Полный текст (750 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
إلى تطبيق ما جاء فيها راضية بما رضي الله لها , لتنال عنده الأجر العظيم , إنها تقرأ قول الله تعالى في سورة (الأحزاب / ٣٣ مصحف / ٩٠ نزول) :
﴿ياأَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ ذلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً﴾ .
وتقرأ قول الله تعالى في سورة (النور / ٢٤ مصحف / ١٠٢ نزول) :
﴿
قُلْ لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ ذلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَآئِهِنَّ أَوْ آبَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَآئِهِنَّ أَوْ أَبْنَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَآئِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُواْ عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَآءِ وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُواْ إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ .
وتقرأ أوامر الله لها بالعفة فتطيع أمر الله , وتعلم أن ذلك هو الخير لها وللمجتمع الإسلامي كله , ولا تعبأ بالخديعة التي يحاول أعداء الإِسلام نشر فكرتها بين المسلمات , ليخرجوهن من معاقل عفتهن , ويقذفوهن إلى مجامع الفتنة والشر والفساد في الأرض.
* * *
الوسيلة الخامسة: استخدام الآداب والفنون
ودخلت جيوش الغزاة باسم الفنون الجميلة المختلفة , من أبواب عريضة , إلى المجتمعات المسلمة , واحتلت هذه الجيوش باسم الفنون المسارح , والنوادي الأدبية والفنية , والمعارض , ودور الأزياء , والإذاعة , والتلفزيون.
واستخدمت الأدب على اختلاف فنونه , والغناء , والتمثيل , والرقص ,
стр. 422
وعرض الأزياء , ومسابقات ملكات الجمال , أو ملكات الأناقة , والأصوات الجميلة , والأجسام النسائية الفاتنة , ومختلف المواهب البشرية القادرة على الأداء الفنّي المؤثر في الجماهير.
وتسلّل الفسق والفجور والعري والتهتك وما وراء ذلك إلى المجتمعات المنتمية إلى الإِسلام عن طريق الفنّ.
وسُخِّرت الصحف والمجلات والكتب ومختلف وسائل النشر الإعلامي والدعائي , لتمجيد الفن , وأهل الفنّ , من رجال ونساء , حتى الفجّار والعواهر , إلى أن صارت الأخبار والدعايات الفنية تستأثر بمساحات كبرى من الدوريات , وتستهوي الجماهير الكثيرة من القراء , لا سيما المراهقون والمراهقات.
وعمَّ في المجتمعات الإسلامية بلاء كبير عن طريق هذه الوسيلة , وانتشرت بسببها فتن جسام , وفساد في الأرض عريض.
ونتج عن هذا اجتذاب أنظار الجماهير إلى تمجيد أبطال الفنّ وبطلاته , حتى احتلّ هؤلاء قمماً اجتماعات عالية. فإذا مات منهم ميت مشى في ركب جنازته عشرات الألوف , وأولته وسائل الإِعلام اهتماماً عظيماً , أمَّا إذا مات عالم كبير , أو مناضل عن قومه عظيم , أو مخترع اكتشف ظاهرة كونية مفيدة للإنسانية , أو قائد عسكري بارع , أو قائد سياسيّ مخلص , لم يخرج في جنازته إلا أهله وأصدقاؤه وأحبَّاؤه , والذين يهُمهم استرضاء ذويه , ولم تذكره وسائل الإعلام إلاَّ عرضاً وبأخبار موجزة أليس هذا انتكاساً شنيعاً في المفاهيم.
* * *
الوسيلة السادسة: استخدام عنصر الحكم
تكاد تكون الشهوة إلى الحكم والسلطان في نفوس بعض الناس من أقوى الشهوات الآسرة , التي تهوِّن على صاحبها ارتكاب الجرائم الكبرى في سبيل
стр. 423
تلبيتها لولا الضوابط الأخلاقية الإسلامية , والروادع والمرغبات الدينية التي تحجز الإنسان عن ذلك , فتدفعه إلى ابتغاء مَرضاة الله والخوف من عقابه والطمع في ثوابه.
ويعرف الأعداء الغزاة هذه الحقيقة من حقائق النفوس , لذلك فقد وضعوا في خطط كيدهم للإسلام والمسلمين استغلال عنصر الحكم والطمع به , واستغلوه فعلاً أخبث استغلال , فدغدغوا الشهوات العارمة إليه , وقذفوا في النفوس الخاملة الرغبة العنيفة به , وأفسدوا في مجاله أخلاق كثير من المسلمين أيما إفساد , وحولوا سلوكهم فيه عن منهج الاستقامة والعدل إلى أنواع من السلوك الظالم الآثم الفاسد المفسد , واستطاعوا بذلك أن يمزقوا جماعات المسلمين , ويحطموا كتلتهم الواحدة , ويجعلوها فرقاً مجزأة شتى.
لقد عرف الأعداء الغزاة كيف يتصيدون الطامحين إلى الحكم , وكيف يحركون إليه الغافلين عنه , وكيف يغرونهم به ويذيقونهم شيئاً من حلاوته , دون أن يعطوهم فرصة الاطمئنان والاستقرار , اللذين من شأنهما أن يدفعا الأكفاء إلى الإصلاح والتحسين , وعرفوا أيضاً كيف يثيرون التنازع عليه , والتقاتل من أجله , وممارسة كل رذيلة وكل جريمة في سبيل الظفر به , والاستئثار بخيراته , والاستبداد بمقاليده ونشروا في طلاب الحكم وممتهني السياسة ما أسموه بالأخلاق السياسية , التي لا تؤمن بفضيلة من الفضائل إلا ببلوغ الغاية مهما كانت الوسيلة , حتى غدت رذائل الكذب والخداع , والنفاق , والوعود المزمع على الإخلاف بها ابتداء , ونقض العهود والمواثيق , والقتل بغير حق , واستلاب الأموال بغير وجه مشروع , وانتهاك الأعراض وغير ذلك من الأمور التي لا يستنكرها العاملون في ميادين السياسة.
ثم انتقلت عدوى هذه الرذائل إلى الشعوب التي تمنح أمثال هؤلاء السياسيين قيادة حكمها , حتى صارت العملات الرائجة في ميادين المعاملات السياسية هي هذه الرذائل: «كذب - نفاق - تضليل - وعدٌ لا وفاء له - احتيال لبلوغ المصالح الخاصة - فسق وفجور - قتل بغير حق - اتهام بالباطل - إيقاع الغافلين في شرك الجريمة لتسويغ الانتقام منهم والتخلص من معارضتهم أو
стр. 424
لتسويغ سلب أموالهم ومصادرة ما تحت أيديهم - إلى غير ذلك من جرائم كثيرة» .
قد نشأ من جراء هذه الرذائل السياسية انهيار خلقي وسلوكي عام؛ حتى صارت الشعوب لا تمنح أصواتها الانتخابية , ولا تعطي تأييدها لمتحكم مستبد إلا في مقابل أجر معلوم , أو منافع مادية محددة. وتحول السياسيون والمتحكمون من قادة يتحملون المسؤوليات الجسام , ويضحكون في سبيل رفع مستوى شعوبهم , ودفع ضر الأعداء عنهم , ويحكمون بينهم بالعدل والقسطاس المستقيم , إلى تجار جشعين متكالبين , يتقاتلون على الغنائم , ويتزاحمون على الأسلاب , ويتنافسون في تصيد الشهوات المحرمة , والخوض في حمأة الرذيلة.
وتبعهم في ذلك المخالطون لهم والقريبون منهم , وانغمس في مثل ذلك حماة البلاد ومن وضعت في أيديهم أثقال القوى الحربية , وكانت هذه داهية الدواهي , ففقد هؤلاء الحماة الروح المعنوية التي يجب أن تكون جاهزة للتضحية والفداء , كما هو مقدر لها , لأنهم غارقون في الرفاهية والترف واللذات المحرمة , غير مستعدين أن يتركوها ليواجهوا كفاحاً أو قتالاً , وينشدوا بذلك مثلاً كريمة ورضواناً من الله , ومثل هؤلاء غير مؤهلين للصمود في مواجهة عدوهم مهما كثروا وفاقوا عدوهم عدة وعدداً , لأن أعداد الجيوش إنما تحسب في الحقيقة بمقدار ما فيها من مقاتلين صادقين يحملون الروح المعنوية العالية , لا بمقدار ما فيها من دمى عسكرية , إذا سقطت إحداها تساقطت معها مئات الدمى.
وأعظم روح معنوية عرفها التاريخ في الجيوش المقاتلة إنما هي الروح المعنوية التي يحملها المسلم الصادق الشجاع , وهي التي تفجرها فيه الغاية العظمى التي يقاتل في سبيلها , إنه لا يقاتل من أجل الدنيا , ولا يقاتل حمية , ولا يقاتل عصبية , ولا يقاتل لمجرد أن قيادته أمرته بالقتال , ولا يقاتل ليقال عنه شجاع أو ذو بأس , إنما يقاتل في سبيل الله , ولإعلاء كلمة الله , ويرجو من الله النصر أو الجنة.
ومن أجل ذلك استطاع أن يغلب عشرون صابرون مئتين بإذن الله , وأن يغلب أي عدد من المسلمين الصادقين الصابرين عشرة أضعافه , والله مع الصابرين.
وقد عرف أعداء الإسلام والمسلمين هذه الحقيقة بالشواهد التاريخية ,
стр. 425
فعملوا على سلب هذه الروح المعنوية العظيمة من أفراد الجيوش داخل البلاد الإسلامية , وعملوا على تبديل غاياتهم المثلى بغايات جاهلية , ثم عملوا على استدراجهم إلى الحجرات المظلمة العفنة المنتنة المخمورة , التي تتراقص على أبوابها الأضواء الخافتة الحمر , بغية أن يذبحوا فيها حياتهم العقلية والنفسية , ويسلبوهم قواهم الجسدية , ويسترقوا منهم الأسرار العسكرية الخطيرة , ويجعلوهم دمى فارغة من معاني الإنسانية الفاضلة , ولكن يبقون لهم المظهر الخادع الذي يغري صاحبه بالتعاظم الفارغ الحقير , ثم انخرط فريق من هؤلاء في حمأة السياسة العفنة ومطامع الحكم , فاشتريت ضمائرهم , واستنزلوا من قبل الشياطين , وقفزوا إلى الحكم ليكونوا أجراء للأعداء , وينفذوا مخططاتهم بدقة تامة على ما يريدون.
* * *
الوسيلة السابعة: استخدام المسكرات والمخدرات
خلق المسلم الملتزم بالتعاليم الإسلامية لا يسمح له بأن تأسره عادة منحرفة ضارة , مضيعة لعقله , متلفة لجسده , مغضبة لربه.
وحين اكتسب المسلمون الأولون خلق الطاعة لله ولرسوله استطاعوا أن يخالفوا نفوسهم بإرادة حازمة قوية , وأن يغيروا عادتهم في شرب الخمور , وقد كانت فيهم عادة آسرة , وحينما نزل حكم الله بتحريم الخمر أسرع المسلمون فأراقوا قدورها , حتى جرت بها سكك المدينة , ولم تتحسر نفوسهم عليها , ولم يعتبروا ذلك إتلافاً لمال , مع أنهم كانوا يغالون في أثمانها على عادتهم في الجاهلية , ونزل قوله الله تعالى في سورة (المائدة / ٥ مصحف / ١١٢ نزول) :
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَآءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ﴾ .
стр. 426
وسمع ذلك عمر بن الخطاب فقال: انتهينا يا رب انتهينا، وانتهى المسلمون عنها وأطاعوا لأمر ربهم.
