على أن لهذا القول دلالة لا تخفى على كل من ﴿كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ ١ فهذا القول يعني أن محمدًا الذي اشتهر بالأمانة -قبل الرسالة- بين الناس، لهو أشد أمانة فيما يتنزل إليه من ربه من قرآن.
إن القرآن هو الذكر الحكيم، وما أنزل الله ﴿إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ ٢ ولقد صرفه -سبحانه- بين الناس ليذكروا، ﴿فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ٣ ولهذا نجد القرآن يعيد التذكرة بعد سنوات من نزول سورة الضحى فيقول: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍوَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم﴾ [الشورى: ٥٢] .
بل إن القرآن ليقرر حقيقة نبؤها عظيم وأمرها جد، فيقول للرسول على لسان "الحق" إنه لا يملك من أمر القرآن بعد نزوله شيئًا، كما أنه لم يكن يملك من أمره شيئًا قبل التنزيل. فالله قادر أن يذهب بما أوحى، وآنذاك يجد الرسول نفسه وقد تقطعت به كل الأسباب.
﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا، إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٦-٨٧] .
ولا عجب. فالأمر كله لله، ليس الأمر فقط، بل له سبحانه "الخلق والأمر" فهو الذي يملك السمع والأبصار و.. يدبر الأمر".
وفي تذكرة للإنسان، يقول القرآن: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ﴾ [الأنعام: ٤٦] .
стр. 177
فالله وحده له المشيئة في كل شيء:
﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى، إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى، وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى﴾ [الأعلى: ٦-٨] .
ولقد كان الأنبياء جميعًا واعين لتلك الحقيقة الهامة، وهي أن الإيمان الذي ملأ قلوبهم هو في قبضة "الحق"، وعلى المؤمن الحقيقي أن يسأل الله دائمًا الثبات على اليقين والترقي في مراتب الإيمان. ولهذا قال إبراهيم أبو الأنبياء في محاوراته مع قومه: ﴿أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ، وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨-٨٢] .
وعلى شاكلة إبراهيم -ومن بعده- كان موقف شعيب مع قومه، إذ: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ، قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾ [الأعراف: ٨٨-٨٩] .
ليس الإيمان فقط -وهو الشيء غير المادي -الذي يرد حفظه إلى الله، بل إن كتاب الله المسطور يرد حفظه إلى الله كذلك، فإن شاء حفظه وإن شاء استحفظ عليه البشر. وفي هذه الحالة الأخيرة يصبح معرضًا -ولا شك- للتغير والتبديل، لأن الزيغ من طبع الإنسان.
стр. 178
وما حدث لتوراة موسى خير دليل على ذلك.
فحين ذهب موسى لميقات ربه يتلقى التوراة بعد أن استخلف أخاه هارون في قيادة بني إسرائيل أعطى الله "موسى عند فراغه من الكلام معه في جبل سيناء لوحي الشهادة، لوحي حجر مكتوبين بأصبع الله".
لكن الشعب الإسرائيلي انتهز فرصة غياب موسى فخرج على قيادة هارون وضع له عجلًا مسبوكًا من الذهب غنمه من المصريين قبل رحيله وقام يعبده ويلعب حوله.
"فقال الرب لموسى: اذهب انزل لأنه قد فسد شعبك الذي أصعدته من أرض مصر.. صنعوا لهم عجلًا مسبوكًا وسجدوا له.
فحمي غضب موسى وطرح اللوحين من يديه وكسرهما في أسفل الجبل".
لقد كسر موسى بنفسه التوراة التي كتبتها يد القدرة ولم يجف مدداها بعد ...
ولذلك "قال الرب لموسى: انحت لك لوحين من حجر مثل الأولين فأكتب أنا على اللوحين الكلمات التي كانت على اللوحين اللذين كسرتهما.. واصعد في الصباح إلى جبل سيناء".
ولكن الذي حدث بعد ذلك أن موسى هو الذي كتب التوراة، فقد:
"قال الرب لموسى: اكتب لنفسك هذه الكلمات، فكتب على اللوحين كلمات العهد، الكلمات العشر".
ومن المعلوم أن التوراة تعرضت بعد ذلك للحرق والضياع، وقد أعاد عزرًا كتابتها بعد أكثر من ٧٠٠ عام من نزولها على موسى.
هذا.. ولما كان "النبي" هو الذي ينبئ عن الله، أي يخبر الناس بما يريد "الحق" سبحانه -أن يظهره إلى الخلق، فإن "النبي" لا يستطيع أن يحدث بشيء من الغيب إلا ما شاء الله.
стр. 179
وكانت "الساعة" من الأمور التي بقي علمها عند الله فخفيت عن جميع الأنبياء والمرسلين.
ولقد كان كفار قريش ينكرون القيامة والساعة وكأنهم أرادوا تعجيز الرسول فسألوه عنها سؤال المنكر المصر على جحوده فجاء الحق يقول:
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٧] .
ومن قبل قرر المسيح لتلاميذه أن القيامة والساعة شيء اختص الله بعلمه، فأخفاه عن جميع خلقه بما فيهم الملائكة والمسيح، فقد قال لهم:
"أما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بهما أحد ولا الملائكة الذين في السماء، ولا الابن، إلا الآب".
ومن الطبيعي أنه ما دام أمر الساعة قد خفي عن كبار الأنبياء، فإن مصائر البشر الأبدية التي تتقرر في الساعة، لا تتقرر إلا بأمر الله ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٣] .
وحتى أنبياء الله ﴿لَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٨] .
بل إن ملائكة الله لا يشفعوه إلا من بعد إذنه:
﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم: ٢٦] فالأمر متوقف آنذك على رضوان الله وحده لا شريك له.
стр. 180
ويقطع تاريخ الأنبياء بأن النبوة لا تعني مداومة النبي الاطلاع على الغيب، فكلهم لم يعلم منه شيئًا إلا ما أظهره الله عليه وفق قدره المحكم والمحتوم.
فقد حدث لإبراهيم حين تغرب في أرض جرار أن قال عن سارة زوجته إنها أخته، فلما أنكر زوجيتها له "أرسل أبيمالك ملك جرار وأخذ سارة" ليعاشرها معاشرة الأزواج "فجاء الله إلى أبيمالك في حلم الليل وقال له: هأنت ميت من أجل المرأة التي أخذتها، فإنها متزوجة ببعل ...
فبكر أبيمالك في الغد ودعا جميع عبيده ... ثم دعا أبيمالك إبراهيم وقال له: ماذا فعلت بنا.. حتى جلبت علي وعلى مملكتي خطية عظيمة.
فقال إبراهيم: إني قلت ليس في هذا الموضع خوف الله ألبتة فيقتلونني لأجل امرأتي" "تكوين ٢٠" فمن الواضح أن إبراهيم كان لا يعلم ما ينتظره في الغد ولذلك أنكر زوجيته لسارة.
وحدث بعد ذهاب موسى وأخيه هارون إلى فرعون ليخرجا بني إسرائيل من مصر أن فرعون زاد من اضطهاده للإسرائيليين "فرأى مدبرو بني إسرائيل أنفسهم في بلية ...
وصادفوا موسى وهارون واقفين للقائهم حين خرجوا من لدن فرعون فقالوا لهما:
ينظر الرب إليكما ويقضي لأنكما أنتنتما رائحتنا في عيني فرعون وفي عيون عبيده حتى تعطيا سيفًا في أيديهم ليقتلونا.
فرجع موسى إلى الرب وقال: يا سيد، لماذ أسأت إلى هذا الشعب؟ لماذ أرسلتني؟
فإنه منذ دخلت إلى فرعون لأتكلم باسمك أساء إلى هذا الشعب، وأنت لم تخلص شعبك" "خروج ٥: ١٩-٢٣".
فمن الواضح أن موسى كان يجهل الأحداث الجسام التي تنتظره وبني إسرائيل، ومنها تخليصهم من قبضة فرعون في أيام معلومات.
стр. 181
وحين ضاقت السبل بإيليا من مطاردة آخاب وإيزابل فإنه "جلس تحت رتمة وطلب الموت لنفسه وقال: قد كفى الآن يا رب خذ نفسي.
وإذا بملاك قد مسه وقال: قم وكل. ثم عاد ملاك الرب ثانية فمسه وقال: قم وكل لأن المسافة كبيرة عليك. فقام وأكل وشرب وسار بقوة تلك الأكلة أربعين نهارًا وأربعين ليلة إلى جبل الله حوريب ودخل هناك المغارة وبات فيها" "الملوك الأول ١٩: ٤-٨".
فمن الواضح أيضًا أن نفس إيليا ما كانت تدري ﴿مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ وما كانت تدري ﴿بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ ٢.
ولقد حدث حين شعر المسيح بمؤامرات اليهود تحاك ضده وأنهم يريدون قتله، أن قال لهم في الهيكل: "تعليمي ليس لي بل للذي أرسلني.. لماذا تطلبون أن تقتلوني ... وكان يسوع يتردد بعد هذا في الجليل، لأنه لم يرد أن يتردد في اليهودية لأن اليهودكانوا يطلبون أن يقتلوه".
