Полный текст (244 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
يُسْتَنَّ بِهَذِهِ السُّنَّةِ فَوَافَقَ ذَلِكَ فِعْلَ مُعَاذٍ، وَذَلِكَ أَنَّ بِالنَّاسِ حَاجَةً إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي كُلِّ مَا يَسُنُّ، وَلَيْسَ بِهِ حَاجَةٌ إِلَى غَيْرِهِ.
بَابُ مَوْقِفِ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ
أَخْبَرَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ سُفْيَانُ بْنُ أَبِي الْفَضْلِ الثَّوْرِيُّ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ الْفَضْلِ، أَخْبَرَنَا مَنْصُورُ بْنُ الْحُسَيْنِ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْخَازِنُ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَزْدِيُّ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ وَالْأَسْوَدِ: أَنَّهُمَا دَخَلَا عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فَقَالَ: أَصَلَّى هَؤُلَاءِ خَلْفَكُمْ؟ فَقَالَا: نَعَمْ. فَقَامَ بَيْنَهُمَا، وَجَعَلَ أَحَدُهُمَا عَنْ يَمِينِهِ، وَالْآخِرُ عَنْ شِمَالِهِ.
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي كِتَابِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ.
قَرَأْتُ عَلَى أَبِي طَاهِرٍ رَوْحِ بْنِ بَدْرٍ الصُّوفِيِّ، أَخْبَرَكَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ التَّاجِرُ إِذْنًا، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى الصَّيْرَفِيِّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ، أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ فِيمَا بَلَغَهُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ
عَبْدَ اللَّهِ صَلَّى بِهِ وَبِعَلْقَمَةَ، فَقَامَ أَحَدُهُمَا عَنْ يَمِينِهِ وَالْآخَرُ عَنْ يَسَارِهِ، وَقَالَ: هَكَذَا كَانَ يَفْعَلُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي النَّفَرِ الثَّلَاثَةِ يَجْتَمِعُونَ، فَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَرَى أَنْ يُصَفُّوا جَمِيعًا، فَإِذَا كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ قَدَّمُوا أَحَدَهُمْ، وَبِهِ قَالَ النَّخَعِيُّ، وَنَفَرٌ يَسِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَقَالُوا: إِذَا كَانُوا ثَلَاثَةً قَدَّمُوا أَحَدَهُمْ، هَذَا قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، وَالْحَسَنِ، وَعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَأَهْلُ الْحِجَازِ، وَالشَّامِ، وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَأَهْلُ الْكُوفَةِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ مَنْسُوخٌ؛ لِأَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ إِنَّمَا تَعْلَّمَ هَذِهِ الصَّلَاةَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ بِمَكَّةَ، وَفِيهَا التَّطْبِيقُ وَأَحْكَامٌ أُخَرُ هِيَ الْآنَ مَتْرُوكَةٌ، وَهَذَا الْحُكْمُ مِنْ جُمْلَتِهَا، وَلَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ -
стр. 107
الْمَدِينَةَ تَرَكَهُ.
ذِكْرُ أَحَادِيثَ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ فِعْلَ النَّبِيِّ ﷺ بِالْمَدِينَةِ خِلَافُ الْأَوَّلِ
أَخْبَرَنَا طَاهِرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ طَاهِرٍ الْمَقْدِسِيُّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا الْحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ الْمَكِّيُّ - حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ مُجَاهِدٍ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: سِرْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةٍ فَقَامَ يُصَلِّي، قَالَ: فَجِئْتُ حَتَّى قُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ، فَأَخَذَ بِيَدِي، فَأَدَارَنِي حَتَّى أَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ، فَجَاءَ ابْنُ صَخْرٍ حَتَّى قَامَ عَنْ يَسَارِهِ، فَأَخَذَنَا بِيَدَيْهِ جَمِيعًا، فَدَفَعْنَا حَتَّى أَقَامَنَا خَلْفَهُ.
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادٍ، وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ هُوَ الْآخِرُ؛ لِأَنَّ جَابِرًا إِنَّمَا شَهِدَ الْمَشَاهِدَ الَّتِي كَانَتْ بَعْدَ بِدْرٍ.
ثُمَّ فِي قِيَامِ ابْنِ صَخْرٍ عَنْ يَسَارِ النَّبِيِّ ﷺ أَيْضًا دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ الْأَوَّلَ كَانَ مَشْرُوعًا، وَأَنَّ ابْنَ صَخْرٍ يَسْتَعْمِلُ الْحُكْمَ الْأَوَّلَ حَتَّى مُنِعَ مِنْهُ، وَعَرَفَ الْحُكْمَ الثَّابِتَ الثَّانِيَ.
أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ السُّلَمِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ
عَبْدَانَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: قَالَ خَلِيفَةُ بْنُ خَيَّاطٍ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ، أَخْبَرَنَا أَفْلَحُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا بُرَيْدَةُ بْنُ سُفْيَانَ بْنِ فَرْوَةَ، عَنْ غُلَامٍ لِجَدِّهِ يُقَالُ لَهُ مَسْعُودٌ، قَالَ: مَرَّ بِيَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ لِي أَبُو بَكْرٍ: اذْهَبْ إِلَى أَبِي تَمِيمٍ فَقُلْ لَهُ: احْمِلْنَا عَلَى بَعِيرٍ، وَابْعَثْ إِلَيْنَا بِوَاحِدٍ دَلِيلٍ. فَبَعَثَنِي وَبَعَثَ مَعِي بِبَعِيرٍ وَوَطْبٍ مِنْ لَبَنٍ، فَجَعَلْتُ آخُذُ بِهِمَا أُخْفِي الطَّرِيقَ، وَكُنْتُ عَرَفْتُ الْإِسْلَامَ، فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي، فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ عَنْ يَمِينِهِ، وَقُمْتُ خَلْفَهُمَا، فَدَفَعَ النَّبِيُّ ﷺ فِي صَدْرِ أَبِي بَكْرٍ، فَقُمْنَا خَلْفَهُ.
أَخْبَرَنِي أَبُو الْمَحَاسِنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الزَّاهِدُ، أَخْبَرَنَا زَاهِرُ بْنُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ،
стр. 108
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ قَالَ: فَأَمَّا مَا رُوِيَ فِي ذَلِكَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، فَقَدْ قَالَ مُحَمَّدُ ابْنُ سِيرِينَ: كَانَ الْمَسْجِدُ ضَيِّقًا، وَقَدْ قِيلَ: أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي وَأَبُو ذَرٍّ عَنْ يَمِينِهِ يُصَلِّي، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُصَلِّي لِنَفْسِهِ، فَقَامَ ابْنُ مَسْعُودٍ خَلْفَهُمَا، فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ بِشَمَالِهِ، فَظَنَّ عَبْدُ اللَّهِ أَنَّ ذَلِكَ سُنَّةُ الْمَوْقَفِ، وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَؤُمُّهُمَا، وَعَلِمَهُ أَبُو ذَرٍّ حَتَّى قَالَ فِيمَا رُوِيَ عَنْهُ: يُصَلِّي كُلُّ رَجُلٍ مِنَّا لِنَفْسِهِ.
وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى تَرْجِيحِ رِوَايَةِ غَيْرِهِ عَلَى رِوَايَتِهِ، وَأَنَّهُمْ أَكْثَرُ عَدَدًا، وَأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ ذَكَرَ فِي حَدِيثِهِ هَذَا التَّطْبِيقَ، وَكَانَ ذَلِكَ الْأَمْرَ الْأَوَّلَ، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ ذَلِكَ مِنَ الْأَمْرِ الْأَوَّلِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ هَذَا أَيْضًا مِنَ الْأَمْرِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ نُسِخَ، وَبِأَنَّ عُمَرَ وَعَلِيًّا وَالْعَامَّةَ ذَهَبُوا إِلَى مَا قُلْنَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
بَابُ مَا ذُكِرَ فِي ائْتِمَامِ الْمَأْمُومِ بِإِمَامِهِ إِذَا صَلَّى جَالِسًا
قَرَأْتُ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ الْقَاضِي، أَخْبَرَكَ أَبُو طَاهِرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ فِي كِتَابِهِ، أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ شَاذَانَ، أَخْبَرَنَا دَعْلَجٌ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ:
سَقَطَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ فَرَسٍ، فَجُحِشَ شِقُّهُ الْأَيْمَنُ، فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ
نَعُودُهُ، فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ، فَصَلَّى بِنَا قَاعِدًا، فَصَلَّيْنَا وَرَاءَهُ قُعُودًا، فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ قَالَ: إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ؛ فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ، وَإِذَا صَلَّى قَاعِدًا فَصَلُّوا قُعُودًا، أَجْمَعُونَ.
أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحِ؛ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ.
أَخْبَرَنَا أَبُو زُرْعَةَ طَاهِرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ طَاهِرٍ الْمَقْدِسِيُّ، أَخْبَرَنَا مَكِّيُّ بْنُ مَنْصُورٍ،
أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ، أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي بَيْتِهِ وَهُوَ شَاكِي فَصَلَّى جَالِسًا، وَصَلَّى وَرَاءَهُ قَوْمٌ قِيَامًا، وَأَشَارَ إِلَيْهِمْ أَنِ اجْلِسُوا فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ؛ فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا رَفَعَ
стр. 109
فَارْفَعُوا، وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا.
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنِ عُمَرَ، وَجَابِرٍ، وَمُعَاوِيَةَ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الْإِمَامِ يُصَلِّي بِالنَّاسِ جَالِسًا مِنْ مَرَضٍ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: يُصَلُّونَ قُعُودًا اقْتِدَاءً بِهِ، وَذَهَبُوا إِلَى هَذِهِ الْأَحَادِيثِ، وَرَأَوْهَا مُحْكَمَةً، وَمِمَّنْ فَعَلَ ذَلِكَ: جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَأُسَيْدُ بْنُ حُصَيْنٍ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَطَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ.
وَقَالَ أَحْمَدُ: كَذَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ وَفَعَلَهُ أَرْبَعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَالرَّابِعُ هُوَ فِي خَبَرِ قَيْسِ بْنِ فَهْدٍ أَنَّ إِمَامَهُمْ شَكَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ فَكَانَ يَؤُمُّنَا جَالِسًا وَنَحْنُ جُلُوسٌ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا يَؤُمُّ الْقَاعِدُ الْقَائِمِينَ، وَإِنْ فَعَلُوا لَمْ يُجْزِهِمْ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ.
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: تَصِحُّ صَلَاةُ الْإِمَامِ، وَلَا تَصِحُّ صَلَاةُ الْمَأْمُومِينَ إِذَا صَلَّوْا خَلْفَهُ جُلُوسًا.
قَالَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ: يُصَلُّونَ قِيَامًا، وَلَا يُتَابِعُونَ الْإِمَامَ فِي الْجُلُوسِ، وَرَأَوْا أَنَّ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ مَنْسُوخَةٌ، وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى ذَلِكَ مِنَ الْعُلَمَاءِ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ، وَقَدْ حَكَيْنَا نَحْوَ هَذَا عَنِ الثَّوْرِيِّ.
نَسْخُ ذَلِكَ
أَخْبَرَنِي أَبُو مُسْلِمٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْجُنَيْدِ، أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الصَّيْرَفِيُّ فِي كِتَابِهِ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُونُسَ بْنِ شَاذَانَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ، أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ، أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ فِي مَرَضِهِ فَأَتَى أَبَا بَكْرٍ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي، فَاسْتَأْخَرَ أَبُو بَكْرٍ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَنْ كَمَا أَنْتَ، فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى جَنْبِ أَبِي بَكْرٍ، فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ.
وَرَوَاهُ الشَّافِعِيُّ أَيْضًا عَنِ الثِّقَةِ يَحْيَى بْنِ حَسَّانَ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ مَوْصُولًا.
стр. 110
قَرَأْتُ عَلَى أَبِي طَالِبٍ الْكَتَّانِيِّ بِوَاسِطِ الْعِرَاقِ، أَخْبَرَكَ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ فِي كِتَابِهِ، أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شَاذَانَ، أَخْبَرَنَا دَعْلَجُ بْنُ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمَّا ثَقُلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَاءَ بِلَالٌ يُؤْذِنُهُ بِالصَّلَاةِ، فَقَالَ: مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ - وَذَكَرَ الْحَدِيثَ - قَالَتْ: فَلَمَّا دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ وَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ نَفْسِهِ خِفَّةً، قَالَتْ: فَقَامَ يُهَادَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ وَرِجْلَاهُ تَخُطَّانِ فِي الْأَرْضِ حَتَّى دَخَلَ الْمَسْجِدَ،
فَلَمَّا سَمِعَ أَبُو بَكْرٍ حِسَّهُ ذَهَبَ لِيَتَأَخَّرَ، فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَنْ قُمْ كَمَا أَنْتَ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى جَلَسَ عَنْ يَسَارِ أَبِي بَكْرٍ، قَالَتْ: فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي بِالنَّاسِ جَالِسًا، وَأَبُو بَكْرٍ قَائِمًا، يَقْتَدِي أَبُو بَكْرٍ بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَالنَّاسُ يَقْتَدُونَ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ.
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ثَابِتٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنْ قُتَيْبَةَ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ أَيْضًا، عَنْ مُسَدَّدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دَاوُدَ الْخُرَيْبِيِّ، عَنِ الْأَعْمَشِ، وَقَالَ فِي حَدِيثِهِ: قَامَ أَبُو بَكْرٍ، وَقَعَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى جَنْبِهِ يُصَلِّي.
وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ حَفَصِ بْنِ غِيَاثٍ عَنِ الْأَعْمَشِ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، وَعَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ وَكِيعٍ، وَأَبِي مُعَاوِيَةَ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عِيسَى بْنِ يُونُسَ، وَعَلِيِّ بْنِ مُسْهِرٍ عَنِ الْأَعْمَشِ بِمَعْنَاهُ دُونَ ذِكْرِ الْيَسَارِ.
وَمَنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا الْحَدِيثِ قَالُوا: فَهَذَا الْفِعْلُ الَّذِي رُوِّينَاهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَحِيحٌ عَنْهُ، وَيَكُونُ نَاسِخًا لِلْحُكْمِ الْمُتَقَدِّمِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ الشَّافِعِيُّ، قَالَ: الْمُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ إِذَا لَمْ يَسْتَطِعِ الْقِيَامَ فِي الصَّلَاةِ أَنْ يَسْتَخْلِفَ وَلَا يَؤُمَّ قَاعِدًا، وَلِمَا رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا مَرِضَ اسْتَخْلَفَ فِي أَكْثَرِ الصَّلَوَاتِ، وَإِنَّمَا صَلَّى بِنَفْسِهِ دُفْعَةً وَاحِدَةً.
