Полный текст (749 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
طِبْ ثُمَّ صِلْ رَحْماً تَفُزْ ضِفْ ذَا نِعَمْ ... دَعْ سُوءَ ظَنِّ زُرْ شَريفاً لِلْكَرمْ
واللامَ الأولى سَمِّهَا قَمَريَّهْ ... واللامَ الأُخْرى سَمِّها شَمْسِيَّهْ
تنبيه: من لامات التعريف الشمسية اللام من لفظ الجلالة "الله" وهي في هذا الاسم من النوع الذي لا يمكن فيه تجريدها عما بعدها كاللام في نحو ﴿الذي﴾ [يس: ٨٠] . ثم إن للفظ الجلالة تصريفاً خاصّاً حاصله أن الأصل فيه "إله" فأسقطت منه الهمزة وأدخلت عليه لام التعريف فالتقت باللام بعدها ثم أدغمت اللام الأولى في الثانية للتماثل كما أدغمت في نحو الليل فصار اللفظ الكريم "الله".
وقد أشار بعضهم إلى هذا التصريف بقوله:
والاسْمُ ذو التقديس وهو الله ... على الأَصح أَصْلُهُ إل
١٦٤٨;هُ
أُسقِطَ منه الهمز ثمَّ أُبْدِلا ... بال لِتَعْريفٍ لذاكَ جُعِلاَ اهـ
وفي الاسم الكريم كلام كثير من جهة التصريف. ومن أراد الوقوف عليه فليراجع كتب الصرف ففيها ما يكفي الباحث وما ذكرناه هنا هو الملائم للمبتدئين والله الموفق.
стр. 177
الفصل الثاني / في لام الفعل وحكمها
وسميت بلام الفعل لوجودها فيه وهي من أصوله وتكون مظهرة ومدغمة كما سيأتي توضيحه: وتوجد في الأفعال الثلاثة. الماضي والمضارع والأمر متوسطة ومتطرفة في بعضها.
ففي الماضي: نحو ﴿أَلْهَاكُمُ﴾ [التكاثر: ١] ﴿فَالْتَقَى﴾ [القمر: ١٢] ﴿وَأَنزَلْنَا﴾ [النبأ: ١٤] ﴿وَأَرْسَلْنَا﴾ [الأنعام: ٦] .
وفي المضارع: نحو ﴿يَلْتَقِطْهُ﴾ [يوسف: ١٠] ﴿أَلَمْ أَقُلْ﴾ [الكهف: ٧٢، ٧٥] . ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى الله فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣] .
وفي الأمر: نحو ﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ﴾ [النمل: ١٠] . ﴿قُلْ تَعَالَوْاْ﴾ [الأنعام: ١٥١] ﴿فاجعل أَفْئِدَةً﴾ [إبراهيم: ٣٧] . والحكم في هذه اللامات الإظهار وجوباً عند الجميع إلا إذا وقع بعدها لام أو راء فتدغم اتفاقاً نحو ﴿قُل لَّكُم﴾ [سبأ: ٣٠] . ﴿قُل رَّبِّي﴾ [الكهف: ٢٢] .
стр. 178
ووجه الإدغام هنا التماثل بالنسبة للام والتقارب بالنسبة للراء على مذهب الجمهور. والتجانس على مذهب الفراء وموافقيه.
وقد أشار صاحب التحفة إلى حكم الإظهار في لام الفعل بقوله فيها:
وأظهِرَنَّ لامَ فعْلٍ مُطلَقَا ... في نحْوِ قُلْ نعَمْ وقُلْنَ والْتَقَى اهـ
تنبيه: علم مما تقدم أن لام الفعل أدغمت في الراء في نحو ﴿قُل ربي﴾ [القصص: ٨٥] . وقد وجه بأنه إما للتقارب وإما للتجانس. ولم تدغم في النون في نحو ﴿قُلْ نَعَمْ﴾ [الصافات: ١٨] والعلة واحدة وهي التقارب أو التجانس. والمانع من الإدغام هنا أن النون لا يجوز إدغامها في حرف أدغمت هي فيه. والنون أحد حروف "يرملون" التي تدغم فيها النون الساكنة فلو أدغمت اللام في النون في نحو ﴿قُلْ نَعَمْ﴾ [الصافات: ١٨] لزالت الألفة بين النون وأخواتها من حروف الإدغام وقيل غير ذلك في علة عدم الإدغام في مثل هذا.
وأما إدغام لام التعريف في النون في نحو ﴿إِلَى النور﴾ [البقرة: ٢٥٧] ﴿والنجم﴾ [النجم: ١] فلكثرة دورانها في التنزيل بخلاف لام الفعل فإنها قليلة الدوران فيه.
قال العلامة الميهي في شرح التحفة: وأما إدغام الكسائي اللام في نحو ﴿هَلْ نُنَبِّئُكُم﴾ [الكهف: ١٠٣] ﴿بَلْ نَتَّبِعُ﴾ [البقرة: ١٧٠] فمن تفرُّدِه أهـ بلفظه.
