Полный текст (749 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
والثان إدغامٌ بغير غُنَّة ... في اللامِ والرَّا ثمَّ كرَّرَنِّهْ
الكلام على الحكم الثالث "القلب" وكيفية أدائه ووجهه وضوابطه
من معاني القلب في اللغة التحويل وفي الاصطلاح: جَعْلُ حرفٍ مكان آخر مع مراعاة الغنة والإخفاء في الحرف المقلوب. وله حرف واحد هو "الباء الموحدة" فإذا وقع بعد النون الساكنة سواء أكان معها في كلمة أم في كلمتين أم بعد التنوين ولا يكون إلا من كلمتين كما هو مقرر أم بعد نون التوكيد الخفيفة المتصلة بالفعل المضارع الشبيهة بالتنوين. وجب قلب النون الساكنة والتنوين ونون التوكيد ميماً خالصة لفظاً لا خطّاً مخفاة مع إظهار الغنة وذلك نحو ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَآءِ هؤلاء إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ٣١] ﴿مِن بَعْدِهِمْ﴾ [الشورى: ١٤] ﴿والله عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور﴾ [التغابن: ٤] ونون التوكيد في قوله تعالى: ﴿لَنَسْفَعاً بالناصية﴾ [العلق: ١٥] ولا ثاني لها في التنزيل بالنسبة للقلب وسمي بالقلب لقلب النون الساكنة والتنوين ونون التوكيد الخفيفة ميماً خالصة في اللفظ لا في الخط.
هذا: ولا يتحقق القلب إلا بثلاثة أعمال مأخوذة من التعريف ومن الدليل الآتي بعد وهي كالآتي:
الأول: قلب النون الساكنة أو التنوين أو نون التوكيد الخفيفة ميماً خالصة لفظاً لا خطّاً تعويضاً صحيحاً بحيث لا يبقى أثر بعد ذلك للنون الساكنة والمؤكدة والتنوين.
الثاني: إخفاء هذه الميم عند الباء.
الثالث: إظهار الغنة مع الإخفاء: والغنة هنا صفة الميم المقلوبة لا صفة النون والتنوين.
стр. 142
هذا: ونلفت نظر القارىء الكريم إلى شيء هنا يجب أن يراعيه حال أداء القلب وهو أن يحترز عند التلفظ به من كلا الشفتين على الميم المقلوبة لئلا يتولد من كزهما غنة من الخيشوم ممططة فليسكن الميم بتلطف من غير ثقل ولا تعسف وكذلك الحكم بعينه في إخفاء الميم الساكنة قبل الباء نحو ﴿فاحكم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ الله وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ عَمَّا جَآءَكَ مِنَ الحق لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَآءَ الله لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ولكن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إلى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [المائدة: ٤٨] على القول بالإخفاء كما سيأتي.
ووجه القلب: أنه لم يحسن الإظهار لأنه يستلزم الإتيان بالغنة في النون والتنوين ثم إطباق الشفتين من أجل النطق بالباء عقب الغنة وفي كل هذا عسر وكلفة. وكذلك لم يحسن الإدغام لبعد المخرج وفقد السبب الموجب له. ولما لم يحسن الإظهار ولا الإدغام تعين الإخفاء ثم توصل إليه بالقلب ميماً لمشاركتها للباء مخرجاً وللنون غنة:
وقد أشار العلامة الجمزوري في تحفته إلى حكم القلب بقوله فيها:
والثالِثُ الإقلاب عندَ الباءِ ... ميماً بغُنَّة معَ الإخفاءِ اهـ
الكلام على الحكم الرابع "الإخفاء" ووجهه وضوابطه
من معاني الإخفاء في اللغة "الستر" وفي الاصطلاح هو عبارة عن النطق بحرف ساكن عار من الشديد على صفة بين الإظهار والإدغام مع بقاء الغنة في الحرف الأول وهو هنا النون الساكنة والتنوين. والميم الساكنة في الإخفاء الشفوي. وحروفه هنا خمسة عشر حرفاً وهي الباقية من الحروف الهجائية بعد إسقاط الحروف المتقدمة للأحكام الثلاثة السابقة التي هي الإظهار والإدغام والقلب. وقد جمعها الجمزوري في تحفته في أوائل كلمات هذا البيت:
стр. 143
صفْ ذا ثَناً كَمْ جَادَ شَخْصٌ قَدْ سَما ... دُمْ طيِّباً زدْ تُقىً ضعْ ظَالما
وهي الصاد المهملة والذال المعجمة والثاء المثلثة، والكاف والجيم والشين المعجمة، والقاف والسين والدال والطاء المهملات والزاي والفاء والتاء والمثناة فوق والضاد المعجمة والظاء المشالة. فإذا وقع حرف من هذه الأحرف بعد النون الساكنة سواء أكان متصلاً بها في كلمتها أم منفصلاً عنها أو بعد التنوين ولا يكون إلا من كلمتين كما هو مقرر. وجب إخفاؤهما ويسمى إخفاء حقيقيّاً. فتسميته إخفاء لإخفاء النون الساكنة والتنوين عند هذه الحروف. وتسميته حقيقّاً لأنه متحقق في النون الساكنة والتنوين أكثر من غيرهما.
وإليك الأمثلة للنون الساكنة من كلمة ومن كلمتين وللتنوين مع هذه الحروف:
فالصاد المهملة: نحو ﴿وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ﴾ [البقرة: ٨٦] ﴿أَن صَدُّوكُمْ﴾ [المائدة: ٢] ﴿رِيحاً صَرْصَراً﴾ [القمر: ١٩] .
والذال المعجمة: نحو ﴿لِّيُنذِرَ﴾ [الأحقاف: ١٢] ﴿مِّن ذَكَرٍ﴾ [آل عمران: ١٩٥] ﴿سِرَاعاً ذَلِكَ﴾ [ق: ٤٤] .
والثاء المثلثة: نحو ﴿مَّنثُوراً﴾ [الدهر: ١٩] ﴿أَن ثَبَّتْنَاكَ﴾ [الإسراء: ٧٤] . ﴿
стр. 144
أَزْوَاجاً ثَلاَثَةً﴾ [الواقعة: ٧] .
والكاف: نحو ﴿أَنكَالاً﴾ [المزمل: ١٢] ﴿مِن كُلٍّ﴾ [المؤمنون: ٢٧] ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [النور: ٢٦] .
والجيم: نحو ﴿فَأَنجَيْنَاهُ﴾ [الشعراء: ١١٩] ﴿مَن جَآءَ﴾ [الأنعام: ١٦٠] ﴿قَوْماً جَبَّارِينَ﴾ [المائدة: ٢٢] .
والشين المعجمة: نحو ﴿مَنْشُوراً﴾ [الإسراء: ١٣] ﴿فَمَن شَآءَ﴾ [الدهر: ٢٩] ﴿والله عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [البروج: ٢٩] .
والقاف: نحو ﴿يُنقَذُونَ﴾ [يس: ٤٣] ﴿وَإِن قِيلَ﴾ [النور: ٢٨] ﴿إِنَّ الله عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ [النحل: ٧٠] .
والسين المهملة: نحو ﴿مَا نَنسَخْ﴾ [البقرة: ١٠٦] ﴿مِّن سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١] ﴿وَرَجُلاً سَلَماً﴾ [الزمر: ٢٩] .
والدال المهملة: نحو ﴿وَعِندَهُ﴾ [الأنعام: ٥٩] ﴿وَمَن دَخَلَهُ﴾ [آل عمران: ٩٧] ﴿مُّسْتَقِيمٍ دِيناً﴾ [الأنعام: ١٦١] .
стр. 145
والطاء المهلمة: نحو ﴿انطلقوا﴾ [المرسلات: ٢٩، ٣٠] ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ [البقرة: ٢٣٠] ﴿صَعِيداً طَيِّباً﴾ [النساء: ٤٣] .