قَرَأْتُ عَلَى رَوْحِ بْنِ بَدْرِ بْنِ ثَابِتٍ الرَّازِيِّ، أَخْبَرَكَ أَبُو الْفَتْحِ
стр. 111
أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ إِذْنًا، عَنْ كِتَابِ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى الصَّيْرَفِيِّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ، أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ: وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِيمَا قُلْتُ شَيْءٌ مَنْسُوخٌ وَنَاسِخٌ، فَذَكَرَ حَدِيثَ أَنَسٍ وَحَدِيثَ عَائِشَةَ، وَقَدْ مَضَى ذِكْرُهُمَا، ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا ثَابِتٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَنْسُوخٌ بِسُنَّتِهِ، وَذَلِكَ أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَرْوِي: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى جَالِسًا مِنْ سَقْطَةِ فَرَسٍ، وَعَائِشَةَ تَرْوِي ذَلِكَ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ يُوَافِقُ رِوَايَتَهُمَا، وَأَمَرَ مَنْ خَلْفَهُ فِي هَذِهِ الْعِلَّةِ بِالْجُلُوسِ إِذَا صَلَّى جَالِسًا، ثُمَّ يُرْوَى عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ جَالِسًا، وَالنَّاسُ خَلْفَهُ قِيَامًا، قَالَ: وَهِيَ آخِرُ صَلَاةٍ صَلَّاهَا بِالنَّاسِ، بِأَبِي وَأُمِّي ﷺ حَتَّى لَقِيَ اللَّهَ تَعَالَى، وَهَذَا لَا يَكُونُ إِلَّا نَاسِخًا، وَفِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى ذَلِكَ، حَيْثُ أَمَّ ﵇ وَهُوَ قَاعِدٌ، وَفِي بَعْضِ أَلْفَاظِ هَذَا الْحَدِيثِ: فَأَمَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبَا بَكْرٍ وَهُوَ قَاعِدٌ، وَأَمَّ أَبُو بَكْرٍ النَّاسَ وَهُوَ قَائِمٌ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ إِمَامًا فِي تِلْكَ الصَّلَاةِ عَلَى الْحَقِيقَةِ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَصِحُّ بِإِمَامَيْنِ، وَإِنَّمَا النَّبِيُّ ﷺ كَانَ الْإِمَامُ، وَأَبُو بَكْرٍ كَانَ يُبَلِّغُ النَّاسَ التَّكْبِيرَ، فَسُمِّيَ لِذَلِكَ إِمَامًا.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ أَيْضًا فِي الرِّسَالَةِ: فَلَمَّا كَانَتْ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ قَاعِدًا وَالنَّاسُ خَلْفَهُ قِيَامًا، اسْتَدْلَلْنَا عَلَى أَنَّ أَمْرَهُ لِلنَّاسِ بِالْجُلُوسِ فِي سَقْطَتِهِ عَنِ الْفَرَسِ قَبْلَ مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ،
وَكَانَتْ صَلَاتُهُ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ قَاعِدًا وَالنَّاسُ خَلْفَهُ قِيَامًا نَاسِخَةً لِأَنْ يَجْلِسَ النَّاسُ بِجُلُوسِ الْإِمَامِ.
وَكَانَ فِي ذَلِكَ دَلِيلٌ بِمَا جَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ وَأَجْمَعَ عَلَيْهِ النَّاسُ؛ مِنْ أَنَّ الصَّلَاةَ قَائِمًا إِذَا أَطَاقَهَا الْمُصَلِّي، وَقَاعِدًا إِذَا لَمْ يُطِقْ، وَأَنْ لَيْسَ لِلْمُطِيقِ الْقِيَامُ مُنْفَرِدًا أَنْ يُصَلِّيَ قَاعِدًا.
فَكَانَتْ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنْ صَلَّى فِي مَرَضِهِ قَاعِدًا، وَمَنْ خَلْفَهُ قِيَامًا، مَعَ أَنَّهَا نَاسِخَةٌ لِسُنَّتِهِ الْأُولَى قَبْلَهَا، مُوَافَقَةَ سُنَّتِهِ فِي الصَّحِيحِ وَالْمَرِيضِ، وَإِجْمَاعُ النَّاسِ: أَنْ يُصَلِّيَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَرْضَهُ، كَمَا يُصَلِّي خَلْفَ الْإِمَامِ الصَّحِيحِ قَاعِدًا وَالْإِمَامُ الْمَرِيضُ قَائِمًا.
وَهَكَذَا نَقُولُ: يُصَلِّي الْإِمَامُ جَالِسًا، وَمَنْ خَلْفَهُ مِنَ الْأَصِحَّاءِ قِيَامًا؛ فَيُصَلِّي كُلُّ وَاحِدٍ فَرْضَهُ، وَلَوْ وَكَّلَ غَيْرَهُ كَانَ حَسَنًا.
وَقَدْ أُوهِمَ بَعْضُ النَّاسِ فَقَالَ:
стр. 112
لَا يَؤُمَّنَّ أَحَدٌ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ جَالِسًا، وَاحْتَجَّ بِحَدِيثٍ رَوَاهُ مُنْقَطِعٍ عَنْ رَجُلٍ مَرْغُوبِ الرِّوَايَةِ عَنْهُ، لَا يَثْبُتُ بِمِثْلِهِ حُجَّةٌ عَلَى أَحَدٍ فِيهِ: لَا يَؤُمَّنَّ أَحَدٌ بَعْدِي جَالِسًا.
وَأَخْبَرَنِي أَبُو الْمَحَاسِنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الزَّاهِدُ، أَخْبَرَنَا زَاهِرُ بْنُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ، أَخْبَرَنَا الْحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا الْأَصَمُّ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ، أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ: وَقَدْ رَوَى فِي هَذَا الصِّنْفِ - يَعْنِي الصَّلَاةَ خَلْفَ مَنْ يُصَلِّي جَالِسًا - يَغْلَطُ فِيهِ بَعْضُ مَنْ ذَهَبَ إِلَى الْحَدِيثِ، وَذَلِكَ أَنَّ عَبْدَ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيَّ، أَخْبَرَنَا عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ: أَنَّهُمْ خَرَجُوا يُشَيِّعُونَهُ وَهُوَ مَرِيضٌ فَصَلَّى جَالِسًا، وَصَلَّوْا خَلْفَهُ جُلُوسًا.
قَالَ: وَأَخْبَرَنَا الثَّقَفِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، أَنَّ أُسَيْدَ بْنَ حُضَيْرٍ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَفِي هَذَا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ يَعْلَمُ الشَّيْءَ عَنْ رَسُولِ
اللَّهِ ﷺ لَا يَعْلَمُ خِلَافَهُ عَنْهُ، فَيَقُولُ بِمَا عَلِمَ، ثُمَّ لَا يَكُونُ فِي قَوْلِهِ بِمَا عَلِمَ وَرَوَى حُجَّةٌ عَلَى أَحَدٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ قَوْلًا أَوْ عَمِلَ عَمَلًا يَنْسَخُ الْعَمَلَ الَّذِي قَالَ بِهِ غَيْرُهُ وَعَمِلَهُ، وَبَسَطَ الْكَلَامَ فِي هَذَا، وَأَرَادَ أَنَّهُمَا إِنَّمَا فَعَلَا ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُمَا النَّسْخُ، قَالَ: وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ عِلْمَ الْخَاصَّةِ يُوجَدُ عِنْدَ بَعْضٍ وَيَغْرُبُ عَنْ بَعْضٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 113
بَابٌ فِي سُجُودِ السَّهْوِ بَعْدَ السَّلَامِ وَالِاخْتِلَافِ فِيهِ
أَخْبَرَنِي أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدِ بْنِ بَنِيمَانَ بْنِ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَتْحِ عَبْدُوسٌ
بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ سَلَمَةَ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ، أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ سُلَيْمَانَ الْمُجَالِدِيُّ، حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ عِيَاضٍ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاةً فَزَادَ فِيهَا أَوْ نَقَصَ، فَلَمَّا سَلَّمَ قُلْنَا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، هَلْ حَدَثَ فِي الصَّلَاةِ شَيْءٌ؟ قَالَ: وَمَا ذَاكَ؟ فَذَكَرْنَا لَهُ الَّذِي فَعَلَ، فَثَنَى رِجْلَهُ وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَسَجَدَ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَقَالَ: لَوْ حَدَثَ فِي الصَّلَاةِ شَيْءٌ لَأَنْبَأْتُكُمْ بِهِ. ثُمَّ قَالَ: إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ؛ أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ، فَأَيُّكُمْ شَكَّ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَتَحَرَّ الَّذِي يَرَى أَنَّهُ صَوَابٌ، ثُمَّ يُسَلِّمْ، وَيَسْجُدْ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ.
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ مَنْصُورٍ، وَلَهُ فِي الصِّحَاحِ طُرُقٌ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ سُجُودُ السَّهْوِ بَعْدَ السَّلَامِ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، وَهُوَ فِي حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ، وَالْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، وَثَوْبَانَ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي هَذَا الْبَابِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ:
فَطَائِفَةٌ رَأَتِ السُّجُودَ كُلَّهُ بَعْدَ السَّلَامِ عَمَلًا بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَمِمَّنْ رُوِّينَا ذَلِكَ عَنْهُ مِنَ الصَّحَابَةِ: عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وَعَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَمِنَ التَّابِعِينَ: الْحَسَنُ، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى، وَالثَّوْرِيُّ، وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَأَهْلُ الْكُوفَةِ.
وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى إِلَى أَنَّ السُّجُودَ كُلَّهُ قَبْلَ السَّلَامِ، وَأَنَّ حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ مُتَقَدِّمٌ مَنْسُوخٌ، وَتَمَسَّكُوا فِي ذَلِكَ بِأَحَادِيثَ.
قَرَأْتُ عَلَى أَبِي طَاهِرٍ رَوْحِ بْنِ بَدْرِ بْنِ ثَابِتٍ، أَخْبَرَكَ مَحْمُودُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الصَّيْرَفِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ، أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ الْعَلَّافُ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، حَدَّثَنَا عَجْلَانَ، أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ يُوسُفَ مَوْلَى
стр. 114
عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ حَدَّثَهُ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ صَلَّى بِهِمْ، فَنَسِيَ وَقَامَ، وَعَلَيْهِ جُلُوسٌ فَلَمْ يَجْلِسْ، فَلَمَّا كَانَ آخِرَ صَلَاتِهِ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ التَّسْلِيمِ. قَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَصْنَعُ.
رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ عَنْ بَكْرِ بْنِ مُضَرَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجِّ، عَنْ عَجْلَانَ نَحْوَ رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ ابْنُ لَهِيعَةَ عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ بَكْرِ بْنِ مُضَرَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجِّ، عَنِ الْعَجْلَانِ مَوْلَى فَاطِمَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ.
أَخْبَرَنَا طَاهِرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ طَاهِرٍ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ فِي كِتَابِهِ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الضَّبِّيُّ، أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ الْعَتَكِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ قُتَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلْيُلْقِ الشَّكَّ، وَلْيَبْنِ عَلَى الْيَقِينِ، فَإِذَا اسْتَيْقَنَ التَّمَامَ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، فَإِنْ كَانَتْ صَلَاتُهُ تَامَّةً كَانَتِ الرَّكْعَةُ نَافِلَةً وَالسَّجْدَتَانِ، وَإِنْ كَانَتْ نَاقِصَةً كَانَتِ الرَّكْعَةُ تَمَامًا لِصَلَاتِهِ، وَالسَّجْدَتَانِ تُرْغِمَانِ أَنْفَ الشَّيْطَانِ.
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ مُخَرَّجٌ فِي كِتَابِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ عَطَاءٍ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَقَدْ رُوِّينَا قَوْلَنَا عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَمُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، وَكُلُّهُمْ يَرْوُونَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَجَدَ فِيهِمَا جَمِيعًا قَبْلَ السَّلَامِ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁: وَأَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُحَيْنَةَ، قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قَامَ فَلَمْ يَجْلِسْ، فَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ، فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ وَنَظَرْنَا تَسْلِيمَهُ كَبَّرَ فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، وَهُوَ جَالِسٌ قَبْلَ التَّسْلِيمِ، ثُمَّ سَلَّمَ.
وَهَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى، جَمِيعًا عَنْ مَالِكٍ، ثُمَّ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي حَدِيثِ ابْنِ بُحَيْنَةَ: وَهَذَا نُقْصَانٌ، وَقَالَ فِي حَدِيثِ أَبِي
стр. 115
سَعِيدٍ: وَهَذِهِ زِيَادَةٌ. فَبَيَّنَ بِذَلِكَ أَنَّهُ سَجَدَ فِيهِمَا جَمِيعًا قَبْلَ السَّلَامِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁ فِي الْقَدِيمِ أَيْضًا: أَخْبَرَنَا مُطَرِّفُ بْنُ مَازِنٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: سَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ قَبْلَ السَّلَامِ وَبَعْدَهُ، وَآخِرَ الْأَمْرَيْنِ قَبْلَ السَّلَامِ، ثُمَّ أَكَّدَهُ الشَّافِعِيُّ بِرِوَايَةِ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَجَدَهُمَا قَبْلَ السَّلَامِ، قَالَ: وَصُحْبَةُ مُعَاوِيَةَ مُتَأَخِّرَةٌ.
أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْفَرَجِ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ السَّمَرْقَنْدِيُّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ، أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْبَغَوِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَنْصُورٍ أَبُو إِسْمَاعِيلَ الْفَقِيهُ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي السِّرِيِّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ الْعَمِّيُّ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، وَالْحَسَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَجَدَ بَعْدَ السَّلَامِ وَالْكَلَامِ.
قَالَ الْحَسَنُ: فَنُسِخَ، وَثَبَتَتِ السَّجْدَتَانِ.
وَمِمَّنْ رَأَى السُّجُودَ كُلَّهُ قَبْلَ السَّلَامِ: أَبُو هُرَيْرَةَ، وَمَكْحُولٌ، وَالزُّهْرِيُّ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَرَبِيعَةُ بْنُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَأَهْلُ الشَّامِ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ﵁.
وَطَرِيقُ الْإِنْصَافِ أَنْ نَقُولَ: أَمَّا حَدِيثُ الزُّهْرِيِّ الَّذِي فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى النَّسْخِ فَفِيهِ انْقِطَاعٌ؛ فَلَا يَقَعُ مُعَارِضًا لِلْأَحَادِيثِ الثَّابِتَةِ، وَأَمَّا بَقِيَّةُ الْأَحَادِيثِ فِي السُّجُودِ قَبْلَ السَّلَامِ وَبَعْدَهُ قَوْلًا وَفِعْلًا فَهِيَ وَإِنْ كَانَتْ ثَابِتَةً صَحِيحَةً فَفِيهَا نَوْعُ تَعَارُضٍ، غَيْرَ أَنَّ تَقْدِيمَ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ غَيْرُ مَعْلُومٍ بِرِوَايَةٍ مَوْصُولَةٍ صَحِيحَةٍ، وَالْأَشْبَهُ حَمْلُ الْأَحَادِيثِ عَلَى التَّوَسُّعِ وَجَوَازِ الْأَمْرَيْنِ.
وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ - مَعَ مَا حَكَيْنَاهُ عَنْهُ -: مَنْ سَجَدَ لِلسَّهْوِ بَعْدَ السَّلَامِ تَشَّهَدَ ثُمَّ يُسَلِّمُ، وَمَنْ سَجَدَ قَبْلَ السَّلَامِ أَجْزَأَهُ التَّشَهُّدُ الْأَوَّلُ، وَفِي قَوْلِهِ هَذَا تَجْوِيزُ السُّجُودِ بَعْدَ السَّلَامِ وَقَبْلَهُ.
وَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْقَاضِي، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: حَدَّثَنَا الشَّافِعِيُّ ﵁ وَذَكَرَ حَدِيثَ ذِي الْيَدَيْنِ، وَسَجْدَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الزِّيَادَةِ بَعْدَ التَّسْلِيمِ.
وَفِي النُّقْصَانِ قَبْلَ التَّسْلِيمِ، فَذَهَبْنَا إِلَى ذَلِكَ فِي الْحَدِيثَيْنِ جَمِيعًا،
стр. 116
وَقَدْ ذَهَبَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى إِلَى أَنَّ السَّهْوَ إِذَا كَانَ فِي النُّقْصَانِ كَانَ السُّجُودُ قَبْلَ السَّلَامِ عَلَى حَدِيثِ ابْنِ بُحَيْنَةَ، وَإِذَا كَانَ فِي الزِّيَادَةِ كَانَ السُّجُودُ بَعْدَ السَّلَامِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، وَنَفَرٌ مِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ وَأَبُو ثَوْرٍ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى: الْحِيطَةُ فِي هَذَا أَنْ تَتْبَعَ ظَوَاهِرَ الْأَخْبَارِ إِذَا نَهَضَ مِنْ ثِنْتَيْنِ سَجَدَهُمَا قَبْلَ السَّلَامِ عَلَى حَدِيثِ ابْنِ بُحَيْنَةَ، وَإِذَا شَكَّ فَرَجَعَ إِلَى الْيَقِينِ سَجَدَهُمَا قَبْلَ السَّلَامِ عَلَى حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ، وَإِذَا سَلَّمَ مِنْ ثِنْتَيْنِ سَجَدَهُمَا بَعْدَ السَّلَامِ عَلَى حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَإِذَا شَكَّ وَكَانَ مِمَّنْ يَرْجِعُ إِلَى التَّحَرِّي سَجَدَهُمَا بَعْدَ السَّلَامِ عَلَى حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَكُلُّ سَهْوٍ يَدْخُلُ عَلَيْهِ سِوَى مَا ذَكَرْنَاهُ يَسْجُدُ قَبْلَ السَّلَامِ سِوَى مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْهَاشِمِيُّ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، وَأَبُو خَيْثَمَةَ.
وَمِنْ بَابِ صَلَاةِ الْخَوْفِ
أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَضْلِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الطُّوسِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْغَفَّارِ بْنُ مُحَمَّدٍ النَّيْسَابُورِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ زُبَيْدٍ، عَنْ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: شَغَلَ الْمُشْرِكُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ حَتَّى اصْفَرَّتِ الشَّمْسُ، أَوِ احْمَرَّتْ، فَقَالَ: شَغَلُونَا عَنْ صَلَاةِ الْوُسْطَى، مَلَأَ اللَّهُ قُبُورَهُمْ وَأَجْوَافَهُمْ نَارًا أَوْ قَالَ: حَشَا اللَّهُ قُبُورَهُمْ وَأَجْوَافَهُمْ نَارًا.
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ، عَنْ عَوْنِ بْنِ سَلَّامٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ.
أَخْبَرَنِي أَبُو مُوسَى الْحَافِظُ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ، أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ الصُّوفِيُّ، حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ أَسَدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ الْكُوفِيُّ، عَنْ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: شُغِلَ النَّبِيُّ ﷺ فِي شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْمُشْرِكِينَ فَلَمْ يُصَلِّ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ، فَلَمَّا فَرَغَ صَلَّاهُنَّ الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ صَلَاةُ الْخَوْفِ.
стр. 117
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْمُنْعِمِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْغَفَّارِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجُنَابِذِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَرَشِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ، أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ،
عَنِ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: حُبِسْنَا يَوْمَ الْخَنْدَقِ عَنِ الصَّلَاةِ، حَتَّى كَانَ بَعْدَ الْمَغْرِبِ بَهَوِيٍّ مِنَ اللَّيْلِ، حَتَّى كُفِينَا وَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ : (وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا) فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِلَالًا فَأَمَرَهُ فَأَقَامَ الظُّهْرَ، فَصَلَّاهَا فَأَحْسَنَ صَلَاتَهَا كَمَا كَانَ يُصَلِّيهَا فِي وَقْتِهَا، ثُمَّ أَقَامَ الْعَصْرَ فَصَلَّاهَا كَذَلِكَ، ثُمَّ أَقَامَ الْعِشَاءَ فَصَلَّاهَا كَذَلِكَ أَيْضًا، قَالَ: وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ: (فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا) .
قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁: فَبَيَّنَ أَبُو سَعِيدٍ أَنَّ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ الْآيَةَ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ فِيهَا صَلَاةَ الْخَوْفِ؛ قَوْلُ اللَّهِ : (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ) الْآيَةَ. (وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ) الْآيَةَ.
وَلَمَّا حَكَى أَبُو سَعِيدٍ أَنَّ صَلَاةَ النَّبِيِّ ﷺ عَامَ الْخَنْدَقِ كَانَتْ قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ صَلَاةُ الْخَوْفِ (فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا) اسْتَدْلَلْنَا عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ صَلَاةَ الْخَوْفِ إِلَّا بَعْدَهَا؛ إِذْ حَضَرَهَا أَبُو سَعِيدٍ، وَحَكَى تَأْخِيرَ الصَّلَوَاتِ حِينَ خَرَجَ مِنْ وَقْتِ عَامَّتِهَا، وَحَكَى أَنَّ ذَلِكَ قَبْلَ نُزُولِ صَلَاةِ الْخَوْفِ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَلَا تُؤَخَّرُ صَلَاةُ الْخَوْفِ بِحَالٍ أَبَدًا عَنِ الْوَقْتِ إِنْ كَانَتْ فِي
حَضَرٍ، أَوْ عَنْ وَقْتِ الْجَمْعِ فِي السَّفَرِ لِخَوْفٍ وَلَا لِغَيْرِهِ، وَلَكِنْ يُصَلِّي كَمَا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
وَالَّذِي أَخَذْنَا بِهِ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ أَنَّ مَالِكًا أَخْبَرَنَا عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ، عَنْ صَالِحِ بْنِ خَوَّاتٍ، عَمَّنْ صَلَّى مَعَ النَّبِيِّ ﷺ صَلَاةَ الْخَوْفِ يَوْمَ ذَاتِ الرِّقَاعِ: أَنَّ طَائِفَةً صَلَّتْ مَعَهُ، وَطَائِفَةً صَفَّتْ وِجَاهَ الْعَدُوِّ، فَصَلَّى بِالَّذِينِ مَعَهُ رَكْعَةً ثُمَّ ثَبَتَ قَائِمًا، وَأَتَمُّوا لِأَنْفُسِهِمْ، ثُمَّ انْصَرَفُوا فَصَفُّوا وِجَاهَ الْعَدُوِّ، وَجَاءَتِ الطَّائِفَةُ الْأُخْرَى فَصَلَّى بِهِمُ الرَّكْعَةَ الَّتِي بَقِيَتْ مِنْ صَلَاتِهِ، ثُمَّ ثَبَتَ جَالِسًا،
стр. 118
وَأَتَمُّوا لِأَنْفُسِهِمْ، ثُمَّ سَلَّمَ بِهِمْ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَأَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ بْنِ حَفْصٍ يَذْكُرُ عَنْ أَخِيهِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ خَوَّاتٍ، عَنْ أَبِيهِ خَوَّاتِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَ حَدِيثِ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى صَلَاةَ الْخَوْفِ عَلَى غَيْرِ مَا حَكَى مَالِكٌ، وَإِنَّمَا أَخَذْنَا بِهَذَا دُونَهُ؛ لِأَنَّهُ كَانَ أَشْبَهُ بِالْقُرْآنِ وَأَقْوَى فِي مُكَايَدَةِ الْعَدُوِّ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ أَيْضًا: وَفِي هَذَا دَلَالَةٌ عَلَى مَا وَصَفْتُ قَبْلَ هَذَا الْكِتَابِ مِنْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِذَا سَنَّ سُنَّةً فَأَحْدَثَ اللَّهُ إِلَيْهِ فِي تِلْكَ السُّنَّةِ نَسْخَهَا أَوْ مَخْرَجًا إِلَى سَعَةٍ مِنْهَا، فَسَنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سُنَّةً تَقُومُ بِهَا الْحُجَّةُ عَلَى النَّاسِ، حَتَّى يَكُونُوا إِنَّمَا صَارُوا مِنْ سُنَّتِهِ إِلَى سُنَّتِهِ الَّتِي بَعْدَهَا. وَقَالَ أَيْضًا فَنَسَخَ اللَّهُ تَعَالَى تَأْخِيرَ الصَّلَاةِ عَنْ وَقْتِهَا فِي الْخَوْفِ إِلَى أَنْ يُصَلُّوهَا كَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ، وَسَنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي وَقْتِهَا، وَنَسَخَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سُنَّتَهُ فِي تَأْخِيرِهَا بِفَرْضِ اللَّهِ فِي كِتَابِهِ ثُمَّ بِسُّنَّتِهِ، فَصَلَّاهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي وَقْتِهَا كَمَا وَصَفْتُ.
وَمِنْ كِتَابِ الْجُمُعَةِ فِي الصَّلَاةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ، وَنَسْخِ ذَلِكَ
أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْخَالِقِ بْنُ هِبَةِ اللَّهِ الْبَيِّعُ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ، أَخْبَرَنَا الْقَاضِي أَبُو الْغَنَائِمِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَسَدِيُّ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ الْعَبْدِ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْأَشْعَثِ، حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ، أَخْبَرَنِي أَبُو مُعَاذٍ بُكَيْرُ بْنُ مَعْرُوفٍ أَنَّهُ سَمِعَ مُقَاتِلَ بْنَ حَيَّانَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ مِثْلَ الْعِيدَيْنِ، حَتَّى كَانَ يَوْمُ جُمُعَةٍ وَالنَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ، وَقَدْ صَلَّى الْجُمُعَةَ فَدَخَلَ رَجُلٌ فَقَالَ: إِنَّ دِحْيَةَ بْنَ خَلِيفَةَ قَدِمَ بِتِجَارَتِهِ، وَكَانَ دِحْيَةُ إِذَا قَدِمَ تَلَقَّاهُ أَهْلُهُ بِالدَّفَّافِ، فَخَرَجَ النَّاسُ؛ لَمْ يَظُنُّوا إِلَّا أَنَّهُ لَيْسَ فِي تَرْكِ الْخُطْبَةِ
стр. 119
شَيْءٌ؛ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: (وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا) . الْآيَةَ، فَقَدَّمَ النَّبِيُّ ﷺ الْخُطْبَةَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَأَخَّرَ الصَّلَاةَ، فَكَانَ لَا يَخْرُجُ أَحَدٌ لِرُعَافٍ أَوْ حَدَثٍ بَعْدَ النَّهْيِ حَتَّى يَسْتَأْذِنَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُشِيرُ إِلَيْهِ بِأُصْبُعِهِ الَّتِي تَلِي الْإِبْهَامَ، فَيَأْذَنَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ ثُمَّ يُشِيرُ بِيَدِهِ، وَكَانَ مِنَ الْمُنَافِقِينَ مَنْ تَثْقُلُ عَلَيْهِ الْخُطْبَةُ وَالْجُلُوسُ فِي الْمَسْجِدِ، فَكَانَ إِذَا اسْتَأْذَنَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ قَامَ الْمُنَافِقُ إِلَى جَنْبِهِ يَسْتَتِرُ بِهِ حَتَّى يَخْرُجَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: (قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا) الْآيَةَ.
هَذَا مُرْسَلٌ؛ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي الْمَرَاسِيلِ.
وَمِنْ كِتَابِ الْجَنَائِزِ بَابُ الْأَمْرِ بِالْقِيَامِ لِلْجِنَازَةِ
أَخْبَرَنَا طَاهِرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ طَاهِرٍ، أَخْبَرَنَا مَكِّيُّ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ، أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِذَا رَأَيْتُمُ الْجِنَازَةَ فَقُومُوا لَهَا حَتَّى تُخَلِّفَكُمْ أَوْ تُوضَعَ.
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ثَابِتٌ، أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هَذَا لَا يَعْدُو أَنْ يَكُونَ مَنْسُوخًا، وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَامَ لَهَا لِعِلَّةٍ قَدْ رَوَاهَا بَعْضُ الْمُحَدِّثِينَ؛ أَنَّهَا كَانَتْ جِنَازَةُ يَهُودِيٍّ، فَقَامَ لَهَا كَرَاهِيَةَ أَنْ تَطُولَهُ.
أَخْبَرَنِي أَبُو طَالِبٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ الْقَاضِي، أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ فِي كِتَابِهِ، أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا دَعْلَجُ بْنُ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مِقْسَمٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: مَرَّتْ بِنَا جِنَازَةٌ، فَقَامَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقُمْنَا مَعَهُ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهَا جِنَازَةُ يَهُودِيٍّ. فَقَالَ: إِنَّ الْمَوْتَ فَزَعٌ، فَإِذَا رَأَيْتُمُ الْجِنَازَةَ فَقُومُوا.
أَخْبَرَنِي أَبُو الْفَضْلِ صَالِحُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا عَبَّاسُ بْنُ مُجَاشِعٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي يَعْقُوبَ،
стр. 120
حَدَّثَنَا حَسَّانٌ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِذَا
مَرَّتْ جِنَازَةٌ فَقُومُوا لَهَا؛ فَإِنَّمَا تَقُومُونَ لِمَنْ مَعَهَا مِنَ الْمَلَائِكَةِ.
وَفِي الْبَابِ عَنْ نَفَرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي هَذَا الْبَابِ:
فَقَالَ بَعْضُهُمْ: عَلَى الْجَالِسِ أَنْ يَقُومَ إِذَا رَأَى الْجِنَازَةَ حَتَّى تُخَلِّفَهُ، وَمِمَّنْ رَأَى ذَلِكَ: أَبُو مَسْعُودٍ الْبَدْرِيُّ، وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ، وَقَيْسُ بْنُ سَعْدٍ، وَسَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ، وَسَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ.
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: إِنْ قَامَ لَمْ أَعِبْهُ، وَإِنْ قَعَدَ فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَبِهِ قَالَ إِسْحَاقُ الْحَنْظَلِيُّ.
وَقَالَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ: لَيْسَ عَلَى أَحَدٍ الْقِيَامُ لِلْجِنَازَةِ، وَرَوَيْنَا ذَلِكَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَالْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، وَعَلْقَمَةَ، وَالْأَسْوَدَ، وَالنَّخَعِيِّ، وَنَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَفَعَلَهُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَبِهِ قَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَمَالِكٌ، وَأَهْلُ الْحِجَازِ، وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ، وَذَهَبُوا إِلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِالْقِيَامِ مَنْسُوخٌ، وَتَمَسَّكُوا فِي ذَلِكَ بِأَحَادِيثَ.
