← Общие книги

Общие книги · id 22855

أجنحة المكر الثلاثة

عبد الرحمن حبنكة الميداني

Полный текст (750 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

وهكذا نفذ أعداء الإسلام إلى مراكز القوة داخل كثير من البلاد الإسلامية، وتعطلت طاقات الكثرة المسلمة غير المنتظمة، وأمست القلة المسيرة هي صاحبة السلطان المهيمن، وأخذت تفرض ما حملته من مذاهب الغزاة ومبادئهم على الناس بقوة السلطان. (٦) لا تكفي الكلمة وحدها إن الكلمة وحدها لا تكفي مهما كانت ذات أثر بياني؛ إذا لم تكن مصحوبة بالتطبيق العملي المقنع للجماهير بمضمونها، في صد غزو فكري يحمل شعار التطبيق، مسلح بأسلحة القرن العشرين الإعلامية وغيرها. إن كلمة الموعظة الآسرة تعطي سحراً إقناعياً مؤقتاً، لكنها لا تلبث أن تنطلق من نفس سامعها مع الأثير، كما انطلقت من لسان قائلها، ما لم يدعمها العمل المستمر، الذي تنفعل به الحواس الظاهرة والباطنة في الإنسان، مع مشاهدة ثمراته النافعة. الكلمة هي النافذة التي يطل منها نظر الفكر لمشاهدة الحقيقة، ولكنها ليست هي الحقيقة، إن الحقيقة هي الصورة الواقعية التي ترشد إليها الكلمة، فإذا أطل نظر الفكر من نافذة الكلمة فلم يشاهد الصورة الواقعية التي أرشدت إليها أقفل النافذة، وبحث عن الحقيقة بنفسه، أو من خلال كلمة أخرى. ومما يؤسف له أن المسلمين في واقعهم الحالي الذي انحدروا إليه، لا يستعملون لصد الغزو العملي على الإسلام والمسلمين، إلا سلاح الكلمة العاطفية غير المدعمة بالبيان الكافي، والمجردة عن التطبيق العملي لها. إن هذا السلاح بهذا الشكل قد غدا مثل الأسلحة الخلَّبية التي تسمع صوتاً ولا تحدث أثراً، وقد عرفت الجماهير المسلمة نوع هذا السلاح الخلبي، وتبلد حسها نحوه، لكثرة الاستماع إليه، فلم تعد تنفعل به، ولا تتأثر بمضمونه.

стр. 457

لو لبث أصحاب الكلمات قروناً يمتدحون النظام الإسلامي المتعلق بشؤون المال، في حال أنهم يخالفونه في التطبيق، أو يجاملونه مجاملة صورية لا تنفذ إلى أعماق مشكلة الحياة التي يعيشها الناس، أو ينافقون له ببعض أعمال طفيفة يؤدونها، وأجسامهم إليها ثقيلة، ونفوسهم بها شحيحة، فإنهم لن يستطيعوا أن يدخلوا إلى قلوب الناس بأقوالهم المجردة عن الأعمال، ولن يستطيعوا أن يملكوا مشاعرهم ما دامت مشكلة العيش تنهش في بطونهم، وتغلي في أكبادهم، ولن يستطيعوا أن يقفوا في وجه الغزو الفكري الذي يحمل إليهم المذاهب الاقتصادية المعادية للإسلام، القادمة من وراء الحدود، والتي تمنيهم بالأماني العريضة، وتضع على بوابة الطريق الذي تدعوهم إليه أقواس الورد والريحان، وتفرش مقدمته بالخمائل الزمردية. ومهما يكن وراء هذه الخمائل الخادعة من جوع وظمأ وأسر وعذاب، فإن كلمة التحذير وحدها لا تكفي لردهم عن دخول هذه البوابة المغرية، ما دامت مشكلة العيش تنهش في بطونهم، وتغلي في أكبادهم، وما دام الواقع الذي يعيشون فيه مخالفاً للنظام الذي يُدعَوْن للمحافظة عليه. هذه هي التجربة التي عاشت في ظروفها بعض البلاد الإسلامية، واكتوت بنيرانها. وعظة هذه التجربة تتلخص بوجوب تدارك الأمة الإسلامية في كل بلاد المسلمين بالتطبيق الفعلي لنظام الإسلامي المتعلق بشؤون المال، قبل أن يفلت زمام الأمر في سائر بلاد المسلمين، من الأيدي الحارسة للإسلام المؤمنة به الحريصة على إعلاء كلمة الله في الأرض، لا سيما في هذا العصر الذي نجد فيه الغزو الثقافي القادم من وراء حدود البلاد الإسلامية يكتسح الأجيال الناشئة بسرعة فائقة. وللتطبيق الفعلي شروطه ومراحله وأسبابه، وعلى المسلمين أن يخططوا لذلك بفكر عميق وبصر نافذ، ثم يباشروا بالتنفيذ دون إهمال ولا تسويف، فإن دولاب الزمن المتسارع بأحداثه لا ينتظرهم. إن كل الذين يعيشون في المجتمعات التي تنتسب إلى الإسلام،

стр. 458

يلاحظون مدى بعد هذه المجتمعات عن التطبيق الإسلامي، وهذا هو السبب الذي جعل المذاهب الأخرى تغزو بلاد المسلمين، وفيما يلي صورة مقتضبة عن واقع الانحراف: ١- من أبرز العناصر التي اهتم بها نظام الإسلام المتعلق بشؤون المال تحريم الربا وإيجاب الزكاة. أما تحريم الربا فهو وقوف في وجه نوع كبير من أنواع الإثراء غير المشروع الذي لا يوافق عليه الإسلام في نظامه العادل. وأما إيجاب الزكاة فهو وسيلة كبرى من وسائل حل مشكلة الفقر، الذي لا بد أن يتعرض إليه بعض أفراد الأمة. والمسلمون الذين يغارون على إسلامهم، ويحذرون من أن تغزو بلادهم المذاهب الاقتصادية المعادية للإسلام، يخالفون بشكل عام في هذين الأمرين معاً. فيتعاملون بالربا ضمن أسس النظام الرأسمالي اليهودي في العالم، ولذلك نشاهد أن معظم النشاطات الاقتصادية في بلاد المسلمين لا تتورع عنه، مع أنهم يتترَّسون بالانتساب إلى الإسلام، حينما تغير عليهم هجمات المذاهب المخالفة، التي تنازعهم كل شيء مما يملكون. ويمنعون الزكاة التي من شأنها أن تسكت عنهم البطون الجائعة بسبب الفقر الذي أصابها، من جراء العجز عن العمل، أو عدم تيسر أسبابه، أو من جراء عدم تطبيق نظام الإسلام في المجتمع، بشكله الكامل المتطور مع ظروف الأحوال الاجتماعية. ٢- وصورة الاستغلال الفاحش هي العملية السائدة التي تواضعت عليها مفاهيم الناس بشكل عام. فنرى الاحتكار المحرم في الإسلام وسيلة منتشرة من وسائل هذا الاستغلال داخل كثير من المجتمعات التي تنتسب إلى الإسلام، ويُعمي الطمع

стр. 459

المستغلين، ويطمس بصائرهم، فلا يخشون عقاب الله، ويسارعون إلى الاحتكار، ليتحكموا بالأسعار، وليجمعوا ثروات كبيرة فاحشة، على حساب ذوي الحاجات الذين ألجأتهم الضرورات إلى دفع الأثمان العالية، لأنهم لا يجدون حاجاتهم إلا عند المحتكرين. ونرى الغش المحرم في الإسلام وسيلة منتشرة من وسائل هذه الاستغلال، وهو في منطق الحقيقة سرقة مغلفة بغلاف التجارة الحرة، والرسول قال فيه: "من غشّ فليس منا". ونرى الغبن الفاحش الذي يدفع إليه عامل الشره وحب الإثراء على حساب الآخرين دون بذل جهد مكافئ، وسيلة منتشرة من وسائل هذا الاستغلال، مع أنه غير مشروع في نظام الإسلام. إن انتشار هذه الأمور وأشباهها مما هو مخالف لنظام الإسلام يهيئ للغزاة بيئة صالحة لنشر مذاهبهم، واجتذاب المظلومين إلى صفوفهم، واستخدامهم مطايا يمتطونها لتحقيق أغراضهم في بلاد المسلمين، وجنوداً متطوعين لهدم حصون أمتهم من داخلها. وهذا ما مرت بتجربته القاسية بعض البلاد الإسلامية، وقد عرف الغزاة من تجاربهم الطويلة كيف يستفيدون من الأخطاء المنتشرة في الأمة، لإحكام خطتهم وتنفيذها، وقد يعملون في بعض البيئات على توسيع دائرة هذه الأخطاء وتشجيعها بشكل غير مباشر، ليسهل عليهم توجيه الانتقادات الشديدة، وإثارة النقمة في صفوف الجماهير عليها وعلى كل واقعهم، وإقناعهم بضرورة التغيير الجذري لكل الأسس التي عليها الأمة، تخلصاً من هذا الواقع المنحرف، ويوحون لهم بحتمية التحويل الثوري الذي ينسف كل القيم السائدة في المجتمع. ويأتي دور العمل الإسلامي الواعي، لتدارك وضع المسلمين قبل أن يستفحل الخطر ويتجاوز الحدود، ويغدو من العسيرة إقامة السدود في وجه سيله المدمر.

