← Гариб и словари

Гариб и словари · id 22867

المعاجم العربية مع اعتناء خاص بمعجم العين للخليل بن أحمد

عبد الله درويش

Полный текст (153 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

"بانت سعاد"، ثم رحل إلى تونس حيث أعلن إسلامه، وتسمى بأحمد تيمنًا باسم الباي. وهناك أنشأ جريدة "الرائد". وفي عام ١٨٥٧ رحل إلى استانبول عاصمة الخلافة الإسلامية حيث أسس مجلة "الجوائب" التي كان لقلمه فيها جولات، فحرر كثيرًا من المقالات التي تناولت موضوعات لغوية مختلفة، حتى وافته منيته عام ١٨٧٨م. ولقد تبلورت أفكار الشدياق، ونظرياته المختلفة في اللغة في كتابين هامين. "الجاسوس على القاموس، سر الليال في القلب والإبدال". أ- الجاسوس: لقد تخير الشدياق كتاب القاموس هدفًا لانتقاداته. وكأنه بذلك يريد أن يقدم لنا الدليل العملي على أن المعاجم العربية ليست فوق الانتقاد، وأنه لذلك سيختار أكثرها شهرة وأوسعها انتشارًا. أما المسائل التي انتقدها على القاموس فتشمل: ١- ترتيب المفردات في الكتاب. ٢- وضع المشتقات تحت المادة الواحدة. ٣- التعريفات، وشروح المفردات. ٤- تعليقات القاموس على ما ذكره الصحاح. ٥- الفصيح في اللغة. ٦- صيغ المطاوعة.

стр. 107

١- ترتيب المفردات: لقد ذكر الشدياق أن صاحب القاموس بين لنا في مقدمته أنه ألف كتابه ليساعد طلاب العربية على تفهم معاني المفردات، وانه لذلك وضع كتابه موجزًا ليسهل عليهم حفظه، وإذا كان هذا هو الحال، فإن الشدياق لم يكن مرتاحًا لاختيار القاموس ترتيب الصحاح كأساس يسير عليه، وكان الأوفق أن يتبع الترتيب العادي الذي سار عليه ابن فارس في المجمل؛ لأنه أسهل من الناحية العملية، ولم نعد بحاجة الآن إلى ترتيب القافية الذي يخدم السجع والشعر، وإذا كان لا بد للسجع والقافية من شيء يخدمهما، فليكن لهما كتاب خاص، ولقد دعا الشدياق علماء اللغة إلى ترك النظم؟؟؟؟ في كتابة معاجمهم المستقبلة على أساس الترتيب العادي. على أنه هو نفسه لم يلتزم ذلك "في سر الليال" كما سيأتي توضيحه. ٢- ترتيب المشتقات: إذا فرض وأردنا أن نعالج مادة في المعجم مثل "ع د د "، فإننا نجد لها كثيرًا من المعاني المختلفة التي تدخل تحت ما يسميه اللغويون "بالمشترك اللفظي" كما نجد لكل معنى من هذه المعاني كثيرًا من المشتقات التي تندرج تحت الأصل الواحد. والكلمات المستعملة لتلك المعاني المختلفة، والمشتقات المتعددة لم تسجل في القاموس تبعًا لنظام معين بل وضعت جزافًا، وإن على القارئ أن يراجع المادة جميعها ليستخرج منها طلبته، ولكننا من ناحيتنا لا نرى أن هذا النقد ينصب على القاموس وحده، بل يشاركه في ذلك معظم المعاجم السابقة له خصوصًا الكبرى منها مثل اللسان والتهذيب. ٣- شرح المفردات. لقد أخذ الشدياق على الفيرزآبادي أنه ملأ كتاب بكثير من أسماء الأعشاب الطبية، واستطرد إلى ذكر فوائدها كما لو كان كان كتابه معجمًا طبيًّا، وهو يرى أن ذلك خارج عن اختصاص كتابه، كما أخذ عليه أنه حشى القاموس بكثير من

стр. 108

أسماء الأعلام التي لا تمت للأدب ولا للغة بصلة، وأنه حتى في ترتيبها لم يضعها في مكانها الطبيعي، ورغم أن أغلبها أعلام أجنبية لم يكن قد تناولها التعريب، فإن الفيروزآبادي لم يحالفه الصواب في ترتيبها إذ افترض أن لها أصولًا، وفيها زوائد نعاملها معاملة الأسماء العربية، على حين أنه يجب اعتبار حروفها جميعًا أصولًا. ٤- تعليق القاموس على الصحاح: لقد لاحظ الشدياق أن الفيروزبادي كان شديد اللهجة على الجوهري، فكان يتتبع سقطاته، كما كان مولعًا بذكر المواد التي أهملها الجوهري والتنبيه عليها، وبعض هذه الأشياء كان صاحب القاموس فيها محقًّا، وبعضها كان فيها متحاملًا. ونحن من جانبنا نرى أن صاحب الحاسوس كان متحاملًا على الفيروزآبادي تحاملًا كثيرًا حين تتبع سقطاته، ليوهم القارئ أن صاحب القاموس قد تجنى على اللغة واللغويين، وقد أوحى إليه هذا الاتجاه أن يختار لكتابه اسم "الجاسوس على القاموس"، ولا نظن أن أسلوب السجع يبرر له ذلك. ٥- الفصيح: لقد انتقد الشدياق على النظرية التقليدية التي تحدد الفصيح في العربية بالعصر الجاهلي، والأموي أي بحوالي ثلثمائة سنة، ولا تعتد بشعر الشعراء الذي ورد بعد هذه الفترة، ومن العجب أن النقاد اللغويين قد يعترفون بأن شاعرًا ما قد بلغ من الجودة مبلغ من سبقوه إن لم يكن يفوقهم، ولكنه مع هذا لا يحتج بشعره. وقد طالب بأل تحدد فترة الفصيح بزمن معين بل أن أي شاعر يعترف له بالجودة يمكن أن يحتج بشعره، كما ذكر أن اللغويين السابقين كان عليهم أن يذهبوا

стр. 109

إلى البادية ليستمعوا من الأعراب، ويسجلوا ما سمعوه بأنفسهم بدلًا من اعتمادهم الكلي على الرواية؛ لأن الرواة إما أن يتركوا بعض المواد التي اعترف بفصاحتها في اللغة، وإما أن يضيفوا من عندهم بعض ما لم يوثق به فيها. وقد أوقع هذا أصحاب المعاجم إما في النقص أو الزيادة، فمثال الأول الجوهري في صحاحه، ومثال الثاني الصغاني في عبابه، أما الفيروزآبادي في القاموس فهو في نظر الشدياق مثال للاثنين معًا. ٦- المطاوع: وهنا نجد أن الشدياق قد اعترف بأن القاموس ليس وحيدًا من بين كتب اللغة في ذكره بعض الهفوات أو الأخطاء، بل إنه وجد أن هناك قاعدة نحوية مشتركة قد أوقعت اللغويين جميعًا في الخطأ، وتلك هي القاعدة التي تقول بأن الفعل المطاوع لازم إذا كان فعله الأصلي متعديًا، وقد اكتشف الشدياق بعد مراجعة اللسان، والتاج بجانب القاموس أن كثيرًا من الأفعال المطاوعة تكون متعدية أيضًا مثل أصلها بل إنه في بعض الأحيان يجد المطاوع متعديًا حينما يكون الأصل لازمًا. وقد أفرد صاحب الجاسوس فصلًا خاصًّا ذكر فيه هذه الأفعال مرتبة ترتيبًا أبجديًّا من الألف إلى الياء -ولكنه لم يضعها على حسب الترتيب المتداول المعروف، بل وضعها على حسب ترتيب القافية أيضًا في الوقت الذي كنا نتوقع فيه أنه سيلتزم الترتيب الذي دعا اللغويين إليه ليكون أسهل من الناحية العملية. وهكذا نجد أن الشدياق في نقده على القاموس لم يسلم من ارتكاب بعض المآخذ التي كان يود ألا تقع فيه.

стр. 110

"ب" سر الليال: هذا الكتاب موضوع تطبيقًا لنظرية لغوية في منشأ الكلمات، وهي النظرية التي تقول بأن الكلمات نشأت في اللغة محاكاة لبعض أصوات الطبيعة، أو الحيوانات أو الحركات التي تحدثها الآلات المستخدمة في معيشة الإنسان. كما أن الكتاب يطبق كذلك النظرية الثنائية التي تقول بأن أصل الكلمات في العربية حرفان فقط، ثم يتفرع عن كل أصل أو مقلوبه مواد أخرى، ولكنها جميعًا تشترك في معنى واحد عام هو ما يعتبر أصلًا لكل تلك المواد. وقد مثل الشدياق بكلمة "قط"، فذكر أنها حكاية لصوت القدوم، وما يشبهه حين تقطع به الأخشاب، وإنها من بعض الوجوه تشبه الكلمة الإنجليزية "CUT" معنى ولفظًا. ورتب على هذا أن المواد: قطف، قطع، قطم، قطش، كلها متفرعة من الأصل "قط"، كما أنه وجد أن بعض الحروف قد تتناوب مثل "جدف، جدث"، وبعض قد يتبادل الموضع مثل "جذب، جبذ، أيس -يئس، لي - لبب". وعندما أراد الشدياق أن يسجل قائمة المفردات ليشرحها لم يضعها حسب الترتيب العادي كما كنا نتوقع، ولا على حسب القافية، ولا على حسب مخارج حروف الحلق كما فعل الخليل، ولكنه اتخذ لنفسه نظامًا معقدًا انتظم كل هذه الترتيبات: "أ "ح خ ع غ هـ" ب ت ث ج * * د ذ ر ز س ش ص ض ظ * * ف ق ك ل م ن * وي. فما بين القوسين الكبيرين يشمل حرف الحلق التي وضعها أولًا -لأنها كما أراد أن يبين لنا هو- لها خصائص معينة فيجب أن توضع أولًا. وما بين القوسين الصغيرين يشمل حروف الحلق في رأي المعاجم التي اتبعت نظام الخليل، أما الهمزة فقد وضعت فيها مع حروف العلة في آخر الأبجدية.

