الأغراض الأدبية وخصائصها الفنية:
أولًا: شعر الوجدان والتأمل
هذا الغرض من شعره ينزف به وجدانه، ويسبر به أعماق نفسه، ويبحث عن ذاتها في الضياع في تصوير أدبي يفيض أسى وحزنًا، ويقطر ألمًا ودمًا، يسوده القتام "والبؤس والحرمان، فهو يمثل حياته بصدق ودقة، يقول في "ومضة" تكشف عن موطنه في الجنوب:
ولي في "الأزد" عرق منه أصلي ... ونعم الجد من "شهر" النجيب
ورثت العزم من أهلي وأرضي ... سراة الأزد أم للعريب
وللإنسان في قلبي مكان ... فذا الإنسان يا قلبي حبيبي
وما فخري بقومي غير ومض ... ينير النفس للفعل المصيب١
لكن الشاعر العسيري ترك موطنه الذي ولد فيه، وتاه في دروب الحياة التي امتلأت بالشوك والماء يقول في قصيدته:
أين دربي في حياتي ... والدجى غطى رباها
أبذل الجهد ولكن ... ضاع جهدي وتناها
مذ طواني الدهر طيًّا ... مذ رماني بشظاها
وبحثنا عن طريق ... يمنح النفس مناها
فرأيت الدرب شوكًا ... وضياعا ومتاها٢
وتاه في الحياة من طول الضياع، فهو يخرج من متاهة إلى أخرى، وأجمل حلم يراه هو انتباهته بقدر ما يميز بين درب ودرب، وفي متاهاته تهديه الحياة الضياع، يقول في "آه من طول الضياع":
стр. 247
كم رأينا الليل فجرًا ... وأمانينا قريبه
فإذا بالفجر ليل ... إن ذي الدنيا عجيبه
كم مشينا لا نبالي ... أي حزن أو مصيبه
فإذا بالحزن بحر ... ضعت في "لج" رهيبه
رأيت الدرب ماء ... وأراني في صراع
كلما غيرت دربي ... واجهت نفسي متاهه
أجمل الأحلام في ... قلبي وفي فكري انتباهه
وإذا بالدهر يهدي ... وجهتي نحو الضياع١
يغوص الشاعر في أعماق الضياع، وهو يخبط في متاهات الحياة، فإذا خواطره الإنسانية في دموع يذرفها على إنسانيته المهدورة، لكنه من خلال الشعر الوجداني المحموم تتجسَّد روح الإسلام العادلة التي ترد كيد الظالمين للضعفاء والمظلومين، فيرفع يديه إلى السماء في سكون الليل البهيم، فيتردَّد الدعاء في جنبات السماء، فترتد صاعقة توقظ الحائرين والمعتدين، وكيف يدعو الإنسان على أخيه الإنسان بالزوال والموت، فصفة القربى الإنسانية ميثاق وأواصر بين البشرية جمعاء، لا تفرق بين إنسان وآخر، فلماذا العنصرية؟! وإنها العنجهية! وإنها الصراع والتحطيم والموت والضياع، فلماذا لا تزرع المحبة؟ فيعي الإنسان دربه.. يصور هذه المعاني وأكثر في مشاعر متدفقة وعاطفة مشبوبة وتجربة شعرية صادقة، كابدها الشاعر عن كثب، ووجدان ملتهب تؤججه القيم الإنسانية المهدورة في عصر الماديات المسرفة، والتيه والقلق والضياع في قصيدته "خواطر إنسان تائه":
أيها الإنسان لا تطغ عليّا
إن ظلمي قوة ملك يديّا
دعوة في الليل لا تبقيك حيّا
لا تلمني إن دعوت
فتزول وتموت
عصرنا يسعى ولكن للخطر
يا أخي إياك أن توري الشرر
يا أخي إياك تفني البشر
أنت منهم وأنا
آدم جد لنا
فلنقدس جدنا
стр. 248
إن في القربى لميثاق أواصر
فاغتنمها فرصة إن كنت قادر
لا تفرق بين إنسان وآخر
ولماذا العنصرية؟
إنها العنجهية!
أيها الإنسان ماذا في الصراع
غير تحطيم وموت أو ضياع
حبذا لو ضمنا درب اجتماع
نزرع الأرض محبة
فيعي الإنسان دربه١
تجديد في الإيقاع والوزن والموسيقى، وإن كان يسير على نظام "المقطعات" التي تتغير في الحجم والشكل والقافية، لكن الإنسانية لا تتغير، مهما اختلفت العنصرية، فهو شاعر وإنسان، وفوق هذا "مسلم عربي" لا يفرق دينه بين إنسان وآخر، وذلك في قصيدته "عربي يقول:
من أنا؟ من ضاع بين الدروب؟
لا يرى غير ظلال من غروب
ضاع دربي بين آمال تذوب
من أنا يا زورق الأحداث من؟
تائه في عصره يشكو المحن
عربي أبي ضاع في طي الزمن!! ٢
لكنه عاش في "الواقع الأليم والمركب التائه":
لقد غبت عن عالمي برهة ... أناجي خيالي وأشدو حزين
أعلل نفسي بإشراقة ... تضيء دربي فأنسى الأنين
стр. 249
ففي واقعي كما أرى تائهًا ... وإن أنا أول التائهين
أقلب طرفي وبي لهفة ... إلى عالم فيه يحيا اليقين
شربت الحياة بأكوابها ... فما ذقت فيا سوى دمعتي
وغنيت فيها بقيثارتي ... فذابت على نغمتي مهجتي
تأملت فيها جمال الوجود ... فتهت على مركب الحيرة
أجوب البلاد وما أهتدي ... وهذا الضياع على صورتي
أقلب طرفي لعلي أرى ... طريق يقين يزيل الظنون
ولكن طرفي به حيرة ... من الناس حتى نفيت اليقين
وهكذا إلى آخر القصيدة يصور نفسه في مركب تائه من الألم، ينتهي به إلى الضياع، وقلبه يسيل أسى من الحياة التي تذيب الحياة:
فهذي الحياة تذيب الحياة ... وهذا فؤادي فيها يسيل١
لكن الشاعر الملهم هو الذي يجد في قيثارة الشعر العزاء الذي ينسيه همومه، والدواء الذي يخفف آلام الحياة، يقول الشاعر في "قيثارة":
قيثارتي تشدو ودهري يسمع
قيثارتي ثكلى وأم ترضع
تبكي الصبا يمضي فلا يسترجع
وترضع الأحلام من ثدي الألم
قيثارتي لحن وأوتار هزيله
ناجيتها هات فقالت لي عليله
الحزن يدميني وأوتاري ذليله
قيثارتي شعري وعمر كالوتر
قيثارتي الثكلى وعمري المنتحر٢
стр. 250
وهكذا صارت حياته بؤسًا وشقاءً، وحزنًا وآلامًا، وشكوى وتضعضعًا، وإسرافًا في إطلاق المشاعر، وطغيانًا في الوجدان، لكن إنسان من البشر يعيش مع الناس في هذا القرن له "حق الإنسانية"١، وأمام ظلم البشر للإنسان، هل يستجيب له القدر، وتحضنه الحياة، ويحنو عليها الدهر، وذلك في قصيدته "لو يسمح القدر"، بعد أن اعتصرته مرارة البؤس والشقاء في قصيدته "حياة في القرن العشرين"٣.
هذا هو شعر الوجدان بسماته وخصائصه التي جعلته غرضًا شعريًّا متميزًا في شعر العسيري، فهذا الغرض يعبّر بصدق ودقة عن حياة الشاعر، فالوجدان فيه هي حياته، والشعر الصادق هو الذي يرسم فيه الوجدان حياة صاحبه في شعر محموم وعاطفة جياشة، ومشاعر رقيقة، وتصوير أدبي رائع.
إن شعر الوجدان في شعر العسيري يؤرخ للشاعر حياته المريرة وعلاقاته بالناس من حوله، وموقعه في دنياه، ... دنيا القرن العشرين.
ثانيًا: الشعر الإسلامي
والشعر الإسلامي هو أكثر شعر العسيري بعد الشعر الوجداني، ويغلب عليه الجانب الإنساني العالمي، فالإسلام دين عالمي عام لكل البشرية، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ ٤، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ ٥.
وفي عام ١٩٤٨م أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة حقوق الإنسان العالمية، حينئذ ذكر الدكتور عثمان خليل ٦ أنَّ الإسلام منذ خمسة عشر قرنًا أقر هذه الحقوق العالمية للإنسان، مثل المساواة، وتحقيق الحريات في التملك والعقيدة والعمل والمحافظة على الحرمات.. وهذه المبادئ الإسلامية هي التي جعلت الدين الإسلامي ينشر سماحته شرقًا وغربًا بلا إكراه، وبمجهود ضئيل، وبغير دعوة مطلقًا.
стр. 251
ويقر بعالمية الدين الإسلامي وإنسانيته المستشرق توماس أرنولد، فيرى: "أنَّ في هذه اللحظات التي تطرق فيها الضعف السياسي إلى قوة الإسلام، ترى أنه حقق بعض غزواته الروحية الرائعة، فالأتراك السلاجقة والمغول كانوا فاتحين غالبين، ومع ذلك اعتنقوا ديانة المغلوبين، وهو دين الإسلام"١.
وأحمد العسيري في شعره الإسلامي خرج به إلى تلك الآفاق الإنسانية، التي دعا من أجلها الإسلام، وهذا الجانب الإنساني العالمي لاقى هوى من نفسه، التي تلهث بالآهات والأحزان والآلام من كيد الظالمين المعتدين، الذين اعتدوا على كرامة الإنسان وحقه وحريته في أي موقع من أرجاء المعمورة، يصور مشاعره هذه في قصيدة "الدنيا ص٣٥-٣٦"، وقصيدة "يا عالمي ص٣٧، ٣٩"، وقصيدة "العاصفة ص٤٩، ٥٢"، وقصيدة "حديث مع الزهرة ص٦٤، ٦٧"، وقصيدة "إنسانية ص٧٢، ٧٨"، وقصيدة "إلى أعدائي ص٨٦، ٩٢"، وقصيدة "نكسة أخرى ص٤٧، ٤٨" بمناسبة نكسة حزيران المشئومة.
