Полный текст (244 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
قَالَ: وَإِسْنَادُ الْحَدِيثَيْنِ جَمِيعًا مُشْتَبَهٌ، وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَمْثَلُهُمَا إِسْنَادًا، فَإِنْ تَوَقَّى رَجُلٌ الْحِجَامَةَ كَانَ أَحَبُّ إِلَيَّ احْتِيَاطًا، وَلِئَلَّا يَعْرِضُ صَوْمَهُ يَعْنِي لِلضَّعْفِ، قَالَ: وَالَّذِي أَحْفَظُ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالتَّابِعِينَ وَعَامَّةِ الْمَدَنِيِّينَ أَنَّهُ لَا يُفْطِرُ أَحَدُنَا بِالْحِجَامَةِ.
وَقَدْ ذَهَبَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى مَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ، فَمِمَّنْ يَرْوِينَا عَنْهُ ذَلِكَ مِنَ الصَّحَابَةِ: سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وَالْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَزَيْدُ بْنُ الْأَرْقَمِ، وَابْنُ عُمَرَ، وَأَنَسٌ، وَعَائِشَةُ، وَأُمُّ سَلَمَةَ، وَمِنَ التَّابِعِينَ: الشَّعْبِيُّ، وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَعَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ، وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، وَعِكْرِمَةُ، وَأَبُو الْعَالِيَةِ، وَإِبْرَاهِيمُ، وَسُفْيَانُ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ إِلَّا ابْنَ الْمُنْذِرِ.
ذِكْرُ خَبَرٍ آخَرَ يَدُلُّ عَلَى الرُّخْصَةِ
وَالْغَالِبُ أَنَّ الرُّخْصَةَ لَا تَكُونُ إِلَّا بَعْدَ النَّهْيِ
قَرَأْتُ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ أَحْمَدَ الْحَافِظِ، أَخْبَرَكَ الْحُسَيْنُ بْنُ أَحْمَدَ الْقَارِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْعَبْدِيُّ الْجُرْجَانِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شِيرَوَيْهِ، أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، سَمِعْتُ حُمَيْدًا الطَّوِيلَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ النَّاجِي، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: رَخَّصَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْقُبْلَةِ لِلصَّائِمِ وَرَخَّصَ فِي الْحِجَامَةِ.
أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْجُنَيْدِ الصُّوفِيِّ، أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ مُحَمَّدُ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْفَقِيهُ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ خَلَّادِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ شَقِيقِ بْنِ ثَوْرٍ أَحْسَبُهُ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ عَنِ الصَّائِمِ يَحْتَجِمُ؟ قَالَ: يَقُولُونَ: أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ، وَلَوِ احْتَجَمَ مَا بَالَيْتُ. قَالُوا: وَهَذَا الْقَوْلُ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ عِنْدَهُ الرُّخْصَةُ، وَذَكَرَ الشَّافِعِيُّ فِي رِوَايَةِ حَرْمَلَةَ قَالَ: وَقَدْ قَالَ بَعْضُ مَنْ رَوَى أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ بِهِمَا يَغْتَابَانِ رَجُلًا فَقَالَ: أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ لِأَنَّهُمَا كَانَا يَغْتَابَانِ.
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ السُّمَّيْرِيُّ، أَخْبَرَنَا زَاهِرُ بْنُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ الْفَقِيهُ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الطَّرَائِقِيُّ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ رَبِيعَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَشْعَثِ، عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِرَجُلٍ وَهُوَ يَحْتَجِمُ، وَهُوَ يُعَرِّضُ بِرَجُلٍ فَقَالَ ﵇: أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ. كَذَا رَوَاهُ النَّضْرُ، وَرَوَاهُ الْوُحَاظِيُّ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَشْعَثِ الصَّنْعَانِيِّ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ؛ لِأَنَّهُمَا كَانَا يَغْتَابَانِ.
ثُمَّ حَمَلَ الشَّافِعِيُّ أَفْطَرَ الْحَاجِمُ بِالْغِيبَةِ عَلَى سُقُوطِ أَجْرِ الصَّوْمِ، وَجَعَلَ نَظِيرَ ذَلِكَ أَنَّ بَعْضَ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ لِلْمُتَكَلِّمِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ: لَا جُمُعَةَ لَكَ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : صَدَقَ،
стр. 142
وَلَمْ يَأْمُرْ بِالْإِعَادَةِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى إِسْقَاطِ الْأَجْرِ، وَقَالَ فِيمَنْ أَشْرَكَ: فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ، وَكَانَ مَعْنَاهُ أَجْرَ عَمَلِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ؛ لِأَنَّهُ لَوِ ابْتَاعَ بَيْعًا، أَوْ بَاعَهُ، أَوْ قَضَى حَقًّا عَلَيْهِ، أَوْ أَعْتَقَ، أَوْ كَاتَبَ لَمْ يَحْبَطْ عَمَلَهُ، وَأُحْبِطَ أَجْرُ عَمَلِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
بَابُ الصَّوْمِ وَالْفِطْرِ فِي السَّفَرِ
أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْحَافِظُ فِي كِتَابِهِ، أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْمُبَارَكِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، أَخْبَرَنَا الْمَحَامِلِيُّ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ رَشِيقٍ الْمُعَدَّلُ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ دَاوُدَ بْنِ سُلَيْمَانَ الْحَضْرَمِيُّ، حَدَّثَنَا مَسْعُودُ بْنُ سَهْلٍ أَبُو سَهْلٍ الْأَسْوَدُ، حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيُّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَامَ فِي سَفَرِهِ عَامَ الْفَتْحِ حَتَّى بَلَغَ كُرَاعَ الْغَمِيمِ، وَأَمَرَ النَّاسَ بِالْإِفْطَارِ، فَقِيلَ لَهُ: النَّاسُ صَامُوا حِينَ رَأَوْكَ قَدْ صُمْتَ. فَدَعَا بِإِنَاءٍ فِيهِ مَاءٌ عِنْدَ الْعَصْرِ، فَوَضَعَهُ عَلَى يَدِهِ حَتَّى رَآهُ النَّاسُ فَشَرِبَ.
اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الصَّوْمِ وَالْإِفْطَارِ فِي السَّفَرِ.
فَذَهَبَ أَكْثَرُهُمْ إِلَى أَنَّهُ مُخَيَّرٌ: إِنْ شَاءَ صَامَ، وَإِنْ شَاءَ أَفْطَرَ؛ ذَكَرَهُ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، وَأَبُو سَعِيدٍ عَنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَبِهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَعَطَاءٌ، وَالْحَسَنُ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ، وَمُجَاهِدٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَأَهْلُ الشَّامِ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، وَرَوَيْنَا عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: إِنْ صَامَ فِي السَّفَرِ قَضَى فِي الْحَضَرِ.
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رِوَايَةٌ أُخْرَى: أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: الصَّائِمُ فِي السَّفَرِ كَالْمُفْطِرِ فِي الْحَضَرِ.
وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّ الْجَوَازَ مَنْسُوخٌ، وَتَمَسَّكُوا فِي ذَلِكَ بِظَوَاهِرَ.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْمُنْعِمِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْغَفَّارِ بْنُ مُحَمَّدٍ التَّاجِرُ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ، أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ عَامَ الْفَتْحِ فِي رَمَضَانَ، فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ الْكَدِيدَ، ثُمَّ أَفْطَرَ فَأَفْطَرَ النَّاسُ مَعَهُ.
وَكَانُوا يَأْخُذُونَ
стр. 143
بِالْأَحْدَثِ فَالْأَحْدَثِ مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
قَرَأْتُ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ أَحْمَدَ الْمَدِينِيِّ، أَخْبَرَكَ الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا أَبُو أَحْمَدَ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْعَبْدِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ الْحَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: ارْتَحَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْعُمْرَةِ بَعْدَ ثَلَاثٍ، ثُمَّ غَزَا فَتْحَ مَكَّةَ.
قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَأَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ مِنْ رَمَضَانَ، فَصَامَ وَصَامَ النَّاسُ مَعَهُ، وَذَلِكَ عَلَى رَأْسِ ثَمَانِ سِنِينَ وَنِصْفٍ مِنْ مَقْدَمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، ثُمَّ سَارَ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى إِذَا كَانَ بِالْكَدِيدِ - وَهُوَ بَيْنَ عُسْفَانَ وَقُدَيْدٍ - أَفْطَرَ وَأَفْطَرَ مَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ لَمْ يَصُمْ بَقِيَّةَ رَمَضَانَ.
قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَكَانَ الْفِطْرُ آخِرَهُمَا، إِنَّمَا يُؤْخَذُ بِالْآخِرِ فَالْآخِرِ مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: فَصَبَّحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ لِبِضْعَ عَشْرَ خَلَتْ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ.
بَابُ أَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ النَّاسَ بِصِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَنُسِخَ ذَلِكَ بِرَمَضَانَ
أَخْبَرَنَا طَاهِرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ طَاهِرٍ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا الْحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْمُعَدَّلُ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ بْنُ الْحَجَّاجِ أَنَّهُ سَمِعَ عَمْرَو بْنَ مُرَّةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي لَيْلَى (ح) وَأَخْبَرَنِي أَبُو مُوسَى الْحَافِظُ - وَاللَّفْظُ لَهُ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ فِي كِتَابِهِ، أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، قَالَ: وَحَدَّثَنَا أَصْحَابُنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ أَمَرَهُمْ بِصِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ثُمَّ أَنْزَلَ رَمَضَانَ، وَكَانُوا قَوْمًا لَمْ يَتَعَوَّدُوا الصِّيَامَ، وَكَانَ الصِّيَامُ شَدِيدًا عَلَيْهِمْ، فَكَانَ مَنْ لَمْ يَصُمْ أَطْعَمَ مِسْكِينًا فَنَزَلَتِ الْآيَةُ: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) ، وَكَانَتِ الرُّخْصَةُ لِلْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ؛ فَأَمَرَنَا بِالصِّيَامِ.
стр. 144
وَرَوَى الْمَسْعُودِيُّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، نَحْوَهُ مُخْتَصَرًا، وَقَالَ فِيهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَصُومُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَيَصُومُ عَاشُورَاءَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ) . الْآيَةَ، فَكَانَ مَنْ شَاءَ أَنْ يَصُومَ صَامَ، وَمَنْ شَاءَ أَنْ يُفْطِرَ وَيُطْعِمَ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا أَجْزَأَهُ ذَلِكَ.
وَالْحَدِيثُ الْأَوَّلُ رَوَاهُ مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ، عَنْ شُعْبَةَ، وَذَكَرَ فِيهِ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ عَلَى وَجْهِ التَّطَوُّعِ لَا عَلَى وَجْهِ الْفَرْضِ.
بَابٌ فِي السُّحُورِ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي
أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا أَبُو زَكَرِيَّا الْعَبْدِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْكَاتِبُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا نُوحُ بْنُ حَبِيبٍ الْقُومَسِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ عَاصِمِ، عَنْ زِرٍّ، قَالَ: قُلْتُ لِحُذَيْفَةَ: أَتَسَحَّرْتَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَلَوْ أَشَاءُ أَنْ أَقُولَ هُوَ النَّهَارُ إِلَّا أَنَّ الشَّمْسَ لَمْ تَطْلُعْ.
أَخْبَرَنِي أَبُو الْفَضْلِ صَالِحُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي نَصْرٍ، أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَافِظُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نَاجِيَةَ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ أَبِي زَيْدٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الْحَكَمِ بْنِ طَهْمَانَ الْحَنَفِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو جَزْءٍ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ زِرٍّ قَالَ: قُلْتُ لِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: كَيْفَ كَانَ سُحُورُكُمْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: نَعَمْ هُوَ الصُّبْحُ إِلَّا أَنَّ الشَّمْسَ لَمْ تَطْلُعْ.
أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى تَرْكِ الْعَمَلِ بِظَاهِرِ هَذَا الْخَبَرِ، وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي الْوَقْتِ الَّذِي يَحْرُمُ فِيهِ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ عَلَى مَنْ يُرِيدُ الصَّوْمَ:
فَذَهَبَ عَامَّةُ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فَمَنْ بَعْدَهُمْ إِلَى جَوَازِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ إِلَى حِينِ اعْتِرَاضِ الْفَجْرِ الْآخَرِ فِي الْأُفُقِ، وَرُوِّينَا هَذَا الْقَوْلَ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ.
وَرُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ قَالَ حِينَ صَلَّى الْفَجْرَ: الْآنَ حِينَ يَتَبَيَّنُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ.
وَقَالَ مَسْرُوقٌ: لَمْ يَكُنْ يَعُدُّونَ الْفَجْرَ فَجْرَكُمْ؛ إِنَّمَا كَانُوا يُعِدُّونَ الْفَجْرَ الَّذِي يَمْلَأُ الْبُيُوتَ وَالطُّرُقَ.
وَكَانَ إِسْحَاقُ الْحَنْظَلِيُّ يَذْهَبُ إِلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَيْضًا؛
стр. 145
غَيْرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: وَلَا قَضَاءَ عَلَى مَنْ أَكَلَ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا.
وَأَمَّا حَدِيثُ حُذَيْفَةَ فَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ ثُمَّ نُسِخَ، يَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ سَهْلٍ وَعَدِيٍّ.
أَخْبَرَنَا أَبُو زُرْعَةَ طَاهِرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ فِي كِتَابِهِ، أَخْبَرَنَا الْحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدُوسٍ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ، حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ) .
وَلَمْ يَنْزِلْ مِنَ الْفَجْرِ قَالَ: فَكَانَ رِجَالٌ إِذَا أَرَادُوا الصَّوْمَ رَبَطَ أَحَدُهُمْ فِي رِجْلَيْهِ الْخَيْطَ الْأَسْوَدَ وَالْخَيْطَ الْأَبْيَضَ فَلَا يَزَالُ يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ رُؤْيَتَهُمَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى بَعْدَ ذَلِكَ: (مِنَ الْفَجْرِ) فَعَلِمُوا أَنَّهُ إِنَّمَا يَعْنِي بِذَلِكَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ.
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ثَابِتٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنِ ابْنِ سَهْلٍ، وَالصَّغَانِيِّ عَنِ ابْنِ أَبِي مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْمَحَاسِنِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ الْحُسَيْنِ، أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ،
أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، عَنْ مُجَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: عَلِّمْنِي الْإِسْلَامَ. فَعَلَّمَنِي الصَّلَاةَ وَالزَّكَاةَ وَأَمْرَ الْإِسْلَامِ، وَقَالَ: إِذَا جَاءَكَ رَمَضَانَ فَصُمْ، وَإِذَا أَمْسَيْتَ فَأَفْطِرْ، ثُمَّ كُلْ وَاشْرَبْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الْخَيْطَ الْأَبْيَضَ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ قَالَ: فَقَلْتُ مِنَ الشَّعْرِ أَبْيَضَ وَأَسْوَدَ، فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَيْهِمَا مِنَ اللَّيْلِ فَأَعْرِفُ الْأَبْيَضَ مِنَ الْأَسْوَدِ. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كُلُّ مَا عَلَّمْتَنِي مِنَ الْإِسْلَامِ قَدْ عَلِمْتُ غَيْرَ الْخَيْطِ الْأَبْيَضِ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ! فَقَالَ: مَا صَنَعْتَ يَا بْنَ حَاتِمٍ؟ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: أَلَمْ أَقُلْ لَكَ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ بَيَاضُ النَّهَارِ مِنْ سَوَادِ اللَّيْلِ.
стр. 146
كِتَابُ الْحَجِّ
بَابٌ فِي الرَّجُلِ يُحْرِمُ وَعَلَيْهِ أَثَرُ الطِّيبِ
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَحْمَدَ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ غَالِبٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الضَّبِّيُّ، أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ السَّرَّاجُ الْقَاضِي، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، سَمِعْتُ قَيْسَ بْنَ سَعْدٍ يُحَدِّثُ عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَتَى
رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِالْجِعِرَّانَةِ رَجُلٌ وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ وَهُوَ مُصَفِّرُ لِحْيَتِهِ وَرَأْسِهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَحْرَمْتُ، وَأَنَا كَمَا تَرَى! قَالَ: اغْسِلْ عَنْكَ الصُّفْرَةَ، وَانْزِعْ عَنْكَ الْجُبَّةَ، وَمَا كُنْتَ صَانِعًا فِي حَجِّكِ فَاصْنَعْهُ فِي عُمْرَتِكَ.
