← Акыда

Акыда · id 22862

النبوة والأنبياء في اليهودية والمسيحية والإسلام

أحمد عبد الوهاب علي

Полный текст (287 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

ثم تطور ذلك في الفقرة "٣: ب" إلى القول: "سيرسله الآب باسمي" "١٤: ٢٦". ثم تطور مرة أخرى ليكون في الفقرة "٣: جـ": "الذي سأرسله أنا إليكم من الآب" "١٥: ٢٦"، وفي الفقرة "٣: د": "إن ذهبت أرسله إليكم" "١٦: ٧". لكن الحق الذي لا مرية فيه هو أن الله وحده هو مرسل المرسلين وليس المسيح. إن هذا هو ما أعلنه المسيح على رءوس الأشهاد وبينه قولًا وفعلًا من أنه ليس له من الأمر شيء، وأن الأمر كله لله، فقال: "تعليمي ليس لي، بل للذي أرسلني. إن شاء أحد أن يعمل مشيئته يعرف التعليم هل هو من الله أم أتكلم أنا من نفسي. من يتكلم من نفسه يطلب مجد نفسه. وأما من يطلب مجد الذي أرسله فهو صادق وليس فيه ظلم" "يوحنا ٧: ١٦-١٨"، "إني لم آت من نفسي، بل ذاك أرسلني" "يوحنا ٨: ٤٢". "الآب نفسه الذي أرسلني يشهد لي.. أنا قد أتيت باسم "الله" ولستم تقبلونني" "يوحنا ٥: ٣٧، ٤٣". "إني لم أتكلم من نفسي، لكن الآب الذي أرسلني هو أعطاني وصية ماذا أقول وبماذا أتكلم. وأنا أعلم أن وصيته هي حياة أبدية. فما أتكلم به فكما قال لي الآب هكذا أتكلم" "يوحنا ١٢: ٤٩". "أنا لا أقدر أن أفعل من نفسي شيئًا.. إني لا أطلب مشيئتي بل مشيئة الآب الذي أرسلني" "يوحنا ٥: ٣٠". "ولم يقدر أن يصنع هناك ولا قوة واحدة" "مرقس ٦: ٤-٥". وكما عجز عن الفعل واعترف بذلك، فقد عجز عن الإخبار بالغيب واعترف بذلك أيضًا. فحين سأله تلاميذه عن "انقضاء الدهر" ويوم القيامة، قال لهم:"أما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بهما أحد، ولا الملائكة الذين في السماء ولا "أنا" إلا الآب" "مرقس ١٣: ٣٢".

стр. 142

واعترف المسيح أنه لا يملك من أمر الآخرة شيئًا. فحين "تقدم إليه يعقوب ويوحنا ابنى زبدى قائلين: يا معلم، نريد أن تفعل لنا كل ما طلبنا. فقال لهما: ماذا تريدان أن أفعل لكما؟. فقالا له: أعطنا أن نجلس واحد عن يمينك والآخر عن يسارك في مجدك. فقال لهما يسوع: لستما تعلمان ما تطلبان.. الجلوس عن يميني وعن يساري فليس لي أن أعطيه إلا للذين أعد لهم" "مرقس ١٠: ٣٥-٤٠". من الواضح إذن أن المسيح لا يملك من الأمر شيئًا، وأنه لم يأت من نفسه بل الله -مالك الملك ومن له الأمر والخلق- هو الذي أرسله. وهو الذي يحكم بين عباده يوم القيامة ويحدد مصائرهم. ومن ثم يتبين أن كل حديث عن إرسال المسيح "لروح الحق" بعد رحيله عن الدنيا، إنما هو زعم باطل وافتراء على الحق. ٥- روح الحق "ما ينطق عن الهوى": "لأنه لا يتكلم من نفسه، بل بكل ما يسمع يتكلم به" "يوحنا ١٦: ١٣". ٦- روح الحق يعلم الناس الدين الكامل: "فهو يعلمكم كل شيء ويذكركم بكل ما قلته لكم.... وهو يرشدكم إلى جميع الحق" "يوحنا ١٤: ٢٦، ١٦: ١٣". ٧- ما جاء به روح الحق باق إلى الأبد: إن لغة الكتاب "المقدس" تعتبر الحديث عن الأنبياء مكافئًا صحيحا للحديث عن الكتب التي جاء بها هؤلاء الأنبياء.. ومن أمثلة ذلك كما ذكره لوقا في قصة الغني الذي استمتع بالدنيا وكانت عاقبته الجحيم، ولعازر الفقير الذي كانت عاقبته النعيم في حضن إبراهيم. فحين طلب ذلك الغني المعذب إلى أبينا إبراهيم أن يرسل لعازر من الأموات لينذر أهل بيته، "حتى يشهد لهم لكيلا

стр. 143

يأتوا هم أيضًا إلى موضع العذاب هذا. قال له إبراهيم: عندهم موسى والأنبياء ليسعموا منهم. فقال: لا يا أبي إبراهيم. بل إذا مضى إليهم واحد من الأموات يتوبون. فقال له: إن كانوا لا يسمعون من موسى والأنبياء، ولا إن قام واحد من الأموات يصدقون" "لوقا ١٦: ٢٨-٣١". لقد مات موسى والأنبياء وتركوا كتبًا هي التي أشار إليها أبونا إبراهيم، وبين أن الحديث عنها هو بمثابة الحديث عنهم. وكان ذلك ما أكده لوقا مرة أخرى في قوله: "ابتدأ من موسى ومن جميع الأنبياء يفسر لهما الأمور المختصة به في جميع الكتب" "لوقا ٢٤: ٢٧". فعلى ضوء ذلك يفهم معنى قول المسيح فيما يجيء به الرسول الآتي بعده حين أعلن لتلاميذه أنه: "يمكث معكم إلى الأبد" "يوحنا ١٤: ١٦". أن تلاميذ المسيح الذي قال لهم هذا الكلام لم يمكثوا إلى الأبد، لكنهم ماتوا أو قتلوا -جميعًا- منذ تسعة عشر قرنًا. فهذا القول لا يصمد للتأويل حرفيًا ولكنه يعني أن ما يأتي به "روح الحق" "إلى الأجيال المتلاحقة سيبقى إلى يوم الدين. وخلاصة القول: إن دراسة هذه النبوءة على ضوء ما جاء في الكتاب "المقدس" وما نسبته الأناجيل للمسيح من أقوال يقطع بأن الرسول "روح الحق" الآتي بعد المسيح إنما هو: إنسان، وأنه غير روح القدس الذي لا يرتبط مجيئه برحيل المسيح، وأن الله وحده هو مرسل المرسلين وليس المسيح، وأن هذا الرسول "ما ينطق عن الهوى"، وأنه يعلم الناس الدين الكامل، وأن ما جاء به وحيًا من الله باق أبد الدهر.

стр. 144

إن هذا يقود إلى التسليم بأن هذه النبوءة تنطبق جملة وتفصيلًا على محمد بن عبد الله، رسول الله إلى الناس جميعًا. الذي أكمل الله به الدين وختم به النبوة، فقال وقوله الحق: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] . وتكفل الله بحفظ كتابه -القرآن العظيم- فقال في شأنه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] . اسم الرسول الآتي بعد المسيح: ذكرنا سلفًا أن التراجم المتداولة لإنجيل يوحنا اتفقت على اسمه الثاني وهو: "روح الحق"، بينما اختلفت في اسمه الأول لاختلاف فهمهم لمعنى كلمة يونانية قد يسمعها شخص غير مدقق فيكتبها: باراقليط "Paraclet"، مما اضطر التراجم الفرنسية الحديثة أن تنقلها صوتيًا على هذه الصورة. ونريد الآن أن نتعرف على حقيقة هذا الاسم الأول الذي اختلفوا فيه. في دراسة دينية ولغوية رصينة قام بها عالم اللاهوت المسيحي "سابقًا" ديفيد بنجامين كلداني، وجاءت ضمن دراسات وبحوث أخرى نشرها في كتابه: "محمد في الكتاب المقدس"١ بعد أن اهتدى إلى الإسلام وتسمى "عبد الأحد داود" -نجد فصلًا عن البارقليط، يقول فيه: "أما الإنجيل الرابع فهو مثل أي كتاب أو سفر آخر في العهد الجديد، فقد كتب باليونانية وليس بالآرامية التي كانت اللغة الوطنية لعيسى وتلاميذه. وبالتالي فإنه تواجهنا مرة أخرى نفس الصعوبة التي لقيناها عندما كنا نبحث في "يودوكيا" الخاصة بما لوقا، وهذه الصعوبة تتلخص في السؤال: ما هي الكلمة أو الاسم الذي استعمله يسوع في لغته الأصلية والتي نقلها الإنجيل