واستمرت هذه سياسة المسيح تجاه اليهود في تجنب الأماكن التي يمكنهم اصطياده فيها:
"فمن ذلك اليوم تشاوروا ليقلتوه. فلم يكن يسوع أيضًا يمشي بين اليهود علانية بل مضى من هناك إلى الكورة القريبة من البرية إلى مدينة يقال لها أفرايم ومكث هناك مع تلاميذه" "يوحنا ١١: ٥٣-٥٤".
فمن الواضح أن المسيح كان يجهل تمامًا ما يخبئه له القدر في صراعه مع اليهود، ولذلك اتخذ من الاحتياطات ما ارتآه معينًا على إفشال مخططاتهم ضده.
لأنه لو كان يعلم أنهم سيصطادونه في يوم معين لما كان هناك فائدة من تلك الاحتياطات، ولو كان يعلم أنهم لن يصطادوه أبدًا فلم يكن لها من داع أيضًا.
وإنما تتخذ الاحتياطات بسبب الجهل بالغيب.
стр. 182
لقد درج كثير من الناس على اعتبار الأنبياء وكلاء عن الله في كل ما يتصل بالغيب من شر وما ينتظر الناس من مصائر وأقدار. ولقد حسم القرآن الكريم هذه القضية حسمًا، فقال فيها الحق الواضح الذي يمنعها أن تكون وسيلة للتسلية والتعجيز من عتاة الكافرين، أو مدعاة للأحاجي والألغاز بين ضعاف المؤمنين وذلك في آياته البينات:
﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأنعام: ٥٠] .
﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٨] .
وإذا كان الرسول قد بعثه الله ليهدي الناس ويأخذ بأيديهم بعيدًا عن مهاوي الضلال، فما هو إلا معلم ومبلغ وداع إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة.
أما استجابة الناس إلى الهدي فليست من مسئولياته، بل إنه لو أراد إكراههم على ما فيه منفعتهم ما استطاع إلى ذلك سبيلًا:
﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ [الغاشية: ٢١-٢٢] .
﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٧٢] .
﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [القصص: ٥٦] .
وخلاصة القول في تقرير واقع "الرسول بين يدي الله" هو ما يقرره "الحق" في قوله المحكم":
стр. 183
﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٨] .
التعاليم الأساسية:
استفتح القرآن -في سورة "اقرأ"- باسم الإله الذي ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ﴾ فهو الإله ﴿الْأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ٣-٥] .
ثم توالت آيات الله، وعلى هديها قام الرسول يدعو إلى ربه على بصيرة، وفي مواجهته قام المشركون من قريش والذين كفروا به من اليهود، يحاربونه ومن تبعه بكل ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا.
وفي محاوراتهم معه قال المشركون: "انسب لنا ربك" وجاءه أناس من اليهود يقولون: "صف لنا ربك، فإن الله أنزل نعته في التوراة".
فأنزل الله -تعالى- سورة "الإخلاص" وهي نسبة خاصة لله؛ تقول: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ .
ولقد علم الرسول أصحابه أنها "تعدل ثلث القرآن".
كان طبيعيًا -إذن- أن تكون سورة "الإخلاص" من أوائل السور التي نزلت في صدر القرآن، إذ هي تضع الأساس الذي يقوم عليه الإسلام، فما اتفق معها يتفق والعقيدة الإٍسلامية، وما اختلفت معها استحال التوفيق بينه وبين أساسيات الإسلام، مهما اجتمع لذلك من فلاسفة العصر وقادة الفكر وشيوخ الأديان.
وكان منطقيًا أن يكون أساس العقيدة واضحًا كل الوضوح بسيطًا كل البساطة، يفهمه كل ذي عقل سواء من أوتي حظًا من علم أو كان من الجهلة والأميين. فمن غير المعقول أن يكون أساس الدين -الذي يتوقف عليه المصير
стр. 184
الأبدي للإنسان- قائمًا على قصص وأقاويل تعاني في سبيل وعيها العقول والأفهام.
وكان عدلًا ورحمة أن يدخل الإنسان -كل الإنسان- دائرة الغفران والقبول طالما سلم أساس عقيدته فقام على التوحيد الخالص، المبرأ عن كل شبهة وشرك، فكل ما رواء ذلك يمكن أن يهون لأن رحمة الله أوسع، وأقرب للإنسان من حبل الوريد.
لذلك نجد "الحق" يقول:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٨] .
﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج: ٣١] .
стр. 185
قبس من سيرة الر سول:
ملامح الشخصية:
من الأهمية بمكان التعرف على الملامح التي تعين على رسم صورة صادقة لشخصية الأنبياء في شتى مظاهرها الجسمية والخلقية والسلوكية، فذاك شيء تتحرق له البشرية وترجوه. ولكم كتب الكتاب والباحثون وفاضت كتاباتهم بالحسرة والألم من قلة المعلومات والبيانات التي تفتقدها السيرة الذاتية لاثنين من أصحاب الرسالات الكبرى هما موسى وعيسى.
ويكفي أن نذكر في هذا المقام ما يقوله "دنيس نينهام" في مقدمة تفسيره لإنجيل مرقس: "إنها لحقيقة تصدمنا أنهم "كتبة الأناجيل" لم يخبرونا بأي شيء عن هيئة "يسوع" وبنيته الجسمية وصحته، كما لم يخبرونا بشخصيته وعما إذا كان -على سبيل المثال- سعيدًا مبتهجًا رابط الجأش، أم أنه كان على العكس من ذلك.
إنهم لم يفكروا -حتى- أن يخبرونا بطريقة قاطعة عما إذا كان قد تزوج أم لا.
كذلك فإنهم لم يعطونا معلومات محددة عن طول فترة دعوته أو عمره حين توفي، كما أنه لا توجد أقل نبذة عن تأثير بيئته الأولى عليه أو عن أي تطور في نظرته ومعتقداته.
لقد أمكن حساب الفترة التي تلزم لإتمام الأحداث التي يرويها مرقس فوجد أنها لا تتعدى ثلاثة أو أربعة أسابيع، عدا الفقرة "١: ١٣" التي تقول: "وكان هناك في البرية أربعين يومًا يجرب من الشيطان".
لقد دفعت هذه الحقيقة "ستريتر" أن يقرر في كتابه: الأناجيل الأربعة - "ص٤٢٤": أن المجموع الكلي للأحداث التي سجلها الإنجيل صغير جدًا
стр. 186
لدرجة أن الثغرات الموجودة في الرواية لا بد أن تكون هي الجزء الجدير بالاعتبار"١.
هذا.. على حين تزخر سيرة محمد بكل ما هو ضروري وكاف لبيان حقيقة هذه الشخصية العالمية كبشر ثم كنبي صاحب كبرى الرسالات.
وعند الحديث عن ملامح الشخصية لمحمد خاتم النبيين نجد وفرة في كتب السيرة تتضافر جميعها لتعطينا صورة متآلفة عن الخواص الجسمية والنفسية للرسول. ويحدثنا في هذا اثنان ممن تربيا في حجر رسول الله هما هند بن أبي هالة -وكانت أمه خديجة بنت خويلد الزوجة الأولى والوحيدة طيلة حياتها مع الرسول- ثم علي بن أبي طالب وقد احتضنه الرسول منذ صباه.
قال هند وقد سأله الحسن بن علي عن صفات رسول الله:
"كان أطول من المربوع٢ وأقصر من المشذب٣ عظيم الهام، رجل الشعر، إذا تفرقت عقيصته٤ فرق وإلا فلا يجاوز شعره شحمة أذنيه.. أزهر اللون٥، واسع الجبين، أزج الحواجب٦ سوابغ٧ في غير قرن بينهما ... ، كث اللحية٨، أدعج٩، سهل الخدين١٠، ضليع الفم، أشنب، مفلج الأسنان، دقيق المسرية١١.. معتدل الخلق، بادن متماسك، سواء البطن والصدر، عريض الصدر، بعيد ما بين المنكبين، ضخم الكراديس١٢.. موصول ما بين اللبة والسرة بشعر يجر كالخط، عاري الثديين والبطن مما سوى
стр. 187
ذلك، أشعر الذراعين والمنكبين وأعالي الصدر، طويل الزندين، رحب الراحة ... شنن الكفين١ والقدمين، سابل الأطراف، خمصان الأخمصين٢، مسيح القدمين ينبو عنهما الماء.
إذا زال زال قلعًا، يخطو تكفيًا، ويمشي هونًا، ذريع المشية٣، إذا مشى كأنما ينحط من صبب٤، وإذا التفت التفت جميعًا. خافض الطرف، نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء، جل نظره الملاحظة. يسوق أصحابه٥، يبدأ من لقيه بالسلام".
وقال هند بن أبي هالة في وصف منطقه: "كان متواصل الأحزان دائم الفكرة، ليست له راحة، لا يتكلم في غير حاجة، طويل السكوت يفتتح الكلام ويختمه بأشداقه، يتكلم بجوامع الكلم، فصل لا فضول ولا تقصير. دمث٦ ليس بالجافي ولا المهين.
يعظم النعمة وإن دقت، لا يذم منها شيئًا ولا يمدحه.
لا تغضبه الدنيا وما كان لها، فإذا تعرض للحق لم يعرفه أحد ولم يقم لغضبه شيء حتى ينتصر له. ولا يغضب لنفسه ولا ينتصر لها. إذا أشار أشار بكفه كلها، وإذا تعجب قلبها، وإذا تحدث يصل بها، يضرب براحته اليمنى باطن إبهامه اليسرى، وإذا غضب أعرض وأشاح، وإذا فرح غض طرفه. جل ضحكه التبسم".