أَخْبَرَنَا الْفَضْلُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ الْفَضْلِ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ الصَّيْدَلَانِيُّ، أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ اللَّخْمِيُّ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْحَسَنِ الْعَطَّارُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الزُّهْرِيُّ، حَدَّثَنَا عَمِّي، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَنَحْنُ عِنْدَهُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَهَلَلْتُ. وَهُوَ مُتَخَلِّقٌ، وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ مِنْ صُوفٍ وَعِمَامَةٍ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : انْزِعْ عِمَامَتَكَ وَقَمِيصَكَ، وَاغْسِلِ الصُّفْرَةَ عَنْكَ، وَمَا كُنْتَ صَانِعًا فِي حَجِّكَ فَاصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ.
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ
стр. 147
مُسْلِمِ بْنِ الْحَجَّاجِ، أَخْرَجَهُ فِي كِتَابِهِ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَطَاءٍ قَرِيبًا مِنْ هَذَا اللَّفْظِ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي التَّطَيُّبِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ.
فَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إِلَى الْمَنْعِ، وَرَأَوْا لِلْمُحْرِمِ تَرْكُ التَّطَيُّبِ وَغَسْلِهِ، إِنْ كَانَ عَلَيْهِ حَالَةُ الْإِحْرَامِ، كَمَا يَلْزَمُهُ التَّجَرُّدُ عَنِ الْمَخِيطِ.
وَإِلَيْهِ ذَهَبَ عَطَاءٌ، وَمَالِكٌ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِنْ تَطَيَّبَ بِمَا يَبْقَى أَثَرُهُ بَعْدَ الْإِحْرَامِ كَانَ عَلَيْهِ الْفِدْيَةُ.
وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فَمَنْ بَعْدَهُمْ: وَرَأَوْا أَنَّ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَتَطَيَّبَ قَبْلَ إِحْرَامِهِ بِطِيبٍ يَبْقَى أَثَرُهُ عَلَيْهِ بَعْدَ الْإِحْرَامِ، وَأَنَّ بَقَاءَهُ بَعْدَ الْإِحْرَامِ لَا يَضُرُّهُ وَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ، وَتَمَسَّكُوا فِي ذَلِكَ بِأَحَادِيثَ ثَابِتَةٍ، وَرَأَوْهَا آخِرَ الْأَمْرَيْنِ.
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ الْقَاضِي، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ الْكَرَجِيُّ فِي كِتَابِهِ، أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا دَعْلَجُ بْنُ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَقَدْ رَأَيْتُ وَبِيصَ الطِّيبِ فِي مَفَارِقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ ثَلَاثٍ؛ تَعْنِي وَهُوَ مُحْرِمٌ.
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ثَابِتٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلَهُ طُرُقٌ فِي الصِّحَاحِ.
وَرُوِّينَا عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ.
وَأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ رُئِيَ مُحْرِمًا وَعَلَى رَأْسِهِ مِثْلَ الرَّبِّ مِنَ الْغَالِيَةِ.
وَقَالَ مُسْلِمُ بْنُ صُبَيْحٍ: رَأَيْتُ الزُّبَيْرَ وَهُوَ مُحْرِمٌ، وَفِي رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ مِنَ الطِّيبِ مَا لَوْ كَانَ لِرَجُلٍ لَاتَّخَذَ مِنْهُ رَأْسَ مَالٍ.
وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْكُوفَةِ.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الطُّوسِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ النَّيْسَابُورِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْخُسْرَوْجِرْدِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الضَّبِّيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْمَعْقِلِيُّ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ، قَالَ: قَالَ الشَّافِعِيُّ: فَخَالَفْنَا بَعْضَ أَهْلِ نَاحِيَتِنَا فِي التَّطَيُّبِ قَبْلَ الْإِحْرَامِ، وَبَعْدَ الرَّمْيِ، وَالْحِلَاقِ، وَقَبْلَ طَوَافِ الزِّيَارَةِ، فَقَالَ: لَا يَتَطَيَّبُ بِمَا تَبَقَّى رِيحُهُ عَلَيْهِ، وَكَانَ الَّذِي احْتَجَّ بِهِ فِي ذَلِكَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَمَرَ مُعَاوِيَةَ وَأَحْرَمَ مَعَهُ
стр. 148
فَوَجَدَ مِنْهُ طِيبًا، فَأَمَرَهُ أَنْ يَغْسِلَ الطِّيبَ، وَأَنَّهُ قَالَ: مَنْ رَمَى الْجَمْرَ وَحَلَقَ فَقَدْ حَلَّ لَهُ مَا حَرُمَ عَلَيْهِ؛ إِلَّا النِّسَاءَ وَالطِّيبَ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَسَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَفْقَهُ وَأَجْمَلُ مَذْهَبًا مِمَّنْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ.
أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَرُبَّمَا قَالَ: عَنْ أَبِيهِ، وَرُبَّمَا لَمْ يَقُلْهُ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ: إِذَا رَمَيْتُمُ الْجَمْرَةَ، وَذَبَحْتُمْ وَحَلَقْتُمْ، فَقَدْ حَلَّ لَكُمْ كُلُّ شَيْءٍ حَرُمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا النِّسَاءَ وَالطِّيبَ، قَالَ سَالِمٌ: وَقَالَتْ عَائِشَةُ: أَنَا طَيَّبْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِإِحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ، وَلِحِلِّهِ بَعْدَ أَنْ رَمَى الْجَمْرَ، وَقَبْلَ أَنْ يَزُورَ.
وَقَالَ سَالِمٌ: وَسُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَحَقُّ أَنْ تُتَّبَعَ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَلَمْ أَعْرِفْ لَهُ مَذْهَبًا - يَعْنِي لِمَنْ خَالَفَهُ - فِي جَوَازِ التَّطَيُّبِ قَبْلَ الْإِحْرَامِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ شُبِّهَ عَلَيْهِ بِحَدِيثِ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ فِي أَنْ يَغْسِلَ لِلْمُحْرِمِ الصُّفْرَةَ عَنْهُ، وَذَكَرَهُ ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا لَا يُخَالِفُ حَدِيثَ عَائِشَةَ، وَإِنَّمَا أَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِالْغُسْلِ - فِيمَا نَرَى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ - لِلصُّفْرَةِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ نُهِيَ أَنْ يَتَزَعْفَرَ.
وَقَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الَّذِي يُعْرَفُ بِابْنِ عُلَيَّةَ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى أَنْ يَتَزَعْفَرَ الرَّجُلُ.
ثُمَّ قَالَ: وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ غَيْرَ مُحْرِمٍ بِغَسْلِ الصُّفْرَةِ عَنْهُ، يَعْنِي حَدِيثَ عَمَّارٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَهُ. قَالَ: وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَمْرُ الْأَعْرَابِيِّ أَنْ يَغْسِلَ الصُّفْرَةَ إِلَّا لِمَا وَصَفْتُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْهَى عَنِ الطِّيبِ فِي حَالٍ يَتَطَيَّبُ فِيهَا ﷺ ثُمَّ قَالَ: وَلَوْ كَانَ نَهْيُهُ إِيَّاهُ لِأَنَّهَا طِيبٌ، فَإِنَّ أَمْرَهُ إِيَّاهُ حِينَ
أَمَرَهُ أَنْ يَغْسِلَ الصُّفْرَةَ عَامَ الْجِعِرَّانَةِ - وَهِيَ سَنَةَ ثَمَانٍ - وَكَانَ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ وَهِيَ سَنَةُ عَشْرٍ، فَكَانَ تَطَيُّبُهُ لِإِحْرَامِهِ وَلِحِلِّهِ نَاسِخًا لِأَمْرِهِ الْأَعْرَابِيَّ بِغَسْلِ الصُّفْرَةِ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَالَّذِي خَالَفَنَا يَرْوِي أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ طَيَّبَتْ مُعَاوِيَةَ، أَشَارَ الشَّافِعِيُّ إِلَى الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ أَسْلَمَ مَوْلَى عُمَرَ: أَنَّ عُمَرَ وَجَدَ رِيحَ طِيبٍ وَهُوَ بِالشَّجَرَةِ، فَقَالَ: مِمَّنْ رِيحُ هَذَا الطِّيبِ؟ فَقَالَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ: مِنِّي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. فَقَالَ عُمَرُ: مِنْكَ لَعَمْرِي. فَقَالَ
стр. 149
مُعَاوِيَةُ: أُمُّ حَبِيبَةَ طَيَّبَتْنِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ عُمَرُ: عَزَمْتُ عَلَيْكَ لَتَرْجِعَنَّ فَلْتَغْسِلَنَّهُ. وَلَوْ بَلَغَ عُمَرَ مَا رَوَتْهُ عَائِشَةُ لَرَجَعَ إِلَى خَبَرِهَا، وَإِذَا لَمْ يَبْلُغْهُ فَسُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَحَقُّ أَنْ تُتَّبَعَ كَمَا قَالَ سَالِمٌ.
وَاحْتَجَّ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيُّ فِي وُجُوبِ غَسْلِهِ قَبْلَ الْإِحْرَامِ حَتَّى يَذْهَبَ أَثَرُهُ - بِحَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْتَشِرِ، قَالَ: سَأَلْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ عَنِ الرَّجُلِ يَتَطَيَّبُ ثُمَّ يُصْبِحُ مُحْرِمًا فَقَالَ: مَا أُحِبُّ أَنْ أُصْبِحَ مُحْرِمًا أَنْضَخُ طِيبًا؛ لَأَنْ أَطَّلِيَ بِالْقَطِرَانِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَفْعَلُ ذَلِكَ. فَدَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ فَأَخْبَرْتُهَا؛ فَقَالَتْ عَائِشَةُ: أَنَا طَيَّبْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ إِحْرَامِهِ، ثُمَّ طَافَ فِي نِسَائِهِ، ثُمَّ أَصْبَحَ مُحْرِمًا.
وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ، عَنْ أَبِي كَامِلٍ وَغَيْرِهِ، عَنْ أَبِي عَوَانَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْتَشِرِ، عَنْ أَبِيهِ، وَلَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَصَابَهُنَّ حَتَّى وَجَبَ الْغُسْلُ، بَلِ النَّبِيُّ ﷺ كَثِيرًا مَا كَانَ يَطُوفُ عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُصِيبَهُنَّ، وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ: قَلَّ يَوْمٌ - أَوْ مَا كَانَ يَوْمٌ - إِلَّا وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَطُوفُ عَلَيْنَا جَمِيعًا فَيُقَبِّلُ وَيَلْمَسُ مَا دُونَ الْوِقَاعِ، فَإِذَا جَاءَ عَنِ الَّتِي هُوَ يَوْمُهَا بَيَّتَ عِنْدَهَا ثُمَّ إِنْ دَلَّ هَذَا
الْحَدِيثُ دَلَالَةً مَا عَلَى أَنَّهُ اغْتَسَلَ بَعْدَ مَا تَطَيَّبَ، أَوِ اغْتَسَلَ لِلْإِحْرَامِ، فَحَدِيثُ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ الْمِسْكِ فِي مَفَارِقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ ثَلَاثٍ، تَعْنِي وَهُوَ مُحْرِمٌ، يَدُلُّ عَلَى بَقَاءِ عَيْنِهِ وَأَثَرِهِ بَعْدَ الْإِحْرَامِ؛ لِأَنَّ وَبِيصَ الشَّيْءِ بَرِيقُهُ وَلَمَعَانُهُ، وَلَا يَكُونُ لِرَائِحَةِ الْمِسْكِ وَالطِّيبِ بَرِيقٌ وَلَا لَمَعَانٌ.
ثُمَّ طَرِيقُ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ أَنْ نَقُولَ: يُحْتَمَلُ أَنَّهَا طَيَّبَتْهُ مَرَّةً ثَانِيَةً بِالْمِسْكِ بَعْدَ الْغُسْلِ حَتَّى تَرَى بَرِيقَهُ وَلَمَعَانَهُ فِي مَفْرِقِهِ بَعْدَ ثَلَاثٍ، أَوْ طَيَّبَتْهُ بِذَلِكَ قَبْلَ الْغُسْلِ، وَبَقِيَ أَثَرُهُ فِي مَفَارِقِهِ بَعْدَ الْغُسْلِ حَتَّى كَانَتْ تَرَاهُ؛ لِأَنَّ الرَّائِحَةَ مَعْنًى، وَالْمَعَانِي لَا تُوصَفُ بِالرُّؤْيَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: حَدِيثُ عَائِشَةَ ثَابِتٌ، لَا مَطْعَنَ فِيهِ لِأَحَدٍ، وَإِذَا ثَبَتَتِ السُّنَّةُ اسْتُغْنِيَ بِهَا عَنْ كُلِّ قَوْلٍ، وَهُوَ يُلْزِمُ مَالِكًا؛ لِأَنَّهُ رَوَاهُ.
стр. 150
بَابُ مَا كَانَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ مِنْ مَنْعِ دُخُولِ الْمُحْرِمِ مِنَ الْأَبْوَابِ، وَنَسْخِ ذَلِكَ
أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ الدَّوْرَقِيُّ، أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو يَحْيَى الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدَةُ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: وَكَانَتْ قُرَيْشٌ تَدَّعِي الْحُمْسَ، وَكَانُوا يَدْخُلُونَ مِنَ الْأَبْوَابِ فِي الْإِحْرَامِ، وَكَانَتِ الْأَنْصَارُ وَسَائِرُ الْعَرَبِ لَا يَدْخُلُونَ مِنْ بَابٍ فِي الْإِحْرَامِ، فَبَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي بُسْتَانٍ إِذْ خَرَجَ مِنْ بَابِهِ، وَخَرَجَ مَعَهُ قُطْبَةُ بْنُ عَامِرٍ الْأَنْصَارِيُّ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ قُطْبَةَ بْنَ عَامِرٍ رَجُلٌ فَاجِرٌ، فَإِنَّهُ خَرَجَ مَعَكَ مِنَ الْبَابِ. فَقَالَ لَهُ: مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ؟ فَقَالَ: رَأَيْتُكَ فَعَلْتَ؛ فَفَعَلْتُ كَمَا فَعَلْتَ. قَالَ: إِنِّي أَحْمَسُ. قَالَ: فَإِنَّ دِينِي دِينُكَ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: (وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا) .
ذَكَرَ الْمُفَسِّرُونَ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَفِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ إِذَا أَحْرَمَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ بِالْحَجِّ أَوِ الْعُمْرَةِ لَمْ يَدْخُلْ حَائِطًا وَلَا بَيْتًا وَلَا دَارًا مِنْ بَابِهِ، فَإِنْ
كَانَ مِنْ أَهْلِ الْمَدَرِ نَقَبَ نَقْبًا فِي ظَهْرِ بَيْتِهِ مِنْهُ يَدْخُلُ وَمِنْهُ يَخْرُجُ، أَوْ يَتَّخِذَ سُلَّمًا فَيَصْعَدُ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْوَبَرِ خَرَجَ مِنْ خَلْفِ الْخَيْمَةِ وَالْفُسْطَاطِ، وَلَا يَدْخُلُ مِنَ الْبَابِ وَلَا يَخْرُجُ مِنْهُ حَتَّى يَحِلَّ مِنْ إِحْرَامِهِ، وَيَرَوْنَ ذَلِكَ بِرًّا إِلَّا أَنْ يَكُونَ مِنَ الْحُمْسِ وَهُمْ: قُرَيْشٌ، وَكِنَانَةُ، وَخُزَاعَةُ، وَثَقِيفٌ، وَجُشَمُ، وَبَنُو نَصْرِ بْنِ مُعَاوِيَةَ، وَبَنُو عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ، سُمُّوا حُمْسًا لِتَشَدُّدِهِمْ فِي دِينِهِمْ، وَفِعْلُ النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ، وَإِنْكَارُهُ عَلَى قُطْبَةَ بْنِ عَامِرٍ خُرُوجَهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مَشْرُوعًا فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ، وَهُوَ مِنْ قَبِيلِ نَسْخِ السُّنَّةِ بِالْكِتَابِ.
بَابُ الِاشْتِرَاطِ فِي الْحَجِّ .
أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الضَّبِّيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ، أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ بِضُبَاعَةَ بِنْتِ
стр. 151
الزُّبَيْرِ فَقَالَ: أَمَا تُرِيدِينَ الْحَجَّ؟ فَقَالَتْ: إِنِّي شَاكِيَةٌ. فَقَالَ لَهَا: حُجِّي وَاشْتَرِطِي إِنَّ مَحَلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي.
وَبِالْإِسْنَادِ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَتْ لِي عَائِشَةُ: هَلْ تَسْتَثْنِي إِذَا حَجَجْتَ؟ فَقُلْتُ لَهَا:
مَاذَا أَقُولُ؟ فَقَالَتْ: قُلِ: اللَّهُمَّ الْحَجَّ أَرَدْتُ، وَلَهُ عَمَدْتُ، فَإِنْ يَسَّرْتَهُ فَهُوَ الْحَجُّ، وَإِنْ حَبَسَنِي حَابِسٌ فَهُوَ عُمْرَةٌ.
كَذَا رَوَى الشَّافِعِيُّ حَدِيثَ ضُبَاعَةَ مُنْقَطِعًا، وَقَالَ: لَوْ ثَبَتَ حَدِيثُ عُرْوَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الِاسْتِثْنَاءِ لَمْ أَعْدُهُ إِلَى غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحِلُّ عِنْدِي خِلَافَ مَا ثَبَتَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
أَمَّا حَدِيثُ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، فَقَدْ رَوَاهُ عَنْهُ عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ الْعَلَاءِ مَوْصُولًا، لَمْ تُذْكَرْ عَائِشَةُ فِيهِ، وَقَدْ ثَبَتَ وَصْلُهُ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُسَامَةَ: حَمَّادُ بْنُ أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
وَأَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحِ، وَثَبَتَ عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ.
وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَثَبَتَ عَنْ عَطَاءٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَطَاوُسٍ، وَعِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ مُخَرَّجٌ فِي كِتَابِ مُسْلِمٍ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي هَذَا الْبَابِ:
(فَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ) إِلَى الِاشْتِرَاطِ وَقَالَتْ بِهِ طَائِفَةٌ، وَمِمَّنْ رُوِّينَا عَنْهُ ذَلِكَ: عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وَعَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ، وَمِنَ التَّابِعِينَ: عَبِيدَةُ السَّلْمَانِيُّ، وَالْأَسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ، وَعَلْقَمَةُ، وَشُرَيْحٌ، وَعَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ، وَعِكْرِمَةُ، وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ رِوَايَتَانِ، وَعَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَقَالَ
إِسْحَاقُ: لَمَّا صَحَّ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ وَالنَّبِيُّ ﷺ قَالَ لِضُبَاعَةَ، وَقَدْ كَانَ الشَّافِعِيُّ يَقُولُ بِهَذَا الْقَوْلِ إِذْ هُوَ بِالْعِرَاقِ، وَوَقَفَ عَنْهُ بِمِصْرَ، وَقَالَ: وَهَذَا مِمَّا أَسْتَخِيرُ اللَّهَ فِيهِ.
وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ آخَرُونَ، وَأَنْكَرُوا الِاشْتِرَاطَ، وَلَمْ يَرَوْهُ شَيْئًا، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُنْكِرُ الِاشْتِرَاطَ فِي الْحَجِّ، وَيَقُولُ: أَلَيْسَ بِحَسْبِكُمْ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ
стр. 152
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
وَمِمَّنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَطَاوُسٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالزُّهْرِيُّ، وَرَبِيعَةُ بْنُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الرَّأْيُ، وَقَالَ النَّخَعِيُّ: كَانُوا يَشْتَرِطُونَ، وَلَا يَرَوْنَهُ شَيْئًا، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَأَهْلُ الْكُوفَةِ.
وَأَمَّا حَدِيثُ ضُبَاعَةَ فَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ هَؤُلَاءِ إِلَى أَنَّهُ مَنْسُوخٌ، وَرُوِّينَا ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْكَاتِبُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْحَمَّالُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا مِهْرَانُ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ عُمَيْرَةَ، أَوْ عُمَيْرَةَ بْنِ حَبِيبٍ، قَالَ: ... سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ: إِذَا أَرَادَ أَنْ يَحُجَّ فَلْيَشْتَرِطْ أَنَّ مَحَلَّهُ حَيْثُ حُبِسَ ... . فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلْحَكَمِ، فَقَالَ: حَدَّثَنِي مُجَاهِدٌ قَالَ: ... ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ ضُبَاعَةَ بِنْتَ الزُّبَيْرِ أَنْ تَشْتَرِطَ أَنَّ مَحَلَّهَا حَيْثُ حُبِسَتْ، فَقَالَ: قَدْ كَانَ هَذَا؛ وَلَكِنْ نُسِخَ. قُلْتُ: وَمَا نَسْخُهُ؟ قَالَ: نَسْخُهُ (فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) ... .
وَرَوَاهُ قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ، عَنِ الْحَسَنِ نَحْوَهُ، وَلَيْسَ هَذَا الْإِسْنَادُ بِذَاكَ الْقَائِمُ.
بَابٌ فِي اسْتِحْلَالِ النَّبِيِّ ﷺ الْحَرَمَ، وَنَسْخِ ذَلِكَ
أَخْبَرَنِي مَحْمُودُ بْنُ أَبِي الْقَاسِمِ سِبْطُ أَبِي سَعِيدٍ الْبَغْدَادِيِّ، أَخْبَرَنَا طَرَّادُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّيْنَبِيُّ فِي كِتَابِهِ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، أَخْبَرَنَا حَامِدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْهَرَوِيُّ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو النَّصْرِ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبَاحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، أَلَا أُعْلِمُكُمْ بِحَدِيثٍ؟ فَذَكَرَ فَتْحَ مَكَّةَ، ثُمَّ قَالَ: أَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ، فَبَعَثَ الزُّبَيْرَ عَلَى إِحْدَى الْمُجَنِّبَتَيْنِ، وَبَعَثَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ عَلَى الْمُجَنِّبَةِ الْأُخْرَى، وَبَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ ابْنَ الْجَرَّاحِ عَلَى الْجِسْرِ، وَأَخَذُوا عَلَى بَطْنِ الْوَادِي، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ -
стр. 153
فِي كَتِيبَةٍ، فَنَظَرَ فَرَآنِي، فَقَالَ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: اهْتِفْ لِي بِالْأَنْصَارِ، وَلَا يَأْتِينِي إِلَّا أَنْصَارِيٌّ فَهَتَفْتُ بِهِمْ، فَجَاءُوا حَتَّى أَطَافُوا بِهِ، وَقَدْ وَبَشَتْ قُرَيْشٌ أَوْبَاشًا لَهَا وَأَتْبَاعًا، فَلَمَّا أَطَافَتِ الْأَنْصَارُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَتَرَوْنَ أَوْبَاشَ قُرَيْشٍ وَأَتْبَاعَهُمْ؟ ثُمَّ قَالَ بِيَدَيْهِ
إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى: احْصُدُوهُمْ حَصْدًا حَتَّى تُوَافُونِي بِالصَّفَا. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَانْطَلَقْنَا؛ فَمَا يَشَاءُ أَحَدٌ مِنَّا أَنْ يَقْتُلَ مِنْهُمْ مَنْ شَاءَ إِلَّا قَتَلَهُ، فَجَاءَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أُبِيحَتْ قُرَيْشٌ - أَوْ قَالَ: أُبِيرَتْ خَضْرَاءُ قُرَيْشٍ - لَا قُرَيْشَ بَعْدَ الْيَوْمِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ قَالَ: فَغَلَّقَ النَّاسُ أَبْوَابَهُمْ.
نَسْخُ ذَلِكَ، وَإِعَادَةُ حُرْمَتِهَا كَمَا كَانَتْ
أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَحْمَدَ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ عُثْمَانَ الْجَزَرِيِّ، عَنْ مِقْسَمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي فَتْحِ مَكَّةَ قَالَ: فَلَمَّا أَشْرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى مَكَّةَ كَفَّ النَّاسُ أَنْ يَدْخُلُوهَا حَتَّى يَأْتِيَهُ رَسُولُ الْعَبَّاسِ، فَأَبْطَأَ عَلَيْهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَعَلَّهُمْ يَصْنَعُونَ بِعَبَّاسٍ مَا صَنَعَتْ ثَقِيفٌ بِعُرْوَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، وَاللَّهُ إِذًا لَا أَسْتَبْقِي مِنْهُمْ أَحْدًا، قَالَ: ثُمَّ جَاءَهُ رَسُولُ الْعَبَّاسِ، فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَمَرَ أَصْحَابَهُ بِالْكَفِّ، وَقَالَ: كُفُّوا السِّلَاحَ إِلَّا عَنْ خُزَاعَةَ بْنِ بَكْرٍ سَاعَةً ثُمَّ أَمَرَهُمْ فَكَفُّوا؛ فَأَمِنَ النَّاسُ كُلُّهُمْ إِلَّا أَرْبَعَةً: ابْنُ أَبِي سَرْحٍ، وَابْنُ خَطَلٍ، وَمِقْيَسٌ الْكِنَانِيُّ، وَامْرَأَةٌ أُخْرَى، ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ إِنِّي لَمْ أُحَرِّمْ مَكَّةَ؛
وَلَكِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهَا، وَأَنَّهَا لَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَلَا تَحِلُّ لِأَحَدٍ بَعْدِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَإِنَّمَا أَحَلَّهَا اللَّهُ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ.
وَمِنْ كِتَابِ الْأَضَاحِي وَالذَّبَائِحِ
بَابُ النَّهْيِ عَنْ أَكْلِ الْأُضْحِيَةِ بَعْدَ ثَلَاثٍ
أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَلِيٍّ، أَخْبَرَنَا أَبُو زَكَرِيَّا الْعَبْدِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ
стр. 154
الْكَاتِبُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ شَرِيكٍ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: لَا يَأْكُلُ أَحَدُكُمْ مِنْ لَحْمِ أُضْحِيَتِهِ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ.
وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْقَزْوِينِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي زَيْدٍ الْقَطَوَانِيُّ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ مَوْلَى آلِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أُمِّهِ، وَجَدَّتِهِ أُمِّ عَطَاءٍ، قَالَتْ: وَاللَّهِ لَكَأَنَّمَا أَنْظُرُ إِلَى الزُّبَيْرِ عَلَى بَغْلَةٍ لَهُ بَيْضَاءَ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ نَهَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَأْكُلُوا مِنْ لُحُومِ نُسُكِهِمْ فَوْقَ ثَلَاثٍ، فَلَا تَأْكُلِيهِ. قُلْتُ: مَا أَصْنَعُ بِمَا أُهْدِيَ إِلَيْنَا؟ قَالَ: مَا أُهْدِيَ إِلَيْكُمْ فَشَأْنُكُمْ.
أَخْبَرَنِي أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ بِنْيَمَانَ بْنِ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَكِّيُّ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ، أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ مَوْلَى ابْنِ أَزْهَرَ، قَالَ: شَهِدْتُ الْعِيدَ مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: لَا يَأْكُلْنَ أَحَدُكُمْ مِنْ نُسُكِهِ بَعْدَ ثَلَاثٍ ... .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: أَخْبَرَنَا الثِّقَةُ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ عَلِيٍّ، أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا يَأْكُلْنَ أَحَدُكُمْ مِنْ نُسُكِهِ بَعْدَ ثَلَاثٍ.
هَذِهِ الْأَخْبَارُ تَدُلُّ عَلَى مَنْعِ الِادِّخَارِ بَعْدَ ثَلَاثٍ، وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا الْقَوْلِ: عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَالزُّبَيْرُ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَاقِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ جَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ، وَرَأَوْا جَوَازَ ذَلِكَ، وَتَمَسَّكُوا فِي ذَلِكَ بِأَحَادِيثَ تَدُلُّ عَلَى نَسْخِ الْحُكْمِ الْأَوَّلِ.
ذِكْرُ مَا يَدُلُّ عَلَى النَّسْخِ
قَرَأْتُ عَلَى أَبِي طَالِبٍ زَيْدِ بْنِ الْحُسَيْنِ الْحُسَيْنِيِّ الْمَدِينِيِّ بِهَا، أَخْبَرَكَ أَبُوكَ الْفَرَجُ سَعِيدُ بْنُ بَكْرٍ الدُّورِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ النُّعْمَانِ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْخَازِنُ،
стр. 155
أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ أَحْمَدَ الْخُزَاعِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ وَعَبْدُ الْمَجِيدِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: كُنَّا لَا نَأْكُلُ مِنَ الْبُدْنِ إِلَّا ثَلَاثَ مِنًى، فَأَرْخَصَ لَنَا النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: كُلُوا، وَتَرَوُّدُوا. قَالَ: فَأَكَلْنَا وَتَرَوُّدْنَا.
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، وَلَهُ طُرُقٌ مِنْ حَدِيثِ عَطَاءٍ وَغَيْرِهِ عَنْ جَابِرٍ، أَخْبَرَنَا حَبِيبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الصُّوفِيُّ، أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ الْحَسَنُ الْقَارِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْكَاتِبُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَافِظُ، حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ، حَدَّثَنَا مَعْرُوفُ بْنُ وَاصِلٍ، عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : نَهَيْتُكُمْ عَنْ لُحُومِ الْأَضَاحِي أَنْ لَا تَأْكُلُوا بَعْدَ ثَلَاثٍ، فَكُلُوا وَانْتَفِعُوا بِهَا فِي أَسْفَارِكُمْ.
أَخْبَرَنِي أَبُو مُسْلِمٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْجُنَيْدِ الصُّوفِيُّ، عَنْ أَبِي نَصْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الصَّيْرَفِيِّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ، أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَاقِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الضَّحَايَا بَعْدَ ثَلَاثٍ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَقَالَتْ: صَدَقَ، سَمِعْتُ عَائِشَةَ تَقُولُ: دَفَّ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ حَضْرَةَ الْأَضْحَى زَمَانَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ادَّخِرُوا لِثَلَاثٍ، وَتَصَدَّقُوا بِمَا بَقِيَ قَالَتْ: فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! لَقَدْ كَانَ النَّاسُ يَنْتَفِعُونَ مِنْ ضَحَايَاهُمْ يَحْمِلُونَ مِنْهَا الْوَدِكَ، وَيَتَّخِذُونَ الْأَسْقِيَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : وَمَا ذَاكَ؟ أَوْ كَمَا قَالَ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَهَيْتَ عَنْ إِمْسَاكِ لُحُومِ الضَّحَايَا بَعْدَ ثَلَاثٍ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّمَا نَهَيْتُكُمْ مِنْ أَجْلِ الدَّافَّةِ الَّتِي دَفَّتْ حَضْرَةَ الْأَضْحَى؛ فَكُلُوا، وَتُصَدَّقُوا، وَادَّخِرُوا.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ قَالَ: ... سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: إِنَّا لَنَذْبَحُ مَا شَاءَ اللَّهُ مِنْ ضَحَايَانَا، ثُمَّ نَتَزَوَّدُ بَقِيَّتَهَا إِلَى الْبَصْرَةِ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ تَجْمَعُ مَعَانِيَ:
مِنْهَا أَنَّ حَدِيثَ عَلِيٍّ، عَنِ النَّبِيِّ
стр. 156
- ﷺ فِي النَّهْيِ عَنْ إِمْسَاكِ لُحُومِ الْأَضَاحِي بَعْدَ ثَلَاثٍ، وَحَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَاقِدٍ مُتَّفِقَانِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
وَفِيهِمَا دَلَالَتَانِ:
دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ عَلِيًّا سَمِعَ النَّهْيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَنَّ النَّهْيَ بَلَغَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ وَاقِدٍ.