وقد عرف الأعداء الغزاة - بدراساتهم وخبراتهم - ما في المسكرات والمخدرات من مضار شديدة عقلية وجسدية ونفسية وخلقية، فعملوا بطرقٍ مباشرة أو غير مباشرة على نشر تعاطيهما في الشبان من أبناء المسلمين، وفي كل مخالطيهم، واتخذوا لذلك عدة وسائل، فكان مما فعلوه تشجيعهم المادي والمعنوي على زيادة حانات الخمر، وتوسيع دائرة انتشارها فيما استعمروا من بلاد المسلمين، وإمداد الشعوب الإسلامية بأنواعها المختلفة واتخاذ الوسائل الخفية لتسللها إلى البلاد التي تحرم استيرادها وتؤاخذ على تعاطيها بحكم الإسلام، وأخذوا يستدرجون الذين يخالطونهم من المسلمين إلى تجرعها شيئاً فشيئاً، بمختلف الوسائل الماكرة، ويقدمونها إليهم بأيدي الكوافر العواهر، ليفقدوا قوى المقاومة في عنف الرغبة المشبوبة إلى ارتكاب الإثم، ثم يكون من وراء جرعات التجربة أو الإرضاء جرعات كثيرة تدفع بمتعاطيها إلى اعتيادها، ثم إلى إدمانها، ثم إلى تضييع صوابه، وإتلاف جسمه وماله على أبواب حاناتها.
ونشط تجارهم في جلب أصنافها الكثيرة، وأخذوا ينشرون بين الناس شباكهم المتنوعة، ويبثون شياطينهم وأجراءهم، كي يستدرجوا أبناء المسلمين إلى موائد الخمر، والأسرّة الحمر، بغية استنزاف نفوسهم وعقولهم وأموالهم، وبغية إفساد أخلاقهم وآدابهم، وتحويل المجتمعات الإسلامية عن دينها، واستدراجها إلى مواقع أعدائها.
وقد دلت التجارب على أن الشرور وقبائح الأعمال يستدعي بعضها بعضاً، ويرتبط بعضها ببعض، فموائد الخمر تستدعي موائد القمار وجلسات الاستمتاع الحرام، ثم تجر إلى غرف الفاحشة، وكل قذارات السلوك هذه تجر إلى رذائل العداوة والبغضاء، ثم إلى جرائم القتل والخيانة العظمى، ثم إلى تسليم مفاتيح البلاد إلى أعدائها الطامعين بخيراتها، الظامئين إلى بسط سلطانهم على مقاليد أمورها. وهي على وجه العموم تصد مرتاديها عن كل
стр. 427
خير، وعن كل علم نافع، وعن كل عمل مثمر، وتبدد حياتهم بالمتالف.
وقد شهدت البلاد الإسلامية التي دخل إليها المستعمرون كيف أفسد هؤلاء سلوك الذين خالطوهم من أبناء المسلمين، وكيف صدوهم عن دينهم، وسلبوهم عقولهم، وبدّدوا طاقاتهم العملية بموائد الخمر والفحش والقمار، وما انفكوا يستدرجونهم حتى فاق تلاميذ الرذيلة أساتذتهم، ثم تسلّم هؤلاء التلاميذ قيادة الرذيلة في البلاد، وصاروا أساتذتها المحليين، وانبثوا في كل مجال يعلمون الأجيال الناشئة ما كانوا تعلموه بالأمس من أساتذتهم، وأشياء أخرى أضافوها من حصائل خبراتهم التي اكتسبوها بكثرة الممارسة.
أما المخدرات فقد عرفنا أنه كان للمستعمرين في نشرها نصيب واسع، ارتكبوا فيه جريمة إنسانية ما عرف التاريخ نظيرها في الجرائم الإنسانية العامة مع أن القانون الدولي العام يحرم تداولها وتجارتها. وقد سجل التاريخ أن وكلاءهم كانوا يقومون بتهريبها إلى داخل البلاد المغلوبة على أمرها بسلطانهم، وأنهم كانوا يؤازرونهم على ذلك، ويشاركونهم في أرباح تجارتها المحرمة، وأنهم كانوا يشجعون سرّاً على تناولها وإدمانها، بغية ابتزاز الأموال الحرام من جهة، وإماتة روح المقاومة في نفوس مدمنيها من جهةٍ أخرى، لأنهم يعلمون ما فيها من سم قاتل، يميت في مدمنها معظم القوى الفعالة التي تحرك الإنسان إلى الكفاح وطلب الخلاص من ذلّ الاستعباد، وتدفعه إلى كل تقدم صاعد.
* * *
الوسيلة الثامنة: استخدام وسائل اللهو واللعب
من أخلاق المسلمين الأساسية الجد في الأمور، والعزوف عن اللهو واللعب والهزل والسفاسف، والبعدُ عن كل قواتل الأوقات دون ثمرات نافعات، إلا في حدود المُلَح اليسيرة التي تروح عن النفس ضمن لمحات خاطفة، وتخفف عنها ثقل العمل الجاد المثمر.
стр. 428
واللهو واللعب في الإسلام قسمان:
القسم الأول: حرام لا يجوز أصلاً، كالنرد ومهارشة الديكة ونحوها.
القسم الثاني: مباح باعتبار أصله، ولكن يشترط في هذا القسم المباح شروط، منها: أن لا يفوت حقاً، أو يضيّع واجباً، أو يستهلك العمر فيما لا جدوى منه.
فحين تسمح الأخلاق والآداب الإسلامية بقسط من اللهو واللعب فلا تسح بذلك لأن للهو واللعب غايتان في أنفسهما، وإنما تسمح بهما لكونهما وسيلتين قد تجدّدان نشاط العامل في عمله، وتنهضانه من كسل قد انتابه، أو تعب قد أصابه، مع اشتراط عدم تجاوزهما حدود كونهما وسيلتين لاستعادة النشاط إلى العمل الجاد النافع.
أما أن يكون اللهو واللعب غايتين في أنفسهما لتحقيق المتعة وقتل الوقت بهما، فليس ذلك من الأخلاق ولا من الآداب الإسلامية بحالٍ من الأحوال، وليس من المقبول في الإسلام شيء اسمه قتلٌ للوقت، لأن وقت الإنسان في الحياة هو رأس ماله، هو أجزاء وجوده، متى انتهت انتهى وجوده، وهذا يكشف للعاقل أن وقته وطاقاته التي هي قوام حياته أثمن ما لديه في هذه الحياة، فلا يصح مطلقاً أن تكون ثمناً للهو لا ثمرة له، أو لعب غير متجه لغاية تستحق ذلك الثمن.
فما اللهو واللعب بدون ثمرة نافعة أو غاية كريمة إلا عبث من عبث البطالة، والبطالة في نظر الإسلام صورة من صور الموت في الأجساد الحية، وقد أخبر الرسول لرجل وهو يعظه: "اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك".
стр. 429
وعن ابن مسعود ﵁، عن النبي قال: "لا تزول قدما عبد حتى يسأل عن خمس: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه، وفيما أنفقه، وماذا عمل فيما علم".
وفي ميادين اللهو واللعب تعرض المسلمون لغزوٍ كبير من قبل أعدائهم، إذ أرسلوا إليهم سيولاً متتابعة من دور اللهو، وأندية القمار، ومسارح الرقص والمجون، وأفلام اللهو والفحش والخلاعة، ووسائل التسلية، وأدوات اللعب القاتل للوقت، ومجلات الصورة الفاجرة والدعوة الجنسية الوقحة، والنكتة القذرة أو المستهزئة بالدين والفضيلة، وكتب القصة التافهة أو الماجنة، وتفاهات الموسيقى النابية والغناء الشاذ اللذين يخاطبان الغرائز ويثيران الشهوات الجانحة.
وقد ألبسوا كل ذلك أثواب العلم والفن زوراً وبهتاناً، وعمدوا إلى أن يمتصوا به أفكار المسلمين وعواطفهم وأخلاقهم وكل عاداتهم الكريمة، ليضعوا محلها ما شحنت به هذه الواردات المتدفقة من أرجاس فكرية وخلقية واجتماعية، وأرادوا أن يسرقوا بها أوقات المسلمين التي هي أعمارهم، ورؤوس أموالهم في هذه الحياة.
والقابضون على نواصي هذه الوسائل في العالم، المفسدون في الأرض، وفي مقدمتهم شياطين اليهود، الذين يقومون بتحويل جميع مجاري الأموال التي تبتزها هذه الوسائل من المغفلين والمخمورين لتصب آخر الأمر في الأحواض الكبيرة التي يمتلكها اليهود، ولا بأس عندهم أن ترشح قليلاً للذين يجمعونها إليهم، أو أن تمكث قليلاً في غير أحواضهم، فإنهم يعرفون كيف يفتحون سدودها بالحيلة والمكر، ويعرفون كيف يثقبون كل حوض يجمع ضدهم، وكيف يجعلون هذه الثقوب تصب في المسارب والمجاري التي تنتهي إلى أحواضهم وشياطين اليهود لا يواجهون الأمر بأنفسهم إلا نادراً ما دام لهم وكلاء يقومون عنهم بما يريدون مقابل أجر يعرف اليهود كيف يستردونه مضاعفاً.
стр. 430
ودسَّ الأعداء الغزاة من كلّ جهة أصابعهم في ميادين الرياضة البدنية التي يدعو إليها الإسلام، واستطاعوا أن يوجهوها لغير وجهتها السليمة، وأن يتلاعبوا بالغاية الحسنة التي تهدف إليها الرياضة المثلى، من تقويم الجسم وترويضه، وطرد الخمول والكسل وعوامل المرض عنه، وإعداده إعداداً حسناً للصمود في وجه العدو وإكسابه بعض فضائل الأخلاق، إلى كونها وسيلة تسلية لجماهير المشاهدين، يحترفها جماعة من الناس لا غاية لهم إلا المقامرة بأرواحهم بغية الوصول إلى الغلب أو السبق ثم الجائزة، ثم أدخلوا في الرياضة مفاسد عري الفتيات، وشوهوا اسم الرياضة الكريم، وخلطوا في العري بين الفتيان والفتيات، وألقوا النار على حبيس الجنس، لينفجر بالفجور، أو يصاب بالضعف ويفقد قوته ووجوده، أو يرمي صاحبه بأمراض جسدية أو فكرية أو نفسية، إضافة إلى ما في ذلك من إفساد خلقي عام، ومخالفة علنية وقحة لدين الله، وأمره ونواهيه.
وقد دخلت مجموعة هذه الوسائل بعواملها المدمرة دخولاً كاسحاً في بلاد المسلمين، الأمر الذي يوجب على عقلائهم أن يتداركوا واقعهم، فيقبضوا على نواصي هذه الوسائل كلها في بلادهم قبضاً محكماً، ويوجهوها لكل صالح نافع مفيد، يمنع عنها الفساد، ويبعد عنها شرور أعداء الإسلام والمسلمين، ويصعد بها حتى تسير في صراط الإسلام المستقيم، البعيد عن سبل الكفر، عن كل القناطر والجسور التي تؤدي إليها، أو تؤدي إلى تمكين العدو من قيادة المجتمعات الإسلامية، والسير بها إلى سوء المصير.
وإن أول الطريق إلى النتائج الوخيمة وعواقب الشر المستطير الذي يورد الأمة موارد الهلاك، ما نشاهد في كثير من فتياننا وفتياتنا من تعلق بالأمور التافهة، وعشق كبير لها، وانشغال كلي بها، وهي من الترهات التي لا ثمرة فيها لفرد أو جماعة.