стр. 460

وعلى كل عمل إسلامي واعٍ أن يضع في حسابه تغيير هذا الواقع المخالف لنظام الإسلام، ضمن خطة مقاومة جيوش الغزو الفكري للعالم الإسلامي، القادم بالمذاهب الاقتصادية المبنية على أسس معادية للإسلام، تعمل على هدمه، واجتثاثه من أصوله. ولا يحتمل أمر هذا الخطر الداهم التهاون والتواني، أو اليأس والخنوع، فلكل عمل نتيجة، ولكل جهد ثمرة، وحسب باذل الجهد ابتغاء مرضاة الله أن ينال رضوان الله ثمرة لما بذل من عمل. كيف يتسنى الظفر بصدد هجمات المذاهب الاقتصادية المعادية للإسلام، والمسلمون منغمسون في مخالفاتهم لنظامه، وتجاوزهم لحدود أحكامه؟!. كيف تحجز الجماهير التي تشعر بالنقمة من الواقع المؤلم المخالفة لأحكام الإسلام،عن أن تسير في ركب الذين يفتحون لها أبواب الأماني العريضة، ويذللون في طريقها مقدمات الانزلاق، ولو كان من وراء السير في ركاب هذه المغريات الخادعة البلاء المدمر؟؟ كثير من الناس قصيرو النظر، تطيش بهم الآمال، وتسوقهم بوارق الطمع، وتجمعهم كل ضجة محدثة، لا سيما حينا تستحكم بهم الحاجة، وتزوغ أبصارهم لما يظمؤون إليه. وقد عرف الغزاة بدراساتهم النفسية كيف يتصيدون مطاياهم من المسلمين. لو قيل للشاة التي عض عليها الجوع الشديد وهي في حظيرتها المحصنة، إن الذئب في الوادي يوزع العلف على الشياه الجائعة لصدقت ذلك، وهبطت إلى الوادي، لتأخذ نصيبها من العلف، ولأنساها جوعها الشديد أنها ستنزل لتكون هي العلف للذئب. وكذلك كثير من الناس حينما تلح عليهم الحاجة وتنبح في أحشائهم الضرورة، تضطرب مداركهم، وتستخذي إرادتهم، ويفقدون توازنهم الفكري فيسلمون رقابهم إلى أيدي أعدائهم الذين سيقتلونهم حتماً، وذلك

стр. 461

متى لوحوا لهم بوعد كاذب يحرك طمعهم إلى تلبية حاجتهم، وسد ضرورتهم التي أفقدتهم مشاعرهم المتزنة الواعية. فما دامت المشكلة المعاشية قائمة دون أن يعمل المسلمون على حلها، بتطبيق النظام الإسلامي المتعلق بشؤون المال فإنهم سيغدون جميعاً طعمة في فم الذئاب العالميين، الذين يراقبون بدقة بالغة مشكلات العالم الإسلامي، التي تسهل لهم طريق العبور إلى صفوف المسلمين، والاستيلاء عليهم بسلاح الخديعة وسلاح القوة، ولكن سلاح الخديعة غالباً ما يكون هو السلاح الفعال الذي يدخل إلى القلوب، دون أن يشهر على الوجوه. فهل إلى يقظة من سبيل؟؟!. (٧) الأسس العامة لنظام الإسلام الاقتصادي إن الإسلام الذي يعمل أعداؤه على هدم نظمه، وإبعاد المسلمين عن تطبيقها، يقوم نظامه المتعلق بشؤون المال على أسس أربعة كافلة عند التطبيق تحقيق التقدم الاقتصادي في أحسن صوره، والعدالة الاجتماعية في أكمل أحوالها، والجسدية الواحدة للمجتمع الإسلامي كله. الأساس الأول: العمل الحر ضمن الخطوط المأذون بها في اللوائح التفصيلية لنظام العمل الإسلامي. وتقع مسؤولية مباشرة العمل على كل فرد قادر عليه، غير مفرغ لصالح الأمة الإسلامية، أو لصالح سلامة الأسر وسعادتها واستقرارها. وتقع مسؤولية تهيئة مجالات العمل ووسائله وشروطه وتكافؤ فرصه على المجتمع كله، وتمثله القيادة الحاكمة الحكيمة. الأساس الثاني: التكافل الأسري، وتقع مسؤولية هذا التكافل على من لهم زائد على كفايتهم الفردية داخل أسرتهم، تجاه باقي أفرادها العاجزين عن

стр. 462

الكسب، أو الذين لم تتيسر لهم وسائل العمل، أو النساء القائمات بأعباء الخدمات المنزلية، المفرغات لها، تكريماً لهن عن التبذل. الأساس الثالث: التعاون الاجتماعي، وتقع مسؤولية هذا التعاون على كل فرد من أفراد الأمة ذكوراً وإناثاً، إذا توفر لديه فائض يزيد عن حاجاته، وعن حاجات من ألزم بكفالته من أهله وذوي قرابته وكل تابع لأسرته. الأساس الرابع: دواعم روابط المجتمع الإسلامي، وهي تتمثل بالمنح والعطايا والهدايا، والصدقات والوصايا، وإكرام الضيف، والمآدب والولائم المشروعة، ويلحق بهذه الدواعم نظام الميراث، وغير ذلك من كل تملك مشروع لا يأتي عن طريق جهد يبذل، ولا يدخل في نطاق الأساسين الثاني والثالث. ويلاحظ في هذه الدواعم تمكين روابط المجتمع الإسلامي، الذي يبدأ بتمكين روابط الأسرة، ثم ينتقل إلى ما وراءها، فهي تشد أواصر التآخي والتواد والتراحم، وتقوي مفهوم الجسدية الواحدة للأمة المسلمة. والمجتمع الإسلامي القائم على مفهوم الجسدية الواحدة، المتماسكة بروابط الإخاء والمحبة والتواد والتراحم والتكافل والتعاون، يخالف المجتمعات الرأسمالية، القائمة على ترجيح مفهوم الوحدات الفردية الأنانية، ويخالف المجتمعات الاشتراكية، القائمة على فكرة الوحدات الفردية المبعثرة، المرتبطة ارتباطاً قهرياً بقيادة واحدة. وضمن هذه الأسس الإسلامية الأربعة، تدور دواليب نظم العيش الرغيد السمح، الذي لا كسل فيه ولا بطالة، والممتلئ بالحركة والعمل، والتفاؤل والأمل، والتآخي والتعاطف والتواد والطمأنينة القلبية والنفسية، والرضا عن الله، والبعيد عن ثورات حقد النفوس وحَسَدِها، مع حدٍّ من طمع النفوس الزائدة وجشعها، وحجز بينها وبين جميع أنواع الظلم والعدوان. وبالدافع القلبي في كل فرد مسلم صادق الإيمان، والدافع الجماعي القائم على ركن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والسلطة الحاكمة المسلمة التي تطبق شريعة الله، يتم للنظام الإسلامي التطبيق الأمثل.

стр. 463

وأخص العمل بمزيد من الشرح في الفقرة التالية: شرح العمل في الإسلام يعتبر العمل القانون الطبيعي الذي ربط الله به رزق كل دابة في الأرض، فلا محيد لكائنٍ حيٍّ عنه بوجه من الوجوه، إذن فلا غرو أن يكون هو الأساس الأول لتحصيل الرزق، ولذلك نجده هو الأساس الأول في جميع النظم الاقتصادية الربانية والإنسانية. ويحاول أعداء الإسلام باستمرار أن يصوروه بصورة مشوهة يبدو فيها وكأنه يشجع على الكسل والبطالة والخمول، وعدم مسايرة كل تقدم حضاري. ويتصيدون الأدلة على ما يفترون من واقع المسلمين الذي صاروا إليه، المخالف لتعاليم الإسلام، زاعمين أن هذا الواقع هو الصورة التطبيقية له، مع أن الإسلام قد أعلن أن العمل والكدح فيه هو فطرة الحياة، فقال الله تعالى في سورة (الانشقاق/٨٤ مصحف/٨٣ نزول) : ﴿ ياأَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاَقِيهِ﴾ . فكل إنسان كادح ومدعو إلى الكدح، ولكنه إما أن يكدح في الخير فينال خيراً، وإما أن يكدح في الشر فينال شراً، ولذلك أمره الله بأن يستقيم ويلتزم جانب التقوى فيما يكدح من أجله، فقال تعالى عقب الآية السابقة: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً * وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُوراً * وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَآءَ ظَهْرِهِ * فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُوراً * وَيَصْلَى سَعِيراً﴾ . وربط الإسلام تحصيل القوت الذي هو مادة الحياة الأولى - بعد التنفس - بالمشي في مناكب الأرض، فقال الله تعالى في سورة (الملك/٦٧ مصحف/٧٧ نزول) : ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُواْ فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُواْ مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ .

стр. 464

وسلط الله أيدي الناس على جميع ما في الأرض ليحسنوا التصرف فيه بما هو لهم خير، فقال الله تعالى في سورة (البقرة/٢ مصحف/٨٧ نزول) : ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً..ز﴾ وقال في سورة (الجاثية/٤٥ مصحف/٦٥ نزول) : وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ . فالإسلام يحمل للإنسانية كل دوافع التقدم والازدهار، المصونين من عوامل الفساد والانهيار، ولكن أساء مسلمو عصور الانحطاط إليه، بتخلفهم الذي ساهمت في صنعه عوامل شتى، منها مكايد أعدائهم له، ومنها نفوسهم التي بطرت وانغمست بالشهوات، وأخلدت إلى الأرض، ومزقتها أيدي الخلاف والتنازع، وأخذت تغط في نوم عميق، وجهل مطبق، بعد أن بلغ حملة الإسلام الأولون شأواً عظيماً من اليقظة والعلم، والتقدم الحضاري، بتأثير الروح العظيمة التي نفختها فيهم تعاليم الإسلام، إذ فهموه على وجهه الصحيح، وتمثلوه في سلوكهم أفراداً وجماعات وقيادات. ولما كان العالم في سباق نحو القوة، ولما كان التقدم الاقتصادي في البلاد جزءاً منها وشرطاً أساسياً لها، كان على المسلمين أن يتجهوا بشطر عظيم من طاقاتهم البشرية إلى تحسين أوضاعهم الاقتصادية متآزرين، وأن يستغلوا كل ما يمكن استغلاله من الأرض، ويدخلوا في جميع مجالات العمل من أبوابها العريصة، وفي مقدمتها مجالات الاستثمارات والاستخراجات والتصنيع والبحث العلمي. لأن التنمية الاقتصادية الواعية المنضبطة مع تعاليم الإسلام، من شأنها أن ترفع مستوى الشعوب الإسلامية، وتكبح جماح البطرين، وجشع المستغلين، وتدفع البؤس والبطالة عن الذين أقعدهم البؤس عن أن يكونوا عناصر ذات فعالية مفيدة للمسلمين، وبذلك يستطيعون أن يدخلوا في سباق القوة مع الدول المتقدمة المعاصرة، عملاً بقول الله تعالى في سورة (الأنفال/٨ مصحف/٨٨ نزول) : ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا اسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللَّهِ

стр. 465

وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ﴾ . وأنت خبير أن عصب القوة المادية في هذا العصر مرتبط بتقدم الاقتصاد وازدهاره، وبمقدار ما يضعف الاقتصاد العام في البلاد تضعف القوة المادية المطلوبة للأمة، التي يجب على المسلمين أن يعدوها لتواجه قوى أعدائهم الذين يتربصون بهم الدوائر، ويعملون لهدم كل مجدٍ لهم من داخل بلادهم وخارجها. فلا مجال في ميادين إعداد القوة بكل صورها، واستكمال شروطها التي لا تكون إلا بها، إلى نظريات الزهد والرضا بالقليل، والبعد عن مجالات التنمية والاستثمارات المختلفة. فالزهد الصحيح يكون في أن يبذل المسلمون كل إمكانيات القوة التي وهبهم الله إياها ويملؤوا حياتهم كدحاً وعملاً، ثم يزهدوا في لذائذ الحياة وشهواتها وترفها وحب جمع المال وكنزه، ويحسنوا ضبط نفوسهم بالتقشف، ويجعلوا ثمرات كدحهم في خدمة الاقتصاد العام للمسلمين، وفي خدمة إعداد القوة التي أمرهم الله بها لمواجهة أعدائهم وأعداء دينهم. وليس الزهد في ترك العمل واللجوء إلى البطالة والكسل، والخمول في الزوايا والتكايا، والعيش على فضلات الناس وصدقاتهم، فهذا مما لا يرضى به الإسلام بحال من الأحوال. أما التفرغ للتعلم والتوجيه والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهو جزء من العمل، وهكذا عرفنا موقف الإسلام من العمل. ولكن الإسلام جعل للعمل منهجاً يقوم على أسس واضحة تضمن جلب المنافع الحقيقية المعتبرة، ودفع المضار الحقيقية، العاجلة والآجلة ضمن نظرة شاملة عميقة. وتتنوع طبيعة العمل طبقاً لتنوع طرق الكسب التي فيها للناس منافع ومصالح، ويمكن تصنيف العمل في مجالات خمسة: المجال الأول: مجال الاستثمارات، ويدخل في هذا المجال كل عمل يؤدي إلى استثمار واستنتاج وحدات طبيعية جديدة، كالاستثمارات الزراعية

стр. 466

المختلفة، والاستنتاجات الحيوانية المتنوعة، وما يلحق بذلك. المجال الثاني: مجال الاستخراجات، ويدخل في هذا المجال كل عمل يؤدي إلى حيازة شيءٍ مما خلق الله للناس وأودعه في مكان ما من الأرض برها وبحرها وجوها، كالصيد، وقطف ثمار الغابات العامة، والانتفاع بأشجارها، والانتفاع بنبات الأرض الطبيعي، وكاستخراج الجواهر والمعادن وأشباهها، والمواد الكيميائية والعضوية، واستخراج المياه والنفط ولحوم البحر وحليته، وهكذا إلى سائر ما هو مسخر للإنسان في الأرض وفي السماء. المجال الثالث: مجال التصنيع، ويشمل هذا المجال كل عمل يقوم على أساس تحويل هيئة المواد الأولى، إلى أشكال وصور جديدة تركيبية أو تحليلية، تحقق للإنسان مصلحة من المصالح، أو منفعة من المنافع. المجال الرابع: مجال الخدمات الخاصة أو العامة، الدينية والدنيوية، ويشمل هذا المجال أعمال التجارة، والإدارة والتوجيه والتربية والتعليم والحراسة والدفاع والصيانة والنقل وأشباه ذلك. المجال الخامس: مجال البحث العلمي والفني، ويشمل هذا المجال أنواع التفرغ للبحث العلمي والفني، الذي يهيئ للأمة عوامل تقدمها وازدهارها المستمر، والذي من شأنه أن يزيد في شأو الحضارات والمدنيات السليمة زيادة مستمرة، وفق النتائج التي يتوصل إليها الباحثون، أو يصون دين الأمة وأخلاقها واستقامتها على صراط الله، وتماسك بنائها ضد عوامل الانهيار والهدم الداخلية والخارجية. قيود العمل: لكن حرية العمل في هذه المجالات مقيدة بقيود إسلامية، تهدف إلى منع أنواع الضرر أو الظلم والعدوان على حقوق الآخرين أفراداً أو جماعات، ومنع كل ما فيه إضرار بسياسة الدولة الإسلامية، أو توهين لقوتها وسلطانها، ومنع كل ما فيه تشجيع على مخالفة مبدأ من مبادئ الإسلام، أو حكم من أحكامه العملية التي ألزم المسلمين بها فعلاً أو تركاً. ولذلك نلاحظ أن من العمل ما هو مأذون به شرعاً، ومنه ما هو محظور تقف دون حرية ممارسته حدود إسلامية، ونستطيع أن نجمل القواعد العامة

стр. 467

التي أقيمت عليها الحدود الإسلامية التي تحجز حريات العمل داخل أسوارها، وتحرم عليها تجاوزها، في القواعد التالية: القاعدة الأولى: منع حرية العمل عن كل ما فيه إضرار بالفرد أو عدوان على حق من حقوقه , والإضرار المحظور هنا يشمل أنواع الإضرار بالنفس أو الجسم أو العقل أو المال أو العرض. القاعدة الثانية: منع حرية العمل عن كل ما فيه إضرار بالمجتمع أو عدوان على حق من حقوقه العامة , والإضرار المحظور هنا يشمل أنواع الإضرار الذي يمس كيان وحدة المسلمين , أو يمس مصالحهم , أو حقوقهم العامة. القاعدة الثالثة: منع حرية العمل عن كل ما فيه إضرار بالدولة الإِسلامية , أو عدوان على حق من حقوقها , والإضرار هنا يشمل أنواع الإِضرار السياسي أو الإداري أو المالي أو العسكري , أو غير ذلك. القاعدة الرابعة: منع حرية العمل عن كل ما فيه إضرار أو إخلال بمبدأ من مبادئ الإِسلام المتعلقة بالعقائد أو بالشرائع , أو عدوان على شيء منها بأية وسيلة ظاهرة أو خفية , كالأعمال التي من شأنها أن تفسد عقائد المسلمين , أو أخلاقهم , أو تميل بسلوكهم عن صراط الإسلام وأحكام الشريعة الربانية. (٨) مقارنة بين الأسس العامة للنظام الاقتصادي في الإِسلام والنظم الأخرى يروج أنصار المنظمة الاقتصادية الرأسمالية والاشتراكية لأنظمتهم بذكر ميزاتها , ويعترف الباحثون الحياديون والناقدون الاقتصاديون لهم ببعض هذه الميزات , ويوجهون ضد كل من هذه الأنظمة الانتقاد بما فيها من المساوئ. ولدى التحقيق نجد كل ما يذكرونه لها جميعاً من مميزات حقيقية موجوداً في نظام الإسلام الاقتصادي , وكل ما يوجهون ضدها من انتقادات حقيقية غير موجودة في نظام الإِسلام الاقتصادي , فنظام الإِسلام بريء من كل مساوئها جامع لكل فضائلها.

стр. 468

ما يذكرونه من مزايا الأنظمة الرأسمالية: يذكر الباحثون الاقتصاديون عدداً من مزايا الأنظمة الرأسمالية أهمها المزايا التالية: الأولى: إطلاق الحافز الفردي , وبإطلاق الحافز الفردي تتقدم الصناعة ويزدهر الاقتصاد. والمقدار الخير من هذه المزية متوافر في نظام الإسلام , فهو يطلق في الأفراد الحوافز لبذل قصارى جهدهم في العمل والتحرك المستمر , رغبة في تلبية الفطرة الإِنسانية التي تحب الحيازة والتملك , كما قال الله تعالى في سورة (آل عمران / ٣ مصحف / ٨٩نزول) : ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ . ولكن الإسلام هذّب هذا الحافز الفردي , فخفف من غلوائه , وحد من طمع الإِنسان وجشعه بما شرع من نظم , وبما كلف الإِنسان من واجبات. الثانية: إتاحة المنافسة بين الأفراد , وبذلك تتقدم الصناعة ويزدهر الاقتصاد. والمقدار الخير من هذه المزية متوافر أيضاً في نظام الإِسلام , فبينما تتيح النظم الرأسمالية المنافسة من أبواب عريضة , نجد الإِسلام يتيحها بشكل معتدل , لا يُسمح فيه بإطلاق حرية الفرد إطلاقاً يؤدي إلى استغلال الآخرين , والعدوان على حقوقهم , وتقييد حرياتهم , وإيذائهم بالمضاربة وألوان الاحتكار , وأشباه ذلك مما لا خير فيه. الثالثة: إتاحة الحرية الاقتصادية , فبهذه الحرية تنطلق طاقات الأفراد في مختلف المجالات , ويشمل النشاط الاقتصادي كل جوانب التقدم والازدهار. والمقدار الخير من هذه المزية متوافر في نظام الإسلام , فبينما تتيح النظم الرأسمالية الحرية الاقتصادية بشكل قد يؤدي إلى الظلم والعدوان , نجد

стр. 469

الإِسلام يتيحها ضمن الحدود التي وفق فيها بين المصلحة الفردية , ومصلحة الجماعة , ومصلحة الدولة الإسلامية , وأهداف أسس الإسلام الاعتقادية والتشريعية. والحرية الاقتصادية ضمن الحدود الإسلامية تحقق جوانب المصلحة المقصودة منها , وتحجزها عن الطغيان المؤدي إلى العدوان أو إهدار حريات الآخرين أو الإفساد في الحياة. ما يذكرونه من مزايا الأنظمة الاشتراكية: ويذكر الباحثون الاقتصاديون عدداً من مزايا الأنظمة الاشتراكية أهمها ما يلي: الأولى: حيازتها المقومات التي تمكن رعاياها من استخدام الموارد والعوامل الإنتاجية المتاحة لهم أفضل استخدام هامش. وهذه الميزة المقدرة للأنظمة الاشتراكية التي ينعدم فيها الحافز الفردي والحرية والمنافسة , هي متوافرة في نظام الإِسلام بصورتها المثالية , لأن المجتمع المسلم حينما يعمل على استخدام الموارد والعوامل الإِنتاجية يكون مدفوعاً بمحركين عظيمين: المحرك الأول: الواجب الإِلهي الذي يأمر بإعداد المستطاع من القوة والمساهمة في التقدم والارتقاء العمراني والحضاري. المحرك الثاني: الحافز الفردي المتماسك مع الجماعة بقوة الإِخاء والحب والتفاني في الإتقان والتحسين , والمتطلع إلى أكبر قدر من الربح المأذون به في شريعة الله. الثانية: تهيئة العمل لجميع أفراد المجتمع.