стр. 179
الفصل الثالث / في لام الامر وحكمها
وهي زائدة عن بنية الكلمة ويقع بعدها الفعل المضارع مباشرة وتأتي عقب الفاء أو الواو أو ثم العاطفة نحو ﴿فَلْيَكْتُبْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] ﴿فَلْيَنظُرِ الإنسان﴾ [عبس: ٢٤] [والطارق: ٥] ، ﴿وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] ، ﴿وَلْيَعْفُواْ﴾ [النور: ٢٢] ، ﴿وليصفحوا﴾ [النور: ٢٢] ، ﴿ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾ [الحج: ١٥] ، ﴿فَلْيَنْظُرْ﴾ [الحج: ٢٩] ، ﴿ثُمَّ لْيَقْضُواْ﴾ [الحج: ٨٩] . وحكمها الإظهار وجوباً وليعتن بإظهارها إذا جاورت التاء نحو ﴿فَلْتَقُمْ﴾ [النساء: ١٠٢] ﴿وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ﴾ [النساء: ١٠٢] خوفاً من أن يسبق اللسان إلى إدغامها ولا يقاس عليها إدغام لام التعريف في نحو ﴿إِنَّ الله يُحِبُّ التوابين﴾ [البقرة: ٢٢٢] لأنها "أي لام التعريف" كثيرة الدوران في القرآن الكريم بخلاف لام الأمر فإنها قليلته.
стр. 180
الفصل الرابع / في لام الاسم وحكمها
وسميت بذلك لوجودها فيه وهي من أصوله نحو ﴿أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ﴾ [الروم: ٢٢] و ﴿أَلْفَافاً﴾ [النبأ: ١٦] و ﴿سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: ٤٢] ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧] و ﴿مَلْجَأَ﴾ [التوبة: ١١٨] . وحكمها الإظهار وجوباً بالاتفاق.
стр. 181
الفصل الخامس / في لام الحرف وحكمها
وسميت بذلك لوجودها فيه وهي في القرآن الكريم في حرفين فقط. "هل وبل" وحكم هذين الحرفين بالنسبة لما يأتي بعدهما من الحروف الهجائية على ثلاثة أقسام:
الأول: وجوب إدغامهما عند كل القراء وذلك إذا أتى بعدهما لام أو راء. فاللام تقع بعد كل من هل وبل نحو ﴿هَلْ لَّكُمْ﴾ [الروم: ٢٨] . ﴿بَل لاَّ يَخَافُونَ﴾ [المدثر: ٥٣] . والراء لا تقع إلا بعد بل فقط نحو ﴿بَل رَّفَعَهُ الله إِلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٨] .
فالإدغام في اللام للتماثل. وفي الراء للتقارب على مذهب الجمهور وللتجانس على مذهب الفراء ومن نحا نحوه. ويستثنى من ذلك لحفص عن عاصم من الشاطبية إدغام لام بل في الراء من قوله تعالى: ﴿بَلْ رَانَ﴾ [الآية: ١٤] . بالمطففين بسبب سكته عليها والسكت يمنع الإدغام.
الثاني: جواز الإدغام فيهما. وذاك إذا أتى بعدهما حرف من ثمانية أحرف وهي: "التاء المثناة فوق والثاء المثلثة والزاي والسين والضاد والطاء والظاء والنون".
فالتاء المثناة فوق والنون تقعان بعد كل من هل وبل نحو ﴿هَلْ تَعْلَمُ﴾ [مريم: ٦٥] ﴿
стр. 182
هَلْ نُنَبِّئُكُم﴾ [الكهف: ١٠٣] ﴿بَلْ تَأْتِيهِم﴾ [الأنبياء: ٤٠] ﴿بَلْ نَحْنُ﴾ [الواقعة: ٦٧] .
والثاء المثلثة لا تقع إلا بعد هل في قوله تعالى: ﴿هَلْ ثُوِّبَ الكفار مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ﴾ [الآية: ٣٦] بالمطففين ولا ثاني لها في التنزيل.
والأحرف الخمسة الباقية تقع كلها بعد حرف بل وحده ﴿بَلْ سَوَّلَتْ﴾ [يوسف: ١٨، ٨٣] ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ﴾ [الفتح: ١٢] . ﴿بَلْ ضَلُّواْ﴾ [الأحقاف: ٢٨] ﴿بَلْ زُيِّنَ﴾ [الرعد: ٣٣] ﴿بَلْ طَبَعَ﴾ [النساء: ١٥٥] . ونعني بجواز الإدغام في هذا القسم أن بعض القراء أدغم فيه وبعضهم أظهر وتركنا تفصيل ذلك طلباً للاختصار ومن أراده فعليه بكتب الخلاف فهو مبسوط فيها وبالنسبة لحفص عن عاصم فإنه قرأ بالإظهار وجهاً واحداً فتأمل.
الثالث: وجوب إظهارهما عند عامة القراء وذلك إذا وقع بعدها أي حرف من حروف الهجاء غير حرف اللام والراء اللذين للوجوب في القسم الأول. وغير الحروف الثمانية التي للجواز في القسم الثاني. وذلك نحو ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ﴾ [المائدة: ٦٠] ﴿هَلْ يَسْتَوِي﴾ [الرعد: ١٦] ﴿بَلْ فَعَلَهُ﴾ [الأنبياء: ٦٣] ﴿بَلْ قَالُواْ﴾ [المؤمنون: ٨١] ﴿بَلْ جَآءَ بالحق﴾ [الصافات: ٣٧] وما إلى ذلك. والله تعالى أعلى وأعلم.