لا بد أن ينفطر قلب المؤمن العاقل البصير حزناً على الشباب الضائع بين قواتل العمر من وسائل اللهو، وقواتل الطاقات من وسائل المجون "لهو وقمار - سكر وفجور - إضاعة للوقت بألعاب الورق والنرد والودع - تتبع للمحرمات
стр. 431
وتصيد للمصونات - تخنث وتكسر - تبذل بزي الخنافس الأوربية - تشبه الفتيان بالفتيات وتشبه الفتيات بالفتيان - إلى غير ذلك من أمور كثيرة".
وشاع في بعض المجتمعات جنسان جديدان في صورة بشرية، جنس النساء اللواتي أخذن وظائف الرجال وتشبهن بهم، فخرجن من صنف النساء ولم يستطعن أن يكنّ ذكوراً، وجنس الرجال الذين تكسروا تكسر النساء وتشبهوا بهن وأخذوا وظائفهن، فخرجوا من صنف الرجال، ولم يستطيعوا أن يكونوا إناثاً.
فإلى أين يا أشباه الرجال ويا أشباه النساء أنتم سائرون، وإلى أي منحدر أيها الشباب والشواب تهرعون، وفي أي شرٍ تتنافسون، إنكم ومعكم أولياؤكم لمسؤولون.
* * *
الوسيلة التاسعة: اهتمام الغزاة بإفساد الفتيان والفتيات
ووجه الغزاة أثقال خططهم وأعمالهم لإفساد الأجيال الناشئة من بنين وبنات، باعتبارها صحائف بيضاء لها قابليات التأثر، وباعتبارها هي التي تكوّن الأمة في المستقبل، وهي التي تقود أجيالها القادمة، أما الكبار الذين جفت قابلياتهم للتأثر فقد رأى الغزاة مداراتهم، وإفساد من يمكن إفساده منهم، وعزلهم عن مراكز توجيه الأجيال الناشئة، وانتظار تصفية الزمن لهم.
واتخذ الغزاة لإفساد أخلاق الأجيال الناشئة وتحويل سلوكها عن منهج الآداب والتعاليم الإسلامية وسيلتي التضليل الفكري والتحويل السلوكي، أما التضليل الفكري فبالمفاهيم والنظريات الغازية، وأما التحويل السلوكي فبإيجاد المناخات المادية التي لها قوة التحويل بالتزيين، والتدريب، والمحاكاة، والتقليد، وإثارة الغرائز والأهواء والشهوات، وإمدادها بما تميل إليه، إلى غير ذلك من وسائل تحويلية، وكان كلُّ ذلك ضمن خطتين:
الخطة الأولى: أن تأتي كتائب الغزاة إلى بلاد المسلمين بأسماء مختلفة
стр. 432
علمية وفنية وصناعية وتجارية وسياحية ورياضية ونحوها، لتقوم بعمليات الإفساد عن طريق الاختلاط بالبنين والبنات، والتأثير عليهم ببهرج مظاهر الحياة وزينتها ولذاتها وبالمبتكرات من النظريات والأفكار، ومن الأزياء والفنون التي تستهوي النفوس، ويغريها بالمحاكاة والتقليد.
ومعلوم أن الأجيال الناشئة لم تحصن بعد بالمناعة بالفكرية والمناعة النفسيّة ضدّ أي غزو فكري أو نفسي يمسُّهم بجرثومته، وذلك بسبب كونهم لم يزودوا بعد بالمفاهيم الدينية الكافية لتحصين أفكارهم، ولم يزودوا بعد بالعناصر الإيمانية الكافية لتحصين نفوسهم وقلوبهم.
لذلك فإن تعرضهم للإصابة بوافدات الأوبئة الغازية أمرٌ متحتم إلا من عصمه الله بعصمته.
والخطة الثانية: أن يستدرج أبناء المسلمين وبناتهم إلى معاقل جيوش الغزاة، وهم لا حصانة لهم، ولا مناعة في أفكارهم ونفوسهم، ولا سلاح في أيديهم، وهنالك يتسنى لمعاقل الغزو من إفساد المستدرجين إليهم ما لا يتسنى للغزاة داخل بلاد المسلمين، وبسرعة فائقة تستطيع هذه المعاقل أن تصنع هؤلاء الفتيان والفتيات صناعة جديدة، تستخدم فيها كل مفاتن مدنياتهم الحديثة ومباذلها، بعيداً عن مراكز العلم الصحيح النافع، والصناعة المتقنة المفيدة، ثم يعودون بعد ذلك غرباء عن أمتهم وعاداتها وأخلاقها ودينها.
وبطريقة لا تكلف جيوش الغزو شيئاً يمسي هؤلاء الممثلين لجيوش الغزاة داخل بلاد المسلمين، إذ يحملون بين المسلمين رسالة أعدائهم، وبأسلوب أشد عنفاً، وأكثر وقاحة، وأعظم تأثيراً.
ولا يخفى علينا ما في مظاهر المدنية الحديثة الأوربية من فتنة لا يملك مقاومة إغرائها أصلب أبنائنا وبناتنا عوداً، وأقومهم سلوكاً، وأجودهم فكراً، إلا النذر اليسير، فكيف بالذين ليس لديهم أية مناعة أو حصانة ضدها؟!.
لسنا ننكر أن من هذه المظاهر ما هو حسنٌ بذاته، جدير بالمسلمين أن يستفيدوه، ولا بأس في أن يقلدوه، إذ الإسلام يدعو إليه ويشجع عليه، ومن
стр. 433
ذلك تنظيم المدن، وهندسة الأبنية مع بعض تعديلات تسهل تطبيق الأخلاق والآداب وسائر التعاليم الإسلامية. ومنها شق الشوارع الضخمة ورصفها وتنظيفها وإنارتها. ومنها إنشاء الحدائق الجميلة في كل حيٍّ وحِلة. ومنها الاهتمام الشديد بالنظافة العامة وشؤون الوقاية الصحية من قبل الدولة , ومن قبل كل فرد من أفراد الأمة. ومنها التقيد بالأنظمة العامة في سير المركبات وسير المشاة , ومراعاة الحق والنظام لدى الركوب في المركبات العامة ولدى النزول منها , وفي كل أمر من الأمور التي يكون للناس فيها حقوق مشتركة , وذلك باحترام حق السابق , وعدم التزاحم بغية تناهب حق السبق. ومنها تنظيم أسواق البيع والشراء , وحسن التعامل فيها. ومنها الحرص على الاستفادة من كل وقت يمر في عمر الأمة أفراداً وجماعات بعمل مثمر مفيد، أو براحة تدعو إليها الضرورة، أو بمتعة مباحة تتطلبها الفطرة، أو تسلية مروحة عن النفس مجددة للنشاط، إلى غير ذلك من أمور يشهد العقل بحسنها، ولا تتنافى مع الشرع.
ولكن حينما يرى أبناؤنا وبناتنا بعض هذه المظاهر الحسنة في المدنية الأوربية تستأثر بإعجابهم، وتستهويهم وتستدرجهم، فيظنون أن كل ما فيها حسن وجميل، وأنه هو الرقي الحضاري الرفيع، ويعتبرون أن ما شهدوه من مظاهر حسنة إنما هو نموذج عن تقدم أهل هذه البلاد في كل شيء، وعندئذ ينطلقون في دروب هذه البلاد ولا بصيرة لهم، قد استولى عليهم الانبهار.
ووراء الشوارع الزجاجية اللماعة، التي تتلألأ أضواؤها من كل جانب، ويجمل فيها النظام واحترام الحقوق، أقبية ذات أضواء خافتة حمر، يستدرج إليها المبهورون، فتنزلق أقدامهم إلى كُنُف اللذات المحرمة القاتلة، فيتقلبون في أكنافها، وينفقون فيها من جيوبهم مالاً كثيراً عانى آباؤهم وذووهم جهداً جهيداً حتى جمعوه لهم، أو عانت أمتهم فقراً كثيراً حتى وفروه وقدموه إليهم، وينفقون فيها من نفوسهم ذخائر الخلق الكريم الذي توارثته الأجيال المسلمة خلال قرون، لتقدمه إليهم كنزاً ثميناً، وينفقون فيها من عقولهم أكمل ما عرفته الحضارات الإنسانية من ميراث فكري، وينفقون فيها من قلوبهم جوهرة المعرفة الخالدة التي حفظتها لهم العقيدة الإسلامية المصونة من التحريف، وينفقون فيها
стр. 434
فوق كل ذلك قوتهم وصحتهم، حتى يخسروا شبابهم قبل أن يصبحوا شباناً، وكهولتهم قبل أن يبدأوا مرحلة الكهولة.
وكثير من شبابنا الذين تسكرهم أو تخدرهم هذه الأقبية الحمر يظلون غرقى في كنفها حتى تمتص منهم كل مال وقوة، وعندئذ ترميهم في زوايا دروب الحياة كما ترمي نعالها الباليات.
وقد يظن الأولياء المباشرون أو غير المباشرين، أنهم حينما يدفعون أبناءهم وبناتهم في هذه السبل لتحصيل العلم والمعرفة، ويزودونهم بالأموال، ويهيئون لهم سبل الرفاهية، يقدمون لهم خيراً ويجلبون لهم سعادة حاضرة ومستقبلة، ولكنهم مخطؤون في هذا الظن، إنهم يدفعون بهم إلى مزالق الفتنة والفساد.
ولا يعفي الأولياء من المسؤولية أنهم يبذلون الأموال الكثيرة لأبنائهم وبناتهم، وإنهم يقدمون لهم وسائل فسادهم إذا لم يحيطوهم بالصيانة الكافية. إن إمدادهم لهم بالمال الكثير ودفعهم إلى مخططات أعداء الإسلام، من الأمور التي تساعدهم على أن يسلكوا سبل الانحراف والشذوذ وفساد الأخلاق، والانزلاق إلى أودية الكفر، والخروج الكلي من الإسلام، فالمال الوفير في أيدي المراهقين والمراهقات، والشبان والشوابّ يفتح لهم أبواب الفساد ويسهل لهم سبل الشر، ثم إن العلم الخالي من التربية الصحيحة والدين المتين والصيانة المستمرة يزيد عندهم إمكانيات الحيلة والمكر، والتعرف على مداخل الفساد ومخارجه، التي لا يمنعهم عن الدخول فيها إلا رقابة البيئة، والخوف من انتقاد الناس أو الخوف من سخط أوليائهم.
إن هذا المزلق الخطر يتطلب من عقلاء الأمة تأملاً طويلاً، وحزماً شديداً، وتداركاً قبل فوات الأوان، وإلا دهمهم الخطر المحقق، واستفحل عليهم الأمر، ووقعت القوة كلها في أيدي المفسدين، وظفر بالمسلمين أعداؤهم، الذين يعملون دائماً لإفساد أبنائهم وبناتهم وهم في حجورهم، وجعلهم أعداء لهم ولدينهم.
ويدفع كثير من المسلمين أبناءهم إلى أيدي أعدائهم، وينصرفون إلى
стр. 435
شؤونهم الخاصة، وينغمسون فيها لاهين عن فلذات أكبادهم، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً.
أما الوسائل التي يمكن اتخاذها لمعالجة هذا الداء فكثيرة، منها ما هو عام ومنها ما هو خاص.
أما ما هو عام فيكون بما يلي:
أولاً: بالقبض على أجهزة التعليم بفكر إسلامي درَّاك، يحسن التخطيط، ويحسن وضع المناهج، حازم في التنفيذ، مهتم بالتربية الإسلامية التطبيقية، لا يسلم الأمر - مهما صغر - لغير أهله الموثوقين، وإن حسنت كفاءاتهم، لأن زيادة الكفاءة مع انعدام الثقة أشد خطراً من نقصانها.
