن الله على رسوله محمد ﷺ وعلى الأمة العربية بهذا التشريف إذ قال تعالى في سورة (الزخرف / ٤٣ مصحف / ٦٣ نزول) : ﴿ فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ * وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ . أي: وإن القرآن لشرف عظيم لك ولقومك , إذ أنزل باللغة العربية التي تنطقون بها , فتوّج ذخائر علومكم وآدابكم بتاج المجد الخالد , الذي لا يطاوله مجد آخر , لما يتمتع به من حكمة وحق وإعجاز في لفظه ومعناه. وإذا اختار الله اللغة العربية الفصحى لإِنزال آخر كتبه للناس بها , الجامع لزبدة ما في الكتب السابقة من هداية وحكمة , والذي أعدّه الله للخلود , وتعهد بصيانته وحفظه من التحريف والتبديل والنسيان والضياع في لفظه ومعناه , فمن المؤكد أن يكون لهذا الاختيار حكمة تتصل بجوهر هذه اللغة وخصائصها , لذلك نجد في القرآن الكريم آيات عشراً تنوه بأنه قرآن عربي: أ - فمنها قول الله تعالى في سورة (الشعراء / ٢٦ مصحف / ٤٧ نزول) : ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ * وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الأَوَّلِينَ﴾ . فالقرآن بلسان عربي مبين , وظاهر في وصف اللسان العربي بالإِبانة المدح له بالدقة والضبط في تأدية ألفاظه وتراكيبه وقواعده وأساليبه البلاغية للمعاني التي يقصد إليها البليغ , حينما يستخدم هذا اللسان للتعبير عما يريد الإِبانة عنه , واللسان العربي هو اللغة العربية الفصحى التي أنزل الله بها القرآن.

стр. 393

والقرآن ليس بدعاً بين الكتب المنزلة , فما احتواه من هداية وحق وحكمة قد أنزله الله موزعاً في كتب الرسل الأولين , وهذا ما دلّ عليه قول الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الأَوَّلِينَ﴾ ب - ومنها قول الله تعالى في سورة (يوسف / ١٢ مصحف / ٥٣ نزول) : ﴿إِنَّآ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ وقوله تعالى في سورة (الزخرف / ٤٣ مصحف / ٦٣ نزول) : ﴿ إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ *﴾ . ونستطيع أن نفهم من قول الله تعالى في هذين النصين: "قرآناً عربياً لعلكم تعقلون" أن في اختيار إنزاله قرآناً عربياً حكمة عبّر عنها بقوله: "لعلكم تعقلون" أي رجاء أن تعقلوا ما فيه من معانٍ , لأن اللغة العربية لغة فيها من القواعد الرصينة والأساليب البلاغية ما يضبط الدلالة على المعاني الكثيرة المرادة , ولا يسمح لها أن تكون مائجة مائعة رجراجة , أو رجاء أن تعقلوا هذا التشريف الربّاني للغتكم , فتحافظوا على هذا الكتاب , وتحافظوا على هذه اللغة التي اختارها الله من بين لغات الأرض لغة خاتم كتبه للناس بها , مع أن من آياته جلّ وعلا اختلاف ألسنة الناس وألوانهم. جـ - ومنها قول الله تعالى في سورة (الأحقاف / ٤٦ مصحف / ٦٦ نزول) : ﴿وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَاماً وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُّصَدِّقٌ لِّسَاناً عَرَبِيّاً لِّيُنذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ﴾ . وقوله تعالى في سورة (فصلت / ٤١ مصحف / ٦١ نزول) : ﴿حم * تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ *﴾ . وقوله تعالى في سورة (طه / ٢٠ مصحف / ٤٥ نزول) :

стр. 394

﴿وَكَذلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً﴾ . وقوله تعالى في سورة (الزمر / ٣٩ مصحف / ٥٩ نزول) : ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * قُرْآناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ . ففي هذه النصوص يؤكد الله مِنّته على الأمة العربية بإنزال القرآن بلسانها , تشريفاً للغتها وتكريماً لها. وإن كتاباً قد بلغ هذا المجد العظيم حقيق بأن تبذل من أجل الحرص عليه حياة أجيال , وحقيق بأن تكون لغته محور لغة الأمة التي شرّفها الله به , وأن يكون صراطه سبيل حياتها , وأن تكون مبادئه وفلسفته أسس عقائدها ومفاهيمها. أما الذين يحاولون صرف الأمة العربية والشعوب الإسلامية عن العربية الفصحى , فهم يعملون ليخلعوا عن هذه الأمة مجدها العظيم. ومع اعترافنا بأن الخطة الذكية , التي سلكها الأعداء الغزاة , المشتملة على استئجار أجراء من داخل البلاد الإسلامية , لتحقيق أهدافهم في هدم الإِسلام , قد كانت أكثر نجاحاً من خططهم السابقة التي واجهوا بها المسلمين صراحة , وهم يعلنون عداءهم الصريح لهم ولدينهم ولماضيهم وكل ما يتصل بهم. ومع اعترافنا أيضاً بأن أبناء المسلمين الذين تربوا على أيدي أعداء الإِسلام , وتأثروا بهم , قد كانوا أكثر إنفاذاً لأفكار الغزاة وأكثر نشراً لها داخل المجتمعات الإِسلامية من الأعداء أنفسهم , لأنهم من جلدتهم , وينطقون بلغتهم , ويتظاهرون بالغيرة عليهم , ويستطيعون أن ينفذوا إلى مراكز القيادة فيهم , ويجد كلٌ منهم عشيرة تناصره , وعصابة تؤازره , وجماهير تحسن به الظن , لأنه بحسب الظاهر غير متّهم على قومه , إذ هو منهم , مع أنه في الحقيقة قد خرج بأفكاره وعواطفه الصادقة عنهم خروجاً بيناً , بسبب عملية الصهر

стр. 395

البطيء الذي تعرّض له , من قبل أعداء قومه ودينه , منذ نشأته في المدارس التي تطبق خطط الأعداء , فهو في كل إساءاته لأمته ولأمجادها وأبنيتها الحضارية يحسب أنه يصلح ولا يفسد , ويساهم في تقدم أمته لا في تأخرها , وصاحب هذا الظن شر على أمته من صاحب الخيانة , لأن الأجير الخائن يعمل بمقدار الأجر الذي يدفع له , ويظل جباناً خائفاً يحاذر الفضيحة , أما هذا فإنه يقوم بأعمال الهدم باذلاً كل قوتّه , متحمساً للأفكار الفاسدة التي حملها معتقداً لها , حتى أمست جزءاً من كيانه النفسي والفكري. مع اعترافنا بما سبق فإن الإصلاح لا يعدم وسيلة تنفذ إلى الواقع الفاسد , بالإقناع والترغيب والترهيب والتربية والتقويم القسري. ولو تسنى للمصلحين الظفر بإقناع الذين انحرفوا من أبناء أمتنا , حتى يعلموا أنهم قد كانوا ضحايا غزو فكري أعده أعداء أمتهم بإحكام بالغ , لهدم مباني مجدها التاريخي العظيم , لانقلبوا بقوة أشد عنفاً على أفكارهم التي حسبوها خيراً وهي شرٌ لهم ولأمتهم , ولعادوا إلى تدعيم المباني التاريخية التي يعملون اليوم على تهديمها , بكل ما أوتوا من قوة. وما على الطلائع المؤمنة بالحق والخير إلا أن تضطلع بمهمة نشر ما تؤمن به , غير متواكلة ولا متخاذلة. ففي ردّ هجمات التحدي التي يوجهها خصوم اللغة العربية الفصحى بين حين وآخر إلى حصونها وقواعدها , بغية الفصل بين الشعوب الناطقة بها وبين كنوز الإسلام المحفوظة فيها , يجب على العرب خاصة وعلى المسلمين عامة أن يقابلوا هذه الهجمات بالصمود والثبات , إن لم يردوها بهجمات مناظرة على أسس اللغات الأخرى , التي يحاول الناطقون بها نشرها بين أمم الأرض , وإحلالها محلّ لغاتها الأصلية , ويوجهون جهوداً ضخمة على وجه الخصوص لمحو اللغة العربية حاملة رسالة الإسلام. وخطة الصمود والثبات تفرض على الأمة العربية ثم على سائر الشعوب الإسلامية أن يعملوا على نشر العربية الفصحى بين الأجيال الناشئة في