والعسيري يصرح في وجه العالم بقصيدته "يا عالمي"، ويقول مقدمًا لها: "في الهند مجاعة، وفي فيتنام النار، وفي فلسطين الطغيان، وفي نيجيريا الانقسام، وفي اليمن مجازر، وفي كل ركن من أركان الدنيا جائعة، وينفث آهاته وأحزانه على ظلم الظالم للإنسان، فيقول في هذه القصيدة:
يا عالمي إني هنا أبكي المصير ... ألا ترون
دمعًا مراقًا ثم جوع والفقير ... أو ترحمون
فقر طغى- ظلم- وحرب- وشرر ... أو تنكرون
في كل أرض صرخة هل من مجير ... لم تضحكون؟
عقائد قد ألهبت هذا السعير ... فستندمون
стр. 252
"الله أكبر" قلتها والأمر شر ... في ذي الحياة
"الله أكبر" قد طغى أمر الشر ... وبلا أناه
"الله أكبر" دق ناقوس الخطر ... أين النجاة
"الله أكبر" صرخة فيها العبر ... مما نراه
"الله أكبر" ذا وجود ينتحر ... هل من صلاة؟
ذا عالم يسعى بعزم مستمر ... وبلا اتجاه
يا رب أني تائه بين الدروب ... أين الطريق؟
ذا عالمي يسعى ولكن للغروب ... بعد الشروق
يا رب صدري الرحب قد مل الكروب ... عافى البريق
رباه عالمنا غريق في الذنوب ... وفي المروق
فقنابل ذرية أين الهروب؟ ... وهل نطيق؟
للكيمياء خنقه.. لا.. لا هروب ... ضاع الطريق
стр. 253
كم دمعة فرشت بساطًا من عذاب ... كم من جريح
كم صرخة خارت فماتت في التراب ... كي تستريح
كم شهقة.. كم أنة تشكو العذاب ... كم من طريح١
وهذا الاتجاه الإسلامي الإنساني العالمي نجده في شعره الإسلامي من قصيدته "حديث مع الزهرة":
إني على شك من القيم ... أوحته أحداث على عظم
في العالم الأرضي ملحمة ... في القدس في الأردن في الهرم
في الشرق جزار ومذبحة ... في الغرب تأييد من النظم
في كل يوم من الدنيا حدث ... والعرب تلهو من ذرى الوهم
قضيت في هم وفي حزن ... أرعى نجوم الليل لم أنم
نادتني الزهراء قائلة ... مالي أراكم رؤية العدم
إلى قوله:
ما كنت أرضى بالهوان ولا ... أرضى ولا شعب من الأمم
فأجبت يا حسناء قد غربت ... شمس وآبت موجة الظلم
ابك معي قومي وعزهم ... ذل أصاب العرب في الهمم
إلى قوله:
قالت لي الزهراء لائمة ... نصركم بالدمع والكلم
المدفع الهدار يكسبكم ... نصرًا وليست هيئة الأمم
إن رمت حقًّا إن مكمنه ... في القوة الهوجاء في الحمم
دبابة الميدان هي سند ... والمدفع الغضبان في القمم
стр. 254
والطير في الأجواء حائمة ... تبقى جموع الجيش كالرمم
ما مات حق أنت تطلبه ... بالفعل لا بالقول والحلم١
ويتضح أيضًا هذا الاتجاه الإنساني العالمي في شعره الإسلامي الذي يغلب عليه مذهبه الشعري من التحرر في التجديد، وما يتسم به شعره من الوجدان الثائر المحموم الذي يعصف بأعداء الإنسان في أي مكان، وذلك في قصيدته "إنسانية" ويقول في تقديمها: "عندما يعيش الإنسان بين مجموعة من البشر.. أحد أفرادها يضر به، وأحدهم يغضب أرضه، وثالثهم يحكم عليه بالأمر الواقع،.. عندما يعيش الإنسان هذا الواقع المرير، ينظر يمنة ويسرة، يتذكر الماضي، ويمقت الحاضر، ويتشاءم من المستقبل.. رغم٢ أننا في عصر علمي" ومطلعها:
أنا الإنسان في الأرض ... أراني الفاني المعدم
فعلمي بات يرميني ... إلى جهل مما أعلم
إلى قوله:
ودمعي موجة حري ... لأني كنت في المأتم
أنا الإنسان في الأرض ... أراني الفاني المعدم
فنفسي سوف أنعيها ... وأنعى أمة توصم
وأنعى أمة كانت ... تقود الأرض لا تهزم
إلى قوله:
تردت في متاهات ... من اللذات كي تنعم
ولا زالت على حال ... تثير الحزن في المسلم
ألا تبًّا لإنسان ... يميت الروح في المأتم
أيهوى لذة الدنيا ... ويعصى شرعه الأعظم٣
стр. 255
ثانيًا: الرثاء
وهذا الغرض لا تجده إلّا في قصيدة واحدة من ديوانه، ويخرج فيها الشاعر على النمط التقليدي المعروف في الرثاء القديم؛ من ذكر مآثر المرثي ومحامده التي اتصف بها في الماضي، وبذ أقرانه فيها، بل مضى الشاعر في هذا الغرض يسير على مذهبه الشعري الوجداني الإبداعي من التغني بأحزانه وآلامه، ويسكب دموعه وعبراته من وجدانه على نفسه، ثم يتأمل حقيقة الحياة في تيهٍ وحيرة، يقول في قصيدته "دموع الحياة" ويهديها إلى روح الملازم عمر سلطان الطجل:
أتاني يقول فقدنا الصديق ... فقدنا الخطيب فقدنا "عمر"
تأملت ما قاله في خشوع ... وغامت ظنوني وحار النظر
ثم يدير العسيري حوارًا بينه وبين الحياة في ثوب قاتم حزين؛ ليقف من خلال الحوار على حقيقة الحياة والموت، والشك واليقين، والناس يركبون زورق الحياة، يسيرون في ظلام دامس، فمنهم من ضل وارتدى لباس الرياء، وطوى قلبه عذاب الحياة، فيرسو زورقه في سقر، وطوبى لزورق أعطى راكبه حق الحياة، وحق الآخرة معًا، وخشي الله وشكره، يقول:
أرى في الوجود دموع الحياة ... تسيل على خدها تحتضر
فتحفر في الخلد جرحًا عميقًا ... عليه أرى قوة المقتدر
فأهمس للنفس في رهبة ... أراك تمجين هذا الأثر
فقالت: أراك تقول الحقيقة ... إن الحقيقة شيء أمر
أمر من الموت لو تعلمون ... وأسمى طبائع من يقتدر
أتسمح للفكر في رحلة ... تجوب المعاني وتملي العبر
فقلت: المعاني في عصرنا ... عليها من الشك ثوب ستر
ففي الشك بحث كذا وفي اليقين ... علوم يجادل فيها البشر
رأيت الشك بحث كذا وفي اليقين ... علوم يجادل فيها البشر
رأيت الحياة لها مركب ... عليه من الشك زاد السفر
فما تتمناه من غاية ... فعمَّا قليل تراها تضر
نعيش الحياة على زورق ... يسير بنا في ظلام فغر
ومرساه صعب لمن يرتدي ... لباس الرياء وقلبًا فجر
فوارحمتاه لمن قد حوى ... عذاب الحياة ويلقى سقر
وطوبى لمرء رأى في الحياة ... سرورًا يزول فهاب الأخر
وعاش يغني لما في الوجود ... ويشكر ربي على ما أمر
وأقصى ما يذكره العسيرى من ثناء الراحل أنه فقد فيه الشباب الناضر، وفقد في نفسه المعاني لمن يبتغيها منه، فهو في حيرة من أمره، فقد سيق الصديق المرحوم إلى رمسه في
стр. 256
رهبة وخفوت وأسدلوا عليه الستار، وغطوه بالتراب، وعاد المشيعون في حيارى لا من صديقه، ولكن الحيرة كل الحيرة من حقيقة الحياة والموت التي أعقبت حسرة في نفس الشاعر، وقرحت جرحًا على خده، وعشى عنها البصر، وترددت أصداء الحيرة في الوجود، لتقرر أن الإنسان عاجز عن فهم الحقيقة التي لا يدركها إلا الله وحده ، خالق الوجود "يحيى ويميت وهو على كل شيء قدير" والدموع والتسليم هما الأمل الذي يبدد الحيرة والشك، والرضا بالقضاء والقدر هو تسبيح العاجز أمام جبروت القوي القادر، وحلاوة العلقم في الختم صلاة الضعف أمام الخالق العليم، فالأول والآخر والظاهر والباطن هو وحده يعلم حقيقة الوجود ... يقول العسيري:
أتاني يقول فقدنا الصديق ... فقلت فقدنا شبابًا نضر
فقدت المعاني من فقده ... فماذا أقول لمن ينتظر
شعوري إذا ما فقدت الصديق ... وساقوه في رهبة للحفر
وغطوه التراب في رمسه ... وعدنا حيارى ولا من "عمر"
فماذا أقول وبي حسرة ... تقرح خدي وتعشى البصر
أرى في الوجود دموع الحياة ... وألمح فيها دبيب القدر
وينعتق في الركب صوت الأفول ... فيرسم في الكون شتى الصور
وفي الرسم روح تسوق الحياة ... إلى حكمة حار فيها النظر
ويحفر في الفكر هذا الغموض ... صلاة الضعيف أمام الخطر١
стр. 257
رابعًا: الهجاء
"وفي متاهات الحياة" نجد قصيدة واحدة من هذا الغرض الأدبي بعنوان: "الغر"، وسار فيها الشاعر على نمط جديد أيضًا، لا يتبع فيه منهج الشعر القديم في الهجاء من السباب والقبح، والفحش في القول، والوصف البذيء، وغير ذلك مما هو معروف في هجاء الهجائين القدامى.
لكن العسيري يرى فيمن هجاه أنه غر جاهل، وأن نور العلم سيقذف به في التيه والأوهام، وحينما يصطدم بالحق يتمادى في السخط، وتعتصر مقلتاه بالشر، فهو يقطع عمره لا في بناء الحياة وتقدمها، ولا يتم ذلك إلا بوحدة الجماعة واعتصامها، لكنه يفني جسده لهدمها، فيزرع البؤس والذل ليحصد شقاءه وآلامه.