стр. 145

الرابع بلفظ: "البرقليط" أو "الفرقليط" ثم ترجمت إلى المعزي في جميع نسخ ذلك الإنجيل؟ ... إن الفرقليط لا تعني المعزي أو المحامي، في الواقع، وهي ليست كلمة كلاسيكية بالمرة، والتهجئة للكلمة هي "paraklytos" ومعناها في الأدبيات اليونانية: شخص يدعى للمساعدة، محام، وسيط، ولا حاجة لأن يدعي المرء أنه عالم يوناني ليعرف أن الكلمة اليونانية التي ترادف المعزي ليست: باراكليتوس "paraclytos" بل باراكلون "paracalon، وثمة كلمة يونانية أخرى مرادفة لكمة معزي وهي: باريجوريتس (parygorytys) بمعنى: أنا أعزي. أما بالنسبة للمعنى الآخر لكلمة: وسيط أو محامي -الذي يتضمنه الكلمة الكنسية، بارقليط "paraclet" فإنني أصر ثانية على أن: باراكالون "PARACALON" وليس: باراكليتوس "PARACLYTOS، وهي الكلمة التي تعطي معنى مشابهًا، واللفظة اليونانية المرادفة لكلمة: محامي "Advocate، هي "Sanegorus" ولكلمة: وسيط أو شفيع، هي: "Meditea" ... إن الاعتقاد بأن موت عيسى على الصليب "حسب زعم النصارى" قد فدى المؤمنين من لعنة الخطيئة الأصلية، وأن روحه وبركته وحضوره في القربان المقدس سيبقى معهم إلى الأبد، هذا الاعتقاد تركهم دون حاجة إلى عزاء أو إلى مجيء معز. ومن ناحية أخرى فإنهم إذا كانوا بحاجة إلى معز كهذا فإن جميع الادعاءات والمزاعم النصرانية حول تضحية المسيح وتحمله آلام الصلب تتهافت وتصبح باطلة. والواقع أن لغة الأناجيل والرسائل تدل بوضوح على أن العود الثاني لعيسى فوق السحاب كان وشيكًا١، "متى ١٦: ٢٨، مرقس ٩: ١ لوقا ٩: ٢٧، تسالونيكي الأولى ٤: ١٥-١٧" ...

стр. 146

إن البرقليطوس المذكور في إنجيل القديس يوحنا لا يعني ولا يمكن أن يعني: المعزي أو المحامي، وإن الكلمة صورة مشوهة من كلمة أخرى هي: بيرقليطوس "periqlytos". إن كلمة: بيرقليطوس، تعني من الناحية اللغوية البحتة: الأمجد، والأشهر، والمستحق للمديح، وإنني أتناول مرجعًا هو قاموس إسكندر، الإغريقي الفرنسي، حيث يفسر كلمة "periqleitos" فيقول: qu' on peut entendre de tous les cotes: qu'il est tacile a entendre. tres celebre: =periqleitos. tres celebre, illustre, glorieux: = periqleyos. tres celebre, illustre, glorieux, = kleos, glorire. renommee, celebrite'. هذا الاسم المركب مكون من: المقطع الأول "Peri"، والمقطع الأخير "Kleotis" وهذا يشتق من التمجيد أو الثناء والاسم الذي أكتبه بالحروف الإنجليزية، وهو: "Periqletos أو "Periqlytos، يعني بالضبط ما يعنيه اسم أحمد باللغة العربية. إن التنزيل القرآني القائل بأن عيسى بن مريم أعلن لبني إسرائيل أنه كان ﴿مُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ ١ واحد من أقوى البراهين على أن محمدًا كان نبيًا وأن القرآن تنزيل إلهي فعلًا، إذ لم يكن في وسعه أبدًا أن يعرف أن كلمة البرقليط كانت تعني "أحمد" إلا من خلال الوحي والتنزيل الإلهي، وحجة القرآن قاطعة ونهائية لأن الدلالة الحرفية للاسم اليوناني تعادل بالدقة ودون شك كلمتي: أحمد، ومحمد.. ومن العلامات الرئيسية للبرقليط: روح الحق، عندما يأتي أنه سوف يبكت العالم على الخطية "يوحنا ١٦: ٨" ولا يوجد عبد آخر من عباد الله، سواء أكان ملكًا مثل

стр. 147

داود وسيلمان، أو نبيًا مثل إبراهيم وموسى، بلغ بهذا التبكيت إلى مداه بتصميم وحماس وشجاعة، كما فعل محمد. فكل خرق للشريعة أو القانون إثم وخطيئة، ولكن الوثنية هي أم الخطايا وأصلها١. فنحن نأثم في حق الله إذا أحببنا شيئًا أكثر من حبنا إياه، ولكن عبادة أي شخص أو كائن آخر إلى جانب الله، تعتبر كفرًا. إن جميع العالمين لله قاموا بإنزال العقوبة على مرتكبي الخطايا من جيرانهم وشعويهم، ولكن لم يفعلوا ذلك على نطاق العالم كله كما فعل محمد، إذ لم يقتصر عمله فقط على اقتلاع الوثنية من شبه الجزيرة العربية أثناء حياته، بل قام بإرسال مبعوثين إلى كسرى أبرويز وهرقل، وهما حاكمان لأعظم إمبراطوريتين "فارس وروما"، وإلى ملك أثيوبيا، وحاكم مصر، والعديد من الملوك والأمراء الآخرين، يدعوهم إلى اعتناق دين الإسلام ونبذ الكفر والعقائد الباطلة. وبدأ هذا التبكيت من محمد بتبليغ كلمة الله كما تلقاها، أي بترتيل آيات من القرآن، ثم بالوعظ والتعليم وممارسة الدين الحقيقي، ولكن عندما عارضته قوى الظلام والكفر بالسلاح، استل سيفه وعاقب العدو الكافر. وكان ذلك تنفيذًا لأمر الله "سفر دانيال: ٧". وقد منح الله لمحمد القوة، والسلطان لتأسيس مملكة الله "الملكوت الموعود"، وليصبح أول أمير وقائد عام لها، تحت سلطة ملك الملوك ورب الأرباب "الله" ... والعلامة الأخيرة، وليست أقل العلامات قيمة للبرقليط هي أنه: "لا يتكلم من نفسه، بل بكل ما يسمع يتكلم به، ويخبركم بأمور آتية" "يوحنا ١٦: ١٣". ولا يوجد شيء أو كلمة أو تعليق من محمد وأصحابه الطاهرين ضمن نصوص القرآن الكريم. فكل محتوياته من كلام الله المنزل، إذ كان محمد ينطق بكلمة الله كما سمعها من جبريل. وكانت تدون على يد كتبة الوحي الأمناء، وكلمات الرسول وأقواله وتعاليمه على قداستها ورفعة قدرها ليست من كلام الله، ولذلك فهي تدعى بالأحاديث.

стр. 148

إذن، أليس هو الفراقليط الحقيقي، حتى بهذا الوصف؟ وهل باستطاعتكم أن تبينوا شخصًا آخر إلى جانب أحمد، لديه كل هذه الصفات المادية والعملية، وتلك العلامات والمميزات التي للفرقليط؟ إنكم لا تستطيعون ... ١. ذلك بعض ما جاء في دراسة هذا العالم، والقس السابق، دافيد بنجامين الكلداني، وانتهت به إلى قبول الإسلام دينا حقًا، وقائمًا على العلم والبرهان. ولقد كان تعليقه على نبوءة المسيح التي ذكرها كاتب إنجيل يوحنا بعد ما لحق بها من تحريف، أن صيغتها الحالية التي تقول على لسان المسيح: "أنا أطلب من الآب فيعطيكم معزيًا آخر ليمكث معكم إلى الأبد" "١٤: ١٦"، أنها تحتاج إلى تصحيح. فهو يقول: "إذا أردنها أن نجد المعنى الحقيقثي لهذا الكلمات المسروقة أو المحرفة على الصورة التالية: "سوف أذهب إلى الآب. وسيرسل لكم رسولًا سيكون اسمه البرقليطوس "أحمد" لكي يبقى معكم إلى الأبد." وبالكلمات التي أضيفت والتي تحتها خط، يعود تواضع عيسى الذي سلب منه"٢. ولقد سبق أن برهنا على أن الحديث عن النبي يمكن أن يعني الحديث عن كتاب الله الذي جاء به إلى الناس. بقيت إضافة لا بد منها، نعرضها باختصار فيما يلي: "أ" صدق تنبؤات الرسول: نطق محمد رسول الله بالقرآن كلام الله، وكان مما جاء فيها تنبؤات عن أحداث المستقبل، سواء ما تعلق بالرسالة والرسول، أو بأحداث تخص القوى الكبرى في العالم آنذاك.