стр. 396

بلادهم , ثم أن يعملوا أيضاً - إن استطاعوا - على نشرها بين شعوب الأرض قاطبة , بأحدث وسائل النشر , وأقرب أساليب تعليم اللغات , ولا أقل من أن تكون هي لغة التخاطب بين الشعوب الإسلامية التي يبلغ عددها ربع سكان الكرة الأرضية. هذا واجب إسلامي يطالب به جميع المسلمين , وهو واجب عربي يطالب به جميع العرب. وتتحمل مناهج التعليم وبرامجها وخططها الدراسية وكتبها المدرسية والمدارس التي تطبق ذلك أثقل أعباء هذه المسؤولية الخطيرة. وأي تهاون أو تقصير في أمر العناية بالعربية الفصحى من قبل المؤسسات المسؤولة عن وضع المناهج والبرامج والخطط الدراسية والكتب المدرسية , والمسؤولة عن الإشراف على المدارس التي تطبقها , سيكون مساهمة سلبية , تمكن لخصوم اللغة العربية , أن يظفروا ببعض ثمرات هجمات التحدي عليها وعلى الإسلام , الذي يمثل بالنسبة إليها قوة الحماية غير المنظورة , التي يعرفها الخبيرون , ويتجاهلها المغرضون. فمن الواجب أن تضم المناهج الدراسية لجميع مراحل الدراسة النسبة الكافية من علوم اللغة العربية , وأن تعطى هذه المناهج من الخطط الدراسية النسبة الكافية من الساعات الأسبوعية , وأن يشجع المؤلفون والمنتجون بكلّ وسائل التشجيع المغرية لابتكار الطرق التعليمية السهلة لهذه اللغة , ولتأليف الكتب الملائمة التي تحبب اللغة العربية لروادها , وأن تقدم العلوم على اختلافها باللغة العربية الفصيحة اللينة السهلة , التي لا تقعير فيها ولا تعقيد , وذلك منذ أول المرحلة الابتدائية حتى نهاية المرحلة الجامعية , وأن لا يسمح بتدريس العلوم المختلفة باللغات الأجنبية , مهما دعت الضرورة إلى ذلك , فضرورة المحافظة على اللغة العربية أشد , والأمر ميسور لمن طلبه وسعى إليه , وأن تعد الجوائز والمكافآت للكتَّاب والأدباء والشعراء الذين يقدمون ثمرات إنتاجهم العلمي أو الأدبي , المتقيد بأصول اللغة العربية متنها وقواعدها والمتقيد بأصول العقائد والأخلاق الإسلامية , وأن تعقد مجالس محادثات عامة أسبوعية أو شهرية

стр. 397

في كل معهد علمي مهما كان مستواه الدراسي للطلبة والمدرسين، يلزم فيها المتحدثون بأن يتقيدوا بالعربية الفصحى، مهما كانت موضوعات الأحاديث، ولو كانت من الأحاديث العادية غير ذات الشأن، وأن تقوم مؤتمرات دورية في العالم الإسلامي يشارك فيها ذوو الاختصاص لاكتشاف أحسن الوسائل لتسهيل نشر اللغة العربية في العالم. ويقع قسم آخر من عبء هذه المسؤولية، على المجامع العربية التي يجب عليها أن تعمل بكل جهدها، على توحيد المصطلحات العربية لمختلف العلوم والفنون الحديثة، وأن تصدر في سبيل تحقيق هذه الغاية على شكل دوري مجلة عربية رسمية موحدة، تنشر فيها ما تتلقاه من طلبات ووضع مصطلحات عربية في مختلف العلوم والفنون، تفد إليها من جميع المؤسسات التعليمية وغيرها، ثم تنشر فيها جميع القرارات التي تتخذها بشأن المصطلحات العربية الحديثة، وقبل أن تتخذ قراراتها لا بد أن تطرح موضوعاتها على الرأي العام العربي، طالبة تقديم المقترحات حول المعاني العلمية أو الفنية الجديدة التي تريد أن توجد لها مصطلحات عربية. ومن الخير أن تحدّد هذه المجامع مكافأة مادية لكلّ مصطلح ينال لدى المجامع العربية أولولية الإقرار، ومن ثم يلزم الكتاب والمؤلفون والمحاضرون بأن يتقيدوا بهذه المصطلحات التي توضع لها المعاجم الخاصة، على أن تجدد طباعتها بين حين وآخر، مضافاً إليها ما استحدث من مصطلحات. وأخيراً فإن القسط الباقي من عبء هذه المسؤولية يقع على جميع المؤسسات الرسمية والدوائر الحكومية في جميع البلاد العربية، وعلى وسائل الإعلام المختلفة الشاملة للإذاعات والصحف والمجلات والأندية والمؤسسات الاقتصادية العامة أو الخاصة. أما نشر اللغة العربية بين الشعوب الإسلامية فيتطلب عملاً إسلامياً عاماً تتحمل البلاد العربية فيه قسطاً كبيراً من مسؤوليته. ومن وسائل تحقيق هذا الهدف افتتاح مراكز لتعليم اللغة العربية في كل بلد من البلاد الإسلامية، بالاتفاق مع حكومات هذه البلاد، ولن تكون

стр. 398

مشكلة التمويل كبيرة متى اقتنعت هذه الدول الإسلامية بضرورة الأمر، إذ ستتحمل كل دولة منها معظم أعباء المراكز التي تؤسس داخل دولتها، وما على الدول العربية في إطار التعاون مع الشعوب الإسلامية إلا أن تقدم الخبرات والمعلمين المدربين الكتب الملائمة. ومن الوسائل تذليل تعلّم وتعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها، وعن طريق الكتب الميسرة السهلة، والتعليم الإذاعي، والتعليم التلفزيوني، وأشرطة التسجيل السمعية، والسمعية البصرية، ومعامل اللغة، والمسابقات العامة، وغير ذلك. هذه طائفة من الوسائل التي نستطيع أن نخدم بها لغتنا العربية، وستكون فائدتنا جليلة جداً في المجال الدولي العام إذا حققنا هذا الأمل العظيم. * * *

стр. 399

الفصْل الثاني عشر الغزاة وتفصيل أعمالهم في الإفساد الخلقي والسلوكي ١- تكسير معاقد الترابط الاجتماعي وتقطيع أوصاله. ٢- العبث بجذور الأخلاق. ٣- طريقا التضليل والاستدراج إلى الانحراف السلوكي. ٤- الوسائل: الأولى: استخدام عنصر المال. الثانية: استخدام عنصر النساء. الثالثة: الاهتمام بالمرأة في مجالات العلم والثقافة والفن. الرابعة: فتنة الاختلاط وسفور المرأة. الخامسة: استخدام الآداب والفنن. السادسة: استخدام عنصر الحكم. السابعة: استخدام المسكرات والمخدرات. الثامنة: استخدام وسائل اللهو واللعب. التاسعة: الاهتمام بإفساد الفتيان والفتيات. العاشرة: استخدام وسائل الترف والرفاهية. الحادية عشرة: سياسة المستعمرين غير الأخلاقية. الثانية عشرة: استخدام الفكر الإلحادي.

стр. 400

(١) تكسير معاقد الترابط الاجتماعي وتقطيع أوصاله اجتازت بي السيارة مرة في طريق صحراوي، فهبت رياح ليست بعاتية، فشهدت جبالاً ضخمة تحملها أنامل الرياح من جهة نائية عن يمين الطريق، ثم تضعها في جهة نائية عن يساره، وقالوا: هذه جبال من رمل، تتلاعب بها الرياح، فتنقلها في الصحراء، بحسب اتجاهاتها، فقلت: ما أشبه أكثر المجتمعات الإنسانية في هذا العصر بهذه الجبال الرملية، تتقاذفها الرياح الكونية ذات اليمين وذات الشمال. ولما اجتزنا جبال الرمل صادفنا هضبة مرتفعة , تزمجر الرياح العاتية من حولها , تريد أن تقتلعها , وتحملها كما حملت جبال الرمل هناك , فلا تستطيع أن تنال منها نيلاً , إلا غباراً كان قد علق بها فكنسته عنها , وبعض حصىً اختار أن ينفصل عن الهضبة , فعبثت به الرياح , فقلت: ما أشبه هذه الهضبة بمجتمع بشري متماسك بالإسلام , استطاعت الروابط الاجتماعية لديه أن تجد في أفراد معاقد خلقية متينة فتنعقد عليها فتكسب المجتمع قوة الكتلة الواحدة , لا قوة الأفراد المبعثرين , وفرق كبير جداً بين القوتين , إن بطلاً واحداً يستطيع أن يصرع مئة ألف مصارع على التناوب , لكنه متى اجتمع عليه عدد قليل منهم صرعوه مهما بلغت قوته. وقد دلت التجربات الإنسانية والأحداث التاريخية أن ارتقاء القوى المعنوية للأمم والشعوب ملازم لارتقائها في سلم الأخلاق الفاضلة , والسلوك الاجتماعي السليم , ومتناسب معه , وأن انهيار القوى المعنوية للأمم والشعوب

стр. 401

ملازم لانهيار أخلاقها وفساد سلوكها , ومتناسب معها. فبين القوى المعنوية وفضائل الأخلاق ومحاسن السلوك تناسب طردي دائماً , صاعدين وهابطين. إن الأخلاق في أفراد الأمم والشعوب تمثل المعاقد الثابتة التي تعقد بها الروابط الاجتماعية , ومتى انعدمت هذه المعاقد أو انكسرت في الأفراد لم تجد الروابط الاجتماعية مكاناً تنعقد به , ومتى فقدت الروابط الاجتماعية صارت الملايين في الأمة المنحلة عن بعضها مزودة بقوة الأفراد فقط , لا بقوة الجماعة , بل ربما كانت قواها المبعثرة مضافة إلى قوة عدوها ضدها , وذلك بالتصادم الداخلي , وبالبأس الذي يقع فيما بينها. وقد أدرك الأعداء الغزاة للإسلام والمسلمين هذه الحقيقة , فعملوا على إفساد أخلاق المسلمين وإفساد سلوكهم الاجتماعي والفردي بكل ما أوتوا من مكر وحيلة ودهاء , ووسائل مادية , وشياطين وسوسة وتضليل , ليبعثروا قواهم المتماسكة بالأخلاق الإسلامية العظيمة , والسلوك الإسلامي القويم , وليفتتوا وحدتهم التي كانت مثل الجبل الراسخ الصلب قوة , ومثل الجنة الوارفة المثمرة خضرة وبهاء , وثمراً وماءً. لقد عرف الأعداء الغزاة أن الأخلاق الإسلامية في أفراد المسلمين تمثل معاقد الترابط الاجتماعي فيهم , فجندوا لغزو هذه المعاقد وكسرها جيوش الإفساد والفتنة وعرفوا أن النبع الأساسي الذي يزود الإنسان المسلم بالأخلاق الإسلامية العظيمة إنما هو الإيمان بالله واليوم الآخر. وما فيه من حساب وجزاء , فصمموا على أن يكسروا مجاري هذا النبع العظيم , ويسدوا عيونه , ويقطعوا شرايينه. وعرفوا أيضاً أن تفهم مصادر الشريعة تفهماً سليماً هو الذي يمُد نبع الإيمان بالمعرفة , فمكروا بالعلوم الإسلامية , والدراسات المتعلقة بها مكراً كُبَّاراً , ما بين حجب أو تلاعب أو تشويه أو تجميد أو مضايقة لروادها ومبلغيها , وذلك في حرب مستمرة , لا تعرف كللاً , ولا تعرف مللاً. ومن العجيب أن تعمل أجنحة المكر الثلاثة: (المستعمرون والمبشرون والمستشرقون) لغزو الشعوب الإسلامية بخطط الإفساد الخلقي والسلوكي , لتفتيت كتلة المسلمين الصلبة في العالم , في حين أن شعوب هذه الأجنحة مغزوة