ثانياً: بإنشاء المؤسسات التوجيهية التي تهدف إلى تمكين مفاهيم الإسلام النظرية والعملية في نفوس المنتسبين إليها، وتمتص فراغهم بكل نافع مفيد، وتوجه طاقاتهم إلى الخير، وترضي نفوسهم بتسلية مباحة، فيها رياضة للجسم أو الفكر أو النفس، كأندية رياضية إسلامية، ومراكز محاضرات ثقافية أو توجيهية، ومشاريع سياحات استطلاعية تفتح آفاق الفكر والنفس، إلى غير ذلك من أمور كثيرة يمكن أن تسهم بشكل إيجابي في إبعاد الأجيال المراهقة عن مزالق الفساد.
وأما ما هو خاص بالأولياء المباشرين فيكون بما يلي:
١- بالرقابة الدائمة غير المنفّرة.
٢- بحسن التربية بالحكمة والعقل.
٣- بعدم تيسير أسباب الفساد.
٤- بربط الناشئ بمسؤوليات تمتص فراغ وقته، منها مسؤوليات علمية أو تعليمية، أو مسؤوليات أخرى يساهم فيها بإسعاد أسرته وأمته.
٥- بأخذه إلى بيئات اجتماعية صالحة.
إلى غير ذلك من وسائل كثيرة نافعة.
* * *
стр. 436
الوسيلة العاشرة: استخدام وسائل الترف والرفاهية
متى غرقت أمة من الأمم في الترف، وأبطرتها الرفاهية التي تجر ذيولها مستكبرة، دبت فيها عوامل الانهيار الخلقي، وبدأت تنسى الله والدار الآخرة، وتتعلق بزخرف الحياة الدنيا كأنها فيها خالدة، وتسعى وراء غرائب اللذات، وتتجدد لديها مطالب مستنكرة من متع الحياة، وأخذ مترفوها يتنافسون في ابتكار أنواع مستحدثة مما يشتهون أو به يتلهون، ويبددون فيها أموالهم، ويبذلون فيها طاقاتهم الجسدية والفكرية والنفسية، ويتفننون في تصيد المتع من كل وجه، حتى إذا ما اختبروا ما أباح الله من لذّات سئموها، ولذَّ لهم أن يتجاوزوا حدود ما أحل إلى ما حرم، وعندئذ يتسابقون إلى ارتكاب غرائب المحرمات والموبقات، حتى يفقدوا كل ذوق إنساني مقبول، ويضعوا أنفسهم في المنتنات القذرات المهلكات.
وبسبب ذلك تصاب عوامل التقدم العلمي والحضاري فيهم بالركود والخمول، وثم بالموت والفناء، لأن طاقاتهم قد اتجهت في طريق آخر طريق لذات الجسد ومتعه، مع البطر والتفاخر والتكاثر والطغيان، إذ فتحت لهم أموالهم وما أترفوا فيه كل باب من أبواب الاستمتاع بالحرام.
ثم تصاب قلوبهم بقساوة شديدة، تفقد معها كل عطف إنساني، أو رحمة بالضعفاء وذوي الحاجات، وربما يجدون لذتهم ومتعتهم في أن يشاهدوا ذل الآخرين وعذابهم بين أيديهم، ولقد شهدت بعض الامبراطوريات المنقرضة مثل ذلك، فكان سبب دمارها، ويقص علينا التاريخ من أنباء الامبراطورية الرومانية الشيء الكثير عن ذلك، وأنها حينما أترفت لذّ لمترفيها أن يستمتعوا بمشاهدة خلق من خلق الله أمثالهم تفتك بهم الوحوش الضارية، أو يتصارعون حتى يقتل بعضهم بعضاً، ويضيفون هذه المشاهدة إلى باذخ ترفهم الذي يستمتعون به.
هذا الجو المكفهر المجرد من المعاني الإنسانية الكريمة، المشحون بالأنانية
стр. 437
القاتلة، من أكثر الأجواء النفسية والاجتماعية ملاءمةً لموت الفضائل الخلقية والكمالات السلوكية، ولنمو الرذائل الفردية والاجتماعية، وللوصول بالأمة إلى أدنى دركات الانهيار والضعف، لأنه جو يغري بالطغيان والاستعلاء، ويسهل فيه الحصول على كل متعة محرمة، وتنعدم فيه معظم مسببات الزهد في زينة الحياة الدنيا، وتفقد فيه معظم المذكرات بالله واليوم الآخر ومع نسيان الله واليوم الآخر والسكر بمفاتن الحياة الدنيا ومغرياتها تستشري في الإنسان بهميَّته، وتنطفئ فيه مصابيح المعرفة التي تهديه إلى الصراط المستقيم، وتستحوذ عليه شياطين الإنس والجن.
ومن أجل ذلك كان المترفون في الأرض هم الذين تصدوا لمعارضة رسل الدعوة الإلهية في مواجهة وقحة. وهم الذين تسببوا بنزول عذاب الله في الأمم، قال الله تعالى في سورة (سبأ/٣٤ مصحف/٥٨ نزول) :
﴿
وَمَآ أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَآ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ * وَقَالُواْ نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالاً وَأَوْلاَداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ * قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ * وَمَآ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَى إِلاَّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ جَزَآءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُواْ وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾ .
وقال الله تعالى في سورة (هود/١١ مصحف/٥٢ نزول) :
﴿وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مَآ أُتْرِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ * وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ .
وقال تعالى في سورة (القصص/٢٨ مصحف/٤٩ نزول) :
﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمْ إِلاَّ قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾ .
وقد أدرك أعداء الإسلام أن الترف والرفاهية والانغماس في اللذات أمور تسبب البطر، وتوقف كل تقدم علمي وإنتاجي صحيح، وتصيب الأمة بانهيار خلقي وسلوكي يؤدي بها إلى الضعف والهوان، والتعلق بالقشور من
стр. 438
ظواهر الحياة، وترك موجبات المجد والقوة، فخططوا خططهم من أجل إغراق الذين بسط الله لهم في الرزق من المسلمين في أنواع الترف والرفاهية والمتع المحرمة، ودفعوا إليهم سيول وسائل الترف المشروعة وغير المشروعة من كل جانب، وزينوها لهم بألوان الترويج والتحسين الفاتن الموشي بالإغراء، وأثاروا بينهم دوافع التفاخر والتكاثر والتسابق إلى تحقيق أوسع صور اللذة، فحقق ذلك لأعداء المسلمين غرضين خبيثين:
الغرض الأول: إفساد أخلاق المسلمين وآدابهم وكل أعمالهم، وتوهين قواهم بذلك، وإيقافهم في واقع التخلف.
الغرض الثاني: ابتزاز أموالهم، واقتناص خيراتهم، بما يصدرون لهم من وسائل الترف وزينة الحياة، وبما يسهلون لهم من سبل محرمة تمتص مختلف طاقاتهم الفكرية والجسدية والنفسية، ثم تسلبهم كل وازع خلقي يحجز بينهم وبين ما يشتهون من آثام وجرائم.
وكان لأجنحة المكر نشاطات واسعة في ذلك، مضافة إلى النشاطات الخبيثة التي تقوم بها اليهودية العالمية، يدلنا على ذلك الواقع المشهود، والأقوال المكتوبة، ففي بروتوكولات حكماء صهيون قولهم: "إن الشباب قد انتابه العته لانغماسه في الفسق المبكر، الذي دفعه إليه أعواننا من المدرسين والخدم والمربيات اللاتي يعملن في بيوت الأثرياء والموظفين والنساء اللاتي تعملن في أماكن اللهو".
* * *
الوسيلة الحادية عشرة: سياسة المستعمرين غير الأخلاقية
شاعت أساليب غير أخلاقية في حياة كثير من الشعوب الإسلامية التي سيطر عليها الاستعمار، وذلك بتأثير الحكومات التي قبضت على ناصية بلادهم بسياستهم الاستعمارية، إذ كانت هذه السياسة تعتمد في معاملتها لهذه الشعوب على أساليب غير أخلاقية، كالكذب والخيانة ونقض العهد والغدر والإخلاف
стр. 439
بالوعد والرشوة ونحو ذلك من رذائل.
وكان لهذه الرذائل من الغالبين ردود أفعال مماثلة من المغلوبين، وكانت ردود الأفعال هذه في أول الأمر أسلحة مضادة، قاومت بها الشعوب سياسة المستعمرين، ومع طول العهد وكثرة الممارسة صارت ردود الأفعال عادات مكتسبة، وسرى داء الانحرافات الخلقية فتمكن من النفوس، وسيطر على كثير من ظواهر السلوك.
وحل أسلوب الكذب محل خلق الصدق، وأسلوب الخيانة محل خلق الوفاء بالعهد، وأسلوب الإخلاف بالوعد محل الصدق فيه، وأسلوب الرشوة لشراء الضمائر محلّ التعامل بالحق والعدل، إلى غير ذلك من أمور كثيرة من هذا القبيل.
وفشا الداء من الدوائر الحكومية إلى المشتغلين بالسياسة، ثم إلى الأسواق التجارية، ثم إلى داخل الأسر، وإلى العلاقات المادية والأدبية بين الأفراد، حتى غدت التربية التي ينشأ عليها الأطفال تعتمد على كثير من هذه الأساليب غير الأخلاقية، وبدأت الأجيال تكتسب من بيئتها هذه الانحرافات، وتمارسها في حياتها، وفقدت هذه الشعوب كنوزاً عظيمة من كنوز الأخلاق الكريمة التي توارثتها كابراً عن كابر، وعمل الإسلام على تأصيلها في نفوسهم وفي أعمالهم.
إن الهدم سهل ونتائجه سريعة، ولكن الصعوبة كل الصعوبة في البناء.
* * *
الوسيلة الثانية عشرة: استخدام الفكر الإلحادي
على الرغم من أن أجنحة المكر الثلاثة تسير على خط معارض لخط الفكر الإلحادي، فإنها لم تجد بأساً بنشر الفكر الإلحادي الذي تحمل لواءه المادية الشيوعية، لإفساد الشعوب الإسلامية في عقائدها وأخلاقها وآدابها وسائر أنواع سلوكها في الحياة.
стр. 440
قد يبدوا هذا عجيباً في أساليب من ينتسبون إلى دين سماوي، ويبشرون به بين الناس، ولكن الواقع قد أثبته، ومبرِّره لديهم أن المسلمين لا يمكن أن يرتدوا عن دين الإسلام الحق، ليدخلوا في أديان محرفة جاء الإسلام فكشف زيف تحريفاتها، وإنما يمكن أن يرتدوا عن الإسلام إلى الإلحاد المطلق، والكفر بكل دين، وهذه مرحلة ترضي أجنحة المكر الثلاثة، لأنها تزيح من طريقهم منافسين خطيرين يحملون ديناً حقاً تقبله العقول والنفوس.
ومكنت أجنحة المكر الثلاثة لدعاة الإلحاد أن ينتشروا بين المسلمين، وكان ذلك في بعض الأحايين عن اتفاق معهم، وكان في أحايين أخرى بتدبير منهم واستئجار عناصر لبث الإلحاد، يضاف إلى ذلك إغضاؤهم عن تحركات الشيوعيين، وهم خصومهم لتحقيق هذه الغاية، وفي المراحل الأخيرة ظهر اتفاق ضمني بين المعسكرين المتناقضين في العالم، على نشر الإلحاد بين الشعوب الإسلامية، والعمل على تحويل هذه الشعوب عن أخلاقها وآدابها وفضائل أعمالها.