стр. 111

وأما العلامة * فتدل على موضع حرف الحلق من الأبجدية العادية الذي نقل من موضعه الأصلي إلى المجموعة الأولى بين القوسين. وزيادة على هذا فقد اتبع نظام التقليبات، فذكر مثلًا كلمتي "رد، در" في موضع واحد، وكذلك الحال في "حب، يح". والأكثر من هذا أنه عند ترتيبه لهذه الكلمات نجد أنه قد رتبها حسب نظام القافية. فإذا أردنا أن نعرف أين موضع كلمة "كتب"، فعلينا أن نعرف أن أصل مادتها "ك، ت" فقط، وحيث إن "ت" مقدمة في أبجديته على "ك"، فنتوقع أن نجد الأصل "ت ك" الذي يندرج تحت مقلوبه "ك ت" في فصل التاء. وكان من الممكن للشدياق أن يسير على نظام التقليبات الذي اتبعه الخليل، حيث إنه وضع حروف الحلق أول القائمة، وحيث إنه كذلك وضع الأصل ومقلوبة في موضع واحد. ولكنه بدلًا من هذا يبتدع لنا نظامًا جديدًا يحوي كل الصعوبات التي اعترضت النظم السابقة، فكيف يمكنه بعد هذا أن يعترض على القاموس أو غيره في ترتيبه. وبقطع النظر عن الترتيب فقط طبق في كتابه النظرية الثنائية في اللغة تطبيقًا لا بأس، وليس معنى هذا أننا نوافق على صحة النظرية أو خطئها، فهذا بحث آخر ليس مجاله هنا. وعلى العموم فإن الأفكار التي دونها الشدياق في كتابيه "الجاسوس، سر الليال" كانت البذور الأولى للباحثين من المحدثين الذين أوسعوها بحثًا، وتمحيصًا فيما بعد، خاصة جورجي زيدان في كتابه فلسفة اللغة، والكرملي في كتابه نشوء اللغة العربية وتطورها، وكان كل هذا دافعًا للبحث اللغوي أن تتولاه الهيئات التي كونت فيما بعد بصفة رسمية في صورة المجمع اللغوي، في بعض الأقطار العربية.

стр. 112

الباب الرابع: المرحلة الثالثة من ترتيب المعاجم مرحلة الترتيب الأبجدي العادي تنظيم الأبجدية العادية ... تنظيم الأبجدية العادية: والمقصود بالأبجدية العادية هو ما نسير عليه اليوم من ترتيب. اب ت ت.... ي ونذكر لنا كتب الطبقات أن المحدثين كانوا أسبق من اللغويين في وضع الأسس الأولى لهذا الترتيب، فهذا أبو عبد الله البخاري يرتب أسماء الرواة على الأبجدية العادية، ولكنه يراعي فقط الحرف الأول من الاسم١، وهذا ابن قتيبة ايضًا يرتب كتابه "غريب الحديث" الذي جمع فيه الكلمات الصعبة في الأحاديث لشرحها -على حسب الحرف الأول أيضًا. ولقد كانت الصلة قوية بين علوم اللغة وعلوم الحديث، فقد كانت التربية الأولى في ذلك العصر تتيح للطالب أن يدرس قدرًا لا بأس به من علوم الشريعة من حديث أوفقه، وقدرًا في علوم اللغة والبلاغة، ثم إذا اختار أن يتخصص في أحد العلوم الشرعية، فإن الفروع المختلفة من علوم اللغة تساعده على فهم النص، ومن ناحية أخرى فإن المتخصص في أحد العلوم اللغوية في حاجة إلى دراسة شيء من أدب القرآن، والحديث كذلك. وعندما تقدم الزمن بالفئتين وظهرت المعاجم التي التزمت الأبجدية العادية التزامًا دقيقًا بمعنى أنها راعت في ترتيب الكلمات الحروف: الأول والثاني والثالث كذلك نجد أن غريب الحديث يتخذ شكل معجم بالمعنى الكامل، فظهر للزمخشري كتاب "الفائق" كما ظهر لابن الأثير كتاب "النهاية".

стр. 113

المجمل والمقاييس لابن فارس: في أواخر القرن الرابع الهجري ظهر معجمان كان ترتيب الكلمات فيهما هو الأول من نوعه إذ التزم المؤلف في كل منهما نظام الأبجدية العادية مع فارق يسير، والكتابان لمؤلف واحد هو ابن فارس. نشأ أحمد بن فارس في قزوين، وهمدان حيث تلقى المرحلة الأولى من تعليمه، ثم رحل إلى بغداد حيث أخذ علوم اللغة من أشهر علمائها في ذلك الوقت أمثال الخطيب، وابن القطان١، وابن طاهر المنجم، وقد بلغ من مركزه العلمي أن استدعاه إلى "الري" فخر الدولة بن بويه لتأديب ولده مجد الدولة، كما كان له من المكانة ما جعله أستاذًا للأدبيين المشهورين الصاحب بن عباد، والبديع الهمداني، ورغم أنه كان فارسي الأصل إلا أنه كان متشيعًا للعرب ضد الشعوبية. ومن بين كتبه التي لها صلة بمعجميه: الصحابي وكتاب الثلاثة. أما كتابه الأول فاسمه الكمل "الصاحبي في فقه اللغة، وسنن العرب في كلامها". وهو أول كتاب كامل من نوعه تعرض فيه للمسائل اللغوية الهامة، وقد اتخذه السيوطي فيما بعد أساسًا لكتابه "المزهر". وأما الكتاب الثاني "كتاب الثلاثة"، فقد جمع فيه بعض المواد اللغوية التي تتشابه في كل منها معاني الأصول الثلاثة مهما قلبت في أي وضع، وقد كان هذاالكتاب أساسًا لمعجمه "المقاييس". وله بجانب هذا رسائل أخرى صغيرة كالإتباع، والمزاوجة، وأيضًا ذم الخطأ

стр. 114

في الشعر الذي ذهب فيه إلى أن الشعراء الأول حتى الجاهليين منهم غير معصومين من الخطأ، "فما ورد١ من كلامهم موافقًا لسنن كلام العرب، فمقبول وما ورد غير ذلك فمردود"، وقد أعلن في صراحة أن امرأ القيس مثلًا قد أخطأ حين قال: فاليوم أشرب غير مستحقب ... إنما من الله ولا واغل بتسكين الباء من "أشرب"، ولم يقتنع ابن فارس بالتأويلات المتكلفة التي يذكرها النحاة، واللغويون لينزهوا أمرأ القيس من الخطأ، وقال أيضًا: إن شعراء عصره المجيدين يمكن أن يحتج بشعرهم، وهذا رأي له من الخطورة، والجرأة مبلغ كبير في ذلك العصر الذي تمسك بالتقليد القائل بأن الاحتجاج مقصور على الجاهليين، والأمويين من الشعراء فقط. أ- المجمل: هذا هو المعجم الذي اشتهر به ابن فارس، فقد عبر اللغويون المتأخرون حين الحديث عنه بقولهم مثلًا "أساس الزمخشري، ومجمل ابن فارس". وقد نظم هذا المعجم على أساس ترتيب الأبجدية العادية، مراعيًا ذلك في كل أصول الكلمة بما فيها الأول، والثاني، والثالث وهكذا. وكان ابن فارس يعقد فصلًا لكل حرف من حروف الهجاء، ويقول فيه مثلًا باب الحاء وما بعدها. وكان المتبادر للذهن أن يبدأ فصل الحاء، وما بعدها مثلًا بالحاء والهمزة مع بقية حروف الهجاء، ثم الحاء والياء ثم الحاء والتاء، وهكذا، ولكن كلمة "وما بعدها" استعملها ابن فارس لتعني شيئًا آخر، فكان أن قصد بها ما يليها في ترتيب الأبجدية العادية، وهو الخاء

стр. 115

في حالتنا هذه فبدأ بالحاء والخاء، ثم الحاء والدال، وهكذا إلى الحاء والياء وهنا نجد أنه عند انتهاء الأبجدية يعود ثانيًا إلى أولها، فيذكر الحاء مع الهمزة، ثم مع الباء فالتاء فالثاء إلى أن يختتم هذا الباب بالحاء مع الجيم. فإذا تصورنا أن الأبجدية منتظمة في شكل دائرة، فإن الترتيب يبدأ من الحروف المعين مبتدئًا بتأليفه مع ما يليه في الدائرة، ثم ينتقل إلى الحرف الثاني، وهكذا حتى تعود الدائرة من حيث بدأت، وهكذا. هذا من حيث التنظيم. أما من حيث القيمة اللغوية للمجمل، فقد ذكر ابن فارس في مقدمته أنه وجد أن مفردات اللغة العربية فوق الحصر، وأنه من غير الممكن جمعها كلها في كتاب واحد، ولذا فإنه سوف لا يهتم بذكر النوادر والغريب، وإنما سيقتصر على ذكر المستعمل من الألفاظ في عصره، وقد جعل الشرح أيضًا موجزًا، كما استعمل أسلوب الرواية، والنقل عن اللغويين المختلفين شأنه في ذلك شأن معاصريه، ولكنه لاحظ أن روايات اللغويين الأسبقين متداخل بعضها في بعض، وقد عرض لذلك في المقدمة عند ذكر أمهات مراجعه التي وصفها بقوله: "أغلاها وأشرفها كتاب العين في اللغة للخليل بن أحمد، والجمهرة لابن دريد، وكتابا أبي عبيد: المصنف والغريب، "وإصلاح" المنطق لابن السكيت، ثم قال: تداخل كلامهم في كلام بعض: "قالوا: الأب هو إلخ". ولقد طبع قسم بسيط من المجمل، ولكن بدون فهارس أو تحقيق دقيق.