стр. 402

بشكل أخطر وأكبر من قبل شياطين اليهود في العالم , وهم عن مكر اليهود بهم غافلون. نقرأ في "بروتوكولات حكماء صهيون" فنجد معظم مخططاتهم تهدف إلى تفتيت الشعوب وتشتيتها وتقطيع أوصالها , ونشر الفساد فيها , وغرس أصول الرذيلة بين أفرادها , حتى لا تبقى لهذه الشعوب مكارم أخلاق تجمعهم وتشد أواصرهم , ولا عقائد سليمة تغذيهم بالفضائل , وغاية اليهود أن يظفروا بأن تكون لهم وحدهم القوة الجماعية المتماسكة , التي تمكنهم من بسط سلطانهم على الشعوب المختلفة , رغم قلة عددهم في العالم , وقد نفذ اليهود قدراً كبيراً من مخططهم الخبيث في الشعوب النصرانية , قبل أن يتوجهوا بثقلهم الكبير إلى الشعوب الإسلامية , وقبل أن تتولى الأجنحة الثلاثة تنفيذ هذا المخطط في هذه الشعوب. والبلهاء من غير اليهود ينفذون في أنفسهم وفي شعوبهم وفي شعوب غيرهم مخططات أعدائهم تسوقهم الخديعة الكبرى , أو تستدرجهم وعود كاذبة , أو رشوات حقيرة , أو فكرة باطلة مزخرفة , أو شعار براق خادع , أو شهوة طاغية. وثبتت قيادات الأجنحة الثلاثة أنظارها في دائرة محاربة الأمة الإسلامية , وتهديم شعوبها , غافلة عن عدوها الأكبر وعدو الإنسانية كلها , ويوم تصحو هذه القيادات لا تجد في أيديها شعوبها , إذ تكون هذه الشعوب ساقطة في حبائل المكر اليهودي. (٢) العبث بجذور الأخلاق وقد كرس الأعداء الغزاة جهوداً ضخمة لإفساد أخلاق المسلمين , والتلاعب والعبث بالمنابع الأساسية للأخلاق , وهي التي تفجرها العقيدة الإسلامية الراسخة , وتمدها بالقوة والأصالة والثبات , وقد توصلوا إلى كثير مما

стр. 403

أرادوا من توهين المسلمين وإضعاف قوتهم , حينما بلغوا إلى العبث في جذور أخلاقهم الإسلامية العظيمة. وذلك لأنهم عرفوا بالخبرة التاريخية الطويلة , وبدراسة الأسباب النفسية أن الأخلاق في أفراد الأمم تمثل معاقد الترابط فيما بينهم , وأن النظم الاجتماعية والتعاليم السلوكية التي جاء بها الإسلام والأديان الربانية الصحيحة تمثل الأربطة التي تشد المعاقد إلى المعاقد , فتتكون بذلك الكتلة البشرية المتماسكة القوية , التي لا تهون ولا تستخذي. ونضرب على ذلك أمثلة من الأخلاق الإسلامية ومدى تأثيرها في تحقيق الترابط الاجتماعي. المثال الأول: خلق الصدق , إن هذا الخلق بوصفه خلقاً ثابتاً في الفرد المسلم السوي معقد من معاقد الترابط الجماعي , إذ تنعقد به ثقة المجتمع بما يحدّث ويخبر في مجال التاريخ والأخبار , أو في مجال نقل العلوم والمعارف , أو في مجال المعاملات المادية والأدبية , أو في مجال الوعود والعهود والمواثيق , وغير ذلك. ومتى انهارت في الفرد فضيلة الصدق انكسر فيه معقد من معاقد الترابط الجماعي , فانقطعت بينه وبين مجتمعه رابطة عظمى , وغدا الناس لا يصدقونه فيما يقول , ولا يثقون به فيما يحدث أو يخبر أو يعد , فلا يكلون إليه أمراً , ولا يعقدون بينهم وبينه عهداً , ولا يواسونه إذا اشتكى لهم من شدة , لأنهم يرجحون في كل ذلك كذبه , بعد أن غدت رذيلة الكذب هي الخلق الذي خبروه فيه. المثال الثاني: خلق الأمانة , إن هذا الخلق بوصفه خلقاً ثابتاً في الفرد المسلم السوي معقد من معاقد الترابط الجماعي , إذ تنعقد به ثقة الناس بما يضعون بين يديه من مال أو سلطان , وبما يمنحونه من جاه أو تكريم , وبما يكلون إليه من تمثيل لهم في المجالس والمحافل والمجتمعات العامة أو الخاصة , وأشباه ذلك.

стр. 404

ومتى انهارت في الفرد فضيلة الأمانة انكسر فيه معقد من معاقد الترابط الجماعي , فانقطعت بينه وبين مجتمعه رابطة عظمى , وغدا الناس لا يأمنونه على أي شيء ذي قيمة معتبرة لديهم , خاصاً كان أو عاماً , لأنهم يقدرون في نفوسهم أن سيسطو عليه لنفسه , بعد أن غدت رذيلة الخيانة هي الخلق الذي خبروه فيه. المثال الثالث: خلق العفة , إن هذا الخلق بوصفه خلقاً ثابتاً في الفرد المسلم السوي معقد من معاقد الترابط الجماعي , إذ تنعقد فيه ثقة الناس بما يضعون بين يديه من أعراضهم , فتأمنه الأسرة على أعراضها إذا غابت , ويأمنه الجار على عرضه إذا خرج من منزله إلى عمله , وتأمنه الزوجة إذا غاب عنها من أن يختان نفسه , ونحو ذلك. ومتى انهارت في الفرد فضيلة العفة انكسر فيه معقد من معاقد الترابط الجماعي فانقطعت بينه وبين مجتمعه رابطة عظمى , وأمسى الناس لا يأمنونه على أعراضهم , ولا يأمنونه على بلادهم ومصالحهم العامة , لأنهم يقدرون في نفوسهم أن أعداءهم سوف يسهل عليهم شراؤه من مغمز عفته , فإذا اشتروه سخروه في خدمة أغراضهم. وهكذا سائر الأخلاق الفاضلة الإسلامية , كالعدل , والجود , والوفاء بالوعد والعهد , والإحسان , والعطف على الناس , والتعاون , وغير ذلك من فضائل الأخلاق , وبانهيار كل خلق منها ينكسر معقد من معاقد الترابط الجماعي , وتتقطع ما بينه وبين مجتمعه الرابطة المتصلة بهذا المعقد. وبانهيارها جميعاً تنكسر جميع معاقد الترابط الجماعي , وتنحل جميع الروابط الاجتماعية , ويمسي المجتمع مفككاً منبثاً , كحبات رمل تسفيها الرياح. ولا تكون الدعوة إلى التكتل والتجمع ناجحة ما لم يرافقها تأسيس خلقي في الأفراد , ويضمن للجماعة الواحدة معاقد التماسك , وأي تجمع ليس بين أفراده ترابط حقيقي , مشدود في معاقد خلقية متينة فاضلة , فإنه تجمع يشبه تجمع كثبان الرمل من غير أربطة بينها.