من الواضح أنه متى قطعت الصلة بين الإنسان وبين الغاية المثلى من وجوده في هذه الحياة أمسى مادياً أنانياً دنياوياً صرفاً، وهذه المادية التي لا تخشى الله يرافقها باستمرار بواعث الجريمة، لتلبية مطالب النفس وأهوائها وشهواتها.
وحين وجد قادة المذاهب السياسية المادية في الأرض الذين يحاولون فرض سلطانهم المباشر أو غير المباشر على كثير من الشعوب أن طريقهم إلى غايتهم هذه مملوءة بالعقبات الأخلاقية، السائدة في معظم المجتمعات الإنسانية، عمدوا إلى إلغاء فكرة المبادئ الأخلاقية، واعتبارها خرافة من الخرافات السائدة، واستحدثوا نظرية الأخلاق المتطورة التي لا ثبات لها في مفاهيم الناس وأعرافهم، وبعد هذا وجدوا أن المبادئ الأخلاقية متمكنة في نفوس الناس نظراً إلى ارتباطها بعقيدة الجزاء الرباني، التي أملتها تعاليم الأديان الإلهية، فعمدوا إلى إنكار عقيدة الجزاء، ثم إلى إنكار الخالق جل وعلا، لأن الإيمان بالله وفق العقائد السليمة لا بد أن يستدعي في نفس المؤمن الاتجاه نحو الحق والخير والفضيلة، والإيمان بحكمة الله وعدله وجزائه.
стр. 441
إنهم لم يجدوا وسيلة يدفعون بها الحشود البشرية إلى القيام بأعمال الظلم والقتل وسائر الجرائم التي تخدم غايتهم ما دامت هذه الحشود تؤمن بمبادئ الأخلاق الفاضلة، والحق الثابت، والجزاء الرباني، وما دام الخوف من الإثم يحجزهم عن ذلك، وما دامت عقيدة الإيمان بالله جاثمة على قلوبهم.
من أجل ذلك نادوا بأن الدين أفيون الشعوب، وذلك ليسقوا أتباعهم بهذه العبارة أفيون الجريمة والظلم واستباحة القتل، واستباحة كل قبيحة تعارفت عليها الأمم والشعوب، وليجرعوا بها كؤوس الحقد والحسد والكيد لكل خير وفضيلة.
وجاءت إعلاناتهم الكثيرة توضح مذهبهم المستند إلى إلغاء الأخلاق والأديان والقوانين واعتبارها أوهاماً موضوعة لمصالح طبقية، وفيما يلي طائفة من أقوال قادتهم:
١- جاء في البيان الشيوعي الذي أصدره معلم الشيوعية الأول اليهودي "كارل ماركس" ورفيقه "إنجلز" ما يلي: "إن القوانين والقواعد الأخلاقية والأديان أوهام بورجوازية تتستر خلقها مصالح بورجوازية".
٢- وقال "إنجلز": "إننا نرفض شتى المحاولات التي تحاول أن تفرض علينا أخلاقاً تستند إلى المثاليات، ذلك لأننا نؤمن أن الأخلاق هي نتاج الأوضاع الاجتماعية، ولما كانت الأوضاع الاجتماعية متغيرة، فإن مفاهيم الأخلاق التي نؤمن بها هي كل عمل يؤدي إلى تحقيق انتصار مبدئنا مهما كان هذا العمل منافياً للأخلاق".
٣- وقال "لينين": "يجب على المناضل الشيوعي الحق أن يتمرس بشتى ضروب الخداع والغش والتضليل، فالكفاح من أجل الشيوعية يبارك كل وسيلة تحقق الشيوعية".
وقال أيضاً: "إذا لم يكن المناضل الشيوعي قادراً على أن يغير أخلاقه وسلوكه وفقاً للظروف مهما تطلب ذلك من كذب وتضليل وخداع؛ فإنه لن يكون مناضلاً ثورياً حقيقياً".
وقال أيضاً: "إن المناضل الشيوعي الثوري الحق هو ذلك الذي يبذل كل
стр. 442
تضحية يفرضها عليه تحقيق الهدف الشيوعي ولو تطلب الأمر التضحية بالأخلاق والكرامة والضمير، فالهدف المثالي الحق هو تحقيق المجتمع الشيوعي وتدعيمه".
وقال أيضاً: "ويجب علينا أن نتوسل بكل أنواع الحيل والمناورات والوسائل غير القانونية لتحقيق أهدافنا الشيوعية".
٤- وقال "ستالين": "الأخلاق الصالحة في نظرنا هي تلك التي تيسر لنا القضاء على النظام القديم، وهي تلك التي تدعم النظام الشيوعي، ولا شيء غير هذا يمكن أن يسمى أخلاقاً فاضلة".
٥- وقال "مالينكوف": "إن الأخلاق الفاضلة في نظرنا هي كل الوسائل التي تؤدي إلى القضاء على النظام القديم، بينما تؤدي في الوقت ذاته إلى تدعيم النظام السوفياتي".
وقد أصبحت هذه الأقوال مشهورة شهرة تغني عن نسبتها إلى مصادرها، وقد ألح القادة اليساريون في العالم على محاربة الأخلاق والدين بهذا الشكل العنيف لينزعوا من نفوس أتباعهم كل ما تبقى فيها من وجدان، وكل ما خلفته الموروثات الفاضلة فيها، حتى لا تبطئهم عن ارتكاب أية جريمة في الشعوب، متى كانت الجريمة سبباً لتحقيق أهداف القادة اليساريين في استعباد الشعوب.
وبعد هذه الأقوال التعليمية وأشباهها التي واجهها القادة الماركسيون إلى جميع الأحزاب الشيوعية في العالم قامت التطبيقات لها على نطاق واسع.
ففي سنة (١٩٢٣م) أعلن المؤتمر الشيوعي الذي عقد للبدء بالحرب ضد الأديان ما يلي: "يوجد داخل اتحاد الجمهوريات السوفياتية ثلاثون مليوناً من المسلمين كانوا يعيشون إلى الآن دون أن يمسهم شيء، كما أنهم يحافظون على عقائد باطلة، وخرافات من العصور الوسطى لها صلة بالدين، وغايتها الإضرار بالثورة، وبعد أن نظرنا في هذا كله ودرسنا خصائص كل أمة على حدة، قررنا القيام بالخطط والتدابير الواجب عملها لإزالة هذه العقائد الباطلة من أوساط هذه الأمم".
стр. 443
وكان من ثمرة هذا القرار الشيوعي منع التعليم الإسلامي داخل الاتحاد السوفياتي وإغلاق المساجد، حتى تم إغلاق خمسة وعشرين ألف مسجد وتحويلها إلى مراكز لكثير من الأمور الحقيرة.
وهكذا نجد في أقوالهم وأعمالهم التي لا تحصى عداءً شديداً لعقيدة الإيمان بالله , والتمسك بجميع المبادئ والتعاليم والأخلاق الدينية والإنسانية، والعمل على إطلاق الوحش البشري ليفتك في العالم، محققاً مصالح القادة الشيوعيين في العالم، وممهداً للصهيونية العالمية أن تحقق حلمها في إخضاع كل شعوب العالم لدولتها الخفية أو الظاهرة.
* * *
стр. 444
الفصْل الثالث عشر الغزو بالمذاهِبِ الاقتصَادية
١- مقدمة عامة
٢- بين اتجاهين متباينين.
٣- وسائل إيقاف نشاط غزو المذاهب المخالفة للإسلام.
٤- نظام الإسلام على قمة وعن يمينها ويسارها منحدران.
٥- قدوم المذاهب الاقتصادية المخالفة لنظام الإسلام.
٦- لا تكفي الكلمة وحدها.
٧- الأسس العامة لنظام الإسلام الاقتصادي.
٨- مقارنة بين الأسس العامة للنظام الاقتصادي في الإسلام والنظم الأخرى.
٩- فرية ربط التخلف الصناعي بنظام الإسلام.
١٠- اصطناع المناخات المناسبة لتقبل الأفكار والمذاهب الغازية.
١١- التعلل بعدم وجود دولة تطبق نظم الإسلام وتحميها.
стр. 445
(١) مقدمة عامة
حمل الغزاة إلى المسلمين مذاهبهم الاقتصادية، وأرادوا من المسلمين أن يتبنوها ويأخذوا بها، ليسيروا في ركبهم ضمن هذا المجال، ولينحسروا فيه عن إسلامهم وتطبيقهم له وأخذهم بنظامه.
وعلى الرغم من المتباين الكبير بين المذهبين الاقتصاديين العالميين الغربي والشرقي، نلاحظ أن أنصار كلٍّ منهما يعادون الإسلام ويتخوفون من أن يسود نظامه، أكثر بكثير مما يعادون المذهب المباين لمذهبهم مباينة كلية.
فالاشتراكيون العلميون الذين يسيرون في طريق معاكس تماماً للرأسماليين، يتخوفون من نظام الإسلام أكثر من تخوفهم من الرأسمالية، بل قد يشجعون الرأسمالية المفرطة في البلاد الإسلامية، لتكون مناخاً ملائماً لانتشار الاشتراكية العلمية، والرأسماليون كذلك يتخوفون من نظام الإسلام أكثر من تخوفهم من الاشتراكية العلمية، بل قد يشجعون إقامة النظم الاشتراكية في بلاد المسلمين، لكشف عيوبها بشكل واقعي، ولينفر الناس منها نفرة نهائية، ثم ليرتموا في أحضان الاستغلال الرأسمالي.
وإذا علمنا أن وراء الرأسمالية العالمية قمة يهودية خفية، ووراء الاشتراكية العلمية قمة يهودية كذلك، وعلمنا أن وراءهما معاً مصلحة يهودية عليا تعرف كيف تتصيد الفوائد المادية والسياسية من خلال صراع المذهبين المتعارضين، لم يخفَ علينا كثيراً سر معاداة أنصار المذهبين المتباينين للإسلام أكثر من عدائهما لبعضهما.
стр. 446
وعلى الرغم من أن الإسلام يمثل النظام الوسط الحق بين المذهبين المتباينين، نجد أنصار كلٍّ منهما يغمضون أعينهم عنه إغماضاً كلياً، ولا يريدون أن ينظروا إليه ولا أن يفسحوا المجال للشعوب حتى تراه فتستمسك به، وكلما قامت حركة توعية تكشف للجماهير محاسن نظام الإسلام، أو حركة تطبيق تعمل على إبراز هذا النظام بشكل واقعي، ولو في جانب من جوانبه، تضافرت قوى الشرق والغرب لإحباط ذلك، وعرقلة سبيله، وتشويه مقاصده، ثم لا تسمح لأي تطبيق سليم أن يظهر، وإذا ظهر عملت بسرعة على إلغائه، وجمعت ما يلزم من طاقات سياسية وغير سياسية لتفشيله، ودبرت له المكايد الكثيرة.
وتتآزر في ذلك قوى أجنحة المكر الثلاثة، والقوى التي تسير في ركابها مع قوى المذاهب الاشتراكية التي تخضع لنظمها دول شرقية معروف، فالإسلام هو الهدف الرئيس المقصود بالمحاربة من كل هذه القوى، مهما تصارعت وتعادت فيما بينها، مع أنه لا يحمل الناس جميعاً إلا الخير وابتغاء السعادة والنجاح، ولا يدعوهم إلا إلى الحق والهدى.