وينبغي أن يعلم الجميع أن مثل هذا الغر الجاهل والأحمق سيتحطم في زوايا الحقد، ويتمطى في ثياب السخط، وتنزف عيناه بالشر واللهب، فهو عليل الفكر، ينهش عرض الجار، ويظلم العقلاء المخلصين بزهوه وخيلائه يقول في مطلعها:
هزيم اللذة الغاوي موات ... يصيب الناس إن أبقوا عليه
وينخر في تلافيف الحيارى ... ويحلم أن قيدي في يديه
وقيدي عزة تصبو إلينا ... سمت فينا وما كانت لديه
وفكري سوف يحميني بنور ... يذيب الغر في حلم وتيه
وقيد الحق أوهى كل قيد ... رءوف المس إن سقنا إليه
وما في الباطل المجنون عز ... وعز الحق أن تدني بنيه
هزيم اللذة الغاوي رآني ... أقول الحق فيما ينتويه
تمادى في ثياب السخط حتى ... رأيت الشر في مقلتيه
وأملي فكره المغرور غيًّا ... تعالى في كراماتي بفيه
أأجني جذوة من كل قول ... ترم الجسم يا ويل النبيه
يهد العمر يبني حياة ... تشل البؤس أو تقضي عليه
ويحفر في قلوب الناس نبعًا ... رحيق العدل يسقي شاطئيه
فيقبر في تراب الذل أجرًا ... ويسعى رغبة الغر السفيه
أجيل الطرف في ركب الحيارى ... يمر الدرب لا يدري بتيهي
سوى الإنسان والإنسان وصف ... تواري في متاهات النزيه
ويرفع صوته الحيران يشكو ... فتسمع قصتي من أصغريه
стр. 258
سأسمع للورى.. للناس قولي ... وعز الحق أن تدني بنيه
وأترك في زوايا الحقد غرًّا ... رآني أرشد الدنيا إليه
تمطي في ثياب السخط حتى ... رأيت الشر يدمي مقلتيه
عليل الفكر كالمسموم يلهو ... بعرض الجار أو ظلم النبيه١
وهذا الهجاء هو الذي ينبغي أن يتخذه الشعر غرضًا أدبيًّا، فهو يهذب الشعور وينمِّي الذوق، فهو هجاء يبني في الناس أخلاقًا، ويشيد فيهم الفضائل النبيلة عن طريق واضح وتصوير مباشر، ويحقر فيهم الرذائل لا كما في "أزهار الشر" لبودلير، فهو يزين الشر في تصوير جميل أخاذ ليصرف الناس عنه بطريق غير مباشر كما يدعون.
وهذا النمط من الهجاء يدفع بصراحة وقوة إلى قول الحق والتصدي للباطل، ويرغب في العلم، وينفر من الجهل، ويصوّر الغر الأحمق في أقبح صورة يتوقاها الإنسان في أيّ اتجاه، ويحذرها في كل خطوة، ويخشى على نفسه منها في كل حين؛ لأن العلم والحق والنور هو الذي يبني الحياة ويرفع الذكر، ويمضي أهله مع الخالدين.
ومما يجعل هذا النمط من الهجاء هو بغية الشاعر النابه والجادِّ في شعره، هو أن يظل خالدًا بهذا الغرض الأدبي الذي يسمو به في سماء الأدب الرفيع والشعر السامي، ويربأ عمَّا اتصف به هذا الغرض قديمًا من السباب والفحش، والتدمير والهدم لأشخاص بعينهم، أخملهم الشعر القديم، وذهب بهم مع أهل السباب والفحش، وربما يكون المهجو بريئًا مما نسب إليه، قد تحامل عليه الشاعر لحاجة في نفسه، عند ذلك يكون الهدم والتدمير.
لكن هذا النمط من الهجاء للعسيري يسمو بالغرض الأدبي للمعالي والبناء السامي؛ لأن الشاعر شغله تمجيد القيم السابقة عند ذكر الشخص المهجو أو التلميح إليه، مما جعل القصيدة تدور حول القيم النبيلة التي ينبغي أن يترسّم خطاها الغرّ والجاهل والأحمق؛ لتزول منه الصفات الذميمة من الجهل والحماقة والغرور، بذلك يكون قد رسم منهجًا جديدًا للهجاء في الشعر السعودي عامَّة، وفي شعر الجنوب العسيري خاصة.
стр. 259
التصوير الشعري:
والتصوير الشعري عند العسيري يغرينا بالحديث عن تجربته الشعورية ومدى صدقها الفني، وعن ألفاظه وأساليبه، وعن الخيال وصوره الأدبية، وفي النهاية عن الإيقاع الموسيقي، وموسيقاه الشعرية: الوزن والقافية.
ذلك كله من خلال النقد العربي الأصيل، وذوق الناقد الذي هزه شعر الشاعر وتصويره الأدبي الرائع.
أولًا: التجربة الشعورية عند العسيري
لو أدار القارئ عينيه وقلبه ليعيش في "متاهات الحياة" مع العسيري في تجربة الإنسان الشاعر الذي عانى مرارة الحرمان في تجربة حياته الواقعية، وهو يتلظَّى بنار الوجد فيها، ويصطلي بوهج السعير المحرق،
عانى الشاعر تجربته في التصوير الشعري معاناة أليمة مريرة، أخذته من الوجود حوله، ليتمدد داخل وجدانه ومشاعره الذاتية، ولذلك لم ير غير ذات الإنسان حقيقة في الكون، تفجر شعرًا من أجلها ولها، حتى في لحظات المجاملة إذا رثى صديقًا، يلوي عنقه عن الصديق ليصور النفس والذات، وينسى أنه يرثي صديقًا حبيبًا إليه، لكنه في الحقيقة أنه يرثي نفسه وذاته؛ لأنها هي أقرب الأشياء إليه، وهي أصدق في التعبير عن نفس كل إنسان، وهذا هو الصدق الفني عمود التجربة الشعرية الصادقة الجيدة الشاعرة يقول:
فقدت المعاني من فقده ... فماذا أقول لمن ينتظر
أو تجربة الهجاء التي ينصب فيها الهجاء على الشخص المهجو المغرور، ينعتق الشاعر من ذلك الجسد الموجود والواقع أمام أنظار الناس، ويتمدد في حنايا نفسه، ويغوص في أعماق تجربته ليصورها في تجربة شعرية ذاتية تتنزى ألمًا ومرارة، يقول:
وأملي فكره المغرور غيًّا ... تعالى في كراماتي بفيه
أأجني جذوة من كل قول ... ترم الجسم يا ويل النبيه
والواقع أنَّ ديوان الشاعر كله وخاصَّة ما يتصل بالشعر الوجداني، يعد تجربة شعورية.
стр. 260
لحياة العسيري المتكاملة الأجزاء، يصورها الشعر في الديوان بجميع أبعادها في دقة شاملة، وصدق فني، تتلاءم فيه كل المعاني والأفكار والمشاعر والأحاسيس مع الأخيلة والصور، والألفاظ والأساليب، يقول:
أبث شعوري للسكون لعله ... يهيم بأشعاري فهام ورنما
فيالك من صمت أذعت مشاعري ... لقد كنت يا صامتي سميعًا وملهمًا
وما قلت شعري رغبة في ترحم ... ولكن نفسي قد أباحت ببعض ما
فلا تعجبوا فالحزن محراب نجوتي ... ضحكي دعاء والبكاء تكلما١
والتجربة الشعرية عنده صادقة محمومة ببركان متفجر من مرارة الحياة، وظلام الحزن، وحميم الشر الذي يصيب من كأس النعيم، ليزداد جوى على جوى، وحسرة على لوعة، فلا يذوق منه إلّا الدموع، يقول العسيري في واقعه الأليم ومركبه التائه:
شربت الحياة بأكوابها ... فما ذقت فيها سوى دمعتي
وغنيت فيها بقيثارتي ... فذابت على نغمتي مهجتي
تأملت فيها جمال الوجود ... فتهت على مركب الحيرة
أجوب البلاد وما أهتدي ... وهذا الضياع على صورتي
ظلام الحزن أشقاني وأعيا ... أأبقى في ظلام الحزن حيا
يصب الشر من كأس النعيم ... لأني عشت في عصر الجحيم٢
ولقد عبر العسيري عن صدق هذه التجربة في شعره، في الإهداء الذي قدم به ديوانه يقول فيه:
إلى الإنسان الذي يشق طريقه في الحياة بعصاميته
إلى كل إنسان ذاق مرارة الحرمان أو ضاع في متاهات الحياة٣
ويقول:
فأذيب الحزن شعرًا ... مد للإحساس عذرًا٤
стр. 261
ثالثًا: الألفاظ والأساليب
لا ينبغي في التصور عقد التلازم بين الصنعة الشعرية الفائقة وبين الدرجة العالية "الأكاديمية" في التعليم، وتجربة الباروي رائد البعث الأدبي والشعري في العالم العربي حديثًا هي الدليل الواقعي، فقد تتلمذ على دواوين الفحول من الشعراء القدامي فقط لا في جامعة متخصصة.
فالشاعر العسيري التحق بكلية الشريعة قسم اللغة العربية في مكة المكرمة لسنة واحدة فقط، وتركها ليلتحق بكلية "قوى الأمن الداخلي" في ١٢/ ٣م ١٣٩٠هـ؛ ليعمل بعد ذلك في شرطة "جدة"، وقدم لنا هذا الديوان لكي ينفي من التصور هذا التلازم، فالموهبة الشعرية لا تحتاج إلى "أكاديمية" التعليم، حتى يحصل الشاعر على الشهادة العالية في اللغة العربية وآدابها، ولكن الإلهام الشعري حقله الخصب هو اللغة العربية وآدابها، فالشاعر هو الذي يدرك أسرار اللغة، ويحسب بإلهامه العلاقات بين ألفاظها ومعانيها، وخاصة إذا كان مثل الشاعر العسيري، الذي عاش في حقول اللغة العربية وموطنها الأصيل؛ حيث تلقاها بفطرته السليمة، من ذوي الفطر الصافية حوله، فقد ازدهرت بين حقولهم اللغة العربية، لذلك لا تعجب أن يظل الشاعر مفطورًا على ما اشتهر بين قومه وعشيرته من لهجة، تمكنت من ألسنتهم بالسليقة، وما زالت بين أهل الجنوب حتى يومنا هذا، وهي:
أن ينطقوا الظاء ضادًا وبالعكس، ويكتبوها كذلك في كتاباتهم، وهذا ما عبَّر عنه العسيري في قوله:
ضل يبكي في خشوع ... هل ستنجيه الدموع١
والمشهور في لغة القرآن الكريم "ظل".
والألفاظ والأساليب عند الشاعر لا تجد فيها لفظ سوقيًّا ولا عاميًّا، بل تمتاز بالرقة والعذوبة والجزالة والوضوح، والشفافية عن معناها، كما تجد الأساليب محكمة غير قلقة في مكانها، متلاحمة النسج بلا اضطراب.