والزاي: نحو ﴿أَنَزَلَ﴾ [الرعد: ١٧] ﴿مِّن زَوَالٍ﴾ [إبراهيم: ٤٤] ﴿وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب: ٣٧] .
والفاء: نحو ﴿يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٣] ﴿إِن فِي صُدُورِهِمْ﴾ [غافر: ٥٦] ﴿على سَفَرٍ فَعِدَّةٌ﴾ [البقرة: ١٨٤، ١٨٥] .
والتاء المثناة فوق: نحو ﴿مُّنتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١] ﴿إِن تَتُوبَآ﴾ [التحريم: ٤] ﴿زَرْعاً تَأْكُلُ﴾ [السجدة: ٢٧] .
والضاد المعجمة: نحو ﴿مَّنْضُودٍ﴾ [هود: ٨٢] ﴿مِّن ضُرٍّ﴾ [المؤمنون: ٧٥] ﴿وَكُلاًّ ضَرَبْنَا﴾ [الفرقان: ٣٩] .
والظاء المشالة: نحو ﴿فانظر﴾ [النمل: ١٤] ﴿إِن ظَنَّآ﴾ [البقرة: ٢٣٠] ﴿ظِلاًّ ظَلِيلاً﴾ [النساء: ٥٧] .
ووجه الإخفاء هنا: أن النون الساكنة والتنوين لم يبعدا عن حروف الإخفاء كبعدهما عن حروف الحلق حتى يجب الإظهار. ولم يقربا منهن كقربهما من حروف الإدغام حتى يجب الإدغام فلما عدم البعد الموجب للإظهار والقرب
стр. 146
الموجب للإدغام أعطيا معهن حكماً وسطاً بين الإظهار والإدغام هو الإخفاء.
تنبيهات هامة بخصوص الإخفاء من حيث الأداء والكيفية والمراتب والفرق بينه وبين الإدغام..الخ
الأول: النون الساكنة في حالة الإخفاء لا تخلو من أن يقع قبلها ضمة نحو ﴿كُنْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣] أو كسرة نحو ﴿مِّنكُمْ﴾ [مريم: ٧١] أو فتحة نحو ﴿عَنكُمْ﴾ [الأنفال: ١١] فليحذر القارىء من إشباع هذه الحركات حتى لا يتولد من الضمة واو ومن الكسرة ياء ومن الفتحة ألف فيصير اللفظ (كونتم ومينكم وعانكم) وكثيراً ما يقع هذا من بعض القراء المتعسفين وهو خطأ قبيح وتحريف صريح وزيادة في كلام الله تعالى.
الثاني: من الخطإ في الإخفاء أيضاً إلصاق اللسان في الثنايا العليا عند إخفاء النون الساكنة والتنوين إذ ينشأ عن ذلك. النطق بالنون ساكنة مُظهرة مصحوبة بغنة. فيخرج القارىء بذلك عن الإخفاء المقصود وما سمي الإخفاء إخفاء إلا لإخفاء النون الساكنة والتنوين عند الحروف الخاصة به. وكيفيته كما صرح به غير واحد من أئمتنا كالحافظ القسطلاني أن يكون هنالك تجاف بين اللسان والثنايا العليا أو بعبارة أخرى أن يجعل القارىء لسانه بعيداً عن مخرج النون قليلاً فيقع الإخفاء الصحيح المقصود ويتأكد ذلك عند الطاء والدال المهملتان والتاء المثناة فوق وكذلك الضاد المعجمة.
الثالث: مما يجب معرفته أن الفرق بين الإدغام والإخفاء هو أن الإدغام يصحبه التشديد وأن الإخفاء غير مصحوب به ويكون عند الحروف لا فيها بخلاف الإدغام فهو في الحروف لا عندها يقال أخفيت النون عند الكاف لا فيها وأدغمتها في الراء لا عندها.
الرابع: إخفاء النون الساكنة والتنوين عند الحروف الخمسة عشر ليس في مرتبة واحدة بل متفاوت في القوة وذلك على قدر قرب حروف الإخفاء من النون
стр. 147
والتنوين وبعدهن عنهما في المخرج فكلما قربا من حروف الإخفاء كان إخفاؤهما عند هذا الحرف أزيد مما بعد عنه. وبذلك يكون الإخفاء على ثلاث مراتب:
أقواها: عند الطاء والدال المهملتين والتاء المثناة فوق أي أن الإخفاء عند هذه الحروف يكون قريباً من الإدغام وذلك لقربهن من النون والتنوين في المخرج.
وأدناها عند القاف والكاف أي أن الإخفاء عند هذين الحرفين يكون قريباً من الإظهار وذلك لبعدهما عن النون والتنوين في المخرج.
وأوسطها عند الحروف العشرة الباقية أي أن الإخفاء عند هذه الحروف يكون متوسطاً فليس قريباً من الإدغام كما في المرتبة الأولى ولا من الإظهار كما في المرتبة الثانية وذلك لتوسطها في القرب والبعد من النون والتنوين في المخرج.
وأما الغنة في الإخفاء في جميع أحواله السابقة فلا تفاوت فيها على التحقيق فهي لا تزيد ولا تنقص عن مقدار حركتين كالمد الطبيعي كما سيوقف على ذلك قريباً.
الخامس: كل ما جاء في هذا الباب من الأحكام الأربعة إن كان في كلمة فالحكم فيه عام في الوصل والوقف وإن كان في كلمتين فالحكم فيه خاص بالوصل فقط هذا بالنسبة للنون، أما بالنسبة للتنوين فالحكم فيه خاص بالوصل لا غير لأنه لا يكون إلا من كلمتين كما هو مقرر. فتأمل.
وقد أشار صاحب التحفة إلى حكم الإخفاء هنا وحروفه الخمسة عشر بقوله ﵀:
والرابعُ الإخفاءُ عند الفاضل ... من الحروفِ واجبٌ للفاضلِ
في خمسة من بعد عشْر رمزُها ... في كلم هذا البيت قد ضمَّنتُها
صِفْ ذا ثناً كم جاد شخصٌ قد سما ... دُمْ طيِّباً زدْ في تقىً ضعْ ظالما اهـ
كما أشار الحافظ الجزري إلى الأحكام الأربعة كلها في المقدمة الجزرية
стр. 148
بقوله ﵁:
فعندَ حرْفِ الحلْق أظهرْ وادَّغمْ ... في اللام والرا لا بغُنَّة لَزمْ
وأدغِمَن بغْنِّة في يُومِنُ ... إلا بكلمةٍ كدُنيا عَنْوَنُوا
والقلبُ عند البا بغُنَّةٍ كذا ... لاخفَا لَدَى باقي الحروف أُخِذَا اهـ
والله تعالى أعلى وأعلم وأعز وأكرم.
стр. 149
الباب السادس / في الغنة وأحكامها وأقوال العلماء في ذلك
تعريف الغنة
ينحصر الكلام في الغنة في سبع مسائل وخاتمة وإليك بيانها:
المسألة الأولى: تعريف الغنة.
اختلف العلماء - رضوان الله عليهم - في تعريف الغنة في اللغة والاصطلاح على أقوال عدة ذكرنا جانباً منها في باب الصفات. ونذكر جانباً آخر هنا فنقول:
الغنة في اللغة: صوت يخرج من الخيشوم لا عمل للسان فيه.
وفي الاصطلاح: صوت أغن مركب في جسم النون ولو تنويناً والميم مطلقاً - أي إن صوت الغنة صفة لازمة للنون والميم سواء كانتا متحركتين أو ساكنتين مظهرتين أو مدغمتين أو مخفاتين على ما سيأتي بيانه:
محلها
المسألة الثانية: في محل الغنة:
أما محلها ففي النون والميم لا في غيرهما من الحروف. والنون أغن من الميم ويلحق بالنون التنوين.