стр. 149

فلقد تنبأ القرآن بحفظ شخص الرسول من مؤامرات الناس، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] . - وتنبأ القر آن بانتصار الإسلام ونبيه، فنزلت آياته والمسلمون آنذاك يعانون الضعف والتعذيب والاضطهاد -تقول: ﴿أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ، سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٤-٤٥] . - وتنبأ القرآن بانتصار الروم على الفرس رغم ما نزل بهم آنذاك من هزائم منكرة، إذ احتلت جيوش فارس: الشام ومصر وبلاد الأناضول، وتقدمت شمالًا حتى بلغت البوسفور. وفي تلك الأثناء نزلت آيات القرآن لتعلن للناس كافة انتصار الروم "في بضع سنين"، ولتبقى إلى الآن تتلى صباح مساء، وتعرف باسم سورة الروم التي تستفح بقول الله: ﴿الم، غُلِبَتِ الرُّومُ، فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ، فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ، بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ، وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ١-٦] . إن هذا يكفي لللتأكيد على أن الرسول الآتي بعد المسيح هو روح الحق، محمد الذي نزل عليه القرآن ليخبر حقًا وصدقًا بالغيب، والذي قال في شأنه المسيح: "ويخبركم بأمور آتية" "١٦: ١٣". "ب" تحريفات كتبة الأسفار وأخطاؤهم: لقد بينا في دراسة سابقة ما انتهى إليه علماء الكتاب "المقدس" من تعرض نصوصه للتحريف والتبديل سواء عن قصد من كتبتها، أو خطأ منهم بسبب سوء الاستنساخ نتيجة لضعف السمع أو البصر أو كليهما.. إلخ١. ولقد بينت هذه الدراسة أن صفة "المعزي" لا تتفق وواقع الحال بعد المسيح.

стр. 150

وإن الغموض الذي لحق بمعناها في اليونانية إنما يرجع إلى تشابه النطق الصوتي لكلملتين يونانيتين نكتبهما كالآتي: سكنر. بالعربية: بيريقليطوس. المعنى: رجل الحمد. أحمد. باراقليطوس. محام. معز "حسب الترجمة الشائعة". لقد تعرضت أسفار الكتاب "المقدس" كثيرًا لهذا النوع من الأخطاء، وتعطينا "دائرة المعارف الأمريكية" أمثلة ملموسة لذلك تتطلب إعادة تصحيح بعض العبارات التي لا يزال الناس يقرءونها إلى اليوم في التراجم المتداولة دون أن يدركوا لها معنى، لأنها لا يمكن أن تعطي معنى مقبولًا على الصورة التي لا تزال عليها حتى الآن. وفي هذا تقول: "وثمة نوع آخر من الأخطاء نجده في المزمور ٤٩: ١١ فالجزء الأول من الفقرة العبرية يمكن ترجمته إلى الإنجليزية كالآتي: their inwardness "qirban" is their homes forever, their dwelling places to all generations. واضح أن هذا الكلام لا معنى له، وقد ترجم في نسخة الملك جيمس بتصرف بعد إضافة الكلمات التي تحتها خط كالآتي: their in ward thought is that their houses shall continue forever, and their dwelling places to all generations وهذه الكلمات المائلة غير موجودة في النص العبري على الإطلاق". وفي الترجمة العربية لنسخة البروتستانت تقرأ هذه الفقرة كالآتي: "باطنهم أن بيوتهم إلى الأبد مساكنهم إلى دور فدور" "المزمور ٤٩".

стр. 151

وتستطرد دائرة المعارف الأمريكية فتقول: "لكننا إذا رجعنا إلى النسخة السبعينية والنسخة السوريانية والنسخة الأرامية. لوجدنا أن هذه الفقرة يمكن ترجمتها إلى الإنجليزية كالآتي: their graves "qibram" are their homes forever, their dwelling places to all generations. وواضح أن الخطأ النسخي نشأ عن تبادل الحرفين b&r كل مكان الآخر، حيث تحولت الكلمة التي كتبت أصلًا "qibam" إلى كلمة "qibam"١. ويمكن ترجمة الفقرة الإنجليزية المذكور آنفا إلى العربية كالآتي: "قبورهم هي بيوتهم ومساكنهم إلى دور فدور". ولا شك أن هذا يعطي معنى مفهوم غير الذي تعطيه الفقرة ١١ من المزمور ٤٩. "ولقد أكد اكتشاف وثائق البحر الميت "عام ١٩٤٧" ضرورة إدخال بعض التغييرات على النسخة العبرية الحديثة كما في سفر أشعياء ٤٩: ٢٤ حيث تستبدل كلمة "البار" المذكورة بها إلى كلمة "الجبار" التي تتفق عليها النسخ السبعينية والسوريانية واللاتينية "وهي تقرأ في الترجمة العربية لنسخة البروتستانت هكذا: "هل تسلب من الجبار غنيمة وهل يفلت سبي المنصور". ويرجح أن يكون خطأ الكاتب في النسخة العبرية الحديثة بسبب تشابه كلمتي البار والجبار. كذلك يرى أغلب العلماء ضرورة تهذيب فقرة من سفر عاموس ٦: ١٢ والتي تقرأ هكذا: "هل تركض الخيل على الصخر أو يحرث عليه بالبقر" -إذ عدم التوافق الموجود في هذه الفقرة يمكن إرجاعه إلى خطأ من الكاتب الإسرائيلي

стр. 152

بسبب ضم كلمتين عبريتين كان يجب فصلهما. وعلى هذا الأساس تكون قراءة النص بعد معالجته كالآتي: "هل تركض الخيل على الصخر أو تحرث الثيران في البحر"١. ليس عجيبًا إذن، أن تتحول كلمة: أحمد، أو رجل الحمد، إلى: المعزي -إذا افترضنا حسن النية- بسبب سوء استنساخ الكلمة اليونانية الأصلية. "جـ" المسيح وأسماء الناس: تبين الأناجيل أن المسيح اعتاد أن يطلق اسمًا آخر على بعض أحبابه، يرى فيه دلالة صادقة تميز شخصية كل منهم. فلقد فعل ذلك مع بعض تلاميذه الاثنى عشر: إذ "جعل لسمعان اسم بطرس، ويعقوب ابن زبدى ويوحنا أخا يعقوب وجعل لهما اسم: بوانرجس، أي ابني الرعد" "مرقس ٣: ١٦-١٧". ومن هنا كان إطلاق المسيح اسم: أحمد -بصيغة أفعل التفضيل هذه- على محمد رسول الله، الآتي إلى الناس من بعده، متفقًا تمامًا وما عرف عنه. وهو برهان واضح، يضاف إلى البراهين الأخرى، التي تؤكد انطباق النبوة التي نطق بها المسيح في إنجيل يوحنا على محمد الرسول روح الحق، إذ تقول إنه "لا يتكلم من نفسه بل كل ما يسمع يتكلم به". لقد عرف بين الناس، قبل النبوة، باسم: محمد، وعرف بينهم بعد النبوة، باسم: محمد، وذكره القرآن بهذا الاسم أربع مرات. وعلى هذا فإن المنطق البسيط يقول إنه لو كان القرآن من عند محمد لكان أولى به أن يذكر في تبشير المسيح به -الذي ذكره القرآن- اسم: محمد، وليس اسم: أحمد.

стр. 153

لكنه النبي الصادق الذي ﴿مَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى، عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم: ٣-٥] . ولهذا جاءت بشارة المسيح في القرآن هكذا: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦] . لقد كانت هذه الإضافات براهين إضافية للتأكيد على تمام انطباق نبوءة المسيح التي ذكرها إنجيل يوحنا- على محمد رسول الله. أما بعد: إن مسيحية اليوم التي تخلط بين الله والمسيح وتقوم على التثليث تعتبر أكبر الديانات اتباعًا فهي تمثل العالم الذي يتعرض لتبكيت شديد في القرآن الذي جاء به محمد يقول: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا، لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا، تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا، أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا، وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا، إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا، لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا، وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: ٨٨-٩٥] . لقد جاء القرآن لينذر: ﴿الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا، مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ [الكهف: ٤-٥] .