والألفاظ والأساليب تتلاءم مع المعاني والأغراض في شعره، فقصيدته "دموع الحياة" يتلاءم النظم فيها مع الغرض في نسج من الألفاظ الدامية الجريحة التي تعبِّر عن قوة جبروت القادر:
стр. 262
أرى في الوجود دموع الحياة ... تسيل على خدها تحتضر
فتحفر في الخد جرحًا عميقًا ... عليه أرى قوة المقتدر١
وللنظم القوي في "الأحلام المنحورة" متلاحم ومتآخٍ لما يحمل من معانٍ وألفاظ: التبديد، والغيم، والوهم، والمسارب، وانتحار الصدر، والرجم بالحزن، والمتاهة، والقيظ، والبؤس والسقم وحصد الخسران، وغيرها مما يتلاءم مع الأحلام المنحورة، إلى آخر القصيدة:
يبدد الدهر أحلامي مع الغيم ... وينثر العمر في داء وفي وهم٢
وينحر الصبر في نفسي فيرجمني ... بالحزن ما عشت لا يسهو عن الرجم
لكن الشاعر في قصيدة "العاصفة" يضطره الوزن أن يخطئ في إعراب الكلمة وذلك في قوله:
للقدس الحزين
عشرون عام
ويكرر الخطأ فيقول في نفس القصيدة:
عشرون عام
والقدس في القيود٣
стр. 263
ثالثًا: خصائص الخيال والصور
والخيال في شعر العسيري خصب متجدد، يتفجّر من خلال عاطفة قوية متدفقة، تحرك المعاني والجمادات، فتجعل منها شخوصًا تحيا وتتحرك، لذلك فقد غلب التشخيص على صورة الخيالية، فيبعث في الشوق "وهو معنى مجرد" الحياة، فيصير شخصًا، فالشوق يذوي ويروي ويدمي المهج، يقول في قصيدة "شوق":
الشوق يذويني ويرويني اللقاء ... والوصل للأرواح برؤ وشفاء
رباه هذا الشوق يدمي مهجتي ... واللوعة الحرى على قلبي عناء١
وتدب الحياة في أحشاء قيثارته، وتسري الروح في جوانبها، وهي جماد لا يحس، وآلة لا تئن ولا تتألم، فيجعل الشاعر منهما إنسانًا يخاطبه، وشخصًا يتجاوب معه، فشاركه آلامه وأحلامه، وتستجيب أوتارها لآهاته وأحزانه، يقول لها مخاطبًا:
قيثارتي تشدو ودهري يسمع
قيثارتي ثكلى وأم ترضع
تبكي الصبا يمضي فلا يسترجع
وترضع الأحلام من ثدي الألم
قيثارتي لحن وأوتارى هزيله
ناجيتها هات فقالت لى عليله
الحزن يدمينى وأوتارى ذليله
قيثارتي شعري وعمري كالوتر
فيثارتي الثكلي وعمري المنتحر١
ومن صوره الخيالية الرائعة الجديدة التي تمثل واقع عصره العالمي وتكون من وحي ابتكاره الخيالي، وهي صورة العالم الذي سخَّر العلم لغير ما هو له، سخره في الحرب وإذلال الإنسان، لا للسلم والبناء، ولا لعزة الإنسان، وبهذا غرق العالم في الذنوب، وخرج عن
стр. 264
الأديان والعقائد السمحة، باستخدام القنابل الذرية للدمار والإذلال، والسيطرة والاحتكار، فلا يجد الإنسان مهربًا، ولا يطيق سمومها القاتلة، لأنها سموم الكيمياء الخانقة، التي لا يفلت من قبضتها الذكي الماهر، مما يجعله يضل طريق النجاة، يقول مستغيثًا:
رباه عالمنا غريق في الذنوب ... وفي المروق
فقنابل ذرية أين الهروب ... وهل نطيق
للكيمياء خنقة..لا.. لا هروب ... ضاع الطريق١
تصوير جديد وخيال بكر في شعره؛ لأن الشاعر يعاني تجربة عصره لا عصور خلت، وإنما يعيشها بوجدانه وأحاسيسه، وهي كثيرة منه مقطوعة "عربي"، وقصيدة "نكسة أخرى"، وقصيدة "طائر"، وقصيدة الواقع الأليم والمركب التائه"، وقصيدة "سمير الأحزان" وغيرها.
وتمتاز صوره الخيالية أنها تظهر في بعضها ملامح البيئة التي عاش فيها "في عسير"؛ حيث تنتشر فيها الجبال الشاهقة والتلال والنفود، يقول في قصيدة "أعدائي":
سوف تدمي بالصخور
من جبالي في "عسير"
من "نفودي" والتلال
سوف تطويك التلال
كم طوت فيها الرجال٢
ثم يقول:
من ربا نجد ومن حول الحرم
من سراة "الأزد" من سيف التهم
من سراة "زهران" من كثبان "حائل"
من جبالي من مهودي ... والسواحل ٣
стр. 265
فجبال عسير والنفود والتلال والأزد وزهران والجنوب، والجبال والمهود، والسواحل في عسير كلها من بيئة الشاعر، التي عاش تجربتها، وخصبت خياله من مواقعها وإيحاءاتها وتاريخها المجيد.
ولم يسلم العسيري من خبط في بعض الصور الأدبية التي لا تغض من شاعريته بحال، وإنما هي مثل الملح في الطعام مثل قوله تصوير النابه الذي يحاب الغر السفيه:
يهد العمر كي يبني حياة ... تشل البؤس أو تقضي عليه
ويحفر في قلوب الناس نبعًا ... رحيق العدل يسقي شاطئيه
فيقبر في تراب الذل أجرًا ... ويسعى رغبة الغر السفيه١
فالشاعر يريد من وراء هذه القصيدة الأدبية أن يصور النابه حين يقضي عمره في بناء الحياة بالعلم، الذي يقضي على البؤس والشقاء ليحل محل العدل بين الناس، وبذلك ينال أجرًا من الله ، وفي نفس الوقت يقضي على الرغبات المدمرة للغر السفيه، لكن الصورة هنا عجزت عن أداء هذا المعنى، بل تناقضت أجزاؤها في التصوير.
فالنابه الذي يبني الحياة ويهدم البؤس، لا يعد عمره هددًا "يهد"، بل يعد بناء وخلودًا، وبقاء بهذا العمل، فكان ينبغي أن يقول: "يسمو" أو على الأقل "يقضي"، ومن يعمر قلوب الناس بنبع العدل، لا يصح أن يوصف هذا بالحفر، بل يوصف "بالتفجير" فيقول: "يفجر في قلوب الناس نبعًا".
ومن ينشر العدل لا يقبر الأجر ويدفنه، بل الأولى أن يحيا الأجر ويبقى، لا في تراب الذل، بل في ساحة الرضى والقبول، فيقول: "فيحيى في سماء العز أجرًا".
وأظن أن كلمة "يسعى" لا ترتبط بمعنى البيت، والصواب فيها لكي يصح المعنى: "ويسعر رغبة الغر السفيه" أي عمل النابه يحرق رغبات الغر السفيه.
وهذا كله يدل على التناقض بين أجزاء الصورة، كنت أود ألا يقع الشاعر في مثل هذا، ولكن كما يقولون لكل جواد كبوة، ولكل فارس نبوة.
ومن التناقض أيضًا في التصوير الأدبي عند الشاعر قوله:
فهذي الشروق سموم الحياة ... ستمضي بنا فوق نعش السرور
تناقض عجيب؟ هل للسرور نعش؟ وما أبعد اللفظان في تصوير المعنى، فالسرور
стр. 266
نقيض النعش؛ لأن النعش يحمل الميت إلى مقرّه وتشيعه الأحزان، بينما السرور لا مكان له في هذا الجو الحزين، الذي يخيم عليه الشرور والسموم والأحزان والنعوش، ولعل الحاجة إلى القافية هي التي اضطرت الشاعر إلى حشو كلمة "السرور".
ولا يشفع الشاعر أن يقبل قول من يقول: بأن هذا التصوير رمزي من باب تبادل الحواس، فيقولون: يرى بأذنه، ويسمع بعينيه؛ لأننا لا نجد في مذهب الشاعر خيطًا رفيعًا من الرمزية، فليس رمزيًّا، بل هو واضح في تصويره الأدبي كما رأينا، أمَّا عناصر التصوير الأدبي في شعره فقد غنيت صوره بها من حركة ولون وطعم ورائحة وحجم وشكل، فالبيت السابق يحمل هذه العناصر: فترى اللون القاتم في الشرور والسموم والنعوش، وترى الحركة السريعة والمتجددة في الفعل المضارع ستمضي، لما يدل عليه من الحدوث والاستمرار والتجدد، وتتذوق طعم الشر، وتشم رائحة السم، وحجم الشر بمقدار سموم الحياة، وتجسيد الشرور في شكل النعوش، وهكذا فالشاعر له قدرة عجيبة على مزج عناصر الصورة بروافدها، كما رأيت في صورة متناقضة في جزء منها، فما بالك لو رجعت معي إلى الصورة البديعة التي سبقت وهي كثيرة وكثيرة.
لهذا الإبداع الشعري في التصوير الأدبي كان لا بد أن نضع فنه في ميزان النقد، لنرى رأي الشاعر والناقد في شعر العسيري.
стр. 267
رابعًا: الموسيقى الشعرية
العسيري شاعر ثائر، ومتجدد في تجديده، ولا غرابة في ذلك فقد تحرر في تجديده فخرج على الموسيقى الخليلية في العروض والقافية بعض الخروج في بعض قصائده، وليس معنى ذلك أنَّ العسيري لم يحافظ على الوزن والقافية التقليدية المشهورة في عمود الشعر العربي، بل كانت معظم مقطوعاته وقصائده يلتزم فيها البحر الخليلي، وقافية الشعر المحافظ، وإن كان الشاعر يميل في شعره إلى البحور الخفيفة، وإلى المجزوء من البحور مثل:
قصيدة "شوق"، وقصيدة "الدنيا"، وقصيدة "وصفحة من حياتي"، وقصيدة "ونكسة أخرى"، وقصيدة "طائر"، وقصيدة "حديث مع الزهرة"، وقصيدة "سمير الأحزان"، وقصيدة "إنسانية"، وقصيدة "دموع الحياة"، وقصيدة "الغر" وغيرها، ومرت الأمثلة والشواهد.
ومن قصائده ما يسير على نظام المقطعات مع الاحتفاظ بالوزن والبحر، واختلاف القافية وحرف الروي، وهذا أقلّ مما سبق بكثير مثل قصيدة "عمري الضائع"، وقصيدة "ضياع في ركب المتاهة"، وقصيدة "عيد بلا اجتماع"، وقصيدة "سامحيني" ومقطوعة "عربي"، "عودي"، "في المستشفى"، وقصيدة "الواقع الأليم والمراكب التائه"، وقصيدة إلى أعدائي" وغيرها، وقد مرت الأمثلة ولا داعي لتكرارها.
ومنها ما يلتزم فيها الشاعر البحر الواحد، لكن البيت ينتهي بتذييل يقوم على تفعيلة، ليضيف بها لحنًا جديدًا في ألحانها، وينسحب عليها إيقاعًا ينظم توقيعاتها الأخيرة، وهذا أقلّ مما سبق بكثير، مثل قصيدة "يا عالمي" يقول:
يا عالمي إني هنا أبكى المصير ... ألا ترون
وقد مرَّ ذكرها.
ومثل قصيدة "خواطر إنسان تائه؛ حيث بناها الشاعر على تسع مقطعات مختلفات في القافية، كل قطعة تقوم على ثلاثة أبيات تنتهي بعدها بتذييل يشمل توقيعتين، يقول العسيري:
أيها الإنسان لا تطغ عليَّا
إن ظلمي قوة ملك يديّا
دعوة في الليل لا تبقيك حيّا
لا تلمني إن دعوت
فتزول وتموت
стр. 268
ومصير الشر في الدنيا قريب
بعد ضعفي سوف أقوى وتذوب
إن بعد الشمس أغلاس المغيب
هكذا حكم الحياة
لا بقاء للطغاة
أيها الإنسان في عصر الفضاء
لا تضيق بالحق يقتلك الفتاء.