стр. 470

وهذه المزية متحققة في الإِسلام بشكل أرقى مما هي عليه في الأنظمة الاشتراكية , وذلك لأن كل قادر على العمل مكلف به , ويطالب المجتمع المتمثل بالدولة الإِسلامية بتهيئته له , إلا النساء , فلهن حق التفرغ للقيام بواجبات الخدمات المنزلية مع كفالتهن , ولهنّ أن يعملن إن أردن ضمن شروط المحافظة على عفافهن , وعدم اختلاطهن بالرجال الأجانب , ومع موافقة الزوج إذا كان العمل يؤثر على حقوقه , أو يقتضي الخروج من دار سكنها. وأما العاجزون عن العمل فهم مكرمون مصونون مكفيون بالكفالة الإِسلامية عن طريق الأسرة , أو عن طريق الصندوق العام المعد لهذه الغاية , الذي تصب فيه موارد الزكاة والصدقات وغيرها مما هو مقرر في نظام الإِسلام لتحقيق الكفالة الاجتماعية. وبهذا نلاحظ أن نظام الإِسلام قد اشتمل على المقدار الخير من المزايا التي يذكرها الباحثون الاقتصاديون لكلٍّ من الأنظمة الرأسمالية والأنظمة الاشتراكية , مع براءته من جوانب الشطط التي تؤدي إلى الظلم والعدوان والإِفساد في الأرض. ما يذكرونه من مساوئ الأنظمة الرأسمالية وعيوبها: يكشف الناقدون الاقتصاديون عن مجموعة من مساوئ الأنظمة الرأسمالية وعيوبها , ويمكن تلخيصها فيما يلي: ١- إطلاقها الحرية الفردية بشكل يشجع الأفراد على اتخاذ كل وسيلة للاستغلال , ولو أدى ذلك إلى سلب الآخرين حرياتهم سلباً لا يكشفه القانون أو لا يحرمه , ولو أدى ذلك أيضاً إلى الإِضرار بالجماعة. ٢- تشجيعها على سيادة الغرائز المادية البحتة , التي لا تعترف بالقيم الإِنسانية الروحية , الفردية والجماعية , ولذلك نرى كبار أصحاب رؤوس الأموال في العالم لا يهتمون بسعادة البشرية إلا من خلال حصولهم على أكبر مقدار من الربح , وتنمية ثرواتهم. ٣- إتاحتها الفرصة لكبار أصحاب رؤوس الأموال أن يوجهوا السلطة السياسية

стр. 471

إلى ما يحقق أغراضهم , أو يتحكموا بها عن طريق المال , ليتمكنوا بذلك من احتكار ما يريدون من تجارة , أو صناعة , أو علم. ٤- ما يتولد عنها من الرغبة باستعمار الشعوب واستغلالها وامتصاص خيراتها. ٥- إتاحتها الفرصة لأن يكون المال دُولة بين طبقة الأغنياء فقط , مع حرمان السواد الأعظم منه. إن هذه المساوئ الموجودة في النظم الرأسمالية غير موجودة في نظام الإِسلام , ووجودها في النظم الرأسمالية ناشئ عن البواعث النفسية التي اعتمدت عليها هذه النظم , وهي الأنانية الفردية وعدم الشعور بواجب الجماعة , ويجعلها تستشري عدم وجود الضوابط التي تحد من تصرفات الناس وحرياتهم , بخلاف نظام الإِسلام في كل ذلك , فالبواعث فيه مصلحة الأفراد والجماعة وتحقيق أهداف الدين , وهو محصن بالضوابط التي تحد من تصرفات الناس وحرياتهم وتجعلها منحصرة في حدود الخير بعيدة عن الشر وكل أسبابه. ما يذكرونه من مساوئ الأنظمة الاشتراكية وعيوبها: ويكشف الناقدون الاقتصاديون عن مجموعة من مساوئ الأنظمة الاشتراكية وعيوبها , ويمكن تلخيصها فيما يلي: ١- محاربتها للفردية بجميع خصائصها , وكبتها لحريتها. ٢- تبنِّيها لفكرة "الصراع بين الطبقات" القائم على أسس الحقد والحسد والكراهية , وإعلانها نفي الأخوة بين جميع الناس , لذلك كان شعارها: "يا عمال العالم اتحدوا" ولم يكن شعارها "يا أيها الناس". ٣- تبنِّيها لفكرة العمل على تغيير العامل كله بجميع أنظمته ومبادئه الدينية والخلقية والقانونية , لا على إصلاح الفاسد , وإتمام مكارم الأخلاق , وإكمال جوانب الصلاح فيه. ٤- حضها على الاستهانة بكل القيم الدينية والإِنسانية والأخلاقية , في سبيل تحقيق الغايات التي تسعى إليها هذه الأنظمة , وتشجيعها على استخدام كل وسيلة غير أخلاقية وغير إنسانية , في سبيل تحقيق غايات حملة هذه الأنظمة ودعاتها.

стр. 472

٥- إتاحتها الفرصة لقيام ألوان الحكم الطبقي الحاقد المستبد، الذي لا مجال فيه لظهور الحريات السياسية والاجتماعية. ٦- تبينِّيها لوسيلة التدمير لكل ما هو قائم في المجتمعات، عن طريق الأعمال الثورية، وإحلال روح "الثورة والصراع والكراهية" محل روح "الحب والإخاء والتواد والتراحم". ٧- ما يتولد عنها من عقد إنسانية، تحرم الأفراد من شروط سعادتهم في الحياة، إذ تحجزهم عن تلبية رغباتهم الإنسانية، وإطلاق خصائصهم البشرية. ٨- إجهازها على الحافز الفردي للإنتاج والعمل، الأمر الذي ينشأ عنه تخفيض الإنتاج العام، وزيادة المشكلات الاقتصادية العالمية تعقيداً. يضاف إلى كل ذلك أنها قائمة بالأساس على معاداة الأديان، ومحاربة تعاليمها ونظمها، والأخلاق الكريمة التي تحض عليها، حرباً لا هوادة فيها، إلا في حدود المهادنات المرحلية، التي تقتضيها الظروف السياسية، أو ظروف العمل لنشر مبادئها. وهكذا تبينت لنا مساوئ النظم الرأسمالية وعيوبها، ومساوئ النظم الاشتراكية وعيوبها. أما نظام الإسلام فهو بريء من مساوئ وعيوب كل هذه النظم، خالٍ من ويلاتها وآثارها الظالمة الآثمة. كان أنه مشتمل على مزايا ومحاسن كل هذه النظم، مضافاً إليها فضائل خاصة به، إذ يعتمد على الإيمان بالله واليوم الآخر، ويهدف إلى خير الإنسانية وسعادتها، إذ يعتمد على الإيمان بالله واليوم الآخر، ويهدف إلى خير الإنسانية وسعادتها، ويأمر بالتعاون والتآخي والتواد والتراحم، واعتبار المجتمع الإسلامي كله بمثابة جسد واحد، إذا اشتكى عضو منه تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر. إنه ليس في نظام الإسلام طغيان الرأسماليات، التي تفسح المجال للأفراد والعصابات القليلة المستغلة بالتآمر، والمحمية بسلطان القانون، أن تعتدي على حقوق الجماعة، وتفترس بوسائلها الذكية الماكرة حريات الآخرين،

стр. 473

حتى تستغل جهدهم وثمرة كدهم بأقل مما يستحقون، أو تختلس أموالهم بحيل اقتصادية متسترة بالصبغة القانونية، وإرادتهم في كل ذلك مكرهة إكراهاً غير مباشر. وليس في نظام الإسلام احتكارات الأنظمة الرأسمالية،ولا رباها، ولا رشواتها، ولا تحكمها بالسلطة وتوجيهها لها، ولا ظلمها، ولا ماديتها المكتالبة على الدنيا، ولا شحها وفقدها للمعاني الإنسانية النبيلة، ولا الفقر المدقع في بعض أفراد المجتمع الذي تسود فيه إلى غير ذلك من سيئات وعيوب. وليس في نظام الإسلام ما في الأنظمة الاشتراكية من سطو على أموال الناس، وتطلع إلى إلغاء الملكية الفردية إلغاءً تاماً، وما فيها من إلغاء للحريات وإماتة للحوافز الفردية، وحقد طبقي، وصراع بين الناس، وما فيها من تقسيم الناس إلى سادة حاقدين حاكمين بسلطان القوة وأسلوب العنف الشديد،وعبيد مسخرين بلقمة العيش، وبأدنى مستويات مطالب الحياة، دون أن يكون لهم حرية اختيار ما يريدون إلا في حدود يسيرة، وما فيها من انعدام معاني الإخاء والتعاطف الإنساني، وانعدام الرغبة الصادقة بالعمل والإنتاج، وبرفع مستوى اقتصاد الأمة، إلى غير ذلك من أمور كثيرة. وبهذا تظهر لنا منزلة الإسلام العظمى، القابضة على ناصية المجد، والتي لا يستطيع أن ينافسه فيها منافس. إلا أن الإسلام لا يجد في هذا العصر أنصاراً يحملونه ويطبقونه ويحمونه على ما يجب. (٩) فرية ربط التخلف الصناعي بنظام الإسلام يربط أعداء الإسلام التخلف الصناعي الذي وصل إليه المسلمون في عصور الانحطاط بالإسلام نفسه، ويحاولون إيهام المسلمين بأن تخلفهم في ميادين الصناعة التي حازت فيها دول أوربا سبقاً باهراً، قد كان بسبب استمساكهم بنظم الإسلام، وهذه فرية يمكر بها الغزاة مكراً بالغاً، إذ يجعلون

стр. 474

المسلمين الهاجرين لإسلامهم، المخالفين له في أعمالهم، حجّةً عليه، مع أن الإسلام بنصوصه الثابتة الواضحة الصريحة هو الحجة عليهم وعلى الناس جميعاً. وقد استطاع الأعداء أن يخدعوا بهذه الفرية بعض أبناء المسلمين، ويستدرجوهم إلى مناهجهم وخططهم وتطبيق نظمهم. إن كل نظام في العالم تحمله أمة من الأمم دون أن تطبقه في حياتها إنْ هو إلا حبر على ورق، أو نصوص تقال بالأفواه، وهيهات أن تظهر للمكتوبات أو الأقوال آثار ما لم تترجم في حياة الناس إلى أعمال. وقد سجل التاريخ أن كثيراً من عوامل التخلف قد ساهم في نشرها بين المسلمين أعداء الإسلام نفسهم، وذلك بعد أن سبق المسلمون سائر الأمم في ميادين الصناعات والعلوم، لما عملوا بما دفعهم إليه دينهم من العمل والسبق في كل شيء، والتطلع إلى ذروات المجد المتجددة، التي لا يفتأ يتجدد فيها جديد، فكلما احتل الصاعد إليها ذروة وجد من بعدها ذروة أخرى. وكانت السياسات الاستعمارية تتآمر على بلاد المسلمين تآمراً كبيراً، لمنع المسلمين عن التطور والتقدم في ميادين الصناعة، خشية أن ينشئوا في بلادهم المصانع الكبرى التي تساهم في تحريرهممن سلطان الاستعمار الاقتصادي، ولكي يبقوا ضمن نطاق الشعوب المستوردة، التي تقدم للمستعمرين المواد الأولى من أرضها أو كدّها، بالأثمان البخسة التي تحددها المؤسسات الاستعمارية، ثم تستوردها بعد أن يتم تصنيعها في بلاد المستعمرين بالأثمان العالية، التي تحددها هذه المؤسسات المحتكرة، ذات السلطان النافذ في البلاد بقوة الاحتلال العسكري. وحينما تلقص ظل الاستعمار المباشر عن بعض البلاد الإسلامية، بدأت شعوب هذه البلا تتجه نحو شيء من التحرر الاقتصادي، وأخذت تتدرج نحو التصنيع، وترفع عنها ذل الاستعمار الصناعي. ولكنها ارتكبت خطيئة السير في ركب النظم الاقتصادية الرأسمالية، ولم