وقال الحسن: سألت أبي عن دخول رسول الله فقال: "كان دخوله لنفسه مأذون له في ذلك. وكان إذا آوى إلى منزله جزأ دخوله ثلاثة أجزاء:
جزءًا لله، وجزءًا لأهله، وجزءًا لنفسه، ثم جزءًأ جزأه بين الناس، فرد ذلك على العامة والخاصة لا يدخر عنهم شيئًا. وكان من سيرته في جزء الأمة إيثار
стр. 188
أهل الفضل بأدبه وقسمه على قدر فضلهم في الدين، فمنهم ذو الحاجة ومنهم ذو الحاجتين ومنهم ذو الحوائج: فيتشاغل بهم ويشغلهم فيما أصلحهم والأمة من سألته عنهم وإخبارهم بالذي ينبغي ويقول: $"ليبلغ الشاهد الغائب". و$"أبلغوني حاجة من لا يستطيع إبلاغي حاجته".
قال: وسألته عن مخرجه كيف كان يصنع فيه، فقال: "كان رسول الله يخزن لسانه إلا بما يعنيهم ويؤلفهم ولا ينفرهم، ويكرم كريم كل قوم ويوليه عليهم. ويحذر الناس ويحترس منهم من غير أن يطوي عن أحد منهم بشره ولا خاتمه. يتفقد أصحابه ويسأل الناس عما في الناس ويحسن الحسن ويقويه، ويقبح القبيح ويوهيه. معتدل الأمر غير مختلف لا يغفل مخافة أن يغفوا أو يميلوا. لكل حال عنده عتاد. لا يقصر عن الحق ولا يجوزه. الذين يلونه من الناس خيارهم. أفضلهم عنده أعمهم نصيحة، وأعظمهم عنده منزلة أحسنهم مواساة ومؤازرة".
قال: فسألته عن مجلسه كيف كان فقال: "كان رسول الله لا يجلس ولا يقوم إلى على ذكر..
وإذا انتهى إلى قوم جلس حيث ينتهي به المجلس ويأمر بذلك. يعطي كل جلسائه نصيبه، لا يحسب جليسه أن أحدًا أكرم عليه منه.
من جالسه أو قاومه في حاجه صابره حتى يكون هو المنصرف. ومن سأله حاجة لم يرده إلا بها أو بميسور القول وقد وسع الناس من بسطه وخلقه، فصار لهم أبا وصاروا عنده في الحق سواء.
مجلسه مجلس حكم وحياء وصبر وأمانة، لا ترفع فيه الأصوات ولا تئوين فيه الحرم ولا تثنى فلتاته. متعادلين يتفاضلون فيه بالتقوى، متواضعين يوقرون فيه الكبير ويحمون الصغير، يؤثرون ذا الحاجة ويحفظوا الغريب".
قال: فسألته عن سيرته في جلسائه فقال: "كان رسول الله دائم البشر سهل الخلق لين الجانب، ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب ولا فحاش ولا عياب ولا مزاح.
стр. 189
يتغافل عما لا يشتهي ولا يؤيس منه "راجيه".... قد ترك نفسه من ثلاث: المراء والإكثار وما لا يعنيه، وترك الناس من ثلاث: كان لا يذم أحدًا ولا يعيره ولا يطلب عورته ولا يتكلم إلا فيما يرجو ثوابه.
إذا تكلم أطرق جلساؤه كأنما على رءوسهم الطير، فإذا سكت تكلموا ولا يتنازعون عنده.
يضحك مما يضحكون منه، ويتعجب مما يتعجبون منه. ويصبر للغريب على الجفوة في منطقه ومسألته. ويقول: "إذا رأيتم طالب حاجة فارفدوه".
ولا يقبل الثناء إلا من مكافئ، ولا يقطع على أحد حديثه حتى يجوز فيقطعه بانتهاء أو قيام".
قال: فسألته كيف كان سكوته؟ قال: "كان سكوته في أربع: الحلم والحذر والتقدير والتفكر. فأما تقديره ففي تسوية النظر والاستماع بين الناس، وأما تذكره -أو قال تفكره- ففيما يبقى ويفنى. وجمع له الحلم والصبر فكان لا يغضبه شيء ولا يستفزه".
إن طبيعة البيئة التي بدأت فيها الدعوة إلى الإسلام تتطلب من الداعية صبرًا وحلمًا يفوق كل حد. ولقد تكفل الله بذلك فأسبغ على رسوله من كريم السجايا وعظيم الأخلاق ما يتفق ومطالب إنجاح الدعوة. وقد سجل الحق ذلك في قوله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٩] .
لقد كانت تلك هي الخطوط العامة لملامح شخصية الرسول، ولكن ليزداد الأمر وضوحًا كان علينا أن نعرض صورًا مختلفة للرسول نقتبسها من حياته الشخصية والعامة، ونقدم أنماطًا من سلوكه وفكره ومنهجه في مختلف مراحل حياته بعد أن صار نبيًا.
стр. 190
ونبذأ بالبحث عن أوجه الكسب الشخصي التي يمكن أن تعود على الرسول من رسالته التي تحمل في سبيلها الكثير من المخاطر والآلام والأحزان. فنجده قد جرد نفسه وأهله من كل ما يمكن احتسابه كسبًا أو منفعة، فقد عاش فقيرًا زاهدًا. أمضى جل حياته يعاني آلام الجوع وشظف العيش طوعًا واختيارًا.
قال علقمة بن مسعود: اضطجع رسول الله على حصير فأثر الحصير بجلده، فجعلت أمسحه وأقول: بأبي أنت وأمي، ألا أذنتنا فنبسط لك شيئًا يقيك منه تنام عليه؟ فقال: "ما لي وللدنيا، ما أنا والدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها".
وقال أبو هريرة: والذي نفس أبي هريرة بيده، ما شبع نبي الله وأهله ثلاثة أيام تباعًا من خبز حنطة حتى فارق الدنيا.
وقالت عائشة: إنا كنا آل محمد ليمر بنا الهلال "الشهر" ما نوقد نارًا "للطبخ" إنما الأسودان: التمر والماء. إلا أنه كان حولنا أهل دور من الأنصار يبعثون إلى رسول الله بلبن منائحهم فيشرب ويسقينا من ذلك اللبن.
ولم يكتف رسول الله بعيش الكفاف الذي فرضه على نفسه وعلى أهله، إنما حرم عليهم ميراثه في ذلك القليل من حطام الدنيا الذي تركه.
قال عمرو بن الحارث: ما ترك رسول الله دينارًا ولا درهما ولا عبدًا ولا أمة، إلا بغلته البيضاء التي كان يركبها، وسلاحه، وأرضًا جعلها لابن السبيل صدقة.
ولقد توفي رسول الله ودرعه مرهونة عند يهودي وفاء لطعام اشتراه منه، فما وجد ما يفكها به من دراهم حتى مات.
وبعد وفاة الرسول ذهبت ابنته فاطمة وعمها العباس إلى أبي بكر يطلبان أرضه من فدك وسهمه من خيبر، فقال لهما أبو بكر: سمعت رسول الله يقول: "لا نرث، ما تركناه صدقة".
فغضبت فاطمة وهجرت أبا بكر، فلم تزل مهاجرته حتى توفيت.
стр. 191
بعد ذلك ننظر الرسول في مواضع الخطر فنجده سباقًا مقدامًا. لقد فزع أهل المدينة ذات ليلة من جراء صوت سمعوه، فانطلق أناس قبل الصوت يستطلعون الخبر، فتلقاهم رسول الله راجعًا وقد سبقهم إلى الصوت وهو على فرس لأبي طلحة عرى في عنقه السيف وهو يطمئنهم ويقول: "لم تراعوا".
وفي المواقف الحرجة من المعارك يصمد الرسول ويثبت حتى يستعيد المؤمنون المقاتلون الموقف. قال علي -وهو الفارس المغوار: كنا إذا اشتدت الحرب واحمرت الحدق، اتقينا برسول الله، فما يكون أقرب إلى العدو منه.
وفي الموقف الصعب يوم أحد جرح وجه الرسول وكسرت رباعيته وكلمت شفته وسال الدم على وجهه لكنه ثبت ولم يبرح مكانه ولم يبق معه آنذاك إلا اثنا عشر قتل منهم سبعة وبقي الخمسة.
وفي الموقف الصعب يوم حنين تعرض المسلمون لكمين أصابتهم فيه السهام والرماح فولوا مدبرين، بينما ثبت رسول الله وهو راكب بغلته يدعو أصحابه إلى الثبات ويقول: "إلي عباد الله، إلي أنا رسول الله". ثم يعلن عن نفسه في مواجهة الأعداء ويقول: "أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب". وما هي إلا فترة استعاد بعدها المسلمون زمام الموقف فهزموا المشركين ووقع في أيديهم أسرى كثيرين.
وإذا كنا في الحرب ومواضع الخطر نجد الرسول قوي العزم جبار البأس، فإنا واجدوه مع الأطفال والضعفاء، رقيق المعشر يمزح معهم ويداعبهم، بيد أنه لا يقول إلا صدقًا. قال أنس: كان رسول الله من أفكه الناس مع صبي. وجاء مرة رجل يسأله دابة تحمله، فقال له الرسول: "إنا حاملوك على ولد ناقة".