ثم تبقي صاحبًا ثوب الشقاء
ثم تبكي لمصيرك
سوف تذوي
كضميرك١
ومنها قصيدة واحدة لم تتكرر، قامت على نظام التفعيلة، مع محافظته على الموسيقى والإيقاع المنغوم بلا اتحاد في القافية، وذلك في قصيدة "العاصفة":
في القدس عاصفة
تحطم الجسور
وتهدم القبور
على الغزاة٢
وهي طويلة لا أرغب في ذكرها، واكتفيت بذلك لكي يصح النقد وتوجيه اللوم إلى العسيري ومن سار على دربهم من الشعراء المعاصرين.
وكنت أود أن هذا النمط الموسيقي والقالب النثري لا الشعري لا يدخل فنّ الشعر، ويجد منزلة من نفس العسيري ومن ديوانه الجيد، إلا إن كان الشاعر يريد أن يعرفنا بنثره المشعور، وأحسب أن العسيري لا يقصد ذلك، فهو يريد أن يجاري من يجعل التفعيلة شعرًا بلا قافية ولا بحر عروضي.
وفي رأيي أن شعر التفعيلة هي معبر الخطأ والخطل السريع، فاليوم يكون على تفعيلة ووزن واحد، وغدًا بلا تفعيلة ووزن، وأصبحت الآن قول إن الموشحات الأندلسية هي التي رخصت
стр. 269
للمعاصرين هذا التسيب، وهم الآن يتذرَّعون بذلك، ولكن الحقيقة أن الفرق كبير، فالموشحات وسط بين القصيد العمودي وبين نظام المقطعات المعاصرة.
وهي أيضًا معبر سريع إلى العامية، والقضاء على الفصحة لغة القرآن الكريم، وإننا اليوم لنرى بعض الشعراء -شعراء التفعيلة- ينظمون نثرهم المشعور بالعامية لا بالفصحى، وهذا أخطر وأشد؛ لأنها حرب ضد الفصحى ولغة القرآن لا حرب ضد القصيد العمودي، ولا أدلَّ على ذلك من قول العسيري نفسه حينما اعتسف هذا المركب الوطيء، مما جعله يتورَّط في العامية والخطأ في الإعراب، وهو استعمال عامي في التعبير يقول:
للقدس الحزين
عشرون عام
القدس في خطر
عشرون عام
ثم يقول:
عشرون عام
والقدس في القيود
وعيشنا على الوعود١
كرر "عام" ثلاث مرات خطأ، والصواب عشرون عامًا، وهكذا يعترف العسيري بهذا في شعره فيقول:
ومصير الشر أن يقتات أهله
فاعتساف المركب الوطيء وهو شعر التفعيلة، يؤدي في النهاية إلى جعل العامية والخطأ في التعبير وهجر الفصحى مذهبًا شعريًّا حديثًا، لا قدر الله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ، ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ، نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ، عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ، بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ .
صدق الله العظيم
стр. 270
خامسًا: شاعريته في ميزان النقد
الشاعر أحمد عسيري يصوّر حياته بكل جزئياتها؛ لأنه يعبِّر عن ذات نفسه، ويصور مشاعره الأليمة، وإحساساته الحزينة في الحياة ليصوغ من شعره قصة حياة تمرَّدت على القيم التقليدية الكلاسيكية متحررًا من قيودها، فلا نجد في شعره تعددًا في موضوع القصيدة الواحدة، بل الغرض فيها واحدًا، بل كان الديوان يصور غرضًا واحدًا، وهو حياة الشاعر فقط، في وحدة عضوية وفنية، وتتلاحم فيها الأفكار، وتتعانق المعاني في إيقاع حزين، تشيعها موسيقى دامية، تنزف مرارة وأسى.
ولذلك يقول العسيري في إهداء الديوان:
إلى الإنسان الذي يشق طريقه بعصامية....!! ١
إلى كل إنسان ذاق مرارة الحرمان، أو ضاع في متاهات الحياة ... !!
لأن الشعر الصادق هو الذي يكون صادقًا مع قائله، وتجربة حية يعيشها صاحبه، حتى يكون قطعة منه، بل حياته كلها، ليكون مثلًا أعلى، ونموذجًا رفيعًا، يتجاوب مع الإنسان في أي موقع كان؛ لأنه للإنسان متجردًا على الأرض والزمان.
هذا هو ما أقصده من عالمية الأدب وإنسانيته، لا يعرف الحدود في الزمان والمكان في المجال البشري الإنساني، وليس هذا الاتجاه وهو "عالمية الأدب وإنسانيته" غريبًا على أدبنا الإسلامي، بل هو أصيل وجوهري فيه؛ لأن غاية الإسلام تحقيق عالمية الإنسانية بلا تفريق بين العربي والعجمي، ولا بين الشرقي والغربي، ولا بين الدول النامية والدول العظمى إلَّا بالمثل العليا، والمبادئ العادلة المستقيمة، والقيم الفاضلة المنصفة للإنسان في أي موقع كان، وخلال الزمان والمكان، لمختلف الأجناس والأجيال؛ لأن الإنسان كان ولا يزال هو الإنسان.
وحين فتح الشاعر الكبير محمد حسن عواد عينيه على ديوان أحمد العسيري وجد نفسه، كما يقول: "أمام شاعر شاب يستطيع هذا الوطن العربي، وهذه اللغة الخالدة، أن يعتز به، ولا مبالغة في هذا القول، إنك ستدهش لشاعر الحرمان والضياع، يجسم لك هذه المعاني، وينفخ فيها من روحه، فتتوهج في قوالب من اللفظ، أعطيت قدرة الوصول إلى أعماق القارئ، ورفعه إلى مستوى تلك المعاني الإنسانية الخالدة، إلى قدرة الإيحاء، ومد الظلال، ورقرقة الحيوية في الأفكار الفلسفية والاجتماعية.
стр. 271
وللشاعر فوق ذلك قدرة أخرى على صياغة تعابير إبداعية، يخيّل أنك تقرؤها لأول مرة مثل:
وقيد الحق أوهى كل قيد ... رءوف المس إن سقنا إليه
من قصيدة "العز".
وقوله:
ومصير الشر أن يقتات أهله
من قصيدة "إلى أعدائي".
ومنها أيضًا:
وتنطق الأرض تملي سرها١
ثم مرة أخرى يشيد الشاعر الناقد محمد حسن عواد بأحمد العسيري فيقول:
"أهنِّئ أخي الفاضل الملازم أول الأستاذ أحمد علي سعد العسيري بهذه الشاعرية الحقيقية، وأهنئ عسيرًا كله سراته وتهامته، بل أهنئ المملكة العربية السعودية كلها، وآمل أن ينجب هذا البلد المعطاء كثيرًا من شعراء هذا الطراز"٢.
وتحرر العسيري في تجديده للقصيدة في أدب الجنوب يظهر في اتجاه الشاعر إلى لون واحد من الشعر يصور فيها ذاته ووجدانه، فتجد أغراضه الأدبية قد أخذت هذا الاتجاه من التحرر، وكذلك في معانيه وفي خياله، وفي تصويره الأدبي، وفي موسيقاه الشعرية؛ حيث خرج على القصيدة العمودية في القافية في القليل من قصائده، مثل قصيدته "العاصفة"٣، وإن كان هذا التحرر محل نظر منَّا وقد ذكرته في مكانه.
ومرت الأمثلة في كل ذلك، توضّح سمات التجديد في المعاني والأغراض والخيال والصور والموسيقى والقافية، مما يجعله من شعراء مدرسة التحرر في التجديد.
стр. 272
الفصل الثالث: الشاعر أحمد بهكلي
نشأة الشاعر بهكلي وحياته:
الشاعر أحمد يحيى بهكلي هو الثاني في مدرسة التحرر في التجديد في الجنوب، إمارة عسير، ولد بمنطقة جيزان عام "١٣٧٤هـ"، ثم تنقل في مراحل التعليم بين جيزان وأبها والرياض، حتى حصل على "ليسانس" كلية اللغة العربية من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية عام ١٣٩٧هـ.
وبعد تخرجه عمل مدرسًا في معهد الرياض العلمي، واستمرَّ يواصل تعليمه في تحضير رسالة الماجستير١.
وهو الآن يشارك في تحرير مجلة الفيصل الثقافية، التي أصبحت الآن تؤدي دورًا كبيرًا في العالم العربي والإسلامي، صدر له حتى الآن ديوانان كما سبق، وهما:
ديوان "الأرض.. والحب".
وديوان "طيفان.. على نقطة الصفر".
وسحر جيزان وأبها وتهامة كان له الأثر في هيام الشاعر بالطبيعة الخلابة، حتى غلبت على شعره يصور مناطق الجنوب في الذهاب والإياب، يصور جيزان مرة، وبيشة ثانية، وفيفا ثالثة، وأبها رابعة، وغيرها وغيرها.
وكثيرًا ما يدفعه الحنين وهو في الرياض إلى موطنه في الجنوب، ليجدد شاعريته في منبع شاعريته.
وهذا بالإضافة إلى تطلعه إلى التحصيل والتعليم، ولا زال حتى الآن يعد نفسه للدراسات العليا حتى يحصل على الماجستير.. وللناس فيما يعشقون مذاهب.
стр. 273
وصقل العقل، وتهذيب الذوق الأدبي يحتاج إلى متابعة مستمرة، ومداومة في الترويض والمتابعة، وليس بعد الصحافة والاشتغال بالتحرير في المجلات الأدبية والثقافية من دافع قوي متجدد في ترويض الذوق، وصقل النفس وشحذ الذهن فالعمل في هذا المجال مملوء بالحركة والحيوية والنشاط ولا ننسى أن النهضة الأدبية الرائدة في مصر كانت تتفجر من المجلات والمعارك الصحفية.
هذه هي العوامل التي فجرت ينابيع الشاعرية في نفس الشاعر أحمد بهكلي، وأصبح بديوانيه من رواد مدرسة التحرر في التجديد.
стр. 274
الأغراض الأدبية في شعره:
أولًا: شعر الطبيعة
هام بهكلي بالطبيعة الفاتنة في الجنوب، وأخذت من شعره منزلة رفيعة، حتى سيطرت على ديوانه الأول "الأرض.. والحب"، فضمَّ قصيدة "السحر يلد أبها ص٧، ٩"، "وقصيدة "القيود الجميلة ص١١، ١٤"، وقصيدة "نجوى.. على البعد ص١٥، ١٨"، وقصيدة "يا منتدى الذكريات ص١٩، ٢١"، وقصيدة "بوح ص٢٢"، وقصيدة "عفوًا ... أبها ص٢٣، ٢٦"، وقصيدة "الأرض والحب ص٣١، ٣٣" وغيرها.