стр. 183
الباب التاسع / في المثلين والمتقاربين والمتجانسين والمتباعدين
التمهيد للدخول إلى الباب
كل حرفين التقيا في الخط واللفظ بأن لا يفصل بينهما فاصل سواء كانا في كلمة أو في كلمتين. أو التقيا في الخط دون اللفظ بأن فصل بينهما فاصل في اللفظ ولا يكون ذلك إلا من كلمتين مثل الهاءين في نحو ﴿إِنَّهُ هُوَ﴾ [غافر: ٥٦] انقسم كل من الحرفين المتلاقيين هذا التلاقي إلى أربعة أقسام: مثلين ومتقاربين ومتجانسين ومتباعدين ولكل قسم تعريف خاص نوضحه فيما يلي:
تعريف المثلين وأقوال العلماء فيه وأقسامه وحكمه
التعريف: المثلان هما الحرفان اللذان اتحدا في الاسم والرسم كالكافين في نحو ﴿مَّنَاسِكَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٠٠] ﴿مَا سَلَكَكُمْ﴾ [المدثر: ٤٢] . والميمين في نحو ﴿الرحيم مالك﴾ [الفاتحة: ٣-٤] والهاءين في نحو ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً﴾ [النور: ١٥] وسميا بذلك لأن اسمهما واحد وذاتهما في الرسم واحدة.
فخرج باتحاد الحرفين في الرسم الاختلافُ في الاسم كالعين المهملة والغين المعجمة ونحوهما فإن ذاتهما في الرسم واحدة ولا التفات إلى النقط فإنه
стр. 184
عارض ولكنهما مختلفان في الاسم فخرجا بذلك عن حد تعريف المثلين ودخل الياءان في نحو ﴿فِي يَوْم﴾ [المعارج: ٤] والواوان في نحو ﴿قَالُواْ وَهُمْ﴾ [الشعراء: ٩٦] لاتحادهما في الاسم والرسم فهما من المثلين لدخولهما في حد التعريف، وأما قولهم في تعريف المثلين بأنهما الحرفان اللذان اتفقا مخرجاً وصفة فغير جامع لحد التعريف لعدم دخول الياءين والواوين في نحو ما تقدم لاختلافهما في المخرج والصفة كما هو ظاهر مع أنهما من المثلين. ومن ثَم كان التعريف الأول الذي ذكرناه للمثلين أعم من الثاني وقد عرف به غير واحد من شيوخنا.
أقسام المثلين وحكم كل قسم
ينقسم المثلان إلى ثلاثة أقسام صغير وكبير ومطلق:
فالصغير أن يكون الأول من المثلين ساكناً، والثاني متحركاً كالكافين في ﴿يُدْرِككُّمُ﴾ [النساء: ٧٨] والهاءين في نحو ﴿يُوَجِّههُّ﴾ [النحل: ٧٦] والباءين في نحو ﴿اضرب بِّعَصَاكَ﴾ [الشعراء: ٦٣] .
وسمي صغيراً لقلة العمل فيه حالة الإدغام حيث لا يكون فيه إلا عمل واحد وهو إدغام الأول في الثاني فيما صح فيه ذلك.
وحكمه الإدغام وجوباً لكل القراء بشروط نوضحها في باب الإدغام إن شاء الله. والكبير أن يتحرك الحرفان معاً كالكافين في نحو ﴿مَّنَاسِكَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٠٠] ﴿
стр. 185
واذكر رَّبَّكَ كَثِيراً﴾ [آل عمران: ٤١] والهاءين في نحو ﴿إِنَّهُ هُوَ﴾ [الزمر: ٥٣] .
وسمي كبيراً لكثرة العمل فيه حالة الإدغام حيث يكون فيه عملان هما تسكين الأول ثم إدغامه في الثاني.
وحكمه جواز الإدغام عند بعض القراء بشروط مبسوطة في كتب الخلاف تركنا ذكرها هنا طلباً للاختصار. وبالنسبة لحفص عن عاصم فإنه قرأ فيه بالإظهار وجهاً واحداً إلا في كلمات يسيرة جدًّا مثل ﴿لاَ تَأْمَنَّا﴾ [الآية: ١١] بيوسف وسيأتي الكلام عليها في آخر باب الإدغام إن شاء الله، وكلمة ﴿مَكَّنِّي﴾ [الآية: ٩٥] بالكهف في قوله تعالى: ﴿قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ﴾ [الآية: ٩٥] فقد قرأ حفص بإدغام النون الأولى في الثانية فيصير النطق بنون واحدة مكسورة مشددة.
والمطلق أن يكون الحرف الأول متحركاً والثاني ساكناً كالتاءين في نحو ﴿تتلى﴾ [يونس: ١٥] والسينين في نحو ﴿تَمْسَسْهُ﴾ [النور: ٣٥] .
وسمي مطلقاً لأنه ليس من الصغير ولا من الكبير.
وحكمه الإظهار وجوباً للجميع لأن من شرط الإدغام أن يكون المدغم فيه متحركاً والمدغم ساكناً سواء كان سكونه أصليّاً كنحو ﴿رَبِحَتْ تِّجَارَتُهُمْ﴾ [البقرة: ١٦] أو كان سكونه للإدغام كسكون الهاء الأولى في نحو ﴿فِيهِ هُدًى﴾ [البقرة: ٢] عند من أدغم.
стр. 186
تعريف المتقاربين وأقسامه وحكمه
التعريف: المتقاربان هما الحرفان اللذان تقاربا في المخرج والصفة أو في المخرج دون الصفة أو في الصفة دون المخرج. فهذه ثلاث صور للمتقاربين وفيما يلي أمثلتها:
فالصورة الأولى: مثل النون مع اللام في نحو ﴿مِّن لَّدُنْهُ﴾ [الكهف: ٢] ومع الراء في نحو ﴿مِن رِّزْقِ الله﴾ [البقرة: ٦٠] والقاف مع الكاف في نحو ﴿خَلَقَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١] .