стр. 475

تتقيد بتعاليم الإسلام، ولم تحمِ نفسها بحماية من الله. وراقب الغزاة ظاهرة التقدم نحو الصناعة في هذه البلاد، ولم يرضهم هذا الأمر، لأنه وسيلة إلى الاكتفاء الذاتي، والاستغناء عن الصناعات الأجنبية، فأسرعت دوائرهم ومؤسساتهم فوضعت الخطط الم اكرة المقنعة لشل حركة التقدم، وإيقاف عجلة النشاط الصناعي بأية وسيلة، وبسرعة خاطفة استطاعت مؤسسات الغزاة بوسائلها الماكرة التي لا تظهر بها على مسرح العمليات، أن توقف عجلة التقدم الصناعي، وتعمل على تهديم مراكز الصناعة في البلاد باسم تحسينها، وباسم إصلاح الأوضاع الاجتماعية، ووكل الله رجال الصناعة في هذه البلاد لأنفسهم، إذ لم يحتموا في حصون النظم التي شرعها الله لعباده، ونفذت العقوبة الإلهية، وقُضي أمر الله، وداعي الإسلام ينادي لا نجاة إلا بالعودة إلى الإسلام وتطبيق أحكامه. (١٠) اصطناع المناخات المناسبة لتقبل الأفكار والمذاهب الغازية أفضل مناخ مناسب لنمو الجراثيم الضارة وانتشارها، حجب نور الشمس، وتراكم القذارات، والرطبة، وتكاثف السكان، ونقص الغذاء. وقضية المناخ المناسب لانتشار أفكار الغزاة في صفوف المسلمين، من القضايا التي تحظى بعناية كبرى من قبل الأعداء، فهم ما يزالون يوصون أجراءهم بالعمل على إيجاد المناخ المناسب لبث أفكارهم ومبادئهم ومذاهبهم، وعرقلة كل تقدم من شأنه أن يفسد عليهم خططهم. لذلك تعمل أجهزتهم بطاقات كبيرة، لإبعاد المسلمين عن تطبيق أنظمة الإسلام على الوجه الصحيح، لأن هذا التطبيق الصحيح سيقنع الجماهير المسلمة بكمال أنظمة الإسلام، وبأنها خير أنظمة يمكن أن تحقق للناس السعادة والرفاهية والإخاء والمحبة. وفي سبيل تهيئة المناخ المناسب، نلاحظ أن المنظمات الاشتراكية العالمية،

стр. 476

قد ترى أن من وسائلها دفع البلاد الإسلامية إلى تطبيق الرأسمالية المفرطة، لتهيئة المناخ البشري المناسب لانتشار مذاهبها المعادية للإسلام، ولإلقاء جرثومة الحقد والعداء والصراع بين الطبقات، فمتى تمَّ له ما تريد استطاعت أن تسوق الشعوب سوقاً سهلاً، لا تتكلف فيه عناءً كبيراً، ثم تجهز على البقية الباقية من قيمها الخلقية والدينية والاجتماعية. وفي سبيل تهيئة المناخ المناسب، نلاحظ أن الدوائر الرأسمالية العالمية قد ترى أن من وسائلها دفع البلاد الإسلامية إلى تطبيق الأنظمة الاشتراكية المفرطة، مع صيانتها من الانزلاق السياسي إلى أحضان خصومها الاشتراكيين العالميين، لتهيئة المناخ البشري المناسب لتقبل سلطان الرأسماليين السياسي والاجتماعي والاقتصادي ولزحزحة المسلمين عن حصانتهم الدينية الفردية والاجتماعية. وواجب المسلمين أمام خطط الغزاة الرامية إلى تهيئة المناخات المناسبة، لنشر ما يريدون نشره من أفكارهم ومذاهبهم، أن لا يدّعوا مجالاً تتجمع فيه شروط المناخ المناسب لانتشار أفكار أعدائهم ضمن صفوفهم، وأن يحصنوا مجتمعاتهم من جيوشها الوبائية الغازية بمختلف وسائل التحصين. ومن الوسائل التي يجب عليهم أن يحصنوا مجتمعاتهم بها ما يلي: أولاً: أن يفتحوا النوافذ لجماهير المسلمين كي تشرق عليهم أنوار المعرفة الإسلامية الحقة، بأسلوب مشرق أخاذ، ولا يدعوهم يعيشون في الظلمة الفكرية، التي لا ترى فيها المعارف الإسلامية على وجهها الصحيح، وإلا فإن شياطين الإنس سيخيلون لهم في الظلمات ما يشاؤون، ويحمِّلُونهم من الضلالات والأباطيل ما يريدون. ثانياً: أن يعملوا على تنظيف المجتمعات الإسلامية من قذارات الانحراف في السلوك، التي تجدها الغزاة مناخاً ملائماً لانتشار جراثيمهم فيها. ثالثاً: أن يرفعوا في المجتمعات الإسلامية حرارة الحياة والعمل، ويجفِّفوا مستنقعات الخمول والكسل، ورطوبات التواني والإهمال، حتى لا تكون هذه

стр. 477

الأمور مناخاً ملائماً لنمو الجراثيم الفكرية، التي يلقيها الغزاة في صفوفهم. رابعاً: أن يتعهدوا أمكنة الكثافة للجماهير الإسلامية، كالمدارس، والمعاهد والجامعات، والأندية والجمعيات، والأسواق التجارية، وسائر المجتمعات، خشية أن تسري فيها عدو الإصابة بالجراثيم الفكرية الوبائية الخطرة على عقائد المسلمين ومفاهيمهم. خامساً: أن يقوموا بكل عمل إيجابي بسد حاجات من قصرت أيديهم عن تحصيل مطالب عيشهم وعيش أسرهم، حتى تقوى إرادتهم على مقاومة الوباء، وتكون لديهم قوة جسدية ومناعة نفسية تقيهم الإصابة بجرثومة الفساد الفكري والاعتقادي، التي يقذفها إليهم الأعداء والغزاة. وباتخاذ هذه الوسائل الإيجابية والسلبية وما يشبهها، يمكن وقاية المجتمعات الإسلامية من عدوى الإصابة بالضلالات الفكرية والاعتقادية والأخلاقية، وعدوى المذاهب الهدامة الوافدة على بلاد المسلمين. (١١) التعلُّل بعدم وجود دولة تطبق نظم الإسلام وتحميها يناقشني الكثيرون ممن يسمون أنفسهم طلائع الفكر العربي الحديث، المتأثرين بمذاهب الغزاة وأفكارهم لا سيما المذاهب الاقتصادية، حول بعض نظم الإسلام، ويأخذ الحوار مجراه المنطقي، ويتبين لي جهلهم التام بنظم الإسلام، أو معرفتهم ببعض جوانب منها دون استكمال الصورة المشرقة التامة لها، أو أنهم يحملون مفاهيم مشوهة عنها، تلقوها عن الكتب الأجنبية التي ألفها المستشرقون أو تلامذتهم، وشوّهوا فيها صورة المفاهيم الإسلامية أيما تشويه. ويأخذ النقاش حظه من البحث والبيان الصحيح لحقيقة الإسلام ونظمه، ويكتشف هؤلاء خطأ الصورة التي كانت في أذهانهم، ويدركون كمال نظم الإسلام ويعترفون بذلك. عندئذ أدعوهم إلى تبني نظم الإسلام والدعوة إليها، وهجر النظم

стр. 478

الأخرى التي يدعون إليها بحماسة، ويحاولون تطبيقها على الناس بوسائل العنف والقوة، فيعتذرون عن تبنيها والدعوة إليها، بأنه لا توجد دولة ذات قوة فعالة تطبقها، وتحميها بصدق وأمانة حتى يسيروا في ركابها. والاعتذار بهذا العذر خدعة شيطانية لتثبيط طاقات المتطلعين إلى حياة أفضل، عن التجمع لعمل ما يجب عمله من أجل نقل نظم الإسلام من حيز الفكرة والعقيدة إلى حيز التطبيق والعمل، وعوامله الأساسية لدى التحقيق تعود جذورها إلى ضعف أو انعدام الإيمان بالله واليوم الآخر وعدم الشعور بالمسؤولية نحو الخالق. وقد قلت لبعض هؤلاء: إنك سرت في ركاب دعوة لم يكن لها وجود إطلاقاً في بلاد المسلمين، ثم استطعتم بالتجمع والتآزر والسعي والعمل أن تفرضوها بالقوة على الأمة التي لا تدين بها، فلماذا لا يتجمع الطلائع المثقفون - إذا كانوا مخلصين حقيقة لأمتهم وبلادهم - ويتبنون النظم الإسلامية، التي تعترف معي بأنها أتم وأكمل من أي نظم أخرى، ثم يسعون لتطبيقها على شعب يؤيد تطبيقها كل التأييد، ولا يجرؤ على معارضتها منافق؟؟.. قلت له هذا الكلام، وفي نفسي من الحسرة على هذه الأمة الضائعة عن طريق رشادها لوعات. ولكنه مع الأسف الشديد ظل كغيره منجرفاً مع التيار الظالم، منخدعاً بفتنة الظفر المؤقت الذي أصابه دعاة هذه النظم المعادية للإسلام، وهم لا يدرون إلى أي مصير سحيق ينحدرون ومعهم القطعان البشرية السائمة. ولو أ، دولة مسلمة صدقت في تطبيق النظم الإسلامية على وجهها الصحيح، لقدمت للعالم أفضل صورة لمجتمع مثالي سعيد آمن مطمئن متكافل متعاون متواد متراحم، كأنه الجسد الواحد. ولكن متى سادت النظم الإسلامية في مجتمع ما، وفي وقت ما، فإن استمرار سيادتها ودوام نفعها مرهونان برقابة ساهرة، تتابع تطبيقها بدقة، وحماية دائمة لها بالتنظيمات والترتيبات الإدارية، وصيانة مستمرة لها بمختلف وسائل