أما ديوانه "طيفان.. على نقطة الصفر" فاشتمل على قصيدة واحدة في شعر الطبيعة، وهي "إلى أرض أبها ص١٣٠، ١٣٢"، وهذه القصائد أنشدها الشاعر في الطبيعة ابتداء؛ لأنه يصور الطبيعة غرضًا مستقلًّا، أما شعر الوجدان، والشعر الإسلامي، فقد مزج هذين الغرضين بالطبيعة، وتجاوبت مع وجدانه وحبه كما سنرى ذلك في موضعه، ولذلك لم تكن الطبيعة مقصوده ابتداء في هذين الغرضين، وإنما تسللت فيهما تبعًا لهيام الشاعر بها، فظلَّت من حين لآخر تطل، لتعبِّر عن وجدانه وتأمّلاته وحبه وهيامه.
وتظهر سمات التجديد في شعر الطبيعة عند بهكلي من الهروب إليها، والتجاوب مع مظاهرها، والتغني بجمالها الآسر وسحرها الساحر، تعويضًا له عمَّا فقده من الحرمان، وما يحس به من آلام وآهات وأحزان؛ كالشأن في الشعراء الذين هاموا بالطبيعة في العصر الحديث.
ولذلك كان بهكلي متحررًا في تجديده هو والشاعر أحمد عسيري، لكن الأول غلب على شعره هيامه بالطبيعة، والعسيري غلبت على فنه الأدبي المرارة والشكوى والحزن والألم، مع التعدد في الأغراض الأدبية عند الشاعرين في هذه المدرسة التي احتضنت مذهب التحرر في التجديد.
وبهكلي طائر معذب، كلما لاح له الأمل غمره سلطان الدجى؛ ليكون هذا الأمل الذاهب بريد "الإهداء" في ديوانه:
إلى التي لازلت أحيا على ... مأمل لقياها.. وما أحسب
قضيت عمرًا أجتلي غمة ... لم يبد لي في أفقها كوكب
وحينما أجهد ركبي السرى ... وأنهار تحتي الجيد المركب
стр. 275
أبصرت لمعًا ... قلت ذا مأملي ... واشتدَّ مني المرهق المتعب
ورحت أعنو مسرعًا ... فانطفا ... ذاك السنا واحتضر المطنب
وعاد سلطان الدجى يعتلي ... عرشًا بناه برقها الخلب
يرجوك يا ناري ويا جنتي ... ترنيمي الفاضل والمذنب١
ويبحث بهكلي عن بريده فيجده في السحر، ليس المجرد، بل المجسم في أبها، عروس الجنوب، يقول في قصيدته: "السحر يلد أبها":
صبوت وأضحى هائمًا مغرمًا قلبي ... وتهت ولي عذر فإدلالها يصبي
أسير هواها ما أحيلاه أسرها ... وحسبي أنني صرت مأسورها حسبي
ويا لجمال قد حويت استمالتي ... فصرت أسير الفكر والشعر واللب
حببتك حبًّا فوق جهدي وطاقتي ... وحبك يا أبها تغلغل في القلب
أيا ذوب احساس رقيق ويا مدى ... خيال وسيع الأفق في عالم رحب
إذا كان في مغنى "اليمانية" انتمى ... هواي فقد ذقت الصبابة "في "النصب"
وتحت ظلال الأيك في "السودة" انجلى ... لي الحسن ممدودًا على ربعها الخصب
وأيدي النسيم الغض تهصر غادة ... من العرعر المزدان ذي الفتن الرطب
وكم في شفاء "القرعاء" سحرت ناظري ... ليرجع مبهورًا من المنظر العذب
كأن لكف السحر تمريرة على ... عيون المياه الجاريات على الترب
تلمست أبغى دارة الحسن في الدنا ... وساءلت عن مغنى العنادل في دربي
وطفت أرود المرتع الخصب للهوى ... لألقاه في "أبها" عن المبتغي يبني
طرقت على باب الجمال بفكرتي ... لتفتح لي أبها ابنة السحر والحب٢
فاليمانية والنصب، وظلال الأيك في السودة، والعرعر المزدان والقرعاء، والعيون الجاريات، كلها مواطن في أبها الساحرة تمكنت من سويداء قلبه، وأصبحت لا تفارقه أينما سار وحيثما حل.
ولا يظن القارئ أنَّ الشاعر حقق أمله حينما وجده في أبها الساحرة الجميلة، لكنه خاب أمله، ومن العجب أنه تاه عن أمله وضل الطريق في "القيود الجميلة":
أنا فيك يا أبها عليل شاكي ... هل ترحمين متيما يهواك
стр. 276
صيرت حسي في هواك مقيدًا ... وسموت حتى نؤت عن إدراك
أواه من حب يحطم أضلعي ... أتراك تنتبهين لي أتراك؟
حاولت أن أنساك لكن أنت في ... سودا الفؤاد فكيف لي أنساك؟
أيها الجميلة خبري كم عاقل ... هومته؟ كم مغرم ناجاك؟
أحياك إلهامًا ووحي مشاعر ... تنداح مسبغة بنشر صباك
تستأسرين بدون أي جريرة ... ألبابنا من ذا الذي أفتاك؟
لو كنت خمرًا كان عذرك واضحًا ... إن نحن رحنا في الهوى سكراك
أو كنت بحرًا هائجًا متلاطمًا ... فربما قمنا وصارعناك
لكن حشدت لنا جيوش الحسن ... ثم دعوتنا مغرورة للقاك
أما السلاح قناة قدٍّ فارع ... أو سيف لحظ صارم فتاك
أو درع طود شامخ متوشح ... بزهورك النشوى ومن رياك
أو خيل شلال غدا متدافقًا ... يشتد ملتاعًا للثم ثراك
واقتدتنا أسرى وقد كبلتنا ... حبًّا فلطفًا أكرمي أسراك
رؤياك في قربى أدق مؤمل ... وأعز شيء في النوى ذكراك١
ثم يبوح لأنها بأحزانه وآلامه في قصيدته "بوح":
أبها.. ويبسم كل محروب ... أبها.. ويفرح كل منكوب
أبها.. وكل الكون أبعدني ... وجذبتني فرأيت تقريبي
وحضنتني وأنا الشريد فلم ... أحزن لمأساتي وتعذيبي٢
تتناجى معه مظاهر الطبيعة في الجنوب، ويتعاطف الشاعر مع ربوعها وبلدانها ومنازلها ودورها، وجبالها وسهولها، وتاريخها ومجدها وبحارها ووديانها، وطيورها وأشجارها، وربيعها ولياليها، وذلك في قصيدته "الأرض والحب" منها:
أنا فيك يا جازان فلتزدهر الرؤى ... بعيني غريب هام عن ربعه دهرًا
أنا فيك في "فيفاء" أناجي جنانها ... وأخلق إعجابي بما احتضنت شعرًا
وأنساب في أنهار "بيش" مغنيًّا ... منازلها الفيحاء أو زرعها النضرا
وتمنحني "صبيًّا" ولا زلت في الصبا ... برود صبا تستأثر اللب والفكرا
وأغرق روحي في هوى "ضمد" التي ... رعتني عمرًا بات من أعذب الذكرى
стр. 277
بروحي تلك الأرض من أثلها إلى ... منابت "سعيد" قد انتشرت عطرًا
على أنني ضيعت حبي في "أبي ... عريش" فإن خرفت يا جنتي عذرًا
كأنَّ لياليها سواحل بابل ... وما ضمنت تلك الليالي غدت سحرًا
كما عانقت جازان أذرع بحرها ... وعانقت التاريخ والمجد والفكر١
ومع هذا الهيام بالأرض، والحب للطبيعة التي هرب إليها عاشقًا لجمالها، والهًا في سحرها، الذي يصور مرارته، وهذا الحب بعيد عنه محروم منه ما دام بعيدًا عن الطبيعة التي تمكنت من قلبه حبًّا وهيامًا وعشقًا.
ثانيًا: الشعر الوجداني والتأملي
جاء هذا الغرض الأدبي في شعر بهكلي في ديوانيه، أما قصائده في ديوانه الأول "الأرض.. والحب" منها قصيدة "شوق ص٣٩، ٤١" في عام ١٣٩٢هـ أبها، وقصيدة "أحبك ص٤٣، ٤٧" في عام ١٣٩٤هـ أبها، وقصيدة "رسالة ص٤٩، ٥٠" في أبها عام ١٣٩٤هـ، ومقطوعة "الهوى أعذار ص٤٢" في أبها ١٣٩٣هـ، وقصيدة "عندما يطول السفر ص٥١، ٥٥" في أبها عام ١٣٩٤هـ، "ورباعية ص٦٠" في الرياض ١٣٩٤هـ، وقصيدة "الحسن الآسر ص٦٦، ٦٨" في أبها ١٣٩٤هـ، وقصيدة "العذابان ص٦٩، ٧٠" في أبها عام ١٣٩٤هـ، وكذلك "رباعية ص٧١" في الرياض ١٣٩٥هـ، وقصيدة "الرحيل ... بلا وداع ص٧٣، ٧٥" في أبها ١٣٩٥هـ، وقصيدة "هزوجة خريفية ص٧٧، ٨٠" في أبها ١٣٩٦هـ، وقصيدة "غفوة ... ورؤيا ص٨١، ٨٢" في الرياض ١٣٩٦هـ، وقصيدة "كتابة على ضريح العشق ص٨٣، ٨٤" في الرياض ١٣٩٧هـ.
أما الوجدان والتأمل في ديوان الثاني "طيفان ... على نقطة الصفر" فيضم قصيدة "أبيات.... لأبي ص٧، ١٠"، وقصيدة "لهذا الحزين ص٥١، ٥٢" في أبها ١٣٩٤هـ، وقصيدة "الركض ... إلى الخلف ص٥٣، ٥٥" في أبي عريش ١٣٩٦هـ، وقصيدة "مجنون ص٥٦، ٥٨" في الرياض ١٣٩٥هـ، وقصيدة "الرحلة الطويلة ص٥٩، ٦١" في جدة ١٣٩٦هـ، وقصيدة "حينما يزمن الحزن ص٦٢، ٦٤" في الرياض ١٣٩٦هـ، وقصيدة "العرافة الكاذبة ص٦٥، ٦٦" في جيزان ١٣٩٧هـ، وقصيدة "منى ... وقلوب ص٦٧، ٧٠" في الرياض ١٣٩٨هـ، وقصيدة "خلود الحب
стр. 278
ص١٠٥، ١٠٦" في أبها ١٣٩٥هـ، وقصيدة "أحلى نهاية ص١٠٧، ١١٠" في الرياض ١٣٩٤هـ، وقصيدة "كل الفصول ص١١١، ١١٣" في الرياض ١٣٩٦هـ، وقصيدة "أبتاع حزنًا ص١١٤، ١١٦" في الرياض ١٣٩٩هـ، وقصيدة "رزق ص١١٧، ١١٨" في الرياض ١٣٩٩هـ، وقصيدة "السر العجيب ص١٢٢، ١٢٦" في الرياض ١٣٩٥هـ، ومقطوعة "هل الحب أعمى؟ ص١٢٧" في أبها ١٣٩٧هـ، وقصيدة "الدمع الطهور ص١٢٨، ١٢٩" في الرياض ١٣٩٨هـ.