стр. 405

على أنه ليس من المستحيل أن تتحول كثبان الرمل إلى جبال راسخة متينة , تصمد في وجه العاتيات من الريح , ولكن يشترط لذلك شروط يعرفها البناؤون بالإسمنت المسلح. وعلى مثل ذلك يكون للكثبان المفككة من البشر , فإن المادة التي تعقد بينها هي الأخلاق الإسلامية الفاضلة , المدفوعة بقوة الإيمان بالله واليوم الآخر , ويتم ذلك بإعادة بناء الأخلاق الإسلامية في هذه المجتمعات التي تنتسب إلى الإسلام وتترعرع في أمجاده , وهذه المادة العظيمة المدفوعة بهذه القوة الهائلة تحتاج إلى وسيط يحلل عناصرها , ويحكم تغلغلها في الأفراد , وارتباط بعضها ببعض , ألا وهو وسيط التربية والتعليم على الأصول الإسلامية , يضاف إلى ذلك شبكة حكم قوي إداري حازم تشبه شبكة القضبان الحديدية في أبنية الإسمنت المسلح , وذلك لحماية الأمة من الهزات السياسية أو الاقتصادية العنيفة , التي قد تكسر من تماسكها , وتقطع من أوصالها وروابطها. (٣) طريقا التضليل الفكري والاستدراج إلى الانحراف السلوكي وكان من أخطر أنواع الغزو الذي غزتنا به جيوش الأعداء ما فعلته من تهديم للأخلاق الفاضلة وأنواع السلوك الإسلامي , وقد هيأ هذا الغزو الخطير المجتمعات الإسلامية لتقبل الوافدات الفكرية من كل جهة. وقلب الأوضاع الاجتماعية للمسلمين رأساً على عقب، وجعل كثير منها صورة للنقائص الموزعة في البيئات المعادية للإسلام، شرقية أو غربية. ولو كان الأمر واقفاً عند حدود اقتباس ما هو نافع ومفيد منها، مما فيه تقدم علمي أو صناعي أو تحسين مدني، وطرح ما هو ضار ومفسد مما هو منافٍ لمكارم الأخلاق ومخالف للعقائد الحقة لكان الأمر من الفضائل التي يدعو إليها الإسلام. لكن الأمر قد كان في بعض الأحيان اقتباساً عاماً للنافع والضار، وتبعية عمياء، وكان في معظم الأحيان اقتباساً للضار فقط، مما تنزلق إليه الشهوات

стр. 406

والأهواء، فالناظر في معظم المجتمعات الإسلامية يلاحظ مباينة معظم أخلاقها وعاداتها لمكارم الأخلاق التي يحث عليها الإسلام، ويفرض على أتباعه التزامها، والتقيد بحدودها، وكان من عوامل هذا الانحطاط الخلقي سياسة الغزاة الذين وضعوا أيديهم على معظم بلاد المسلمين حقبة من الدهر، وانغماس المسلمين في الدعة والترف وشؤون دنياهم الخاصة، وانشغالهم بالتنازع والخلاف، وتعلقهم بالدنيا، وإخلادهم إلى الأرض، وغفلتهم عن الله والدار الآخرة. لقد وجد الأعداء الغزاة أن الأخلاق الإسلامية التي هي من الظواهر التطبيقية للإيمان بالله واليوم الآخر، من أكبر العوامل الفعالة التي منحت المسلمين قوتهم الهائلة في تاريخهم المجيد، فأرادوا أن يهدموا فيهم هذه العوامل، ليوهنوا قوتهم، ويشتتوا شملهم، فعملوا على أن يقذفوا في المجتمعات الإسلامية العناصر الفكرية والسلوكية التي تفسد تماسكها الاجتماعي، وتقطع الأربطة التي تعقد الصلات المحكمة ما بين وحداتها، وتسلبها سر قوتها. وقد سلكوا لتحقيق هذا الهدف طريقين: الطريق الأول: التضليل الفكري الذي ينشأ عنه تغيير في السلوك، لأن العوامل الفكرية ذات أثر فعال في النفس الإنسانية، والنفس الإنسانية هي مصدر التوجيه إلى أنواع السلوك المختلفة في الحياة، ويدخل في هذا الطريق جميع عناصر الغزو الفكري الذي جندوا له قسطاً كبيراً من طاقاتهم العلمية والإعلامية. وأخطره الخطط الماكرة الموجهة لتنشئة الأجيال التنشئة المعادية للإسلام عقيدة وعملاً، منذ نعومة أظفارهم، في المدارس، وفي المنظمات الخاصة والعامة. الطريق الثاني: الاستدراج إلى الانحراف السلوكي وأخطر صوره، الغمس في البيئات الفاسدة، وإيجاد المناخات المفسدة المضلة، التي تسري فيها العدوى سريان النار في الهشيم.

стр. 407

(٤) الوسائل وقد عمد الغزاة في حملاتهم للإفساد الخلقي والسلوكي إلى استخدام العناصر التالية: (المال - النساء - الحكم ومطامعه - المسكرات والمخدرات - وسائل الترف والرفاهية - الآداب والفنون - اللهو واللعب، وغير ذلك) . وجندوا كل ما يستطيعون تجنيده لإفساد المجتمعات الإسلامية بهذه العناصر، وسهلوا سبل فتح الدور التي تستدرج إليها طلاب اللذة المحرمة، وعشاق المال الحرام وحرضوا المتطلعين إلى الرياسة أن يغامروا ويتصارعوا على مظاهر فارغة لا طائل تحتها، ويبددوا قواهم بالصراع فيما بينهم، حتى يظفر العدو بهم جميعاً، ويسخرهم بألاعيبه وحيله لما يريد فيهم وفي جميع المسلمين، من توهين وتشتيت، وتغيير جذري لكل مقوّم من مقومات وجودهم، ووجهوا أجراءهم للقيام بعملية التحويل الكلي لوجود الأمة الإسلامية. والأعمال تتوالى وتتكاثر، والخطط وتطبيقاتها في تجديد مستمر، والأخطار تتفاقم، والتحويل المراد يجري تنفيذه بدقة تامة، وسرعة هائلة. فهل من مدكر؟ وهل يتنبه المسلمون إلى وضع الخطط المعاكسة لخطط أعدائهم ويباشرون تنفيذها، مجندين كل طاقاتهم العلمية والمالية والبشرية القادرة على العمل؟ وباستطاعة الباحث أن يوجّه ملاحظاته للوسائل التالية من وسائل الغزاة. * * * الوسيلة الأولى: استخدام عنصر المال المال عنصر خطر فعال، كم اشتري به رجال، وكم استُذل به أبطال، وكم غُيِّرت به أحوال.

стр. 408

وقد استطاع الأعداء الغزاة أن يستخدموه على نطاق واسع في إفساد سلوك وأخلاق كثير من المسلمين، داخل البلاد التي بسطوا عليها سلطان احتلالهم المباشر أو غير المباشر. لقد عملوا حتى اشتروا بالمال أصحاب النفوس الضعيفة، وأخذوا يوجهونهم كما يريدون، وعملوا على نشر الرشوة والتشجيع على اختلاس الأموال العامة، ودعم الاحتكارات المحرمة، والتغاضي عن الغش، وتهريب المحظورات الدولية، أو تشجيعها من طرفٍ خفي، أو المشاركة السرية في تجارتها الممنوعة قانوناً. ولئن صادف أن أمسك بعض الموظفين الأمناء مجرماً من هؤلاء المجرمين، وساقه إلى القضاء بسلطة القانون، فإن كان هذا المجرم ولاّجاً خرَّجاً، في دهاليز كبار ذوي السلطة، ومن الذين دفعتهم إلى مراكزهم الأيدي الخفية للأعداء الغزاة، استطاع أن يكون بريئاً، وأن يوقع الموظف الأمين في ورطة كبرى تنتهي به إلى التسريح، أو إلى عقوبة مادية مهلكة، وإن لم يكن كذلك أصابته العقوبة القانونية الخفيفة التي تغريه بتكرار جرمه مرة أخرى، أو أسرعت إليه الأيدي الخفية فاشترته بالعفو عنه، وجندته في كتائبها المعادية للأمة. وخلال ربع قرن استطاع الأعداء الغزاة أن يفسدوا من سلوك المسلمين وأخلاقهم موروثات عريقة كريمة منتشرة في مجتمعاتهم منذ قرون. حتى أمست الرشوة المفسدة لأخلاق الموظفين في كثير من البلاد التي تأثرت بخطط الغزاة من الأمور المنتشرة انتشاراً فاحشاً، إلى حد أن أكثر الأعمال الإدارية في دوائر هذه البلاد لا تذلل لأصحابها ما لم يضيفوا فيها إلى طابع الدولة القانوني وضريبتها المحددة رشوة تناسب أهميتها، يضعونها سراً وراء المعاملة، حتى صارت نفقات كثير من الموظفين تبلغ ضعف مرتباتهم الشهرية أو أكثر، وقد بلغ الأمر ببعضهم أن يكون له أموال كثيرة وعمارات ضخمة، وأصل راتبه لا يكاد يكفيه لنفقاته العادية، كل ذلك بسبب الواردات الإضافية من الرشوات التي يتقاضونها من أصحاب المعاملات.

стр. 409

وهكذا سرى الداء وانتشر، ونجم عنه سيئات اجتماعية كثيرة، هضمت فيها حقوق كثيرة، وتحولت فيها وسائل كسب المال عند كثيرين من الوجوه المشروعة إلى الوجوه المحرمة، واضطرت سلطات كثيرة قضائية وإدارية أن تسكت عن المجرمين ذوي النفوذ، لانغماسها بمثل جرائمهم، أو بما هو شر منها. وقد رأينا أن السلطات الاستعمارية قد سهلت سبيل اختلاس الأموال العامة، ثم استخدمت ذلك سلاحاً فعالاً لتنفيذ أغراضها في البلاد، وذلك بأن تشعر المختلسين بأنهم على بوابة الإدانة القضائية والفضيحة العامة، وبأنهم لا يستطيعون أن يستروا أنفسهم ويتابعوا إشباع مطامعهم الخاصة ما لم يحققوا لهذه السلطات مطالبها في البلاد، ويخدموا مصالحها بإخلاص، وقد كان للسلطات الاستعمارية في نشر هذه السيئة الاجتماعية ميدان واسع، وقد استدرجت إليها كثيراً من ذوي النفوذ، وكان لها في ذلك عدة أغراض: ١- فمنها تسخير الذين انطبق عليهم الفخ في تحقيق أهداف الأعداء الغزاة. ٢- ومنها إفساد أخلاق المجتمع الإسلامية، حتى تنحل عُراه، ويتناثر عقده. ٣- ومنها إضعاف ثقة الأمة المستعمرة بنفسها وبصلاحيتها لحكم نفسها بنفسها. وقد عمل الأعداء الغزاة أيضاً على دعم الاحتكارات المحرمة، والتغاضي عن كل وسائل الكسب غير المشروع، حتى يهيئوا لأنفسهم داخل البلاد طبقة من المنتفعين ترى أن استمرار منافعها رهن باستمرار سلطان هؤلاء الغزاة، لذلك فهي مدفوعة بدافع المنافع المادية إلى دعم وجودهم في البلاد، وتهيئة الاستقرار لهم. ومن أخطر ما شجع عليه الغزاة الاستعماريون تهريب المحظورات الدولية، كالمخدرات، وذلك بالتغاضي عنها، وقبول الرشوات فيها، والمشاركة السرية في تجارتها المحرمة، ثم العمل على نشر تعاطيها بين الناس، بغية إماتة