والصورة الثانية: مثل الدال مع السين في نحو ﴿عَدَدَ سِنِينَ﴾ [المؤمنون: ١١٢] .
والصورة الثالثة: مثل السين مع الشين في نحو ﴿الرأس شَيْباً﴾ [مريم: ٤] . والتاء المثناة فوق مع الثاء المثلثة في نحو ﴿بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾ [هود: ٩٥] .
أقسام المتقاربين وحكم كل قسم
ينقسم المتقاربان إلى ثلاثة أقسام أيضاً صغير وكبير ومطلق:
فالصغير أن يكون الحرف الأول منها سكاناً، والثاني متحركاً مثل النون مع اللام في نحو ﴿ولكن لاَّ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٣] والقاف مع الكاف في نحو ﴿أَلَمْ نَخْلُقكُّم﴾ [المرسلات: ٢٠] .
وسمي صغيراً لقلة العمل فيه حالة الإدغام حيث يكون فيه عملان هما:
стр. 187
قلب المدغم من جنس المدغم فيه ثم إدغامه في المدغم فيه كما سيأتي توضيح ذلك في باب الإدغام إن شاء الله تعالى.
وحكمه جواز الإدغام أو وجوبه كما سنوضحه في باب الإدغام بعون الله سبحانه.
والكبير أن يتحرك الحرفان معاً كالقاف مع الكاف في نحو ﴿رَزَقَكُمْ﴾ [الروم: ٤٠] والدال مع السين في نحو ﴿عَدَدَ سِنِينَ﴾ [المؤمنون: ١١٢] .
وسمي كبيراً لكثرة العمل فيه حال الإدغام حيث يكون فيه ثلاثة أعمال هي: قلب المدغم من جنس المدغم فيه ثم تسكينه ثم إدغامه في المدغم فيه.
وحكمه جواز الإدغام عند بعض القراء بشروط مفصلة في كتب الخلاف وبالنسبة لحفص عن عاصم فإنه قرأ فيه بالإظهار وجهاً واحداً.
والمطلق أن يتحرك الأول منهما ويسكن الثاني كالهمزة مع الحاء المهملة في نحو ﴿أَحْمِلُ﴾ [يوسف: ٣٦] والياء المثناة تحت مع الضاء في نحو ﴿يُضْلِلْ﴾ [الإسراء: ٩٧] .
وسمي مطلقاً لما تقدم في المثلين.
وحكمه الإظهار وجوباً للجميع لما تقدم في المثلين أيضاً.
تعريف المتجانسين وأقسامه وحكمه
التعريف: المتجانسان هما الحرفان اللذان اتفقا في المخرج واختلفا في بعض الصفات كالطاء مع التاء في نحو ﴿أَحَطتُ﴾ [النمل: ٢٢] و ﴿بَسَطتَ﴾ [المائدة: ٢٨] والدال مع
стр. 188
التاء في نحو ﴿حَصَدتُّمْ﴾ [يوسف: ٤٧] ﴿وَإِنْ أَرَدْتُّمُ﴾ [النساء: ٢٠] والثاء مع الذال في نحو ﴿يَلْهَث ذَّلِكَ﴾ [الأعراف: ١٧٦] .
أقسام المجانسين وحكم كل قسم
ينقسم المتجانسان إلى ثلاثة أقسام كذلك: صغير وكبير ومطلق.
فالصغير: أن يكون الحرف الأول منهما ساكناً، والثاني متحركاً كالراء مع اللام في نحو ﴿واصبر لِحُكْمِ﴾ [الطور: ٤٨] عند الفرَّاء والدال مع التاء في نحو ﴿وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ﴾ [الأنفال: ٤٢] عند الجمهور.
وسمي صغيراً لما تقدم ذكره في المتقاربين الصغير.
وحكمه كالمتقاربين الصغير في جواز الإدغام أو وجوبه كما سنبينه في باب الإدغام.
والكبير أن يتحرك الحرفان معاً كالتاء مع الطاء في نحو ﴿الصالحات طوبى﴾ [الرعد: ٢٩] واللام مع الراء على مذهب الفراء في نحو ﴿قَالَ رَبُّكُمْ﴾ [الشعراء: ٢٦] .
وسمي كبيراً لما تقدم ذكره في المتقاربين الكبير.
وحكمه جواز الإدغام عند بعض القراء بشروطه المبسوطة في كتب الخلاف وبالنسبة لحفص عن عاصم فإنه قرأ فيه بالإظهار قولاً واحداً.
والمطلق أن يتحرك الحرف الأول ويسكن الثاني كالياء مع الشين في نحو ﴿
стр. 189
يَشْكُرُ﴾ [النمل: ٤٠] واللام مع النون على مذهب الفراء في لفظ ﴿لَن﴾ [البقرة: ٦١] في نحو قوله تعالى: ﴿لَن نَّصْبِرَ على طَعَامٍ وَاحِدٍ﴾ [البقرة: ٦١] .
وسمي مطلقاً لما تقدم ذكره في المثلين والمتقاربين.
وحكمه الإظهار وجوباً للجميع لما تقدم في مثله.