فقال: يا رسول الله، ما أصنع بولد ناقة؟
فقال له الرسول: "وهل تلد الإبل إلا النوق".
стр. 192
وكان رجل من البادية اسمه زاهر يتردد على الرسول وقد عرف بدمامة خلقته، وجده الرسول يومًا يبيع متاعه فاحتضنه من خلفه "مداعبا" والرجل لا يبصره.
فقال: أرسلني، من هذا؟ فالتفت، فعرف النبي، فجعل لا يألو ما ألصق ظهره بصدر النبي حين عرفه. وجعل النبي يمزح معه ويقول: "من يشتري العبد"؟ فقال: يا رسول الله، إذن والله تجدني كاسدًا، فقال رسول الله: "لكن عند الله لست بكاسد".
وقال أنس وقد خدم الرسول عشر سنين: أرسلني يومًا لحاجة فقلت: والله لا أذهب. فخرجت حتى أمر على صبيان وهم يلعبون في السوق، فإذا رسول الله قد قبض بقفاي ورائي.
فنظرت إليه وهو يضحك فقال: "يا أنيس ١، ذهبت حيث أمرتك"؟
فقلت: نعم، أنا ذاهب يا رسول الله.
وقال بعض صحابة النبي إليه: يا رسول الله، إنك تداعبنا. قال: "إني لا أقول إلا حقًا".
وقد عرف عن النبي عفة لسانه في المواقف التي ترضيه والتي لا ترضيه، فلم يشتهر بتوبيخ من حوله وتعنيفهم، أو ما من شأنه أن يصدهم ويفقدهم الثقة في أنفسهم. ولم يسمع عنه أنه قال لهم: "يا قليلي الإيمان" أو "يا أغبياء"، أو "إلى متى أحتمل غباوتكم وقساوة قلوبكم" أو شيئًا من هذا التقريع.
إن الأناجيل تمتلئ بأقوال من هذا النوع تنسب للمسيح وهو يتحدث إلى تلاميذه وحوارييه، كما تمتلئ بحملاته العنيفة على اليهود والتنبؤ لهم بالهلاك في جهنم.
стр. 193
ولقد كانت هذه المواقف وأمثالها موضع تعليقات شتى من علماء المسيحية ومثال ذلك قول جورج ويلز -الأستاذ بجامعة لندن- في دراسة له عنه المسيح:
"إن مثل هذا الموقف من المسيح يجعل من النادر وصفه بأنه متسامح مع أعدائه.
فبينما هو يمنع القدح والذم: "من قال يا أحمق، يكون مستوجب نار جهنم" "متى ٥: ٢٢"، نجده ينغمس في ذلك ويأخذ كامل حريته في الذم: "أيها الجهال والعميان" "متى ٢٣: ١٧"، "يا غبي هذه الليلة تطلب نفسك منك" "لوقا ١٢: ٢٠".
ولقد علمنا أن نحب جيراننا، بل وحتى أعداءنا، ولكنه بالرغم من ذلك يتوعد الكتبة والفريسيين ويصفهم بأنهم مراءون وحيات وأفاعي "متى ٢٣: ٢٩، ٣٣".
وإذا نحينا جانبًا إخفاق المسيح في الحفاظ على المعيار، فإنه لم يدافع بثبات عن أي معيار متناسق ... فبينما يقول عن الناموس: "من نقض إحدى هذه الوصايا الصغرى وعلم الناس هكذا يدعي أصغر في ملكوت السموات"، نجده بعد هذا القبول الصريح لناموس موسى، يجنح سريعًا لإحداث تغييرات كبيرة فيه.
إن ناموس موسى يسمح بالطلاق، لكن المسيح يمنعه إلا في حالة الزنا.
وكذلك يسمح الناموس بالقصاص: عين بعين، وسن بسن، لكنه يمنع القصاص أيضًا"١.
لقد كان الرسول إذا بلغه عن رجل شيء، لا يقول: ما بال فلان يقول..
ولكنه كان يوجه خطابه بصورة عامة يستر فيها صاحب السقطة ويعطيه الفرصة ليستقيم أمره وذلك بقوله: $"ما بال أقوم يقولون كذا، وكذا ... "
стр. 194
وكان يقول: "لا يبلغني أحد عن أحد شيئًا "سيئًا" إني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر". وكل هذه الرقة وهذه التربية النفسية مع قوم طبعت عليهم البيئة من قسوتها الشيء الكبير.
قال أنس: كنت أمشي مع النبي وعليه برد غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي فجبذ بردته جبذًا شديدًا حتى نظرت إلى صفحة عاتق رسول الله وقد أثرت بها حاشية البرد من شدة جبذته.
ثم قال: يا محمد، مر لي من مال الله الذي عندك.
فالتفت إليه رسول الله فضحك. ثم أمر له بعطاء.
ويطول بنا الحديث في خصائص رسول الله دون أن نستقصيها، على أن ما نطمع فيه هو أن نعطي الفرصة مرة أخرى لنزيد فيها.
стр. 195
معجزات الرسول:
لو سئل مسلم عن معجزات الرسول لقال: معجزته القرآن.
بهذه الإجابة البسيطة قال المسلم حقًا وأجاب صدقًا. فالقرآن بما فيه -وما فيه كثير وكثير- يغني عن تلمس أي برهان أو البحث عن معجزة أخرى غيره.
لكن الفكرة الشائعة في أذهان البشر عن المعجزة تدفعهم بداءة إلى توقع الحديث عن أعاجيب وخرق لقوانين الطبيعة، وهو ما سوف نصطلح على تسميته بمعجزات الحوادث باعتبارها تمثل أحداثا شغل كل منها حيزًا محددا من الزمان والمكان.
ومن المعلوم أن وقوع معجزات الحوادث -على شاكلة ما تذكره أسفار العهد القديم، وأسفار العهد الجديد- ليس قرينة كافية على صدق النبي. فقد حذرت التوراة من إمكانية حدوث معجزات مادية على أيدي أنبياء كذبة يدعون إلى غير توحيد الله، فقالت تعليمًا من الله: "إذا قام في وسطك نبي أو حالم. وأعطاك آية أو أعجوبة، لو حدثت الآية أو الأعجوبة التي كلمك عنها، قائلًا: لنذهب وراء آلهة آخرى.. فلا تسمع لكلام ذلك النبي أو الحالم ذلك الحلم لأن الرب إلهكم يمتحنكم.. وذلك النبي أو الحالم ذلك الحلم يقتل لأنه تكلم بالزيغ من وراء الرب إلهكم".
وكذلك حذر الإنجيل على لسان المسيح من أولئك الذين يحسبون مسيحيين ويأتون بمعجزات تثير عجب الناس وتستولي عليهم، لكنهم في حقيقة الأمر كذبة وإخوة للشياطين. وفي هذا يقول:
"ليس كل من يقول: يارب، يارب، يدخل ملكوت السموات، وكثيرون سيقولون لي في ذلك اليوم يارب، يارب أليس باسمك تنبأنا، وباسمك أخرجنا شياطين، وباسمك صنعنا قوات كثيرة.
فحينئذ أصرح لهم: إني لم أعرفكم قط. اذهبوا عني يا فاعلي الإثم" "متى ٧: ٢١-٢٣".
وكذلك بين المسيح أن صدق النبوة لا يشترط ارتباطها بحدوث الأعاجيب، فهذا يحيى بن زكريا الذي قال في حقه.
"ماذا خرجتم لتنظروا؟ أنبيًا؟ نعم أقول لكم، وأفضل من نبي".
ويشهد الإنجيل بأن يحيى هذا "لم يفعل آية واحدة" "يوحنا ١٠: ٤١".
ومع ذلك فإن دراسة معجزات الرسول تدفعنا إلى الحديث عنها من وجهين:
الأول: معجزات الحوادث على شاكلة معجزات الأنبياء السابقين.
الثاني: معجزات القرآن.
وفيما يلي عرض سريع لبعض ما يقال في هذا المجال الواسع.
стр. 196
معجزات الحوادث:
من كتب السيرة: نجد في كتب السيرة١ أحاديث عن معجزات وأعاجيب صنعها الرسول وشهدها الناس. كفارًا ومؤمنين وقد كان بعضها سببًا مباشرًا لإيمان من آمن منهم -ويذكر في هذا المجال ما يلي:
١- دخل أعرابي المسجد يوم جمعة والرسول قائم يخطب. فقال: يا رسول الله، هلكت الأموال وتقعطت السبل. فادع الله لنا يغيثنا. فرفع الرسول يديه وقال: "اللهم اسقنا" "ثلاثا"، فطلعت من ورائه سحابة مثل الترس، فلما توسطت السماء انتشرت ثم أمطرت واستمر الحال على ذلك ستة أيام.
٢- خرج رسول الله ذات يوم مع جمع من أصحابه فلما حضرت الصلاة لم يجد القوم ما يتوضئون به. فقالوا: يا رسول الله، ما نجد ما نتوضأ به، ورأى في وجوه أصحابه كراهية ذلك. فانطلق رجل من القوم فجاء بقدح من ماء يسير، فأخذ نبي الله فتوضأ منه، ثم مد أصابعه الأربع على القدح ثم قال: "هلموا فتوضئوا"، فتوضأ القوم حتى بلغوا فيما يريدون من الوضوء وكانوا أكثر من سبعين.