стр. 116

ب- المقاييس: تنظيم المفردات فيه مثل تنظيمه في المجمل، أما منهجه في شرح المفردات فقد ابتكر شيئًا جديدًا، وهو أنه حاول أن يوجد لكل مادة من المواد معنى مشتركًا عامًّا بحيث يمكن أن يدمج فيه كل المعاني الفرعية حقيقية، أو مجازية وكذلك ما يبدو في اصطلاح البلاغيين أنه مشترك لفظي حاول أن يربط بين المعاني الفرعية المختلفة لكل لفظ منها ليدمجها في المعنى العام كذلك، وعلى هذا فإذا ورد مفرد جديد لم يكن مستعملًا من قبل ولكن له أصلًا، ومادة وجد منها بعض المشتقات فإنه يبيحه، ويعلق عليه بقوله والقياس لا يأباه أو القياس يقتضيه. وبناء على هذه النظرية يمكن في عصرنا الحاضر أن نذكر في القاموس كلمة "تصنيع"، وإن لم ترد في المعاجم السابقة؛ لأنه قد ورد أصل المادة "ص ن ع" وكثير من مشتقاتها. ولقد طبع المقاييس أخيرًا في مصر١، وبذل محققه فيه مجهودًا يشكر، وذيله بالفهارس الوافية المختلفة كما بدأه بتصدير قيم عرفنا فيه بابن فارس وكتابه. ولكن الأستاذ المحقق اعتمد في الطبع على صورة في القاهرة لمخطوطة في إيران. وأكمل ما وجد من نقص من كتاب المجمل مع التنبيه عليه، ولكنا عثرنا على نسختين أخريين في لندن إحداهما في المتحف البريطاني، والأخرى في الديوان الهندي. وقد قارناهما بالنسخة المطبوعة فلم نجد كبير اختلاف. وهذا وقد اعتمد المجمع اللغوي في قاموسه الجديد "المعجم الكبير٢" على آراء ابن فارس في ذكر المعنى العام لمواد اللغة.

стр. 117

أساس البلاغة للزمخشري: إن ترتيب المفردات حسب الأبجدية العادية قد التزم التزامًا كليًّا في المعاجم العربية لأول مرة حينما ألف الزمخشري كتابه أساس البلاغة في القرن السادس الهجري، ومن بين مؤلفات الزمخشري التي لها صلة بكتاب الأساس "الفائق في غريب الحديث، والكشاف في تفسير القرآن". أما الفائق فقد جمع فيه الزمخشري مفردات الحديث التي تحتاج إلى إيضاح، ورتبها على حسب الأبجدية العادية، ليشرح معانيها. وأما الكشاف فرغم أنه كتاب تفسير القرآن، إلا أن الفكرة البلاغية التي كانت متسلطة على الزمخشري، وهي إثبات الإعجاز للقرآن عن طريق بيان أوجه البلاغة في أسلوبه قد أدته إلى عدم الموافقة على بعض الروايات التي تثبت أن لله يدًا، ولكن لا كأيدينا أو أنه تعالى مستو على العرش حقيقة، وإنما كل أولئك، وأشباهه كان في نظره مجازًا عبر عنه بكلمة "التمثيل"، وهذا يتفق مع مذهبه المعتزلي الذي كان ينتسب إليه، وكذلك كانت فكرة المجاز والحقيقة هي الدافع الأول الذي تحكم في منهجه حين ألف الأساس. أما كتبه الأخرى فأشهرها "المفصل"، وبعده النقاد ثاني كتاب في النحو بعد كتاب سيبويه، كذلك طرق ميدان الأدب فألف "الكلم النوابغ"، وهي حكم مسجوعة تشبه من بعض الوجوه كتب المقامات. كتاب الأساس: اسمه الكامل: أساس البلاغة، وليس كما يفهم من عنوانه أنه أبحاث في علوم البلاغة، ولكنه معجم لشرح المفردات العربية المختلفة، والفكرة

стр. 118

الأساسية فيه، هي التفرقة بين المعاني الحقيقية، والمعاني المجازية للألفاظ وقد ذكر في مقدمته أن الناشئة في عصره بحاجة إلى كتاب تبسط فيه الألفاظ العربية، وتوضح معانيها المجازي منها والحقيقي، وكذلك مفردات القرآن حين يعرض لها في كتابه، فهو يعني بتبيان المعنى الحقيقي أو المجازي، كما عنى باقتباس تعبيرات بأكلمها من الكتب الأدبية ليوضح فيها استعمال المفردات المختلفة في جمل، فهو بهذا لم يقتصر على التقليد المتوارث من شرح المفردات بالروايات والآراء المتعددة، وقد جعله هذا يقتبس كثيرًا من شعر المتأخرين، ونثرهم مما يوحي بأنه لا يقف عند فترة معينة في نظرية الاحتجاج، ولم ينس كذلك أن يقتبس من كتابه "الكلم النوابغ"، فمثلًا عند المادة "ح ص ن" قال: تقول ركب الحصان وأردف الحصان١. ومن العجيب أن اللغويين المتأخرين كصاحب القاموس، وصاحب اللسان رغم اطلاعهم على "الأساس"، واقتباسهم عنه لم يشاءوا أن يتبعوا طريقته اليسيرة في تنظم المفردات بل عدلوا عنها إلى ترتيب الجوهري الذي اتخذ نظام القافية أساسًا في كتابه "الصحاح"، وقد يكون لهم بعض العذر أن يعدلوا عن ترتيب ابن فارس، وألا يلتزموه التزامًا حرفيًّا، لما فيه من ذكر المواد لا على اعتبار أن الأبجدية تبدأ بالهمزة بل كل حرف بعد مبدأ في بابه، ومع أن الزمخشري قد التزم ذلك التزامًا كليًّا لم يقتنعوا بأن يقتفوا أثره، ولعل المانع لهم من ذلك أنهم لم يرضوا عن منهج "الأساس" في الحقيقة والمجاز، وأنه قد مثل ببعض عبارات المتاخرين ممن لا يحتج بكلامهم في نظر أصحاب تلك المعاجم، أو أنه كان لمذهب المعتزلة الذي اعتنقه الزمخشري -والمتأخرون من اللغويين سنيون- دخل في ذلك، وقد ذكر البعض أنهم عدلوا عن ترتيب الأساس؛ لأنه لا يحتاج

стр. 119

إلى مهارة لغوية كما يحتاج ترتيب القافية، ولكن إذا عرفنا أن صاحب اللسان قد ذكر في مقدمته أنه لم يجد، أو في من محكم ابن سيده -وهو الذي سار على ترتيب الخليل، ويحتاج لكل المهارة اللغوية في ترتيبه- ولكنه عدل عنه لصعوبته. فكأن ابن منظور وجد أن ترتيب القافية أسهل نوعًا من ترتيب الأبجدية الصوتية، ولم يشأن أن يدخل في حسبانه ترتيب الزمخشري، ولكن في القرن التاسع عشر ابتدأ اللغويون يرجعون إلى نظام الأساس؛ لأنه أسهل من الناحية العملية.