مخرجها
المسألة الثالثة: في مخرج الغنة
أما مخرجها فمن الخيشوم كما تقدم في المخارج وهو خرق الأنف المنجذب إلى داخل الفم. وقيل هو أقصى الأنف - أي إن صوت الغنة بجميع أحواله يخرج من الخيشوم ودليل ذلك أنه أمسك الأنف لانحبس خروجه مطلقاً حتى في حال ضعفه عند تحريك النون والميم مخففتين أو سكونهما مظهرتين كما يشهد بذلك النطق.
مراتبها
المسألة الرابعة: في مراتب الغنة وأقوال العلماء فيها اتفاقاً واختلافاً
أما مراتبها: ففيها خلاف بين العلماء. فقال فريق منهم: إنها ثلاث مراتب:
أولها: المشدد فالمدغم بالغنة الناقص فالمخفي. ولم ينظر هذا الفريق إلى الغنة التي في الساكن المظهر ولا في المتحرك المخفف. وهذا هو ظاهر كلام الإمام الشاطبي ﵁ في الشاطبية.
وقال جمهور العلماء إنها خمس مراتب: الثلاثة المتقدمة. ورابعها الساكن المظهر. وخامسها المتحرك المخفف. وهذا هو المعول عليه والخلاف بين الفريقين لفظي. فمن قال بسقوط الغنة في المرتبتين الأخيرتين أي في الساكن
стр. 150
المظهر والمتحرك المخفف فقد أراد سقوط كمالها وهذا لا ينافي أن أصلها موجود عنده. ومن قال ببقائها فيهما فقد أراد بقاء اصلها فقط لا بقاء كمالها. ونظر إلى كون الغنة صفة لازمة للنون ولو تنويناً والميم مطلقاً كما مر توضيحه.
وإليك توضيح المراتب الخمس وتحديد أماكن كل مرتبة:
المرتبة الأولى: المشدد ويشمل ما كان في كلمة وما كان في كلمتين فالذي في كلمة هو النون والميم المشددتان مطلقاً نحو ﴿إِنَّ المسلمين﴾ [الأحزاب: ٣٥] ﴿إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ﴾ [الأحقاف: ١٥] ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ﴾ [الحجرات: ١٧] ﴿هَمَّتْ بِهِ﴾ [يوسف: ٢٤] ﴿مِّنَ اليم﴾ [طه: ٧٨] ﴿وَعِندَهُ أُمُّ الكتاب﴾ [الرعد: ٣٩] .
والذي في كلمتين يشمل أربعة أنواع وكلها في الإدغام التام:
الأول: الإدغام التام المصحوب بالغنة وهو إدغام النون الساكنة والتنوين في النون والميم نحو ﴿إِن نَّشَأْ﴾ [الشعراء: ٤] ﴿مِّن مَّالِ الله﴾ [النور: ٣٣] .
الثاني: إدغام الميم الساكنة في مثلها نحو ﴿كَم مِّن فِئَةٍ﴾ [البقرة: ٢٤٩] .
الثالث: إدغام المتجانسين الصغير المصحوب بالغنة وهو إدغام الباء الساكنة في الميم في قوله تعالى: ﴿يابني اركب مَّعَنَا﴾ [هود: ٤٢] عند من أدغم ومنهم حفص عاصم من الشاطبية اتفاقاً ونحو ﴿يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ﴾ [آل عمران، الآية ١٢٩] . عند من أدغم.
الرابع: إدغام اللام الشمسية في النون اتفاقاً نحو ﴿إِلَى
стр. 151
النور﴾ [البقرة: ٢٥٧] ﴿عَنِ النعيم﴾ [التكاثر: ٨] ويسمى كل من النون والميم فيما ذكر حرف غنة مشدداً.
ويجب إظهار غنته كما يجب الاحتراز من المد عند الإتيان بالغنة في مثل ﴿إِنَّآ أَعْطَيْنَاكَ الكوثر﴾ [الكوثر: ١] ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ﴾ [الأنفال: ٥٧] وكثيراً ما يتساهل في ذلك من يبالغ في إظهار الغنة فيتولد منها ياء فيصير اللفظ إينّا فإيمّا وهو من الخطأ القبيح والتحريف الصريح. وقد أشار صاحب التحفة إلى هذه المرتبة وحكمها بقوله فيها:
وعُنَّ ميماً ثمَّ نوناً شُدِّدا ... وسمِّ كُلاًّ حرفَ غُنَّة بَدَا
كما أشار إليها الحافظ ابن الجزري في المقدمة الجزرية بقوله:
وأظْهر الغُنَّة من نُون ومِنْ ... ميمٍ إذا ما شُدِّدا ... ... ...
المرتبة الثانية: المدغم والمراد به هنا الإدغام بالغنة الناقص وهو إدغام النون الساكنة والتنوين في الواو والياء وقد تقدم.
المرتبة الثالثة: المخفى ويشمل أنواعاً ثلاثة:
الأول: إخفاء النون الساكنة والتنوين عند حروف الإخفاء الخمسة عشر عند الجمهور وقد تقدم ذلك.
الثاني: إخفاء الميم قبل الباء نحو ﴿فاحكم بَيْنَهُم﴾ [المائدة: ٤٨] .
стр. 152
الثالث: إخفاء الميم المقلوبة من النون الساكنة والتنوين عند ملاقاتهما بالباء مثل ﴿يُنبِتُ﴾ [النحل: ١١] ﴿عَلِيمٌ بِذَاتِ﴾ [هود: ٥] لأن بعد القلب إخفاء للميم المقلوبة ولهذا شمل المخفي القلب.
المرتبة الرابعة: الساكن المظهر ويشمل إظهار النون الساكنة والتنوين عند حروف الحلق. وكذلك الميم الساكنة حال إظهارها إذا لم يأت بعدها باء أو ميم وقد سبقت الإشارة إلى ذلك.
المرتبة الخامسة: المتحرك المخفف ويشمل النون والميم الخفيفتين المتحركتين بأي حركة كانت. وكذلك التنوين المتحركة نحو ﴿يُنَادَوْنَ﴾ [غافر: ١٠] و ﴿نُودِيَ﴾ [القصص: ٣٠] ﴿مِنَ السمآء مَآءً فَأَخْرَجَ﴾ [البقرة: ٢٢] ﴿يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ﴾ [الكهف: ٩٩] ﴿مَحْظُوراً انظر﴾ [الإسراء: ٢٠-٢١] ﴿مُّنِيبٍ ادخلوها﴾ [ق: ٣٣-٣٤] وما إلى ذلك.
مقدارها
المسألة الخامسة: في مقدار الغنة.
أما مقدارها فهو حركتان كالمد الطبيعي أي غنة كاملة من غير تفاوت
стр. 153
في المراتب الثلاث الأولى التي هي المشدد والمدغم بالغنة الناقص والمخفى أما مقدارها في المرتبتين الأخيرتين اللتين هما الساكن المظهر والمتحرك المخفف فالثابت فيهما من الغنة أصلها فقط الذي لا بد منه كما مر.
*تنبيه: يستثنى من وجود أصل الغنة في الساكن المدغم إدغام النون الساكنة والتنوين في اللام والراء من غير غنة لأن في هذه الحالة لا يوجد أصل للغنة بسبب تمام الإدغام إذ أن النون والتنوين يبدلان حينئذ لاماً عند اللام وراء عند الراء وتدغم اللام في اللام والراء في الراء وبذلك قد انعدم كل من النون والتنوين ذاتاً وصفة بخلاف تمام الإدغام في إدغام النون الساكنة والتنوين في النون والميم فإن انعدام النون والتنوين ذاتاً وصفة حينئذ لا يؤثر في حذف الغنة لأن غنة المدغم فيه وهو النون والميم لا تزال باقية كما تقدم من أن الغنة صفة لازمة للنون والميم مطلقاً بخلاف المدغم فيه في النوع الأول فإنه لام وراء والغنة ليست من صفاتهما.