стр. 154

حقا، لقد بشر المسيح بنبي الإسلام فقال: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [الصف: ٦] . ولقد ترجم القسيس أوسكان الأرمني سفر أشعياء إلى اللغة الأرمنية وطبعت ترجمته عام ١٧٣٣ وقد جاء في الإصحاح الثاني والأربعين منه هذه الفقرة: سبحوا الله تسبيحًا جديدًا. وأثر سلطنة على ظهره، واسمه أحمد"١. وحين جاء نبي الإسلام كانت المسيحية قد صارت دين الإمبراطورية الرومانية، وكان المسيحيون أمما كثيرة تؤمن باسم المسيح، لكنها تختلف فيه اختلافًا كبيرًا. وصل إلى حد القتال المسلح وإراقة الدماء ورمي كل طائفة من يخالفها المعتقد بالكفر والهرطقة. ولقد تعرض هؤلاء للتبكيت والنذير والوعيد بعد أن جاءهم فيه القول الفصل والقصص الحق: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [النحل: ٦٤] . ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ، الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ، فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ، إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ

стр. 155

قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٥٩-٦٤] . والآن نقول: إن خلاصة بشارة العهدين -القديم والجديد- بنبي الإسلام نقرؤها واضحة في القرآن بعد أن رأينا كيف اتفقت عليها الكتب المقدسة الثلاثة وهي التوراة والإنجيل والقرآن. يقول الحق الرحيم: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ، الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٦-١٥٨] . ثالثًا -بشارات أسفار البراهمة: لقد تميز الباحثون في العقائد والإلهيات من مسلمي شبه القارة الهندية، بالأصالة والعمق والدقة والصبر الجميل. ونخص بالذكر منهم رحمة الله بن خليل الرحمن الهندي مؤلف الكتاب القيم "إظهار الحق" الذي يعتبر مرجع كل العصور في الحوار المسيحي الإسلامي، ثم أبو الحسن الندوي ومؤلفه "ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين" ووحيد الدين خان مؤلف "الإسلام يتحدى" ومولانا أبو الكلام آزاد في بحثه عن "ذي القرنين" ثم مولانا عبد الحق

стр. 156

فديارتي مؤلف كتاب "محمد في الأسفار الدينية العالمية" وفي حقه يقول عباس محمود العقاد: لقد استفاد المؤلف "في مقارناته ومناقضاته بمعرفته للفارسية والهندية والعبرية والعربية وبعض اللغات الأوربية. ولم يقنع فيه بكتب التوراة والإنجيل بل عمم البحث في كتب فارس والهند وبابل القديمة وكانت له في بعض أقواله توفيقات تضارع أقوى ما ورد من نظائرها في شواهد المتدينين كافة، ولا نذكر أننا اطلعنا على شاهد أقوى منها في روايات الأقدمين أو المحدثين من أتباع الديانات الأولى أو الديانات الكتابية"١. يقول عبد الحق: "إن اسم الرسول العربي" أحمد" مكتوب بلفظه العربي في السامافيدا من كتب البراهمة وقد ورد في الفقرة السادسة والفقرة الثانية من الجزء الثاني ونصها: إن أحمد تلقى الشريعة من ربه وهي مملوءة بالحكمة، وقد قبس منه النور كما يقبس من الشمس" وإن وصف الكعبة المعظمة ثابت في كتاب الآثار فافيدا حيث يسميها الكتاب: بيت الملائكة. وفي مواضع كثيرة من الكتب البرهمية يرى المؤلف أن النبي محمدًا مذكور بوصفه الذي يعني الحمد الكثير والسمعة البعيدة"٢. رابعًا- بشارات أسفار المجوسية: يوجد في كتب زرادتشت التي اشتهرت باسم الكتب المجوسية نبوءة في كتاب زندافستا عن "رسول يوصف بأنه رحمة للعالمين "سوشيانت"، ويتصدى له عدو يسمى بالفارسية القديمة أبا لهب "إنجرامينيا"، ويدعو إلى إله واحد لم يكن له كفوًا أحد "هيج جيز باونمار" وليس

стр. 157

له أول ولا آخر ولا ضريع ولا قريع ولا صاحب ولا أب ولا أم ولا صاحبة ولا ولد ولا ابن ولا مسكن ولا جسد ولا شكل ولا لون ولا رائحة. "جزآخاز وإنجام وأنباز ودشمن ومانندويار وبدر ومادر وزن وفرزند وحاى سوى وتن أسا وتناني ورنك وبوي أست"١. رسول العالمين: تبين دقة البناء القرآني إمكانية اختلاف معنى الكلمة الواحدة حين تختلف صورتها من النكرة إلى المعرفة فهناك فرق بين: صاعقة والصاعقة ومطر والمطر، وماء والماء٢. وعلى سبيل المثال فإن كلمة "الماء" في القرآن الكريم تعني دائمًا الماء الذي ينزل من السماء فتقوم به حياة الكائن الحي من نبات وحيوان وإنسان، وهو الماء الذي يتكون من اتحاد عنصري الإيدروجين والأوكسجين اتحادًا كيميائيًا بنسبة وزنية ثابتة. ومن أمثلة ذلك قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٥٧] . أما إذا استخدمت كلمة "ماء" فإنها قد تعني "الماء" الطبيعي كما في قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا، لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا﴾ [الفرقان: ٤٨-٤٩] .

стр. 158

كما أن كلمة "ماء" قد تعني شيئًا آخر غير الماء الطبيعي كما في قوله: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ، خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ [الطارق ٥-٦] . فهذا الذي قيل إنه ماء هو جسم سائل يختلط أمره بالماء ويدخل فيه الماء كأحد مكوناته إلا أنه شيء مختلف عن الماء الطبيعي. كذلك يكون الحال مع كلمة "الكتاب" وما يضاف إليها أو يتعلق بها. فمن المعلوم أن القرآن الكريم قد استخدم لفظ "أهل الكتاب" ليعني اليهود والنصارى أحدهما أو كليهما. فهو يعني اليهود في قوله: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [آل عمران: ٧٢] . وهو يعني النصارى في قوله: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [النساء: ١٧١] . وهو يعني اليهود والنصارى في قوله: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ، يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: ١١٣-١١٤] . إن هذا كله يعني أنه كلما جاءت كلمة "الكتاب" مضافة فإنها لا تشير بالضرورة إلى أهل الكتاب. ولقد حدث الخطأ ووقع المحظور حين ظن بعض المفسرين ذلك في تفسير قوله تعالى في آخر سورة الرعد:

стр. 159

﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٤٣] . يقول ابن كثير في تفسيره: "قيل: نزلت في عبد الله بن سلام. قاله مجاهد، وهذا القول غريب لأن هذه الآية مكية وعبد الله بن سلام إنما أسلم في أول مقدم النبي ﷺ المدينة. وكان ابن جبير ينكر أن يكون المراد بها عبد الله بن سلام ويقول: هي مكية.... والصحيح في هذا أن ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ﴾ اسم جنس". لا شك أن اعتراض ابن جبير على القول بأن هذه الآية نزلت في عبد الله بن سلام إنما هو اعتراض منطقي لأنه قائم على البرهان. لقج أصبح واضحًا لنا الآن أن معنى قوله تعالى: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ لا يقتصر فقط على "أهل الكتاب" إنما يعني كذلك من عنده علم كتب تسربت إليها نبوءات وبشارات تناقلها الناس عن أنبياء الله ورسله الكثيرين ومنهم الذين عاشوا على هذه الأرض ولم ندر من أمرهم شيئًا لأنهم ممن قال الله فيهم: ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ [النساء: ١٦٤] . لذلك وجدنا بشارت النبي في أسفار البراهمة والمجوس بجانب أسفار اليهود والمسيحيين، وما ذلك إلا لأنه رسول الله إلى هذا العالم، فكان أن ارتبط به العالم على اختلاف ملله ونحله، وهتف باسمه ووصفه قبل أن يراه، وصدق فيه قول الحق: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] .

стр. 160

الرسول في القرآن: تمهيد: رسل الله بشر ولدوا جميعًا من نساء جئن من ذرية آدم، اصطفاهم الله واختصهم برسالاته، فهم ﴿عِبَادٌ مُكْرَمُونَ، لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ، يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦-٢٨] . وبين "أمر الله" والعمل في خدمة رسالاته حمل المرسلون أثقالًا وتعرضوا لضغوط عالية ومواقف حرجة وقاسوا محنًا وآلاما وكانت حياتهم جهادا خالصًا في سبيل الله. ومن المسلمات في واقع الحياة أن "الناس معادن" تختلف خواصهم كاختلاف خواص المعادن والخامات الطبيعية فمنها المتميز النادر كالذهب ومنها الرخيص الوفير كالتراب. ومنها الصلد الشديد كالحديد ومنها الطري اللعوب كالزئبق، ومنها.. ومنها ... ومن المسلمات كذلك أن الناس مواهب يختلفون في حظوظهم منها كاختلافهم في الأشكال والألوان. فهذا له يد فنان وذاك شاعر بالسليقة وثالث ذو عقلية رياضية. وهكذا. بعد ذلك يأتي شيء من التعليم والتهذيب -قل أو كثر- ليصقل تلك المواهب ويرتقي بها، فتثبت قدم كل ذي موهبة فيما حظي به. وفي مجال الرسالة الإلهية لا نجد عجبًا يخالف واقع الحياة أو طبيعة الأشياء فالرسل هم أولًا وأخيرًا بشر من الناس إلا أنهم صنعوا على عين "الحق" فكانوا أهلًا لرسالات الله، و ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] .