(٢) بين اتجاهين متباينين
بين اتجاهين متباينين بعيدين عن منهج الوسط الإسلامي، أراد أعداء الإسلام الواقفون في أقصى الاتجاهين، أن يحتالوا على المسلمين ليزحزحوهم عن الوسط الحق، فالمفرطون في اتجاه اليمين من أعداء الإسلام يريدون أن يجذبوا المسلمين إليهم، والمفرطون في اتجاه اليسار يعملون بطاقات كبرى كي يجذبوا المسلمين إلى يسارهم، ومن المؤسف أنه ليس للإسلام في هذا العصر قوة مادية كبرى قائمة، ذات كيان فعال في العالم، تستطيع أن تثبت المسلمين في منهج الوسط تثبيتاً تطبيقياً، فضلاً عن أن تجذب إليه من هم في مفرط اليمين، أو من هم في مفرط اليسار.
стр. 447
هذا هو واقع الإسلام بين نظامين اقتصاديين قائمين في العالم، وهذا هو واقع المسلمين بين أنصار هذين النظامين.
وقد وقفت أسس نظام الإسلام الاقتصادية كالطود المنيع بفلسفتها المحكمة الفذة في العالم، الكفيلة بتحقيق مصلحة الفرد، ومصلحة الجماعة، والكفيلة بدعم قوة الدولة المسلمة، دون أن تمس كيانها بأذى، والمنسجمة مع مبادئ العقيدة والعبادة والأخلاق الإسلامية وأهدافها، والمنسجمة مع نظم الإسلام الأخرى.
وهذه الأسس تقع في دائرة الوسط بين أطراف تبعد كل البعد أو بعضه عن المصالح العظمى التي يهدف إليها الإسلام.
وأعداء الإسلام يحاربون تطبيق نظام الإسلام المتعلق بشؤون المال حرباً لا هوادة فيها، وحربهم هذه هي جزء من حربهم العامة للإسلام، وجزء من أعمالهم الكبرى التي يريدون منها إبعاد المسلمين عن تطبيق نظم الإسلام الكفيلة بتحقيق أفضل صور العدالة الممكنة في الواقع الإنساني، والتي من شأنها أن تجذب شعوب العالم إلى الإسلام، وتضيف إلى صروح المسلمين الأولى صروح مجد جديد، وتعيد إليهم قوتهم ودولتهم الكبرى.
وقد غدت أسلحة النظم الاقتصادية لأعداء الإسلام شرقيين وغربيين، هي الوسيلة الهامة في هذا العصر للغزو الفكري والمادي الذي يغزون به المسلمين.
وسبب ذلك أن معظم المسلمين يجهلون حقيقة نظام الإسلام المتعلق بشؤون المال، ولا يهتمون بتطبيقه، وقد غزت النظم الأخرى المناهضة لنظام الإسلام ميادين النشاط الاقتصادي في بلادهم، فهم يعيشون في وضع قلق ملفق مرقع بين الأنظمة المختلفة، فلا هو نظام إسلامي، ولا هو نظام غربي، ولا هو نظام شرقي، وهذه المرحلة التي وصل إليها المسلمون في واقعهم التطبيقي مرحلة مساعدة جداً لتحقيق أهداف أعدائهم فيهم. إنها المرحلة التمهيدية التي تهيئ للغزاة فرصة الغزو الكاسح، لأن المنافذ الاقتصادية من
стр. 448
أخطر المنافذ التي تعبر منها جيوش الأعداء، حتى تصل إلى المقاتل التي تريد القبض عليها وإحكام غلها بأغلال الفولاذ.
وأمام هذا الخطر الداهم المنذر بحلول المصيبة الكبرى، يجب على قادة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، أن يكشفوا للجماهير المسلمة حقيقة نظام الإسلام المتعلق بشؤون المال، بكل أسسه وتطبيقاته، وأن يستفيدوا من مرونة الشريعة الإسلامية في وضع أشكال تطبيقية لا تتعارض مع أسس الإسلام، كفيلة بأن توجد في بلاد المسلمين كل ازدهار اقتصادي، وانتعاش اجتماعي، حتى تستطيع تطبيقاتهم الملائمة للإسلام أن تقف في وجه هذا الغزو الذي يحارب المسلمين وهم في عقر دورهم، والذي يحمل فيه بعض أبناء المسلمين أسلحة العدو الغازي ضدهم، ويقاتلون به أهليهم وذويهم حماقة وجهلاً، وطمعاً وغروراً.
(٣) وسائل إيقاف نشاط غزو المذاهب المخالفة للإسلام
لإيقاف نشاط غزو المذاهب الاقتصادية المعادية للإسلام في بلاد المسلمين، يجب على المسلمين أن يتخذوا وسائل الدفاع الكفيلة بصدّ أي هجوم يركزه أعداء الإسلام، ويجب عليهم أن يسدوا كل ثغرة يمكن أن يتخذها الغزاة معبراً لهم، ينفذون منه إلى عقول المسلمين أو قلوبهم أو نفوسهم.
ويبدو لي أن وسائل الدفاع يشترط فيها قبل كل شيء تسليح معظم المسلمين على اختلاف مستوياتهم المعاشية بالقناعات الفكرية الراقية، التي تجعلهم واعين لنظام الإسلام تمام الوعي، قادرين على شرحه والدفاع عنه، متحمسين لتطبيقه.
وبث هذه القناعات في عقول المسلمين وقلوبهم رهنٌ بتحليل نظام الإسلام المتعلق بشؤون المال - كسباً واستثماراً وإنفاقاً - تحليلاً دقيقاً، وبتفصيله تفصيلاً شاملاً، وبصياغته صياغة ملائمة لأسلوب العصر، وبإبراز كمال
стр. 449
النظريات الحكيمة والأسس الواقعية التي بني عليها، وبكشف مصالح الناس العامة والخاصة المرتبطة بتحقيقه، وبمقارنته بالنظم الأخرى الإنسانية، التي لاحظت جانباً من مصالح الناس، وأهملت جانباً، ولم تعترف بالله الخالق البارئ المصور حاكماً للناس مشرعاً.
وعقب استكمال تحقيق هذا الشرط تأتي مرحلة تحويل واقع المسلمين المرقع الملفق، البعيد عن تطبيق نظام الإسلام تطبيقاً صحيحاً شاملاً، وذلك بحمل المسلمين على تطبيقه بسلطان العقيدة وسلطان القانون والحكم.
أما سلطان العقيدة فله في داخل قلوب المسلمين ونفوسهم قوة دافعة وقوة رادعة، وله من دعاة الإسلام الموجهين قوة مذكرة.
وأما سلطان القانون فيتولاه الحكم الإسلامي المؤيد من جمهور المسلمين، الرادع بسيف العدل، والملزم بقوة السلطان.
وحينما يتبنى الحكم الإسلامي تطبيقه، فلا بد أن يطرح الصيغة القانونية الجديدة للنظم المالية، بعد أن توضح على أسس إسلامية بحتة، مع العلم بأن أسس النظام الإسلامي المتعلق بشؤون المال تتسع لأي شكل تطبيقي متطور، يتضمن تسهيل أعمال الناس المالية، وتنشيط تقدمهم المدني، وازدهار واقعهم الاقتصادي، وانتعاش واقعهم الاجتماعي، ومسايرة ركب المدنية الحديثة، في أحسن صورة من صور تقدمها، مع الخلاص من عيوبها، والسلامة من آفاتها وانحرافاتها شرقية كانت أو غربية.
وتسليح المسلمين بالقناعات الفكرية الراقية التي تجعلهم واعين لنظام الإسلام تمام الوعي، لا يكفي فيه مجرد إثارة العواطف الإسلامية العامة، والبكاء على أمجاد المسلمين المضيَّعة، وتوجيه اللوم والنقد للجماهير المسلمة البعيدة عن تطبيق الإسلام، ولكن لا بد مع ذلك من تجنيد الطاقات الفكرية في العالم الإسلامي بكل الوسائل الممكنة، للقيام بعملية تسليح المسلمين بهذه القناعات.
ليس نظام الإسلام المتعلق بشؤون المال من التعقيد بشكل يستعصي على
стр. 450
تفهم الجماهير المسلمة له، ولكن الأنظمة الأخرى التي غزت عالمنا الإسلامي قد استخدم الغزاة في نشرها جميع أسلحة القرن العشرين الإعلامية، وأسلحة أخرى غير إعلامية، فيها من الضغط الشديد على المسلمين ما تنهار أمامه الجدران المتآكلة في واقعهم.
من أجل ذلك اقتضت ظروف المقاومة الحديثة مقابلة السلاح بمثله أو بما يقاربه، ومن أجل ذلك اقتضت الحرب الفكرية الحديثة تجنيد كل طاقات المسلمين الفكرية، لإبراز نظام الإسلام المتعلق بشؤون المال كسباً وإنفاقاً واستثماراً، بالأسلوب المشرق الذي تبدو الأنظمة الأخرى أمامه كما يبدو قزم قميء ضعيف أمام عملاق وسيم الطلعة ذي بأس شديد، أي: تبدو كما هي في واقع حالهم، ويبدو نظام الإسلام كما هو في واقع حاله.
ومن الحسن في تجنيد هذه الطاقات الفكرية بذل الجوائز السخية للعاملين في هذا الميدان، وتشكيل اللجان المتنوعة، من باحثين إسلاميين، ومن ذوي علم واسع وخبرات طويلة في شؤون المال والاقتصاد والاستثمار في مختلف بلدان العالم الإسلامي، يرافقها مؤتمرات عامة للمناقشة والبحث، ثم تختم بلجان عليا للتنسيق والتصفية، ثم يصدر عنها الإعلان النهائي بتحديد الأسس العامة لنظام الإسلام المتعلق بشؤون المال، والتوصيات بمشاريع قوانين إسلامية، تعالج مشكلات العصر المتعلقة بهذا الجانب من جوانب نظم الحياة.
(٤) نظام الإسلام على قمة وعن يمينها ويسارها منحدران
إن مثل الإسلام في عقائده ومبادئه ونظمه كمثل صراط مستقيم على قمة المفاهيم للحقائق الكبرى، وللفلسفة الراقية لحياة الإنسان بدءاً ومعاشاً ومعاداً، وهو الارتفاع الأسمى البارز من الخط الوسط، ولهذا الصراط جانبان عن اليمين وعن اليسار، فمن تجاوز يمين الصراط أخذ يتجه منحدراً من وراء اليمين ومن تجاوز يسار الصراط أخذ يتجه منحدراً من وراء اليسار، وغاية كلا
стр. 451
الانحدارين الوصُولُ إلى السحيق المليء بالعذاب الأليم، البعيد البعيد عن الطريق الموصل إلى رضوان الله وسعادة الدارين، الدنيا والآخرة، طريق الله الحق الذي يبدأ في دار الدنيا بالعمل الصالح والتزام شريعة الله، وينتهي في الجنة بالجزاء الأوفى عند مليك مقتدر كريم.
وفي نظام الإسلام المتعلق بشؤون المال نجد هذا الصراط الذي حددت شريعة الله جانبيه، وحذرت من تجاوز حدّيه، وأنذرت من تسوِّل له نفسه المعصية والمخالفة بالخسران في الدنيا والعقاب في الآخرة.
وفي المنحدر من وراء يمين هذا الصراط تجد شتى المذاهب الاقتصادية المسماة بالمذاهب الرأسمالية، وفي المنحدر من وراء يسار هذا الصراط نجد شتى المذاهب الاقتصادية المسماة بالمذاهب الاشتراكية.