كيفية أدائها
المسألة السادسة: في كيفية أداء الغنة وما يراعى في ذلك:
أما كيفية أدائها فإنها تؤدى غنة سلسة في نطقها وإخراجها من غير تمطيط ولا لوك ومن غير زيادة ولا نقص عن مقدارها المحدد لها والذي أشرنا إله آنفاً. ومن تمام كيفية أدائها اتباعها لما بعدها من الحروف تفخيماً وترقيقاً على العكس من ألف المد التي تتبع ما قبلها في ذلك كما تقدم. وبالاستقراء والتتبع وجدنا أن تفخيم الغنة يكون في المرتبة الثالثة وهي مرتبة المخفي وفي نوع الإخفاء الحقيقي منه وعند خمسة أحرف وهي الصاد والضاد والطاء والظاء والقاف عند كل القراء: فالصاد نحو ﴿وَلَمَن صَبَرَ﴾ [الشورى: ٤٣] . ﴿رِيحاً صَرْصَراً﴾ [القمر: ١٩] والضاد نحو ﴿
стр. 154
لَمَنْ ضَرُّهُ﴾ [الحج: ١٣] ﴿وَكُلاًّ ضَرَبْنَا﴾ [الفرقان: ٣٩] . والطاء نحو ﴿وَإِن طَآئِفَتَانِ﴾ [الحجرات: ٩] ﴿صَعِيداً طَيِّباً﴾ [المائدة: ٦] . والظاء نحو ﴿إِن ظَنَّآ﴾ [البقرة: ٢٣٠] ﴿ظِلاًّ ظَلِيلاً﴾ [النساء: ٥٧] . والقاف نحو ﴿مِن قَبْلِهِمْ﴾ [التوبة: ٧٠] ﴿عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ [النحل: ٧٠] ويزاد على هذه الأحرف الخمسة حرفان هما الغين والخاء المعجمتان في قراءة الإمام أبي جعفر المدني في نحو ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦] ﴿اعبدوا الله مَا لَكُمْ مِّنْ إلاه غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٦٥] ﴿مِّنْ خَيْرٍ﴾ [البقرة: ١٠٥] ﴿إِنَّ الله عَلَيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ٣٤] . ويلاحظ أن التفخيم في الغنة كما ذكرنا خاضع لمراتب التفخيم السابقة بحسب حركة الحرف الواقع بعد الغنة كما يلاحظ مرتبة الكسر في ذلك وخاصة حرف الاستعلاء في نحو ﴿وَإِن قِيلَ﴾ [النور: ٢٨] عند الجميع ونحو ﴿مِّنْ غِلٍّ﴾ [الأعراف: ٤٣] ﴿مِن قَوْمٍ خِيَانَةً﴾ [الأنفال: ٥٨] عند أبي جعفر فإن الغنة هنا تفخم تفخيماً نسبياً خلافاً لصاحب السلسبيل الشافي حيث قال بترقيقها وقد تقدم أن حرف الاستعلاء المكسور لا يرقق بحال بل يفخم تفخيماً نسبيّاً وهو الذي ارتضاه العلامة المتولي وقال به إلى آخر ما ذكرنا هناك.
стр. 155
وقد أشار صاحب لآلىء البيان إلى كيفية أداء الغنة مع حكم ألف المد بقوله:
... ... وتتبع ما قبلها الألِفْ ... والعكس في الغنِّ أُلِفْ
كما أشار صاحب السلسبيل الشافي إلى أداء الغنة بقوله:
وفخِّم الغُنَّة إن تلاها ... حروفُ الاستعلاءِ لا سواها
القول في تثبيت حروف الغنة في مخرجها أو نقلها إلى مخرج غيرها
المسألة السابعة: في القول في تثبيت حروف الغنة في مخرجها أو نقلها إلى مخرج غيرها:
سبق أن ذكرنا في آخر مخارج الحروف بعض ما قاله أئمتنا فيما يخرج من الخيشوم. وما قالوا يخرج من الخيشوم النون والميم الساكنتان حال الإخفاء أو الإدغام بالغنة. وزاد بعضهم على ذلك النون والميم المشددتين. وقالوا إن مخرج كل من النون والميم في هذه الأحوال يتحول من مخرجه الأصلي الذي هو طرف اللسان بالنسبة للنون وبين الشفتين بالنسبة للميم إلى الخيشوم على الصحيح وخص بعضهم النون المخفاة بالتحول من طرف اللسان إلى الخيشوم دون الميم.
وأما خروج النون من طرف اللسان والميم من بين الشفتين ففي حالة إسكانهما مع الإظهار أو تحريكهما.
هذا مضمون قولهم في هذا المقام في كثير من المراجع التي بيدي.
ونقول: إن الحق الذي يجب أن يُتبع في هذه المسألة ويشهد له النطق الصحيح هو أن مخرج كل من النون والميم المشددتين وكذلك النون الساكنة والتنوين في حال إدغامهما في النون وكذلك الميم الساكنة المدغمة في مثلها أو المخفاة لدى الباء سواء كانت أصلية أو مقلوبة من النون الساكنة والتنوين لا يتحول إلى الخيشوم بل يظل ثابتاً في مخرجه الأصلي الذي هو طرف اللسان بالنسبة للنون والتنوين وبين الشفتين بالنسبة للميم. ومن قال بخلاف ذلك فقد نازع في شيء محسوس قد حدده النطق. وأما النون الساكنة والتنوين في حال إدغامهما بالغنة في حروف (ينمو) غير النون كما تقدم فينتقل مخرجهما من طرف اللسان إلى مخرج المدغم فيه نفسه وليس إلى الخيشوم ويؤيد ذلك ما هو مقرر في أن الإدغام في غير المثلين بشرطه يستلزم إبدال المدغم من جنس المدغم فيه وخروج الأول من مخرج الثاني وتصييره حرفاً واحداً مشدداً كما تقدم في تعريف الإدغام. فإذا أدغمنا النون الساكنة والتنوين في الميم نجد أن مخرجهما قد تحول من طرف اللسان إلى مخرج المدغم فيه وهو الميم وإذا أدغمناهما في الواو والياء نجد أن مخرجهما قد تحول من طرف اللسان أيضاً إلى مخرج المدغم فيه (الواو والياء) وهنا نجد أن النون الساكنة والتنوين في حال إدغامهما في الميم والواو كان مخرجهما من الشفتين. وفي حال إدغامهما في الياء كان مخرجهما من وسط اللسان وهذا واضح من النطق بأدنى تأمل.