وقد أشار العلامة الجمزوري إلى ما تقدم ذكره من الأقسام الثلاثة عدا المطلق منها بقوله في التحفة:
إنْ في الصِّفَات والمخارج اتَّفقْ ... حرفَان فالمِثْلان فيهمَا أحقُّ
أوْ إن يَكونا مخرجاً تقاربَا ... وفي الصفاتِ اخْتَلفَا يُلَقَّبَا
متقاربيْن أو يكونا اتَّفَقَا ... في مخرج دُونَ الصفات حُقِّقَا
بالمتجانسيْن ثُمَّ إنْ سَكَنْ ... أوَّلُ كلٍّ فالصَّغيرَ سَمِّيَنْ
أوْ حُرِّكَ الحرفَان في كُلٍّ فَقُلْ ... كُلٌّ كبيرٌ وأفهَمَنْهُ بالمُثُلْ اهـ
تعريف المتباعدين وأقسامه وحكمه
التعريف: المتباعدان هما الحرفان اللذان تباعدا في المخرج واختلفا في الصفة وهذا هو الغالب. وقد يتفق الحرفان المتباعدان في الصفة أيضاً وهذا يكاد يكون قليلاً.
فالأول: مثل الحاء مع الميم في نحو ﴿تُحْمَلُونَ﴾ [المؤمنون: ٢٢] والقاف مع الراء في نحو ﴿قُرِىءَ﴾ [الانشقاق: ٢١] .
والثاني: مثل التاء المثناة فوق مع الكاف في نحو ﴿
стр. 190
وَلِتُكْمِلُواْ﴾ [البقرة: ١٨٥] والحاء المهملة مع الثاء المثلثة في نحو ﴿حَثِيثاً﴾ [الأعراف: ٥٤] .
أقسام المتباعدين
ينقسم المتباعدان إلى ثلاثة أقسام أيضاًك صغير وكبير ومطلق.
فالصغير: أن يكون الأول منهما ساكناً والثاني متحركاً كالهمزة مع اللام في نحو ﴿تَأْلَمُونَ﴾ [النساء: ١٠٤] .
والكبير: أن يتحرك الحرفان معاً كالزاي مع الهمزة في نحو ﴿استهزىء﴾ [الأنبياء: ٤١] .
والمطلق أن يتحرك الأول ويسكن الثاني كالقاف مع الواو في نحو ﴿قَوْلٌ﴾ [البقرة: ٢٦٣] .
حكم المتباعدين
أما حكمهما فالإظهار وجوباً بالاتفاق سواء أكان صغيراً أم كبيراً أم مطلقاً لأن الإدغام بشروطه مطلقاً إنما يسوغه التماثل أو التقارب أو التجانس.
وأما تسميته بالصغير وبالكبير وبالمطلق فتبعاً للأقسام الثلاثة المتقدمة في النظام لا لقلة العمل في الصغير ولا لكثرته في الكبير بالنسبة للإدغام، إذ لا إدغام في المتباعدين كما هو مقرر.
هذا: ولم يتعرض بعض الباحثين في هذا الفن إلى ذكر قسم المتباعدين في هذا الباب. والبعض ذكره غير أنه قال: "لا دخل له في هذا الباب" والحق الذي لا ريب فيه أنه ينبغي ذكره في هذا الباب ومعرفته جيداً إذ بمعرفته يتعين أن ما عداه هو أحد الأقسام الثلاثة المتقدمة التي هي سبب في الإدغام. ومن ثم كان ذكره في هذا الباب واجباً. ولا يعكر علينا عدم ذكره في التحفة. فقد ورد ذكره في أكثر من مؤلف بين منظوم ومنثور. فقد أشار إليه العلامة السمنودي في لآلىء
стр. 191
البيان بقوله:
ومُتباعدان حيثُّ مَخْرجَا ... تباعَدَا والخلْفُ في الصفات جا اهـ
وكذلك أشار إليه صاحب انشراح الصدور بقول بعضهم:
وإن يكونا مَخْرجاً تَبَاعَدَا ... وفي الصفات اخْتَلَفا مُبَاعدا اهـ
كما أشار إليه أيضاً صاحب السلسبيل الشافي بقوله:
ومتباعدان إن تباعدا ... في مخرج والوصْفِ لَمْ يَتَّحِدا اهـ
المراد من الحرفين المتقاربين
اختلف في المراد من الحرفين المتقاربين على أكثر من قول نذكر منها هنا مضمون قولين:
الأول: ألا يكون بين مخرجي الحرفين المتقاربين مخرج فاصل بينهما وأن يكونا من عضو واحد وذلك مثل العين والحاء المهملتين لكل من الهمزة والهاء وللغين والخاء المعجمتين. هذا بالنسبة لمخارج الحلق. ومثل الجيم والشين والياء لكل من القاف والكاف وللضاد المعجمة من مخارج اللسان. ومثل الفاء لكل من الواو والباء الموحدة والميم بالنسبة لمخرجي الشفتين. وقد يكون الحرفان المتقاربان من عضوين بشرط ألا يفصل بين مخرجيهما فاصل وذلك في مسألتين بالاتفاق: -
الأول: الغين والخاء المعجمتان للقاف والكاف ذلك لأن الغين والخاء يخرجان من أدنى الحلق والقاف والكاف يخرجان من أقصى اللسان ولا فاصل بين المخرجين كما هو ظاهر.
الثانية: الظاء المشالة والذال المعجمة والثاء المثلثة للفاء وذلك لأن الظاء المشالة وأختيها يخرجن من طرف اللسان وأطراف الثنايا العليا والفاء تخرج من أطراف الثنايا العليا مع باطن الشفة السفلى ولا فاصل بين المخرجين أيضاً.