قَرَأْتُ عَلَى أَبِي طَاهِرٍ رَوْحِ بْنِ بَدْرِ بْنِ ثَابِتٍ، أَخْبَرَكَ أَبُو الْفَتْحِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ التَّاجِرُ فِي كِتَابِهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى الصَّيْرَفِيِّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ، أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ وَاقِدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، عَنْ
نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ مَسْعُودِ بْنِ الْحَكَمِ، عَنْ عَلِيٍّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُومُ لِلْجِنَازَةِ ثُمَّ جَلَسَ بَعْدُ.
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ لَيْثِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ.
أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ الْقَاضِي، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ شَاذَانَ، أَخْبَرَنَا دَعْلَجُ بْنُ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ، حَدَّثَنِي وَاقِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعْدٍ قَالَ: شَهِدْتُ جِنَازَةً فِي بَنِي سَلَمَةَ، فَقُمْتُ، فَقَالَ لِي نَافِعُ بْنُ جُبَيْرٍ: اجْلِسْ؛ فَإِنِّي سَأُخْبِرُكَ فِي هَذَا بِثَبَتٍ، حَدَّثَنِي مَسْعُودُ بْنُ الْحَكَمِ الزُّرَقِيُّ، أَنَّهُ سَمِعَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ فِي رَحْبَةِ الْكُوفَةِ وَهُوَ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَمَرَنَا بِالْقِيَامِ فِي الْجِنَازَةِ، ثُمَّ جَلَسَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَأَمَرَنَا بِالْجُلُوسِ.
стр. 121
وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ الطَّبَرِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَصْرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ قَالَ: مَرَّتْ بِنَا جِنَازَةٌ فَقُمْنَا، فَقَالَ عَلِيٌّ: مَنْ أَفْتَاكُمْ هَذَا؟ قُلْنَا: أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ. فَقَالَ: مَا فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَّا مَرَّةً، كَانَ يَتَشَبَّهُ بِأَهْلِ الْكِتَابِ، فَلَمَّا نُسِخَ ذَلِكَ وَنُهِيَ عَنْهُ انْتَهَى.
وَرَوَاهُ عَاصِمٌ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ بِالْإِسْنَادِ، وَقَالَ فِيهِ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَرَّةً ثُمَّ نُهِيَ عَنْهُ، فَهَذِهِ الْأَلْفَاظُ كُلُّهَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقُعُودَ أَوْلَى مِنَ الْقِيَامِ.
قَرَأْتُ عَلَى أَبِي مَنْصُورٍ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ الْفَرَجِ، أَخْبَرَكَ عَبْدُ الْقَادِرِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو النَّصْرِ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ - يَعْنِي شَيْبَانَ - عَنْ لَيْثٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِذَا مَرَّتْ جِنَازَةٌ فَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا أَوْ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا فَقُومُوا لَهَا، فَإِنَّهُ لَيْسَ يَقُومُ لَهَا وَلَكِنْ يَقُومُ لِمَنْ مَعَهَا مِنَ الْمَلَائِكَةِ.
قَالَ لَيْثٌ: فَذَكَرْتُ هَذَا الْحَدِيثَ لِمُجَاهِدٍ، فَقَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَخْبَرَةَ الْأَزْدِيُّ قَالَ: إِنَّا لَجُلُوسٌ مَعَ عَلِيٍّ نَنْتَظِرُ جِنَازَةً إِذْ مَرَّتْ بِنَا أُخْرَى، فَقُمْنَا، فَقَالَ عَلِيٌّ: مَا يُقِيمُكُمْ؟ فَقُلْنَا: هَذَا مَا يَأْتُونَا بِهِ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ قَالَ: وَمَا ذَلِكَ؟ قُلْتُ: زَعَمَ أَبُو مُوسَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ
قَالَ: إِذَا مَرَّتْ جِنَازَةٌ فَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا أَوْ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا فَقُومُوا لَهَا؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ يَقُومُ لَهَا وَلَكِنْ يَقُومُ لِمَنْ مَعَهَا مِنَ الْمَلَائِكَةِ. فَقَالَ عَلِيٌّ: مَا فَعَلَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَطُّ غَيْرَ مَرَّةٍ بِرَجُلٍ مِنَ الْيَهُودِ، وَكَانُوا أَهْلَ كِتَابٍ، وَكَانَ يَتَشَبَّهُ بِهِمْ، فَإِذَا نُهِيَ انْتَهَى، فَمَا عَادَ لَهَا بَعْدُ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: فَقَدْ جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ تَرْكُهُ بَعْدَ فِعْلِهِ، وَالْحُجَّةُ فِي الْآخَرِ مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِنْ كَانَ الْأَوَّلُ وَاجِبًا فَالْآخَرُ مِنْ أَمْرِهِ نَاسِخٌ، وَإِنْ كَانَ اسْتِحْبَابًا فَالْآخَرُ هُوَ الِاسْتِحْبَابُ، وَإِنْ كَانَ مُبَاحًا لَا بَأْسَ بِالْقِيَامِ وَالْقُعُودِ، فَالْقُعُودُ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ الْآخَرُ مِنْ فِعْلِهِ ﷺ .
стр. 122
بَابُ عَدَدِ التَّكْبِيرِ عَلَى الْجَنَائِزِ
قَرَأْتُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ ذَاكِرِ بْنِ مُحَمَّدِ الْخِرَقِيِّ، أَخْبَرَكَ الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْكَاتِبُ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ الْحَافِظُ، حَدَّثَنَا أَبُو عُمَرَ الْقَاضِي، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ الشَّهِيدِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ لَيْثٍ، عَنِ الْمُرَقَّعِ، قَالَ: صَلَّيْتُ خَلْفَ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ عَلَى جِنَازَةٍ، فَكَبَّرَ عَلَيْهَا خَمْسًا، وَقَالَ: صَلَّيْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى جِنَازَةٍ فَكَبَّرَ خَمْسًا.
أَخْبَرَنِي أَبُو دَاوُدَ مَحْمُودُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْخَيَّامُ الْوَاعِظُ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ هِبَةُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الشَّيْبَانِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ
جَعْفَرٍ الْمَالِكِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، قَالَ: كَانَ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ يُصَلِّي عَلَى جَنَائِزِنَا، فَيُكَبِّرُ أَرْبَعًا، ثُمَّ إِنَّهُ كَبَّرَ يَوْمًا عَلَى جِنَازَةٍ خَمْسًا، فَسَأَلُوهُ فَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُكَبِّرُ هَكَذَا، أَوْ كَبَّرَ هَكَذَا.
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، أَخْرَجَهُ فِي كِتَابِهِ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي هَذَا الْبَابِ.
فَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إِلَى هَذَا الْحَدِيثِ، وَرَأَوْا عَدَدَ التَّكْبِيرَاتِ خَمْسًا، وَمِمَّنْ رَأَى ذَلِكَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وَزَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ، وَحُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ، وَعِيسَى مَوْلَى حُذَيْفَةَ، وَأَصْحَابُ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: تُكَبِّرُ سِتًّا، وَرَوَى ذَلِكَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ.
وَقَالَتْ فِرْقَةٌ ثَالِثَةٌ: يُكَبِّرُ سَبْعًا، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ، وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ: كَانُوا يُكَبِّرُونَ عَلَى الْجَنَائِزِ سَبْعًا وَسِتًّا وَخَمْسًا وَأَرْبَعًا.
وَقَالَتْ فِرْقَةٌ رَابِعَةٌ: يُكَبِّرُ ثَلَاثًا؛ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، وَقَدْ حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَالْمَشْهُورُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يُكَبِّرُ أَرْبَعًا. أَخْبَرَنَا أَبُو طَالِبٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ الْقَاضِي، أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ فِي كِتَابِهِ، أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ شَاذَانَ، أَخْبَرَنَا
دَعْلَجُ بْنُ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ، قَالَ: كَانَ ابْنُ الْعَبَّاسِ يَجْمَعُ النَّاسَ بِالْحَمْلِ عَلَى الْجِنَازَةِ، وَيُكَبِّرُ ثَلَاثًا، قَالَ سُفْيَانُ: يَعْنِي غَيْرَ تَكْبِيرَتِهِ الَّتِي افْتَتَحَ بِهَا.
وَقَدْ رُوِيَ
стр. 123
نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَقَالَ بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيُّ: لَا يُزَادُ عَلَى سَبْعٍ، وَلَا يُنْقَصُ مِنْ ثَلَاثٍ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ: لَا يُنْقَصُ مِنْ أَرْبَعٍ، وَلَا يُزَادُ عَلَى سَبْعٍ.
وَقَالَتْ فِرْقَةٌ خَامِسَةٌ: يُكَبِّرُوا مَا كَبَّرَ إِمَامُهُمْ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ.
وَقَالَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ: يُكَبِّرُ أَرْبَعًا لَا يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَالْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ سِبْطَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَصُهَيْبِ بْنِ سِنَانٍ، وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَالْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَعُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، وَمِنَ التَّابِعِينَ: مُحَمَّدُ بْنُ الْحَنَفِيَّةِ، وَالشَّعْبِيُّ، وَعَلْقَمَةُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، وَعَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْكُوفَةِ، وَمَالِكٌ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْحِجَازِ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَأَهْلُ الشَّامِ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ، وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ، وَأَحْمَدُ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ، وَإِسْحَاقُ وَمَنْ تَبِعَهُ مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ، وَكَانَ مِنْ حُجَّةِ هَؤُلَاءِ أَحَادِيثُ ثَابِتَةٌ رَوَوْهَا فِي الْبَابِ.
أَخْبَرَنِي أَبُو الْفَتْحِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ الْخِرَقِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ، أَخْبَرَنَا الْقَاضِي أَبُو النَّصْرِ أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، أَخْبَرَنَا
أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدِّينَوَرِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ، أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَعَى لِلنَّاسِ النَّجَاشِيَّ، وَخَرَجَ بِهِمْ فَصَفَّ فِيهِمْ وَكَبَّرَ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ.
أَخْبَرَنَا طَاهِرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ طَاهِرٍ، أَخْبَرَنَا مَكِّيُّ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحَرَشِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ، أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ، وَأَخْبَرَنِي أَبُو الْفَضْلِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْخَطِيبُ مِنْ أَصْلِهِ الْعَتِيقِ فِي آخَرَيْنِ قَالُوا: أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْقَادِرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرِو بْنُ عُثْمَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الشَّافِعِيُّ، أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ الْحَسَنِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، وَأَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَبْدُ الْحَقِّ بْنُ عَبْدِ الْخَالِقِ الْيُوسُفِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْقَاهِرِ الْأَسَدِيُّ، وَأَخْبَرَنِي أَبُو الْعَلَاءِ الْحَافِظُ،
стр. 124
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْقَادِرِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُمَرَ الْفَقِيهُ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ بْنُ لُؤْلُؤٍ، أَخْبَرَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ خَلَفٍ، أَخْبَرَنَا مَعْنُ
بْنُ عِيسَى، قَالُوا جَمِيعًا: عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَعَى لِلنَّاسِ النَّجَاشِيَّ الْيَوْمَ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، وَخَرَجَ بِهِمْ إِلَى الْمُصَلَّى، فَصَفَّ بِهِمْ وَكَبَّرَ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ.
هَذَا حَدِيثٌ ثَابِتٌ مُسْتَفَاضٌ مِنْ حَدِيثِ الْحِجَازِيِّينَ مُخَرَّجٌ فِي الصِّحَاحِ كُلِّهَا. وَفِي الْبَابِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ أَبِي أَوْفَى، وَجَابِرٍ، وَغَيْرِهِمْ.
قَالَ بَعْضُ أَئِمَّتِنَا: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ مُتَأَخِّرٌ؛ لِأَنَّ مَوْتَ النَّجَاشِيِّ كَانَ بَعْدَ إِسْلَامِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِمُدَّةٍ، فَإِنْ قِيلَ: وَإِنْ دَلَّ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ عَلَى التَّأْخِيرِ فَلَيْسَ فِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ مَا يَدُلُّ عَلَى التَّقْدِيمِ، وَمَا لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ لَا يَحْكُمُ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ، فَلَيْسَ أَحَدُهُمَا أَوْلَى بِالتَّأْخِيرِ مِنَ الْآخَرِ، فَهَلْ تَجِدُونَ حَدِيثًا يُصَرِّحُ بِالتَّأْقِيتِ فِي التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ؟ قَالُوا: نَعَمْ، فِي الْبَابِ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ.
وَذَكَرُوا مَا أَخْبَرَنَا بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ بِنْيَمَانَ بْنِ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ سَعْدُ بْنُ عَلِيٍّ الْعِجْلِيُّ، أَخْبَرَنَا الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ طَاهِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الطَّبَرِيُّ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْوَلِيدِ الْفَحَّامُ، وَيَحْيَى بْنُ زَيْدِ بْنِ يَحْيَى الْفَزَارِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ خُنَيْسٍ، حَدَّثَنَا الْفُرَاتُ بْنُ سَلْمَانِ الْجَزَرِيُّ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: آخِرُ مَا كَبَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْجَنَائِزِ أَرْبَعًا، وَكَبَّرَ عُمَرُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ أَرْبَعًا، وَكَبَّرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَلَى عُمَرَ
أَرْبَعًا، وَكَبَّرَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ عَلَى عَلِيٍّ أَرْبَعًا، وَكَبَّرَ الْحُسَيْنُ عَلَى الْحَسَنِ أَرَبْعًا، وَكَبَّرَتِ الْمَلَائِكَةُ عَلَى آدَمَ أَرْبَعًا.
وَرَوَاهُ يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ عَنِ النَّضْرِ بْنِ أَبِي عُمَرَ، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَبَّاسٍ نَحْوَهُ مُخْتَصَرًا، أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي السُّنَنِ، وَقَالَ: كَذَا قَالَ أَحْمَدُ بْنُ الْوَلِيدِ الْفَحَّامُ فِي الْإِسْنَادِ: الْفُرَاتُ بْنُ سَلْمَانَ، وَإِنَّمَا هُوَ الْفُرَاتُ بْنُ السَّائِبِ، وَهُوَ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ، وَالْفُرَاتُ بْنُ سَلْمَانَ خَطَأٌ.
أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَرْوَزِيُّ الْحَافِظُ إِذْنًا، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الرَّازِيُّ،
стр. 125
أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو أَحْمَدَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نَاصِحٍ الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْمُفَسِّرِ الدِّمَشْقِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ سَعِيدٍ الْقَاضِي الْمَرْوَزِيُّ بِدِمَشْقَ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ الْأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا نَافِعٌ أَبُو هُرْمُزَ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَبَّرَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ سَبْعَ تَكْبِيرَاتٍ، وَعَلَى بَنِي هَاشِمٍ سَبْعَ تَكْبِيرَاتٍ، وَكَانَ آخِرُ صَلَاتِهِ أَرْبَعًا حَتَّى خَرَجَ مِنَ الدُّنْيَا.
وَهَذَا الْإِسْنَادُ أَيْضًا رَوَاهُ وَخَالَفَهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَارِثِ، رَوَاهُ عَنْ شَيْبَانَ عَنْ نَافِعٍ أَبِي هُرْمُزَ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ آخِرُ صَلَاتِهِ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ حَتَّى خَرَجَ مِنَ الدُّنْيَا.