٣- لما كانت غزوة تبوك أصاب الناس مجاعة فقالوا: يا رسول الله، لو أذنت لنا فنحرنا نواضحنا فأكلنا وادهنا؟ فلما رأى عمر بن الخطاب أن رسول الله قد هم أن يأذن لهم في نحر بعض ظهورهم "التي يركبونها" قال: يا رسول الله، كيف بنا إذا نحن لقينا العدو غدًا جياعًا رجالًا؟! ولكن إن رأيت يا رسول الله أن تدعو لنا ببقايا أزوادهم وتجمعها ثم تدعو الله فيها بالبركة فإن الله سيبارك لنا في دعوتك.
فدعا النبي ببقايا أزوادهم فجعل الناس يجيئون بالحبة من الطعام وفوق ذلك فكان أعلاهم من جاء بصاع من تمر. فجمعها رسول الله ثم قام فدعا ما شاء الله أن يدعو، ثم دعا الجيش بأوعيتهم وأمرهم أن يحتثوا فما بقي في الجيش وعاء إلا ملئوه.
стр. 197
٤- أتى النبي رجل من بني عامر فقال: يا رسول الله، أرني الخاتم الذي بين كتفيك فإني من أطب الناس. فقال له رسول الله: "ألا أريك آية"؟ قال: بلى، قال: فنظر إلى نخلة فقال: "ادع ذلك العذق". فدعاه فجاء ينقز بين يديه، فقال له رسول الله: "ارجع" فرجع إلى مكانه. فقال العامري: يا آل بني عامر، ما رأيت كاليوم رجلًا أسحر من هذا؟
٥- كان في المسجد جذع نخلة يسند رسول الله ظهره إليه إذا كان يوم جمعة أو حدث أمر يريد أن يكلم الناس فيه فقالوا: ألا نجعل لك يا رسول الله شيئًا كقدر قيامك؟
قال: "لا عليكم أن تفعلوا". فصنعوا له منبرًا ثلاث مراق. فلما جلس عليه. خار الجذع كما تخور البقرة ولم يسكن إلا بعد أن التزمه الرسول ومسحه.
٦- أبصر رسول الله بشر بن راعي العير وهو يأكل بشماله، فقال: "كل بيمينك". قال: لا أستطيع "ليس عن عجز وإنما تكبرًا" قال: "لا استطعت".
فشلت يده وما وصلت إلى فيه بعد ذلك.
٧- قال حبيب بن أساف: أتيت رسول الله أنا ورجل من قومي في بعض مغازيه، فقلنا: إنا نشتهي أن نشهد معك مشهدًا. قال: "أسلمتم"؟ قلنا: لا، قال: "فإنا لا نستعين بالمشركين على المشركين". قال: فأسلمنا.
وشهدت مع رسول الله فأصابتني ضربة على عاتقي فجافتني فتعلقت يدي.
فأتيت رسول الله، فتفل فيها وألزقها، فالتأمت وبرأت، وقتلت الذي ضربني.
٨- أتى جابر بن عبد الله إلى رسول الله فعرف في وجهه الجوع. فرجع إلى منزله فذبح داجنًا كانت عندهم وطبخها وثرد تحتها في جفنة وحملها إلى رسول الله. فأمره أن يدعو له الأنصار فأدخلهم عليه أرسالا. فأكلوا كلهم وبقي مثل ما كان، وكان رسول الله يأمرهم أن يأكلوا ولا يكسروا عظمًا. ثم إنه جمع العظام في وسط الجفنة فوضع عليها يده، ثم تكلم بكلام لا أسمعه إلا أني أرى شفتيه تتحرك، فإذا الشاة قد قامت تنفض أذنيها.
стр. 198
فقال: "خذ شاتك با جابر، بارك الله لك فيها". قال: فأخذتها ومضيت وإنها لتنازعني أذنها حتى أتيت البيت. فقالت لي المرأة: ما هذا يا جابر؟ فقلت: هذه والله شاتنا التي ذبحناها لرسول الله دعا الله فأحياها لنا. فقالت: أنا أشهد أنه رسول الله، أشهد أنه رسول الله، أشهد أنه رسول الله.
٩- وحدث يوم أحد أن سالت عين قتادة بن النعمان على خده، فأخذها الرسول في كفه وأعادها إلى مقرها فاستمرت بحالها وبعدها.
وحدث يوم خيبر أن نفث في عيني علي وهو أرمد، ومسح رجل سلمة بن الأكوع بعد أن أصيبت، فبرئت الأعضاء المصابة جميعًا لساعتها.
من القرآن الكريم: نذكر هنا بعضًا مما اصطلحنا على تسميته بمعجزات الحوادث وجاء ذكرها في القرآن. ومن هذه المعجزات:
١- الإسراء والمعراج: وقد سجل القرآن حادث الإسراء في سورة عرفت باسمه تستفتح بالقول الكريم: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الإسراء: ١] .
وقد حدث في صبيحة الإسراء أن صلى رسول الله الصبح ثم قال لابنة عمه: "يا أم هانئ، لقد صليت معكم العشاء الآخرة كما رأيت بهذا الوادي، ثم جئت بيت المقدس فصليت فيه ثم صليت صلاة الغداة معكم الآن كما ترين".
وقال الرسول لابنة عمه: "وأنا أريد أن أخرج إلى قريش فأخبرهم بما رأيت".
فأشفقت عليه أم هانئ من تكذيب قومه وأخذت بثوبه قائلة: إني أذكرك الله أنك تأتي قومك يكذبونك وينكرون مقالتك فأخاف أن يسطوا بك، قالت: فضرب ثوبه من يدي ثم خرج إليهم فأتاهم وهم جلوس فأخبرهم ما أخبرني.
وقالت عائشة: لما أسري برسول الله إلى المسجد الأقصى، أصبح يحدث الناس بذلك فارتد ناس ممن كانوا آمنوا به وصدقوه، وسعوا بذلك إلى أبي بكر
стр. 199
فقالوا: هل لك في صاحبك يزعم أن أسري به الليلة إلى بيت المقدس. فقال: أو قال ذلك؟ قالوا: نعم. قال: لئن كان قال ذلك لقد صدق. قالوا: أفتصدقه أنه ذهب الليلة إلى بيت المقدس وجاء قبل أن يصبح. قال: نعم. إني لأصدقه فيما هو أبعد من ذلك، أصدقه في خبر السماء.
وتذكر كتب السيرة أن رسول الله التقى ليلة الإسراء بعدد من الأنبياء وخاصة أصحاب الرسالات الكبرى ومنهم موسى. وفي هذا تقول سورة السجدة ٢٣- حسب رأي المفسريين١: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ﴾ . وهذا يعني -قياسًا- أن يلتقي محمد خاتم النبيين بكل من أوتي كتابًا من الأنبياء والمرسلين ومنهم إبراهيم٢ وداود وعيسى. وهنا نذكر ميثاق الله مع النبيين في عالم الحقيقة: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ، فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ، أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ [آل عمران: ٨١-٨٣] .
هذا عن حادث الإسراء، وأما حادث المعراج فقد سجلته سورة النجم في قوله: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى، عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى، عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى، إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى، مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى، لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم: ١٣-١٨] .
стр. 200
وهنا وقفة نستمع فيها إلى حديث يعتبر -في نظري- من أهم ما روته عائشة أم المؤمنين من أحاديث. ويروي هذا الحديث عنها مسروق قال: كنت متكئًا عند عائشة فقالت: ثلاث من تكلم بواحدة منهن، فقد أعظم علي الله الفرية. قلت ما هن؟ قالت: من زعم أن محمدًا ﷺ رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية.
قال: وكنت متكئا فجلست فقلت: يا أم المؤمنين، أنظريني ولا تعجليني.
ألم يقل الله : ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ ١، ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ ٢؟
فقالت: أنا أول هذه الأمة سأل عن ذلك رسول الله ﷺ فقال: "إنما هو جبريل. لم أره على صورته التي خلق عليها غير هاتين المرتين. رأيته منهبطًا من السماء سادًا عظم خلقه ما بين السماء والأرض".
فقالت: أو لم تسمع أن الله يقول: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الشورى: ٥١] .
قالت: ومن زعم أن رسول الله كتم شيئًا من كتاب الله، فقد أعظم على الله الفرية، والله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: ٦٧] .
قالت: ومن زعم أنه يخبر بما يكون في غد، فقد أعظم على الله الفرية، والله يقول: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاّ اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥] ٣.
стр. 201
قالت: ولو كان محمد ﷺ كاتمًا شيئًا مما أنزل عليه -لكتم هذه الآية: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ [الأحزاب: ٣٧] .
بقي أن نذكر عددًا من الملاحظات على معجزة الإسراء والمعراج:
١ كلتاهما آية من آيات الله جاءت للرسول شخصيًا، بدليل قوله عن الإسراء: ﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ [الإسراء: ١] . وقوله عن المعراج: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم: ١٨] .
ولنا بعد ذلك أن نقول: إن الله -جلت حكمته- أراد أن يخفف من أحزان الرسول، ومعاناته بسبب تكذيب قومه إياه وإيذائه ومن اتبعه من المسلمين وما تعرضوا له من حرب نفسية واقتصادية وعذاب بدني، فكان الإسراء والمعراج حتى ترتفع نفس الرسول فوق تلك المحن والآلام، ومن ثم يستطيع أن يرفع معنويات أتباعه ويبث في أنفسهم الطمأنينية والثقة في خير العاقبة.