стр. 161

وترينا دراسة أحوال المرسلين -وخاصة أصحاب الرسالات الكبرى: موسى وعيسى ومحمد- أن الأمور لم تجر دائمًا وفق مشتيئتهم، فلم يكن لهم "من الأمر شيء" لأن "الأمر كله لله"، وما كانوا بين يديه -سبحانه- أكثر من عباد مخلصين. ومن هنا كان الصراع العنيف وكانت المعارك الطاحنة في داخل تلك النفوس البشرية العالية قبل أن تكون في خارجها. ومن المؤكد أن رسل الله -فيما يتلقونه من وحي- ليسوا أكثر من:"أجهزة استقبال" تامة الأمانة والدقة والكفاءة، لا بد أن تبلغ نسبتها العددية ١٠٠%. وفيما عدا ذلك فهم مجتهدون قد يتعرضون لما يتعرض له البشر من هفوات ومآخذ، إلأ أن كونهم أفضل البشر جعل ما يمكن أن يؤخذ عليهم وفق ميزان "الحق" يندرج تحت الحكمة التي تعني أن من حسنات الإبرار ما قد يحسب سيئات للمقربين، باعتبار أن المقربين من الأبرار، وبالتالي كانت موازينهم أدق وحسابهم أصعب. وإذا كنا نعهد في سيرة العظماء من البشر -رغم اختلاف مقاييس العظمة- كأن "القدر" يعدهم لما صار إليهم أمرهم، فمن باب أولى أن تكون عناية القدر برسل الله، قبل أن تأتيهم رسالات السماء. لقد كان أول وحي إلى النبي أرميا ينبئه أنه في رعاية الله قبل أن يخلق: "كانت كلمة الرب إلي قائلًا: قبلما صورتك في البطن عرفتك، وقبلما خرجت من الرحم قدستك: جعلتك نبيًا للشعوب". وكذلك كانت رعاية الله مع المسيح، إذ أوحى إلى يوسف خطيب مريم أمه أن يهرب به إلى مصر خوفًا من بطش هيرودس.

стр. 162

"إذا ملاك الرب ظهر ليوسف في حلم قائلًا: قم وخذ الصبي وأمه واهرب إلى مصر وكن هناك حتى أقول لك، لأن هيرودس مزمع أن يطلب الصبي ليهلكه. فقام وأخذ الصبي وأمه ليلًا وانصرف إلى مصر". وكانت عين الله على رسوله محمد قبل أن يكون وبعد أن كان. فلقد حدث في طفولته ما يرويه: "لقد رأيتني في غلمان قريش ننقل حجارة لبعض ما يلعب به الغلمان. كلنا قد تعرى وأخذ إزاره فجعله على رقبته يحمل عليه الحجارة. فإني لأقبل معهم كذلك وأدبر، إذ لكمني لاكم.. ما أراه لكمة ... وجيعة، ثم قال: شد عليك إرازك، فأخذته وشدتته علي ... ثم جعلت أحمل الحجارة على رقبتي وإزاري علي ... من بين أصحابي"١. ولقد حدث في صباه أن استرعى انتباهه عرس بمكة، تجمع القوم فيه للهو واللعب. فذهب إليه كما يذهب الصبية للمشاهدة والسرور. لكنه لم يلبث أن غلبه النوم، فانتحى خلف الدار ونام حتى أيقظته شمس الصباح. قبل الرسالة: تحقق خبرات الحياة صدق القول بأن "من شب على شيء، شاب عليه" وأن "الإنسان أسير العادة" وما إلى ذلك من الأمثال السائرة والقواعد السلوكية التي لم تعد في حاجة إلى برهان بعد أن صار الواقع لها خير برهان. ذلك أن الإنسان يسهل تشكليه وتهذيبه منذ طفولته إلى نحو العشرين عامًا، وتبدأ الصعوبة في التغيير إلى الثلاثين عامًا، وتكاد تبلغ المستحيلات عند الأربعين عامًا.

стр. 163

فإذا كان رسل الله قد اختيروا رجالًا قاربوا الأربعين من أعمارهم أو تخطوها، فإن هذا يعني أنهم كانوا أصلًا مؤهلين بطبيعتهم البشرية وما درجوا عليه من كريم الخصال وتميز المواهب، لكي يكونوا رسل الله إلى خلقه. فحين جاء أول وحي لإبرهيم أبي الأنبياء "كان "عمره" خمسًا وسبعين سنة". وحين بدأت رسالة موسى "كان موسى ابن ثمانين سنة". وحين بدأت رسالة المسيح "كان له نحو ثلاثين سنة". على أن هناك حالات خاصة من الأنبياء والمرسلين مثل أرميا الذي جاءه الوحي وهو ولد صغير: "قلت: آه يا سيد الرب، إني لا أعرف أن أتكلم لأني ولد. فقال الرب لي: لا تقل إني ولد، لأني إلى كل من أرسلك إليه تذهب وتتكلم بكل ما آمرك به". وكذلك يحيى بن زكريا الذي قال عنه "الحق": ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم: ١٢] . ومحمد رسول الله ليس "بدعًا من الرسل" فقد جاءه الوحي وهو في الأربعين من عمره وقد عرفت أخلاقه وتميزت سماته لكل من خالطه وعرفه. ولذلك نجد "الحق" يقول في وصف الرسول مبكرًا في صدر سورة القلم التي تعتبر ثاني سورة من القرآن ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] . لقد كان خلق محمد هو أول البراهين على صدق ما جاء به، ورصيده الهائل الذي أعد بقدر الله لخدمة الرسالة. فحين فاجأه الحق وهو في غار حراء ونزل عليه الملك بأول سورة "اقرأ" ثم انصرف عنه، رجع رسول الله إلى خديجة يرجف بها فؤاده، حتى إذا دخل عليها قال: "زملوني، زملوني". فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فقال لخديجة:

стр. 164

"أي خديجة، مالي؟ لقد خشيت على نفسي"، ثم أخبرها الخبر، فقالت خديجة: "أبشر، فوالله لا يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق". لقد كانت أخلاق محمد -التي خبرتها خديجة عن كثب- وما اشتهر به بين الناس من جميل المحامد والسجايا، هي حيثيات الحكم التي استندت إليها في التأكيد على صدق ما جاءه، وأنه "الحق" من الله. ولقد حدث ابن عباس قال: "لما أنزل الله : ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ ١، أتى النبي ﷺ الصفا، فصعد عليه ثم نادى: "يا صباحاه". فاجتمع الناس إليه بين رجل يجيء إليه وبين رجل يبعث رسوله. فقال رسول الله ﷺ : "يا بني عبد المطلب، يا بني فهر، يا بني لؤي.. أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلًا بالوادي تريد أن تغير عليكم، أكنتم مصدقي؟ " قالوا: نعم. ما جربنا عليك إلا صدقًا. قال: "إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد". فقال أبو لهب "عمه": تبا لك سائر اليوم. ألهذا جمعتنا؟ ٢. بقي أن نلاحظ في قول الحق: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ ٣، أن كلمة "على" للاستعلاء، وأن الخلق العظيم خاصية من خلقته الطبيعية وفطرة فطر عليها، فدل ذلك على أن الرسول في هذا المجال كالسيد بالنسبة لمن ساد عليه. واستمر خلق الرسول يستخدم كواحد من خير البراهين على صدق رسالته، فكانت آيات القرآن تشير إلى ذلك بين الحين والحين حتى تذكر من جحد نبوته

стр. 165

من عشيرته وقومه بسابق عهدهم به صادقًا وأمينًا، فقد عرفوه عن قرب معرفة الصاحب لصاحبه، وخبروا رجاحة عقله وطيب معدنه. فالذي يأتيه إنما هو وحي السماء استقبلته نفس محمد الطاهرة وعقله الواعي: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ، الْجَوَارِ الْكُنَّسِ، وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ، وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ، إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ، ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ، مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ، وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾ [التكوير: ١٥-٢٢] . وحين حاولوا مداهنته وطلبوا منه قرآنا لا يسفه آلهتهم ولا يدعو إلى نبذ عبادة اللات والعزى ولا يحرم عليهم ما تردوا فيه من خبائث ومنكرات كان قول "الحق": ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ، قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ، فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [يونس: ١٥-١٧] . ثم كانت هذه الدعوة للمكيين بتحرير الفكر وتحري الحقيقة في أمر صاحبهم، وذلك بانبعاثهم مثنى، أو فردًا فردًا، ثم تفكرهم في أمر محمد على ضوء سابق عهدهم به، وحين يصدقون العزم ويتجردون من الهوى، سوف تصدق نتائج تفكيرهم. وهذه الدعوة للتفكير علمية ولا شك، فهي تأخذ في اعتبارها "علم النفس" وخصائص النفس البشرية التي قد تكابر في الحق حين تطرح القضية أمام ملأ من الناس، لكن احتمالات رجوع تلك النفس إلى الحق يكون أكبر حين يخلو

стр. 166

الإنسان بنفسه أو يفكر مع صديق له فآنذاك يرشد كل صاحبه ويستمع الواحد للآخر ولا حرج. ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ [سبأ: ٤٦] . نعم كان خلق محمد قبل الرسالة كافيًا لإيمان القوم به، لكنهم كذبوه جحودًا واستكبارًا لأهواء شخصية ودوافع قبلية ولم يكن تكذيبهم راجعًا لاختلاط أمره عليهم. وفي هذا يقول "الحق": ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣] . بداية الطريق: الرسالة الإلهية طريق غايته الوصول إلى الله ... وهو طريق يهدي الذين أرسل إليهم، كما سبق وقد هدى من قبلهم المرسلين. يهدي الذين أرسل إليهم بكتاب الله وسنة رسوله، بعد أن هدى المرسلين بالوحي الإلهي والتعاليم السماوية. وفي قصة إبراهيم -الذي صار أبا الأنبياء- كان "ابن تسع وتسعين سنة حين ظهر له الرب وقال له: "أنا الله القدير. سر أمامي وكن كاملًا. فأجعل عهدي بيني وبينك وأكثرك كثيرًا جدًا. فسقط إبرام على وجهه وتكلم الله معه قائلًا: أقيم عهدي بيني وبينك وبين نسلك من بعدك في أجيالهم عهدًا أبديًا لأكون إلها لك ولنسلك من بعدك".