стр. 120

الموجزات: لقد كان ترتيب الأساس دافعًا لمؤلفي الموجزات أن يقتفوا أثره حتى إننا نجد أن مختار الصحاح -وقد ألف مبدئيًّا على تنظيم أصله الصحاح يعاد تنظيمه من جديد على ترتيب الأساس، كذلك من بين المعجمات الموجزة التي اتبعت الأبجدية العادية كتاب المصباح المنير: أ- طبعة المختار الثانية: لقد أعيد طبع مختار الصحاح عندما اختير ليكون كتابًا مدرسيًّا في مدارس مصر، وقد سبق أن أشرنا إلى علاقة المختار بالصحاح، ونضيف إلى هذا أن المختار قد استعمل "مفاتيح" أدق من التي استعمالها الفيروزآبادي في القاموس. وبهذه "المفاتيح" أمكنه أن يستغني عن التشكيل إلى حد ما. أما تلك المفاتيح التي استعملها، فلم تقتصر على ضبط الفعل فقط بل تدل أيضًا، وتغني عن ذكر المضارع والمصدر. فمثلًا إذا قال: إن فعلا ما من باب خضع فمعنى هذا أن الماضي والمضارع في ذلك الفعل مفتوحًا العين، وأن المصدر بزنة خضوع، وكذلك إذا قال: إنه من باب باع، فمعنى هذا أن مضارعه مثل يبيع ومصدره مثل يبيع وهكذا، وهذه المفاتيح هي:

стр. 121

ب- المصباح المنير: وترتيبه كترتيب الأساس، وقد أكثر فيه مؤلفه "الفيومي المتوفى ٧٦٦هـ" من الاصطلاحات الفقهية، واللغوية ولولا أنه فعل ذلك لكان كتابه صنوا لسابقه المختار، والذي دعا المؤلف إلى ذكر كل تلك المصطلحات، والاستطرادات أنه كتب معجمه أولًا وبالذات ليشرح به ألفاظ شرح الوجيز الذي كتبه الرافعي على وجيز الغزالي، وقد ملأ الفيومي المصباح بالروايات المختلفة نقلًا عن اللغويين، وأصحاب المعاجم، وقد عثرنا على بعض الروايات عن الخليل، وليس معنى هذا أن الفيومي رأى كتاب العين، ولكن يظهر أنه نقل عنه بوساطة المجمل أو الجمهرة، أو غيرهما من الكتب المتعددة التي ذكرها كمراجع في مقدمته.

стр. 122

المعاجم اللبنانية الحديثة: لقد تمكن اللغويون في لبنان أن يعيدوا وضع المعجم العربي من جديد مستعينين في ذلك بخبرات السنين الطوال التي مرت على تنظيم المعجم، كما أن دعوة الشدياق في ترك ترتيب القافية قد وجدت صداها لديهم، وإذا أضفنا إلى هذا أنهم كانوا أسبق من غيرهم في "الشرق اتصالًا بالغرب١، وتأثرًا بثقافته فإنا نفهم كيف أنهم عنوا بتلك الناحية، فأخرجوا لنا المعاجم المطولة على الترتيب الأبجدي العادي. وتمتاز تلك القواميس إلى جانب ترتيبها أنها واضحة العبارة كاملة الشواهد. إلا أنها من ناحية أخرى لم تتخلص من ربقة الزاوية. وسنقتصر على ذكر قاموسين فقط وضع كلا منهما عالم لغوي ينتمي إلى طائفة دينية خاصة كان بينها، وبين زميلتها تنافس شديد، وهما: طائفة المارونية التي نبتت معجم "محيط المحيط، للبستاني"، وطائفة الجزويت التي تبنت معجم "أقرب الموارد، للشرتوني". أ- محيط المحيط: ألف هذا الكتاب العالم اللغوي بطرس البستاني، وقد ذكر في مقدمته أنه وجد أن اللغة العربية بحاجة إلى قاموس عصري مرتب ترتيبًا يسهل استعماله، وأنه وجد كذلك أن القاموس مع شهرته، وكثرة تداوله صعب الاستعمال في هذا العصر نظرًا لترتيبه المبني على القافية، فالحاجة إذن ماسة إلى معجم يشمل "القاموس"، ويزيد عليه بعض ما نحن في حاجة إلى معرفته مستخرجًا ذلك من

стр. 123

المعاجم اللغوية الأخرى، وقد عبر عن ذلك في المقدمة بقوله١: "ولما كان أملنا جمع كل ما في القاموس المحيط للفيروزآبادي، وكل ما في كتب اللغويين، فقد دونا كل ذلك في كتاب وأسميناه "محيط المحيط"، وفي آخر فصل الراء٢ كتب يقول: وألحقت فيه كثيرًا من الفوائد والقواعد، والشوارد وغير ذلك مما لا يتعلق بمتن اللغة، وذلك لكي يكون هذا الكتاب شاملًا، يجد فيه كل طالب مطلوبه من هذا القبيل". وهذا الاتجاه قد دعاه إلى أن ينقل عن كتب أخرى كثيرة بجانب نقله عن المعاجم المتداولة، فهو مثلًا ينقل عن السيوطي، والبيضاوي، والجرجاني، وأبي البقاء وأضرابهم، وقد لاحظنا أنه يذهب في الشواهد مذهبًا يقارب مذهب الزمخشري في ذلك، فهو لا يمانع أن يروي لشعراء متأخرين من عصر ما بعد "الاحتجاج"، فهو مثلًا يستشهد بشعر الحريري المتوفى ٥١٦هـ كما ينقل عن غيره من الشعراء "المحدثين"٣. ولكنه في هذا لم يجعل شعرهم بمنزلة شعر الجاهلين، أو الإسلاميين في درجة واحدة، بدليل أنه كان عند ما يستشهد ببيت لشاعر محدث كان يقدم له بكلمة "ومنه". أما الروايات التي ذكرها البستاني في معجمه، فلم تعد كثيرًا ما نراه في المعاجم العربية الأولى،. فبين الحين والحين تظهر لنا أسماء: الخليل، والكسائي، سيبويه، الأزهري، الجوهري، ابن فارس، الفيروزآبادي، الفيومي. ولكن ليس معنى هذا أنه قد رجع لكل واحد من هؤلاء ليطلع على مؤلفه، فلم تكن روايته في ذلك من أوله درجة، بل كان ينقل من كتب المتأخرين، بما في ذلك

стр. 124

الرواية. فليس معنى ذكره، وقال الكسائي أنه أطلع على كتاب "الكسائي في اللغة بل نقل هذه العبارة عن كتاب آخر ذكرت فيه. أما بالنسبة لكتاب العين، فقد روى البستاني عنه مرة تحت اسم الليث، ومرة تحت اسم الخليل شأنه في هذا شأن صاحب اللسان، وغيره من الذين نقل عنهم وقد وجدنا له تعبيرًا جديدًا في ذلك حين قال في مادة "د ج ن" "الدجنة: الظلماء، وفي كتاب الخليل: لو خففها الشاعر لجاز"، وبالرجوع إلى كتاب العين وجدنا العبارة تقرب جدًّا من هذا إذ ورد فيالمادة نفسها "الدجنة: الظلماء، وللشاعر أن يخفف". وليس لنا أن نستنتج من هذا أن البستاني نقل عن كتاب العين مباشرة إذ ليس لنا دليل على أنه رأى الكتاب؛ لأنه في مادة "خ ل ل" ذكر فقرة صغيرة من حياة الخليل، ولم يذكر شيئًا بالنسبة للعين. ولقد اهتم اللغويون المعاصرون بكتاب محيط المحيط، فالشيخ إبراهيم اليازجي صديق البستاني يعلق بهوامش الكتاب تعليقات لغوية يمكن وصفها بأنها توضيح أو استدراك، وقد جمعت هذه التعليقات فيما بعد في صورة كتاب١، ولقد تغالى اليازجي حين وصف المحيط بأنه أعظم حدث في عصر المؤلف. كما جاوز حد الاعتدال حين نعت أقرب الموارد بأنه نسخة أخرى عن محيط المحيط تحت اسم جديد، فكأنه يعيد بذلك عهد التنافس بين الأزهري، وصديقه نفطويه من جهة، وبين ابن دريد صاحب الجمهرة من جهة أخرى حين اتهم الأخير بسرقة كتاب العين تحت اسم جديد.

стр. 125

ب- أقرب الموارد: ومؤلفه الشيخ سعيد الشرتونى الذي أخرج كتاب النوادر لأبي زيد، وذيله بالفهارس كما كتب عليه تعليقات هامة. ولقد ذكر لنا الشرتوني في المقدمة منهجه الذي وضعه في الأمور الآتية: ١- أنه سيرتب الكلمات على الأبجدية العادية كما فعل البستاني في "المحيط"؛ لأن هذا أسهل من الناحية العملية. ٢- سوف يقتصر في كتابه على "الفصيح" كما أنه سوف لا يذكر المفردات المتعلقة بالأمور الجنسية. ٣- من حيث التشكيل سوف يستعمل بعض الرموز التي تدل على مفاتيح لنطق الكلمات تشبه المفاتيح التي استعملها الرازي والفيومي،. فإذا ذكر "ن" التي يرمز بها لكلمة "نصر"، فإن معنى هذا أن الفعل الذي هو بصدده من باب نصر، وهذه الرموز هي: ن = نصَر ... التي مضارعها ... ينصُر ض = ضرَب ... التي مضارعها ... يضرِب ع = قطَع ... التي مضارعها ... يقطع ل = عِلم ... التي مضارعها ... يعلَم ر = كرُم ... التي مضارعها ... يكرُم س = حسِب ... التي مضارعها ... يحسب فنرى أنه في الفعلين الأولين استعمل الحروف الأولى كرموز، وفي الفعل الثالث استعمل الحرف الأخير كما أنه في الأفعال الثلاثة الأخيرة استعمل الحرف الوسط، وكان حققه ألا يشتت، ويستعمل نظامًا موحدًا في الجميع.