стр. 192
القول الثاني: أن المراد من الحرفين المتقاربين هو التقارب المناسب سواء أكانا من عضو واحد مثل الشين المعجمة والسين المهملة في نحو ﴿ذِي العرش سَبِيلاً﴾ [الإسراء: ٤٢] ونحو الدال المهملة مع الشين المعجمة في نحو ﴿قَدْ شَغَفَهَا﴾ [يوسف: ٣٠] وكذلك التاء المثناة فوق مع الثاء المثلثة في نحو ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ﴾ [الشعراء: ١٤١] أم كانا من عضوين مثل النون مع كل من الواو والميم في نحو ﴿مِن وَلِيٍّ﴾ [الرعد: ٣٧] ﴿مِّن مَّالِ الله﴾ [النور: ٣٣] . ويمكن أخذ هذا القول من تعريف المتقاربين في إحدى صوره المتقدمة التي هي التقارب في الصفة دون المخرج. وهذا القول هو أرجح من الأول بل وأرجح الأقوال الواردة في هذه المسألة التي اضطربت فيها كتب التجويد في القديم والحديث إذ بمقتضى القول الأول أنه لا يجوز إدغام شيء من الأمثلة التي أوردناها في القول الثاني لوجود فاصل بين كل من مخرجي الحرفين المذكورين في أمثلته فقد فصل بمخرج واحد بين التاء المثناة فوق والثاء المثلثة في نحو ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ﴾ [الشمس: ١١] المثال المذكور وبأكثر من مخرج في باقي الأمثلة. ومع هذا فقد ورد أدغامها في المتواتر في أكثر من قراءة في الأمثلة الثلاثة الأولى وبالإجماع في الرابع والخامس اي في النون مع كل من الواو والميم. ومن المقرر أن المسوغ للإدغام واحد من ثلاثة، التماثل أو التقارب أو التجانس. وحد التماثل والتجانس لا يصدق على الأمثلة المذكورة في القول الثاني. بقي من المسوغ التقارب وبه جاز الإدغام فيها. ومن ثم كان المراد من التقارب هو التقارب النسبي لما ذكرنا وكان هو أرجح الأقوال الواردة في هذه المسألة والتي تركنا ذكرها خوف التطويل. إذ ما ذكرنا هو أهم ما فيها.
هذا: ومما ينبغي معرفته أن كل حرفين صح إدغامهما سواء أكان الإدغام
стр. 193
واجباً أم جائزاً ولم ينطبق عليهما حد المثلين ولا حد المتجانسين كان المسوغ للإدغام حينئذ هو التقارب. إذ هو الباقي من أسباب الإدغام الثلاثة فإن فصل بين المخرجين بأكثر من مخرج كالأمثلة التي ذكرنا كان سبب الإدغام حينئذ هو التقارب النسبي وهو كثير في المدغم جوازاً. وسنذكر منه الكثير في باب الإدغام إن شاء الله تعالى.
تنبيه: قال صاحب انشراح الصدور: وأما حروف المد الثلاثة مع غيرها من حروف الهجاء فلا يقال بينهما متقاربان ولا متجانسان ولا متباعدان لأنه لم يكن لحروف المد مخرج من حيز مخصوص كغيرها والله أعلم أهـ بحروفه.
وقال صاحب السلسبيل الشافي بنحو ما قاله صاحب انشراح الصدور.
قلت: ويستثنى من اجتماع حروف المد مع غيرها الياء المدية إذا جاورت الياء المتحركة مثل: ﴿الذى يُوَسْوِسُ﴾ [الناس: ٥] وكذلك الواو المدية إذا جاورت الواو المتحركة مثل: ﴿قَالُواْ وَأَقْبَلُواْ﴾ [يوسف: ٧١] فإن الياء والواو المدِّيتان مع ما جاورهما يوصفان حينئذ بالمثلين لصدق الحد عليهما لأن اسمهما واحد ورسمهما واحد وقد تقدم ذلك في صدر الباب، فتأمل وبالله التوفيق.
стр. 194
الباب العاشر / في الإدغام وأقسامه وأحكامه
التمهيد للدخول إلى الباب
تقدم في باب النون الساكنة والتنوين تعريف الإدغام لغة واصطلاحاً كما تقدم في نفس الباب تعريف ما يقابله وهو الإظهار في اللغة والاصطلاح أيضاً ونقول هنا: إن الإظهار هو الأصل لعدم احتياجه إلى سبب والإدغام فرع عنه لاحتياجه إلى السبب كما سنوضحه قريباً.
بقي لنا أن نتكلم على أسباب الإدغام وفائدته وشروطه وكيفيته وأقسامه وموانعه والمقصود ذكره في هذا المختصر فنقول وبالله التوفيق ومنه العون.
أسباب الإدغام
أما أسبابه فثلاثة وهي: التماثل والتقارب والتجانس وقد تقدم الكلام مستوفى على هذه الثلاثة في الباب السابق مما أغنانا عن إعادته هنا.
فائدة الإدغام
أما فائدته فهي التخفيف والتسهيل في النطق إذ النطق بحرف واحد فيه خفة وسهولة عن النطق بحرفين.
شروط الإدغام
للإدغام شرطان:
الأول: خاص بالمدغم وهو الحرف الأول.
الثاني: خاص بالمدغم فيه وهو الحرف الثاني.