أَخْبَرَنَا بِهِ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْخَطِيبُ، أَخْبَرَنَا أَبُو زَكَرِيَّا الْعَبْدِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ الْكَاتِبُ، أَخْبَرَنَا أَبُو الشَّيْخِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ.
أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَحْمَدَ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْكَاتِبُ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نُوحٍ، حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا الْمُحَارِبِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أُنَيْسَةَ، عَنْ جَابِرٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: صَلَّى عُمَرُ عَلَى بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: لَأُصَلِّيَنَّ عَلَيْهَا مِثْلَ آخِرِ صَلَاةٍ صَلَّاهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى مِثْلِهَا؛ فَكَبَّرَ عَلَيْهَا أَرْبَعًا.
يَحْيَى بْنُ أَبِي أُنَيْسَةَ وَجَابِرٌ ضَعِيفَانِ، وَقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ كُلُّهَا ضَعِيفَةٌ، وَقَدْ رَوَيْنَا عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ صَلَّى عَلَى يَزِيدَ بْنِ مُكَفَّفٍ أَرْبَعًا، وَأَنَّهُ صَلَّى عَلَى سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ فَكَبَّرَ سِتًّا.
وَفِعْلُ عَلِيٍّ ﵁ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ قَدْ شَاهَدَ الْحَالَتَيْنِ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ وَهَذَا يُشَيِّدُ قَوْلُ مَنْ قَالَ: لَا وَقْتَ وَلَا عَدَدَ، وَقَالُوا الْأَمْرَ فِي هَذَا عَلَى التَّوَسُّعِ.
وَجَمَعُوا بَيْنَ الْأَحَادِيثِ، وَقَالُوا: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُفَضِّلُ أَهْلَ بَدْرٍ عَلَى غَيْرِهِمْ، وَكَذَا بَنِي هَاشِمٍ، فَكَانَ يُكَبِّرُ عَلَيْهِمْ خَمْسًا، وَعَلَى مَنْ دُونَهُمْ أَرْبَعًا، وَأَنَّ الَّذِي حَكَى آخِرَ صَلَاةِ النَّبِيِّ ﷺ لَمْ يَكُنِ الْمَيِّتُ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ وَلَا مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
بَابُ الصَّلَاةِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ، وَنَسْخِ ذَلِكَ
أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَمَدِ بْنِ
стр. 126
الْحُسَيْنِ، أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَافِظُ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ، أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، حَدَّثَنِي نَافِعٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: لَمَّا مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ جَاءَ ابْنُهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: أَعْطِنِي قَمِيصَكَ حَتَّى أُكَفِّنَهُ فِيهِ، وَأُصَلِّيَ عَلَيْهِ، وَأَسْتَغْفِرَ لَهُ. فَأَعْطَاهُ قَمِيصَهُ، ثُمَّ قَالَ: إِذَا فَرَغْتُمْ فَآذِنُونِي أُصَلِّي عَلَيْهِ. فَجَذَبَهُ عُمَرُ، وَقَالَ: قَدْ نَهَاكَ اللَّهُ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَى الْمُنَافِقِينَ. فَقَالَ: أَنَا بَيْنَ خَيْرَتَيْنِ: قَالَ: (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ) فَصَلَّى عَلَيْهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ (وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ) فَتَرَكَ الصَّلَاةَ عَلَيْهِمْ.
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ثَابِتٌ.
أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَرَجِ عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَبْدُوسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ سَلَمَةَ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ السُّنِّيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ النَّسَائِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، حَدَّثَنَا حُجَيْنُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: لَمَّا مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ، دُعِيَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَثَبْتُ إِلَيْهِ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتُصَلِّي
عَلَى ابْنِ أُبَيٍّ، وَقَدْ قَالَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا وَكَذَا وَكَذَا؟ أُعَدِّدُ عَلَيْهِ، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: أَخِّرْ عَنِّي يَا عُمَرُ. فَلَمَّا أَكْثَرْتُ عَلَيْهِ قَالَ: إِنِّي خُيِّرْتُ فَاخْتَرْتُ، فَلَوْ عَلِمْتُ أَنِّي إِذَا زِدْتُ عَلَى السَّبْعِينَ غُفِرَ لَهُ لَزِدْتُ عَلَيْهِ، فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَلَمْ يَمْكُثْ إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى نَزَلَتِ الْآيَتَانِ مِنْ بَرَاءَةٌ: (وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ) فَعَجِبْتُ بَعْدُ جُرْأَتِي عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ.
بَابُ تَرْكِ الصَّلَاةِ عَلَى مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ، وَنَسْخِ ذَلِكَ
أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَمَدِ
стр. 127
بْنِ الْحَسَنِ، أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ، أَخْبَرَنَا نُوحُ بْنُ حَبِيبٍ الْقُومَسِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَا يُصَلِّي عَلَى رَجُلٍ عَلَيْهِ دَيْنٌ، فَأُتِيَ بِمَيِّتٍ فَسَأَلَ: عَلَيْهِ دَيْنٌ؟ قَالُوا: نَعَمْ؛ دِينَارَانِ. قَالَ: صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ.
نَسْخُ ذَلِكَ.
أَخْبَرَنِي أَبُو طَالِبٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ الْقَاضِي، عَنْ أَبِي طَاهِرٍ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ، أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ شَاذَانَ، أَخْبَرَنَا دَعْلَجُ بْنُ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ لَا يُصَلِّي عَلَى مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ. ثُمَّ قَالَ: أَنَا أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ مَنْ تَرَكَ دَيْنًا فَعَلَيْنَا قَضَاؤُهُ. ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهِمْ بَعْدُ.
هَذَا وَإِنْ كَانَ مُرْسَلًا، غَيْرَ أَنَّ لَهُ شَوَاهِدَ فِي الْأَحَادِيثِ الثَّابِتَةِ تَدُلُّ عَلَى صِحَّتِهِ، ثُمَّ إِجْمَاعُ الْأَئِمَّةِ عَلَى خِلَافِ هَذَا الْحُكْمِ شَاهِدٌ لَهُ أَيْضًا.
أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَضْلِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي نَصْرِ بْنِ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ هَوَازِنَ، أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْحَسَنِ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يُصَلِّي عَلَى رَجُلٍ عَلَيْهِ دَيْنٌ، فَأُتِيَ بِجِنَازَةٍ فَقَالَ: عَلَى صَاحِبِكُمْ دَيْنٌ؟ فَقَالُوا: نَعَمْ. فَقَالَ: صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ. فَقَالَ أَبُو قَتَادَةَ: هُمَا عَلَيَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: فَصَلَّى عَلَيْهِ، قَالَ: فَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ الْفُتُوحَ قَالَ: أَنَا أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، فَمَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ، وَمَنْ تَرَكَ دَيْنًا فَعَلَيَّ.
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
قَرَأْتُ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ أَحْمَدَ الْحَافِظِ، أَخْبَرَكَ الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ الْقَارِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: مَنْ تَرَكَ كَلًّا فَإِلَيَّ، وَمَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِلْوَارِثِ.
قَالَ أَبُو بِشْرٍ يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ: سَمِعْتُ أَبَا الْوَلِيدِ يَقُولُ: هَذَا نَسَخَ تِلْكَ الْأَحَادِيثَ الَّتِي جَاءَتْ فِي تَرْكِ الصَّلَاةِ عَلَى مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ.
стр. 128
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ الصَّفَّارُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ الْفَقِيهُ الطَّبَرِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَخْزُومِيُّ، أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بُكَيْرٍ الْحَضْرَمِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ حُسَيْنِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يُصَلِّي عَلَى مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ، فَمَاتَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَعَلَيْهِ دَيْنٌ؟ فَقَالُوا: نَعَمْ. فَقَالَ: صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ. فَنَزَلَ جِبْرِيلُ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: إِنَّمَا الظَّالِمُ عِنْدِي فِي الدُّيُونِ الَّتِي حُمِلَتْ فِي الْبَغْيِ وَالْإِسْرَافِ وَالْمَعْصِيَةِ، فَأَمَّا الْمُتَعَفِّفُ ذُو الْعِيَالِ فَأَنَا ضَامِنٌ أَنْ أُؤَدِّيَ عَنْهُ. فَصَلَّى عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ: مَنْ تَرَكَ ضِيَاعًا أَوْ دَيْنًا فَإِلَيَّ وَعَلَيَّ، وَمَنْ تَرَكَ مِيرَاثًا فَلِأَهْلِهِ. وَصَلَّى عَلَيْهِمْ.
هَذَا الْحَدِيثُ بِهَذَا السِّيَاقِ غَيْرُ مَحْفُوظٍ، وَهُوَ جَيِّدٌ فِي بَابِ الْمُتَابَعَاتِ.
بَابُ النَّهْيِ عَنِ الْجُلُوسِ حَتَّى تُوضَعَ الْجِنَازَةُ، وَنَسْخِ ذَلِكَ .
أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ الْقَاضِي، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَارِيُّ فِي كِتَابِهِ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا دَعْلَجُ بْنُ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا هِشَامُ الدَّسْتُوَائِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِذَا رَأَيْتُمُ الْجِنَازَةَ فَقُومُوا لَهَا؛ فَمَنْ تَبِعَهَا فَلَا يَقْعُدْ حَتَّى تُوضَعَ.
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَلَمَةَ، وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي صَالِحٍ، وَقَالَ: كُنَّا فِي جِنَازَةٍ فَأَخَذَ أَبُو هُرَيْرَةَ بِيَدِ مَرْوَانَ فَجَلَسَا قَبْلَ أَنْ تُوضَعَ، فَجَاءَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ، فَأَخَذَ بِيَدِ مَرْوَانَ فَقَالَ: قُمْ، فَوَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمَ هَذَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ، صَدَقَ. أَخْبَرَنِي أَبُو ثَابِتٍ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الشَّاهِدُ، أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ الْقَارِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو بِشْرٍ الصَّفَّارُ الرَّازِيُّ،
стр. 129
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَدَلَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ مِقْسَمٍ، حَدَّثَنَا
سَعِيدٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ تَبِعَ جِنَازَةً فَلَا يَقْعُدَنَّ حَتَّى تُوضَعَ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي هَذَا الْبَابِ؛ فَقَالَ قَوْمٌ: مَنْ تَبِعَ جِنَازَةً فَلَا يَقْعُدَّنَ حَتَّى تُوضَعَ عَنْ أَعْنَاقِ الرِّجَالِ.
وَمِمَّنْ رَأَى ذَلِكَ: الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَأَهْلُ الشَّامِ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَذَكَرَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ، وَالشَّعْبِيُّ أَنَّهُمْ كَانُوا يَكْرَهُونَ أَنْ يَجْلِسُوا حَتَّى تُوضَعَ عَنْ مَنَاكِبِ الرِّجَالِ، وَبِهِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ آخَرُونَ، وَرَأَوُا الْجُلُوسَ أَوْلَى، وَاعْتَقَدُوا الْحُكْمَ الْأَوَّلُ مَنْسُوخًا، وَتَمَسَّكُوا فِي ذَلِكَ بِأَحَادِيثَ.
أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَلَاءِ الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ الثَّقَفِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الضَّبِّيُّ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى السَّاجِيُّ، حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا صَفْوَانُ بْنُ عِيسَى، عَنْ بِشْرِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ جُنَادَةَ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُومُ فِي الْجِنَازَةِ حَتَّى تُوضَعَ فِي اللَّحْدِ، فَمَرَّ بِحِبْرٍ مِنَ الْيَهُودِ، فَقَالَ: هَكَذَا نَفْعَلُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : اجْلِسُوا وَخَالِفُوهُمْ.
هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي كِتَابِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عِيسَى وَقَالَ: بِشْرُ بْنُ رَافِعٍ لَيْسَ بِقَوِيٍّ فِي الْحَدِيثِ، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ غَيْرِ هَذَا الطَّرِيقِ، وَفِيهِ أَيْضًا كَلَامٌ، وَلَوْ صَحَّ لَكَانَ صَرِيحًا فِي النَّسْخِ غَيْرَ أَنَّ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ أَصَحُّ وَأَثْبَتُ، فَلَا يُقَاوِمُهُ هَذَا الْإِسْنَادُ.
أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْخَطِيبُ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْكَاتِبُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ خَلَفٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكَّارٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مَعْشَرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ وَاقِدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنِي نَافِعُ بْنُ جُبَيْرٍ، حَدَّثَنِي مَسْعُودُ بْنُ الْحَكَمِ الزُّرَقِيُّ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَدِمْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ أَوَّلَ مَا قَدِمْنَا، فَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَا يَجْلِسُ حَتَّى تُوضَعَ الْجِنَازَةُ، ثُمَّ جَلَسَ بَعْدُ
стр. 130
وَجَلَسْنَا مَعَهُ.
وَكَانَ يُؤْخَذُ بِالْآخِرِ، فَالْآخِرُ مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهَذَا الْحَدِيثُ بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ غَرِيبٌ أَيْضًا، وَلَكِنَّهُ يُشَيِّدُ مَا قَبْلَهُ.
بَابُ النَّهْيِ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ، ثُمَّ الرُّخْصَةُ فِيهَا
أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْدَةَ الْعُطَارِدِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْحُسَيْنُ بْنُ مَسْعُودٍ الْفَرَّاءُ، أَخْبَرَنَا أَبُو عُمَرَ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي شُرَيْحٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ، حَدَّثَنَا مُعَرِّفُ بْنُ وَاصِلٍ، عَنْ مُحَارِبٍ هُوَ ابْنُ دِثَارٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا؛ فَإِنَّ زِيَارَتَهَا تُذَكِّرُ.
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ، عَنْ ضِرَارِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مُحَارِبٍ.
أَخْبَرَنِي أَبُو مُضَرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ الْحُسَيْنِ الصَّالْحَانِيُّ، أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ الْقَارِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنَا أَبُو يَعْلَى، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَجَّاجِ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ النَّابِغَةِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيٍّ، وَعَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُمَا قَالَا: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ، ثُمَّ رَخَّصَ فِيهَا بَعْدُ؛ فَقَالَ: إِنِّي كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا.
أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ شَهْرَدَارُ بْنُ شِيرَوَيْهِ الْحَافِظُ بِهَمَذَانَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْقَاضِي، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ، أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: زَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَبْرَ أُمِّهِ، فَبَكَى وَأَبْكَى مَنْ حَوْلَهُ، وَقَالَ: اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي فِي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لَهَا فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي، وَاسْتَأْذَنْتُ فِي أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا فَأَذِنَ لِي، فَزُورُوا الْقُبُورَ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الْمَوْتَ.
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدٍ.
وَزِيَارَةُ الْقُبُورِ مَأْذُونٌ فِيهَا لِلرِّجَالِ، اتَّفَقَ عَلَى ذَلِكَ أَهْلُ الْعِلْمِ قَاطِبَةً، وَأَمَّا النِّسَاءُ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَعَنَ زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ.
стр. 131
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَائِرَاتِ الْقُبُورِ، وَالْمُتَّخِذِينَ عَلَيْهِ الْمَسَاجِدَ وَالسُّرَجَ.