стр. 410

روح المقاومة للسلطة المستعمرة، والرضى بالواقع، واللجوء إلى الخنوع والذل، والتخاذل على كل توثب فعَّال، والذهول عن الآلام المحيطة، وإبعاد الشعوب الواقعة تحت نير الاستعمار عن كل فضيلة إنسانية، وخلق كريم، طلاَّع إلى المجد والحرية، والكمال الإنساني، وبخاصة إبعاد الشعوب المسلمة عن الاستمساك برسالة الإسلام العظمى. ومن أمثلة ذلك ما كان يفعله الإنكليز في بعض مستعمراتهم، فقد أدانتهم الشعوب بالعمل على نشر المواد المخدرة القاتلة للإنسانية، وسجل التاريخ ذلك عليهم. * * * الوسيلة الثانية: استخدام عنصر النساء ويستخدم الأعداء الغزاة المرأة في الاستيلاء على غرائز مجموعات من شبان الأجيال المتتابعة في البلاد الإسلامية، وقد فعلوا ذلك منذ بدء النهضة العلمية والصناعية الحديثة، التي تولى الأوربيون قيادتها في العالم. وبعد تملك غرائز الشبان عن طريق النساء يتمكنون من التلاعب بأفكارهم وعقائدهم، وبإخلاصهم لأمتهم وبلادهم، وبسلوكهم الإسلامي، وبسائر أخلاقهم الشخصية والاجتماعية. وقد استطاعوا فعلاً أن يسخروا طائفة منهم في ترسيخ قواعد الأعداء المادية والمعنوية داخل البلاد الإسلامية. وأحكم قادة الغزو سياسة الغزو الخلقي والسلوكي للشعوب الإسلامية عن طريق الكوافر العواهر، وتدفق سيلهُنَّ إلى معظم البلاد الإسلامية بأسماء وصفات شتى، علمية وفنية وتجارية وصناعية، وامتزجن بالأسر الإسلامية،

стр. 411

وسهلن سبل الفاحشة للمراهقين في أعمارهم أو في عقولهم، وعملت أجهزة الغازين على أن تدهن الفواحش الصريحة الوقحة بطلاءات فنية متعددة. وسرى الداء في الأسر الإسلامية، لأن عوامل الانحدار أقوى من عوامل الارتقاء في الأمم، إذ عوامل الانحدار تؤازرها غرائز النفوس وشهواتها وأهواؤها، وتساعدها سهولة الطريق التي مهدها الغزاة، ودفع إليها شياطين الإنس والجن، أما عوامل الارتقاء الأخلاقي والسلوكي فتقف دونها عقبات تطالب النفوس باقتحامها، وتحتاج إلى قوة إرادة، ومؤازرة جماعية، وسلطان ذي بأس، يحمل الناس على تكلف الصعود، ويؤاخذهم على التواني، أو التراجع إلى الوراء المنحط. وانهارت مقاومة كثير من الأسر الإسلامية، المعتزة بأخلاقها والمتمسكة بعفافها، واندفعت بتيار تقليد الوافدات الجديدة من الأزياء الفاجرة، ورأت الفتاة المسلمة افتتان الشبان بالمظاهر الخادعة التي تبرز بها الكوافر الفواجر، فتحرك فيها الدافع الفطري، فأخذت تسرع خطواتها في تقليد كل وافدة جديدة تقذفها أوربا، وجرت في سباق مع وافدات الفتنة والفساد، لتعيد بزعمها ما فقدته من إعجاب الرجل بها، وبسرعة غير عادية فقدت معظم العواصم في بلاد المسلمين طابعها المحتشم، الذي تفرضه التعاليم الربانية، والأخلاق الإسلامية، وحسرت المرأة فيها حسوراً مستنكراً عند عقلاء جميع الأمم والشعوب، وتحللت تحللاً ينذر بالانهيار السريع السحيق، والدمار الخطير، لأن هذا المنزلق الذي سارت فيه لا بد أن ينتهي بالأمم إلى مثل ما انتهت إليه أمم سابقة، ذات حضارات كبرى، من دمار شامل، حينما انهارت أخلاقها وفضائلها، إذ فقدت مجتمعاتها الضوابط الأخلاقية، التي تضبط الغرائز عن التحلل والإباحية. وتابعت كتائب هذا الغزو الخطر أعمالها في الإفساد بعنصر النساء، واتجهت هذه الكتائب إلى مواقع المسلمين من كل حدب وصوب، واحتلت مجالات توجيهية كبرى في معظم بلاد المسلمين، وفقد المسلمون معظم مراكزهم

стр. 412

التوجيهية، فكان مما احتله هؤلاء الغزاة المجالات التالية: أولاً: مجالات التعليم والتربية، ومجالات الثقافة على اختلف أنواعها وأشكالها، وقد أخذ الغزاة في هذه المجالات زمام المبادرة إلى تعليم المرأة وتربيتها، طبق الأسس التي وضعوها في خطة غزوهم لبلاد المسلمين، ثم تخرجت الفتيات المسلمات على أيديهم وهن مثقلات بالمفاهيم المنحرفة التي أملوها عليهن، ومنطبعات بالعادات التي ربوهن عليها، منذ مرحلة المدرسة الابتدائية حتى نهاية المرحلة الجامعية التي حملن بها شهادات العلم والتعليم والتربية للأجيال القادمة. ثانياً: مجالات الفنون المختلفة، وأهمها الفنون الجميلة وما يتصل بها وبزينة المرأة وفتنتها وإغرائها للرجل، وجند الأعداء الغزاة في هذه المجالات الوسائل التالية: السينما، والمسارح، وكتب القصة والتاريخ وعلم النفس والاجتماع وغيرها من العلوم، والمجلات، والصحف، والإذاعة، والتلفزيون، وسائر وسائل الإعلام. وقبضوا على نواصي هذه الوسائل قبضاً محكماً، وأما المسلمون المستمسكون بإسلامهم فلم يظفروا من هذه الوسائل إلا بالمشاركة اليسيرة، أو ببعض المقاومة للتيار الجارف. ثالثاً: مجالات الصناعة والتجارة، وقد استخدم الغزاة في هذه المجالات وسائل كثيرة، منها توجيه الجهود لتصميم الأزياء الكفيلة بإغراء المرأة وفتنتها، والتفنن في ابتكارات مواد زينة النساء، واستدراجها إلى مواقع التحلل من ضوابط السلوك الإسلامي، والأخلاق الفاضلة الكريمة. ولا يخفى علينا أن الغزاة قد استطاعوا أن يستثمروا أرباحاً ضخمة جداً، من أموال الشعوب الإسلامية، في كل هذه المجالات التي غزوها، إضافة إلى تحقيق أهدافهم المعنوية الرامية إلى هدم أبنية الفضائل الخلقي والسلوكية داخل المجتمعات الإسلامية.

стр. 413

وانحسر ظل القيادات الإسلامية عن معظم مجالات الإدارة والتوجيه، واستبد الغزاة وفراخهم وأجراؤهم بالتصرف في هذه المجالات، وانطلقوا بكل ما لديهم من قوة ومكر ودأب ينفذون خطط تحويل المسلمين عن عناصر مجدهم الحقيقي. والمسلمون لا يقومون بالأعمال المضادة البصيرة المتأنية، ذات النفس الطويل، والتخطيط البعيد، والصبر المرير. * * * الوسيلة الثالثة: الاهتمام بالمرأة في مجالات العلم والثقافة والفن شاعت نظرية ضرورة تعليم المرأة ومشاركتها في مجالات العلوم والفنون الحديثة، وكانت هذه المقدمة مغرية مقبولة، ووجدت لها أنصاراً كثيرين ضمن المسلمين الواعين الفاهمين لأسس الدين الإسلامي، ودعوته المسلمين والمسلمات إلى طلب العلم، وتتبع المعرفة التي يكون بها كمال العقل الإنساني في صنفي الذكور والإناث. وفي المائدة العلمية المغرية بدسم كثير وغذاء نافع، والمعروضة عرضاً مرضياً للذوق الرفيع، دس الأعداء الغزاة سم التربية الحديثة الفاجرة، المتحللة من الأخلاق الفاضلة، والآداب الكريمة، والتطبيقات الإسلامية المختلفة التي كان بها مجد المسلمين من قبل، وما زال تحقيق عودة مجدهم إليهم رهناً بالتزامهم بها، وتطبيقهم لها في حياتهم. وقد أمسك الغزاة زمام المبادرة إلى تعليم المرأة المسلمة، داخل معظم البلاد الإسلامية، وفرضوا على الفتيات كما فرضوا على الفتيان من أبناء المسلمين خطتهم التعليمية والتربوية المشحونة بقسط كبير من المفاهيم الاعتقادية