وأما في حالة إخفائهما الأصلي فلا ينتقلان إلى الخيشوم ولا يستقران في طرف اللسان الذي هو مخرجهما الأصلي بل ينطق بهما قريبين من مخرج الحرف الذي يخفيان عنده من غير أن يبدلا من جنسه كما في الإدغام لأن الإبدال حينئذ يأتي بالتشديد. والإخفاء لا تشديد معه وهذا هو مقتضى عبارة تعريف الإخفاء السابقة التي تقول الإخفاء هو عبارة عن النطق بحرف ساكن خال من التشديد على صفة بين الإظهار والإدغام مع بقاء الغنة في الحرف الأول. والمراد به هنا النون الساكنة والتنوين. فوجود الغنة في الحرف الأول مع النطق به ساكناً غير مشدد بين صفتي الإظهار والإدغام يتطلب نقل النون الساكنة والتنوين من طرف
стр. 156
اللسان إلى قرب مخرج الحرف الذي يخفيان عنده كما قدمنا: ويشهد بذلك النطق السليم في أداء الإخفاء على ما بيناه آنفاً: فمثلاً إذا أخفينا النون الساكنة عند القاف في نحو ﴿يُنقَذُونَ﴾ [يس: ٤٣] نجد أنها لم تستقر في طرف اللسان ولم تتحول إلى الخيشوم ولكنها قريبة من مخرج القاف الذي هو من أقصى اللسان. وكذلك إذا أخفيناها عند الشين المعجمة في نحو ﴿مَنْشُوراً﴾ [الإسراء: ١٣] وعند الفاء في نحو ﴿لاَ يَنفَعُ﴾ [الشعراء: ٨٨] وجدناها لم تستقر في مخرجها ولم تتحول إلى الخيشوم ولكنها قريبة من مخرج
стр. 157
الشين الذي هو من وسط اللسان وقريبة من مخرج الفاء الذي هو من باطن الشفة السلفى. وكذلك إذا أخفيناها عند الصاد في نحو ﴿وَلاَ هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [البقرة: ٤٨] أوعند الذال المعجمة في نحو ﴿مِّن ذَكَرٍ﴾ [آل عمران: ١٩٥] أو عند التاء المثناة فوق في نحو ﴿إِن تَتُوبَآ﴾ [التحريم: ٤] أو عند الغين المعجمة في نحو ﴿مِّنْ غِلٍّ﴾ [الحجر: ٤٧] في قراءة الإمام أبي جعفر إلى آخر حروف الإخفاء وجدناها غير مستقرة طرف اللسان وغير محولة إلى الخيشوم ولكنها قريبة من مخرج الحروف المخفاة عندها وهذا واضح من النطق أيضاً. ومثل النونِ التنوينُ في كل ما ذكر. ومن ثمَّ يتضح لنا جليّاً أنه لا يخرج من الخيشوم إلا صوت الغنة فقط دون حروفها في كل ما تقدم سواء كانت الغنة للإخفاء أو للإدغام وهذا هو ظاهر كلام الحافظ ابن الجزري في الطيبة والمقدمة الجزرية حيث يقول فيهما: "وغنة مخرجها الخيشوم" وومن صرح من المتقدمين زمناً على الحافظ ابن الجزري بخروج صوت الغنة من الخيشوم فقط دون حروفها الإمام أبو الحسن بن بري حيث يقول في الدرر اللوامع:
والغُنَّة الصوت الذي في الميمِ ... والنُّون يخرُجُ من الخيْشُومِ اهـ
ويؤيد ذلك أيضاً قولهم في تعريف الغنة السابق إنها صوت يخرج من الخيشوم لا عمل للسان فيه ويؤخذ من هذا القول أمران:
الأول: أن الذي يخرج من الخيشوم هو صوت الغنة فقط لا حروفها.
الثاني: أن الغنة ليست حرفاً كما في إطلاق بعضهم أو تخصيصه لأن الحروف يعمل فيها اللسان لإخراجها والغنة ليست كذلك بل هي صفة تابعة لموصوفها اللساني أو الشفوي أي النون والميم: الأمر الذي أوجب إلحاقها
стр. 158
بالصفات اللازمة المشهورة التي لا ضد لها كما تقدم فهي لا تقل أهمية عن القلقلة وقد عدها من الصفات جمع من العلماء كالإمام ابن بري وغيره ولا يعكر علينا ذكرها مع المخارج فلكل وِجْهةٌ. فمن ذكرها في المخارج نظر إلى أن لها مخرجاً وهو الخيشوم فذكرها معه وعدها من الحروف تغليباً للحروف عليها. ومن ذكرها في الصفات نظر إلى أنها صفة اختصت بمخرج دون سائر الصفات فعدها منها تبعاً لها. ولأهمية هذا الباب نلخص ما جاء فيه ليكون أقرب للحصر والفهم فنقول وبالله التوفيق:
стр. 159
الخاتمة في ملخص الباب
الخاتمة نسأل الله تعالى حسنها في ملخص باب الغنة
أولاً: لا يخرج من الخيشوم إلا صوت الغنة دون حروفها.
ثانياً: محل هذا الصوت النون ولو تنويناً والميم مطلقاً.
ثالثاً: مراتب الغنة خمس. المشدد فالمدغم بالغنة الناقص فالمخفي فالساكن المظهر فالمتحرك المخفف، وقيل إنها ثلاث بحذف الساكن المظهر والمتحرك المخفف، والأول هو الأشهر والمعول عليه والخلاف بين الفريقين لفظي كما مر.
رابعاً: مقدار الغنة: حركتان أي غنة كاملة في المراتب الثلاث الأولى وأما في المرتبتين الأخيرتين فالثابت فيهما من الغنة أصلها فقط الذي لابد منه.
خامساً: لا يوجد أصل للغنة في حال إدغام النون الساكنة والتنوين في اللام والراء بغير غنة وكذلك في الواو والياء في رواية خلف عن حمزة.
سادساً: مخرج كل من النون والميم المشددتين والنون الساكنة والتنوين في حال إدغامهما في النون وكذلك الميم الساكنة المدغمة في مثلها أو المخفاة لدى الباء حتى في حالة القلب لا يتحول إلى الخيشوم بل هو ثابت في مخرجه الأصلي وهو طرف اللسان بالنسبة للنون والتنوين وبين الشفتين بالنسبة للميم.
سابعاً: في حالة إدغام النون الساكنة والتنوين في الميم وكذلك في الواو والياء يتحول مخرجهما من طرف اللسان إلى مخرج كل من الميم والواو والياء وليس إلى الخيشوم.
ثامناً: في حالة إخفاء النون الساكنة والتنوين يتحول مخرجهما من طرف اللسان إلى قرب مخرج الحرف الذي يخفيان عنده وليس إلى الخيشوم.
تاسعاً: الحق أن الغنة صفة تابعة لموصوفها اللساني أو الشفوي وليست حرفاً.
стр. 160
عاشراً: كيفية أداء الغنة أنها تتبع ما بعدها من الحروف تفخيماً وترقيقاً وتخضع في ذلك لمراتب التفخيم الخمس بالتفصيل المتقدم وتفخم تفخيماً نسبيّاً فما إذا كان حرف الاستعلاء بعدها مكسوراً على الأصح بل هو الصواب.
وإلى هنا انتهى كلامنا في توضيح هذا المقام فاحرص عليه وتأمله جيداً فقد لا تجده مجموعاً في غيره. وبالله الهداية والتوفيق إلى أقوم طريق.
стр. 161
الباب السابع / في أحكام الميم الساكنة
تعريف الميم الساكنة وإخراج محترزات القيود وأقسامها
الميم الساكنة هي التي سكونها ثابت في الوصل والوقف نحو ﴿الحمد للَّهِ رَبِّ العالمين﴾ [الفاتحة: ٢] ﴿فَسُبْحَانَ الله حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: ١٧] .
فقولنا: الميم الساكنة خرج به الميم المتحركة مطلقاً نحو ﴿مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ [القلم: ٢] وكذلك الميم المشددة نحو ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي﴾ [المؤمنون: ١٣] ﴿فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف: ١٤٢] وقد تقدم الكلام عليها قريباً.
وقولنا: "التي سكونها ثابت" خرج به ما كان ثابتاً وزال للتخلص من التقاء الساكنين نحو ﴿قُمِ الليل﴾ [المزمل: ٢] ﴿أَمِ ارتابوا﴾ [النور: ٥٠] .
وقولنا "في الوصل والوقف" خرج به السكون العارض كسكون الميم المتطرفة في الوقف كما لو وقف على نحو ﴿حَكِيمٌ عَليمٌ﴾ [الأنعام: ١٢٨] .
هذا وتقع الميم الساكنة المقصودة في هذا الباب متوسطة ومتطرفة وتكون في الاسم نحو ﴿لَهُ الحمد فِي الأولى والآخرة﴾ وفي الفعل نحو ﴿قُمْتُمْ﴾ [المائدة: ٦]
стр. 162
و ﴿وَيَمْكُرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٠] ﴿قُمْ فَأَنذِرْ﴾ [المدثر: ٢] وفي الحرف نحو ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ﴾ [النجم: ٣٦] .
وتكون للجمع نحو ﴿وَلَهُمْ فِيهَآ أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥] ﴿وَلَكُمْ مَّا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ١٣٤، ١٤١] .