وَدَلَالَةُ أَنَّ الرُّخْصَةَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ لَمْ تَبْلُغْ
عَلِيًّا، وَلَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ وَاقِدٍ، وَلَوْ بَلَغَتْهُمَا الرُّخْصَةَ مَا حَدَّثَا بِالنَّهْيِ، وَالنَّهْيُ مَنْسُوخٌ، ... وَقَوْلُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: " نَهْبِطُ بِلُحُومِ الْأَضَاحِي الْبَصْرَةَ " ... يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَنْسٌ سَمِعَ الرُّخْصَةَ، وَلَمْ يَسْمَعِ النَّهْيَ قَبْلَهَا، فَتَزَوَّدَ بِالرُّخْصَةِ وَلَمْ يَسْمَعْ نَهْيًا، أَوْ سَمِعَ الرُّخْصَةَ وَالنَّهْيَ، فَكَانَ النَّهْيُ مَنْسُوخًا؛ فَلَمْ يَذْكُرْهُ، فَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُخْتَلِفَيْنِ بِمَا عَلِمَ، وَهَكَذَا يَجِبُ عَلَى كُلِّ مَنْ سَمِعَ شَيْئًا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَوْ ثَبَتَ لَهُ عَنْهُ أَنْ يَقُولَ مِنْهُ بِمَا سَمِعَ، حَتَّى يُعْلِمَ غَيْرَهُ. قَالَ: فَلَمَّا حَدَّثَتْ عَائِشَةُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِالنَّهْيِ عَنْ إِمْسَاكِ لُحُومِ الضَّحَايَا بَعْدَ ثَلَاثٍ، ثُمَّ بِالرُّخْصَةِ فِيهَا بَعْدَ النَّهْيِ، وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَخْبَرَ أَنَّهُ إِنَّمَا نَهَى عَنْ إِمْسَاكِ لُحُومِ الضَّحَايَا بَعْدَ ثَلَاثٍ لِلدَّافَّةِ، كَانَ الْحَدِيثُ التَّامُّ الْمَحْفُوظُ أَوَّلُهُ وَآخِرُهُ، وَسَبَبُ التَّحْرِيمِ وَالْإِحْلَالِ فِيهِ حَدِيثَ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
وَكَانَ عَلَى مَنْ عَلِمَهُ أَنْ يَصِيرَ إِلَيْهِ، وَحَدِيثُ عَائِشَةَ مِنْ أَبْيَنِ مَا يُوجَدُ فِي النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ مِنَ السُّنَنِ.
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ بَعْضَ الْحَدِيثِ يَخُصُّ فَيُحْفَظُ بَعْضُهُ دُونَ بَعْضِهِ، وَيُحْفَظُ مِنْهُ شَيْءٌ كَانَ أَوَّلًا وَلَا يُحْفَظُ آخِرًا، وَيُحْفَظُ آخِرًا وَلَا يُحْفَظُ أَوَّلًا، فَيُؤَدَّى كُلُّ مَا حُفِظَ، وَالرُّخْصَةُ بَعْدَهَا فِي الْإِمْسَاكِ وَالْأَكْلِ، وَالصَّدَقَةُ مِنْ لُحُومِ الضَّحَايَا إِنَّمَا هِيَ لِوَاحِدٍ مِنْ مَعْنَيَيْنِ لِاخْتِلَافِ الْحَالَيْنِ، فَإِذَا دَفَّتِ الدَّافَّةُ ثَبَتَ النَّهْيُ عَنْ إِمْسَاكِ لُحُومِ الضَّحَايَا بَعْدَ ثَلَاثٍ، وَإِذَا لَمْ تَدُفَّ الدَّافَّةُ فَالرُّخْصَةُ ثَابِتَةٌ بِالْأَكْلِ وَالتَّزَوُّدِ، وَالِادِّخَارِ وَالصَّدَقَةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ النَّهْيُ عَنْ إِمْسَاكِ لُحُومِ الضَّحَايَا بَعْدَ ثَلَاثٍ مَنْسُوخًا فِي كُلِّ حَالٍ فَيُمْسِكُ الْإِنْسَانُ مِنْ ضَحِيَّتِهِ مَا شَاءَ، وَيَتَصَدَّقُ بِمَا يَشَاءُ.
بَابُ الْفَرَعِ وَالْعَتِيرَةِ
قَرَأْتُ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ أَحْمَدَ الْحَافِظُ، أَخْبَرَكَ الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ الْقَارِيُّ،
стр. 157
أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا أَبُو أَحْمَدَ الْغِطْرِيفَيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ الْحَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ خُثَيْمٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنَ مَاهَكَ، عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْفَرَعِ مِنْ كُلِّ خَمْسِينَ وَاحِدَةٌ.
أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَلَاءِ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْخَازِنُ، عَنْ أَبِي سَعْدٍ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْكَرِيمِ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ مِخْنَفٍ الْعَنْبَرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: انْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ عَرَفَةَ، وَهُوَ يَقُولُ: تَعْرِفُونَهَا. فَلَا أَدْرِي مَا رَجَعُوا عَلَيْهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : عَلَى كُلِّ أَهْلِ بَيْتٍ أَنْ يَذْبَحُوا شَاةً فِي كُلِّ رَجَبٍ، وَفِي كُلٍّ أَضْحَى شَاةً
قُرِئَ عَلَى أَبِي طَاهِرٍ رَوْحِ بْنِ بَدْرِ بْنِ ثَابِتٍ وَأَنَا أَسْمَعُ، أَخْبَرَكَ مَحْمُودُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الصَّيْرَفِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ، أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ، عَنْ نُبَيْشَةَ، قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كُنَّا نَعْتَرُ عَتِيرَةً فِي الْجَاهِلِيَّةِ فِي رَجَبٍ؛ فَمَا تَأْمُرُنَا؟ فَقَالَ: فِي كُلِّ سَائِمَةٍ فَرَعٌ.
وَفِي الْبَابِ أَحَادِيثُ سِوَى مَا ذَكَرْنَا، وَفِيهَا دَلَالَةٌ عَلَى الْأَمْرِ بِالْفَرَعِ وَالْعَتِيرَةِ، وَلَكِنَّ قَوْمًا قَدْ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّ هَذِهِ الْآثَارَ مَنْسُوخَةٌ، وَتَمَسَّكُوا فِي ذَلِكَ بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ.
أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ عَبْدُ الْغَفَّارِ بْنُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ بْنِ أَبِي الْفَرَجِ الْأَبْهَرِيُّ، أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ الْقَارِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ اللَّخْمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا فَرَعَ وَلَا عَتِيرَةَ.
أَخْبَرَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ سُفْيَانُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الثَّوْرِيُّ، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا مَنْصُورُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْخَازِنُ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ
стр. 158
إِبْرَاهِيمَ الْمُنْذِرُ الْفَقِيهُ، قَالَ: ثَبَتَ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْفَرَعَةِ مِنْ كُلِّ خَمْسِينَ بِوَاحِدَةٍ.
وَرُوِّينَا عَنْ نُبَيْشَةَ الْحَدِيثَ، قَالَ: وَخَبَرُ عَائِشَةَ، وَخَبَرُ نُبَيْشَةَ ثَابِتَانِ.
وَقَدْ كَانَتِ الْعَرَبُ تَفْعَلُ ذَلِكَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَيَفْعَلُهَا بَعْضُ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ ثُمَّ نَهَى عَنْهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: لَا فَرَعَ وَلَا عَتِيرَةَ، فَانْتَهَى النَّاسُ عَنْهَا؛ لِنَهْيِهِ إِيَّاهُمْ عَنْهَا، وَمَعْلُومٌ أَنَّ النَّهْيَ لَا يَكُونُ إِلَّا عَنْ شَيْءٍ كَانَ يُفْعَلُ، وَلَا يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَنْهَاهُمْ عَنْهُمَا، ثُمَّ أَذِنَ فِيهِمَا، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْفِعْلَ كَانَ قَبْلَ النَّهْيِ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ نُبَيْشَةَ: إِنَّا كُنَّا نَعْتُرُ عَتِيرَةً فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَإِنَّا كُنَّا نُفَرِّعُ فَرَعًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَفِي إِجْمَاعِ عَوَامِّ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ أَنَّ اسْتِعْمَالَهَا ذَلِكَ وُقُوفٌ عَلَى الْأَمْرِ بِهِمَا مَعَ ثُبُوتِ النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ بَيَانٌ لِمَا قُلْنَاهُ.
وَقَدْ ... كَانَ ابْنُ سِيرِينَ مِنْ بَيْنِ أَهْلِ الْعِلْمِ يَدَعُ الْعَتِيرَةَ فِي شَهْرِ رَجَبٍ، وَكَانَ يَرْوِي فِيهَا شَيْئًا ... .
وَكَانَ الزُّهْرِيُّ يَقُولُ: الْفَرَعَةُ أَوَّلُ النِّتَاجِ، وَالْعَتِيرَةُ شَاةٌ كَانُوا يَذْبَحُونَهَا فِي رَجَبَ ... .
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ : لَا فَرَعَةَ وَلَا عَتِيرَةَ: قَالَ أَبُو عُمَرَ: وَهِيَ الْفَرَعَةُ، وَالْفَرَعُ بِنَصْبِ الرَّاءِ، وَهُوَ أَوَّلُ وَلَدٍ تَلِدُهُ النَّاقَةُ، وَكَانُوا يَذْبَحُونَ ذَلِكَ لِآلِهَتِهِمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ؛ فَنُهُوا عَنْهَا.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَأَمَّا الْعَتِيرَةُ فَهِيَ الرَّجَبِيَّةُ، كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا طَلَبَ أَحَدُهُمْ أَمْرًا نَذَرَ إِنْ ظَفَرَ بِهِ أَنْ يَذْبَحَ مِنْ غَنَمِهِ فِي رَجَبٍ، كَذَا وَكَذَا وَهِيَ الْعَتَائِرُ وَنُسِخَ بَعْدُ.
وَيُمْكِنُ أَنْ يَسْلُكَ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ غَيْرَ مَسْلَكِ ابْنِ الْمُنْذِرِ؛ فَيُحْمَلُ قَوْلُهُ ﵇: لَا فَرَعَةَ وَلَا عَتِيرَةَ أَيْ: لَا فَرَعَةَ وَاجِبَةٌ، وَلَا عَتِيرَةَ وَاجِبَةٌ، وَهَذَا أَوْلَى؛ لِيَكُونَ جَمْعًا بَيْنَ الْأَحَادِيثِ كُلِّهَا، وَرُوِّينَا نَحْوَ هَذَا الْقَوْلِ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيِّ.
стр. 159
بَابٌ فِي أَكْلِ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ، وَنَسْخِ ذَلِكَ
ذَكَرَ أَبُو إِسْحَاقَ، إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَزْوِينِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ الطَّبَرِيُّ الْفَقِيهُ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَنْبَسَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَصْبَهَانِيُّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُخْتَارِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، عَنْ أُمِّ نَصْرٍ الْمُحَارِبِيَّةِ، قَالَتْ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَسَأَلَهُ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ، فَقَالَ: أَلَيْسَ تَرْعَى لِلْكَلَأِ وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ؟ قَالَ: بَلَى. قَالَ: فَأَصِبْ مِنْ لَحْمِهَا.
أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنَ عَلِيٍّ الْخَطِيبُ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْكَاتِبُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ عُبَيْدَ بْنَ حُسَيْنٍ، سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مَعْقِلٍ يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بِشْرٍ: أَنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ مُزَيَّنَةَ حَدَّثُوا أَنَّ سَيِّدَ مُزَيَّنَةَ ابْنَ الْأَبْجَرِ، أَوِ الْأَبْجَرَ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ : إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ مَالِي مَا
أُطْعِمُ أَهْلِي إِلَّا حُمُرِي، فَقَالَ: أَطْعِمْ أَهْلَكَ مِنْ سَمِينِ مَالِكٍ، فَإِنَّمَا حَرَّمْتُ لَكُمْ جَوَالِي الْقَرْيَةِ.
ذِكْرُ تَحْرِيمِهِ
أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ شَهْرَدَارُ بْنُ شِيرَوَيْهِ الْحَافِظُ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ الْمُقْرِئُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَافِظُ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ صَاعِدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ اللُّؤْلُؤِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ، وَعَنْ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ.
قَرَأْتُ عَلَى أَبِي الْمُظَفَّرِ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ الْغَفَّارِ، أَخْبَرَكَ زَاهِرُ بْنُ طَاهِرٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا أَبُو يَعْلَى، حَدَّثَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ حَسَنٍ وَعَبْدِ اللَّهِ ابْنَيْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِمَا، عَنْ عَلِيٍّ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ يَوْمَ خَيْبَرَ، وَعَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ.
стр. 160
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَلِيٍّ الْخَطِيبُ، أَخْبَرَنَا أَبُو زَكَرِيَّا الْعَبْدِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْكَاتِبُ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْخَازِنُ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّا، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، وَسَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ.
وَفِي الْبَابِ أَحَادِيثُ ثَابِتَةٌ اقْتَصَرْنَا عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ.
بَابُ الْأَمْرِ بِكَسْرِ الْقُدُورِ الَّتِي تُطْبَخُ فِيهَا لُحُومُ الْحُمُرِ، ثُمَّ تَرْكُهَا
أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَلَاءِ الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَضْلِ جَعْفَرُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الضَّبِّيُّ، أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ مَسْعَدَةَ، عَنْ يَزِيدَ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ، قَالَ: أَصَابَتْنَا مَخْمَصَةٌ يَوْمَ خَيْبَرَ؛ فَأَوْقَدَ النَّاسُ النِّيرَانَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مَا هَذِهِ النِّيرَانُ؟ فَقَالُوا: الْحُمُرُ الْأَهْلِيَّةِ. فَقَالَ: أَهْرِيقُوا مَا فِيهَا، وَاكْسِرُوا الْقُدُورَ. فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوْ نُهْرِيقَ مَا فِيهَا وَنَغْسِلُهَا؟ قَالَ: أَوْ ذَاكَ.
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الذَّبَائِحِ، عَنْ مَكِّيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ يَزِيدَ، عَنْ سَلَمَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى نِيرَانًا تُوقَدُ يَوْمَ خَيْبَرَ، قَالَ: عَلَى مَا تُوقَدُ هَذِهِ النِّيرَانُ؟ فَقَالُوا: عَلَى الْحُمُرِ الْإِنْسِيَّةِ. قَالَ: اكْسِرُوهَا وَأَهْرِيقُوهَا. قَالُوا: أَلَا نُهْرِيقُوهَا وَنَغْسِلُهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: اغْسِلُوا.
هَكَذَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي بَابِ: هَلْ تُكْسَرُ الدِّنَانُ الَّتِي فِيهَا الْخَمْرُ وَتَخُرَّقُ الزِّقَاقُ.
بَابُ مَا جَاءَ فِي أَكْلِ لُحُومِ الْخَيْلِ
رَوَى بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ يَحْيَى بْنِ الْمِقْدَامِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: لَا يَحِلُّ أَكْلُ لُحُومِ الْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ.
هَذَا حَدِيثٌ شَامِيُّ الْمَخْرَجِ،
стр. 161
وَقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى ظَاهِرِ الْحَدِيثِ، وَخَالَفَهُمْ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَلَمْ يَرَوْا بِأَكْلِ لَحْمِ الْخَيْلِ بَأْسًا، وَتَمَسَّكُوا فِي ذَلِكَ بِأَحَادِيثَ.
أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَرَجِ عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَتْحِ عَبْدُوسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ، أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: أَطْعَمَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْخَيْلَ، وَنَهَانَا عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ.
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَلِيٍّ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْكَاتِبُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي رِزْمَةَ، حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ جَابِرٍ، وَعَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، وَعَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: أَطْعَمَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ خَيْبَرَ لُحُومَ الْخَيْلِ، وَنَهَى عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ.
رَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَمْرٍو، وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ جَابِرٍ، وَهُوَ الْأَوْلَى.
وَذَهَبَ نَفَرٌ مِمَّنْ أَجَازَ الْأَكْلَ إِلَى أَنَّ الْحُكْمَ الْأَوَّلَ مَنْسُوخٌ، وَتَمَسَّكُوا فِي ذَلِكَ بِأَحَادِيثَ:
مِنْهَا: مَا رَوَاهُ يَعْقُوبُ الدَّوْرَقِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الطَّفَاوِيِّ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: رُخِّصَ لَنَا فِي أَكْلِ لُحُومِ الْخَيْلِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَنُهِينَا عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ.
وَفِي حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، أَخْبَرَنَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَمَدِ بْنِ الْحَسَنِ، أَخْبَرَنَا الْقَاضِيَ أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ، أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ عَمْرٍو، وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: نَهَى (وَذَكَرَ) رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ، وَأَذِنَ فِي الْخَيْلِ.