стр. 414

والخلقية والسلوكية المنافية لتعاليم الإسلام، وكان كل ذلك تحت ستار العلمانية التي تزعم أنها لا تتدخل بالدين، وهي في حقيقة حالها مؤسسات تبشيرية متعصبة، إلا أنها قد عرفت كيف تستر ذلك باسم العلمانية. ودفعت كبريات الأسر الإسلامية فتياتها إلى ميادين العلم والثقافة، التي تديرها سراً أو علناً إرساليات تبشيرية معادية للإسلام. وتهاون المسلمون بإنشاء مدارس الإناث المسايرة للأساليب التعليمية والتربوية الحديثة، مع المحافظة على العقائد والأخلاق والآداب وسائر التعاليم الإسلامية. وخلال عشرٍ من السنين أو تزيد، استطاعت مؤسسات التعليم والتربية، الموجهة ضمن خطط أعداء الإسلام، أن تقنع الفتيات المسلمات اللواتي تعملن فيها، بأن التقاليد والعادات والأخلاق المنافية لتعاليم الإسلام والمستوردة من بلاد الغزاة أمورٌ حسنة، ينبغي الأخذ بها. وهان على المرأة المسلمة أن تعرض مفاتنها للرجال الأجانب، وأن تمشي في الطرقات العامة كأنها في غرفة عرسها. وأن تنظر إلى جميع الأخلاق والآداب والتعاليم الإسلامية نظرة مجافاة في التطبيق، أو ازدراء في النفس، ثم تطور الأمر حتى بدأت تنظر إلى أسس العقيدة الإسلامية مثل هذه النظرة، ثم فقدت في حياتها الخاصة والعامة بواعث عفتها، وتمسكها بفروض الإسلام، وأخذت تتبرج تبرج الجاهلية الحديثة، وهي في مضامينها وكثير في مظاهرها أخطر من الجاهلية الأولى. ونظر شبان المسلمين إلى سيل الفتنة المتدفق في الشوارع والأندية والمحافل العامة، فأقبل نحوه بدافع الغريزة، وزهد بطلب الحلال، وعزف عن الزواج المبكر كما أن كثيراً من المتزوجين زهدوا بالحلال الذي يسره الله لهم، لأنهم يشاهدونه في زينته مرة، وفي مهنته وخدمته مرات، أما هذه الفتنة المعروضة على كل نظر فإنهم لا يشاهدونها إلا وهي مجلوة في أكمل زينتها، ولو أنهم رأوها في ساعات خدمتها ومهنتها لربما فضلوا ما عندهم من حلال عليها ألف مرة. على أنه ما من حسن إلا وفوقه أحسن منه، وشره النفس، ورغبتها

стр. 415

بالتجديد، وتطلعها إلى تذوق ما لا تملك، أمور لا حد لها، كما أنه ما من ذي حسن من جهة إلا وله نقائص من جهات، وهذه الفتنة معروفة لا ترى إلا من جهة حسنها، أما نواقصها فمطلية بالأصباغ، ومحجوبة بالتصنع. ثم سرى الداء إلى غير المثقفات، فزعمن أن تقدم المرأة وعلمها وثقافتها تعني في الحياة خروجها متهتكة حاسرة، متحللة من جميع القيود الدينية والخلقية، فأخذن يتسابقن في التهتك وإفساد المجتمعات، زاعمات أنهن يسرن في طريق صاعدة، وقد زاغت أبصارهن ببهرج الحياة الجديدة السامة القاتلة، التي يقدمها الأعداء على أطباق مزينة مزخرفة , فيها ما تشتهي النفوس المريضة , ويسر الأعين الكليلة , وفيها السم القاتل المدفون في مظهر الغذاء الطيب الدسم. لقد أدرك أعداء الإسلام خطورة المرأة في إصلاح الأسرة أو إفسادها , وإصلاح المجتمع أو إفساده , فركزوا خططاً مختلفة لتوجيهها إلى ما يضمن تحقيق أهدافهم في المجتمعات الإسلامية , واعتمدوا على تسخيرها في تحقيق أهدافهم في مجالات وأعمال كثيرة. ولو أدرك المسلمون خطورة الأمر منذ بدء تعليم المرأة وفق خطط الأعداء الغزاة لأمسكوا بأيديهم أزمة المبادهة , ولو وضعوا بمحض إرادتهم خطط التربية والتعليم , وفق الأسس الإسلامية التي تضمن للمجتمع الإسلامي التقدم العلمي والحضاري والمدني السليم النافع , واقتبسوا بمحض إراداتهم ودراساتهم الحرة كل نافع مفيد , مما توصلت إليه الحضارة الحديثة , غربية كانت أو شرقية. * * * الوسيلة الرابعة: فتنة الاختلاط وسفور المرأة كان الخلط بين الفتيان والفتيات في معاهد العلم , من الأسباب الكبرى التي هدمت حصناً عظيماً من حصون الأخلاق والآداب الإسلامية , في

стр. 416

المجتمعات التي انتشر فيها هذا الخلط. وكان ذلك بفعل دسائس الأعداء الغزاة , وفراخهم وأجرائهم من داخل بلاد المسلمين ومن خارجها. ورافق هذا الغزو العملي غزو فكري يزين الاختلاط ويحسنه , ويصطنع له المبررات الخادعة , ضمن أطر علم النفس , وعلم الاجتماع , وعلم التربية , والتربية الجنسية , وأكد الميل إليه الدافع الغرزيُّ بين الجنسين , لا سيما في فترة المراهقة التي تتفتح فيها الغريزة الطائشة الرعناء , مع البعد عن دراسة العلوم الإسلامية , وضعف الوازع الديني في القلوب. ومع اختلاط الجنسين في معاهد العلم فشت مفاسد كثيرة , في الأخلاق والآداب وكثير من أنواع السلوك , وتطلعت الأجيال الحديثة إلى تقليد الحياة الأوربية بمجونها , بعد أن انغمست في حمأة البيئات الجديدة , التي تسهل طريق الرذيلة , وتهون أمر ممارسة اللذة المحرمة , ولا تعتبر العفة من فضائل الأخلاق , كما لا تعتبر صيانة الأسرة القائمة على الطهارة من الأمور ذات القيمة في المجتمعات الإِنسانية. وانزلق كثير من الشبان والشوابّ يتسكع في دروب المهانة مندفعاً بنوازع الأهواء , ولواهب الغرائز , وتطالبه ظروف اللذة المحرمة بأن يقدم للشره طاقاته الجسدية , ويقدم للأوهام قواه الفكرية , ويقدم للقلق والحيرة والشتات عواطفه وانفعالاته , ثم يضحي في وادي الغريزة البهيمية بعقله الحصيف وبإرادته الإِنسانية الشريفة. وآخرون من الشبان والشوابّ اصطرعت فيهم عوامل الفضيلة وقواسر الغريزة المشبوبة , في هذه البيئات المختلطة الداعية إلى الخطيئة والفجور , فكانت أفكارهم وقلوبهم ونفوسهم كأنها في ساحة حرب شديدة , يصيبها من دواهي الحرب أكثر مما يصيب المتقاتلين بالأسلحة المادية , وطبيعي أن يَسُرَّ هذا الوضع الأعداء الغزاة , ويثلج صدورهم , وأن يكون ملحوظاً لديهم منذ البداية.

стр. 417

لقد عرف الغزاة بالتجربة المتكررة أن اختلاط الجنسين في مختلف مجالات الحياة من أسباب انهيار المجتمعات , وانحرافها عن فضائل السلوك , ومتى انهارت المجتمعات فقدت أثقال قوتها الحقيقية , التي تمكنها من الصمود أمام جيوش الغزاة , والارتقاء إلى قمم المجد , ومنافسة كل سابق في علم أو حضارة أو مدنية أو قوة. ولو دخل المسلمون في هذا السباق بقواهم الإسلامية الحقيقية لاستطاعوا أن يختصروا الزمن , ويجتازوا في عقود من السنين ما تخلفوا عن السير فيه خلال قرون , ولو راجعوا صفحات تاريخهم لرأوا أن من أسباب تخلفهم انغماسهم في الشهوات , وسعيهم وراء اللذات , وإخلادهم إلى الأرض. ويظن الطائشون الغافلون أن الانطلاق من القيود الدينية , والتحرر من الشرائع الربانية والفضائل الخلقية , سبيل من سبل التقدم الذي أحرز فيه كلٌّ من الشرق والغرب السبق في العلوم المدنية , وفي الصناعات , مع أن الحقيقة بخلاف ذلك , إن العقلاء المنصفين في كل من الشرق والغرب , يتخوفون من المصير المدمر الذي تسير في طريقه أجيالهم الحديثة , بتحللها من ضوابط الأخلاق الشخصية والاجتماعية , واستهانتها بالفضائل الإنسانية , ويعتبرون الإباحية التي أخذت تشيع في مجتمعاتهم نذير الانهيار الخطير , والدمار الشامل. وسرى داء الاختلاط العام بين الرجال والنساء في مجتمعات الأسر , وفي الحفلات العامة والخاصة , وفي نوادي التسلية والفن والثقافة والرياضة , وفي المسابح العامة , ورافق الفن والرياضة والسباحة العري الكامل أو شبهه , وسرى داء التهتك إلى مختلف المجامع , وتسابق النساء في اتخاذ وسائل الإغراء , وأخذت تنهار مقاومات الأفراد والجماعات , وأمست جاهليات كثيرة متطرفة أموراً واقعة مألوفة غير مستنكرة. وانطلق الغزو المدمر للقيم الإسلامية , التي كان بها كيان المسلمين الذاتي , وكان بها مجدهم التليد. وحينما يراقب الباحث الاجتماعي هذه المجتمعات المختلطة , التي ليس