وليس الإسلام في نظامه شيئاً من هذه ولا من تلك، ولكنه نظام فذ متكامل بذاته، ربما نجد في بعض أجزاء الأنظمة الرأسمالية شبهاً ببعض أجزاء منه، وربما نجد أيضاً في بعض أجزاء الأنظمة الاشتراكية شبهاً ببعض أجزاء منه، ولكنه في مجموعة كائن مستقل نابض بحياة راقية قويمة.
ولست أجد لهذا التشابه الجزئي بينه وبين أجزاء من الأنظمة الأخرى، مثلاً أقرب من التشابه الذي نلاحظه بين الإنسان المخلوق في أحسن تقويم، وبين المخلوقات الأخرى المنحدرة عنه في المرتبة التكوينية انحداراً كبيراً.
فلو أن جماعة من الذئاب المفترسة الغادرة حاولت أن تثبت أنها هي الكائن الأقوم بين الحيوانات، واستغلت قوة بطشها أمام عائلة بشرية ضعيفة منعزلة في طرف غابة الذئاب، وفرضت عليها أن تنضم إلى فصيلة الذئاب، أفيجعلها من فصيلة الذئاب وجود التشابه بين الإنسان والذئب، في أن لكل منهما عينين وأذنين، ولساناً وشفتين؟ أم يظل الإنسان كائناً غير الذئب ولو كان بينهما تشابه في كثير من أجزاء الجسد؟.
إن أحداً لا يمكن أن يقبل هذه الفرية المستندة إلى حجة هذا التشابه الجزئي.
стр. 452
لكننا مع الأسف نجد في المسلمين من ينطلي عليهم مثل هذا التحوير والتحريف في الحقيقة، بالنسبة إلى نظام الإسلام المتعلق بشؤون المال، والأنظمة الأخرى التي هي من أوضاع الناس.
وأعداء الإسلام يحاولون أن يتصيدوا بعض المسلمين، إلى اعتناق مذاهبهم بشبكة التشابه الجزئي بين النظام الإسلامي والأنظمة الأخرى.
فأصحاب النظم الرأسمالية يتصيدون بهذه الشبكة بعض المسلمين لتطبيق نظامهم، وأصحاب النظم الاشتراكية العلمية الملحدة يتصيدون بهذه الشبكة أيضاً بعض المسلمين لتطبيق أنظمتهم الاشتراكية العلمية، وليس الإسلام في حقيقة نظامه المتعلق بشؤون المال باشتراكي ولا برأسمالي، وإن كان لكل منهما شبه ببعض ما في الإسلام.
فالذي يقول: رأسمالية الإسلام، أو اشتراكية الإسلام، معتمداً في ذلك على بعض التشابه الجزئي، يقع تحت تأثير وهْمٍ كبير، وهذا القول شبيه في مضمونه بقول قائل: ذئبية الإنسان، معتمداً في قوله هذا على وجود أجزاء متشابه بين الإنسان والذئب، كوجود العيون مثلاً في كلٍّ من النوعين.
وسبب الوقوع في هذا الوهم عدم تصور الوحدة التامة المتكاملة في نظام الإسلام، المباينة في هيئتها التركيبية للأنظمة الأخرى.
لذلك كان على الباحثين أن يعرضوا نظام الإسلام عرضاً كاملاً، يبين حقيقته المستقلة الفذة، التي اختارها الله في شريعته لعباده.
وشاعت المغالطات الخطيرة، التي أخذ مطلقوها يحاولون صبغ الإسلام بصبغة مذاهبهم، ليسهلوا نفوذ مذاهبهم إلى صفوف المسلمين، دون أن تصطدم بعقبة معارضة المسلمين لها، بوصفها تناهض مبادئ الإسلام، وتسعى إلى تقويض دعائمه.
وحاول أنصار كل مذهب من هذه المذاهب أن يجد في الإسلام تأييداً لجانب من جوانبها، ليلبِّس بذلك على المسلمين، ويجعل الإسلام وكأنه صاحب هذه المذاهب، أو يوافق عليها.
стр. 453
وفي دوامة هذه المغالطات الرامية إلى تشويه حقيقة الإسلام، واصطناع الجو الملائم لتسلل المذاهب المخالفة له إلى صفوف المسلمين، نجد مثلاً في مجموعة المذاهب الاقتصادية المتعارضة في العالم، أن أنصار المذاهب الرأسمالية في البلاد الإسلامية يختبؤون وراء الإسلام ليحميهم من هجمات أنصار المذاهب الاشتراكية، ويدرأ عنهم ضرباتها، بحجة أن الإسلام يعترف بالملكية الفردية ويحميها، ويفسح مجال حرية العمل والكسب والتجارة، ولا يسد أبواب المنافسة الشريفة في تحصيل الثروات، كما أن أنصار المذاهب الاشتراكية يقدمون الإسلام إلى الصف الأول في معركتهم مع أنصار المذاهب الرأسمالية، بحجة أن الإسلام يحتوي على مبادئ اشتراكية تتجه إلى تحقيق العدالة بين الناس.
وبين صراع الرأسماليات والاشتراكيات التي يزج كل منهما بالإسلام في أتون معركتهما، يتلقى الإسلام في بلاد المسلمين معظم الضربات، مع أن الإسلام بريء من الفريقين المتصارعين، وأي منهما انتصر فالإسلام خاسر، وإن صح وجوده في حلبة الصراع فإما أن يكون فريقاً وحده ضد الفريقين معاً، وإما أن يكون حكماً عدلاً يسجل على كل فريق منهما خطأه وصوابه، ويحاول أن يرد كل مخطئ إلى وجه الصواب. ولكن مسكين هذا الحَكَم العدل ذو العقل الراجح الناضج في الجسم واهن ضعيف، لا يقوى على كبح جنون المتصارعين، وقد تآمرت عليه أندية الفريقين ليقوضوا دعائم مدرسته القديمة، التي لو تهيأ لها أن تنهض نهضة حديثة لأخذت بطولة العالم.
مسكين هذا الحَكَم العدل على الأنظمة في العالم، يتَترَّسُ به الرأسماليون في بلاد المسلمين، فيتلقى ضربات الاشتراكيين على الرأسمالية، ويتترس به الاشتراكيون، فيتلقى ضربات الرأسماليين على الاشتراكية.
فمن للإسلام يحمله باسمه الحقيقي، وتطبيقه الحقيقي، حتى يستطيع أن يصرع به سائر الأنظمة في العالم، وينال به كأس البطولة التاريخية، التي لا ينافسها منافس على مر العصور، مع سعادة الدنيا للفرد وللجماعة الإنسانية، وسعادة الأخرى بالظفر برضوان الله والجنة، والنجاة من سخط الله والنار؟؟.
إن الإسلام الرأسمالي وفق مفهوم الرأسماليين إسلام مزيف، أرادوا أن
стр. 454
يروجوه في صفوف المسلمين، ليختلط عليهم أمر دينهم، ويقبلوا بالزيف الرأسمالي الدخيل، الذي أرادوا له أن يحل محل الأصل الإسلامي، ويمحوه من الفكر والتطبيق، وإن الإسلام الاشتراكي وفق مفهوم الاشتراكيين إسلام مزيف، أرادوا أن يروجوه ضمن صفوف المسلمين، ليختلط عليهم أمر دينهم، ويقبلوا بالزيف الاشتراكي الدخيل الذي أرادوا له أن يحل محل الأصل الإسلامي، ويمحوه من الفكر والتطبيق.
فاحملوا أيها المسلمين إسلامكم حقاً نقياً سليماً من كل زيف، لتنالوا به بطولة العالم أجمع.
(٥) قدوم المذاهب الاقتصادية المخالفة لنظام الإسلام
قدمت إلى بلاد المسلمين جيوش المذاهب الاقتصادية المعادية للإسلام، والغازية لعقول وعواطف المسلمين الجاهلين بحقيقة النظام الإسلامي المتعلق بشؤون المال، فاصطدمت بالحركات الإسلامية الواعية، المجردة من الأسلحة المادية الفعالة، وأخذت هذه الحركات تنشط في حدود إمكانيات الدعوة البيانية التي لديها، بما يشبه أعمال الصيانة والترميم والمكافحة.
وقد ظفرت هذه الحركات الإسلامية، بأن تصون معظم جماهير المسلمين عن أن تخدعها مغريات جنود العدو المنبثين داخل الصفوف، بحجة أن هذه المذاهب الاقتصادية الغازية معادية للإسلام، ولكنها لم تظفر بصيانة عقول جماهير المثقفين، لأنها كانت بعيدة عن مواقعهم الاجتماعية، ومواقعهم الفكرية، فلم تتخذ لصيانتها الوسائل الحديثة، القادر على مجابهة أسلحة جيوش الغزو الفكري، القادمة في أقنعة العلوم المادية، التي أحرزت أوربا فيها السبق الماهر.
وأثر الغزو الفكري أثره في عقول حشد من المثقفين بالثقافات المعاصرة، البعيدين عن الثقافة الإسلامية الصحيحة، والمقبلين على تسلم مراكز الإدارات
стр. 455
والتوجيه، والمؤسسات الخاصة والعامة، وهكذا امتدت حركات الغزو الفكري إلى مراكز القوة الفعلية في بلاد المسلمين، بينما عامة المسلمين في غفلة عن ذلك.
وقيادات الدعوة الإسلامية منخدعة بالحشود المسلمة، التي لا تملك شيئاً من القوة الفعلية في البلاد إلا الكثرة العددية فقط، مع ضعف في وسائل المجابهة الجدلية، أمام فئات المثقفين الذين تأثروا بفكرة هذه المذاهب الغازية، وزاد نشاط المتأثرين بالغزاة المنبثين في صفوف المسلمين، واتسعت دوائر أعمالهم، وبدأوا ينشرون هذه المذاهب في صفوف جماهير المسلمين، ويوجهون اهتمامهم البالغ إلى فئات العمال والكادحين، والذين لا تصل إليهم لقمة العيش إلاَّ بعرق غزير، وجهد وفير.
واصطدموا مع هذه الفئات المتمسكة بعقيدتها الراسخة بالإسلام، واستعصى أكثرهم عن أن يتنازلوا عن عقيدتهم من أجل مغريات هذه المذاهب، فابتدعوا لهم فكرة الفصل بين الدين وبين المذاهب الاقتصادية، وزعموا لهم أن هذه المذاهب لا تصطدم مع الدين، فلا تمس جانبه بحال من الأحوال، ولا مانع من أن يكون الإنسان مسلماً أو نصرانياً يؤدي فروضه الدينية كلها، وملتزماً مع ذلك مذهباً اقتصادياً شرقياً أو غربياً، فالدين شيء والسير في ركاب هذه المذاهب شيء آخر.
واستطاعوا بهذه الحيلة أن يسرقوا إلى صفوفهم جماهير من غير المثقفين يدعمونهم في المجالات العامة، وهؤلاء يسيرون في ركابهم منخدعين بما يمنونهم من مستقبل حافل بالرفاهية والمساواة، وقد ساعدهم على جلب هذه الجماهير الكادحة إلى صفوفهم، واقع حال المسلمين المخالف للإسلام في التطبيقات الاقتصادية المنتشرة في البلاد، التي اعتمدت على أسس فوضوية ملفقة غير إسلامية، قد تنتهي بالإثراء غير المشروع، كالإثراء عن طريق الربا، أو الغش، أو الغبن الفاحش، أو الاحتكار، أو استغلال الوظيفة وتسخير قوة السلطان، أو التحايل والسرقة غير المباشرة، وأشباه ذلك مما لا يقره الإسلام بحال من الأحوال.