قَالُوا: وَالرُّخْصَةُ تَسْتَدْعِي سَابِقَةَ مَنْعٍ، وَكَذَلِكَ لَفْظُ الْإِذْنِ.
قَالُوا: وَلَوْ لَمْ يَرِدْ لَفْظُ الرُّخْصَةِ وَالْإِذْنِ لَكَانَ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: الْقَطْعُ بِنَسْخِ أَحَدِ الْحُكْمَيْنِ مُتَعَذِّرٌ؛ لِاسْتِبْهَامِ التَّارِيخِ فِي الْجَانِبَيْنِ، وَإِذْ وَرَدَ لَفْظُ الْإِذْنِ تَبَيَّنَ أَنَّ الْحَظْرَ مُقَدَّمٌ
стр. 162
وَالرُّخْصَةُ مُتَأَخِّرَةٌ، فَيَتَعَيَّنُ الْمَصِيرُ إِلَيْهَا.
وَقَالَ آخَرُونَ مِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى جَوَازِ الْأَكْلِ: الِاعْتِمَادُ عَلَى الْأَحَادِيثِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الْأَكْلِ؛ لِثُبُوتِهَا وَكَثْرَةِ رُوَاتِهَا:
وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنِ امْرَأَتِهِ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهَا قَالَتْ: نَحَرْنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَرَسًا فَأَكَلْنَاهُ.
هَذَا حَدِيثٌ ثَابِتٌ مُخَرَّجٌ فِي الصَّحِيحِ، وَفِي رِوَايَةٌ أُخْرَى قَالَتْ: أَكَلْنَا لَحْمَ فَرَسٍ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ يُنْكِرْهُ.
قَالُوا: وَأَمَّا حَدِيثُ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، فَإِنَّهُ وَرَدَ فِي قِصَّةٍ مُعَيْنَةٍ، وَلَيْسَ هُوَ مُطْلَقًا دَالًّا عَلَى الْحَظْرِ بِعُمُومِهِ لِيُكُونَ الْحُكْمُ الثَّانِي رَافِعًا لِلْحُكْمِ الْأَوَّلِ، بَلْ سَبَبُ تَحْرِيمِهِ مُغَايِرُ تَحْرِيمِ الْحِمَارِ الْإِنْسِيِّ وَالْبَغْلِ؛ لِأَنَّ تَحْرِيمَ الْبِغَالِ وَالْحُمُرِ ذَاتِيٌّ فَكَانَ مُسْتَمِرًّا عَلَى التَّأْبِيدِ، وَتَحْرِيمُ أَكْلِ الْخَيْلِ كَانَ إِضَافِيًّا،
فَزَالَ لِزَوَالِ سَبَبِهِ، وَذَلِكَ إِنَّمَا نَهَى عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الْخَيْلِ يَوْمَ خَيْبَرَ؛ لِأَنَّهُمْ تَسَارَعُوا فِي طَبْخِهَا قَبْلَ أَنْ تُخَمَّسَ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِإِكْفَاءِ الْقُدُورِ تَشْدِيدًا عَلَيْهِمْ، وَإِنْكَارًا لِصَنِيعِهِمْ، وَلِذَلِكَ أَمَرَ بِكَسْرِ الْقُدُورِ أَوْلًا، ثُمَّ تَرَكَهَا.
وَرُوِّينَا نَحْوَ هَذَا الْمَعْنَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى، فَلَمَّا رَأَوْا إِنْكَارَ النَّبِيِّ ﷺ وَنَهْيَهُ عَنْ تَنَاوُلِ لُحُومِ الْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ - اعْتَقَدُوا أَنَّ سَبَبَ التَّحْرِيمِ فِي الْكُلِّ وَاحِدٌ، حَتَّى نَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يَنْهَيَانِكُمْ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ؛ فَإِنَّهَا رِجْسٌ فَحِينَئِذٍ فَهِمُوا أَنَّ سَبَبَ التَّحْرِيمِ مُخْتَلِفٌ، وَأَنَّ الْحُكْمَ بِتَحْرِيمِ الْحِمَارِ الْأَهْلِيِّ عَلَى التَّأْبِيدِ، وَأَنَّ الْخَيْلَ إِنَّمَا نُهِيَ عَنْ تَنَاوُلِ مَا لَمْ يُخَمَّسْ - كَمَا ذَكَرْنَاهُ - فَيَكُونُ قَوْلُهُ رَخَّصَ وَأَذِنَ دَفْعًا لِهَذِهِ الشُّبْهَةِ.
وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَى أَنَّ حَدِيثَ خَالِدٍ وَرَدَ فِي قِصَّةٍ مَخْصُوصَةٍ، مَا أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَلَاءِ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الضَّبِّيُّ، أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَوْفٍ الْحِمْصِيُّ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ سُلَيْمَانَ بْنِ سُلَيْمٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ يَحْيَى بْنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِيَكْرِبْ،
стр. 163
عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، قَالَ: غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَيْبَرَ، فَأَتَتِ الْيَهُودُ النَّبِيَّ ﷺ فَشَكَوْا إِلَيْهِ أَنَّ النَّاسَ أَسْرَعُوا فِي حَظَائِرِهِمْ، فَبَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ فَنَادَيْتُ النَّاسَ، أَنَّ الصَّلَاةَ جَامِعَةٌ، وَلَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا مُسْلِمٌ، فَلَمَّا اجْتَمَعَ النَّاسُ، قَامَ رَسُولُ اللَّهِ فَقَالَ: مَا بَالُ الْيَهُودُ شَكَوْا أَنَّكُمْ أَسْرَعْتُمْ فِي حَظَائِرِهِمْ؟ أَلَا لَا تَحِلُّ أَمْوَالُ الْمُعَاهَدِينَ بِغَيْرِ حَقِّهَا، وَحَرَامٌ عَلَيْكُمُ الْحُمُرُ الْأَهْلِيَّةِ وَخَيْلُهَا، وَكُلُّ ذِي نَابٍ مِنَ السَّبْعِ، وَكُلُّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ.
وَمِنْ كِتَابِ الْبُيُوعِ
بَابُ الرِّبَا
أَخْبَرَنَا طَاهِرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ طَاهِرٍ بِهَمَذَانَ، أَخْبَرَنَا مَكِّيُّ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ، أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي يَزِيدَ يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، يَقُولُ: أَخْبَرَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: إِنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: فَأَخَذَ بِهَذَا ابْنُ عَبَّاسٍ، وَنَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ الْمَكِّيِّينَ، وَغَيْرِهِمْ.
أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَلِيٍّ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْكَاتِبُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْرَائِيلَ - يَعْنِي إِسْمَاعِيلَ بْنَ أَبِي إِسْحَاقَ الْمُلَائِيَّ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: إِنَّمَا كُنْتُ أُفْتِي فِيهِ بِرَأْيِي، وَقَدْ تَرَكْتُهُ، وَذَلِكَ أَنَّ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ حَدَّثَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَا رِبَا إِلَّا فِي الدِّينِ.
وَقَدْ وَافَقَ ابْنَ عَبَّاسٍ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ: سَعِيدٌ، وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَنَفَرٌ يَسِيرٌ، وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ أَهْلُ الْعِلْمِ قَاطِبَةً مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ أَئِمَّةِ الْأَمْصَارِ، وَتَمَسَّكُوا فِي ذَلِكَ بِأَحَادِيثَ ثَابِتَةٍ.
أَخْبَرَنَا حَمْزَةُ بْنُ أَبِي الْفَتْحِ بْنِ عَلِيٍّ، أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ،
стр. 164
حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَلَا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ، وَلَا تَبِيعُوا الْوَرِقَ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَلَا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ، وَلَا تَبِيعُوا مِنْهَا شَيْئًا غَائِبًا بِنَاجِزٍ.
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ثَابِتٌ، اتَّفَقَا عَلَى إِخْرَاجِهِ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ.
أَخْبَرَنَا طَاهِرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ طَاهِرٍ، أَخْبَرَنَا مَكِّيُّ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ، أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ مُوسَى بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: الدِّينَارُ بِالدِّينَارِ، وَالدِّرْهَمُ بِالدِّرْهَمِ؛ لَا فَضْلَ بَيْنَهُمَا.
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي كِتَابِهِ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ.
وَأَمَّا حَدِيثُ أُسَامَةَ، فَسَلَكَ بَعْضُهُمْ فِيهِ مَسْلَكَ الْجَمْعِ مِنْ غَيْرِ ادِّعَاءِ النَّسْخِ، وَادَّعَى نَفَرٌ نَسْخَهُ، وَأَنَا أَذْكُرُ كِلَا الْمَذْهَبَيْنِ.
أَمَّا الْأَوَّلُ: فَقَدْ رُوِيَ عَنِ الشَّافِعِيِّ فِيهِ شَيْءٌ.
أَخْبَرَنَا رَوْحُ بْنُ بَدْرِ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الْفَتْحِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ، عَنْ سَعِيدٍ الصَّيْرَفِيِّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ، أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ، قَالَ - بَعْدَ ذِكْرِ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنِ عُمَرَ وَنَفَرٍ، وَرَوَى عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، وَعُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ النَّهْيَ عَنِ الزِّيَادَةِ فِي الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ يَدًا بِيَدٍ، قَالَ الشَّافِعِيُّ: فَأَخَذْنَا بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ، وَقَالَ بِمِثْلِ مَعْنَاهُ الْأَكَابِرُ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَكْثَرُ الْمُفْتِينَ بِالْبُلْدَانِ.
ثُمَّ ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ حَدِيثَ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، وَقَالَ: فَقَالَ لِي قَائِلٌ: فَهَذَا الْحَدِيثُ مُخَالِفٌ لِلْأَحَادِيثِ قَبْلَهُ، قُلْتُ: قَدْ يَحْتَمِلُ مُوَافَقَتَهَا، قَالَ: وَبِأَيِّ شَيْءٍ يَحْتَمِلُ مُوَافَقَتَهَا؟ قُلْتُ: قَدْ يَكُونُ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُسْأَلُ عَنِ الصِّنْفَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ مِثْلَ الذَّهَبِ بِالْوَرِقِ، وَالتَّمْرِ بِالْحِنْطَةِ، أَوْ مَا اخْتَلَفَ جِنْسُهُ مُتَفَاضِلًا يَدًا بِيَدٍ، فَقَالَ: إِنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ، أَوْ تَكُونُ الْمَسْأَلَةُ سَبَقَتْهُ بِهَذَا، فَأَدْرَكَ الْجَوَابَ، فَرَوَى الْجَوَابَ وَلَمْ يَحْفَظِ الْمَسْأَلَةَ، أَوْ شَكَّ فِيهَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي حَدِيثِهِ مَا يَنْفِي هَذَا
стр. 165
عَنْ أُسَامَةَ، فَيُحْتَمَلُ مُوَافَقَتُهَا، لِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ: فَقَالَ لِي: فَلِمَ قُلْتَ يُحْتَمَلُ خِلَافُهَا؟ قُلْتُ: ... لِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ الَّذِي رَوَاهُ كَانَ يَذْهَبُ هَذَا الْمَذْهَبَ؛ فَيَقُولُ: لَا رِبَا فِي بَيْعٍ يَدًا بِيَدٍ، إِنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ ... .
قَالَ الشَّافِعِيُّ: فَقَالَ: فَمَا الْحُجَّةُ فِي أَنْ كَانَتِ الْأَحَادِيثُ قَبْلَهُ مُخَالِفَةً فِي تَرْكِهِ إِلَى غَيْرِهِ؟ فَقُلْتُ لَهُ: كُلُّ وَاحِدٍ مِمَّنْ رَوَى خِلَافًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَشْهَرُ
بِالْحِفْظِ لِلْحَدِيثِ مِنْ أُسَامَةَ، فَلَيْسَ بِهِ تَقْصِيرٌ عَنْ حِفْظِهِ، وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ وَعُبَادَةُ أَشَدُّ تَقَدُّمًا بِالسِّنِّ وَالصُّحْبَةِ مِنْ أُسَامَةَ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ أَسَنُّ وَأَحْفَظُ مَنْ رَوَى الْحَدِيثَ فِي دَهْرِهِ، وَلَمَّا كَانَ حَدِيثُ اثْنَيْنِ أَوْلَى فِي الظَّاهِرِ بِالْحِفْظِ، وَأَنْ يُنْفَى عَنْهُ الْغَلَطُ مِنْ حَدِيثٍ وَاحِدٍ كَانَ حَدِيثُ الْأَكْثَرِ الَّذِي هُوَ أَشْبَهُ أَنْ يَكُونَ أَوْلَى بِالْحِفْظِ مِنْ حَدِيثِ مَنْ هُوَ أَحْدَثُ مِنْهُ، وَكَانَ حَدِيثُ خَمْسَةٍ أَوْلَى مِنْ أَنْ يُصَارَ إِلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ وَاحِدٍ، قُلْتُ: وَيُقَالُ: إِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ نَزَعَ عَنْ قَوْلِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ.
ذَكَرَ أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ الْفَقِيهُ الطَّبَرِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمِ الْحَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ مُرَّةَ أَبُو الْمُعَلَّى، حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الرَّقَاشِيُّ، أَنَّ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ قَدِمَ الْبَصْرَةَ، فَجَلَسْنَا إِلَيْهِ فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ، فَقَالَ: أَلَا تَنْهَوْنَ شَيْخَكُمْ هَذَا؟ يَعْنِي الْحَسَنَ بْنَ أَبِي الْحَسَنِ يَزْعُمُ أَنَّ مَا تَبَايَعَ بِهِ الْمُسْلِمُونَ يَدًا بِيَدٍ الْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ وَالذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، الزِّيَادَةُ فِيهِ حَرَامٌ، فَأَنَا أَشْهَدُ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَحَلَّهُ، فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ الرَّقَاشِيُّ: فَقُلْتُ: وَيْحَكَ، أَمَا تَعْلَمُ أَنِّي كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ رَأْسِهِ وَأَنْتَ عِنْدَ رِجْلَيْهِ، فَجَاءَ رَجُلٌ فَقَامَ عَلَيْكَ فَقُلْتَ: مَا حَاجَتُكَ؟ فَقَالَ: أَرَدْتُ أَنْ أَسْأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنِ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ، فَقُلْتَ: اذْهَبْ فَإِنَّهُ يَزْعُمُ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ. فَكَشَفَ عِمَامَتَهُ عَنْ وَجْهِهِ، ثُمَّ جَلَسَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَالَ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، وَاللَّهِ مَا كُنْتُ أَرَى إِلَّا أَنَّ مَا تَبَايَعَ بِهِ الْمُسْلِمُونَ مِنْ شَيْءٍ يَدًا بِيَدٍ إِلَّا حَلَالًا، حَتَّى سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، وَعُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، حَفِظَا مِنْ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا لَمْ أَحْفَظْ، فَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ. وَرَوَى أَبُو زُرْعَةَ الرَّازِيُّ، أَخْبَرَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا كَثِيرُ بْنُ زِيَادٍ أَبُو هَمَّامٍ
стр. 166
الرَّبَعِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْجَوْزَاءِ قَالَ: ... سَأَلْتُ ابْنَ الْعَبَّاسِ عَنِ الصَّرْفِ، فَقَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ يَدًا بِيَدٍ. فَأَفْتَيْتُ بِهِ حَتَّى رَجَعْتُ مِنْ قَابِلٍ إِلَى مَكَّةَ فَإِذَا الشَّيْخُ حَيٌّ، فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ: وَزَنًا بِوَزْنٍ، فَقُلْتُ لَهُ: سَأَلْتُكَ عَامَ أَوَّلٍ
فَأَفْتَيْتَنِي أَنْ لَا بَأْسَ بِهِ، فَلَمْ أَزَلْ أُفْتِي بِهِ إِلَى يَوْمِي هَذَا حَتَّى قَدِمْتُ عَلَيْكَ. فَقَالَ: إِنَّ ذَلِكَ كَانَ بِرَأْيِ، وَهَذَا أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَتَرَكْتُ رَأْيِيِ إِلَى حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ... وَأَمَّا مَنِ ادَّعَى نَسْخَ ذَلِكَ ذَهَبَ فِي ذَلِكَ إِلَى حَدِيثٍ فِيهِ مَقَالٌ.