وشعر الوجدان والتأمّل عند بهكلي يتميز بالخصائص الفنية لهذا الغرض عند الشعراء الابتداعيين المجددين، مثل الغوص في أعماق الذات، والتأمل في جوانب النفس المختلفة وتصوير أحاسيسها العميقة، ومشاعرها الرقيقة، وذلك في تجربة شعورية صادقة، تشفُّ عمَّا يشعر به من ألمَّ الحرمان، وما تعتصره من آهات وآلام، وما يسيطر عليه من الكآبة والحزن، وأنه مهما قطع شوطًا في تحقيق آلامه، فإنه يجد نفسه أمام السراب الخادع يحسبه الظمآن ماء، حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا، وهكذا فيعود ليصور آلام الفقد ولوعة الأسى والحرمان ومرارة الهزيمة والقنوط.
هذا من حيث ظاهر التصوير الأدبي في شعره، أما من حيث الواقع، فإن معاناة التجربة الشعرية هو في ذاته تحقيق لهدف يؤمه الشاعر، وهو التنفيس عمَّا يعانيه، وذلك حينما يصور تجربته في قصيدة، فهي تشكل بناء فنيًّا خارجيًّا تجد فيه الشاعر سلوانًا وعزاء، وأنسًا وإمتاعًا، يصرفه كل ذلك عن معاناة التجربة؛ لأنها صارت عملًا فنيًّا خارجيًّا، وقد كانت قبل أن تخرج تلتهب في وجدانه ألمًا ومرارة.
وبذلك يجد الشاعر في القصيدة الضالة التي كان يبحث عن تجربتها داخل نفسه، ويتذرّع في سبيلها الأسى واليأس الذي يعتصر أغوار ذاته، وبهذا العمل الفني يحقق الغاية التي كان الوجدان ينزف بها، حين كان العمل الفني تجربة ذاتية، تؤجج جوانب النفس، قبل أن تخرج إلى حيز الوجود الخارجي.
وهذا ما عاناه الشاعر بهكلي في القصائد السابقة لهذا الغرض، وسنقتصر على بعض الأمثلة التي تتجسَّم فيها الخصائص الفنية السابقة لمدرسة التحرر في التجديد، لتدل على ما لم نذكره من بقية القصائد، يقول الشاعر في قصيدة "أحبك" مطلعها:
أين وجهت فقلبي ... لك مغدي ومراح
أنت فيه النور.. ... كالنور ويغذيه الصباح
أنت فيه النفح.. ... كالنفح تزجيه الأقاح
يا جمالًا ملهب التكرين ... معدوم السماح
стр. 279
أفصحي يا طفلتي عمَّا تمطي في فؤادك
إنني ما عدت ذا صبر على طول بعادك
أرسلي في بقعة الصمت أصيلًا من جيادك
ودعيه يفهم الصب المعني بمرادك
وأنا إن رحت أشكو أو أبث الوجد حبًّا
فلقد آليت أني لن أصب الدمع صبًّا
ولو أني صرت في حبيك يا حسناء صبًّا
فالضعيف الفدام من عاش الهوى دمعًا وندبًا
ضجة العمر الشباب الحي حتى يتصرم
فإذا ولي فقد ولت مني السعد المكرم
وبقي في يأسه المرء كئيبًا يتبرم
يندب الأنس الذي كان حلالًا يتحرَّم
إيه ... يا " ... " يا آهة تعدو وئيده
في ضلوعي ... يا متاهات مسافاتي المديدة
لم تزل عندي حكايات وأفكار جديدة
سوف أحكيها لنفسي حين تضحى بعيدة١
صورة شعرية تعبر عن حرارة الوجدان ولوعة الحرمان، ومرارة البعد، وألم الفراق، في خيالات عجيبة، وصور أدبية بديعة، فقلبه مغدي ومراح، تملؤه بنورها المستمد من نور الصباح وتزكّيه برائحتها الفواحة، ينبغي أن تتجاوب معه فتبادله وتفصح عمَّا استكن في قلبها؛ لأن الصبر قد نفد، فأصبح يبث الوجد حبًّا، ويصب الدمع صبًّا، ويندب حياته ندبًا؛ لأن زهوة الشباب قد تصرم فأضحى كئيبًا يتبرم؛ لأن ما كان حلالًا له قد تحرم، وبعد اليأس أخد يردد لنفسه حكايات وأفكارًا جديدة، يتسلَّى بها بعد أن فقد الأمل وصارت عنه بعيدة.
стр. 280
هذه هي خصائص الشعر الوجداني، يتمدد الشاعر في داخله، يبث أحزانه وآلامه، ويشكو حرمانه، ويبكي شبابه، وينعي حبه الذاهب، وأمله الخائب في تصوير أدبي يتفطر ألمًا ودمعًا.
ومن خصائص شعر الوجدان عند بهكلي أن القصيدة عنده قامت على غرض واحد من مطلعها حتى نهاية القصيدة، بلا تعدد أو خروج عن موضوعها، ومن هنا تحقق فيها الوحدة الموضوعية والوحدة الفنية.
ومن خصائص هذا الغرض التحرر في التجديد، فتحرر الشاعر من عمودية الموسيقى، فتعددت القوافي فيها، وقامت على نظام المقطعات، لكل مقطعة قافية تختلف عن الأخرى مع اتحاد الوزن والبحر العروضي، وفي هذا ثورة على العمود الشعري، فلا يلتزم الشاعر بما التزم به الشعراء القدامى، ومن سار على نهجهم من المحدثين "الكلاسيسكيين"، وما التزم به الشاعر هو الوزن، والتغني بذاته، فمنافذ الإدراك عنده أدارها الشاعر عن الخارج لتفتش في ذاته وداخل نفسه، غير خاضعة لمقاييس خارجة عن ذات الشاعر.
وعندما تأتي القصيدة عنده متحدة الوزن والقافية، لا يكون ذلك التزامًا لمنهج القدماء في القالب الموسيقي عندهم، ولكن ذلك دليل وكشف عن حريته المطلقة من الحركة من شكل إلى آخر بإرادته، وتجاوبًا مع رغبات ذاته التي لا تلتزم بالرتابة قهرًا لاتباع السابقين. لذلك نجد بهكلي يقول القصيدة ذات الغرض الواحد على بحر واحد وقافية موحدة أيضًا،
كما في قصيدته "رسالة" ومطلعها١:
أحبك لا لشيء غير أني ... أحبك للتلهف والتمني
وقد صيرت رسمك في خيالي ... إسارًا مالكًا فكري وظني
فأنت عروس شعري حين أشدو ... وأنت بديع لحني إذا أغنى
أحبك دون أن أدي لماذا؟ ... وأحمل فيك بعدك والتجني
كأني لم أكن إلا لأضني ... بحبك طول ذا الزمن المسنِّ
ولست أرى بأن هناك شيئا ... يشكك فيه من إنس وجن
وهبتك من وادي ما أراه ... كفيلًا لي بأن يدنيك مني
стр. 281
وما أعطيتني إلّا وعودًا ... تزيد أسى الفؤاد خلا تمني
سوى أني أدين وسوف أبقى ... أدين بأن حسنك أصل فني
وبي شوق إليك يزيد دومًا ... كأشواق العقيم إلى التبني
فأنت عروس شعري حين أشدو ... وأنغام الصبابة إذ أغني
فاض وجدان الشاعر بالحب والوداد، لكنه لم ير من محبوبه إلّا الوعود الجوفاء، بلا وصل، فيغتلي الفؤاد أسى ومرارة، ومع هذا فالشاعر يجد فيها عوضًا عن الفقدان والحرمان، فهي التي فجَّرت شاعريته بهذه الرسالة، فتشكَّلت في عمل فني بعد أن كانت بددًا وحيرة في نفسه ووجدانه، فصارت عروس شعره وأنغام وجده، وأوتار حبه، يجد فيها أمله حين يغني بشعره، وإن كانت محبوبته بذاتها وهيكلها بعيدة.. بعيدة عنه.. كل البعد.
هذا هو جوهر التحرر في التجديد عند الشاعر، فحينما تتفجر شاعريته في تصوير ما يحب، لا يبتغي منه أكثر من أن تظهر ذاتية الشاعر في فنه الأدبي، والتغني بذاته ووجدانه وحدهما؛ لأنه لا يرى ولا يملك غيرهما.
والذات البشرية إذا تمددت في داخلها ستجد اليأس والقنوط، والمرارة والألم والحرمان، وغيرها من أصول الهروب عن الحياة والناس، أما إذا تجاوبت مع غيرها، وخرجت من أسارها وسجنها الداخلي، إلى العطاء الاجتماعي، تغرب عنها الوحدة والأسى، وتنحسر المرارة والحرمان، وهكذا يستمر بهكلي في آلامه وحزنه حتى يزمن الحزن "حينما يزمن الحزن" يقول:
لا تقولي قضي الحزن وحل السعد ... إذا لاح على الأفق لقانا
لا تقولي تمت الفرحة لا.. لا ... تحسبي حقًّا أباطيل رؤانا
خدعة هذي فلا يخدعك ماصير ... دنيانا خداعًا وامتهانًا
حاذري من طيبة الظن فما عادت ... لتلقي في مجالينا مكانًا
مزمن حزني باق سهد عيني ... وفي حبيك ضيعت الأمانا
رغم لقياك فلا زلت حنينًا ... يفرش النأي على فكرى خوانا
يا انتفاض الألق المزهو في عينين ... ترفضان سحرًا وحنانًا
والتوالي من مآسينا أقضت ... مضجع السالف من حلو منانا
وانسلال اللحظات اللائي عشنا ... سعدها قد بات يستل شجانا
تارة يسفحنا ... يغري الحشا منا ... وطورًا ينشر الدمع جمانا
وانثيال الذكريات الممرع الربع ... اهتزازًا يحتوي منا الكيانا
стр. 282
إيه يا بيداء دنيانا قطعناك ... ولم نسرج -على البعد- حصانًا
لم تكن غير ثوابه ركض الدهر ... بنا فيها ... فلم ندرك خطانا١
ومظاهر التحرر في التجديد هنا ظاهرة، على الرغم من أنَّ الشاعر التقى هنا بمحبوبته، فكان ينبغي أن يترك هذا اللقاء في نفسه ما يطفئ نار الجوي، ويروي ظمأ الحب، ويروح نسائم الشوق، فلا يبقي في النفس لوعة وأسى، ولا يترك في الوجدان لهيبًا عاصفًا، فيطوي آلام الماضي، ويبدد سهد الليالي، وتشرق الحياة الباسمة، ويتعطَّر الوجود بالأمل العذب، وينسج منه حبال الوصل، وأسباب الأماني، التي تغيب به في جنات المحبين الوارفة الظلال، فتتفتح فيها الأزهار، وتفوح أجواؤها بالعطور، وتتجاوب مع الأنغام الشجية، التي تعزفها مناقير الطيور، لترفرف بالسعادة والحب والأمل في جنات الخلد.