أما الشرط الخاص بالمدغم فهو التقاؤه بالمدغم فيه خطاً ولفظاً كالنون مع الراء في نحو ﴿مِّن رَّبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] أو خطاً لا لفظاً فيدخل الهاءان في نحو ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً﴾ [لنور: ١٥] . ويمتنع كونه لفظاً لا خطاً فيخرج النونان في نحو ﴿أَنَاْ نَذِيرٌ﴾ [ص: ٧٠] .
стр. 195
وأما الشرط الخاص بالمدغم فيه فهو أن يكون أكثر من حرف إذا كان الإدغام في كلمة، فيدخل القاف والكاف في نحو ﴿أَلَمْ نَخْلُقكُّم﴾ [المرسلات: ٢٠] بالاتفاق ونحو ﴿خَلَقَكُمْ﴾ [الروم: ٤٠] و ﴿رَزَقَكُمْ﴾ [الروم: ٤٠] و ﴿يَخْلُقُكُمْ﴾ [الزمر: ٦] و ﴿سَبَقَكُمْ﴾ [العنكبوت: ٢٨] عند من أدغم ويخرج نحو ﴿خَلَقَكَ﴾ [الكهف: ٣٧] و ﴿نَرْزُقُكَ﴾ [طه: ١٣٢] فلا إدغام فيه.
كيفية الإدغام
أما كيفيته فهي جعل المدغم وهو الحرف الأول من جنس المدغم فيه وهو الحرف الثاني فمثلاً إذا أدغمت النون في اللام أو في الراء في نحو ﴿مِن لَّدُنَّا﴾ [الكهف: ٦٥] . ﴿مِن رِّزْقِ الله﴾ [البقرة: ٦٠] فتقلب النون لاماً في المثال الأول وراء في المثال الثاني وتدغم اللام في اللام والراء في الراء وحنيئذ يصير النطق بلام مفتوحة مشددة بعد الميم في ﴿مِن لَّدُنَّا﴾ [الكهف: ٦٥] وبراء مكسورة مشددة بعد الميم في ﴿مِن رِّزْقِ الله﴾ [البقرة: ٦٠] .
ومن ثم يتضح أن هذه الكيفية تمت بعملين هما: قلب المدغوم وهو الحرف الأول من جنس المدغم فيه وهو الحرف الثاني. ثم إدغامه في المدغم فيه. وهذان العملان فيما إذا كان الإدغام في غير المثلين.
أما إذا كان الإدغام في المثلين فكيفته تتم بعمل واحد وهو إدغام الأول في الثاني
стр. 196
كالفاء في نحو ﴿َلاَ يُسْرِف فِّي القتل﴾ [الإسراء: ٣٣] .
وكل من العملين اللذين في إدغام غير المثلين والعمل الواحد الذي في إدغام المثلين فيما إذا سكن الحرف الأول من المثلين أو المتقاربين أو المتجانسين.
أما إذا تحرك الحرفان في كل من الثلاثة فتتم كيفية الإدغام بعملين اثنين في المثلين وبثلاثة أعمال في المتقاربين والمتجانسين.
أما عملا إدغام المثلين فهما تسكين المدغم ثم إدغامه في المدغم فيه كالميمين في نحو ﴿الرحيم مالك﴾ [الفاتحة: ٣-٤] وحينئذ يصير النطق بميم واحدة مفتوحة مشددة بعد الياء المدية.
وأما الأعمال الثلاثة التي في إدغام المتقاربين والمتجانسين فهي قلب المدغم من جنس المدغم فيه. ثم تسكينه. ثم إدغامه في المدغم فيه مثال إدغام المتقاربين القاف في الكاف من نحو ﴿خَلَقَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١] .
ومثال إدغام المتجانسين التاء المثناة فوق في الطاء المهملة في نحو ﴿وَأَقِمِ الصلاة طَرَفَيِ النهار﴾ [هود: ١١٤] وهنا يصير النطق في ﴿خَلَقَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١] بكاف واحدة مضمومة مشددة بعد اللام. وبطاء واحدة مفتوحة مشددة بعد الفاء المد المعانقة للام في ﴿وَأَقِمِ الصلاة طَرَفَيِ﴾ [هود: ١١٤] .
وهنا يتضح جليّاً أن المدغم في الأمثلة الواردة ذكرها في كيفية الإدغام هذه لم يبق له أثر لاستهلاكه في المدغم فيه كما هو واضح في النطق، والله أعلم.
أقسام الإدغام
أما أقسامه فأثنان: صغير وكبير:
فالصغير هو إدغام ساكن في متحرك كإدغام التاء في الدال في نحو ﴿
стр. 197
حَصَدتُّمْ﴾ [يوسف: ٤٧] والميم في الميم في نحو ﴿كَم مِّن فِئَةٍ﴾ [البقرة: ٢٤٩] والقاف في الكاف من ﴿أَلَمْ نَخْلُقكُّم﴾ [المرسلات: ٢٠] .
وسمي صغيراً لقلة أعمال المدغم حال الإدغام بالنسبة للكبير. وقيل لكونه إدغام ساكن في متحرك.
والكبير هو إدغام متحرك في متحرك كإدغام اللام في اللام في نحو ﴿جَعَلَ لَكُمُ﴾ والتاء المثناة فوق في السين وفي الطاء المهملتين في نحو ﴿الصالحات سَنُدْخِلُهُمْ﴾ [النساء: ٥٧، ١٢٢] و ﴿الصالحات طوبى﴾ [الرعد: ٢٩] .