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْفَرَجِ الدَّقَّاقُ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْقَادِرِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الصَّيْرَفِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نَاجِيَةَ حَدَّثَنَا مَجْدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ أَشْكَابَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا بَحْرٌ السَّقَّاءُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنِ الصَّرْفِ قَبْلَ مَوْتِهِ بِشَهْرٍ. هَذَا الْحَدِيثُ وَاهِي الْإِسْنَادِ، وَبَحْرٌ السَّقَّاءُ لَا تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ، ثُمَّ فِي حَدِيثِ عُبَادَةَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّحْرِيمَ كَانَ يَوْمَ خَيْبَرَ.
أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْخَالِقِ بْنِ أَبِي نَصْرٍ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بِشْرٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، أَخْبَرَنَا حَبِيبُ بْنُ الْحَسَنِ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَيُّوبَ، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُسَيْطٍ، أَنَّهُ حَدَّثَ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، قَالَ: نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ خَيْبَرَ أَنْ نَبِيعَ، أَوْ نَبْتَاعَ تِبْرَ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ الْعَيْنِ، وَتِبْرَ الْفِضَّةِ بِالْفِضَّةِ الْعَيْنِ. قَالَ: وَقَالَ: ابْتَاعُوا تِبْرَ الذَّهَبِ بِالْوَرِقِ الْعَيْنِ، وَتِبْرَ الْفِضَّةِ بِالذَّهَبِ الْعَيْنِ.
هَذَا الْحَدِيثُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ مَقَالٌ مِنْ جِهَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ، غَيْرَ أَنَّ لَهُ أَصْلًا مِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ، ثُمَّ يُشَيِّدُهُ حَدِيثُ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ، فَإِنَّ أُسَامَةَ سَمِعَهُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ قَبْلَ خَيْبَرَ، فَقَدْ ثَبَتَ النَّسْخُ، وَإِلَّا فَالْحُكْمُ مَا صَارَ إِلَيْهِ الشَّافِعِيُّ جَمْعًا بَيْنَ الْأَخْبَارِ، فَبَحَثْنَا هَلْ نَجِدُ حَدِيثًا يُؤَكِّدُ رِوَايَةَ أَبِي بَكْرَةَ، وَيُبَيِّنُ تَقْدِيمَ حَدِيثِ أُسَامَةَ، إِنْ كَانَ مَا سَمِعَهُ عَلَى مَا سَمِعَهُ، فَرَأَيْنَا أَبَا مُوسَى الْحَافِظَ أَخْبَرَنَا، عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ أَحْمَدَ بْنِ غَالِبٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ
стр. 167
بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا الْمِنْهَالِ يَقُولُ: بَاعَ شَرِيكٌ لِي بِالْكُوفَةِ دَرَاهِمَ بِدَرَاهِمَ بَيْنَهُمَا فَضْلٌ، فَقُلْتُ: مَا أَرَى هَذَا يَصْلُحُ فَقَالَ: لَقَدْ دَفَعْتُهَا فِي السُّوقِ فَمَا عَابَ ذَلِكَ عَلَيَّ أَحَدٌ، فَأَتَيْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ وَتِجَارَتُنَا هَكَذَا، فَقَالَ: مَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَمَا كَانَ نَسِيئًا فَلَا خَيْرَ فِيهِ، وَأْتِ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ؛ فَإِنَّهُ كَانَ أَعْظَمَ تِجَارَةً مِنِّي، فَأَتَيْتُهُ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: صَدَقَ الْبَرَاءُ.
قَالَ الْحُمَيْدِيُّ: هَذَا مَنْسُوخٌ، لَا يُؤْخَذُ بِهَذَا.
بَابُ نَهْيِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ لِقَاحِ النَّخْلِ، ثُمَّ الْإِذْنِ بَعْدَ ذَلِكَ
قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْقَزْوِينِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَنْبَسَةَ الْخَزَّازُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفُضَيْلِ، حَدَّثَنَا مُجَالِدٌ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: أَبْصَرَ النَّبِيُّ ﷺ النَّاسَ يُلَقِّحُونَ، فَقَالَ: مَا لِلنَّاسِ؟ قَالُوا: يُلَقِّحُونَ. فَقَالَ: لَا لِقَاحَ، أَوْ لَا أَرَى اللِّقَاحَ شَيْئًا. فَقَالَ: فَتَرَكُوا اللِّقَاحَ، فَخَرَجَ ثَمَرُ النَّاسِ شَيْصًا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مَا شَأْنُهُ؟ قَالُوا: كُنْتُ قَدْ نَهَيْتُ عَنِ اللِّقَاحِ. فَقَالَ: مَا أَنَا بِزَارِعٍ وَلَا صَاحِبِ نَخْلٍ؛ لَقِّحُوا.
قَرَأْتُ عَلَى أَبِي الْبَرَكَاتِ عَبْدِ اللَّطِيفِ بْنِ أَبِي نَصْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَكَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ الْغَازِيُّ، أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الرُّومِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: مَرَرْتُ يَوْمًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِقَوْمٍ عَلَى رُءُوسِ النَّخْلِ، فَقَالَ
مَا يَصْنَعُ هَؤُلَاءِ؟ فَقَالَ: يُلَقِّحُونَ الذَّكَرَ فِي الْأُنْثَى فَتُلَقَّحُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَا أَظُنُّ ذَلِكَ يُغْنِي شَيْئًا. قَالَ: فَأَخْبَرُوا بَعْدَ ذَلِكَ فَتَرَكُوا، فَأَخْبَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِذَلِكَ فَقَالَ: إِنْ كَانَ يَنْفَعُهُمْ ذَلِكَ فَلْيَصْنَعُوهُ، فَإِنِّي إِنَّمَا ظَنَنْتُ ظَنًّا لَا تُؤَاخِذُونِي بِالظَّنِّ، وَلَكِنْ إِذَا حَدَّثْتُكُمْ عَنِ اللَّهِ شَيْئًا فَخُذُوا بِهِ؛ فَإِنَّنِي لَنْ أَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ
وَهَذَا حَدِيثٌ مَدَنِيُّ الْمَخْرَجِ، وَقَدْ تَدَاوَلَهُ الْكُوفِيُّونَ، وَلَهُ طُرُقٌ عِنْدَهُمْ،
стр. 168
وَيُرْوَى أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ الْمَدَنِيِّينَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، وَحَدِيثُ جَابِرٍ أَبْلَغُ فِي الْمَقْصُودِ فِي بَابِ النَّسْخِ، غَيْرَ أَنَّ الْحَدِيثَ فِيهِ اخْتِلَافُ أَلْفَاظٍ، فَلَا بُدَّ مِنْ تَنْقِيحِ مَنَاطِهِ لِيُفْهَمَ مِنْهُ الْمَقْصُودَ، فَنَقُولُ: اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْمَنْسُوخَ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ حُكْمًا شَرْعِيًّا، وَهَذَا أَمْرٌ مُقَرَّرٌ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ يُعْرَفُ فِيهِ، نَعَمِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي مَسْأَلَةٍ؛ وَهِيَ أَنَّ عِنْدَنَا مَا مِنْ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ إِلَّا وَهُوَ قَابِلٌ لِلنَّسْخِ، وَخَالَفَنَا فِي ذَلِكَ جَمَاهِيرُ الْمُعْتَزِلَةِ، وَقَالُوا: هُنَاكَ أَفْعَالٌ لَا يُمْكِنُ نَسْخُهَا، مِثْلَ الْكُفْرِ وَالْكَذِبِ وَالظُّلْمِ، وَمَا شَاكَلَ ذَلِكَ، وَتَسْتَنِدُ دَعْوَاهُمْ هَذِهِ إِلَى مَسْأَلَةٍ أُخْرَى؛ وَهِيَ أَنَّ التَّحْسِينَ وَالتَّقْبِيحَ عِنْدَهُمْ يُتَلَقَّيَانِ مِنَ الْعَقْلِ، وَتَفَاصِيلُ ذَلِكَ مَذْكُورَةٌ فِي كُتُبِ أُصُولِ الْفِقْهِ.
وَالْآنَ بَعْدَ تَمْهِيدِ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ؛ بِنَا حَاجَةٌ إِلَى الْكَشْفِ عَنْ مَكْمُونِ الْحَدِيثِ وَالْبَحْثِ عَنْ مَقْصُودِهِ، فَنَقُولُ: ذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ قَوْلَهُ: لَا لِقَاحَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ صِيغَةٌ تَدُلُّ عَلَى النَّهْيِ، نَحْوَ قَوْلِهِ ﷺ لَا صِيَامَ لِمَنْ لَا يُبَيِّتِ الصِّيَامَ مِنَ اللَّيْلِ، وَلَا صَلَاةَ لِجَارِ الْمَسْجِدِ إِلَّا فِي الْمَسْجِدِ قَالُوا: وَلَا يُقَالُ: إِنَّ هَذَا مِنْ قَبِيلِ الْمَصَالِحِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وَلَا مَدْخَلَ لَهُ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ؛ لِأَنَّ لِلشَّارِعِ أَنْ يَتَحَكَّمَ فِي أَفْعَالِ الْعِبَادِ كَيْفَ أَرَادَ، فَهُوَ مِنْ قَبِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: (فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا) قَالُوا: وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَى شَرْعِيَّتِهِ انْتِهَاءُ الْقَوْمِ عَنِ التَّلْقِيحِ حَتَّى أَذِنَ لَهُمْ، وَلِهَذَا قَالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ : كُنْتُ نَهَيْتُ عَنِ اللِّقَاحِ! وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ فَهْمَ النَّهْيِ؛ بَلْ أَذِنَ لَهُمْ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْإِذْنَ يَسْتَدْعِي سَابِقَةَ مَنْعٍ، يُقَالُ عَلَى قَوْلِهِمْ: الْقَدْرُ الَّذِي تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَا يَفِي بِالْمَقْصُودِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ اتَّفَقُوا عَلَى اسْتِحَالَةِ وُقُوعِ مَا يُنَاقِضُ مَدْلُولُ الْمُعْجِزَةِ فِي حَقِّ الْأَنْبِيَاءِ ﵈ بِدَلِيلِ الْعَقْلِ، وَذَلِكَ نَحْوُ الْكُفْرِ وَالْجَهْلِ بِاللَّهِ تَعَالَى، وَالْكَذِبِ وَالْخَطَأِ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، وَالْغَلَطِ، غَيْرَ أَنَّ طَائِفَةً ذَهَبَتْ إِلَى جَوَازِ الْغَلَطِ عَلَيْهِمْ فِيمَا يُثْبِتُونَهُ بِالِاجْتِهَادِ، لَكِنَّهُمْ قَالُوا: لَا يُقِرُّونَ عَلَيْهِ، وَهَذَا
стр. 169
يَسْتَقِيمُ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ: الْمُصِيبُ وَاحِدٌ، وَأَمَّا مَنْ يَقُولُ: كُلُّ مُجْتَهِدٌ مُصِيبٌ لَا يَرَى وُقُوعَ الْخَطَأِ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ فِي اجْتِهَادِ غَيْرِهِ، فَكَيْفَ يَرَاهُ فِي اجْتِهَادِهِ؟ فَعَلَى هَذَا
فِعْلُهُمْ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ شَرْعِيًّا؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ شَرْعِيًّا لَمَا كَانَ قَابِلًا لِجَوَازِ وُقُوعِ الْخَطَأِ فِيهِ، وَمَا يَدُلُّ عَلَى قَبُولِهِ وُقُوعُ الْخَطَأِ فِيهِ قَوْلُهُ ﵇ فِي حَدِيثِ طَلْحَةَ: إِنَّنِي ظَنَنْتُ ظَنًّا فَلَا تُؤَاخِذُونِي بِالظَّنِّ.
وَفِي غَيْرِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ: إِنَّمَا ظَنَنْتُ ظَنًّا، وَأَنَّ الظَّنَّ يُخْطِئُ وَيُصِيبُ، وَلَوْ كَانَ حُكْمًا شَرْعِيًّا لَمَا كَانَ قَابِلًا لِلْخَطَأِ وَالْإِصَابَةِ.
وَفِي قَوْلِهِ: " ظَنَنْتُ " دَلَالَةٌ عَلَى جَوَازِ الِاجْتِهَادِ لِلنَّبِيِّ ﷺ مُطْلَقًا، وَفِي ذَلِكَ خِلَافٌ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَفِي قَوْلِهِ ﵇: فَإِنَّ الظَّنَّ يُخْطِئُ وَيُصِيبُ، إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ ذَلِكَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - مَا كَانَ مِنْ قَبِيلِ الْمَصَالِحِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وَذَلِكَ جَائِزٌ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ يُعْرَفُ فِيهِ، وَشَوَاهِدُ ذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ كَثِيرَةٌ، وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ رَفْعُ الْخَطَأِ عَنْهُ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، ثُمَّ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا قَوْلُهُ ﷺ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ: فَإِنِّي لَنْ أَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ.
وَعَلَى الْجُمْلَةِ الْحَدِيثُ يَحْتَمِلُ كِلَا الْمَذْهَبَيْنِ، وَلِذَلِكَ أَثْبَتْنَاهُ فِي قَوْلِهِ ﷺ إِنْ كَانَ يَنْفَعُهُمْ ذَلِكَ فَلْيَصْنَعُوهُ حُجَّةٌ لِمَنْ ذَهَبَ إِلَى النَّسْخِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمِنْ بَابِ الْمُزَارَعَةِ
أَخْبَرَنَا الْفَضْلُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ الْفَضْلِ الصَّيْدَلَانِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الْمُزَكِّي، أَخْبَرَنَا مَكِّيُّ بْنُ عَبْدَانِ بْنِ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ، حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حَجَرٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ الْأَرْضَ كَانَتْ تُكْرَى عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمَا عَلَى الْأَرْبِعَاءِ وَشَيْءٌ مِنَ التِّبْنِ لَا أَدْرِي كَمْ هُوَ.
وَأَخْبَرَنَا أَبُو الْفَضْلِ بْنُ مُحَمَّدٍ الدَّيْلَمِيُّ الْكَاتِبُ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ الْمُبَارَكُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْهَرِيُّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عُمَرَ، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا
стр. 170
أَبُو حَاتِمٍ النَّيْسَابُورِيُّ، أَخْبَرَنَا مُسْلِمٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ الرَّقِّيُّ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ زَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي زَيْدٍ، قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُعْطِي أَرْضَهُ بِالثُّلُثِ وَالرُّبْعِ، ثُمَّ تَرَكَهُ ابْنُ عُمَرَ فَقُلْنَا لِطَاوُسٍ: مَا بَالُ ابْنِ عُمَرَ تَرَكَ الثُّلُثَ وَالرُّبْعَ، وَأَنْتَ لَا تَدَعُهُ، وَإِنَّمَا سَمِعْتُمَا حَدِيثًا وَاحِدًا - يَعْنِي حَدِيثَ رَافِعٍ -؟ فَقَالَ: إِنِّي وَاللَّهِ لَوْ أَعْلَمُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَهُ مَا فَعَلْتُهُ؛ وَلَكِنَّ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَإِنَّهُ إِنْ يَمْنَحَهَا أَخَاهُ خَيْرٌ.
هَذَا حَدِيثٌ لَهُ طُرُقٌ وَفِيهِ اخْتِلَافُ أَلْفَاظٍ لَا يُمْكِنُ حَصْرُهَا فِي هَذَا الْمُخْتَصَرِ، وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي هَذَا الْبَابِ.
فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ مَنِ اسْتَأْجَرَ أَرْضًا عَلَى جُزْءٍ مُعَيَّنٍ مِمَّا يُخْرَجُ مِنْهَا كَالنِّصْفِ أَوِ الثُّلْثِ أَوِ الرُّبْعِ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ، وَالْعَقْدُ صَحِيحٌ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، وَعُمَرِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى، وَابْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ، وَمِنْ أَهْلِ الرَّأْيِ: أَبُو يُوسُفَ الْقَاضِي، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ صَاحِبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: يَجُوزُ ذَلِكَ إِذَا كَانَ الْبَذْرُ مِنْ رَبِّ الْأَرْضِ، وَتَمَسَّكُوا فِي ذَلِكَ بِظَاهِرِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، قَالُوا: يُؤَكِّدُهُ
حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ ﵇: لَأَنْ يَمْنَحَهَا أَخَاهُ خَيْرٌ. لَيْسَ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى اللُّزُومِ، وَإِنَّمَا اللَّفْظُ صَدَرَ مَصْدَرَ التَّخْيِيرِ.