стр. 163
ولغير الجمع كما مثلنا سابقاً. ويصح وقوعها ساكنة قبل الحروف الهجائية عموماً إلا الألف اللينة - ألف المد - فلا يتأتى سكون الميم قبلها بحال لأن ما قبلها لا يكون إلا مفتوحاً دائماً كما هو مقرر في محله.
وهذا ما أشار إليه العلامة الجمزوري في تحفته بقوله فيها:
والميمُ إنْ تَسْكُنْ تجي قَبْلَ الهِجَا ... لا ألِفَ ليِّنَةٍ لِذِي الحِجَا اهـ
وللميم الساكنة في الحالين على ما ذكرنا أحكام ثلاثة وهي: الإخفاء
стр. 164
الشفوي، والإدغام الصغير، والإظهار الشفوي وقد تقدم معنى كل في اللغة والاصطلاح.
وقد أشار إليها العلامة الجمزوري في تحفته بقوله فيها:
أحكامُها ثلاثة لمَنْ ضَبْطْ ... إخفاءُ ادْغامٌ وإظهارٌ فقط أهـ
ولكل من الأحكام الثلاثة هذه كلام خاص نوضحه فيمايلي:
стр. 165
الكلام على الحكم الأول: الإخفاء الشفوي وأقوال أهل العلم فيه
الإخفاء الشفوي له حرف واحد وهو الباء فإذا وقع بعد الميم الساكنة ولا يكون ذلك إلا من كلمتين جاز إخفاؤها عنده مع الغنة ويسمى إخفاء شفويّاً نحو ﴿أَم بِظَاهِرٍ﴾ [الرعد: ٣٣] ﴿فاحكم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ الله﴾ [المائدة: ٤٨] ﴿يَوْمَ هُم بَارِزُونَ﴾ [غافر: ١٦] .
والإخفاء مع الغنة هو المختار وعليه أهل الأداء بمصر والشام والأندلس وغيرها واختاره أكثر المحققين كالحافظ أبي عمرو الداني وابن الجزري وابن مجاهد وغيرهم.
стр. 166
وقد أشار صاحب التحفة إلى الإخفاء الشفوي مقتصراً عليه بقوله فيها:
فالأولُ الإخفاءُ عند الباءِ ... وسمِّهِ الشَّفويَّ للقُرَّاءِ اهـ
كما أشار إليه أيضاً الحافظ ابن الجزري في المقدمة الجزرية مختاراً له بقوله فيها:
... ... ... ... ... ... ... ... وأخْفَيَن
الميمَ إنْ تسكُنْ بغُنَّة لدَى ... باءٍ على المُخْتار مِنْ أهْلِ الأدَا اهـ
وسمي إخفاء لإخفاء الميم الساكنة لدى الباء: وشفويّاً لخروج الميم والباء من الشفتين: ووجهه التجانس في المخرج وفي أكثر الصفات.
стр. 167
الكلام على الحكم الثاني: الإدغام الصغير ووجهه وضابطه
الإدغام الصغير له حرف واحد وهو "الميم" فإذا وقع بعد الميم الساكنة سواء كان معها في كلمة أم كان في كلمتين وجب إدغام الميم الساكنة في الميم المتحركة ويسمى إدغام مثلين صغيراً مع الغنة.
فالذي من كلمة نحو ﴿الم﴾ [البقرة: ١] ﴿المص﴾ [الأعراف: ١] ﴿المر تِلْكَ آيَاتُ الكتاب والذي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الحق ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ [الرعد: ١] .
والذي من كلمتين نحو ﴿كَم مِّن فِئَةٍ﴾ [البقرة: ٢٤٩] ﴿وَلَكُمْ مَّا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ١٣٤، ١٤١] ﴿أَم مَّنْ خَلَقْنَآ﴾ [الصافات: ١١] ومنه إدغام النون الساكنة والتنوين في الميم نحو ﴿مِّن مَّالِ الله﴾ [النور: ٣٣] ﴿كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩] وذلك لقلب المدغم من جنس المدغم فيه وكذلك يطلق علىكل ميم مشددة قال في النشر: "ويطلق ذلك في كل ميم مشددة نحو ﴿دَمَّرَ﴾ [القتال: ١٠] و ﴿يُعَمَّرُ﴾ [فاطر: ١١] و ﴿حَمَّالَةَ﴾ [المسد: ٤] و ﴿هَمَّ﴾ [يوسف: ٢٤] ﴿أَم مَّنْ أَسَّسَ﴾ [التوبة: ١٠٩] أهـ.
стр. 168
وبهذا: قد انتفى ما قاله بعض المحدثين من أن الإدغام الصغير هنا لا يكون إلا في كلمتين فقد اتضح مما تقدم أنه يكون في كلمة أيضاً.
وسمي إدغاماً لإدغام الميم الساكنة في المتحركة. وسمي بالمثلين لكون المدغم والمدغم فيه مؤلفان من حرفين اتحدا مخرجاً وصفة أو اتحدا اسماً ورسماً كما سيأتي. وسمي صغيراً لكون الأول من المثلين ساكناً والثاني متحركاً أو لقلة عمل المدغم وقيل غير ذلك. وسمي بالغنة لكون الغنة مصاحبة له وهي هنا غنة المدغم بالإجماع. ووجهه التماثل.
وقد أشار صاحب التحفة إلى حكم الإدغام الصغير بقوله فيها:
والثَّان إدْغام بمثْلِهَا أتى ... وسَمِّ إدْغَاماً صَغيراً يَا فتى
وكذلك ينطوي دليل هذا الإدغام أيضاً تحت قول الحافظ ابن الجزري في المقدمة الجزرية الآتي بعد:
وأوَّلىْ مِثْلٍ وجنْس إن سَكَنْ ... أَدْغِم ... ... ... إلخ
وهو هنا من باب إدغام المثلين.
стр. 169
الكلام على الحكم الثالث: الإظهار الشفوي ووجهه وضابطه
وحروف الإظهار الشفوي ستة وعشرون حرفاً وهي الباقية من الحروف الهجائية بعد إسقاط حرف الباء الذي تقدم ذكره في الإخفاء الشفوي وحرف الميم الذي تقدم ذكره في الإدغام الصغير. فإذا وقع حرف من هذه الأحرف بعد الميم الساكنة سواء كان معها في كلمة واحدة أو في كلمتين وجب إظهارها ويسمى إظهاراً شفويّاً.
فالذي من كلمة نحو ﴿الحمد للَّهِ﴾ [الفاتحة: ١] ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧] ﴿وَيُمْسِكُ السمآء﴾ [الحج: ٦٥] ﴿قُمْتُمْ إِلَى الصلاة﴾ [المائدة: ٦] ﴿الر﴾ [يونس: ١] والميم الثانية من نحو ﴿المر﴾ [الرعد: ١] ﴿المص﴾ [الأعراف: ١] .
والذي من كلمتين نحو ﴿ذلكم أزكى لَكُمْ وَأَطْهَرُ﴾ [البقرة: ٢٣٢] ﴿أَمْ زَاغَتْ﴾ [ص: ٦٣] ﴿أَلَمْ يَرَوْاْ﴾ [النحل: ٧٩] وما إلى ذلك.
وسمي إظهاراً لإظهار الميم الساكنة عند ملاقاتها بحرف من حروف الإظهار
стр. 170
الستة والعشرين.
وسمي شفويّاً لخروج الميم الساكنة المظهرة من الشفتين.
ووجهه التباعد أي بعد مخرج الميم عن أكثر مخارج حروف الإظهار.
ثم إن إظهار الميم الساكنة يكون عند الفاء والواو آكد خوفاً من أن يسبق اللسان إلى إخفائها عند هذين الحرفين لقربها من الفاء من المخرج واتحادها مع الواو فيه وذلك كقوله تعالى: ﴿الله يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة: ١٥] وإظهار هذه الميم في هذه الحالة يسمى إظهاراً شفويّاً أشد إظهار.