وكان الإسراء والمعراج تعليمًا للرسول وإطلاعًا له على الملكوت حتى ينبئ عن عوالم الغيب بحديث اليقين. فالقاعدة التي درج الناس عليها أن يكون مستوى المعلم أرقى من مستوى تلاميذه. وكذلك الأنبياء جاءوا معلمين للبشرية فلا شك أن مستواهم يجب أن يكون -وإنه لكذلك- أكبر وأرقى من مستوى الناس جميعًا.
٢ والمسلم ملتزم بالإيمان بمعجزة الإسراء والمعراج لكونها مسجلة في القرآن على هذا النحو البين، ولا عليه بعد ذلك أن يذكر المنطق الرياضي الذي استخدمه أبو بكر في البرهنة على صدق الحادث، وذلك حين لجأ إلى باب القياس فقال: "إني لأصدقه فيما هو أبعد من ذلك، أصدقه في خبر السماء". وما يترتب على ذلك هو أن يصدق المؤمن -كل مؤمن- الرسول في كل ما يقول.
стр. 202
٣ ليس عجيبًا أن يرتد نفر عن الإيمان بالرسول بعد حديث الإسراء، فتاريخ الرسالات الكبرى مليء بأمثال هؤلاء الذين بقيت نفوسهم تعاني من صغار عاقها عن الارتفاع إلى مستوى الأحداث، واستمرت تقيس الأمور بمقاييس قاصرة أو خاطئة أدى بها ذلك إلى الرسول والكفر برسالته.
لقد فعل بنو إسرائيل شيئًا من ذلك مع موسى -على الرغم من الآيات والأعاجيب التي صنعها في وسطهم- فبعد أن فك أسرهم من قبضة فرعون وطوف بهم في سيناء قاصدًا فلسطين يريد اقتحامها، تخاذلت الجماعة الإسرائيلية عندما علمت بقوة سكان الأرض "وبكى الشعب تلك الليلة وتذمر على موسى وعلى هارون جميع بني إسرائيل، وقال لهما كل الجماعة: ليتنا متنا في أرض مصر ... لماذا أتى بنا الرب إلى هذه الأرض لنسقط بالسيف ...
أليس خيرًا لنا أن نرجع إلى مصر. فقال بعضهم لبعض: نقيم رئيسًا ونرجع إلى مصر" "العدد ١٤: ١-٤".
وبعد ذلك نظم لفيف من الإسرائيليين مقاومة لزعامة موسى تريد التمرد عليه والانتكاس في حركته التحريرية وتعمل من أجل العود لمصر وكان على قيادة هذه الحركة "قورح بن يصهار بن قهات لان لاوى، وداثان وابيرام ابنا اليآب ...
يقاومون موسى مع أناس من بني إسرائيل مائتين وخمسين رؤساء الجماعة مدعوين للاجتماع ذوي اسم. فاجتمعوا على موسى وهارون وقالوا لهما: كفاكما. إن كل الجماعة بأسرها مقدسة وفي وسطها الرب فما بالكما ترتفعان على جماعة الرب.
فأرسل موسى ليدعو داثان وابيرام ابني اليآب فقالا: لا نصعد. أقليل أنك أصعدتنا من أرض تفيض لبنا وعسلًا "أرض مصر" لتميتنا في البرية حتى تترأس علينا ترؤسًا. كذلك لم تأت بنا إلى أرض تفيض لبنا وعسلًا. ولا أعطيتنا نصيب حقول وكروم. هل تقلع أعين هؤلاء القوم، لا نصعد" "العدد ١٦: ١-١٤".
стр. 203
وحدثت ردة لكثير من تلاميذ المسيح ومريديه حين سمعوا بعض أحاديثه.
وفي هذا يقول الإنجيل: "قال كثيرون من تلاميذه إذ سمعوا أن هذا الكلام صعب: من يقدر أن يسمعه. فعلم يسوع في نفسه أن تلاميذه يتذمرون على هذا فقال لهم: أهذا يعثركم..!
من هذا الوقت رجع كثيرون من تلاميذه إلى الوراء ولم يعودوا يمشون معه "ولم يبق معه إلا الاثنا عشر" فقال يسوع للاثنى عشر: ألعلكم أنتم أيضًا تريدون أن تمضوا".
ولا ننسى ردة يهوذا الذي ائتمنه المسيح فجعله أمين سره وعينه أمينًا لصندوق الجماعة فقد "كان الصندوق عنده وكان يحمل ما يلقي فيه" "يوحنا ١٢: ٦".
ثم تآمر على سيده، بيد أن خيانته ارتدت عليه فلقي جزاءه.
ليس عجيبًا -إذن- أن يرتد نفر عن الإيمان بالرسول في أعقاب حادث الإسراء الذي كان للرسول آية، وللمؤمنين به تمحيصا واختبارًا.
٢- وحين هاجر الرسول برفقة صاحبه أبي بكر من مكة إلى المدينة كان اتجاههما في أول الرحلة إلى الجنوب -في طريق اليمن- حتى تضل قريش وهي تقتفي أثرهما، وكان غار ثور أول محطة لهما.
لكن ذلك لم يثن قريشا عن ابتعاث فتيانها في كل اتجاه يطلبون الرسول حيًا أو ميتًا، وكان منهم من اقترب من ذلك الغار وهناك لقوا راعيًا سألوه فكان جوابه: قد يكونان بالغار ... وآنذاك شعر أبو بكر بالخطر يطبق عليهما فتصبب عرقًا وقال للرسول: لو نظر أحدهم تحت قدمية لرآنا. فأجابه الرسول: "يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما".
لقد ذهب أحد القرشيين يتسلق إلى الغار، ثم ما لبث أن عاد أدراجه.
ولما سأله أصحابه عن سبب نكوصه قال: إن عليه العنكبوت من قبل ميلاد محمد، وحمامتين وحشيتين بفم الغار، فعرفت أنه ليس فيه أحد -وهناك ارتد فتيان قريش خائبين.
стр. 204
لقد قضي الله -جلت حكمته- أن يعصم محمدا من الناس ويحفظه حتى يكمل الرسالة فقام جند الله ينفذون المشيئة الإلهية ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر: ٣١] .
لقد عهد إلى الملائكة بإنجاح عملية الهجرة وتأمينها ضد كل محاولات الإحباط التي قد يقوم بها العدو، فنجحت العملية بأمر الله، سجل القرآن ذلك الحدث الخطير فقال مذكرًا المؤمنين: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٤٠] .
٣- بعث رسول الله رجلًا يستدعى له طاغية من فراعين العرب، فقال الرجل: يا رسول الله، إنه أعتى من ذلك، قال: "اذهب فادعه لي".
فذهب الرجل إلى الطاغية وقال له: يدعوك رسول الله.
قال: وما الله؟ أمن ذهب هو أو من فضة أو من نحاس؟ فرجع الداعية إلى رسول الله وقال له: قد أخبرتك أنه أعتى من ذلك فقال لي: كذا وكذا.
فقال رسول الله: "ارجع إليه الثانية فادعه". فعاد الداعية إلى الطاغية فأعاد عليه هذا مثل الكلام الأول.
وتكرر ذلك الموقف للمرة الثالثة والطاغية يرفض الحضور عند رسول الله ويجادل هزؤًا واستخفافًا، وبينما هو يتحدث إلى الداعية ويزيد في المراء جاءت إليه سحابة حيال رأسه، فرعدت ووقعت منها صاعقة ذهبت بقحف رأسه.
ونزل القرآن يقول: ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ [الرعد: ١٣] .
٤- كذلك تدخلت الملائكة في غزوة بدر التي كانت أول المعارك الحاسمة في تاريخ الإسلام وأعظمها خطرًا، وسجل القرآن ذلك الحادث الجليل فقال:
стр. 205
﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ، وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ، إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ، إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ [الأنفال: ٩-١٢] .
٥- وكذلك تدخلت قوى عظمى في غزوة الأحزاب وكان للملائكة عمل حاسم نصر المسلمين آنذاك بعد موقفهم المتدهور. وفي هذ يقول القرآن: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا، إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا، هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ٩-١١] .
﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [الأحزاب: ٢٥] .
إن تدخل الملائكة وغيرها من القوى التي لم يتعود على إدراكها البشر يعني حدوث معجزة وآية عجيبة، وهذه جميعها مرادفات للقوة حسبمان اصطل عليها في الكتاب المقدس.
هذا ... وبعد أن عرضنا شيئًا من معجزات الحوادث باعتبارها عجائب أيد الله بها رسوله، ننتقل الآن للحديث عن المعجزة الخالدة: معجزة القرآن.
стр. 206
معجزة القرآن:
ماذ أقول في معجزة القرآن ...
هل يمكن أن يأتي الحديث عن الإعجاز القرآني مندرجًا تحت موضوع فرعي من جملة موضوعات يشتمل عليها واحد من فصول هذ الكتاب؟
كلا ... فالأمر أكبر من ذلك.
بيد أني سأحاول أن أقول كلمات متفرقات تشير إلى ملامح هذا البحر الزاخر، لعلها تعين على رسم صورة -ولو من بعيد- لحقيقة معجزة القرآن.