وَفِيهِمْ مَنْ تَمَسَّكَ بِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَامَلَ أَهْلَ خَيْبَرَ عَلَى الشَّطْرِ مِمَّا يَخْرُجُ مِنْ ثَمَرٍ وَزَرْعٍ.
خَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ آخَرُونَ، وَقَالُوا: الْعَقْدُ فَاسِدٌ، وَرُوِيَ مِثْلَ ذَلِكَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، وَرَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، وَأُسَيْدِ بْنِ ظُهَيْرٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَنَافِعٍ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَمِنَ الْكُوفِيِّينَ: أَبُو حَنِيفَةَ، وَتَمَسَّكُوا فِي ذَلِكَ بِأَحَادِيثَ.
أَخْبَرَنَا الْفَضْلُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ الْفَضْلِ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ، أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْمُزَكِّي، أَخْبَرَنَا مَكِّيُّ بْنُ عَبْدَانَ، حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي، حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ قَالَ: أَخْبَرَنِي
стр. 171
سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، ... أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يُكْرِي أَرْضَهُ حَتَّى بَلَغَهُ أَنَّ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ الْأَنْصَارِيَّ كَانَ يَنْهَى عَنْ كِرَاءِ الْمُزَارِعِينَ، فَلَقِيَهُ عَبْدُ اللَّهِ فَقَالَ: يَا بْنَ خَدِيجٍ، مَاذَا تُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي كِرَاءِ الْأَرْضِ؟ قَالَ رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ لِعَبْدِ اللَّهِ: سَمِعْتُ
عَمَّايَ - وَكَانَا قَدْ شَهِدَا بَدْرًا - يُحَدِّثَانِ أَهْلَ الدَّارِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: لَقَدْ كُنْتُ أَعْلَمُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّ الْأَرْضَ تُكْرَى، ثُمَّ خَشِيَ عَبْدُ اللَّهِ أَنْ يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَحْدَثَ فِي ذَلِكَ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ عَلِمَهُ، فَتَرَكَ كِرَاءَ الْأَرْضِ ... .
وَقَالَ مُسْلِمٌ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يُكْرِي مَزَارِعَهُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وَفِي إِمَارَةِ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَصَدْرًا مِنْ خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ، حَتَّى بَلَغَهُ فِي آخِرِ خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ أَنَّ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ يُحَدِّثُ فِيهَا بِنَهْيِ النَّبِيِّ ﷺ فَدَخَلَ عَلَيْهِ وَأَنَا مَعَهُ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنْهَى عَنْ كِرَاءِ الْمَزَارِعِ فَتَرَكَهَا ابْنُ عُمَرَ بَعْدُ، وَكَانَ إِذَا سُئِلَ عَنْهَا بَعْدُ قَالَ: زَعَمَ ابْنُ خَدِيجٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْهَا.
قُرِئَ عَلَى أَبِي الْمَحَاسِنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْخَالِقِ الْجَوْهَرِيِّ، أَخْبَرَكَ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْإِمَامُ فِي كِتَابِهِ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَلْخِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ حَمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَطَّابِيُّ قَالَ: خَبَرُ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ مِنْ هَذَا الطَّرِيقِ خَبَرٌ مُجْمَلٌ تُفَسِّرُهُ الْأَخْبَارُ الَّتِي رُوِيَتْ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، وَعَنْ غَيْرِهِ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ، وَقَدْ عَقَلَ ابْنُ عَبَّاسٍ الْمَعْنَى مِنَ الْخَبَرِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ
الْمُرَادُ بِهِ تَحْرِيمَ الْمُزَارِعَةِ بِشَطْرِ مَا تُخْرِجُهُ الْأَرْضُ، وَإِنَّمَا أُرِيدَ بِذَلِكَ أَنْ يَتَمَانَحُوا أَرَاضِيهِمْ، وَأَنْ يَرْفُقَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا.
وَقَدْ ذَكَرَ رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ - فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْهُ - النَّوْعَ الَّذِي حُرِّمَ مِنْهَا، وَالْعِلَّةُ الَّتِي مِنْ أَجْلِهَا نَهَى عَنْهَا.
قُلْتُ: أَرَادَ الْخَطَّابِيُّ بِالرِّوَايَةِ الْأُخْرَى مَا أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَضَائِلِ بْنُ أَبِي الْمُطَهَّرِ،
стр. 172
أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا مَكِّيُّ بْنُ عَبْدَانَ، حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِرِ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، أَنَّهُ قَالَ: حَدَّثَنِي عَمَّايَ أَنَّهُمْ كَانُوا يُكْرُونَ الْأَرْضَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمَا يَنْبُتُ عَلَى الْأَرْبِعَاءِ، شَيْئًا يَسْتَثْنِيهِ صَاحِبُ الْأَرْضِ مِنَ التِّبْنِ، فَنَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَقُلْتُ لِرَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ: فَكَيْفَ هِيَ بِالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ؟ فَقَالَ رَافِعٌ: لَا بَأْسَ بِهَا بِالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ.
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: فَقَدْ أَعْلَمَكَ رَافِعٌ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ هُوَ الْمَجْهُولُ مِنْهُ دُونَ الْمَعْلُومِ، وَأَنَّهُ كَانَ مِنْ عَادَاتِهِمْ أَنْ يَشْتَرِطُوا فِيهَا شُرُوطًا فَاسِدَةً، وَبَسَطَ الْكَلَامَ فِيهِ، قُلْتُ: وَإِنَّمَا صَدَرَ هَذَا الْكَلَامُ مِنَ الْخَطَّابِيِّ ظَنًّا مِنْهُ بِأَنَّ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ فِي خَبَرِ رَافِعٍ إِنَّمَا هُوَ الْقَدْرُ الْمَجْهُولُ، وَلَوِ اسْتَقْرَأَ طُرُقَ هَذَا الْحَدِيثِ لَبَانَ لَهُ أَنَّ النَّهْيَ تَنَاوَلَ الْمَجْهُولَ وَالْمَعْلُومَ، وَذَلِكَ بَيِّنٌ فِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ.
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَبِي عِيسَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْمُطَرِّزِ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مِهْرَانَ، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ النَّيْسَابُورِيُّ، أَخْبَرَنَا مَكِّيُّ بْنُ عَبْدَانَ، حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، حَدَّثَنَا أَبُو طَاهِرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، عَنْ يَعْلَى بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ
بْنِ يَسَارٍ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا أَوْ لِيَزْرَعْهَا أَخَاهُ، وَلَا يُكْرِيهَا أَخَاهُ، وَلَا يُكْرِيهَا بِالثُّلُثِ، وَلَا الرُّبْعِ، وَلَا طَعَامٍ مُسَمًّى.
رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ سُلَيْمَانَ نَحْوَهُ، وَقَالَ مُسْلِمٌ بِالْإِسْنَادِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، حَدَّثَنَا عَطَاءٌ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: كَانَ لِرِجَالٍ مِنَ الْأَنْصَارِ فُضُولُ أَرْضِينَ، وَكَانُوا يُكْرُونَهَا بِالثُّلُثِ وَالرُّبْعِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا أَوْ لِيَمَنْحَهَا أَخَاهُ، فَإِنْ أَبَى فَلْيُمْسِكْهَا.
وَيُرْوَى هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ جَابِرٍ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ؛ فَإِنْ قِيلَ: قَدْ رَوَى عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّهُ قَالَ: يَغْفِرُ اللَّهُ لِرَافِعٍ؛ أَنَا وَاللَّهِ أَعْلَمُ مِنْهُ بِالْحَدِيثِ، إِنَّمَا أَتَاهُ رَجُلَانِ مِنَ الْأَنْصَارِ قَدِ اقْتَتَلَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ
стр. 173
- ﷺ إِنْ كَانَ شَأْنُكُمْ هَذَا فَلَا تُكْرُوا الْمَزَارِعَ.
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الَّذِي صَدَرَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ كَانَ عَلَى وَجْهِ الْمَشُورَةِ وَالْإِرْشَادِ دُونَ الْإِلْزَامِ وَالْإِيجَابِ، وَالْجَوَابُ: أَنَّ هَذَا غَيْرُ قَادِحٍ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ دَلَالَةِ النَّهْيِ، فَإِنَّ الِاعْتِبَارَ بِلَفْظِ النَّهْيِ وَعُمُومِهِ دُونَ السَّبَبِ، فَإِنْ قِيلَ: قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ: إِنَّ الْأَرْضَ كَانَتْ تُكْرَى عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَيْسَ فِيهِ
دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ كَانَ مَأْذُونًا فِيهِ مِنْ جِهَةِ النَّبِيِّ ﷺ لِأَنَّ هَذَا مِنْ قَبِيلِ الْأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ، فَلَيْسَ مِنْ شَرْطِهِ إِحَاطَةُ عِلْمِ النَّبِيِّ ﷺ بِهِ، وَمَا لَمْ يُثْبِتُوا ذَلِكَ لَا يَسْتَقِيمُ لَكُمُ ادِّعَاءُ النَّسْخِ إِذِ الْمَنْسُوخُ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ حُكْمًا شَرْعِيًّا.
يُقَالُ عَلَى هَذَا الْكَلَامِ: إِنَّ أَكْثَرَ الْمُحَقِّقِينَ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ: كُنَّا نَفْعَلُ كَذَا، وَكَانُوا يَفْعَلُونَ كَذَا فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ظَاهِرٌ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى جَوَازِ الْفِعْلِ، وَأَنَّ ذِكْرَ الصَّحَابِيِّ نَحْوَ ذَلِكَ فِي مَعْرِضِ الْحُجَّةِ، يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ مَا عَلِمَهُ رَسُولُ اللَّهِ وَسَكَتَ عَنْهُ، دُونَ مَا لَمْ يُبَلِّغْهُ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ، ثُمَّ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، حَيْثُ قَالَ: لَقَدْ كُنْتُ أَعْلَمُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّ الْأَرْضَ تُكْرَى، قَالَ: ثُمَّ خَشِيَ عَبْدُ اللَّهِ أَنْ يَكُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَحْدَثَ فِي ذَلِكَ شَيْئًا، وَلَوْ لَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ مَا كَانَ يَذْهَبُ إِلَيْهِ مِنَ الْجَوَازِ كَانَ مُسْتَنِدًا إِلَى إِذْنِ النَّبِيِّ ﷺ لِمَا كَانَ يَتَوَقَّفُ فِي ذَلِكَ.
ذِكْرُ خَبَرٍ يُصَرِّحُ بِالْإِذْنِ وَالنَّهْيِ بَعْدَهُ
أَخْبَرَنَا الْفَضْلُ بْنُ الْقَاسِمِ الصَّيْدَلَانِيُّ، أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْمُزَكِّيُّ، أَخْبَرَنَا مَكِّيُّ بْنُ عَبْدَانَ، حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ، حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعْدٍ، وَإِسْحَاقُ، قَالَ قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ - وَهُوَ ابْنُ رَفِيعٍ - عَنْ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ: أَنَّ رَجُلًا كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَعَجَزَ عَنْهَا أَنْ يَزْرَعَهَا، فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ لَهُ:
стр. 174
هَلْ لَكَ أَنْ أَزْرَعَ أَرْضَكَ؛ فَمَا خَرَجَ مِنْهَا مِنْ شَيْءٍ كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، حَتَّى أَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَسَأَلَهُ، فَلَمْ يَرْجِعْ إِلَيْهِ شَيْئًا، قَالَ: فَأَتَيْتُ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ، فَقُلْتُ لَهُمَا، فَقَالَا: ارْجِعْ إِلَيْهِ. فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ الثَّانِيَةَ فَسَأَلْتُهُ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ شَيْئًا، فَرَجَعْتُ إِلَيْهِمَا فَقَالَا: انْطَلِقْ فَازْرَعْهَا؛ فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ حَرَامًا نَهَاكَ عَنْهُ، قَالَ: فَزَرَعَهَا الرَّجُلُ حَتَّى اهْتَزَّ زَرْعُهُ وَاخْضَرَّ، وَكَانَتِ الْأَرْضُ عَلَى طَرِيقٍ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَمَرَّ بِهَا يَوْمًا فَأَبْصَرَ الزَّرْعَ، فَقَالَ: لِمَنْ هَذِهِ الْأَرْضُ؟ فَقَالُوا: لِفُلَانٍ، زَارَعَ بِهَا فُلَانًا! فَقَالَ: ادْعُوهُمَا إِلَيَّ جَمِيعًا، قَالَ: فَأَتَيَاهُ فَقَالَ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ: مَا أَنْفَقَ هَذَا فِي أَرْضِكَ فَرُدَّهُ عَلَيْهِ، وَلَكَ مَا أَخْرَجَتْ أَرْضُكَ.
بَابُ النَّهْيِ عَنْ كَسْبِ الْحَجَّامِ، وَالْإِذْنِ فِيهِ
أَخْبَرَنَا طَاهِرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ طَاهِرٍ، عَنْ أَبِي مَنْصُورٍ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا الْقَاسِمُ بْنُ أَبِي الْمُنْذِرِ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ بَحْرٍ الْقَطَّانِ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ، حَدَّثَنِي الْأَوْزَاعِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ عُقْبَةَ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ كَسْبِ الْحَجَّامِ.
وَأَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ذَاكِرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُسْتَمْلِيُّ، أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي الْعَبَّاسِ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا مَكِّيُّ بْنُ عَبْدَانَ، حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، حَدَّثَنَا أَبُو بَلْجٍ يَحْيَى بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ، عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَجُلًا تُوُفِّيَ وَتَرَكَ عَبْدًا حَجَّامًا وَأَمَةً وَنَاضِحًا وَأَرْضًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا تَرَكَ؟ فَأَخْبَرُوهُ، فَقَالَ: لَا تَأْكُلُوا مِنْ كَسْبِ الْأَمَةِ، فَإِنِّي أَخْشَى أَنْ تَسْرِقَ، وَلَا الْحَجَّامِ، وَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ فَأَطْعِمُوهُ النَّاضِحَ، وَأَمَّا الْأَرْضُ فَازْرَعُوهَا أَوِ امْنَحُوهَا.
رَوَاهُ هُشَيْمٌ عَنْ أَبِي بَلْجٍ وَخَالَفَ سُوَيْدًا فِي الْإِسْنَادِ فَأَرْسَلَهُ، وَرِوَايَةُ هُشَيْمٍ أَقْرَبُ.
وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ الظَّاهِرِ وَنَفَرٌ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ إِلَى الْعَمَلِ بِظَاهِرِ
стр. 175
الْخَبَرِ، وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَرَأَوْا أَكْلَ ذَلِكَ جَائِزًا، وَإِنْ كَانَ التَّنَزُّهُ عَنْهُ أَوْلَى، وَقَالُوا: الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ، وَإِنْ دَلَّ عَلَى النَّهْيِ فَهُوَ مَنْسُوخٌ، وَتَمَسَّكُوا فِي ذَلِكَ بِأَحَادِيثَ.
أَخْبَرَنَا أَبُو مُسْلِمٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْجُنَيْدِ، عَنْ عَبْدِ الْغَفَّارِ بْنِ مُحَمَّدٍ التَّاجِرِ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَصَمُّ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ، أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ حَرَامِ بْنِ سَعْدِ بْنِ مُحَيِّصَةَ، أَنَّ مُحَيِّصَةَ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ كَسْبِ الْحَجَّامِ فَنَهَاهُ عَنْهُ، فَلَمْ يَزَلْ يُكَلِّمُهُ حَتَّى قَالَ: أَطْعِمْهُ رَقِيقَكَ.
قُرِئَ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عَلِيٍّ، وَأَنَا أَسْمَعُ، أَخْبَرَكَ أَبُو سَعْدٍ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَزَّازُ، أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا قَطَنٌ، حَدَّثَنَا حَفْصٌ، حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ، عَنْ عَبَّادٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ حَرَامِ بْنِ سَعْدِ بْنِ مَحِيصَةَ الْأَنْصَارِيِّ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ اسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَعْنِي فِي كَسْبِ الْحَجَّامِ فَمَنَعَهُ إِيَّاهُ؛ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ ثَمَنُ الدَّمِ، فَلَمْ يَزَلْ يُرَاجِعُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَتَّى أَذِنَ لَهُ أَنْ يُعْلِفَهُ نَاضِحَهُ، وَيُطْعِمَ رَقِيقَهُ.