стр. 418

لها حوافظ من الضوابط الدينية والخلقية , يرى فيها نذير الخطر الذي لامست جذوته الهشيم , فالتهمت جوانب منه , تؤازرها الرياح الكونية التي تهب في جهة النار , لتزيد توقدها وسرعة امتدادها إلى كل معاقل المسلمين. والمنغمسون في هذه المجتمعات المختلطة المفتوحة تشغلهم بوارق فتنتها , وتسكرهم كؤوس متعتها , وتخدعهم ألوان بهارجها عن إدراك الخطر الكامن فيها , عليهم وعلى أمتهم وعلى بلادهم , وتنسيهم ما وراء ذلك من عقوبة كبرى , مؤجلة إلى يوم الجزاء , بسبب تجاوزهم حدود الله , وارتكابهم ما يوجب سخطه. ويرى الباحث الاجتماعي أيضاً في هذه المجتمعات المختلطة طائفة من السيئات الاجتماعية , التي من شأنها أن تفقد المجتمع الإسلامي تماسكه , وتواده , وتراحمه , وإخاءه , ثم تفقده في آخر الأمر وجوده كله , ومعظم هذه المجتمعات المختلطة قائمة في عناصرها غير الظاهرة على الرياء والنفاق والمخادعة والتفاخر والتكاثر والتحاسد والحيلة وتناهب النعم , وقائمة في عناصرها الظاهرة على التصنع , والمظاهر الكاذبة , والزينة المترفة , والإسراف والتبذير , واللهو واللعب والتسلية , وملء البطون , وإمتاع الحواس باللذات المحرمة , يضاف إلى ذلك ما قد يندرج فيها من قمار ومراهنات وما أشبه ذلك من مبتكرات الشياطين. وتُعدّ لهذه المجتمعات المختلطة الثياب الفاخرة التي تبذل فيها الثروات الكثيرة , ولا يجوز في عرف النساء أن يلبسن الثوب الواحد في اجتماعات متعددة , إن التفاخر والتكاثر وموجبات الأناقة عندهن تفرض عليهن التجديد الدائم , مهما أنفقن في سبيل ذلك وبذَّرن , كما أن تصنيع الشعور والوجوه والأجساد وفق أحدث المبتكرات وعند أمهر ذوي الفن من الأمور الضرورية لديهن كالماء والهواء للحياة. ويلاحظ في هذه المجتمعات المختلطة المترفة الماجنة أن بذل الأموال الضخمة على موائد الترف والخمر والقمار من الأمور الهينة المعتادة , وكم يكون وراء هذا التبذير الماجن ضرورات ملحة تكتوي بنيرانها أسر هؤلاء المبذرين

стр. 419

المترفين , ويكتوي بنيرانها ذوو حاجات كثيرون آخرون , فربّ أطفال يهملون بلا رعاية , ويفرض عليهم تقشف الفقراء , وربّ شيوخ محتاجين عاجزين عن العمل , وربّ نساء لا يجدن ضرورات عيشهن , والمسؤولون عن النفقة عليهم من ذويهم تائهون في دروب الشياطين , يبددون الأموال في مجتمعات اللهو واللذة المحرمة بلا حساب. وتبلد حسّ النخوة والغيرة والرجولة في هذه المجتمعات المختلطة الماجنة , وأمست مناخات ملائمة لتجديد الهوى والإعجاب , والتنقل في اللذات , ومد الأعين إلى حظوظ الآخرين , ومدّ شباك الحيلة للصيد , وما يتبع ذلك من مشكلات نفسية واجتماعية , وفتنة في الأرض وفسادٍ عريض , وفي كل ذلك نُذُر خطر كبير , تفقد به الأمة الإسلامية مقومات وجودها التي تؤهلها للصمود عند كل أزمة من أزماتها الداخلية والخارجية. لقد أراد الأعداء الغزاة دفع المجتمعات الإِسلامية إلى المباءات المهلكة , التي تزيد في تخلفهم وانهيارهم , في الوقت الذي يحلم فيه المسلمون أن يستعيدوا مجدهم التليد ومكانتهم بين شعوب الأرض. وما على العقلاء الراشدين إلا أن يدركوا الخطر المحدق بالمسلمين , إذا هم استمروا في سبل الانحلال والتفلت , وأن يعملوا على اتخاذ كافة الوسائل المادية والمعنوية لرد المسلمين إلى رشدهم , والسير بهم في الطريق المستقيمة الصاعدة إلى مرضاة الله والمجد الخالد. تهمة وخديعة للمتحجبات انتشرت بين النساء المسلمات خديعة كبيرة عمل على بثها وترويجها بغاة الفتنة والفساد , وقد تضمنت هذه الخديعة اتهام الحجاب بأنه قد صار شعار كثير من الفاسقات اللواتي يتعرضن للفحش , ويجتذبن إليهن الفاسقين من الرجال , أما الحاسرات اللواتي يعرضن مفاتنهن لكل ناظر فلا يتعرض أحدٌ لهن , والغرض من هذه الخديعة تحريض المسلمات العفيفات الشريفات على أن يخرجن سافرات حاسرات.

стр. 420

وسارت هذه الخديعة وانطلت على كثير من المؤمنات العفيفات في بعض بلاد المسلمين , فأخذن يخلعن ألبستهن الساترة , ويظهرن في الأسواق العامة حاسرات عن رؤوسهن وأذرعهن , وما وراء ذلك , ويتبعن في ذلك مسيرة الفتنة الضالة التي مشت على عرض الشوارع العامة في معظم المدن الإِسلامية. ولتمكين هذه الخديعة عمل بغاة الفتنة على اصطناع الشواهد التطبيقية لفكرتها الماكرة , التي أشاعوها بين صفوف المسلمات , فاتخذوا لذلك وسيلتين: الوسيلة الأولى: توجيه بعض العواهر الفواجر أن يتسترن بمثل الألبسة التي تتستر بها المؤمنات العفيفات الشريفات , وأن يسرن في الأسواق العامة ويتعرضن للفساق , وهن في هذه الألبسة الساترة المزورة. والغرض من ذلك تأكيد الخديعة بشواهد واقعية , ليتقبلها المنخدعون والمنخدعات , ويتأثروا بها , وعندئذ لا يبقى لدعاة الستر والحشمة كلمة مسموعة. الوسيلة الثانية: توجيه فريق من الفساق المأجورين أن يتعرضوا للمتسترات العفيفات في الطرقات العامة , ويؤذوهن في عفافهن بفسق من القول , أو الغمز , أو اللمز , أو اللمس , أو الإشارات , أو تثبيت النظر , أو الملاحقة في الطرقات , أو نحو ذلك من رفث متسكع حقير , لتصير هذه القبائح المنكرة عادة لازمة للفساق , فتلجأ المرأة المتسترة العفيفة إلى خلع ألبستها الساترة , فراراً من مضايقات الفساق وأذاهم , وبذلك يتحقق لأعداء الإسلام ما يعملون لنشره بين صفوف المسلمين والمسلمات , ثم يتدرجون بعد ذلك بالمرأة المسلمة حتى يغمسوها في الانحراف والرذيلة كما فعلت المرأة الأوربية. وبذلك ينقطع فرع تطبيقي من فروع شجرة الإِسلام. لكن المرأة المسلمة العاقلة التي تخشى الله تعالى والدار الآخرة , لا تنطلي عليها هذه الخديعة , بل تنظر في أوامر الله التي توجب عليها الستر , وتعلم أن الله لم يأمرها بذلك عبثاً وهو العليم الحكيم , ولم يكلفها ذلك ليلقيها في العنت أو الحرج , وإنما شرع لها ما شرع ليكون أطهر لقلبها , وأحصن لشرفها , وأبعد لها عن الأذى وأقوم للمجتمع كله , وأكثر صيانة له من الفساد. إن المرأة المسلمة العاقلة تقرأ في كتاب الله آيات العفة والستر , فتسرع

стр. 421

إلى تطبيق ما جاء فيها راضية بما رضي الله لها , لتنال عنده الأجر العظيم , إنها تقرأ قول الله تعالى في سورة (الأحزاب / ٣٣ مصحف / ٩٠ نزول) : ﴿ياأَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ ذلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً﴾ . وتقرأ قول الله تعالى في سورة (النور / ٢٤ مصحف / ١٠٢ نزول) : ﴿ قُلْ لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ ذلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَآئِهِنَّ أَوْ آبَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَآئِهِنَّ أَوْ أَبْنَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَآئِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُواْ عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَآءِ وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُواْ إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ . وتقرأ أوامر الله لها بالعفة فتطيع أمر الله , وتعلم أن ذلك هو الخير لها وللمجتمع الإسلامي كله , ولا تعبأ بالخديعة التي يحاول أعداء الإِسلام نشر فكرتها بين المسلمات , ليخرجوهن من معاقل عفتهن , ويقذفوهن إلى مجامع الفتنة والشر والفساد في الأرض. * * * الوسيلة الخامسة: استخدام الآداب والفنون ودخلت جيوش الغزاة باسم الفنون الجميلة المختلفة , من أبواب عريضة , إلى المجتمعات المسلمة , واحتلت هذه الجيوش باسم الفنون المسارح , والنوادي الأدبية والفنية , والمعارض , ودور الأزياء , والإذاعة , والتلفزيون. واستخدمت الأدب على اختلاف فنونه , والغناء , والتمثيل , والرقص ,