стр. 479

الصيانة ومنها عقوبات المخالفين، لئلا يتلاعب بمفاهيمها أو تطبيقاتها أصحاب المصالح الخاصة، وهم يخفون جرائمهم وانحرافاتهم ضمن حصانتها، ولئلا تعدو عليها عوادي الغزاة. إن حدود الله في شرائعه لعباده، تشبه حدود الأرض بين الدول، فمتى أهملت دولة حدودها، فلم تقم بحراستها وحمايتها من عدوان المعتدين عليها، تعرضت للعدوان، وتساقطت قطع من بلادها في أفواه المفترسين، ثم استبيحت كل أرضها وسقطت دولتها. وبين الحق والباطل وأنصار الحق وجنود الباطل صراع لا ينتهي، وما نام أنصار الحق نومة إلا كانت نومتهم مدداً لجنود الباطل وقوتهم في الأرض. * * *

стр. 480

الفصْل الرابع عشر مَا تُعانيه الحَركات وَالمؤسَّسّاتُ الإسْلاَميَّة من قبل الغزاة وأنصارهم والسّائرين في ركابهم ١- مقدمة عامة ٢- الكمين والإثارة ٣- الفقر الذي تعاني منه المؤسسات والحركات الإسلامية

стр. 481

(١) مقدمة عامة تقوم بين حين وآخر في مختلف البلاد الإسلامية نهضات إصلاحية، تتبنى الدعوة إلى الإسلام، والعمل على نشر علومه، إلى جانب العلوم الأخرى، لإبراز عنصر التآخي بين علوم الدين وعلوم الدنيا، ولتوضح قيمة الثقافة الإسلامية المفترى عليها، وكشف حقيقتها النا صعة للشبان المثقفين بالثقافات المعاصرة، ولبيان أثرها في سعادة الإنسان، ودفعه إلى ميادين المعرفة الحقة، التي من شأنها أن تسلط يد الإنسان على كل ما في الوجود من قوة، ضمن نظام محكم يضمن مصلحة الإنسانية وسعادتها ورفاهيتها، ولتعمل على تقويم أخلاق المتزودين منها، وتهذيب سلوكهم في الحياة وجعلهم عناصر إنسانية راقية صالحة لبناء مجتمع مثالي كريم. وتجاهد هذه النهضات جهاداً مريراً، حتى تبني مؤسساتها الصغيرة بالكفاح والعرق وشظف العيش، دون أن تتلقى تأييداً أو مساعدة ذات بال من ذوي الغنى أو ذوي السلطان، حتى إذا بدأت تقف على أقدامها، وتنشط في تحقيق بعض غاياتها التي تهدف إليها، تفتحت عليها عيون أعداء الإسلام من كل جانب، وأخذت تراقب أعمالها وخطواتها بدقة ومكر وحذر، وتتباع كل تحركاتها، ثم تعمل على إحباط مشروعاتها بمختلف الوسائل المقنعة والسافرة، من داخلها ومن خارجها، وقد تدفع لمحاربتها هيئات أخرى من ضمن صفوف المسلمين، يغررون بها ويخدعونها ويشوهون أمامها وجه الحقيقة، كما يسلطون

стр. 482

عليها بعض الدوائر ذات السلطة في الدولة. وتكون محاربتها بسد الموارد عنها، حتى تصاب بالفقر المدقع، فتتلاشى بنفسها، أو بالتخذيل عنها بشتى الوسائل الماكرة، أو بإفساد غايتها وطريقتها من داخلها، إذا استطاع أعداء الإسلام أن يدسوا فيها عناصر سيئة مرتبطة بهم، تغري القائمين عليها بأنواع مختلفة من المغريات، أو بسد أبواب العمل والرزق عن المنتسبين إليها، أو بتلسيط أنواع الاتهامات ضد القائمين عليها، حتى لا يكونوا محل ثقة الناس، فإن لم تنجح كل هذه الوسائل عملوا على إلغائها ومصادرتها بأيدي أجرائهم، وملاحقة القائمين عليها بالاضطهاد والتشتيت، والاتهام بالأكاذيب المختلفة المزورة، والافتراءات التي لا أصل لها، وقد يعملون على هدمها بشكل سافر وقح لا مبرر له بحال من الأحوال. وتتعاون أجهزة الغزاة كلها على ذلك، مهما كانت فيما بينها متنازعة على المصالح، أو مختلفة في المبادئ. وهكذا يفعلون كلما نشطت حركة إسلامية واعية في بلد من بلاد المسلمين، وأجهزتهم التي تخدمهم كثيرة، ومخططاتهم واقفة بالمرصاد لكل نشاط إسلامي، صغيراً كان أم كبيراً. فمتى يكون المسلمون على يقظة من أمرهم وهذا هو عدوهم؟! (٢) الكمين والإثارة من خطط الحروب المسلحة (الكمين والإثارة) وذلك بأن يعد العدو كميناً مسلحاً إعداداً جيداً، ليثب عن يقظة تامة وبشكل مفاجئ على فريق من جيش عدوه، وهو في حالة غفلة عن مداهمة الخطر، ثم يستدرج هذا الفريق بإثارة طمعه بصيد ثمين في غير مكان الكمين، وفي غمرة اتجاه الفريق إلى مطمعه يفاجئه الكمين ويمعن فيه قتلاً وأسراً.

стр. 483

على مثل هذه الخطة نجد أعداء الإسلام يدبرون للمسلمين ولقياداتهم مكايد سياسية، يوقعونهم بها في شباك لم يكونوا يحسبون له حساباً. ومن أمثلة هذه المكيدة أن يضعوا المسلمين في أزمة تهزهم هزاً عنيفاً، حتى تضيق صدورهم، ويشتد الخناق عليهم، وينتظروا يوم الخلاص بفارغ الصبر، ويصبحوا مستعدين للتورط في أمر لم يعدوا له عدته، ثم يقذفون شرارة المكر على هشيم متراكم يكاد يلتهب ولو لم تمسسه نار، مع بوارق أمل يهيئون جو المسلمين العام إلى التفاؤل به، في حين أنهم قد أعدوا جنودهم القابعين في كمين أو أكثر، مشحونين بالحقد والجنون اللازم للنكاية بالجماهير المسلمة، التي سيطرت عليها حالة الانفعال والتأثر الشديدين، ويقنعون جنودهم وأجراءهم بأنهم تحت خطر القضاء عليهم من قبل جماهير المسلمين، فما عليهم إلا أن يبطشوا بطشاً مسرفاً لا هوادة فيه، دفاعاً عن أنفسهم. وفي خضم هذا المتلاطم الانفعالي النفسي بين صفوف المسلمين الذين لم يحسبوا حساباً لمعركة فعلية، تنطلق صيحات ألم شديد من حناجر الجماهير المسلمة، تطالب بحقها في الحياة، فيندفع إليهم أجراء أعداء الإسلام بأسلحتهم الحديثة، وحقدهم الكبير على الجماهير المسلمة، التي لا تحمل أي لون من ألوان الأسلحة المادية، كأنهم قادمون إلى معركة حربية دامية، فيها مختلف آلات الحرب الحديثة، ويمعنون بالمسلمين العزل إرهاباً وتعذيباً وتقتيلاً. ويمن الأعداء الغزاة على أجرائهم إذ دلوهم على مكامن الخطر، وبهذه الطريقة الماكرة المقنعة التي يدبرها الغزاة يجعلون جماهير المسلمين يفضلون الحكم المباشر من قبل دولة العدو، على حكم أجرائه وعبيده، الذين هم من جلدة الأمة، ولكنهم يتنكرون لها ولمبادئها ولقيمها ولأبطالها الذين كان لهم الفضل الأكبر في تحرير البلاد. والمسلمون المنتشرون في مشارق الأرض ومغاربها مدعوون إلى اليقظة التامة، لما يحاك ضدهم من مكايد ودسائس، وإلى العمل على إفساد خطط العدو الرامية إلى اجتثات دينهم والخلاص منهم وجعلهم أجراء مسيرين.

стр. 484

(٣) (٣) الفقر الذي تعاني منه المؤسسات والحركات الإسلامية بينما تتلقى المؤسسات التبشيرية في العالم المساعدات الضخمة من مختلف الدول الاستعمارية، وتجد لديها كل سند مادي وأدبي وسياسي وعسكري، الأمر الذي يمكن هذه المؤسسات من متابعة جهودها التبشيرية داخل معظم البلاد الإسلامية، إذ يتجمع لديها رصيد عظيم من الأموال والخبرات وجنود العمل، ورصيد آخر سياسي وعسكري يشد أزرها، ويضاعف وزرها. وبينما يتلقى كثير من المستشرقين الذين يحملون في الظاهر رسالة البحث العلمي البريء، ويحملون في الباطن رسالتي التبشير والاستعمار معاً، ما يحتاجون إليه من مساعدات مادية وعلمية وأدبية وسياسية وعسكرية. نجد المؤسسات الإسلامية التي تحاول أن تقف في صف الدفاع عن الإسلام والمسلمين، والدعوة الصادقة إلى صراط الله، كما نجد الباحثين الإسلاميين الذين نذروا حياتهم لنشر الإسلام والدفاع عنه وعن الأمة الإسلامية الكبرى، في حالة يرثى لها من معاناة الفقر المدقع، والحرمان الشديد، وحجب الخبرات الفنية، والمعلومات الضرورية عنهم. يضاف إلى ذلك تسديد الأهداف إلى الفريقين بغية قصم ظهورهما، أو تحويلهما عن طريقهما، أو إفساد عناصرهما، أو وضع العقبات الكثيرة في طريقهما، لإيقاف نشاطهما أو عرقلة أعمالها. وتضطر المؤسسات الإسلامية في كثير من الأحيان أن تقف موقف المستجدي من أيدي المحسنين المسلمين، التي ترشح عليها بالعطاءات الشحيحة لدعم مشاريعها. ويضطر الباحثون الإسلاميون أن يجمدوا أقلامهم حينما تقف في وجوههم عقبات النشر، أو تضطرهم ضروروات العيش إلى قتل أوقاتهم في أعمال الكسب التي تحجبهم عن التفكير الحر والإنتاج الرفيع. ولو كانت المؤسسات الإسلامية على تفاوت إمكانيات عناصر العمل