فَرَأَى بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ هَذَا كَانَ قَبْلَ أَنْ يُرَخِّصَ فِي زِيَارَةِ الْقُبُورِ، فَلَمَّا رَخَّصَ عَمَّتِ الرُّخْصَةُ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَمِنْهُمْ مَنْ كَرِهَهَا لِلنِّسَاءِ، وَقَالَ: الْإِذْنُ يُخْتَصُّ بِالرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ.
وَفِي الْبَابِ آثَارٌ تَدُلُّ عَلَى هَذَا الْمَذْهَبِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يُكْرَهُ لِلنِّسَاءِ؛ لِقِلَّةِ صَبْرِهِنَّ، وَكَثْرَةِ جَزَعِهِنَّ، وَأَمَّا اتِّبَاعُ الْجِنَازَةِ فَلَا رُخْصَةَ لَهُنَّ فِيهِ؛ لِحَدِيثِ أُمِّ عَطِيَّةَ وَغَيْرِهِ.
بَابُ الِاسْتِغْفَارِ لِمَوْتَى الْمُشْرِكِينَ، وَنَسْخِ ذَلِكَ
أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَرَجِ عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَحْمَدَ الصُّوفِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَتْحِ عَبْدُوسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدِّينَوَرِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ وَهُوَ أَبُو ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِيهِ؛ قَالَ: لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الْوَفَاةُ، جَاءَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَوَجَدَ عِنْدَهُ أَبَا جَهْلٍ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يَا عَمِّ، قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، كَلِمَةً أَشْهَدُ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ. فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ: يَا أَبَا طَالِبٍ، أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؟ فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعْرِضُهَا عَلَيْهِ وَيُعِيدُ لَهُ تِلْكَ الْمَقَالَةَ، حَتَّى قَالَ أَبُو طَالِبٍ آخِرَ مَا كَلَّمَهُمْ: هُوَ عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ. وَأَبَى أَنْ يَقُولَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَمَا وَاللَّهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ : (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ) . وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ)
هَذَا حَدِيثٌ ثَابِتٌ مُخَرَّجٌ فِي الصَّحِيحِ، وَفِيهِ حُجَّةٌ لِمَنْ يَذْهَبُ إِلَى جَوَازِ نَسْخِ السُّنَّةِ بِالْكِتَابِ.
وَمِنْ كِتَابِ الزَّكَاةِ
أَخْبَرَنَا طَاهِرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ طَاهِرٍ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ فِي كِتَابِهِ، أَخْبَرَنَا الْحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ وَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنَ الْبَقَرِ مِنْ كُلِّ ثَلَاثِينَ بَقَرَةً تَبِيعًا، وَمِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ بَقَرَةً مُسِنَّةً، وَمِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا، أَوْ عَدْلَهُ فِي ثَوْبٍ مُعَافِرٍ.
هَكَذَا رَوَاهُ
стр. 132
الْعُطَارِدِيُّ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ عَلَى الصَّوَابِ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ وَجَمَاعَةٌ عَنِ الْأَعْمَشِ، وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ عَلَى شَرْطِ أَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ، أَخْرَجَاهُ فِي كِتَابَيْهِمَا.
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي هَذَا الْبَابِ.
فَذَهَبَ أَكْثَرُهُمْ إِلَى هَذَا الْقَوْلِ، وَمِمَّنْ قَالَ بِهِ: إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْمَاجِشُونِ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَيَعْقُوبُ أَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَلَا أَعْلَمُ النَّاسَ يَخْتَلِفُونَ فِيهِ الْيَوْمَ.
وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ نَفَرٌ وَقَالُوا: فِي صَدَقَةِ الْبَقَرِ فِي كُلِّ خَمْسٍ شَاةٌ، وَفِي عَشْرٍ شَاتَانِ، وَفِي خَمْسَ عَشْرَةَ ثَلَاثُ شِيَاهٍ، وَفِي عِشْرِينَ أَرْبَعُ شِيَاهٍ، وَفِي خَمْسٍ وَعِشْرِينَ بَقَرَةٌ، وَرَأَوُا الْحُكْمَ الْأَوَّلَ مَنْسُوخًا.
وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى ذَلِكَ مِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ: سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَالزُّهْرِيُّ، وَمِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ: أَبُو قِلَابَةَ.
قَرَأْتُ عَلَى أَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ الْخَالِقِ بْنِ هِبَةِ اللَّهِ بْنِ الْقَاسِمِ، أَخْبَرَكَ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْغَنَائِمِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَسَدِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْأَشْعَثِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: فِي كُلِّ خَمْسٍ مِنَ الْبَقَرِ شَاةٌ، وَفِي عَشْرٍ شَاتَانِ، وَفِي خَمْسَ عَشْرَةَ ثَلَاثُ شِيَاهٍ، وَفِي عِشْرِينَ أَرْبَعُ شِيَاهٍ.
قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَإِذَا كَانَتْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ فَفِيهَا بَقَرَةٌ إِلَى خَمْسٍ وَسَبْعِينَ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى خَمْسٍ وَسَبْعِينَ فَفِيهَا بَقَرَتَانِ إِلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ فَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بَقَرَةٌ.
قَالَ مَعْمَرٌ: قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَبَلَغَنَا أَنَّ قَوْلَهُمْ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : فِي كُلِّ ثَلَاثِينَ بَقَرَةً تَبِيعٌ، وَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بَقَرَةً بَقَرَةٌ، إِنَّ ذَلِكَ كَانَ تَخْفِيفًا لِأَهْلِ الْيَمَنِ، ثُمَّ كَانَ هَذَا بَعْدَ ذَلِكَ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى: فِي ثَلَاثِينَ جَذْعٌ أَوْ جَذَعَةٌ، وَفِي أَرْبَعِينَ مُسِنَّةٌ، فَإِذَا بَلَغَتْ خَمْسِينَ فَبِحِسَابِ ذَلِكَ. هَذَا قَوْلُ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَكَمِ أَيْضًا إِلَّا أَنَّهُ قَالَ فِي خَمْسِينَ مُسِنَّةٌ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: فِيمَا زَادَ عَلَى الْأَرْبَعِينَ بِحِسَابِ ذَلِكَ، وَفَسَّرَ أَبُو ثَوْرٍ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ قَالَ: فِي خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ مُسِنَّةٌ وَثُمُنٌ، وَفِي خَمْسِينَ مُسِنَّةٌ وَرُبُعٌ، وَكَذَلِكَ مَا زَادَ قَلَّ أَوْ كَثُرَ.
وَعَلَى الْجُمْلَةِ الِاعْتِمَادُ عَلَى
стр. 133
حَدِيثِ مُعَاذٍ؛ لِأَنَّهُ أَصَحُّ مَا يُوجَدُ فِي الْبَابِ وَلَهُ شَوَاهِدُ فِي السُّنَنِ، وَأَمَّا حَدِيثُ الزُّهْرِيِّ فَلَا يُقَاوِمُهُ؛ لِمَا فِيهِ مِنَ الِانْقِطَاعِ.
وَمِنْ كِتَابِ الصِّيَامِ
بَابُ صَوْمِ عَاشُورَاءَ .
أَخْبَرَنَا طَاهِرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ طَاهِرٍ، أَخْبَرَنَا مَكِّيُّ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ، أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصُومُ عَاشُورَاءَ وَيَأْمُرُ بِصِيَامِهِ
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ صَوْمَ عَاشُورَاءَ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ، وَاخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِهِ قَبْلَ نُزُولِ فَرْضِ رَمَضَانَ، فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهُ كَانَ وَاجِبًا، وَحُمِلَ الْأَمْرُ عَلَى الْوُجُوبِ، ثُمَّ نُسِخَ بِفَرْضِ رَمَضَانَ، وَتَمَسَّكَ فِي ذَلِكَ بِأَحَادِيثَ.
أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ نَاصِرُ بْنُ مَعِدِّيٍّ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ شُعَيْبٍ الْقَاضِي، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَنْبَرِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شَاكِرٍ، أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ عَاشُورَاءُ يَوْمًا تَصُومُهُ قُرَيْشٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ صَامَهُ، وَأَمَرَ النَّاسَ بِصِيَامِهِ، فَلَمَّا فُرِضَ رَمَضَانُ كَانَ رَمَضَانُ هُوَ الْفَرِيضَةُ وَتُرِكَ عَاشُورَاءُ: مَنْ شَاءَ صَامَهُ، وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ.
هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ، عَنِ الْقَعْنَبِيِّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ أَوْجُهٍ.
أَخْبَرَنَا أَبُو طَالِبٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ الْقَاضِي، أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ فِي كِتَابِهِ، أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ شَاذَانَ، أَخْبَرَنَا دَعْلَجُ بْنُ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا أَيُّوبُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: صَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَاشُورَاءَ، وَأَمَرَ بِصَوْمِهِ، فَلَمَّا فُرِضَ رَمَضَانُ تُرِكَ، فَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ لَا يَصُومُهُ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَ عَلَى صَوْمِهِ.
أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ بِهَذَا اللَّفْظِ
стр. 134
مِنْ حَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ، وَأَخْرَجَاهُ مِنْ طُرُقٍ. قَرَأْتُ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ أَحْمَدَ الْحَافِظِ، أَخْبَرَكَ أَبُو عَدْنَانَ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُطَهَّرِ، أَخْبَرَنَا جَدِّي، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْخَازِنُ، أَخْبَرَنَا الْمُفَضَّلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الشَّعْبِيُّ، أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ عُمَارَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: دَخَلَ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ يَوْمًا وَهُوَ يَتَغَذَّى، فَقَالَ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ ادْنُ الْغَدَاءَ. فَقَالَ: أَوَلَيْسَ الْيَوْمُ عَاشُورَاءَ؟ قَالَ: وَتَدْرِي مَا يَوْمُ عَاشُورَاءَ؟ قَالَ: إِنَّمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصُومُهُ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ رَمَضَانَ، فَلَمَّا نَزَلَ رَمَضَانُ تَرَكَ.
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمِ بْنِ الْحَجَّاجِ.
قَالُوا: وَلَا يَلْزَمُنَا حَدِيثُ مُعَاوِيَةَ، أَخْبَرْنَاهُ عَبْدُ الْمُنْعِمِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْغَفَّارِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ، أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنْ، أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ عَامَ حَجٍّ
وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ: يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ، أَيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ؟ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لِهَذَا الْيَوْمِ: هَذَا يَوْمُ عَاشُورَاءَ، وَلَمْ يَكْتُبِ اللَّهُ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ، وَأَنَا صَائِمٌ فَمَنْ شَاءَ فَلْيَصُمْ، وَمَنْ شَاءَ فَلْيُفْطِرْ.
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ثَابِتٌ، أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ؛ لِأَنَّ صُحْبَةَ مُعَاوِيَةَ مُتَأَخِّرَةٌ؛ لَمْ يُشَاهِدْ مَا كَانَ قَبْلَ فَرْضِ رَمَضَانَ، فَيُحْتَمَلُ تَخْيِيرُ النَّبِيِّ ﷺ النَّاسَ فِي صَوْمِهِ وَإِفْطَارِهِ، وَإِعْلَامِهِمْ رَفْعَ وَجُوبِهِ؛ كَيْلَا يَظُنَّ أَحَدٌ أَنَّهُ بَاقٍ عَلَى وُجُوبِهِ، إِذْ لَا وَاجِبَ سِوَى صَوْمِ رَمَضَانَ، وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ جَمِيعُ مَا قَدْ وَرَدَ فِي الْبَابِ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ عُقَيْبَ حَدِيثِ عَائِشَةَ: لَا يَحْتَمِلُ قَوْلُ عَائِشَةَ تَرَكَ عَاشُورَاءَ بِمَعْنَى يَصِحُّ إِلَّا تَرْكُ إِيجَابِ صَوْمِهِ، إِذْ عَلِمْنَا أَنَّ كِتَابَ اللَّهِ بَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ شَهْرَ رَمَضَانَ الْمَفْرُوضُ صَوْمُهُ، وَأَبَانَ ذَلِكَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَوْ تَرَكَ اسْتِحْبَابَ صَوْمِهِ، هُوَ أَوْلَى الْأَمْرَيْنِ عِنْدَنَا بِهِ؛ لِأَنَّ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ وَمُعَاوِيَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَكْتُبْ يَوْمَ عَاشُورَاءَ عَلَى النَّاسِ وَبَسَطَ الْكَلَامَ فِيهِ.
стр. 135
بَابُ الرَّجُلِ يُصْبِحُ جُنُبًا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ
أَخْبَرَنَا أَبُو مُسْلِمٍ: مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْجُنَيْدِ، أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ الْقَارِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا عُيَيْنَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، وَسَمِعَ يَحْيَى بْنَ جَعْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو الْقَارِيِّ، سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: لَا وَرَبِّ هَذَا الْبَيْتِ مَا أَنَا قُلْتُهُ: مَنْ أَدْرَكَهُ الصُّبْحُ وَهُوَ جُنُبٌ فَلَا يَصُومَنَّ؛ مُحَمَّدٌ ﷺ قَالَهُ، ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنِيهِ الْفَضْلُ بْنُ الْعَبَّاسِ.
اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي هَذَا الْبَابِ (فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ) إِلَى إِبْطَالِ صَوْمِهِ إِذَا أَصْبَحَ جُنُبًا؛ عَمَلًا بِظَاهِرِ هَذَا الْخَبَرِ، وَقَدِ اخْتَلَفَ فِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَأَشْهُرُ قَوْلَيْهِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ قَالَ: لَا صَوْمَ لَهُ، وَالْقَوْلِ الثَّانِي قَالَ: إِذَا عَلِمَ بِجَنَابَتِهِ ثُمَّ نَامَ حَتَّى يُصْبِحَ فَهُوَ مُفْطِرٌ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ حَتَّى يُصْبِحَ فَهُوَ صَائِمٌ.
وَرُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ طَاوُسٍ، وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ.
وَذَهَبَ عَامَّةُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَى الْقَوْلِ بِصِحَّةِ صَوْمِهِ، وَتَمَسَّكُوا فِي ذَلِكَ بِأَحَادِيثَ.
أَخْبَرَنَا مَعْمَرُ بْنُ الْفَاخِرِ، أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ الْقَارِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ قَيْسٍ، وَسُمِّيَ مَوْلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ،
قَالَتَا: إِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيُصْبِحَ جُنُبًا مِنْ جِمَاعٍ مِنْ غَيْرِ احْتِلَامٍ فِي رَمَضَانَ، ثُمَّ يَصُومُ ذَلِكَ الْيَوْمَ.
رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى، عَنْ مَالِكٍ، وَأَخْرَجَهُ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ الْحِمْيَرِيِّ: أَنَّ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ حَدَّثَهُ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ.