стр. 167

إنه طريق إلى الله، يسير فيه الإنسان. ويحتاج المسافر في كل طريق إلى من يأخذ بيده ويهديه الغاية ويعطيه الوسيلة ويحذره المصاعب والأهوال، ويعرفه القواعد والأحكام. هكذا الطريق إلى الله. ومن أعلم بالطريق إليه -سبحانه- إلا هو، فهو الذي يهدي إليه، ولا هدي إلا به. إذ يرسل ملائكته سفرة حفظة، بكتبه المكرمة إلى رسله المصطفين الأخيار والطريق شاق وطويل ... هكذا كان مع نوح وإبراهيم وموسى وإلياس. ويحيى وعيسى، وهكذا كان مع محمد. النبأ العظيم: فجيء الوحي محمدًا في غار حراء، فأوحى إليه ما أوحى وصاحب ذلك ما صاحبه من خوف وربهة. ويقص محمد الخبر على خديجة، فتخفف من روعه بادي الرأي استنادًا إلى خبرتها الوثيقة. لكن الأمر لا يقف عند هذا الحد، فما كان خبر السماء إلا ليؤخذ بكل الجد ويستيقن منه بالبحوث والتجارب. وهناك يحدث أمران هما بمقياس العصر تجارب معملية كتلك التي تجرى لدراسة ظاهرة من الظواهر الطبيعية. الأول: انطلقت خديجة إلى ابن عمها ورقة بن نوفل وكان قد عرف خبر الوحي من الأسفار السابقة، فلما أخبرته بما حدث لمحمد وما رآه وسمعه أطرق مليًا ثم قال: "قدوس قدوس.. والذي نفس ورقة بيده: لئن كنت صدقتني يا خديجة لقد جاءه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى وإنه لنبي هذه الأمة فقولي له فليثبت".

стр. 168

الثاني: طلبت خديجة إلى محمد أن يخبرها بمجيء الملك متى رآه. فلما جاء الملك أجلست زوجها محمدا على فخذها الأيسر ثم على فخذها الأيمن ثم في حجرها وفي كل مرة تسأله عنه فيخبرها أنه لا يزال يراه. حتى إذ حسرت وألقت خمارها فإذا بمحمد لم يعد ير الملك. لم يبق -إذن- شك في أن هذا الذي يأتيه هو ملك طاهر، كما لم تبق هناك أية فرصة للشك في أن محمدًا وخديجة كانا أكثر الناس حرصًا على التثبت من حقيقة هذا الأمر الجديد الذي لا عهد لهم ولأمتهم به. ولقد رأينا عند الحديث عن الوحي١ كيف صار صموئيل نبيًا فقد كان يخدم أمام الكاهن عالي، وبعد أن اضطجع للنوم، إذ به يسمع صوتًا يناديه فظنه عالي، فذهب إليه فقال عالي: "لم أدع، ارجع واضطجع"، ولما تكرر ذلك للمرة الثالثة "فهم عالي أن الرب يدعو الصبي فقال عالي لصموئيل: اذهب اضطجع ويكون إذا دعاك تقول: تكلم يا رب لأن عبدك سامع ... فجاء الرب ... ودعا كالمرات الأولى ... فقال صموئيل: تكلم لأن عبدك سامع ... وكبر صموئيل وكان الرب معه.. وعرف جميع إسرائيل ... أنه قد أؤتمن صموئيل نبيا للرب". فهكذا صار صموئيل نبيًا للرب في ساعة من ساعات الليل وبكل بساطة وبلا جدل أو تمحيص. ويعتبر صموئيل هذا من كبار أنبياء بني إسرائيل وهو الذي اعتمد شاول كأول ملك يقوم في إسرائيل وهو الذي مسح داود نبيًا "وحل روح الرب على داود من ذلك اليوم فصاعدًا".

стр. 169

فروض وتكاليف: من الطبيعي أن يبدأ التعليم الإلهي بالرسول.. وهكذا كان فلقد فرض عليه القيام بالليل، تعبدًا لله وتهذيبًا، وبعد أن انقضى عهد الراحة والنوم متزملًا ومتدثرًا.. وبدأ عهد جديد كله عمل وكفاح وصبر وجهاد. وهو عمل في دوائر متحدة المركز تماثل تلك الدوائر التي تنبعث على سطح الماء لبحيرة هادئة إذا ما أصابتها قذيفة. وحين نبدأ بالرسول في المركز نجد أقرب دائرة إليه أهل بيته، ثم صحبه المخلصين، ثم عشيرته الأقربين. وهكذا نزلت أولى آيات سورة المزمل لتقول: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ، قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا، نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا، أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: ١-٤] . هو فرض وتكليف، إذا صرفنا النظر عن كونه شغلًا مبذولًا وطاقة مستنفذة فلا شك أن النفس العالية لا بد وأن تستقبل ذلك التكليف بشيء من الخوف والرهبة، حذرًا من الضعف الذي ارتبط بالإنسان، أو مخافة عدم الإتقان. لكنه -في الحقيقة- تكليف غلفته رحمة الله، ذلك أن النفس البشرية بطبيعتها تشعر بشيء من الراحة ويهون عليها الصعب حين تجد لها فيه خيارًا. وهكذا كان فرض قيام الليل، إذ ترك الخيار في مقداره فزال بذلك الحرج وخف التكليف. ولكي يعلم الرسول حقيقة ما انفتح عليه من السماء كانت الآية التالية لما سبق ذكره من سورة المزمل تخبر بكل وضوح أنه يتعرض لضغط عال من السماء يجب أن يستعد له منذ تلك اللحظة فهي تقول: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل: ٥] . لقد كان نزول القرآن على الرسول عملية تصحبها الشدة ويلازمها الضغط الثقيل، وحين قال عبد الله بن عمرو: يا رسول الله. هل تحس بالوحي؟

стр. 170

أجابه الرسول يقول: $"أسمع صلاصل، ثم أسكت عند ذلك فما من مرة يوحى إلي إلا ظننت أن نفسي تقبض". وقال زيد بن ثابت: "أنزل على رسول الله ﷺ وفخذه على فخذي، فكادت ترض فخذي". وأما من الناحية الموضوعية فإن القرآن حجة على كل من بلغه وشاهد له أو عليه يوم الدين، فأمره جد ليس بالهزل، وهو نبأ عظيم، يلازمه من الأمور ما يلازم كل نبأ عظيم. ثم تأتي مرحلة جديدة وهي إعلان الرسالة في الدائرة التالية، نذيرًا وبشيرًا لقوم يسمعون مع زيادة في التعليم لما يجب أن يكون عليه حال الرسول. فقد نزلت سورة المدثر لتقول: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ، قُمْ فَأَنْذِرْ، وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ، وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ، وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ، وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ، وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ [المدثر: ١-٧] . لقد بدأ الصراع ولا محيص، ذلك أن العرب حين نزل فيهم القرآن كانوا أمة أمية، عزلتها الصحراء وطبعت عليها من سماتها الشيء الكثير، فآثرت الحفاظ على تراث الأقدمين بكل ما فيها من مساوئ، ومثالب. وهي مستعدة للقتال ضد كل تطور أو دعوة لنبذ ذلك القديم. حتى ولو كانت هذه الدعوة من السماء. محنة روحية: نزل الوحي بالقرآن وبدأت نواة الإسلام في بيت محمد فكان السابقون إليه زوجه خديجة، وابن عمه وربيبه الصبي علي بن أبي طالب، ومولاه زيد بن حارثة، ثم كان السابقون بعد بيته يتقدمهم "صاحبه وصديقه الحميم أبو بكر الذي آمن لفوره، دون أن يكون له في الإسلام كبوة، والذي طفق يدعو إليه منذ