وقد أشار العلامة الجمزوري إلى الإظهار الشفوي مع التحذير من إخفاء الميم لدى الواو والفاء في تحفته بقوله فيها:
والثَّالثُ الإظْهارُ في البَقِيَّهْ ... من أحْرُف وسَمِّها شَفَويَّهْ
واحْذَرْ لدى واو وفَا أنْ تَخْتفي ... لقُرْبها والاتِّحادِ فاعْرفِ اهـ
كما أشار إليه أيضاً الحافظ ابن الجزري في المقدمة الجزرية بقوله فيها:
وأظْهرْنهَا عنْدَ باقِي الأحْرُفِ ... واحْذَرْ لدى وواو وفَا أنْ تَخْتَفي اهـ
والله تعالى أعلى وأعلم.
стр. 171
الباب الثامن / في اللامات الساكنة وأحكامها
التمهيد للدخول إلى الباب
اللامات الساكنة في القرآن الكريم على خمسة أقسام:
الأول: لام التعريف "لام أل".
الثاني: لام الفعل.
الثالث: لام الأمر.
الرابع: لام الاسم.
الخامس: لام الحرف. ولكل قسم فصل خاص نذكره فيما يلي:
стр. 172
الفصل الأول / في لام التعريف وأحكامها
وهي المعروفة في علم التجويد (بلام أل) وكلامنا فيها هنا على ناحيتين:
الأولى: تعريفها.
والثانية: حالتها بالنسبة لما يقع بعدها من الحروف الهجائية.
أما تعريفها: فهي لام ساكنة زائدة عن بنية الكلمة مسبوقة بهمزة وصل مفتوحة عند البدء وبعدها اسم سواء صح تجريدها عن هذا الاسم كـ ﴿الشمس والقمر﴾ [الرحمن: ٥] أم يصح كـ ﴿التي﴾ [البقرة: ٢٤] و ﴿الذى﴾ [الناس: ٥] .
فقولنا: "لام ساكنة زائدة عن بنية الكلمة.. إلخ" خرج به اللام الساكنة الأصلية التي من بنية الكلمة المسبوقة بهمزة قطع مفتوحة وصلاً وبدءاً وليس بعدها اسم مستقل ليصح تجريدها عنه سواء كانت في اسم نحو ﴿أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ﴾ [الروم: ٢٢] و ﴿أَلْفَافاً﴾ [النبأ: ١٦] أو في فعل نحو ﴿أَلْهَاكُمُ﴾ [التكاثر: ١] ﴿وَأَلْزَمَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٦] ﴿فَأَلْهَمَهَا﴾ [الشمس: ٨] وما إلى ذلك: وتسمى الأولى لام اسم والثانية لام
стр. 173
فعل وسيأتي بسط الكلام عليهما قريباً.
هذا: ولام التعريف المقصودة الصادق عليها هذه التعريف تقع قبل الحروف الهجائية عموماً إلا حروف المد الثلاثة فلا تقع اللام قبلها بحال إذ فيه الجمع بين الساكنين على غير حده.
أما حالتها بالنسبة لما يقع بعدها من الحروف الهجائية فاثنتان:
الأولى: أن تكون مظهرة.
الثانية: أن تكون مدغمة.
ولكل من الحالتين تفصيل خاص نوضحه فيما يلي:
أما حالة الإظهار: فعند أربعة عشر حرفاً مجموعة في قول صاحب التحفة "إبغ حجك وخف عقيمه" وهي الهمزة والباء والغين والحاء والجيم والكاف والواو والخاء والفاء والعين والقاف والياء والميم والهاء.
فإذا وقع حرف من هذه الأحرف بعد لام التعريف وجب إظهارها ويسمى إظهاراً قمريّاً وتسمى اللام حينئذ لاماً قمرية لظهورها عند النطق بها في لفظ ﴿القمر﴾ [القمر: ١] ثم غلبت هذه التسمية على كل اسم يماثله في ظهورها فيه: وإليك الأمثلة على ترتيب هذه الحروف:
فالهمزة نحو ﴿الأول والآخر﴾ [الحديد: ٣] والباء نحو ﴿البارىء﴾ [الحشر: ٢٤] . والغين نحو ﴿الغفار﴾ [غافر: ٤٢] والحاء نحو ﴿هُوَ الحي﴾ [غافر: ٦٥] والجيم نحو ﴿الجبار﴾ [الحشر: ٢٣] والكاف نحو ﴿الكبير﴾ [الرعد: ٩] والواو نحو ﴿الودود﴾ [البروج: ١٤] والخاء نحو ﴿الخالق﴾ [الحشر: ٢٤] والفاء نحو ﴿
стр. 174
الفتاح﴾ [سبأ: ٢٦] والعين نحو ﴿العليم﴾ [سبأ: ٢٦] والقاف نحو ﴿القهار﴾ [الزمر: ٤] والياء نحو ﴿اليقين﴾ [التكاثر: ٧] والميم نحو ﴿الملك﴾ [الحشر: ٢٣] والهاء نحو ﴿عَنِ الهوى﴾ [النازعات: ٤٠] وسمي إظهاراً لظهور لام التعريف عند هذه الأحرف.
ووجهه التباعد أي بُعد مخرج اللام عن مخرج هذه الحروف.
وقد أشار صاحب التحفة إلى الحالتين معاً والتنبيه على أولاهما بقوله فيها:
لِلاَمِ ألْ حَالاَن قبْلَ الأحْرُفِ ... أولاهُمَا إظهارها فليعرَفِ
قبل ارْبَعٍ مَعْ عَشْرَة خُذْ عِلْمَهْ ... مِنْ إبْغِ حَجَّك وَخَفْ عَقِيمَهُ
وأما حالة الإدغام: فعند أربعة عشرة حرفاً وهي الباقية من حروف الهجاء بعد حروف الإظهار السابقة. وقد رمز إليها صاحب التحفة في أوائل هذا البيت:
طبْ ثُم صِلْ رَحْماً تَفُزْ ضِفْ ذَا نِعَمْ ... دَعْ سُوءَ ظَنٍّ زُرْ شَرِيفاً لِلْكَرَم
وهي: الطاء والثاء والمثلثة والصاد والراء والتاء المثناة فوق والضاد والذال والنون والدال والسين والظاء والزاي والشين واللام فإذا وقع حرف من هذه الأحرف بعد لام التعريف وجب إدغامها ويسمى إدغاماً شميسّاً وتسمى اللام حينئذ لاماً شمسية لعدم ظهورها عند النطق بها في لفظ ﴿الشمس﴾ [لرحمن: ٥] ثم غلبت هذه التسمية على كل اسم يماثله في إدغامها فيه.
وإليك الأمثلة على ترتيب هذه الأحرف:
فالطاء نحو ﴿مِنَ الطيبات﴾ [المؤمنون: ٥١] والثاء المثلثة نحو ﴿الثواب﴾ [آل عمران: ١٩٥] والصاد نحو ﴿
стр. 175
يُوَفَّى الصابرون﴾ [الزمر: ١٠] والراء نحو ﴿الرحمان الرحيم﴾ [البقرة: ١٦٣] والتاء المثناة فوق نحو ﴿التَّوَّابُ﴾ [البقرة: ١٦٠] والضاد نحو ﴿وَلاَ الضآلين﴾ [الفاتحة: ٧] والذال المعجمة نحو ﴿والذاكرين الله كَثِيراً والذاكرات﴾ [الأحزاب: ٣٥] والنون نحو ﴿إِلَى النور﴾ [البقرة: ٢٥٧] والدال المهملة نحو ﴿دَعْوَةَ الداع﴾ [البقرة: ١٨٦] والسين نحو ﴿السميع﴾ [البقرة: ١٢٧] والظاء المشالة نحو ﴿الظالمين﴾ [البقرة: ١٤٥] والزاي ﴿يُنبِتُ لَكُمْ بِهِ الزرع والزيتون﴾ [النحل: ١١] والشين نحو ﴿وَسَيَجْزِي الله الشاكرين﴾ [آل عمران: ١٤٤] واللام نحو ﴿وَهُوَ اللطيف الخبير﴾ [الأنعام: ١٠٣] .