أَخْبَرَنِي عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ الْغَفَّارِ، أَخْبَرَنَا زَاهِرُ بْنُ طَاهِرٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرِو بْنُ حَمْدَانَ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْمُثَنَّى،
стр. 136
حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ، أَخْبَرَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي يُونُسَ مَوْلَى عَائِشَةَ، أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَجُلٌ وَأَنَا قَائِمَةٌ مِنْ وَرَاءِ الْبَابِ أَسْمَعُ، فَقَالَ: إِنَّ الصَّلَاةَ تُدْرِكُنِي وَأَنَا جُنُبٌ وَأَنَا أُرِيدُ الصِّيَامَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : وَأَنَا تُدْرِكُنِي الصَّلَاةَ وَأَنَا جُنُبٌ وَأَنَا أُرِيدُ الصِّيَامَ، ثُمَّ أَغْتَسِلُ وَأَصُومُ. فَقَالَ الرَّجُلُ: لَسْتُ مِثْلَكَ؛ قَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنِّي لَأَرْجُوَ أَنْ أَكُونَ أَتْقَاكُمْ لِلَّهِ، وَأَعْلَمَكُمْ بِحُدُودِ اللَّهِ
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي كِتَابِهِ مِنْ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ.
وَمِمَّنْ رَوَيْنَا عَنْهُ نَحْوَ هَذَا الْقَوْلِ عَلِيٌّ، وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَأَبُو ذَرٍّ، وَأَبُو الدَّرْدَاءِ، وَابْنُ عَبَّاسٍ.
وَبِهِ قَالَ ابْنُ عُمَرَ، وَعَائِشَةُ.
وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَعَامَّةِ أَهْلِ الْحِجَازِ، وَالثَّوْرِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَعَامَّةِ أَهْلِ الْكُوفَةِ، سِوَى النَّخَعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ، وَأَهْلِ الْبَصْرَةِ، سِوَى الْحَسَنِ، وَأَهْلِ الشَّامِ.
وَقَدِ اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عَنِ الْحَسَنِ فِي ذَلِكَ، وَقَالَ النَّخَعِيُّ؛ إِنْ كَانَ الصَّوْمُ فَرْضًا أَفْطَرَ، وَإِنْ كَانَ تَطَوُّعًا لَمْ يُفْطِرْ.
قُرِئَ عَلَى أَبِي الْمَحَاسِنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْخَالِقِ الْجَوْهَرِيِّ، وَأَنَا أَسْمَعُ، أَخْبَرَكَ أَبُو الْمَحَاسِنِ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ إِسْمَاعِيلَ فِي كِتَابِهِ، أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَلْخِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ حَمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَطَّابِيُّ، قَالَ: فَأَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ فِي تَأْوِيلِ مَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ فِي هَذَا: أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَحْمُولًا عَلَى النَّسْخِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْجِمَاعَ كَانَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ مُحَرَّمًا عَلَى الصَّائِمِ فِي اللَّيْلِ بَعْدَ النَّوْمِ، كَالطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، فَلَمَّا أَبَاحَ اللَّهُ الْجِمَاعَ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ، جَازَ لِلْجُنُبِ إِذَا أَصْبَحَ قَبْلَ أَنْ يَغْتَسِلَ أَنْ يَصُومَ ذَلِكَ الْيَوْمَ؛ لِارْتِفَاعِ الْحَظْرِ الْمُتَقَدِّمِ، فَيَكُونُ تَأْوِيلُ قَوْلِهِ: مَنْ أَصْبَحَ فَلَا يَصُومُ أَيْ: مَنْ جَامَعَ فِي الصَّوْمِ بَعْدَ النَّوْمِ فَلَا يُجْزِيهِ صَوْمُ غَدِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُصْبِحُ جُنُبًا إِلَّا وَلَهُ أَنْ يَطَأَ قَبْلَ الْفَجْرِ بِطَرْفَةِ عَيْنٍ، وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُفْتِي بِمَا سَمِعَهُ مِنَ الْفَضْلِ
стр. 137
بْنِ الْعَبَّاسِ عَلَى الْأَمْرِ الْأَوَّلِ وَلَمْ يَعْلَمْ بِالنَّسْخِ، فَلَمَّا سَمِعَ خَبَرَ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ صَارَ إِلَيْهِ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ قَالَ: رَجَعَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ فُتْيَاهُ فِيمَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا أَنَّهُ لَا يَصُومُ.
وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ ﵀ فَقَدْ سَلَكَ فِي هَذَا الْبَابِ مَسْلَكَ التَّرْجِيحِ، وَقَالَ: فَأَخَذْنَا بِحَدِيثِ عَائِشَةَ، وَأُمِّ سَلَمَةَ زَوْجَيِ النَّبِيِّ ﷺ دُونَ مَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَمَعَانٍ:
مِنْهَا: أَنَّهُمَا زَوْجَتَاهُ، وَزَوْجَتَاهُ أَعْلَمُ بِهَذَا مِنْ رَجُلٍ؛ إِنَّمَا يَعْرِفُهُ سَمَاعًا أَوْ خَبَرًا.
وَمِنْهَا أَنَّ عَائِشَةَ مُقَدَّمَةٌ فِي الْحِفْظِ، وَأُمُّ سَلَمَةَ حَافِظَةٌ، وَرِوَايَةُ اثْنَيْنِ أَكْثَرُ مِنْ رِوَايَةِ وَاحِدٍ.
وَمِنْهَا: أَنَّ الَّذِي رَوَتَاهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ الْمَعْرُوفُ فِي الْمَعْقُولِ وَالْأَشْبَهُ بِالسُّنَنِ، وَبَسَطَ الْكَلَامَ فِي شَرْحِ هَذَا وَمَعْنَاهُ: أَنَّ الْغُسْلَ شَيْءٌ وَجَبَ بِالْجِمَاعِ وَلَيْسَ فِعْلُهُ شَيْءٌ مُحَرَّمٌ عَلَى صَائِمٍ، وَقَدْ يَحْتَلِمُ بِالنَّهَارِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْغُسْلُ وَيُتِمُّ صَوْمُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُجَامِعْ فِي نَهَارٍ وَجَعَلَهُ شَبِيهًا بِالْمُحْرِمِ وَيَنْهَى عَنِ الطِّيبِ، ثُمَّ يَتَطَيَّبُ حَلَالًا، ثُمَّ يُحْرِمُ وَعَلَيْهِ لَوْنُهُ وَرِيحُهُ؛ لِأَنَّ نَفْسَ التَّطَيُّبِ كَانَ وَهُوَ مُبَاحٌ.
بَابُ الْحِجَامَةِ لِلصَّائِمِ
أَخْبَرَنِي أَبُو مُسْلِمٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْجُنَيْدِ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحُسَيْنِ الْخُسْرَوْجِرْدِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبِي، أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، أَخْبَرَنَا شَافِعٌ، أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا الْمُزَنِيُّ، حَدَّثَنَا الشَّافِعِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ
هَذَا حَدِيثٌ قَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى الْحَسَنِ:
فَرَوَاهُ عَنْهُ: يُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ كَمَا ذَكَرْنَاهُ، وَرَوَاهُ قَتَادَةُ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ ثَوْبَانَ.
رَوَاهُ عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ.
وَرَوَاهُ مَطَرٌ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ عَلِيٍّ.
وَرَوَاهُ أَشْعَثُ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ.
وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
وَرَوَاهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، مَرْفُوعًا، وَقِيلَ: عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَوْقُوفًا.
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: سَأَلْتُ أَبَا زُرْعَةَ عَنْ حَدِيثِ عَطَاءٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
стр. 138
مَرْفُوعًا، فَقَالَ: هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ.
أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ بِنْيَمَانَ بْنِ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَكِّيُّ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ، أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَبِي الْأَشْعَثِ، عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ، قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ زَمَانَ الْفَتْحِ فَرَأَى رَجُلًا يَحْتَجِمُ لِثَمَانِ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ فَقَالَ: أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ.
تَابَعَهُ أَيُّوبُ وَعَاصِمُ الْأَحْوَلُ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، وَقِيلَ: عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَبِي الْأَشْعَثِ، عَنْ أَبِي أَسْمَاءَ عَنْ شَدَّادٍ. الْحَدِيثَ.
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّادٍ، حَدَّثَنَا الْحَارِثُ
بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، حَدَّثَنَا عَاصِمُ الْأَحْوَلُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ - وَهُوَ أَبُو قِلَابَةَ - عَنْ أَبِي الْأَشْعَثِ الصَّنْعَانِيِّ، عَنْ أَبِي أَسْمَاءَ الرَّحَبِيِّ، عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ، قَالَ: مَرَرْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي ثَمَانِ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، فَأَبْصَرَ رَجُلًا يَحْتَجِمُ، فَقَالَ: أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ.
وَرَوَى يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ هَذَا الْحَدِيثُ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَبِي أَسْمَاءَ الرَّحَبِيِّ، عَنْ ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . الْحَدِيثَ.
وَكَذَلِكَ رَوَاهُ شَيَّبَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَهِشَامُ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الدِّسْتُوَائِيُّ، وَهَؤُلَاءِ أَصَحُّ النَّاسِ حَدِيثًا فِي يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، وَخَالَفَهُمْ مَعْمَرُ بْنُ رَاشِدٍ وَهُوَ أَيْضًا ثَبْتٌ فِيهِ، فَرَوَاهُ عَنْهُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَارِظٍ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، الْحَدِيثَ، فَكَأَنَّ يَحْيَى بْنَ أَبِي كَثِيرٍ رَوَاهُ بِالْإِسْنَادَيْنِ جَمِيعًا.
وَسُئِلَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: أَيُّمَا حَدِيثٍ أَصَحُّ عِنْدَكَ فِي أَفْطَرَ الْحَاجِمُ؟ فَقَالَ: حَدِيثُ ثَوْبَانَ: حَدِيثُ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَبِي أَسْمَاءَ، عَنْ ثَوْبَانَ.
فَقِيلَ لَهُ: فَحَدِيثُ رَافِعٍ؟ فَقَالَ: ذَاكَ تَفَرَّدَ بِهِ مَعْمَرٌ.
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمَدِينِيُّ: لَا أَعْلَمُ فِي أَفْطَرَ الْحَاجِمُ حَدِيثًا أَصَحُّ مِنْ ذَا، يَعْنِي حَدِيثَ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ أَيْضًا فِي حَدِيثِ شَدَّادٍ: لَا أَرَى الْحَدِيثَيْنِ إِلَّا صَحِيحَيْنِ،
стр. 139
وَقَدْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ أَبُو أَسْمَاءَ سَمِعَهُ مِنْهُمَا.
وَرَوَاهُ الْعَلَاءُ بْنُ الْحَارِثِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ ثَوْبَانَ، عَنْ مَكْحُولٍ، عَنْ أَبِي أَسْمَاءَ، عَنْ ثَوْبَانَ.
وَرَوَاهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ مَكْحُولٍ: أَنَّ شَيْخًا مِنَ الْحَيِّ أَخْبَرَهُ أَنَّ ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَخْبَرَهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ.
وَقَالَ أَحْمَدُ ﵀: أَحَادِيثُ أَفْطَرَ الْحَاجِمُ، وَلَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ يُشَيِّدُ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَأَنَا أَذْهَبُ إِلَيْهَا.
وَقَالَ إِسْحَاقُ: حَدِيثُ شَدَّادٍ إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ، وَهَذَا الْحَدِيثُ صَحِيحٌ بِأَسَانِيدَ.
وَفِيمَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ قَالَ: سَأَلْتُ أَحْمَدَ: أَيُّ حَدِيثٍ أَصَحُّ فِي أَفْطَرَ؟ قَالَ: حَدِيثُ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مَكْحُولٍ، عَنْ شَيْخٍ مِنَ الْحَيِّ، عَنْ ثَوْبَانَ.
وَفِي الْبَابِ عَنْ عَلِيٍّ، وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، وَثَوْبَانَ، وَمَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ - وَيُقَالُ: ابْنُ سِنَانٍ - وَبِلَالٍ، وَأَبِي مُوسَى.
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي هَذَا الْبَابِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: الصَّائِمُ إِذَا احْتَجَمَ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ بَطَلَ صَوْمُهُ وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ عَطَاءٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَتَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ وَرَأَوْهَا صَحِيحَةً ثَابِتَةً مُحْكَمَةً.
وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ وَالْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ وَالشَّامِ.
وَقَالُوا: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَقَالُوا: الْحُكْمُ بِالْفِطْرِ مَنْسُوخٌ.
وَنَاسِخُهُ مَا أَخْبَرَنَا أَبُو مُوسَى مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْمَدِينِيُّ، أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ الْقَارِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ فِي كِتَابِهِ: أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ احْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ.
رَوَاهُ وُهَيْبُ بْنُ خَالِدٍ، عَنْ أَيُّوبَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلِهِ.
وَكَذَلِكَ رَوَاهُ جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَهِشَامُ بْنُ حَسَّانٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَرَوَاهُ عَبْدُ الْوَارِثِ بِشْرُ بْنُ هِلَالٍ فَقَالَ فِي حَدِيثِهِ: وَهُوَ مُحْرِمٌ صَائِمٌ.
وَكَذَلِكَ رَوَاهُ يَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ مِقْسَمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَحَدِيثُ عِكْرِمَةَ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ.
أَخْبَرَنِي الْأَمِيرُ الزَّاهِدُ أَبُو الْمَحَاسِنِ مُحَمَّدُ بْنِ عَلِيٍّ، أَخْبَرَنَا زَاهِرُ بْنُ أَبِي
стр. 140
عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الضَّبِّيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ، قَالَ: قَالَ الشَّافِعِيُّ عُقَيْبَ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: وَأَوَّلُ سَمَاعِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَامَ الْفَتْحِ، وَلَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ مُحْرِمًا، وَلَمْ يَصْحَبْهُ مُحْرِمًا قَبْلَ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ، فَذَكَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ حِجَامَةَ النَّبِيِّ ﷺ عَامَ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ سَنَةَ عَشْرٍ، وَحَدِيثُ أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ عَامَ الْفَتْحِ، وَالْفَتْحُ كَانَ سَنَةَ ثَمَانٍ قَبْلَ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ بِسَنَتَيْنِ، فَإِنْ كَانَا ثَابِتَيْنِ فَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ نَاسِخٌ وَأَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ مَنْسُوخٌ.
ذِكْرُ خَبَرٍ يُصَرِّحُ بِالنَّسْخِ
أَخْبَرَنِي أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ بِنْيَمَانَ بْنِ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ سَعْدُ بْنُ عَلِيٍّ الْعِجْلِيُّ، أَخْبَرَنَا الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ طَاهِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُثَنَّى، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: أَوَّلُ مَا كُرِّهَتِ الْحِجَامَةُ لِلصَّائِمِ أَنَّ جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ احْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ، فَمَرَّ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: أَفْطَرَ هَذَانِ. ثُمَّ رَخَّصَ النَّبِيُّ ﷺ بَعْدُ فِي الْحِجَامَةِ لِلصَّائِمِ، وَكَانَ أَنَسٌ يَحْتَجِمُ وَهُوَ صَائِمٌ، قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ، وَلَا أَعْلَمُ لَهُ عِلَّةٌ.
стр. 141
قَالَ: وَإِسْنَادُ الْحَدِيثَيْنِ جَمِيعًا مُشْتَبَهٌ، وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَمْثَلُهُمَا إِسْنَادًا، فَإِنْ تَوَقَّى رَجُلٌ الْحِجَامَةَ كَانَ أَحَبُّ إِلَيَّ احْتِيَاطًا، وَلِئَلَّا يَعْرِضُ صَوْمَهُ يَعْنِي لِلضَّعْفِ، قَالَ: وَالَّذِي أَحْفَظُ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالتَّابِعِينَ وَعَامَّةِ الْمَدَنِيِّينَ أَنَّهُ لَا يُفْطِرُ أَحَدُنَا بِالْحِجَامَةِ.