стр. 422

وعرض الأزياء , ومسابقات ملكات الجمال , أو ملكات الأناقة , والأصوات الجميلة , والأجسام النسائية الفاتنة , ومختلف المواهب البشرية القادرة على الأداء الفنّي المؤثر في الجماهير. وتسلّل الفسق والفجور والعري والتهتك وما وراء ذلك إلى المجتمعات المنتمية إلى الإِسلام عن طريق الفنّ. وسُخِّرت الصحف والمجلات والكتب ومختلف وسائل النشر الإعلامي والدعائي , لتمجيد الفن , وأهل الفنّ , من رجال ونساء , حتى الفجّار والعواهر , إلى أن صارت الأخبار والدعايات الفنية تستأثر بمساحات كبرى من الدوريات , وتستهوي الجماهير الكثيرة من القراء , لا سيما المراهقون والمراهقات. وعمَّ في المجتمعات الإسلامية بلاء كبير عن طريق هذه الوسيلة , وانتشرت بسببها فتن جسام , وفساد في الأرض عريض. ونتج عن هذا اجتذاب أنظار الجماهير إلى تمجيد أبطال الفنّ وبطلاته , حتى احتلّ هؤلاء قمماً اجتماعات عالية. فإذا مات منهم ميت مشى في ركب جنازته عشرات الألوف , وأولته وسائل الإِعلام اهتماماً عظيماً , أمَّا إذا مات عالم كبير , أو مناضل عن قومه عظيم , أو مخترع اكتشف ظاهرة كونية مفيدة للإنسانية , أو قائد عسكري بارع , أو قائد سياسيّ مخلص , لم يخرج في جنازته إلا أهله وأصدقاؤه وأحبَّاؤه , والذين يهُمهم استرضاء ذويه , ولم تذكره وسائل الإعلام إلاَّ عرضاً وبأخبار موجزة أليس هذا انتكاساً شنيعاً في المفاهيم. * * * الوسيلة السادسة: استخدام عنصر الحكم تكاد تكون الشهوة إلى الحكم والسلطان في نفوس بعض الناس من أقوى الشهوات الآسرة , التي تهوِّن على صاحبها ارتكاب الجرائم الكبرى في سبيل

стр. 423

تلبيتها لولا الضوابط الأخلاقية الإسلامية , والروادع والمرغبات الدينية التي تحجز الإنسان عن ذلك , فتدفعه إلى ابتغاء مَرضاة الله والخوف من عقابه والطمع في ثوابه. ويعرف الأعداء الغزاة هذه الحقيقة من حقائق النفوس , لذلك فقد وضعوا في خطط كيدهم للإسلام والمسلمين استغلال عنصر الحكم والطمع به , واستغلوه فعلاً أخبث استغلال , فدغدغوا الشهوات العارمة إليه , وقذفوا في النفوس الخاملة الرغبة العنيفة به , وأفسدوا في مجاله أخلاق كثير من المسلمين أيما إفساد , وحولوا سلوكهم فيه عن منهج الاستقامة والعدل إلى أنواع من السلوك الظالم الآثم الفاسد المفسد , واستطاعوا بذلك أن يمزقوا جماعات المسلمين , ويحطموا كتلتهم الواحدة , ويجعلوها فرقاً مجزأة شتى. لقد عرف الأعداء الغزاة كيف يتصيدون الطامحين إلى الحكم , وكيف يحركون إليه الغافلين عنه , وكيف يغرونهم به ويذيقونهم شيئاً من حلاوته , دون أن يعطوهم فرصة الاطمئنان والاستقرار , اللذين من شأنهما أن يدفعا الأكفاء إلى الإصلاح والتحسين , وعرفوا أيضاً كيف يثيرون التنازع عليه , والتقاتل من أجله , وممارسة كل رذيلة وكل جريمة في سبيل الظفر به , والاستئثار بخيراته , والاستبداد بمقاليده ونشروا في طلاب الحكم وممتهني السياسة ما أسموه بالأخلاق السياسية , التي لا تؤمن بفضيلة من الفضائل إلا ببلوغ الغاية مهما كانت الوسيلة , حتى غدت رذائل الكذب والخداع , والنفاق , والوعود المزمع على الإخلاف بها ابتداء , ونقض العهود والمواثيق , والقتل بغير حق , واستلاب الأموال بغير وجه مشروع , وانتهاك الأعراض وغير ذلك من الأمور التي لا يستنكرها العاملون في ميادين السياسة. ثم انتقلت عدوى هذه الرذائل إلى الشعوب التي تمنح أمثال هؤلاء السياسيين قيادة حكمها , حتى صارت العملات الرائجة في ميادين المعاملات السياسية هي هذه الرذائل: «كذب - نفاق - تضليل - وعدٌ لا وفاء له - احتيال لبلوغ المصالح الخاصة - فسق وفجور - قتل بغير حق - اتهام بالباطل - إيقاع الغافلين في شرك الجريمة لتسويغ الانتقام منهم والتخلص من معارضتهم أو

стр. 424

لتسويغ سلب أموالهم ومصادرة ما تحت أيديهم - إلى غير ذلك من جرائم كثيرة» . قد نشأ من جراء هذه الرذائل السياسية انهيار خلقي وسلوكي عام؛ حتى صارت الشعوب لا تمنح أصواتها الانتخابية , ولا تعطي تأييدها لمتحكم مستبد إلا في مقابل أجر معلوم , أو منافع مادية محددة. وتحول السياسيون والمتحكمون من قادة يتحملون المسؤوليات الجسام , ويضحكون في سبيل رفع مستوى شعوبهم , ودفع ضر الأعداء عنهم , ويحكمون بينهم بالعدل والقسطاس المستقيم , إلى تجار جشعين متكالبين , يتقاتلون على الغنائم , ويتزاحمون على الأسلاب , ويتنافسون في تصيد الشهوات المحرمة , والخوض في حمأة الرذيلة. وتبعهم في ذلك المخالطون لهم والقريبون منهم , وانغمس في مثل ذلك حماة البلاد ومن وضعت في أيديهم أثقال القوى الحربية , وكانت هذه داهية الدواهي , ففقد هؤلاء الحماة الروح المعنوية التي يجب أن تكون جاهزة للتضحية والفداء , كما هو مقدر لها , لأنهم غارقون في الرفاهية والترف واللذات المحرمة , غير مستعدين أن يتركوها ليواجهوا كفاحاً أو قتالاً , وينشدوا بذلك مثلاً كريمة ورضواناً من الله , ومثل هؤلاء غير مؤهلين للصمود في مواجهة عدوهم مهما كثروا وفاقوا عدوهم عدة وعدداً , لأن أعداد الجيوش إنما تحسب في الحقيقة بمقدار ما فيها من مقاتلين صادقين يحملون الروح المعنوية العالية , لا بمقدار ما فيها من دمى عسكرية , إذا سقطت إحداها تساقطت معها مئات الدمى. وأعظم روح معنوية عرفها التاريخ في الجيوش المقاتلة إنما هي الروح المعنوية التي يحملها المسلم الصادق الشجاع , وهي التي تفجرها فيه الغاية العظمى التي يقاتل في سبيلها , إنه لا يقاتل من أجل الدنيا , ولا يقاتل حمية , ولا يقاتل عصبية , ولا يقاتل لمجرد أن قيادته أمرته بالقتال , ولا يقاتل ليقال عنه شجاع أو ذو بأس , إنما يقاتل في سبيل الله , ولإعلاء كلمة الله , ويرجو من الله النصر أو الجنة. ومن أجل ذلك استطاع أن يغلب عشرون صابرون مئتين بإذن الله , وأن يغلب أي عدد من المسلمين الصادقين الصابرين عشرة أضعافه , والله مع الصابرين. وقد عرف أعداء الإسلام والمسلمين هذه الحقيقة بالشواهد التاريخية ,

стр. 425

فعملوا على سلب هذه الروح المعنوية العظيمة من أفراد الجيوش داخل البلاد الإسلامية , وعملوا على تبديل غاياتهم المثلى بغايات جاهلية , ثم عملوا على استدراجهم إلى الحجرات المظلمة العفنة المنتنة المخمورة , التي تتراقص على أبوابها الأضواء الخافتة الحمر , بغية أن يذبحوا فيها حياتهم العقلية والنفسية , ويسلبوهم قواهم الجسدية , ويسترقوا منهم الأسرار العسكرية الخطيرة , ويجعلوهم دمى فارغة من معاني الإنسانية الفاضلة , ولكن يبقون لهم المظهر الخادع الذي يغري صاحبه بالتعاظم الفارغ الحقير , ثم انخرط فريق من هؤلاء في حمأة السياسة العفنة ومطامع الحكم , فاشتريت ضمائرهم , واستنزلوا من قبل الشياطين , وقفزوا إلى الحكم ليكونوا أجراء للأعداء , وينفذوا مخططاتهم بدقة تامة على ما يريدون. * * * الوسيلة السابعة: استخدام المسكرات والمخدرات خلق المسلم الملتزم بالتعاليم الإسلامية لا يسمح له بأن تأسره عادة منحرفة ضارة , مضيعة لعقله , متلفة لجسده , مغضبة لربه. وحين اكتسب المسلمون الأولون خلق الطاعة لله ولرسوله استطاعوا أن يخالفوا نفوسهم بإرادة حازمة قوية , وأن يغيروا عادتهم في شرب الخمور , وقد كانت فيهم عادة آسرة , وحينما نزل حكم الله بتحريم الخمر أسرع المسلمون فأراقوا قدورها , حتى جرت بها سكك المدينة , ولم تتحسر نفوسهم عليها , ولم يعتبروا ذلك إتلافاً لمال , مع أنهم كانوا يغالون في أثمانها على عادتهم في الجاهلية , ونزل قوله الله تعالى في سورة (المائدة / ٥ مصحف / ١١٢ نزول) : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَآءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ﴾ .
следующие страницы →