стр. 126

وإذا قارنا بين المحيط وأقرب الموارد يمكننا أن نرى أهم الفروق بينهما تتمثل فيما يلي: ١- لقد استغنى الشرتوني عن ذكر أغلب القواعد النحوية، والصرفية مما ليس له أهمية في توضيح معنى الكلمة. ٢- لم يكثر الشرتونى من ذكر أسماء الرواة -كما فعل البستاني. ٣- لم يصرح أقرب الموارد كذلك في أغلب الأحيان بأسماء الكتب التي نقل عنها. لقد هيأت ظروف الطباعة للشرتونى أن يكون كتابه أحسن إخراجًا من المحيط. كما أنه استعمل بعض التنظيمات التي تعين على فهم تقسيماته في الكتاب. فمثلًا طبعت الكلمات المراد شرحها بنموذج أكبر، كما ذكرت أصول المواد بين قوسين خاصين، وهكذا. ٥- بالنسبة للمشتقات التي تندرج تحت مادة واحدة نجد أن الشرتوني قد التزم فيها طريقة معينة إلى حد ما بحيث لم يقع كثيرًا في التكرار، والاضطراب الذين وقع فيهما كثير قبله كابن منظور مثلًا، فذكر أولًا المجردات ثم الزيدات بحرف واحد ثم بحرفين وهكذا. ومهما قيل في المحيط وأقرب الموارد، فإنهما قد قطعا خط الرجعة على ترتيب القافية بحيث لا يمكن التفكير في تأليف معاجم جديدة على نظامه، وبذلك فتحًا الطريق أمام معاجم وافية تسد النقص، وتفي بحاجتنا في العصر الحديث.

стр. 127

معاجم المستشرقين: لقد أدلى المستشرقون بنصيبهم في تأليف معاجم لشرح المفردات العربية، فمنهم من وضع معجمة باللغة الأوربية١ وأشهر هؤلاء "لين LANE" إذ كتب معجمًا أسماء "مد القاموس"، ومنهم من أخذ الأهبة لوضع معجم باللغة العربية مثل "فيشر" الذي أراد أن يضع معجمًا تاريخيًّا للغة العربية. أ- معجم لين: لقد ذكر لين في المقدمة أنه قد استعان بمعظم القواميس العربية المخطوط منها، والمطبوع كما أنه كتب فقرات صغيرة عن كل معجم ومؤلفه. كذلك عالج بعض المسائل اللغوية الهامة مثل "ما هو الفصيح، نظرية الاحتجاج وغيرهما". ولأول مرة نرى قاموسًا مطولًا ينقل عن الرواة، واللغويين المتقدمين نقلًا يعتبر من أول درجة، فلم يفعل كصاحب القاموس أو اللسان مثلًا، عندما يذكران رواية عن الكسائي أو الخليل. إذ لم يكن هذا يعني أنهما رأيا مؤلفات هذين اللغويين ليقتبسا عنهما. وعلى هذا حينما يذكر "لين" عبارة قال ابن سيده، أو قال الأزهري فمعنى هذا أنه قد رأى بنفسه كتابي "المحكم، والتهذيب"، وفي حالة النقل عن رواة لم يستطع هو أن يرى كتبهم، فإنه يذكر المصدر الذي نقل عنه هذه الرواية.

стр. 128

وبهذه المناسبة نورد هنا ما كتبه "لين" عن كتاب العين. إذ قال بأنه حاول جاهدًا الحصول على المخطوطة فلم يستطع، وقد جعل للكتاب قسمًا كبيرًا في مقدمته التي استعرض فيها أمهات المعاجم، فذكر طريقته الصوتية وشرحها وقد اكتفى بترديد ما قاله السيوطي في موضوع مؤلف العين، ولكن باختصار، وعلى العموم نستطيع أن نستنتج رأيه من تعبيره في المقدمة بقوله: "كتاب العين للخليل بن أحمد". ب- معجم فيشر: قد يكون هذا تجاوزًا في التعبير إذ عرفنا أن هذا المعجم لم ير النور بعد؛ لأن الموضوع لا يزال مشروعًا، ونظر للمجهود الكبير الذي قام به فيشر في سبيل إعداد البطاقات الخاصة بمشروعه، وما وضعه من مبادئ تعد أساسًا صالحًا لمعجم واف، مع شيء من التعديل فإنا قد نتساهل في وصفه بالمعجم. كيف وضع فيشر معجمه؟ يحدثنا فيشر عن ذلك في رسالة منفردة نشرها المجمع اللغوي المصري١، فيقول بأن اهتمامه الجدي في تلك المسألة يرجع من الناحية الرسمية إلى عام ١٩٠٧م عندما عرض على المؤتمر العام في مدينة "باسل BASEL" للمستشرقين الألمان. وقد نشر تقرير عن هذا الاجتماع جاء فيه ما يلي: "تكلم الأستاذ الدكتور فيشر من ليزج" عن مشروع قاموس عصري للغة العرب الفصحى، وقد أبان أن القواميس العربية الموجودة التي ألفها الغربيون، وبخاصة تلك التي عالجت الفصحى لعهدها القديم لا نفي مجال

стр. 129

من الأحوال بالمطالب العملية، وذلك لأسباب أهمها أنها لم تعتمد على كتب الأدب الموجودة بل نشأت من القواميس التي ألفها العرب، وإن كانت هذه قيمة جدًّا. ويرى الأستاذ فيشر أنه لا ينبغي أن ينفرد بالعمل بل يجب إشراك غيره من العلماء معه. ثم عرض تقرير آخر على مؤتمر المستشرقين الدولي الذي عقد في "كوبنهاجن" عام ١٩٠٨، وكذلك عندما عقد المؤتمر في "أثينا" عام ١٩١٢م. وعندما أتيحت الفرصة لفيشر أن يصح ما يرا للقسم العربي الإسلامي لمعهد أبحاث الاستشراق في "ليبزج" أمكنه أن يتفرغ هو، ونخبة من تلاميذه لإعداد الأبحاث الخاصة بالمشروع. ويحدثنا فيشر بأنه في عام ١٩٢٤ أبدى ناشر ألماني استعداده لطبع المعجم ونشره، وعندما رأى هذا الناشر ضخامة المشروع، وعجزه عن تمويله تراجع عن فكرته. وفي عام ١٩٣٦ أبدى المجمع اللغوي المصري استعداده لتقديم كل معونة ممكنة لفيشر، فاستدعى للقاهرة، وقدم له عدد من الشبان المصريين ليساعدوه، كما أمدته مكتبة المجمع بالقواميس العربية بعد أن اشترت ما كان ينقصها منها، وكان جزء كبير من المعاجم لا يزال مخطوط في الخارج، فصورت نسخ من تلك المخطوطات، ووضعت تحت يده في المجمع. ثم عرض نماذج من معجمه على اللجنة المختصة بالمجمع لمناقشتها، واستمرت تلك المناقشة مدة طويلة يمكن تتبعها في مجلة المجمع. وكان فيشر عند ما استدعي إلى مصر يظن أنه يمكن إتمام المشروع في ست سنوات، أو سبع ولكن كان كلما تقدم به الزمن كلما تفرعت أمامه نواحي البحث، فرأى أخيرًا أن يقدم الأنموذج النهائي ليدرسه المختصون ويبدوا رأيهم فيه، ولكن عاجلته المنية قبل أن يتم المشروع.

стр. 130

مبادئ المعجم الرئيسية: لقد نشر التقرير الرسمي الذي قدمه فيشر، وأقره المجمع بشأن المبادئ الرئيسية لتأليف معجم تاريخي كبير للغة العربية١ في عام ١٩٤٩. ونظرًا لأهمية تلك المبادئ فإننا نلخصها هنا: ١- المفردات: ينبغي أن يسجل من مفردات اللغة ما يعرف باسم الفصيح. ومصدره ثلاثة: أ- كتب الأدب والحديث والتفسير الأولى إذ إنها تحتوي على مفردات لا توجد في القواميس، كذلك دواوين الشعراء جميعهم في عصر الاحتجاج. وأيضًا كتب التراجم والطبقات، والمخطوطات. وبعض أوراق البردي التي عثر عليها أخيرًا تحمل نصوصًا عربية قديمة. ب- المفردات التي دونها المعاجم العربية خصوصًا تلك التي وردت لها شواهد. ج- كما يمكن الاعتماد أيضًا على المعاجم الأوربية الكبيرة التي وضعت للغة العربية. ٢- جمع المواد: ينبغي أن توضع جزازات تسجل عليها الكلمات المختلفة، وكل كلمة تكتب في جزازة خاصة على الجهة العلوية من اليمين، ثم تكتب في بقية الجزازة كل المشتقات التي وردت من تلك المادة، ثم تكتب جزازات أخرى فرعية لكل

стр. 131

صيغة يذكر فيها معناها، واستعمالها وأول من استعملها بذلك المعنى كما يذكر بالدقة اسم الكتاب، ورقم الصفحة التي يوجد بها الشاهد. ٣- ترتيب الكلمات: ينبغي أن يتبع في ذلك ترتيب الأبجدية العادية، مثل الترتيب الذي استعمله البستاني في المحيط، والشرتوني في أقرب الموارد، وينبغي أن تذكر صيغ المادة الواحدة تبعًا لنظام خاص، فمثلًا نذكر الأفعال أولًا. ثم الأسماء. أما من ناحية التشكيل فينبغي أن تتبع في ذلك "المفاتيح أو الرموز" كتلك التي اتبعها الشرتوني في معجمه. ٤- الاصطلاحات: بجانب التشكيل ينبغي أن يكتفى بقدر الحاجة من الشواهد، ولا بد في هذه الحالة من ذكر المرجع الذي أخذ منه الشاهد "يقصد ديوان الشاعر نفسه لا نقل الشاهد عن المعاجم"، كما أن المعاني الفرعية العامة يجب أن يكون لها "بنط" خاص في الطباعة، أو توضع لها علامات ترقيم مميزة. أما الناحية التاريخية فيمكن ملاحظتها بذكر بالنص على أول شاعر، أو أديب استعمل تلك الكلمة في المعنى الجديد. وحيث إن العربية إحدى اللغات السامية، فينبغي أن يذكر أصل الكلمة في إحدى تلك اللغات كلما أمكن ذلك. وكذلك أسماء الأماكن، والكلمات التي تعبر عن النباتات، والمعادن وغيرها ينبغي أن توضح توضيحًا كاملًا "لعله يشير بهذا إلى عدم الاكتفاء بعبارة "نبات أو مكان معروف" التي شاع استعمالها في القواميس العربية". ولا ينبغي إغفال الاصطلاحات العامة، ولكن بدون إسهاب في ذلك.