المعجزة وسيلة لا غاية.. هكذا يشهد تاريخ الرسالات.
فهي وسيلة تعين على الإيمان بالله ورسالاته حتى إذا آمن الناس التزموا بالمنهج الإلهي الذي يضمن لهم الخير في الدنيا والآخرة.
لقد كان عرب الجزيرة العربية قبل الإسلام على تلك الحال المعروفة وأقل ما يقال في أمرهم أنهم كانوا على هامش الحياة، فلما جاءهم القرآن وأسلموا لله وتمسكوا بمنهاجه، أحيا الله مواتهم فطلعوا على العالم بحضارة قوامها الدين والدنيا، وكان لهم من جماع الأمر ما أذهل العالم ولا يزال -حتى الآن.
يقول فيليب حتى: "لو قام في الثلث الأول من القرن السابع الميلادي أحد وتكهن بأن دولة خامدة الذكر وضيعة الجانب تخرج من مجاهل جزيرة العرب، ثم تنقض على الدولتين العظيمتين المعروفتين فتقوض الدولة الواحدة -دولة آل ساسان- وتظفر بأملاكها، ثم تقطع من ولايات الثانية -بيزنطة- أزهى مقاطعاته، نقول: لو صدرت مثل هذه النبوءة من فم إنسان ذلك العصر لحكم عليه بالجنون.
والواقع أن هذا ما حدث فعلًا. فبعد الرسول تغيرت طبيعة بلاد العرب الجدباء، وأخذت تنشئ رجالًا أبطالًا يندر وجود من يشاركهم في أي صقع
стр. 207
كان، فكأن أعجوبة حلت فيها.. إن عظمة الجيش العربي لم تقم على قوة السلاح أو جودة التنظيم، بل كان ثمرة القوة المعنوية الروحية التي كان الإيمان والدين قد عززاها في نفسه.
لقد جاء الإسلام مهيبًا بالشرق إلى النهوض من كبوته بعد ألف سنة اجتاحته فيها سطوة الغريب. ولقد انفتح أمام الأمم المغلوبة باب الحرية فصاروا يمارسون عقائد أديانهم دون إزعاج"١.
لقد أثبتت المعجزة نفسها ولم تعد في حاجة إلى برهان.
ومع ذلك سوف نتحدث عن شيء من أوجه الإعجاز القرآني.
معجزات يس:
نفرض أن العالم لم يعرف إلا كتابًا مقدسًا واحدًا جاء به من يقول للناس إنه رسول الله، فالناس المسؤلون أمامه صنفان: مؤمن به ومصدق له، أو كافر به ومكذب له. فإذا وجدنا طائفة من الناس تنتمي للصنف الأول فلا حاجة لهم إذن بالحديث عن معجزات النبي وكتابه فلقد آمنوا به وانتهى الأمر. وأما الصنف الثاني من الناس -وهم الكفار والمكذبون- فهؤلاء في موقف يقتضي بيان إعجاز الكتاب ومعجزات النبي حتى يكونوا على بينة من الأمر ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ ٢، و ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ ٣. فالأمر جد خطير لأنه يتعلق بمصير الإنسان الأبدي.
ومما لا شك فيه أن هناك نوعا من المعجزات يجب تنحيته جانبًا عند البرهنة على أن هذا الكتاب أو ذاك إنما هو وحي الله الذي نزل من السماء، وأعني هنا
стр. 208
ما اصطلحنا على تسميته بمعجزات الحوادث. وما ذلك إلا لكونها أحداثًا شغلت حيزًا من المكان والزمان وكانت حجة على مواقعيها ومن كانوا شهودًا لها، ثم انقضى أمرها وصارت ماض يستطيع العقل البشري في مختلف العصور اللاحقة لعصرها أن يثير حولها من الشبهات والأضاليل ما يجعلها حجر عثرة في طريق الإيمان، بدلًا من أن تكون وسيلة تعين عليه.
وننتقل من الإجمال إلى التفصيل فنفرض أنه التقى مجموعة من الداعين إلى أديانهم في حديقة عامة -ولتكن حديقة هايدبارك بلندن- ثم قام كل منهم يعرض على جمع من الملاحدة دينه معتمدا أولًا وأخيرا على معجزات الحوادث- فماذ يقولون؟
يقول اليهودي: منذ ٣٣ قرنًا مضت وقف موسى وهارون أمام فرعون مصر "وطرح عصاه أمام فرعون وأمام عبيده فصارت ثعبانًا. فدعا فرعون أيضا الحكماء والسحرة.. طرحوا كل واحد عصاه فصارت العصى ثعابين ولكن عصا موسى ابتلعت عصيهم".
ومنذ ٢٨ قرنًا أحيا إيليا ابن المرأة الأرملة حين صلى "إلى الرب وقال: يا رب إلهي لترجع نفس هذا الولد إلى جوفه؟ فسمع الرب لصوت إيليا فرجعت نفس الولد إلى جوفه فعاش".
إن دين اليهودية هو دين الله الحق!
ويقول المسيحي: منذ أكثر من ١٩ قرنًا قدموا للمسيح "مجانين كثيرين فأخرج الأرواح بكلمة وجميع المرضى شفاهم".
وجاءه "واحد من رؤساء المجمع اسمه بايروس ... قائلًا: ابنتي الصغيرة على آخر نسمة. ليتك تأتي وتضع يدك عليها لتشفى..فجاء إلى بيت رئيس المجمع.. وقال لهم: لم تمت الصبية لكنها نائمة.. وأمسك بيد الصبية وقال لها: طليثا قومي.. وللوقت قامت الصبية ومشت".
إن دين المسيحية هو دين الله الحق!
стр. 209
ويقول المسلم: منذ ١٤ قرنًا أصيبت عين قتادة بن النعمان في غزوة أحد فسالت حدقته فردها محمد رسول الله إلى موضعها، فكان قتادة لا يدري أيها أصيبت إذ قد شفيت عينه تمامًا.
وذبح جابر بن عبد الله داجنا كانت في منزله وطبخها ثم حملها إلى رسول الله فأمره أن يدعوا الأنصار فأدخلهم عليه أرسالًا فأكلوا كلهم، وكان رسول الله يأمرهم أن يأكلوا ولا يكسروا عظمًا. ثم إنه جمع العظام في وسط الجفنة فوضع يده عليها ثم تكلم بكلام خفيض فإذا الشاة قد قامت تنفض أذنيها. فقال الرسول: "خذ شاتك يا جابر، بارك الله لك فيها".
إن دين الإسلام هو دين الله الحق.
إذا حدث ذلك وقدم الداعون أديانهم إلى الناس اعتمادا على تلك الحوادث فما هي النتيجة؟ إن النتيجة المؤكدة لذلك هي الرفض: رفض الدعوة والاستماع للداعين.
والحق أن هذا المشهد الذي تصورناه قد حدث شيء منه أمام كاتب هذه السطور، وكان ذلك في يوم سبت من شتاء عام ١٩٦٤ حين وقف قس مسيحي في أحد الشوارع القريبة من حديقة هايدبارك ومعه نسخة من الكتاب المقدس وسلم خشبي مزدوج اعتلاه وبدأ يقدم موعظة للسامعين تذكر بعض معجزات الحوادث وتردد أفكار بولس. فانبرى له من الحاضرين شاب إنجليزي جامعي، اشتبك معه في حوار ساخن وكان مما قاله الشاب: دع ما في الكتاب وحدثني عما تقدمه لي الآن.
إن ما في الكتاب شيء انتهى منذ زمان، أما اليوم فماذ تقول لي؟
وتدخل بعض الحاضرين في الحوار الذي لم يلبث أن تحول إلى معركة كلامية عنيفة بين البروتستانت والكاثوليك استخدمت فيها أقسى الشتائم والألفاظ الجارحة!
стр. 210
نعم ... إن الحديث عن معجزات الحوادث هو حديث عن الماضي الذي ولى وغاب، وهو حديث لا يقدم برهانا لإيمان المحدثين، لكنه يأتي نتيجة لإيمانهم الذي يبدأ حين يروا الآيات حاضرة بين أيديهم.
والآن ... ماذا نقرأ في القرآن الكريم:
يقول الحق تقريرًا عن الحاضر، الآن وكل آن:
﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [سبأ: ٦] .
ويقول الحق تقريرًا عن المستقبل وهو لم يزل بعد بظهر الغيب إلا أنه في زمن ما سيكون حاضرًا يعيشه الناس:
﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: ٥٣] .
﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [النمل: ٩٣] .
وبين ياء المضارع في كلمة "يرى" وسين المستقبل في كلمتي "سنريهم" و"سيريكم" نشهد آيات الله رأي العين ونتيقنها ملء العقل والبصيرة. ومن حقنا الآن أن نقول: إن معجزات يس هي معجزات كل العصور ومن بينها العصر الحديث. ولا علينا بعد ذلك إذا كتبناها هكذا: معجزات يس ... ثم لننظر الآن بعضًا من هذه المعجزات التي نكتفي بذكر ثلاثة أوجه منها فقط يستطيع الإنسان مشاهدتها في القرآن الكريم وهي: الإعجاز العلمي -التحدث بالغيب- ثم القرآن والكتب المقدسة السابقة- وفيما يلي عرض مجمل لكل من هذه الوجوه.