قَالَ إِبْرَاهِيمُ: هَذِهِ رُخْصَةٌ إِذًا، حَيْثُ أَذِنَ لَهُ أَنْ يُطْعِمَهُ رَقِيقَهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ حَرَامًا مَا رَخَّصَ لَهُ أَنْ يُطْعِمَهُ رَقِيقَهُ، وَالْحُرُّ وَالْعَبْدُ فِي الْحَرَامِ سَوَاءً.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدٍ، أَوْ قَرَأْتُهُ عَلَيْهِ، أَخْبَرَنَا هِبَةُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الشَّيْبَانِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الشَّافِعِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا قَطَنٌ، حَدَّثَنَا حَفْصٌ، حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ عَطَاءٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مِنَ السُّحْتِ مَهْرُ الْبَغْيِ وَأَجْرُ الْحَجَّامِ.
قَالَ إِبْرَاهِيمُ: قَالَ مُحَمَّدٌ: ثُمَّ رَخَّصَ فِي أَجْرِ الْحَجَّامِ.
стр. 176
كِتَابُ النِّكَاحِ
نِكَاحُ الْمُتْعَةِ
أَخْبَرَنَا أَبُو زُرْعَةَ طَاهِرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ طَاهِرٍ، أَخْبَرَنِي مَكِّيُّ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ، أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، قَالَ، سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ: كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَيْسَ مَعَنَا نِسَاءٌ، فَأَرَدْنَا أَنْ نَخْتَصِيَ، فَنَهَانَا عَنْ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ رَخَّصَ لَنَا أَنْ نَنْكِحَ الْمَرْأَةَ إِلَى أَجَلٍ بِالشَّيْءِ.
هَذَا طَرِيقٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَهَذَا الْحُكْمُ كَانَ مُبَاحًا مَشْرُوعًا فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ، وَإِنَّمَا أَبَاحَهُ النَّبِيُّ ﷺ لِلسَّبَبِ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَإِنَّمَا كَانَ
ذَلِكَ يَكُونُ فِي أَسْفَارِهِمْ، وَلَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَبَاحَهُ لَهُمْ وَهُمْ فِي بُيُوتِهِمْ، وَلِهَذَا نَهَاهُمْ عَنْهُ غَيْرَ مَرَّةٍ، ثُمَّ أَبَاحَهُ لَهُمْ فِي أَوْقَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ، حَتَّى حَرَّمَهُ عَلَيْهِمْ فِي آخِرِ أَيَّامِهِ ﷺ وَذَلِكَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَكَانَ تَحْرِيمَ تَأْبِيدٍ لَا تَأْقِيتٍ، فَلَمْ يَبْقَ الْيَوْمَ فِي ذَلِكَ خِلَافٌ بَيْنَ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ وَأَئِمَّةِ الْأُمَّةِ، إِلَّا شَيْئًا ذَهَبَ إِلَيْهِ بَعْضُ الشِّيعَةِ.
وَيُرْوَى أَيْضًا عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ جَوَازَهُ.
وَسَنَذْكُرُ أَحَادِيثَ تَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ مَا ادَّعَيْنَاهُ.
أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنَ أَبِي عِيسَى الْحَافِظُ، أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ،
أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ فِي كِتَابِهِ، أَخْبَرَنَا دَاوُدُ، حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَتَذَاكَرْنَا مُتْعَةَ النِّسَاءِ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ - يُقَالُ لَهُ: الرَّبِيعُ بْنُ سَبْرَةَ -: أَشْهَدُ عَلَى أَبِي أَنَّهُ حَدَّثَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْهَا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ.
стр. 177
قَرَأْتُ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ ذَاكِرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْمُسْتَمْلِيِّ، أَخْبَرَكَ الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْكَاتِبُ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ، حَدَّثَنَا ابْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَيُّوبَ، عَنْ إِيَاسَ بْنِ عَامِرٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْمُتْعَةِ، قَالَ: وَإِنَّمَا كَانَتْ لِمَنْ لَمْ يَجِدْ، فَلَمَّا أُنْزِلَ النِّكَاحُ وَالطَّلَاقُ وَالْعِدَّةُ وَالْمِيرَاثُ بَيْنَ الزَّوْجِ وَالْمَرْأَةِ نُسِخَتْ.
هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَقَدْ صَحَّ الْحَدِيثُ عَنْ عَلِيٍّ فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، وَرَوَاهُ عَنْهُ الْكُوفِيُّونَ مِنْ طُرُقٍ، وَهُوَ أَشْهَرُ مِنْ أَنْ يُنْكَرَ، وَأَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُحْصَرَ.
أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَلِيٍّ الْخَطِيبُ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْكَاتِبُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو يَعْلَى، حَدَّثَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ حَسَنٍ وَعَبْدِ اللَّهِ ابْنَيْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِمَا، عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ يَوْمَ خَيْبَرَ، وَعَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ.
وَهَذَا الْحَدِيثُ لَا يُنَافِي حَدِيثَ الرَّبِيعِ بْنِ سَبْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ؛ حَيْثُ ذَكَرَ أَنَّ النَّهْيَ كَانَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ؛ لَمَّا ذَكَرْنَا بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ عِدَّةَ مِرَارٍ، غَيْرَ أَنَّ النَّهْيَ الْأَخِيرَ كَانَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ.
وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَكَرْنَا أَيْضًا مَا أَخْبَرَنَا بِهِ أَبُو الْفَضْلِ الْأَدِيبُ، أَخْبَرَنَا سَعْدُ بْنُ عَلِيٍّ الْعِجْلِيُّ، أَخْبَرَنَا الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عُمَيْسٍ، عَنْ إِيَاسِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَخَّصَ فِي مُتْعَةِ النِّسَاءِ عَامَ أَوْطَاسٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ نَهَى عَنْهَا.
قَرَأْتُ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ الْحَافِظِ، أَخْبَرَكَ أَبُو عَلِيٍّ، أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو أَحْمَدَ الْعَبْدِيُّ،
стр. 178
أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ الْحَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ، سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ كَعْبٍ الْقُرَظِيَّ يُحَدِّثُ ... عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَتْ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ مُتْعَةُ النِّسَاءِ، فَكَانَ الرَّجُلُ يَقْدُمُ بِسِلْعَتِهِ الْبَلَدَ لَيْسَ لَهُ مَنْ يَحْفَظُ عَلَيْهِ ضَيْعَتَهُ، وَيَضُمُّ إِلَيْهِ مَتَاعَهُ، فَيَتَزَوَّجُ الْمَرْأَةَ إِلَى قَدْرِ مَا يَرَى أَنَّهُ يَقْضِي حَاجَتَهُ، وَقَدْ كَانَتْ تُقْرَأُ: " فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ - إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى - فَآتَوْهُنَّ أُجُورَهُنَّ " الْآيَةَ، حَتَّى نَزَلَتْ: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ) إِلَى قَوْلِهِ: (مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ) فَتُرِكَتِ الْمُتْعَةُ، وَكَانَ الْإِحْصَانُ إِذَا شَاءَ طَلَّقَ،
وَإِذَا شَاءَ أَمْسَكَ، وَيَتَوَارَثَانِ، وَلَيْسَ لَهُمَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ... .
هَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ، لَوْلَا مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ، وَهُوَ الرَّبَذِيُّ كَانَ يَسْكُنُ الرَّبَذَةَ.
ذَكَرَ أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَزْوِينِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ الطَّبَرِيُّ، حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ كَثِيرٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُقَيْلٍ، سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيَّ، يَقُولُ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى غَزْوَةِ تَبُوكَ، حَتَّى إِذَا كُنَّا عِنْدَ الْعَقَبَةِ مِمَّا يَلِي الشَّامَ جِئْنَ نِسْوَةً، فَذَكَرْنَا تَمَتُّعَنَا وَهُنَّ يَجُلْنَ فِي رِحَالِنَا، أَوْ قَالَ: يَطُفْنَ فِي رِحَالِنَا، فَجَاءَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَنَظَرَ إِلَيْهِنَّ، فَقَالَ: مَنْ هَؤُلَاءِ النِّسْوَةُ؟ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نِسْوَةٌ تَمَتَّعْنَا مِنْهُنَّ. فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى احْمَرَّتْ وَجَنَتَاهُ، وَتَمَعَّرَ لَوْنُهُ، وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ، فَقَامَ فِينَا فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ نَهَى عَنِ الْمُتْعَةِ، فَتَوَادَعْنَا يَوْمَئِذٍ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ، وَلَمْ نَعُدْ، وَلَا نَعُودُ لَهَا أَبَدًا، فَبِهَا سُمِّيَتْ يَوْمَئِذٍ ثَنِيَّةُ الْوَدَاعِ.
وَأَخْبَرَنِي أَبُو الْفَضْلِ الْأَدِيبُ، أَخْبَرَنَا سَعْدُ بْنُ عَلِيٍّ، أَخْبَرَنَا طَاهِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ هُوَ الطَّبَرِيُّ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الصَّيْرَفِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِمَا أَنَّ عَلِيًّا
قَالَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ وَعَنِ الْمُتْعَةِ.
وَأَمَّا مَا يُحْكَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ فَإِنَّهُ كَانَ يَتَأَوَّلُ فِي إِبَاحَتِهِ لِلْمُضْطَرِّينَ بِطُولِ الْغُرْبَةِ
стр. 179
وَقِلَّةِ الْيَسَارِ وَالْجَدَّةِ، ثُمَّ تَوَقَّفَ عَنْهُ، وَأَمْسَكَ عَنِ الْفَتْوَى بِهِ، وَيُوشَكُ أَنْ يَكُونَ سَبَبَ رُجُوعِهِ عَنْهُ قَوْلُ عَلِيٍّ ﵁ وَإِنْكَارُهُ عَلَيْهِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا رِوَايَةَ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ عَنْهُ، وَنَذْكُرُ رِوَايَةً أُخْرَى تَدُلُّ عَلَيْهِ:
قُرِئَ عَلَى أَبِي الْمَحَاسِنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْخَالِقِ وَأَنَا أَسْمَعُ، أَخْبَرَكَ أَبُو الْمَحَاسِنِ الرُّويَانِيُّ فِي كِتَابِهِ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنِ مُحَمَّدٍ الْبَلْخِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ السِّمَاكِ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ سَلَّامِ السَّوَّاقُ، حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ، عَنِ الْحَجَّاجِ، عَنْ أَبِي خَالِدٍ، عَنِ الْمِنْهَالِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: ... قُلْتُ لِابْنِ الْعَبَّاسِ: هَلْ تَدْرِي مَا صَنَعْتَ وَبِمَا أَفْتَيْتَ، قَدْ سَارَتْ بِفُتْيَاكَ الرُّكْبَانُ، وَقَالَتْ فِيهِ الشُّعَرَاءُ؟ قَالَ: وَمَا قُلْتُ؟ قُلْتَ: قَالُوا:
قَدْ قُلْتَ لِلشَّيْخِ لَمَّا طَالَ مَجْلِسُهُ يَا صَاحِ هَلْ لَكَ فِي فُتْيَا ابْنِ عَبَّاسٍ هَلْ لَكَ فِي رَخْصَةِ الْأَطْرَافِ آنِسَةٍ تَكُونُ مَثْوَاكَ حَتَّى يَصْدُرَ النَّاسُ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، وَاللَّهِ مَا بِهَذَا أَفْتَيْتُ، وَلَا أَرَدْتُ وَلَا أَحْلَلْتُ إِلَّا مِثْلَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ، وَلَا تَحِلُّ إِلَّا لِلْمُضْطَرِّ، وَمَا هِيَ إِلَّا كَالْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ.
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: فَهَذَا يُبَيِّنُ لَكَ أَنَّهُ سَلَكَ فِيهِ مَذْهَبَ الْقِيَاسِ، وَشَبَّهَهُ بِالْمُضْطَرِّ إِلَى الطَّعَامِ الَّذِي بِهِ قِوَامُ الْأَنْفُسِ وَبِعَدَمِهِ يَكُونُ التَّلَفُ، وَإِنَّمَا هَذَا مِنْ بَابِ غَلَبَةِ الشَّهْوَةِ وَمُصَابَرَتِهَا مُمْكِنَةٌ، وَقَدْ تُحْسَمُ مَادَّتُهَا بِالصَّوْمِ وَالْعِلَاجِ، فَلَيْسَ أَحَدُهُمَا فِي حُكْمِ الضَّرُورَةِ كَالْآخَرِ.
كِتَابُ الْعِشْرَةِ
بَابُ النَّهْيِ عَنْ ضَرْبِ النِّسَاءِ، ثُمَّ الْإِذْنِ فِيهِ بِالْمَعْرُوفِ
قَرَأْتُ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ الْخَازِنِ، أَخْبَرَكَ أَبُو الْحُسَيْنِ الْمُبَارَكُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ فِي كِتَابِهِ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُظَفَّرِ أَبُو الْحُسَيْنِ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ الْمَدَنِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَرْقِيُّ، حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ،
стр. 180
حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، عَنْ إِيَاسِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي ذُبَابٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا تَضْرِبُوا إِمَاءَ اللَّهِ، قَالَ: فَجَاءَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ ذَئِرَ النِّسَاءُ عَلَى أَزْوَاجِهِنَّ مُنْذَ نَهَيْتَ عَنْ ضَرْبِهِنَّ. فَأَذِنَ لَهُمْ فَضَرَبُوا، قَالَ: فَأَطَافَ بِآلِ مُحَمَّدٍ نِسَاءٌ كَثِيرٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَقَدْ أَطَافَ اللَّيْلَةَ بِآلِ مُحَمَّدٍ سَبْعُونَ امْرَأَةً كُلَّهُنَّ تَشْكِي زَوْجَهَا وَلَا تَجِدُونَ أُولَاءَكُمْ خِيَارَكُمْ.
وَقَرَأْتُ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ أَبِي عِيسَى الْحَافِظِ، أَخْبَرَكَ الْحَسَنُ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا أَبُو أَحْمَدَ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْعَبْدِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شِيرَوَيْهِ، أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّهُ سَمِعَ إِيَاسَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي ذُبَابٍ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا تَضْرِبُوا إِمَاءَ اللَّهِ. قَالَ: فَجَاءَ عُمَرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ ذَئِرْنَ النِّسَاءُ عَلَى أَزْوَاجِهِنَّ مُنْذُ نَهَيْتَ عَنْ ضَرْبِهِنَّ، فَأَذِنَ لَهُمْ فَضَرَبُوا، قَالَ: فَأَطَافَ بِآلِ مُحَمَّدٍ نِسَاءٌ كَثِيرٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَقَدْ أَطَافَ اللَّيْلَةَ بِآلِ مُحَمَّدٍ سَبْعُونَ امْرَأَةً كُلُّهُنَّ تَشْكُوَ زَوْجَهَا، وَلَا تَجِدُوا أُولَئِكَ خِيَارُكُمْ
وَأَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ عَبْدِ الْخَالِقِ وَجَمَاعَةٌ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْقَادِرِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ، أَحْمَدُ بْنُ مَعْرُوفٍ الْخَشَّابُ، أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ، عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ بُكَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ ضَرْبِ النِّسَاءِ، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُنَّ قَدْ فَسَدْنَ قَالَ: اضْرِبُوهُنَّ، وَلَا يَضْرِبُ إِلَّا شِرَارُكُمْ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ، عَنْ أَفْلَحَ بْنِ حُمَيْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ، قَالَتْ: كَانَ قَدْ نَهَى الرِّجَالَ عَنْ ضَرْبِ النِّسَاءِ، ثُمَّ شَكَاهُنَّ الرِّجَالُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَخَلَّى بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ضَرْبِهِنَّ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَقَدْ طَافَ بِآلِ مُحَمَّدٍ سَبْعُونَ امْرَأَةً كُلُّهُنَّ قَدْ ضُرِبَتْ، مَا أُحِبُّ أَنْ أَرَى الرَّجُل
следующие страницы →