стр. 132

٥- اللغات الأوربية: اختتم التقرير بأنه يحسن ترجمة المادة الرئيسية إلى اللغات الأوربية الهامة كالإنجليزية، والفرنسية والألمانية، أو إحداها ليسهل البحث على المستشرقين. منهج فيشر: لقد ذكر لنا فيشر في النموذج الذي نشره المجتمع الخطة التي سار عليها في ذلك، ويمكن تلخيصها فيما يلي: ١- الناحية التاريخية: نظر فيشر توجد أن كل كلمة في اللغة العربية لها تطورها الخاص، فذكر أنه عني بتوضيح هذا التطور، فقال: "والأهمية العظمى -مهما كان الحال- هي للموضع الذي وردت فيه الكلمة في آداب اللغة لأول مرة.... ويجب أن تقيد على حسب الترتيب التاريخي بين أقدم الشواهد، وأحدثها المواضع التي يتبين منها أنها تعطي أوضح صورة من التطور التاريخي للكلمة ومعانيها. أما النواحي الأخرى فهي -الاشتقاقية والصرفية، والتعبيرية والنحوية، والبيانية والأسلوبية١. ٢- تتناول ناحية الاشتقاق بحث أصل الكلمة، ويرتبط بهذا علم ضبط الهجاء أما المعربات، فترد إلى أصولها على قدر الإمكان، "ولتحقيق هذه الغاية لا بد لمؤلف المعجم أن يكون متمكنًا من اللغات السامية، وكذلك الفارسية والتركية واليونانية" مما له صلة باللغة العربية.

стр. 133

٣- أما الناحية التصريفية فتشمل تصريف الأسماء، والأفعال مع ذكر الصيغ المختلفة لكل. كما ينبه على تمييز الكلمة من ناحية الإفراد، والجمع أو التذكير والتأنيث إذ كثيرًا ما يغير بذلك معنى الكلمة، كما يختلف كذلك هذا الاستعمال باختلاف الزمان والمكان. ٤- الناحية التعبيرية. ويقصد بها تحقيق معنى الكلمة أو معانيها، وينبغي أن يعتبر "دائمًا المعنى الأول لكلمة لها معان مختلفة ذلك الذي يؤخذ من اشتقاق الكلمة" كما يجب في ترتيب المعاني تقديم المعنى العام على المعنى الخاص، والحسي على العقلي والحقيقي على المجازي، وحروف الأدوات النحوية ينبغي أن تشرح استعمالاتها المختلفة إذ كثيرًا ما يتغير المعنى بتغير الاستعمال، وذلك "كي يتسنى لمن يستعمل المعجم أن يجد فيه ما يساعده على فهم الكتب العربية". ٥- تتناول الناحية النحوية ترتيب كلمات لها مواضع معينة مثل فقط، وإنما وأيضًا وغيرها، وكذلك مراعاة المضمر والمحذوف، واللازم والمتعدي، مع بيان متى وأين ظهر هذا التركيب، أو ذاك للكلمة لأول مرة مرة أو آخرها وهكذا. ٦- الناحية البيانية -وهي ناحية لها أهميتها في الذوق اللغوي، وقد يكون ذلك يذكر شيء عنها من علم البيان مما يعين على فهمها مثل الإتباع والمزاوجة، وكذلك المشاكلة وصيغ المبالغة. ومه ما أسماه فيشر "بازدواج عبارتين متضادتين للتعبير عن معنى واحد مبالغ فيه مثل: لله الأمر من قبل ومن بعد، ما بين أيديهم وما خلفهم، السراء والضراء، ما تقدم من ذنبك وما تأخر، ومن هذا أيضًا التراكيب التي جرت مجرى الأمثال مثل: قضى نحبه، بذل جهده، مثل بين يديه. ٧- الناحية الأسلوبية، وهي تتمثل في بيان مدى سعة استعمال الكلمة.

стр. 134

كما يبين إذا كان استعمالها محصورًا في أمة القرآن، أو الشعر الجاهلي أو في غرض معين من أغراض الشعر، أو النثر وهلم جرا. أما من ناحية ترتيب المشتقات المختلفة فقد وضع لها فيشر هذا التنظيم: يبدأ في المادة بإيراد الفعل المجرد، ثم المزيد بحرف، وحرفين، وثلاثة أحرف. ويكون ترتيب أبنية الأفعال كما يلي:- فعل-فعِل-فعُل-فَاعَل-أفْعل-تفعَّل-تفاعَلَ-انفَعَل-افتعَل-افعلَّ-استفعَل-افعالَّ، وهكذا. وتذكر الأسماء كلها بعد الأفعال سواء أكانت مشتقة أم جامدة، وترتب على نظام ترتيب الأفعال، فيذكر المجرد منها أولًا، ويتبعه المزيد، فيكون ترتيب أبنية الأسماء كما يلي:- فعْل-فِعْل-فُعْل-فَعَل-فَعُل-فِعَل-فِعِل-فِعَل-فُعُل-فاعِلٌ-فاعَلٌ، وهكذا". تلك هي المبادئ الرئيسية التي وضعها فيشر ليبني عليها معجمه التاريخي، ولم تتضح لنا تمامًا تلك الناحية التاريخية في النموذج الذي أورده لنا من حرف الهمزة. إلا أنه يمكن تلمسها، واستنتاجها في غالب الأحوال. ولكن فيشر قد أسرف في توضيح المعاني النحوية في النموذج الذي أورده، فعند ذكره للهمزة أورد أن معانيها النداء وذكر أمثلة لذلك، وإلى هنا كان ينبغي أن ينتهي، ولكنه استطرد فذكر بقية حروف النداء كما ذكر أحكام المنادى المختلفة، ولكنه أحسن صنعًا بإيراده الشواهد عن مصادرها الأولى

стр. 135

وهي دواوين الشعراء أنفسهم، وقد بالغ في الدقة حين ذكر رقم الصحيفة، والسطر حيث يوجد الشاهد في الديوان. نموذج من معجم فيشر: "أبد": "قد يكون أصل الكلمة ساميًا عامة، ومن المؤكد أن لها قرابة من "أبد -ضل وسار على غير هدى- بالأثيوبية". ولكن قد تكون لها قرابة أيضًا من "أيات = تضييع"، وكذلك "ثابت = هروب" بالأكديه. ومن "آبد = ضاع، هلك" بالعبرية، ومن "أبد = ضاع، هلك" بالآرامية. ويظهر أن المعنى الأصلي لهذه هو الدخول في غير المحدود من الزمان أو المكان"، ثم ابتدأ يذكر المعاني المختلفة تللك الكلمة فرتبها هكذا. أَبَد: "١-أ" أبدت البهيمة تأبِدْ وتأبدُ أبدًا وأبُودا..... ثم ذكر بعض الشواهد. "١-ب" من المجاز أبد الشاعر بأيد أو أبودا أي أتى في شعره بالغرائب ... ٢ أبد بالمكان = أقام.... أبِد: ١ أبِد يأبَد مثل تأبّد = توحش..... ٢ أبِد الرجل عليه = غضب.....