وَقَدْ ذَهَبَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى مَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ، فَمِمَّنْ يَرْوِينَا عَنْهُ ذَلِكَ مِنَ الصَّحَابَةِ: سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وَالْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَزَيْدُ بْنُ الْأَرْقَمِ، وَابْنُ عُمَرَ، وَأَنَسٌ، وَعَائِشَةُ، وَأُمُّ سَلَمَةَ، وَمِنَ التَّابِعِينَ: الشَّعْبِيُّ، وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَعَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ، وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، وَعِكْرِمَةُ، وَأَبُو الْعَالِيَةِ، وَإِبْرَاهِيمُ، وَسُفْيَانُ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ إِلَّا ابْنَ الْمُنْذِرِ.
ذِكْرُ خَبَرٍ آخَرَ يَدُلُّ عَلَى الرُّخْصَةِ
وَالْغَالِبُ أَنَّ الرُّخْصَةَ لَا تَكُونُ إِلَّا بَعْدَ النَّهْيِ
قَرَأْتُ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ أَحْمَدَ الْحَافِظِ، أَخْبَرَكَ الْحُسَيْنُ بْنُ أَحْمَدَ الْقَارِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْعَبْدِيُّ الْجُرْجَانِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شِيرَوَيْهِ، أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، سَمِعْتُ حُمَيْدًا الطَّوِيلَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ النَّاجِي، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: رَخَّصَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْقُبْلَةِ لِلصَّائِمِ وَرَخَّصَ فِي الْحِجَامَةِ.
أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْجُنَيْدِ الصُّوفِيِّ، أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ مُحَمَّدُ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْفَقِيهُ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ خَلَّادِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ شَقِيقِ بْنِ ثَوْرٍ أَحْسَبُهُ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ عَنِ الصَّائِمِ يَحْتَجِمُ؟ قَالَ: يَقُولُونَ: أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ، وَلَوِ احْتَجَمَ مَا بَالَيْتُ. قَالُوا: وَهَذَا الْقَوْلُ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ عِنْدَهُ الرُّخْصَةُ، وَذَكَرَ الشَّافِعِيُّ فِي رِوَايَةِ حَرْمَلَةَ قَالَ: وَقَدْ قَالَ بَعْضُ مَنْ رَوَى أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ بِهِمَا يَغْتَابَانِ رَجُلًا فَقَالَ: أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ لِأَنَّهُمَا كَانَا يَغْتَابَانِ.
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ السُّمَّيْرِيُّ، أَخْبَرَنَا زَاهِرُ بْنُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ الْفَقِيهُ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الطَّرَائِقِيُّ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ رَبِيعَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَشْعَثِ، عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِرَجُلٍ وَهُوَ يَحْتَجِمُ، وَهُوَ يُعَرِّضُ بِرَجُلٍ فَقَالَ ﵇: أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ. كَذَا رَوَاهُ النَّضْرُ، وَرَوَاهُ الْوُحَاظِيُّ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَشْعَثِ الصَّنْعَانِيِّ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ؛ لِأَنَّهُمَا كَانَا يَغْتَابَانِ.
ثُمَّ حَمَلَ الشَّافِعِيُّ أَفْطَرَ الْحَاجِمُ بِالْغِيبَةِ عَلَى سُقُوطِ أَجْرِ الصَّوْمِ، وَجَعَلَ نَظِيرَ ذَلِكَ أَنَّ بَعْضَ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ لِلْمُتَكَلِّمِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ: لَا جُمُعَةَ لَكَ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : صَدَقَ،
стр. 142
وَلَمْ يَأْمُرْ بِالْإِعَادَةِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى إِسْقَاطِ الْأَجْرِ، وَقَالَ فِيمَنْ أَشْرَكَ: فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ، وَكَانَ مَعْنَاهُ أَجْرَ عَمَلِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ؛ لِأَنَّهُ لَوِ ابْتَاعَ بَيْعًا، أَوْ بَاعَهُ، أَوْ قَضَى حَقًّا عَلَيْهِ، أَوْ أَعْتَقَ، أَوْ كَاتَبَ لَمْ يَحْبَطْ عَمَلَهُ، وَأُحْبِطَ أَجْرُ عَمَلِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
بَابُ الصَّوْمِ وَالْفِطْرِ فِي السَّفَرِ
أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْحَافِظُ فِي كِتَابِهِ، أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْمُبَارَكِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، أَخْبَرَنَا الْمَحَامِلِيُّ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ رَشِيقٍ الْمُعَدَّلُ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ دَاوُدَ بْنِ سُلَيْمَانَ الْحَضْرَمِيُّ، حَدَّثَنَا مَسْعُودُ بْنُ سَهْلٍ أَبُو سَهْلٍ الْأَسْوَدُ، حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيُّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَامَ فِي سَفَرِهِ عَامَ الْفَتْحِ حَتَّى بَلَغَ كُرَاعَ الْغَمِيمِ، وَأَمَرَ النَّاسَ بِالْإِفْطَارِ، فَقِيلَ لَهُ: النَّاسُ صَامُوا حِينَ رَأَوْكَ قَدْ صُمْتَ. فَدَعَا بِإِنَاءٍ فِيهِ مَاءٌ عِنْدَ الْعَصْرِ، فَوَضَعَهُ عَلَى يَدِهِ حَتَّى رَآهُ النَّاسُ فَشَرِبَ.
اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الصَّوْمِ وَالْإِفْطَارِ فِي السَّفَرِ.
فَذَهَبَ أَكْثَرُهُمْ إِلَى أَنَّهُ مُخَيَّرٌ: إِنْ شَاءَ صَامَ، وَإِنْ شَاءَ أَفْطَرَ؛ ذَكَرَهُ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، وَأَبُو سَعِيدٍ عَنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَبِهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَعَطَاءٌ، وَالْحَسَنُ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ، وَمُجَاهِدٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَأَهْلُ الشَّامِ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، وَرَوَيْنَا عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: إِنْ صَامَ فِي السَّفَرِ قَضَى فِي الْحَضَرِ.
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رِوَايَةٌ أُخْرَى: أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: الصَّائِمُ فِي السَّفَرِ كَالْمُفْطِرِ فِي الْحَضَرِ.
وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّ الْجَوَازَ مَنْسُوخٌ، وَتَمَسَّكُوا فِي ذَلِكَ بِظَوَاهِرَ.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْمُنْعِمِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْغَفَّارِ بْنُ مُحَمَّدٍ التَّاجِرُ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ، أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ عَامَ الْفَتْحِ فِي رَمَضَانَ، فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ الْكَدِيدَ، ثُمَّ أَفْطَرَ فَأَفْطَرَ النَّاسُ مَعَهُ.
وَكَانُوا يَأْخُذُونَ
стр. 143
بِالْأَحْدَثِ فَالْأَحْدَثِ مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
قَرَأْتُ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ أَحْمَدَ الْمَدِينِيِّ، أَخْبَرَكَ الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا أَبُو أَحْمَدَ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْعَبْدِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ الْحَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: ارْتَحَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْعُمْرَةِ بَعْدَ ثَلَاثٍ، ثُمَّ غَزَا فَتْحَ مَكَّةَ.
قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَأَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ مِنْ رَمَضَانَ، فَصَامَ وَصَامَ النَّاسُ مَعَهُ، وَذَلِكَ عَلَى رَأْسِ ثَمَانِ سِنِينَ وَنِصْفٍ مِنْ مَقْدَمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، ثُمَّ سَارَ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى إِذَا كَانَ بِالْكَدِيدِ - وَهُوَ بَيْنَ عُسْفَانَ وَقُدَيْدٍ - أَفْطَرَ وَأَفْطَرَ مَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ لَمْ يَصُمْ بَقِيَّةَ رَمَضَانَ.
قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَكَانَ الْفِطْرُ آخِرَهُمَا، إِنَّمَا يُؤْخَذُ بِالْآخِرِ فَالْآخِرِ مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: فَصَبَّحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ لِبِضْعَ عَشْرَ خَلَتْ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ.
بَابُ أَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ النَّاسَ بِصِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَنُسِخَ ذَلِكَ بِرَمَضَانَ
أَخْبَرَنَا طَاهِرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ طَاهِرٍ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا الْحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْمُعَدَّلُ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ بْنُ الْحَجَّاجِ أَنَّهُ سَمِعَ عَمْرَو بْنَ مُرَّةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي لَيْلَى (ح) وَأَخْبَرَنِي أَبُو مُوسَى الْحَافِظُ - وَاللَّفْظُ لَهُ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ فِي كِتَابِهِ، أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، قَالَ: وَحَدَّثَنَا أَصْحَابُنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ أَمَرَهُمْ بِصِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ثُمَّ أَنْزَلَ رَمَضَانَ، وَكَانُوا قَوْمًا لَمْ يَتَعَوَّدُوا الصِّيَامَ، وَكَانَ الصِّيَامُ شَدِيدًا عَلَيْهِمْ، فَكَانَ مَنْ لَمْ يَصُمْ أَطْعَمَ مِسْكِينًا فَنَزَلَتِ الْآيَةُ: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) ، وَكَانَتِ الرُّخْصَةُ لِلْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ؛ فَأَمَرَنَا بِالصِّيَامِ.
стр. 144
وَرَوَى الْمَسْعُودِيُّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، نَحْوَهُ مُخْتَصَرًا، وَقَالَ فِيهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَصُومُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَيَصُومُ عَاشُورَاءَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ) . الْآيَةَ، فَكَانَ مَنْ شَاءَ أَنْ يَصُومَ صَامَ، وَمَنْ شَاءَ أَنْ يُفْطِرَ وَيُطْعِمَ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا أَجْزَأَهُ ذَلِكَ.
وَالْحَدِيثُ الْأَوَّلُ رَوَاهُ مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ، عَنْ شُعْبَةَ، وَذَكَرَ فِيهِ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ عَلَى وَجْهِ التَّطَوُّعِ لَا عَلَى وَجْهِ الْفَرْضِ.
بَابٌ فِي السُّحُورِ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي
أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا أَبُو زَكَرِيَّا الْعَبْدِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْكَاتِبُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا نُوحُ بْنُ حَبِيبٍ الْقُومَسِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ عَاصِمِ، عَنْ زِرٍّ، قَالَ: قُلْتُ لِحُذَيْفَةَ: أَتَسَحَّرْتَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَلَوْ أَشَاءُ أَنْ أَقُولَ هُوَ النَّهَارُ إِلَّا أَنَّ الشَّمْسَ لَمْ تَطْلُعْ.
أَخْبَرَنِي أَبُو الْفَضْلِ صَالِحُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي نَصْرٍ، أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَافِظُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نَاجِيَةَ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ أَبِي زَيْدٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الْحَكَمِ بْنِ طَهْمَانَ الْحَنَفِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو جَزْءٍ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ زِرٍّ قَالَ: قُلْتُ لِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: كَيْفَ كَانَ سُحُورُكُمْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: نَعَمْ هُوَ الصُّبْحُ إِلَّا أَنَّ الشَّمْسَ لَمْ تَطْلُعْ.
أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى تَرْكِ الْعَمَلِ بِظَاهِرِ هَذَا الْخَبَرِ، وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي الْوَقْتِ الَّذِي يَحْرُمُ فِيهِ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ عَلَى مَنْ يُرِيدُ الصَّوْمَ:
فَذَهَبَ عَامَّةُ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فَمَنْ بَعْدَهُمْ إِلَى جَوَازِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ إِلَى حِينِ اعْتِرَاضِ الْفَجْرِ الْآخَرِ فِي الْأُفُقِ، وَرُوِّينَا هَذَا الْقَوْلَ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ.
وَرُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ قَالَ حِينَ صَلَّى الْفَجْرَ: الْآنَ حِينَ يَتَبَيَّنُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ.
وَقَالَ مَسْرُوقٌ: لَمْ يَكُنْ يَعُدُّونَ الْفَجْرَ فَجْرَكُمْ؛ إِنَّمَا كَانُوا يُعِدُّونَ الْفَجْرَ الَّذِي يَمْلَأُ الْبُيُوتَ وَالطُّرُقَ.
وَكَانَ إِسْحَاقُ الْحَنْظَلِيُّ يَذْهَبُ إِلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَيْضًا؛
стр. 145
غَيْرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: وَلَا قَضَاءَ عَلَى مَنْ أَكَلَ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا.
وَأَمَّا حَدِيثُ حُذَيْفَةَ فَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ ثُمَّ نُسِخَ، يَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ سَهْلٍ وَعَدِيٍّ.
أَخْبَرَنَا أَبُو زُرْعَةَ طَاهِرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ فِي كِتَابِهِ، أَخْبَرَنَا الْحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدُوسٍ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ، حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ) .
وَلَمْ يَنْزِلْ مِنَ الْفَجْرِ قَالَ: فَكَانَ رِجَالٌ إِذَا أَرَادُوا الصَّوْمَ رَبَطَ أَحَدُهُمْ فِي رِجْلَيْهِ الْخَيْطَ الْأَسْوَدَ وَالْخَيْطَ الْأَبْيَضَ فَلَا يَزَالُ يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ رُؤْيَتَهُمَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى بَعْدَ ذَلِكَ: (مِنَ الْفَجْرِ) فَعَلِمُوا أَنَّهُ إِنَّمَا يَعْنِي بِذَلِكَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ.
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ثَابِتٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنِ ابْنِ سَهْلٍ، وَالصَّغَانِيِّ عَنِ ابْنِ أَبِي مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْمَحَاسِنِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ الْحُسَيْنِ، أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ،
أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، عَنْ مُجَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: عَلِّمْنِي الْإِسْلَامَ. فَعَلَّمَنِي الصَّلَاةَ وَالزَّكَاةَ وَأَمْرَ الْإِسْلَامِ، وَقَالَ: إِذَا جَاءَكَ رَمَضَانَ فَصُمْ، وَإِذَا أَمْسَيْتَ فَأَفْطِرْ، ثُمَّ كُلْ وَاشْرَبْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الْخَيْطَ الْأَبْيَضَ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ قَالَ: فَقَلْتُ مِنَ الشَّعْرِ أَبْيَضَ وَأَسْوَدَ، فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَيْهِمَا مِنَ اللَّيْلِ فَأَعْرِفُ الْأَبْيَضَ مِنَ الْأَسْوَدِ. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كُلُّ مَا عَلَّمْتَنِي مِنَ الْإِسْلَامِ قَدْ عَلِمْتُ غَيْرَ الْخَيْطِ الْأَبْيَضِ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ! فَقَالَ: مَا صَنَعْتَ يَا بْنَ حَاتِمٍ؟ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: أَلَمْ أَقُلْ لَكَ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ بَيَاضُ النَّهَارِ مِنْ سَوَادِ اللَّيْلِ.
следующие страницы →