стр. 171

اللحظة الأولى من وثق فيهم من القوم فتابعه على الإسلام عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف وطلحة بن عبيد الله وسعد بن أبي وقاص والزبير بن العوام. ثم أسلم بعد ذلك أبو عبيدة بن الجراح وغيره كثير من أهل مكة". وكان الواحد منهم إذا هدي إلى الإسلام ذهب إلى النبي سرًا فأعلن إسلامه. وكان ذلك التخفي راجعًا إلى علم المسلمين الأوائل بما يضمره المجتمع القرشي من عداوة شديدة لكل من يفكر في الخروج على آلهته المتوارثة ومعبوداته الوثنية. لكن أمر الوحي ونزول القرآن وإعلان نبوة محمد كان خبرًا يذاع منذ اللحظة الأولى ويكفي ما أعلنته خديجة لورقة بن نوفل وهي تستقي منه الخبر الذي لم تعهده العرب منذ قرون عديدة.. وما كان هذا الخبر بالذي يمكن كتمانه في مثل تلك البيئة التي اشتهرت بتناقل الأخبار وتقصي الروايات، وكان عندها من الفراغ الذهني والفكر ما يجعلها تذيع كل ما تلتقطه الآذان صباح مساء. وإذا بمفاجأة لم يتقوقعها الرسول تحدث. لقد توقف الوحي، إذ انقضت ليلة وليلتان وليالي وآيام ولا خبر من السماء. وذاع هذا الأمر -كالمعتاد- وشمت الشامتون من الكفار وقالوا: إن محمدًا ودعه ربه، وأشفق الصحب من المسلمين ولعل منهم من حدثته نفسه فقال للنبي: ما أرى ربك إلا قد قلاك. وبين هذا وذاك عانى النبي في تلك المحنة الروحية الشيء الكثير، حتى ترانا لا نعجب حين نقرأ لكتاب السيرة وهم يتحدثون عن فتور الوحي فيقولون: إن النبي هانت عليه نفسه وتمنى لو ألقى بها من أعلى جبل حراء أو أبى قبيس بعد أن ألفى نفسه وحيدًا هكذا كالمعلق بين السماء والأرض. لقد سبق أن طلب موسى من الله الموت لنفسه حين ثقل عليه الأمر مع بني إسرايل: "فقال موسى للرب: لماذ أسأت إلى عبدك، ولماذا لم أجد نعمة في عينيك حتى إنك وضعت ثقل جميع هذا الشعب علي؟

стр. 172

إن كنت تفعل بي هكذا فاقتلني قتلًا.. فلا أرى بليتي" "العدد ١١: ١١-١٥". وكذلك طلب إلياس "إيليا" الموت لنفسه بعد أن أرهقته مطاردة آخاب ملك إسرائيل الفاجر وزوجته إيزابل وهما يطلبان قتله، فإذا ثقل عليه الأمر واشتد الكرب "سار في البرية مسيرة يوم حتى أتى وجلس تحت رتمة وطلب الموت لنفسه وقال: قد كفى الآن يا رب. خذ نفسي" "الملوك الأول ١٩: ٤". لكن ﴿رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦] . فما لبث الوحي أن عاد للنزول بعد أن فتر حينًا تعلم فيه النبي الصبر والتعلق كلية بالله الذي وحده "له الخلق والأمر". وكانت سورة الضحى خير عزاء للرسول وبشرى وتثبيت: ﴿وَالضُّحَى، وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى، مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى، وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى، وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى: ١-٥] . واستمر الوحي نزولًا وآيات الله تترى، حتى إذا انقضت عدة سنوات تعرض النبي لتجربة أخرى تناظر تلك المحنة الروحية التي فجأته في صدر الدعوة فإذا كانت الحرب على أشدها بين القرشيين وأشياعهم من جابب، ومحمد والمسلمين من جانب آخر.. "بعثت قريش النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط إلى أحبار يهود بالمدينة فقالو لهم: سلوهم عن محمد وصفوا لهم صفته وأخبروهم بقوله، فإنهم أهل الكتاب الأول وعندهم ما ليس عندنا من علم الأنبياء. فقال "أحبار اليهود": سلوه عن ثلاث.. فإن أخبركم بهن فهو نبي مرسل، وإلا فرجل متقول فتروا فيه رأيكم: سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول.. وعن رجل طواف بلغ مشارق الأرض ومغاربها.. وسلوه عن الروح ما هو؟ ... فأقبل النضر وعقبة حتى قدما على قريش. فقالا: يا معشر قريش، قد جئناكم بفصل ما بينكم وبين محمد وقد أمرنا أحبار يهود أن نسأله عن أمور،

стр. 173

فأخبرهم بها فجاءوا رسول الله ﷺ فقالوا: يا محمد أخبرنا فسألوه عما أمروهم به فقال لهم رسول الله ﷺ : "أخبركم غدًا عما سألتم عنه" ولم يستثن، فانصرفوا عنه. ومكث رسول الله ﷺ خمس عشرة ليلة لا يحدث الله له في ذلك وحيًا ولا يأتيه جبرائيل ﵇، حتى أرجف أهل مكة وقالوا: وعدنا محمد غدا، واليوم خمس عشرة قد أصبحنا فيها لا يخبرنا بشيء عما سألنا عنه، وحتى أحزن رسول الله ﷺ مكث الوحي عنه وشق عليه ما يتكلم به أهل مكة. ثم جاءه جبرائيل ﵇ من الله بسورة أصحاب الكهف وفيها معاتبته إياه على حزنه عليهم وخبر ما سألوه عنه"١. لم يقل الرسول لمن سألوه: "أخبركم غدًا عما سألتم عنه إلا أن يشاء الله" فكان ذلك الحرج الشديد والأذى والمعاناة". إنه نبي ورسول من عند الله، كل كلمة بل كل حرف وتصرف بحساب وإلا فهناك حساب يتناسب وأقدار الرجال. ثم نزل التعليم الإلهي للرسول بأن نزول الملائكة بالوحي عبر الزمان لكل الأنبياء والمرسلين لا يتم إلا بأمر الله الذي له وحده المشيئة المطلقة "وهو الحكيم الخبير". ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤] . وتطالعنا الآن نتيجة حتمية أكدتها أحداث الرسالة في الإسلام -سبق أن أشرنا إليها- وهي أن رسل الله تحت ضغط الوحي ليسوا أكثر من "أجهزة استقبال" تامة الدقة والأمانة بالغة الحساسية، فحين تأتيها الإشارة من السماء

стр. 174

تلتقطها وتذيعها، أما حين يتوقف الإرسال فلا استقبال ولا إذاعة، بصرف النظر عما يصيب رسل الله آنذاك من حرج وأذى وضيق، إذ إن الأمر كله لله وهم خدم في بيت رسالته. الرسول بين يدي الله: تقرير واقع: نزلت سورة الضحى لتطمئن الرسول وتشف صدور المؤمنين وتذهب غيط قلوب الكافرين ثم تذكر الرسول بواقع الأمر فتقول له: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى، وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى، وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ [الضحى: ٦-٨] . هذه حقائق ثلاث كانت في حياة الرسول، يهمنا منها ما يتصل بالدين. فمن المعلوم أنه -صلوات الله عليه- نشأ في أمة أمية وفي مجتمع وثني، عزفت نفسه المطهرة عن المشاركة في سفاهات قومه على أية صورة من الصور، فلقد أيقن بفطرته السوية أنهم في معتقداتهم الدينية على باطل لا مراء فيه، ولكن أين الحق إذن؟ إن هذا ما تطلعت نفسه دائمًا لإدراكه وكانت وسيلته الوحيدة هي التباعد عما فيه قومه، ثم التفكير وحيدًا في هذا الكون العظيم وظواهره ونواميسه. ولقد طاب له التأمل والتفكير وهو يرعى الغنم في الصحراء ثم وجد في التحنت أو التحنف خير داواء مستطاع لما يختلج في صدره، فكان يذهب إلى غار بجبل حراء فيقضي فيه ما شاء الله من ليالي وأيام يفكر في الكون وخالقه، ثم يعود إلى خديجة بعد أن يكون قد نفد ما معه من قليل الزاد. ولم يلبث أن تعهدته العناية الإلهية بالرؤيا الصادقة -التي تعتبر إرهاصًا للوحي في حياة الأنبياء- فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت صادقة كنور الصباح. وأخيرًا جاء الحق وحيًا من الله، قرآنًا. لقد هداه الله فعرفه الحق وسبله، فالهدى يعني التعريف بالطريق كما في

стр. 175

قوله تعالى في سورة البلد ١٠: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ أي عرفنا الإنسان طريقي الخير والشر، فيسلك الأول، ويجتنب الثاني. وكذلك قوله في سورة الصافات ٢٣: ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ أي أرشدوهم إلى طريق جهنم. والضلال عكس الهدى بمعنى الجهل بالشيء كما يقال في اللغة: ضللت الدار -أي لم أعرف موضعها. والضلال يعني النسيان كذلك وعدم الإلمام بالشيء، أو جزئياته أو إهماله كما في قوله تعالى في آية التداين من سورة البقرة ٢٨٢: ﴿فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ . فضلال الشاهدة هنا يعني نسيانها حقيقة الشهادة. وحين قال فرعون لموسى، وهو يمن عليه بما كان من سابق أمره حين تربى في بيت الملك، ثم قتل المصري وهرب إلى مدين -ما تذكره سورة الشعراء ١٨-٢١: ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ، وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ، قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ، فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ . فقول موسى: ﴿وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾ أي الجاهلين بالحقائق، كما تعني كذلك حال موسى قبل النبوة والرسالة. وعلى ضوء هذا نفهم معنى قوله تعالى لنبيه: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ ١. فقول الله حق، ﴿وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ ٢.