стр. 211
١- الإعجاز العلمي في القرآن:
كلمة عن الإعجاز اللغوي: مضى أكثر من ألف عام والباحثون في إعجاز القرآن يرون له أوجهًا مختلفة، وإن كانت جميعها -في رأيي- جاءت نتيجة لنظرهم إليه من زاوية واحدة هي لغة القرآن وما تشتمل عليه من ألفاظ ومعان ونظم. فالقرآن كلام من جنس كلام العرب ولكن قوته الإلهية فعلت بهم الأعاجيب إذ أحيتهم بعد موات وأخرجتهم من ظلمات شتى إلى نور الحق والحياة.
وإذا كانت عصا موسى واحدة من أفرع شجرة زيتون أو رمان، قطعها يومًا ليتوكأ عليها ويهش بها على غنمه، فإذا بها تتحول بعد الرسالة في يده إلى شيء آخر معجز: حية تسعى، وقوة تفلق البحر فتضرب به طريقًا يبسًا وتفجر من الحجارة أنهارًا -فهكذا يمكن القول عن كلام القرآن بأن إعجازه الحقيقي يكمن في فيضه الإلهي الذي غلب العرب على أمرهم -وهم أهل الكلام- فأخذهم بروعته وأصاب منهم لباب الأفئدة ومجامع الأحاسيس.
ولقد وفق قدامى الباحثين في بيان أوجه الإعجاز اللغوي للقرآن وكان من أمثلة ما قالوه في إعجاز نظمه ما عرضه عبد القاهرة الجرجاني -المتوفى عام ٤٧١هـ- في الآية رقم "١٠٠" من سورة الأنعام التي تقول: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ﴾ .
يقول عبد القاهر: "ليس بخاف أن لتقديم الشركاء حسنًا وروعة ومأخذًا في القلوب ... إنك لا تجد شيئًا منه إذا أخرت فقلت: وجعلوا الجن شركاء لله..
والسبب في ذلك.. هو أن للتقديم ها هنا فائدة شريفة ومعنى جليلًا لا سبيل إليه مع التأخير. وبيانه: إنا وإن كان نرى جملة المعنى ومحصوله أنهم جعلوا الجن شركاء وعبدوهم مع الله وكان هذا المعنى يحصل مع التأخر حصوله مع
стр. 212
التقديم، فإن تقديم "الشركاء" يفيد هذا المعنى ويفيد معنى آخر وهو أنه ما كان ينبغي أن يكون له شريك.. لا من الجن ولا من غير الجن"١.
والذي لا جدال فيه هو أن روعة القرآن كانت هي القوة القاهرة التي غشيت من ألقي إليه السمع من العرب. فلم يلبث أن استجاب له وتحمل في سبيله كل أذى وضيق ... والحق يقول في سورة الأنعام ٣٦: ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ .
ولا تزال روعة القرآن إلى الآن هي سر إلهي -يماثل الروح في الجسد- يفيض على الباحثين عن الحق فيخرون ﴿لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾ ٢. ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ ٣.
يقول القس السابق إبراهيم خليل فيلبس الذي أعلن إسلام في عام ١٩٥٥: "نصبت راعيًا وقسيسًا للكنيسة الإنجيلية بباقور محافظة أسيوط سنة ١٩٥٢ في حفل رائع تحدثت عنه كل الصحف الدينية وقتئذ وذاع نشاطي الديني بين المرسلين الأمريكيين ولا سيما في العمل التبشيري بين المسلمين. وكنت أعتمد في هذا المضمار على النفوذ الإنجليزي بالبلاد وقتئذ "من سنة ١٩٤٥-١٩٥٥" حتى انتدبني سنودس النيل الإنجيلي للتدريس بكلية اللاهوت بأسيوط لكنيسة نهضة القداسة التابعة للإرسالية الإنجليزية الكندية.
ثم تهافتت علي الإرسالية الألمانية السويسرية بأسوان للعمل كسكرتير عام للإرسالية وتم انتدابي في سنة ١٩٥٤ وهناك قمت بعمل تبشيري سافر في المنطقة من الدكا بأراضي النوبا إلى إدفو جنوبًا. وكان معقل نشاطي مستشفى الجرمانية حيث يتوافقد عدد من المسلمين والمسلمات للاستشفاء والعلاج.. كما
стр. 213
كانت لي ندوات تبشيرية مع رجالات مسلمي أسوان. واستطعت أن أقوم بنهضات دينية رائعة دعوت لها كبار الشخصيات.
ومن العجب العجاب أنني في نشوة انتصاراتي بالعمل التبشيري وفي فترة إعداد نفسي لنيل درجة دكتوراة في الفسلفة واللاهوت من جامعة برنستون بأمريكا، وفي استعدادي وإعدادي للرسالة التي أسميتها "سيف جليات"١ أردت الهجوم على الإسلام بمهاجمة القرآن. ويشاء الله أن يقهرني بالقرآن الكريم ليسمعني صوته بقوله تعالى: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا، يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾ ٢.
كان لهذه الآية وقع في نفسي، إذ جعلتني أفكر تفكيرًا حرًا نزيها، وأحسست بأن الله الذي علمني ما لم أعلم يستطيع أن يجردني من العلم والمعرفة ويتركني للذل والهوان. لكن إرادته لهدايتي جعلته يفيض علي من أنوار هذه الآية ما أيقظ ذهني وقلبي ووجهني إلى إرادته ومشيئته.
والحق أن ما قرره القرآن الكريم هو الصدق اليقيني: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ ٣.
﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ ٤.
"الحمد لله الذي هداني لهذا، وما كنت لأهتدي لولا أن هداني الله"٥.
إن روعة القرآن هي التي فعلت -ولا تزال تفعل الأعاجيب- ليس فقط بين الذين ورثوا العربية لسانًا يتحدثون به، بل أيضًا بين ذوي الألسنة الأعجمية -غير العربية- الذين إذا سمعوا القرآن يرتل أو يتغنى به، اطمأنت به قلوبهم
стр. 214
وجلسوا بين يديه خاشعين بعد أن شعروا أنه شفاء لما في صدروهم بصرف النظر عن أسباب تلك الحالة وتعلاتها.
الإعجاز العلمي ليس بمستحدث: من يقرأ قول الحق: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ، ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ، ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٢-١٤] .
ومن يقرأ قول الحق: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ﴾ [النور: ٤٣] .
ومن يقرأ قول الحق: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ، قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [العنكبوت: ١٩-٢٠] .
ثم أخيرًا -وليس آخرًا- من يقرأ قول الحق: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٠] .
من يقرأ بعض أو كل هذه المجموعات الأربع من آيات القرآن الكريم -سواء أكان في عصر العلم الذي نعايشه، أو في العصر الذي سبقه منذ قرون -سوف يعلم يقينًا أنها تتحدث عن ظواهر كونية بلغة جديدة على أسماع العالمين.
لغلة العلم الحديث. لقد لاحظ شيوخ المفسرين منذ قرون عديدة وجه الإعجاز العلمي للقرآن الكريم وسجلوا ذلك في كتبهم، ومن ذلك ما ذكره ابن كثير في تفسيره لقول الحق:
стр. 215
﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت: ٥٣] .
فقد قال ابن كثير: "سنظهر لهم" دلالاتنا وحججنا على كون القرآن حقًا منزلًا من عند الله على رسول الله ﷺ بدلائل خارجية "في الآفاق" ودلائل في أنفسهم. ويحتمل أن يكون المراد من ذلك ما الإنسان مركب منه وفيه وعليه من المواد والأخلاط والهيئات العجيبة كما هو مبسوط في علم التشريح الدال على حكمة الصانع ﵎".
حين نقول -إذن- إن الإعجاز العلمي للقرآن يمس ما نعرفه من علوم حديثه بمسمياتها مثل علوم: الأجنة، والطبيعة الجوية، والجيولوجيا، ونشأة الكون، وبناء الخلية الحية -وهو ما تمثله المجموعات الأربع من الآيات السابق ذكرها على الترتيب، فإننا في الواقع لا نأتي بجديد من ناحية الشكل أو الإطار العام، وإنما الجديد هو المزيد من وضوح الرؤية وتعدد الآيات وتنوعها، ودقة التفاصيل.
وإذا كان لا يزال يوجد بيننا اليوم من كتاب المسلمين الذين يترددون في الحديث عن الإعجاز العلمي للقرآن اكتفاء بكونه معجزة أثبتت نفسها بما فعلت في العرب والعالم، فلا شك أن هذا الموقف الجامد لم يعد له ما يبرره بعد أن انفتحت أعين الكثير من العلماء -مسلمين وغير مسلمين- على حقائق من الإعجاز العلمي للقرآن.
منذ نحو خمسين عامًا مضت كتب شيخ الأزهر محمد مصطفى المراغي تقديمًا لكتاب "حياة محمد" لمؤلفه الدكتور محمد حسين هيكل وكان مما قاله:
"يقول بعض علماء الكلام إن الاطلاع على علم تشريح الأفلاك وعلم تشريح الإنسان يدل أوضح الدلالة على شمول العلم الإلهي لدقائق الوجود، وأنا أقرر أيضًا أن العلم والكشف عن سنن الوجود وعجائبه سيكون نصير الدين "الإسلامي" وسيقرب إلى العقل الإنساني طريق فهم ما كان