وسمي إدغاماً لإدغام لام التعريف في هذه الحروف. ووجهه التماثل بالنسبة للام في نحو ﴿اللطيف﴾ [الملك: ١٤] والتجانس بالنسبة للنون والراء في نحو ﴿مِّنَ النور﴾ [البقرة: ٢٥٧] ، ﴿مِّنَ الرحمان الرحيم﴾ [فصلت: ٢] على مذهب الفراء وموافقيه وأما على مذهب الجمهور فللتقارب وكذلك في أكثر الحروف الباقية في غير ما تقدم.
وقد أشار صاحب التحفة إلى حالة الإدغام وتسمية اللام فيها بالشمسية وتسميتها في حالة الإظهار الأولى بالقمرية بقوله فيها:
ثانيهما إدغامها في أَرْبعِ ... وعَشْرَة أيضاً ورمزها فَعِ
стр. 176
طِبْ ثُمَّ صِلْ رَحْماً تَفُزْ ضِفْ ذَا نِعَمْ ... دَعْ سُوءَ ظَنِّ زُرْ شَريفاً لِلْكَرمْ
واللامَ الأولى سَمِّهَا قَمَريَّهْ ... واللامَ الأُخْرى سَمِّها شَمْسِيَّهْ
تنبيه: من لامات التعريف الشمسية اللام من لفظ الجلالة "الله" وهي في هذا الاسم من النوع الذي لا يمكن فيه تجريدها عما بعدها كاللام في نحو ﴿الذي﴾ [يس: ٨٠] . ثم إن للفظ الجلالة تصريفاً خاصّاً حاصله أن الأصل فيه "إله" فأسقطت منه الهمزة وأدخلت عليه لام التعريف فالتقت باللام بعدها ثم أدغمت اللام الأولى في الثانية للتماثل كما أدغمت في نحو الليل فصار اللفظ الكريم "الله".
وقد أشار بعضهم إلى هذا التصريف بقوله:
والاسْمُ ذو التقديس وهو الله ... على الأَصح أَصْلُهُ إل
١٦٤٨;هُ
أُسقِطَ منه الهمز ثمَّ أُبْدِلا ... بال لِتَعْريفٍ لذاكَ جُعِلاَ اهـ
وفي الاسم الكريم كلام كثير من جهة التصريف. ومن أراد الوقوف عليه فليراجع كتب الصرف ففيها ما يكفي الباحث وما ذكرناه هنا هو الملائم للمبتدئين والله الموفق.
стр. 177
الفصل الثاني / في لام الفعل وحكمها
وسميت بلام الفعل لوجودها فيه وهي من أصوله وتكون مظهرة ومدغمة كما سيأتي توضيحه: وتوجد في الأفعال الثلاثة. الماضي والمضارع والأمر متوسطة ومتطرفة في بعضها.
ففي الماضي: نحو ﴿أَلْهَاكُمُ﴾ [التكاثر: ١] ﴿فَالْتَقَى﴾ [القمر: ١٢] ﴿وَأَنزَلْنَا﴾ [النبأ: ١٤] ﴿وَأَرْسَلْنَا﴾ [الأنعام: ٦] .
وفي المضارع: نحو ﴿يَلْتَقِطْهُ﴾ [يوسف: ١٠] ﴿أَلَمْ أَقُلْ﴾ [الكهف: ٧٢، ٧٥] . ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى الله فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣] .
وفي الأمر: نحو ﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ﴾ [النمل: ١٠] . ﴿قُلْ تَعَالَوْاْ﴾ [الأنعام: ١٥١] ﴿فاجعل أَفْئِدَةً﴾ [إبراهيم: ٣٧] . والحكم في هذه اللامات الإظهار وجوباً عند الجميع إلا إذا وقع بعدها لام أو راء فتدغم اتفاقاً نحو ﴿قُل لَّكُم﴾ [سبأ: ٣٠] . ﴿قُل رَّبِّي﴾ [الكهف: ٢٢] .
стр. 178
ووجه الإدغام هنا التماثل بالنسبة للام والتقارب بالنسبة للراء على مذهب الجمهور. والتجانس على مذهب الفراء وموافقيه.
وقد أشار صاحب التحفة إلى حكم الإظهار في لام الفعل بقوله فيها:
وأظهِرَنَّ لامَ فعْلٍ مُطلَقَا ... في نحْوِ قُلْ نعَمْ وقُلْنَ والْتَقَى اهـ
تنبيه: علم مما تقدم أن لام الفعل أدغمت في الراء في نحو ﴿قُل ربي﴾ [القصص: ٨٥] . وقد وجه بأنه إما للتقارب وإما للتجانس. ولم تدغم في النون في نحو ﴿قُلْ نَعَمْ﴾ [الصافات: ١٨] والعلة واحدة وهي التقارب أو التجانس. والمانع من الإدغام هنا أن النون لا يجوز إدغامها في حرف أدغمت هي فيه. والنون أحد حروف "يرملون" التي تدغم فيها النون الساكنة فلو أدغمت اللام في النون في نحو ﴿قُلْ نَعَمْ﴾ [الصافات: ١٨] لزالت الألفة بين النون وأخواتها من حروف الإدغام وقيل غير ذلك في علة عدم الإدغام في مثل هذا.
وأما إدغام لام التعريف في النون في نحو ﴿إِلَى النور﴾ [البقرة: ٢٥٧] ﴿والنجم﴾ [النجم: ١] فلكثرة دورانها في التنزيل بخلاف لام الفعل فإنها قليلة الدوران فيه.
قال العلامة الميهي في شرح التحفة: وأما إدغام الكسائي اللام في نحو ﴿هَلْ نُنَبِّئُكُم﴾ [الكهف: ١٠٣] ﴿بَلْ نَتَّبِعُ﴾ [البقرة: ١٧٠] فمن تفرُّدِه أهـ بلفظه.
стр. 179
الفصل الثالث / في لام الامر وحكمها
وهي زائدة عن بنية الكلمة ويقع بعدها الفعل المضارع مباشرة وتأتي عقب الفاء أو الواو أو ثم العاطفة نحو ﴿فَلْيَكْتُبْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] ﴿فَلْيَنظُرِ الإنسان﴾ [عبس: ٢٤] [والطارق: ٥] ، ﴿وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] ، ﴿وَلْيَعْفُواْ﴾ [النور: ٢٢] ، ﴿وليصفحوا﴾ [النور: ٢٢] ، ﴿ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾ [الحج: ١٥] ، ﴿فَلْيَنْظُرْ﴾ [الحج: ٢٩] ، ﴿ثُمَّ لْيَقْضُواْ﴾ [الحج: ٨٩] . وحكمها الإظهار وجوباً وليعتن بإظهارها إذا جاورت التاء نحو ﴿فَلْتَقُمْ﴾ [النساء: ١٠٢] ﴿وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ﴾ [النساء: ١٠٢] خوفاً من أن يسبق اللسان إلى إدغامها ولا يقاس عليها إدغام لام التعريف في نحو ﴿إِنَّ الله يُحِبُّ التوابين﴾ [البقرة: ٢٢٢] لأنها "أي لام التعريف" كثيرة الدوران في القرآن الكريم بخلاف لام الأمر فإنها قليلته.
стр. 180
الفصل الرابع / في لام الاسم وحكمها
وسميت بذلك لوجودها فيه وهي من أصوله نحو ﴿أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ﴾ [الروم: ٢٢] و ﴿أَلْفَافاً﴾ [النبأ: ١٦] و ﴿سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: ٤٢] ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧] و ﴿مَلْجَأَ﴾ [التوبة: ١١٨] . وحكمها الإظهار وجوباً بالاتفاق.
следующие страницы →