стр. 456
وهكذا نفذ أعداء الإسلام إلى مراكز القوة داخل كثير من البلاد الإسلامية، وتعطلت طاقات الكثرة المسلمة غير المنتظمة، وأمست القلة المسيرة هي صاحبة السلطان المهيمن، وأخذت تفرض ما حملته من مذاهب الغزاة ومبادئهم على الناس بقوة السلطان.
(٦) لا تكفي الكلمة وحدها
إن الكلمة وحدها لا تكفي مهما كانت ذات أثر بياني؛ إذا لم تكن مصحوبة بالتطبيق العملي المقنع للجماهير بمضمونها، في صد غزو فكري يحمل شعار التطبيق، مسلح بأسلحة القرن العشرين الإعلامية وغيرها.
إن كلمة الموعظة الآسرة تعطي سحراً إقناعياً مؤقتاً، لكنها لا تلبث أن تنطلق من نفس سامعها مع الأثير، كما انطلقت من لسان قائلها، ما لم يدعمها العمل المستمر، الذي تنفعل به الحواس الظاهرة والباطنة في الإنسان، مع مشاهدة ثمراته النافعة.
الكلمة هي النافذة التي يطل منها نظر الفكر لمشاهدة الحقيقة، ولكنها ليست هي الحقيقة، إن الحقيقة هي الصورة الواقعية التي ترشد إليها الكلمة، فإذا أطل نظر الفكر من نافذة الكلمة فلم يشاهد الصورة الواقعية التي أرشدت إليها أقفل النافذة، وبحث عن الحقيقة بنفسه، أو من خلال كلمة أخرى.
ومما يؤسف له أن المسلمين في واقعهم الحالي الذي انحدروا إليه، لا يستعملون لصد الغزو العملي على الإسلام والمسلمين، إلا سلاح الكلمة العاطفية غير المدعمة بالبيان الكافي، والمجردة عن التطبيق العملي لها.
إن هذا السلاح بهذا الشكل قد غدا مثل الأسلحة الخلَّبية التي تسمع صوتاً ولا تحدث أثراً، وقد عرفت الجماهير المسلمة نوع هذا السلاح الخلبي، وتبلد حسها نحوه، لكثرة الاستماع إليه، فلم تعد تنفعل به، ولا تتأثر بمضمونه.
стр. 457
لو لبث أصحاب الكلمات قروناً يمتدحون النظام الإسلامي المتعلق بشؤون المال، في حال أنهم يخالفونه في التطبيق، أو يجاملونه مجاملة صورية لا تنفذ إلى أعماق مشكلة الحياة التي يعيشها الناس، أو ينافقون له ببعض أعمال طفيفة يؤدونها، وأجسامهم إليها ثقيلة، ونفوسهم بها شحيحة، فإنهم لن يستطيعوا أن يدخلوا إلى قلوب الناس بأقوالهم المجردة عن الأعمال، ولن يستطيعوا أن يملكوا مشاعرهم ما دامت مشكلة العيش تنهش في بطونهم، وتغلي في أكبادهم، ولن يستطيعوا أن يقفوا في وجه الغزو الفكري الذي يحمل إليهم المذاهب الاقتصادية المعادية للإسلام، القادمة من وراء الحدود، والتي تمنيهم بالأماني العريضة، وتضع على بوابة الطريق الذي تدعوهم إليه أقواس الورد والريحان، وتفرش مقدمته بالخمائل الزمردية. ومهما يكن وراء هذه الخمائل الخادعة من جوع وظمأ وأسر وعذاب، فإن كلمة التحذير وحدها لا تكفي لردهم عن دخول هذه البوابة المغرية، ما دامت مشكلة العيش تنهش في بطونهم، وتغلي في أكبادهم، وما دام الواقع الذي يعيشون فيه مخالفاً للنظام الذي يُدعَوْن للمحافظة عليه.
هذه هي التجربة التي عاشت في ظروفها بعض البلاد الإسلامية، واكتوت بنيرانها.
وعظة هذه التجربة تتلخص بوجوب تدارك الأمة الإسلامية في كل بلاد المسلمين بالتطبيق الفعلي لنظام الإسلامي المتعلق بشؤون المال، قبل أن يفلت زمام الأمر في سائر بلاد المسلمين، من الأيدي الحارسة للإسلام المؤمنة به الحريصة على إعلاء كلمة الله في الأرض، لا سيما في هذا العصر الذي نجد فيه الغزو الثقافي القادم من وراء حدود البلاد الإسلامية يكتسح الأجيال الناشئة بسرعة فائقة.
وللتطبيق الفعلي شروطه ومراحله وأسبابه، وعلى المسلمين أن يخططوا لذلك بفكر عميق وبصر نافذ، ثم يباشروا بالتنفيذ دون إهمال ولا تسويف، فإن دولاب الزمن المتسارع بأحداثه لا ينتظرهم.
إن كل الذين يعيشون في المجتمعات التي تنتسب إلى الإسلام،
стр. 458
يلاحظون مدى بعد هذه المجتمعات عن التطبيق الإسلامي، وهذا هو السبب الذي جعل المذاهب الأخرى تغزو بلاد المسلمين، وفيما يلي صورة مقتضبة عن واقع الانحراف:
١- من أبرز العناصر التي اهتم بها نظام الإسلام المتعلق بشؤون المال تحريم الربا وإيجاب الزكاة.
أما تحريم الربا فهو وقوف في وجه نوع كبير من أنواع الإثراء غير المشروع الذي لا يوافق عليه الإسلام في نظامه العادل.
وأما إيجاب الزكاة فهو وسيلة كبرى من وسائل حل مشكلة الفقر، الذي لا بد أن يتعرض إليه بعض أفراد الأمة.
والمسلمون الذين يغارون على إسلامهم، ويحذرون من أن تغزو بلادهم المذاهب الاقتصادية المعادية للإسلام، يخالفون بشكل عام في هذين الأمرين معاً.
فيتعاملون بالربا ضمن أسس النظام الرأسمالي اليهودي في العالم، ولذلك نشاهد أن معظم النشاطات الاقتصادية في بلاد المسلمين لا تتورع عنه، مع أنهم يتترَّسون بالانتساب إلى الإسلام، حينما تغير عليهم هجمات المذاهب المخالفة، التي تنازعهم كل شيء مما يملكون.
ويمنعون الزكاة التي من شأنها أن تسكت عنهم البطون الجائعة بسبب الفقر الذي أصابها، من جراء العجز عن العمل، أو عدم تيسر أسبابه، أو من جراء عدم تطبيق نظام الإسلام في المجتمع، بشكله الكامل المتطور مع ظروف الأحوال الاجتماعية.
٢- وصورة الاستغلال الفاحش هي العملية السائدة التي تواضعت عليها مفاهيم الناس بشكل عام.
فنرى الاحتكار المحرم في الإسلام وسيلة منتشرة من وسائل هذا الاستغلال داخل كثير من المجتمعات التي تنتسب إلى الإسلام، ويُعمي الطمع
стр. 459
المستغلين، ويطمس بصائرهم، فلا يخشون عقاب الله، ويسارعون إلى الاحتكار، ليتحكموا بالأسعار، وليجمعوا ثروات كبيرة فاحشة، على حساب ذوي الحاجات الذين ألجأتهم الضرورات إلى دفع الأثمان العالية، لأنهم لا يجدون حاجاتهم إلا عند المحتكرين.
ونرى الغش المحرم في الإسلام وسيلة منتشرة من وسائل هذه الاستغلال، وهو في منطق الحقيقة سرقة مغلفة بغلاف التجارة الحرة، والرسول قال فيه: "من غشّ فليس منا".
ونرى الغبن الفاحش الذي يدفع إليه عامل الشره وحب الإثراء على حساب الآخرين دون بذل جهد مكافئ، وسيلة منتشرة من وسائل هذا الاستغلال، مع أنه غير مشروع في نظام الإسلام.
إن انتشار هذه الأمور وأشباهها مما هو مخالف لنظام الإسلام يهيئ للغزاة بيئة صالحة لنشر مذاهبهم، واجتذاب المظلومين إلى صفوفهم، واستخدامهم مطايا يمتطونها لتحقيق أغراضهم في بلاد المسلمين، وجنوداً متطوعين لهدم حصون أمتهم من داخلها.
وهذا ما مرت بتجربته القاسية بعض البلاد الإسلامية، وقد عرف الغزاة من تجاربهم الطويلة كيف يستفيدون من الأخطاء المنتشرة في الأمة، لإحكام خطتهم وتنفيذها، وقد يعملون في بعض البيئات على توسيع دائرة هذه الأخطاء وتشجيعها بشكل غير مباشر، ليسهل عليهم توجيه الانتقادات الشديدة، وإثارة النقمة في صفوف الجماهير عليها وعلى كل واقعهم، وإقناعهم بضرورة التغيير الجذري لكل الأسس التي عليها الأمة، تخلصاً من هذا الواقع المنحرف، ويوحون لهم بحتمية التحويل الثوري الذي ينسف كل القيم السائدة في المجتمع.
ويأتي دور العمل الإسلامي الواعي، لتدارك وضع المسلمين قبل أن يستفحل الخطر ويتجاوز الحدود، ويغدو من العسيرة إقامة السدود في وجه سيله المدمر.
стр. 460
وعلى كل عمل إسلامي واعٍ أن يضع في حسابه تغيير هذا الواقع المخالف لنظام الإسلام، ضمن خطة مقاومة جيوش الغزو الفكري للعالم الإسلامي، القادم بالمذاهب الاقتصادية المبنية على أسس معادية للإسلام، تعمل على هدمه، واجتثاثه من أصوله.
ولا يحتمل أمر هذا الخطر الداهم التهاون والتواني، أو اليأس والخنوع، فلكل عمل نتيجة، ولكل جهد ثمرة، وحسب باذل الجهد ابتغاء مرضاة الله أن ينال رضوان الله ثمرة لما بذل من عمل.
كيف يتسنى الظفر بصدد هجمات المذاهب الاقتصادية المعادية للإسلام، والمسلمون منغمسون في مخالفاتهم لنظامه، وتجاوزهم لحدود أحكامه؟!.
كيف تحجز الجماهير التي تشعر بالنقمة من الواقع المؤلم المخالفة لأحكام الإسلام،عن أن تسير في ركب الذين يفتحون لها أبواب الأماني العريضة، ويذللون في طريقها مقدمات الانزلاق، ولو كان من وراء السير في ركاب هذه المغريات الخادعة البلاء المدمر؟؟
كثير من الناس قصيرو النظر، تطيش بهم الآمال، وتسوقهم بوارق الطمع، وتجمعهم كل ضجة محدثة، لا سيما حينا تستحكم بهم الحاجة، وتزوغ أبصارهم لما يظمؤون إليه.
وقد عرف الغزاة بدراساتهم النفسية كيف يتصيدون مطاياهم من المسلمين.
لو قيل للشاة التي عض عليها الجوع الشديد وهي في حظيرتها المحصنة، إن الذئب في الوادي يوزع العلف على الشياه الجائعة لصدقت ذلك، وهبطت إلى الوادي، لتأخذ نصيبها من العلف، ولأنساها جوعها الشديد أنها ستنزل لتكون هي العلف للذئب.
وكذلك كثير من الناس حينما تلح عليهم الحاجة وتنبح في أحشائهم الضرورة، تضطرب مداركهم، وتستخذي إرادتهم، ويفقدون توازنهم الفكري فيسلمون رقابهم إلى أيدي أعدائهم الذين سيقتلونهم حتماً، وذلك
следующие страницы →