стр. 136

أبَّد: "١" أبَّد بهمية..... "٢" أبد الرجل. تأبد: "١-أ" تأبد المنزل = تخرب "١-د" تأبَّد المنزل = خلا من أهله. "٢-أ" تأبد = عاش في القفار "٢-ب" تأبد = تعزب، مجاز. وكان تطور هذا المعنى: تأبد = توحش عاش في القفار، ثم عاش كالراهب المتأبد ثم تعزب كالراهب. ٣- تأبد الوجه = كلف ونمش. إبد: آن: أَبَدٌ: ١ = الدهر، الطويل غير المحدود. "١-ج" أو أبد الكلام = غرائبة، ج = جمع. "١-ج" أو أبد = مضحكات. ثم أخذ يسرد استعمال أبدًا في النفي والإيجات، وأبدا كذلك عند بعض العرب العرباء لم يستقبل من الزمان، وأتبع كل ذلك بالشواهد. ٢- الأبد الدهر مطلقًا- "TIME "ABSOLUTE" ,TEMPS "ABSOLU". ٣- أبَدٌ = ذو أبد = دائم. أبٍدٌ: ١- حمار الوحشي. ٢- الرجل متوحشًا. ٣- المنزل ٤- لغة في إبد. إِبِد: صفة للمؤنث، أمة وناقة إبد = ولود ثم ذكر أبدى، أبدية، آبد آبده. أوابد وذكر معها أن معناها مضحكات، وهي تخص العصر المتأخر، ثم ذكر المصدر الذي يقصد به أول من

стр. 137

استعملها "ش: الكشاف ٢-١٦٣١-١١ "ليبين الجزء ورقم الصفحة وعدد السطر"- وقرئ وبل لكل همزة لمزة بسكون الميم، وهو المسخرة الذي يأتي بالأوابد والأضاحيك". ثم ذكر أبيد، أبود، أيبد، مؤبد، مؤبدة، متأبد. متبعًا في كل التنظيم السابق في نظائرها -من ذكر الأرقام التي يقصد بها تبيان المعاني العامة والفرعية، والمجاز والحقيقة لكل. ومن هذا يتضح أن فيشر قد نظم ترتيب الصيغ، أو المفردات تحت المادة الواحدة كما أنه أبان العلاقة بين المادة العربية، ونظيرتها من اللغات السامية الأخرى. أما الناحية التاريخية، وهي الشيء الجديد في معجمه، فقد ظهرت عند ذكره لكلمة الأوابد = المضحكات إذ نص على أن أول من استعملها بهذا المعنى هو الزمخشري، ولكن بقيت مسألة أخرى هل استعمال الزمخشري لها، وهو من أهل القرن السادس الهجري بهذا المعنى بعد استعمالًا فصيحًا أم لا؟ لقد وضح لنا فيشر في موضع آخر أنه لا ينبغي تحديد الفصيح بفترة معينة من الزمن. وأيا ما كان فإن مشروع فيشر هذا كان أساس لقاموس المجمع اللغوي المصري فيما بعد.

стр. 138

قاموس المجمع اللغوي: "المعجم الكبير ": لقد بر مجمع اللغة العربية في مصر بوعده حين أخرج لنا قسمًا١ من "المعجم الكبير" الذي ينتوي إكماله، وقد جاء هذا المعجم تصديقًا لمرسوم إنشاء المجمع الذي أبان أن من أهم أغراضه العمل على إخراج معجم واف يسد حاجة العربية في عصرنا الحاضر، ولقد ظهر من هذا المعجم قسم واحد فقط من مبدأ الهمزة إلى كلمة أخي. وليس هذا المعجم معجمًا تاريخيًا للغة العربية كما كنا نتوقع؛ "لأن المعجم٢ التاريخي يحتاج إلى أعمال تمهيدية لم يؤخذ فيها بعد، فليس بد لوضعه من استقصاء نصوص الشعر، والنثر على اختلاف عصورها وبيئاتها، وتسجيل ما في هذه النصوص من الألفاظ، وتسجيل الأوقات التي استعملت فيها، واستخراج ما ينتجه ذلك من الأحكام العامة التي اقتضاها التطور بالقياس إلى معاني الألفاظ، وصورها على اختلاف العصور، وهو جهد كما ترى يحتاج إلى أن يفرغ له عدد غير قليل من الباحثين المختصين الذين يحسنون العلم بأصول اللغات ومناهج تطورها، حسب اختلاف العصور، واختلاف البيئات، وتباين الظروف المحيطة بالأجيال التي تتداول لغة من اللغات". وإذا كان المجمع على ما له من النفوذ الأدبي لا تتسع إمكانياته لإخراج المعجم التاريخي، فمن ذا الذي يستطيع أن يقوم بتلك المهمة، لقد ذكر المجمع أن ذلك

стр. 139

يحتاج "إلى عدد غير قليل من الباحثين المختصين"، فهل عقمت البلاد العربية أن تخرجهم؟ أليس في جامعاتنا ومعاهدنا العليا، ووزارات المعارف في مختلف البلاد العربية ما يسد ذلك النقص؟ أغلب الظن أنه كان من الممكن الاستعانة بكل هؤلاء -وأما أكثرهم- كل يعاون بقدر استطاعته، إذا تنزل المجمع وقبل منهم المعاونة، وإن نظرة واحدة إلى مقدمة المعجم التاريخي للغة الإنجليزية -التي ليس لها مجمع رسمي- لترينا كيف نهض هؤلاء القوم بذلك العبء، وكيف تعاونت الأفراد، والهيئات "الحرة"، وكيف تقدم بعض "اللوردات" بمعونة مالية ضخمة لتنفيذ المشروع. ونحن وقد هيئ لنا المجمع "الرسمي" بل المجامع الرسمية، فيمكن أن يخطو المجمع الخطوة الولى بالدعوة إلى "التعاون" مع احتفاظه بالإشراف، والهيمنة العليا وكل ما هو لازم لاتخاذ السبل العملية لذلك. منهج المعجم الكبير: لقد ذكر "التقديم نوع المنهج الذي رسم لهذا المعجم، وهو منهج يسير لا تكلف فيه، كما أنه في الوقت نفسه أدق ما يمكن أن يتخذ من المناهج١". ١- يبدأ في كل مادة بذكر أصوالها في اللغات السامية إن كانت تمت لها بصلة. ٢- ترتب المادة حسب المعاني الكبرى لها مع التدرج من المدلولات المادية إلى المدلولات المعنوية.

стр. 140

٣- يستشهد على ألفاظ المعجم بنصوص من الشعر، والنثر على اختلاف العصور وترتب الشواهد ترتيبًا تاريخيًّا بقدر الإمكان. ٤- إذا استتبع شاهد توسعًا في النص ليمكن فهمه أو؛ لأن النص. ٥- نرد الكلمات المأخوذة من لغات أجنبية قديمة أو حديثة، إلى أصولها الأجنبية. ٦- يذكر ما ليس بد من ذكره من الأعلام، ويفسر تفسيرًا موجزًا. ٧- نذكر أسماء البلاد والأماكن في شيء من الاقتصاد، بحيث لا يهمل ما يتردد ذكره في النصوص الأدبية من جهة، وبحيث لا يصبح المعجم معجمًا جغرافيًّا من جهة أخرى. ٨- تذكر المراجع حين لا يكون بد من ذكرها، فأما إن كان الاستغناء عنها ممكنًا، فلا حاجة إلى الإطالة بذكرها. ٩- يشكل ما ليس من شكله بد لأوساط المثقفين، وتضبط بعض الكلمات بالنص، على طريقة القدماء حين تدعو الضرورة إلى ذلك. ١٠- يذكر من المجاز ما شاع في الشعر، والنثر حتى أصبح مشبهًا لما يسميه أصحاب البيان، وعلوم اللغة بالحقائق العرفية، فليس من سبيل إلى فهم كثير من النصوص القديمة إلا بهذا. ١١- لا يعتمد من الحديث إلا على ما ورد في أصل صحيح، ويذكر الحديث كله، إلا أن يشتد طوله، "فيقتصر منه على ما يجزئ". ملاحظات على المعجم الكبير: وبمقارنة هذا المنهج بالمنهج الذي وضعه فيشر لمعجمه نجد كثيرًا من التشابه فالفقرات -١- ٢-٣-٥-٦-٨ تكاد تتفق؟؟؟؟ الفقرات

стр. 141

التي وضعها فيشر، ولكن المجمع من ناحية أخرى لم يذكر لنا المبادئ الرئيسية التي سار عليها في تسجيل المفردات، وتدوينها فمثلًا لم يخبرنا إلى أي مدى سيتوسع في مدلول الاصطلاح "فصيح" حتى يمكن أن نسترشد بما يذكره المعجم في هذا الشأن -كما أنه من ناحية أخرى لم يوضح لنا "التقديم" المبدأ الذي يسير عليه المعجم في مسائل: المعرب، والدخيل، والشواهد. وفي ترتيب الصيغ أو المشتقات المختلفة تحت المادة الواحدة. وإن ذكر هذه المسائل في مجلة المجمع، أو في محاضر جلسات المجمع المختلفة لا يغني عن ذكرها في مقدمة المعجم؛ لأنه كان يمكن ذكر ما ورد متفرقًا هناك باعتباره أجزاء لموضوع واحد حتى تكمل منه وحدة متسقة تغني الباحث عن التنقيب في مظان هذه المسائل، وكم نخشى إذا أبديت ملاحظة معينة على تنظيم معين في المعجم أن يقال: إن هذا يتفق مثلًا مع مبدأ مقرر انتهى المجمع من الأخذ به منذ أمد قد يطول أو يقصر، ومن جهة أخرى فإن المبادئ الرئيسية لو ذكرت في التقديم، فقد يكون من الممكن مناقشتها، أو التسليم بها على أنها أساس لما سيذكر في المعجم، ثم بعد ذلك تلي الملاحظات الخاصة بتطبيق تلك المبادئ في النصوص المختلفة التي يوردها المعجم لشرح الكلمات. ومهما يكن الأمر فسنكتفي بذكر ملاحظات عابرة، القصد منها أن يراها من يعينهم الأمر علنا نكون قد قمنا بتلبية ندائهم حيث ذكروا في التقديم رغبتهم تلك ".... ثم١ لم يرض "المجمع" أن يستقل بهذا المعجم استقلالًا، ولا أن يستأثر به وحده من دون القادرين على فقه اللغة المتخصصين فيه، فهذا الذي يعرضه عليك الآن ليس إلا تجربة ينتظر المجمع منك أن تفرغ لقراءتها كما فرغ هو لإعدادها، وأن تسجل ما يعرض لك من ملاحظات أثناء القراءة