لكن الشاعر بدد جمال هذا اللقاء بحزنه المرير، وآلامه المريرة، فهو ينكر عليها أن الحزن قد ولَّى وذهب، ولا يرى أن السعد قد لفهما بالأفق، وأصبحت هي كذلك باطلًا وخداعًا، فذهبت الحقيقة، وتبدد الأمن، وعلى الرغم من اللقاء فلا زالت بعيدة عنه، يكتوي بآلام البعد والحرمان، التي ثوت في صدره، واستبدت بعقله وقلبه، وألهبت مضجعه، وفجرت الدموع كحبات الفضة مما يدل على أنَّ شعر الوجدان حتى مع الوصل، فالشاعر يظل في حرمانه وشكواه وبث أشجانه وآلامه، وهذا ما يمتاز به هذا الغرض الأدبي.
يقول بهكلي في قصيدة "خلود الحب":
أتبقى أماني لقانا نثارًا ... وليل التباعد يتلو النهارا
كأن مقاديرنا أن نرى ... مآسينا تحتوينا جهارًا
ولكن لماذا الهروب ولما ... ننل بعد شيئا يزيل الأوارا
أليس الهروب انهزامًا وفينا ... إطاقة جعل البقاء انتصارا
أما قلت أنك شوق عظيم ... إلى فلا تقدرين اصطبارا
أما قلت إني حياتك؟ يا من ... نبذت حياتك عنك جهارا
لماذا؟ وأرفع صوتي لماذا؟ ... ولو عاد رجع صداه انكسارا
وإنك حلمي رواءً ويبسا ... وإني أحبك ماء ونارا١
стр. 283
ثالثًا: الشعر الإسلامي
خلا ديوانه الأول "الأرض والحب" من الشعر الإسلامي، بينما ضم ديوانه الثاني "طيفان ... على نقطة الصفر" هذا الغرض، بل عنوان الديوان إنما هو عنوان لموضوع قصيدة إسلامية، والشعر الإسلامي عند بهكلي يشمل قصيدة "غسيل الملائكة ص١٤، ٢٥"، وقصيدة "عبيرات على خدّ الدعوة الإسلامية ص٣٣، ٤٢"، وقصيدة "أنشودة الفارس القادم ص٢٦، ٣٢"، وقصيدة "طيفان ص٤٣، ٤٨"، وقصيدة "من خالد بن الوليد ص٩٣، ٩٧"، وقصيدة "إلى سيد قطب ص٩٨، ١٠٢"، "وخماسية ص١٢١".
والقصة الشعرية "غسيل الملائكة" تقوم على حدث قصصي يبدأ حينما أذن المنادي للجهاد في سبيل الله في غزوة أحد، ويلبي النداء الصحابي الجليل حنظلة بن أبي عامر ليلة دخوله على عروسه، ويخرج إلى الجهاد وهو جنب لم يغتسل، ثم يقتله الأسود بن شعوب، وحنظلة يحاول قتل أبي سفيان، وإذا برسول الله ﷺ يرى الملائكة وهي تغلسه، فأرسل إلى أهله فأخبروه بخبره، يقول الشاعر في هذه الأقصوصة الشعرية:
ليلة والنجوم تستغفر الليل ... وما حاز قدرة الغفران
وعواء الرياح يخفت حينًا ... ثم يعلو كآهة الولهان
وهنا في الخباء ينتجع الطهر ... فيجني ثماره عرسان
وجذوع النخل راهنت الليل ... وللفجر شدة الغفران
لم تكن غير لحظة فإذا الليل ... طريد الرحيل في إذعان
والندى يغسل الأزاهير ... والأطيار تشدو برائع الألحان
وصريخ علا بأن أناسًا ... داهموا ربع الندى الفينان
صرخة أعنقت تخب فتجلو ... صدأ الاندهاش في الآذان
كأن رجع الصريخ جلجلة الإيمان ... يحمي مرابع الإيمان
ما ترى غير لابس درع حرب ... أو مغد السير فوق حصان
وازدهت حرة المدينة جندًا ... ورسولًا ومبدءًا قرآني
رقص الفجر رقصة فتغنت ... أحد ... والتقى الجمعان
وانبرى حنظل يقارع ذاك ... القرم في قوة وأيد جنان
ضربة إثر ضربة.. أشف سؤلي ... كيف مرديك يا أبا سفيان
كنت في الأسفل الحضيض وقد ... كان ملاقيك في أعز مكان
هم بالوأد حنظل ... وتجلت ... قسوة منه أثبتتها اليدان
"أنجدوني" ترددت وأبو سفيان ... من موته على إيقان
стр. 284
واجتلى الفارسين "شدادًا" فارتا ... عت خطاه كما فؤاد الجبان
واستطالت وراء حنظل مثل شلا، ... بطعن لكالح الفعل جاني
طعنة ... والدم الزكي تسابيح ... تدق السماء في رضوان
ولعيني حنظل ومضات ... أطفأتها من الردي ريحان
أن نعمى وهبت يا ابن شعوب ... لابن حرب مجندل الفرسان؟
ساعة وانتهى العراك وأصغى ... قومه للرسول والكل حان
قال: إن الملائك حفت ... بقتيل وأمسكت بأواني
إنها تغسل القتيل.. وما كان ... سوى حنظل فتى الفتيان
اسألوا زوجه وجلجل في ... القوم جواب سما عن الأذهان
أيها الفارس النبيل ولم تث ... نك عن عزمك الأكيد الثواني
إن تكن أمس قد خلت بعرس ... فبذا اليوم دخلة للجنان
نم قريرًا.. فأنت لازلت رمز ... الاحتراق الرضي للإنسان
إيه يا حنظل الفريد وكم قد ... عاش فينا أبوك طول الزمان
هو باق.. يحب ... ينجب لكن ... لم يطلق بعد نجل حنظل ثان١
الغرض من هذه الأقصوصة الشعرية موضوعي إسلامي، ومثل هذا الاتجاه لا يجيده شعراء التحرر في التجديد، الذين يعبرون عن ذاتهم، ويفتشون عن أنفسهم، وهم قابعون في برجهم العاجي.
لذلك لم ينصهر الشاعر هنا في بوتقة المعركة، ليصورها بحرارة وصدق عاطفة، فاضطربت التجربة الشعورية عنده، ولم تكن عميقة تستقصي جزئيات الأحداث بدقة وواقعية، واضطرَّ الشاعر أن ينصرف عن الأحداث إلى الاهتمام بتصوير الطبيعة، فتستجيب مظاهرها مع موضوع القصة، فالنجوم تستغفر الليل، ولا أدري ماذا يقصد الشاعر من هذا الاستغفار؟ والرياح تعوي، وثمار الخباء مجتني العروسين، وجذوع النخل راهنت الليل، ولا أدري لهذا معنى؟ والفجر يشتد في عنفه، والليل طريد الرحيل، لا يتناسب مع الندى يغسل الأزاهير، ولا مع الأطيار التي تشدو بالألحان، والفجر يرقص، وأحد تتغنَّى بتلاحم الجمعان، وغيرها من مظاهر الطبيعة، التي لم يحسن الشاعر تطويعها، واستخدامها بما يتناسب مع الوقار في الموضوع، وهيبة الموقف، فلا يصح للفجر أن يرقص، ولا للطير أن تشدو وتتغنى حين التقى الجمعان.
стр. 285
ومما يدل أيضًا على اضطراب التجربة، وقلق التصوير الأدبي، مثل اضطراب كلمة "كما" وعاميتها، فليست لفظًا شعريًّا؛ لأن للشعر أدواته الخاصة، وذلك في قوله: "وارتاعت خطاه كما فؤاد الجبان" مما أحدث قلقًا في موسيقى البيت وشذاجة في التصوير الأدبي.
ومثل صورة تسابيح الدم الزكي تدق السماء، إنها تتفتح لها أبواب السماء، ولا تدقها، لما فيه من معنى العنف والقهر.
ومثل صورة "أرى الملائك حفّت بقتيل، وصورة "إنها تغسل القتيل"، وما هو بقتيل؟! بل هو شهيد وأي شهيد، والوزن واحد لم يضطرب.
وكذلك صورة: "نم قريرًا ... فأنت ما زلت رمز الاحتراق الرضي" تناقض في التصوير الأدبي، كيف ينام قرير العين وهو رمز الاحتراق الرضي.
وفي كل هذا الدلالة على أن الشاعر متحرر في تجديده من القيود الموضوعية، التي تتناسب مع أحداث القصة الشعرية فيعتسف طريقًا آخر يعبر فيه عن ذاته لا عن موضوع القصة وأحداثها، ألا وهو الهروب إلى الطبيعة، بدون مبالاة لواقعية الأحداث ونموها، ثم التحرر أيضًا من الواقعية الموضوعية إلى الانطلاق في ذات الشاعر، والتغني بها من خلال مظاهر الطبيعة، مما أوقع الشاعر في اضطراب التجربة الشعورية وقلق التصوير لها والتناقض بين أجزائها، وعدم انسجامها مع الغرض من القصيدة.
والشاعر نفسه يعترف بهذه الحقيقة، فيقول عن شعره في ديوانه "طيفان على نقطة الصفر": نلاحظ أن التناول لم يكن منصبًّا على سرد التفاصيل الحديثة، بقدر ما يصف الأثر النفسي أو الانعكاسات الشرطية، كما يسميها بذلك تلاميذ الغزالي، وبافلوف ... إنني لا أميل كثيرًا إلى الموضوعية في الشعر، فكلما كان الشعر موضوعيًّا كان بسيطًا، وكلما كان بسيطًا فقد هيبته وفاعليته كداعية إلى التخيل والتفكير١.
وليس هذا القول صحيحًا إلَّا من جانب واحد فقط، وهو أن الشاعر متحرر ينشد ذاته فقط، ولا يحسن تصوير الأحداث في الشعر الموضوعي، ومن ينكر شاعرية شوقي في مسرحياته، وروعة التصوير فيها٢، فالتحرر عند بهكلي جعله لا يجيد تصوير شعر الموضوعات، والتي تقوم على نمو الأحداث وسحر تصويرها.
والذي يؤكد وجهة نظري هذه، هو ما أحس به بهكلي نفسه حينما حاول أن يأخذ