стр. 176

على أن لهذا القول دلالة لا تخفى على كل من ﴿كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ ١ فهذا القول يعني أن محمدًا الذي اشتهر بالأمانة -قبل الرسالة- بين الناس، لهو أشد أمانة فيما يتنزل إليه من ربه من قرآن. إن القرآن هو الذكر الحكيم، وما أنزل الله ﴿إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ ٢ ولقد صرفه -سبحانه- بين الناس ليذكروا، ﴿فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ٣ ولهذا نجد القرآن يعيد التذكرة بعد سنوات من نزول سورة الضحى فيقول: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍوَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم﴾ [الشورى: ٥٢] . بل إن القرآن ليقرر حقيقة نبؤها عظيم وأمرها جد، فيقول للرسول على لسان "الحق" إنه لا يملك من أمر القرآن بعد نزوله شيئًا، كما أنه لم يكن يملك من أمره شيئًا قبل التنزيل. فالله قادر أن يذهب بما أوحى، وآنذاك يجد الرسول نفسه وقد تقطعت به كل الأسباب. ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا، إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٦-٨٧] . ولا عجب. فالأمر كله لله، ليس الأمر فقط، بل له سبحانه "الخلق والأمر" فهو الذي يملك السمع والأبصار و.. يدبر الأمر". وفي تذكرة للإنسان، يقول القرآن: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ﴾ [الأنعام: ٤٦] .

стр. 177

فالله وحده له المشيئة في كل شيء: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى، إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى، وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى﴾ [الأعلى: ٦-٨] . ولقد كان الأنبياء جميعًا واعين لتلك الحقيقة الهامة، وهي أن الإيمان الذي ملأ قلوبهم هو في قبضة "الحق"، وعلى المؤمن الحقيقي أن يسأل الله دائمًا الثبات على اليقين والترقي في مراتب الإيمان. ولهذا قال إبراهيم أبو الأنبياء في محاوراته مع قومه: ﴿أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ، وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨-٨٢] . وعلى شاكلة إبراهيم -ومن بعده- كان موقف شعيب مع قومه، إذ: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ، قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾ [الأعراف: ٨٨-٨٩] . ليس الإيمان فقط -وهو الشيء غير المادي -الذي يرد حفظه إلى الله، بل إن كتاب الله المسطور يرد حفظه إلى الله كذلك، فإن شاء حفظه وإن شاء استحفظ عليه البشر. وفي هذه الحالة الأخيرة يصبح معرضًا -ولا شك- للتغير والتبديل، لأن الزيغ من طبع الإنسان.

стр. 178

وما حدث لتوراة موسى خير دليل على ذلك. فحين ذهب موسى لميقات ربه يتلقى التوراة بعد أن استخلف أخاه هارون في قيادة بني إسرائيل أعطى الله "موسى عند فراغه من الكلام معه في جبل سيناء لوحي الشهادة، لوحي حجر مكتوبين بأصبع الله". لكن الشعب الإسرائيلي انتهز فرصة غياب موسى فخرج على قيادة هارون وضع له عجلًا مسبوكًا من الذهب غنمه من المصريين قبل رحيله وقام يعبده ويلعب حوله. "فقال الرب لموسى: اذهب انزل لأنه قد فسد شعبك الذي أصعدته من أرض مصر.. صنعوا لهم عجلًا مسبوكًا وسجدوا له. فحمي غضب موسى وطرح اللوحين من يديه وكسرهما في أسفل الجبل". لقد كسر موسى بنفسه التوراة التي كتبتها يد القدرة ولم يجف مدداها بعد ... ولذلك "قال الرب لموسى: انحت لك لوحين من حجر مثل الأولين فأكتب أنا على اللوحين الكلمات التي كانت على اللوحين اللذين كسرتهما.. واصعد في الصباح إلى جبل سيناء". ولكن الذي حدث بعد ذلك أن موسى هو الذي كتب التوراة، فقد: "قال الرب لموسى: اكتب لنفسك هذه الكلمات، فكتب على اللوحين كلمات العهد، الكلمات العشر". ومن المعلوم أن التوراة تعرضت بعد ذلك للحرق والضياع، وقد أعاد عزرًا كتابتها بعد أكثر من ٧٠٠ عام من نزولها على موسى. هذا.. ولما كان "النبي" هو الذي ينبئ عن الله، أي يخبر الناس بما يريد "الحق" سبحانه -أن يظهره إلى الخلق، فإن "النبي" لا يستطيع أن يحدث بشيء من الغيب إلا ما شاء الله.

стр. 179

وكانت "الساعة" من الأمور التي بقي علمها عند الله فخفيت عن جميع الأنبياء والمرسلين. ولقد كان كفار قريش ينكرون القيامة والساعة وكأنهم أرادوا تعجيز الرسول فسألوه عنها سؤال المنكر المصر على جحوده فجاء الحق يقول: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٧] . ومن قبل قرر المسيح لتلاميذه أن القيامة والساعة شيء اختص الله بعلمه، فأخفاه عن جميع خلقه بما فيهم الملائكة والمسيح، فقد قال لهم: "أما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بهما أحد ولا الملائكة الذين في السماء، ولا الابن، إلا الآب". ومن الطبيعي أنه ما دام أمر الساعة قد خفي عن كبار الأنبياء، فإن مصائر البشر الأبدية التي تتقرر في الساعة، لا تتقرر إلا بأمر الله ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٣] . وحتى أنبياء الله ﴿لَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٨] . بل إن ملائكة الله لا يشفعوه إلا من بعد إذنه: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم: ٢٦] فالأمر متوقف آنذك على رضوان الله وحده لا شريك له.

стр. 180

ويقطع تاريخ الأنبياء بأن النبوة لا تعني مداومة النبي الاطلاع على الغيب، فكلهم لم يعلم منه شيئًا إلا ما أظهره الله عليه وفق قدره المحكم والمحتوم. فقد حدث لإبراهيم حين تغرب في أرض جرار أن قال عن سارة زوجته إنها أخته، فلما أنكر زوجيتها له "أرسل أبيمالك ملك جرار وأخذ سارة" ليعاشرها معاشرة الأزواج "فجاء الله إلى أبيمالك في حلم الليل وقال له: هأنت ميت من أجل المرأة التي أخذتها، فإنها متزوجة ببعل ... فبكر أبيمالك في الغد ودعا جميع عبيده ... ثم دعا أبيمالك إبراهيم وقال له: ماذا فعلت بنا.. حتى جلبت علي وعلى مملكتي خطية عظيمة. فقال إبراهيم: إني قلت ليس في هذا الموضع خوف الله ألبتة فيقتلونني لأجل امرأتي" "تكوين ٢٠" فمن الواضح أن إبراهيم كان لا يعلم ما ينتظره في الغد ولذلك أنكر زوجيته لسارة. وحدث بعد ذهاب موسى وأخيه هارون إلى فرعون ليخرجا بني إسرائيل من مصر أن فرعون زاد من اضطهاده للإسرائيليين "فرأى مدبرو بني إسرائيل أنفسهم في بلية ... وصادفوا موسى وهارون واقفين للقائهم حين خرجوا من لدن فرعون فقالوا لهما: ينظر الرب إليكما ويقضي لأنكما أنتنتما رائحتنا في عيني فرعون وفي عيون عبيده حتى تعطيا سيفًا في أيديهم ليقتلونا. فرجع موسى إلى الرب وقال: يا سيد، لماذ أسأت إلى هذا الشعب؟ لماذ أرسلتني؟ فإنه منذ دخلت إلى فرعون لأتكلم باسمك أساء إلى هذا الشعب، وأنت لم تخلص شعبك" "خروج ٥: ١٩-٢٣". فمن الواضح أن موسى كان يجهل الأحداث الجسام التي تنتظره وبني إسرائيل، ومنها تخليصهم من قبضة فرعون في أيام معلومات.
следующие страницы →