стр. 142

وترسلها إليه مشكورًا، ويعد بأنه سيدرس هذه الملاحظات درس المعنى بها الحريص على أن يتبين وجه الحق فيها، وينزل عندما يرى أنه الحق منها، فيصلح من هذه التجربة ما يحتاج إلى الإصلاح، ويغير ما يحتاج إلى التغيير، ويظهر هذا الجزء في طبعته الأولى، وقد عرف رأي المختصين فيه، ورضي فقهاء اللغة عنه". ولسنا في حل من أن نشير إلى أن التطور التاريخي لمفردات اللغة العربية كان أولى بالاعتبار؛ لأنه المجمع رأى أن هذا متعذر في الوقت الحاضر، لاحتياج ذلك إلى عدد غير قليل من الباحثين. أما أهم ما رأيناه في النواحي الأخرى فيتلخص في:- ١- المراجع: لم نعرف بالضبط ما المراد بهذا اللفظ. هل المراد منه ذكر كتاب اللغة أو المعجم الذي نقل شرح الكلمة عنه؟ وإذا كان هذا صحيحًا فهل معناه أن "المعجم الكبير" يعيد ما كتبه الأقدمون؟ وأن الكلمة لا تعني ما تعني إلا؛ لأن فلانًا من اللغويين قال ذلك في كتابه؟ وهل يكون "المعجم الكبير" صورة أخرى من "لسان العرب وتاج العروس" مجتمعين، ومطبوعين على ورق أفخم؟ وإذا كان المراد بلفظ "المراجع" أن نذكر المواضع الأصلية الأولى التي نقل منها النص، فإن "المعجم الكبير" لم يفعل هذا. لقد نقل كثيرًا من الآراء عن الكسائي والخليل، والليث وغيرهم دون الرجوع إلى مؤلفات هؤلاء العلماء، بل قد نقل ما دونه الأقدمون أمثال الأزهري، وابن منظور دون الإشارة إلى النقل في غالب الأحيان، فإذا رأيت في "المعجم الكبير" رأيًا منسوبًا إلى الخليل أو سيبويه أو الكسائي، فلا تكن شديد التفاؤل، فتحسب أن المعجم قد اهتدى

стр. 143

إلى المصادر الأولى لينقل عنها إنما هو في ذلك يردد ما ذكرته كتب اللغة، والمعاجم السابقة من الروايات. وإن شيئًا هامًّا واحدًا يعنينا في بحثنا هذا وهو تحقيق نسبة ما ورد عن الليث، أو الخليل فقد جاء في "المعجم الكبير" ص٤٢٢ وقال الخليل: تأنيث الأخ أخت، وتاؤها هاء. وقال الليث: تاء الأخت أصلها هاء التأنيث -ثم قال الليث: وكان حدها "أخة" فصار الأعراب على الهاء، والخاء في موضع رفع، ولكنها انفتحت بحال هاء التأنيث فاعتمدت عليه؛ لأنها لا تعتمد إلا على حرف متحرك بالفتحة، وأسكنت "الخاء" فحول صرفها على الألف وصارت الهاء تاء كأنها من أصل الكلة، ووقع الأعراب على التاء، وألزمت الضمة التي كانت في الخاء الألف، وكذلك نحو ذلك. قارن هذا بما ذكره الخليل في كتاب العين حين قال: "مخطوطة العين ج١ ص٣٦٤": "أخت. كان حدها أخة، فصار الأعراب على الهاء، والخاء في موضع الرفع، ولكنها انفتحت لحال هاء التأنيث؛ لأنها لا تعتمد إلا على حرف متحرك بالفتحة، وأسكنت الحاء، فحول صرفها على الألف، وصارت الهاء تاء كأنها من أصل الكلمة، ووقع الإعراب على التاء، وألزمت الضمة التي كانت في الخاء الألف، وكذلك نحو ذلك". لو أن "المعجم الكبير" قد سار في مبادئه على الاعتماد على المراجع الأصلية الأولى لكان قد نقل مثل هذا النص عن كتاب العين مباشرة، ولا يتخبط مرة في نسبة بعض هذا الرأي للخليل وبعضه لليث، وأغلب الظن أن العبارة منقولة عن اللسان، والتاج الذين نقلاها بدوريهما عن التهذيب١، وقد سبق أن بينا أن ما ورد في هذين الكتابين منسوبًا للرواة الأولى لا يدل على إطلاع صاحبيهما على مؤلفات هؤلاء الرواة. وإنما كان همهما "الجمع"، والإكثار من الأقوال السابقة.

стр. 144

التي قد تؤدي إلى التخطيط أحيانًا، ولسنا من جانبنا نلزم المجمع بالدخول في نسبة كتاب العين، أو غيره إلى مؤلفه الحقيقي، ولكن نريد أن نبين فقط أن تفسيره لكلمة "المراجع" الذي يستفاد من تطبيقه حين الاقتباس ليس دقيقًا. ومن ناحية أخرى لم يذكر لنا "المعجم الكبير" مرجع الشاهد حين استشهد به، فنحن لا نقتنع بأن بيتًا ما إنما هو من شعر العجاج، أو من شعر حسان إلا إذا عرفنا مكان هذا البيت من ديوانه، وقد كان فيشر أدق من المجمع حين أجهد نفسه -وهو بمفرده- في التعمق، واستنباط الشواهد من "مراجعها" الأصلية. وقد كان هذا أيضًا مغنيًا عن التطويل الذي لا حاجة إليه حين يرد لنا بيت شعري كشاهد، أو للاستئناس على معنى من المعاني أن يذكر معه ثلاثة أبيات أخرى، أو أربعة من القصيدة، فكان يمكن أن نرجع إلى الديوان الذي سيرشدنا عنه المجمع لنستمتع بذلك الشعر إذا أردنا، وقد تورط "المعجم الكبير" في شيء ليس بالقليل، من هذا القبيل، فمثلًا في ص٤٠٢ مادة "آخر" ذكر المعجم ما يلي: "ولبعض شعراء اليتيمة": كيف السبيل إلى الرقا ... د كما رسمت وأنت هاجر ويقول لي فيما يقو ... ل: نعم. وما للقول آخر حتى أشوار قلت: لـ ... ـكنِّي هويت ولم أشاور كما اضطر هذا المنهج أن يذكر "المعجم" كثيرًا من الأبيات دون نسبتها لقائليها، ولسنا ندري إذا كانت "المبادئ الرئيسية" التي اتخذها المجمع في الشواهد تبيح هذا أم لا لو أن المبادئ كانت قد ذكرت لكانت أغنتنا عن هذا التساؤل، وهذا منتشر كثيرًا جدًّا في المعجم: مثلًا ص٨٢٠ مادة أث ث أورد هذا الشاهد "ولرجل من عبد القيس:

стр. 145

جامل الناس إذا ناجيتهم ... إنما الناس كأمثال الشجر منهم المذموم في منظره ... وهو صلب عوده حلو الثمر وترى منه أثيثًا يانعًا ... طعمه مر وفي العود خور وهنا كما ترى أورد ثلاثة أبيات، والشاهد في بيت واحد فقط. وكذلك لسنا ندري ما الداعي للتطويل بذكر الحديث كله. إذا كان فيه موضع لشاهد، لماذا لم نذكر الآية كلها حين تشتمل على شاهد كذلك؟ إن النص على مصدر الحديث أو "مرجعه مع ذكر الصحيفة ورقم السطر" كان يغني عن هذا، بل إن مرجع الحديث أشد حاجة إلى الذكر من موضع الآية حيث لا يزال يوجد من يحفظ القرآن، ويمكنه معرفة بقية الآية لأول وهلة بخلاف الحديث. ب- شرح المفردات: نعود فنقول: إنه لم يذكر لنا "المبدأ الرئيسي" الذي سوف يتبع في هذا السبيل. على أي حال قد وجدنا بعض الاستطرادات التي ما كان ينبغي أن نذكر في المواضع التي وردت فيها، فمثلًا عند ذكر كلمة "إبل ص١٤٧ استطرد المعجم إلى ذكر تسمية الجمل في مراحل نموه المختلفة فقال: "فالسليل: ساعة يولد قبل أن يعرف أذكر هو أنثى، ثم السقب والحوار ما دام رضيعًا، ثم الفصيل إذا تم سنة وفصل، ثم ابن مخاض إذا حملت أمه بعد فصاله، ثم ابن لبون إذا ولدت في الثالثة، ثم حق في الرابعة، ثم جذع في الخامسة، ثم ثني في السادسة، ثم رباع في السابعة، ثم سدس وسديس في الثامنة، ثم بازل في التاسعة، ثم مخلف في العاشرة"، ثم استطرد إلى أسماء ما يركب منها من المطية والراحلة والزاملة، ثم إلى أصناف البعير المختلفة باعتبار لونه من الأحمر.
следующие страницы →