стр. 485

فيها، تتلقى جزءاً من ألف مما تتلقاه المؤسسات التبشيرية، لاستطاعت أن تخدم القضايا الإسلامية المختلفة خدمات جلى، ولاستطاعت قوة الدينار الذي يدعم نشاطها أن تجمد قوة آلاف الدولارات والجنيهات والفرنكات والروبلات والماركات، التي تدعم أنواع النشاط التي تقوم بها المؤسسات التبشيرية والجمعيات الاستشراقية في العالم والدوائر الاستعمارية. والعملية الحسابية في ذلك لا تحتاج إلى رياضيات عالية، وإنما تحتاج إلى شيء من البصر الثاقب والخبرة التجريبية. أما البصر الثاقب فإنه لا بد أن يلاحظ أن قوة الحق التي يرجحها في العقول وزنها الذاتي، يكفيها من القوى المادية ما يبرزها ويحسن عرضها، ويحبب النفوس بها. بخلاف الباطل فإنه عديم القوة الذاتية، ولن يجد له رجحاناً في العقول، وإنما يجد لديها رجحاناً مزوراً، بمقدار ما تستطيع مرضيات المطامع النفسية والتزويرات والتزيينات الكلامية، أن تطفئ من نور العقل، وتحجب من تفكيره السديد، وقلما تستطيع المطامع والتزويرات اليسيرة أن تحجب التفكير السديد. من أجل ذلك يكون درهم يسد الحاجة الضرورية مع فكرة ذات وزنٍ ذاتي، أثقل وأقوى من مئة درهم مع فكرة ليس لها وزن ذاتي، فضلاً عن فكرة ذات قوة عكسية تطيش بكفة الميزان إلى الأعلى، ولو لم يكن في الكفة المقابلة إلا الفراغ المطلق، أما إذا زادت نسبة الدراهم إلى ألف درهم في جانب الباطل، ونقص الدرهم إلى دانق لا يُسمن ولا يغني من جوع في جانب الحق، فإن زوغان الأبصار من شدة الجوع، مع بريق الغنى الذي يستجلب الطمع في جانب الباطل، من شأنه أن يقلب وضع الإنسان السوي، فيجعل عاليه سافله، وبذلك يشاهد الأشياء على غير ما هي عليه في الواقع. وأما التجربة فقد أثبتت أن بعض الدعاة الإسلاميين البسطاء، الذين يعملون بدافع ذاتي من قلوبهم، يعادل عشرات المبشرين المعدين إعداداً علمياً عالياً. ومرجع ذلك يعود إلى ما سبق بيانه.

стр. 486

القِسمُ الثَّاني الغَزْو بالهُجُوم المبَاشِر عَلى الإسْلاَم من قبل الغزاة وأنصارهم والسّائرين في ركابهم وفيه مقدمة وثمانية فصول: الفصل الأول: شبهات حول المثالية والواقعية في الإسلام الفصل الثاني: شبهات حول الروحية والماديّة. الفصل الثالث: شبهات حول بعض العبادات في الإسلام الفصل الرابع: شبهات حول الزكاة الفصل الخامس: شبهات حول العقوبات في الإسلام الفصل السادس: شبهات حول الرق الفصل السابع: شبهات حول حقوق المرأة في الإسلام الفصل الثامن: أجوبة أسئلة تشكيكية موجهة من قبل منظمة الآباء البيض التبشيريّة

стр. 487

المقَدّمَة تفاعلت عوامل الحنق في نفوس أجنحة المكر الثلاثة، وفي نفوس سائر أعداء الإسلام، على اختلاف مللهم ونحلهم ومذاهبهم الدينية أو الإلحادية، فزينت لهم أن يسلكوا سبيل مهاجمة أسسه وقواعده، وأحكامه العظيمة، ونظمه وتشريعاته الحكيمة، والطعن بكتاب الله، والطعن بالرسول محمد صلوات الله عليه، وبالسنة المطهرة المروية عنه. ولكنهم بعد عراك عنيف وصراع مديد كان مثلهم: كناطحٍ صخرة يوماً ليوهنها فلم يَضِرْها وأوهى قرنه الوعلُ والسبب في ذلك لا يعود لجيوش الدفاع الكثيرة التي أعدّها المسلمون لمقاومة هجمات أعداء الإسلام بتركيز وإحكام، وإنما يعود لحقيقة الإسلام القوية الثابتة المشرفة، التي لا تزعزعها التمويهات والتشويهات والتلفيقات وإثارة الشبهات، والأكاذيب والافتراءات، والتي لا تطفئ أنوارها أفواه الأفاكين، ولا تغشيها السحب الدخانية التي تطلقها متفجرات الشياطين، إلا تغشية يسيرة، ثم يمر عليها الزمان فتنقشع، ويظهر لكل عين مبصرة دفقات الإشراق الكاسح للظلمات، التي تتفجر بها حقيقة الإسلام المضيئة، ويتحقق بذلك البيان القرآني إذ يقول الله تعالى في سورة (التوبة/٩ مصحف/١١٣ نزول) : ﴿يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾

стр. 488

ولقد كان خيراً لهم - لو كانوا منصفين - أن يبحثوا عن الحق بحث العالم المتجرد عن كل عامل أناني ذاتي، وأن يتبعوه وينصروه، دون أن ينظروا إلى حملة هذا الحق، سواء أكانوا أعداءً لهم أو أصدقاءً، فالحق من شأنه أن يؤاخي بين طلابه وعشاقه وحملته والمستمسكين به، ويجعلهم أحبة متصافين، ولو كانوا بالأمس أعداءً متحاربين. ما بالهم في شؤون الدنيا لا يغمطونها ولا يجحدون حقائقها، مهما طرحت بين أيديهم من حقائق، فإذا طرح الإسلام حقيقة من الحقائق بين أيديهم حاصوا، وأخذوا يسددون لها السهام، ويجرحونها، ويجحدونها، ويثيرون حولها المطاعن الكاذبة والشبهات الملفقة؟!. إنهم ينظرون إلى المسلمين نظرة عداء، فلو عرض عليهم المسلمون منجماً من مناجم الذهب في بلادهم، أو حقلاً من حقول النفط، أفلا يتسارعون إليه بحثاً وتنقيباً، ويستخرجون خيراته وينتفعون بها؟. أفيقولون بعد أن يشاهدوا الذهب الحقيقي: هذا شَبَه وليس بذهب، ثم يزهدون به وينصرفون عنه؟ أم يتنافسون على استخراجه وربما يتقاتلون عليه؟ إننا وجدناهم من أكثر الناس بحثاً عن الجواهر والمعادن وأشباهها وكل نافع مفيد من كنوز الأرض، في أي بلد من بلاد الدنيا، ويقدرونها حق قدرها، ويعرفون قيمتها الحقيقية. فما دلهم إذ عُرضت عليهم حقيقة من حقائق الإسلام تشهد لها دلائل الفكر ودلائل التجربة والواقع اضطغنت قلوبهم، وثارت فيهم عصبيّات جاهلية موروثة، وأخذتهم العزة بالإثم، ونفروا نفرة الباطل من الحق؟ لماذا لا تكون إراداتهم سائرة على وتيرة واحدة في كل قضايا الحق، ما يتعلق منها بدنياهم ويخدم شهواتهم، وما يتعلق منها بآخرتهم ويخالف أهواءهم؟!

стр. 489

ألأن الذهب والنفط وما أشبههما وسيلة ثرائهم وقوتهم في الدنيا؟ . إنهم لو أنصفوا لعلموا أن الحقائق الدينية أعظم لهم ثروة وقوة، وأخلد لهم حضارة ومجداً، ولكن ليصدق فيهم قول الله تعالى في سورة (الروم/٣٠ مصحف/٨٤ نزول) : ﴿وَعْدَ اللَّهِ لاَ يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ * يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ . إنهم حين يهاجمون أحكام الإسلام وشرائعه العظيمة، لا يقدمون بدلها إلا أحكاماً ناقصة غير ملائمة للواقع الإنساني، ولا كفيلة بتحقيق أفضل صورة ممكنة لإسعاد الناس، وإقامة الحق والعدل بينهم. وينطبق عليهم فيا يفعلون قصة المثل التالي: سكنت عائلة بشرية في غابة معظم من فيها قرود وثعالب، وأخذت هذه العائلة البشرية تمارس عيشها داخل هذه الغابة وفق طريقتها البشرية، إلا أن جماعات القرود والثعالب أخذت تسخر من هذه العائلة ومن طريقة عيشها، ومن أنظمة حياتها وأخذت القرود تقهقه بأصواتها المنكرة العالية متهكمة بها ساخرة منها، ثم أخذت نابغات من القرود والثعالب تعرب عن أسباب استغرابها من هذه العائلة البشرية، وأسباب استنكارها لها. قال فريق منها: ياللعجب العجاب، إن هؤلاء الساكنين معنا في هذه الغابة يمشون على أقدامهم، مع أن الوضع الملائم الذي تقتضيه الطبيعة أن يكون المشي على أربع، وترددت في الغابة أصداء موجات متعاقبة من قهقهة القرود وعواء الثعالب. ثم قال فريق آخر: وأعجب من ذلك أنهم لا أذناب لهم، مع أن الوضع الذي تقتضيه الطبيعة أن يكون لهم أذناب، إذ إن معظم ساكنات الغابة من ذوات البأس والشدة وذوات أذناب، فعلق على ذلك ثعلب خبيث، وقال: لعل أذناب هؤلاء مقطوعة. وكثرت الانتقادات على هذه العائلة البشرية المسكينة بين هذه الجموع البهمية الكثيرة. القرود تسخر منها لأنها لا تستطيع أن تتسلق الأشجار الباسقة الشاهقة بالسرعة التي يستطيعها القرد، والثعالب تسخر منها لأنها لا تعرف

стр. 490

كيف تصيد الدجاج والبطَّ بأسنانها وأظفارها، ولا تستطيع ابتلاعها وازدرادها بلحمها وريشها وعظمها وحشوها، وهكذا إلى آخر الفروق بينها وبين الناس، والذي يقوي مركز هذه القهقهات الساخرات أنها ذات قوة وكثرة في الغابة. وبسب كثرة الانتقادات التي هي من هذا النوع، وبسبب تتابع مظاهر السخرية والتهكم تأثر بعض صغار العائلة البشرية من ذكور وإناث، فأخذوا يتنازلون عن صفاتهم البشرية، وطرائق عيشهم الخاصة وأنظمة حياتهم. فمنهم من تعلم المشي على أربع، ومنهم من ذهب يستجدي من القرود والثعالب أذناباً ليضيفها إلى جسده، وبعضهم حلا له أن يرتدي جلوداً من جلود موتاها، ليبدو مظهره مثل مظهرها، وأخذ يتعلم طريقة عيشها وفوضى حياتها، ولما انغمش هؤلاء الصغار في هذا العالم الجديد، عادوا إلى أهليهم بنظريات التحويل وبتنكيس الأوضاع الإنسانية داخل أسرتهم، لتساير سكان الغابة في فوضها وبهميتها، هرباً من نظرات الاستنكار وقهقهاته التي تستقبلها بها جماعات القرود والثعالب. هذا هو مثل الإسلام العظيم في عقائده وأحكامه ونظمه، بين مجموعات الفوضويات والنظم العرجاء العوراء المذنبة الوحشية، ومثل الشبهات والانتقادات التي يقذفها التافهون والمغرضون شطر الإسلام، بغية أن يشوهوا صورته الرائعة الجميلة في تناسقها المتكامل البديع، وبغية أن يسوقوا أتباعه وأنصاره أو أبناءهم وذريّاتهم إلى عالم الفوضى الذي يعيشون فيه، أو إلى مباءات النظم الناقصة المشوّهة التي حسنها في نظرهم ممارستهم الطويلة لها، ولا بدّ أن نذكر هنا قول الله تعالى في سورة (الملك/٦٧ مصحف/٧٧ نزول) : ﴿أَفَمَن يَمْشِي مُكِبّاً عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّن يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ * قُلْ هُوَ الَّذِي أَنشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ﴾ وقول الله تعالى في سورة (الأعراف/٧ مصحف/٣٩ نزول) : ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَآ أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾

стр. 491

الفصْل الأوّل شُبهَاتٌ حَوْلَ المثَاليّةِ وَالمادّيَّةِ في الإسْلاَم

стр. 492

شُبهَاتٌ حَوْلَ المثَاليّةِ والوَاقعيَّة في الإسلام من الشبهات التي يثيرها الأعداء الغزاة والسائرون في أفلاكهم، شبهتان متناقضتان: الشبهة الأولى: اتهام الإسلام بأن دعوته إلى فعل الخير والتحلي بالفضائل تعتمد على الترغيب بالثواب الماديّ المعجل أو المؤجل، ويزعمون - على سبيل التضليل - أن المثالية في فعل الخير والتحلي بالفضائل تقضي بأن يسعى الإنسان إلى تحقيق الخير لمجرد أنه خير، لا يترتب على فعله من ثواب وأجر يعود على الفاعل. إنهم يثيرون هذا على سبيل الخداع الجدلي، الذي لا مضمون له في واقع فلسفتهم المرتكزة على أسس مادية بحتة، ولهم في هذا التضليل غرضان: الغرض الأول: صرف أبناء المسلمين عن جوّ المؤثرات الترغيبية والترهيبية المشحونة بها نصوص الشريعة الإسلامية، لأنها من أفعل وسائل الإصلاح والتقويم للنفس البشرية، التي تنزع فيها الغرائز والأهواء والشهوات إلى الإثم والظلم، ولا تقبض عليها المثاليّات النظرية إلا قبضاً يسيراً. الغرض الثاني: التمويه على الصغار من أبناء المسلمين الذين لم يخبروا الحياة بعد، ولم يكتشفوا صور الخصائص النفسية للإيمان، ليجذبوهم بذلك إلى صفوفهم وليخدعوهم بمثاليات جوفاء، حتى يقدموا أنفسهم ضحايا مجانية، وهم يجهلون أنهم يحقّقون بتضحياتهم للقادة المضلين غايتهم الموغلة في الماديّة،

стр. 493

التي لا تعترف بشيء من المثاليّات. إنَّ الغزاة المضلين يستخدمون كل ذكائهم، ليقدّموا صغارنا أحداث الأحلام وقوداً في مطبخ السلاح الذي يعدّ, نه للتسلّط على الشعوب الإسلامية، والتحكّم بمصائرها، والانتفاع بخيراتها، في مادية مغرقة، ليس لها غاية إلا إشباع الغرائز الجسدية والنفسية، وتلبية الشهوة العارمة إلى استعباد الناس. والمتأمل في أسس الإسلام ومبادئه وأحكامه وشرائعه ووسائل تربيته للناس وتوجيههم لفعل الخير وترك الشر، والتحلي بالفضائل والتخلي عن الرذائل، يلاحظ عناصر ثلاثة: العنصر الأول: الدعوة المثالية، والدفع إلى نشدان الكمال المطلق. العنصر الثاني: التطبيقات الواقعية الملائمة للواقع الإنساني. العنصر الثالث: الوسائل المنسجمة مع الخصائص الإنسانية. وهذا أفضل ما يمكن تصوره في فلسفة ما لهذا الكائن الإنساني، المزوَّد بالعقل المتطلع إلى المثاليات والباحث عنها، والمزوّد بطاقات ماديّة ومعنوية تقف به عند حدودٍ لا يستطيع تجاوزها ولا الزيادة عليها، والمزوّد بغرائز وشهوات تنبح في داخله بإلحاح لتحقيق مطالبها. وأية فلسفة تحاول إصلاح هذا الكائن المركب من هذه العناصر الثلاثة على أساس تلبية واحد منها فقط، أو اثنين، وإهمال سائرها، فإنها فلسفة محكومة عليها بالفشل الذريع، وستضع الإنسانية في طريق الانحدار المهلك، بدل أن تأخذ بها صاعدة في سلم الكمال الإنساني. ضمن هذه الفلسفة الإسلامية العظيمة، القائمة على العناصر الثلاثة المذكورة، تدور مبادئ الشريعة الإسلامية وأحكامها ووسائل إصلاحها للناس وتهذيبها لأخلاقهم وتقويمها لأنواع سلوكهم في الحياة. وضمن هذه الفلسفة الراقية استطاع الإسلام أن يقبض على نواصي شعوب مختلفة اللغات، وقوميات متباينة الاتجاهات، عبر أجيال وقرون، واستطاع أن يسير بها متآخية متوادة في طريق السعادة الإنسانية، وأن يدفع بها

стр. 494

إلى الصعود المتتابع في سلم الحضارة المثلى. فإذا سأل الناس عن الخير الأمثل في واقع تطبيقي وجدوه في مجتمع المسلمين - يوم كان الإسلام حاكماً عليهم، والقرآن متمثلاً في أخلاقهم وأعمالهم- وإذا سألوا عن الفضيلة وجدوها عندهم، وإذا بحثوا عن الحق والعدل، وجدوهما في دينهم وشرائعهم وأقضيتهم، وإذا فتشوا عن القوة المتماسكة المتراصة، وجدوها في صفوفهم. وهذا ما أذهل أعداء الإسلام الذين أعمتهم عصبياتهم الدينية والقومية، وأثار حقدهم وحسدهم، ولذلك أخذوا في تهديم الأسس التي كان بها للمسلمين ذلك المجد التليد. وأعداء الإسلام يخشون أن يعود المسلمون إلى الاستمساك بالأسس الإسلامية الصحيحة، فيعود لهم مجدهم السليب. وكل مثالية يدعيها أعداء الإسلام إنما هي مثالية مزورة، غايتهم منها التضليل والخداع، ولو كانت لهم مثاليات حقيقة صادقة قابلة للتطبيق الإنساني لرأى الناس أثرها في السلم أو في الحرب، ولكنهم لم يستطيعوا ولن يستطيعوا أن يسجلوا في تاريخهم الطويل إلا صور المادية المفرطة، المرتبطة بالأنانيات الفردية، أو العنصرية، أو العصبية المذهبية. بخلاف الفلسفة الإسلامية العظيمة القائمة على الدعوة المثالية والدفع إلى نشدان الكمال المطلق، والتطبيقات الواقعية الملائمة للواقع الإنساني، والوسائل المنسجمة مع الخصائص الإنسانية، فإنها هي الفلسفة الوحيدة في العالم التي أثبتت التجربة الإنسانية كمالها وأهليتها للخلود، خلال قرون حافلة بكل المشكلات والعقبات التي تتعرض إليها الأمم، منذ أيام نشأتها وبنائها، حتى أيام قوتها وشدتها، ثم إلى أيام شيخوختها وهرمها، بيد أن هذه الفلسفة الإسلامية كفيلة - لو استمر المسلمون ملتزمين بها - أن تمنحهم الشباب الدائم المتجدد فيهم مع تجدد أجيالهم. وذلك لأن عنصر الدعوة المثالية ونشدان الكمال المطلق يشبع في الإنسان

стр. 495

نوازعه العقلية والوجدانية المتطلقة باستمرار إلى المثاليات، وأن عنصر التطبيقات الواقعية الملائمة للواقع الإنساني يعالج ارتقاء الإنسان إلى الكمال ضمن إمكاناته واستطاعته الواقعية، أما عناصر الوسائل المنسجمة مع الخصائص الإنسانية فهو يداوي ويداري غرائز الإنسان ودوافعه النفسية وشهواته وأهواءه التي هي جزء من كيانه في الحياة، فلا يصح بحال من الأحوال طرحها أو إهمالها. إن هذه الفلسفة العظيمة في دعوتها المثالية تحرر الإنسان من عشق المادة وعبادتها، وتربطها بمثالية عبادة الله وحده لا شريك له، وفي هذا غاية الدفع المثالي، لأن نقل غاية الأعمال الإنسانية من أهدافها المادية، إلى ابتغاء مرضاة الله الخالق الرازق الذي بيده ملكوت السماوات والأرض وهو على كل شيء قدير، وله وحده الألوهية، وهو وحده الذي يجازئ على الخير خيراً وعلى الشر شراً، هو غاية المثالية، فالله تعالى هو مثالية الوجود، وهو واضع مفاهيم الخير والشر في الحياة، وخالق موازين الإحساس بها في ضمائر الناس، فابتغاء مرضاته لا بد أن تكون هي مثالية الغايات. وأما في تطبيقاتها الواقعية، فإنها حينما تكلف الإنسان السعي إلى كماله الإنساني لا تتجاوز حدود طاقاته الجسدية أو الفكرية، كما أنها تعطي غرائزه وشهواته ومطالبه النفسية من الدنيا بالمقدار الذي يصلح ولا يفسد، وفي هذا غاية التكميل والتهذيب الواقعي، الذي يشرئبّ إلى المثاليات في جانب الفكر والضمير، ويسير مع أحسن صور الواقع في جانب ال غرائز والدوافع الجسدية والنفسية. وأما في وسائلها المنسجمة مع الخصائص الإنسانية، فإنها قائمة بعد الإقناع الفكري والوجداني على وسيلتي الترغيب والترهيب، فهي تطمئنه عن سلامة اتجاهه لاكتساب سعادته في الحياة الدنيا، إذا هو تقيد بتعاليم الإسلام، وتَعِدُه وعد حق وصدق بالسعادة الأخروية العظمى الشاملة للسعادة الروحية المثالية، والسعادة الجسدية والنفسية التي هي وسيلة مادية للنعيم الروحي وتحجزه أيضاً عن المضرات والمهلكات الدنيوية بالوسائل الدنيوية الرادعة،
следующие страницы →