وسمي كبيراً لكثرة أعمال المدغم وقد تقدم آنفاً تفصيل ذلك أثناء الكلام على كيفية الإدغام وقيل لكونه إدغام متحرك في متحرك وقيل لكثرة وقوعه. وقيل لتأثيره في إسكان المتحرك قبل إدغامه. وقيل لشموله المثلين والمتقاربين والمتجانسين وقيل غير ذلك.
موانع الإدغام
أما موانعه بالنسبة للإدغام الكبير فهي مبسوطة في كتب الخلاف تركنا ذكرها هنا طلباً للاختصار لأن الإدغام الكبير لم يقع في رواية حفص عن عاصم إلا في كلمتين تقدم ذكرهما عند الكلام على تعريف المثلين.
стр. 198
وأما موانع الإدغام بالنسبة للصغير فسنذكرها إن شاء الله تعالى عند ذكر الإدغام الممتنع منه.
المقصود ذكره من الإدغام في هذا المختصر أما المقصود ذكره منه في هذا المختصر فهو الإدغام الصغير لأنه الأهم بالنسبة للمبتدئين في هذا الفن وبالأخص معرفة الواجب منه ولأنه أشد تعلقاً برواية حفص عن عاصم المشهورة في كثير من الأمصار.
أما الإدغام الكبير فلم يقع في رواية حفص عن عاصم إلا في كلمات يسيرة كما تقدم منها كلمة ﴿مَكَّنِّي﴾ [الكهف: ٩٥] بالكهف وتقدم الكلام عليها في المثلين.
وكلمة ﴿لاَ تَأْمَنَّا﴾ [يوسف: ١١] بيوسف وسنذكرها في خاتمة باب الإدغام بعون الله سبحانه ولذا تركنا ذكر الكبير في هذا المختصر وفيما يلي الكلام على ما قصدنا ذكره وهو الإدغام الصغير.
الكلام على الإدغام الصغير
وهو ما كان الحرف الأول ساكناً والثاني متحركاً كما تقدم ويقع في كل من المثلين والمتقاربين والمتجانسين وينقسم هذا الإدغام إلى ثلاثة أقسام: واجب وجائز وممتنع ثم إلى كامل وناقص.
١- فالواجب هو ما وجب إدغامه عند كل القراء.
٢- والممتنع هو ما امتنع إدغامه عندهم كذلك.
٣- والجائز هو ما جاز أدغامه وإظهاره عند بعضهم.
١- الإدغام الكامل هو سقوط المدغم ذاتاً وصفة بإدغامه في المدغم فيه وبذلك يصير المدغم والمدغم فيه حرفاً واحداً مشدداً نحو ﴿مِن لَّدُنِّي﴾ [الكهف: ٧٦] وسمي إدغاماً كاملاً لاستكمال التشديد.
стр. 199
٢- والإدغام الناقص هو سقوط المدغم ذاتاً لا صفة بإدغامه في المدغم فيه وبذلك يصير المدغم والمدغم فيه حرفاً واحداً مشدداً تشديداً ناقصاً نحو ﴿فَرَّطَتُ﴾ [الزمر: ٥٦] وسمي بذلك لأنه غير مستكمل التشديد وفيما يلي الكلام على كل مفصلاً.
الكلام على الإدغام الواجب
وسمي بذلك لإجماع القراء على وجوب إدغامه ويكون في المثلين والمتقاربين والمتجانسين وإليك بسط الكلام على كل.
الإدغام الواجب في المثلين وضابطه
وهو مشروط بشرطين:
الأول: متفق عليه.
والثاني: مختلف فيه.
أما الشرط المتفق عليه فهو ألا يكون أول المثلين حرف مد كالواوين في نحو قوله تعالى: ﴿اصبروا وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ واتقوا الله لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ٢٠٠] وكالياءين في نحو ﴿الذى يُوَسْوِسُ﴾ [الناس: ٥] فإن كان كذلك فحكمه الإظهار بالإجماع لئلا يذهب المد بسبب الإدغام. فلذا بقي الإظهار محافظة على المد.
أما إذا سكنت الواو الأولى وانفتح ما قبلها وجب إدغامها في المتحركة بعدها نحو قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اتَّقَواْ وَآمَنُواْ ثُمَّ اتَّقَواْ وَّأَحْسَنُواْ﴾ [المائدة: ٩٣] ﴿آوَواْ ونصروا﴾ [الأنفال: ٧٢، ٧٤] وذلك لأن حرف اللين بمنزلة الصحيح. ولم يقع في القرآن الكريم ياء لينية بعدها ياء متحركة ولو وقعت لوجب الإدغام.
стр. 200
وأما الشرط المختلف فيه فهو ألا يكون أول المثلين هاء سكت. ولم يقع من ذلك في التنزيل إلا موضع واحد وهو لفظ ﴿مَالِيَهْ﴾ من ﴿مَالِيَهْ هَّلَكَ﴾ [بالحاقة، الآيتان: ٢٨، ٢٩] . وقد اختلف فيه. فقال البعض بالإدغام على القاعدة العامة، "أي أن أول المثلين ساكن وليس حرف مد، والثاني متحرك كما سيأتي بعد". وقال البعض الآخر بالإظهار وهو الأرجح والمقدم في الأداء وعليه الجمهور.
ووجهه أن هاء السكت لا حظ لها في الإدغام. وكيفية الإظهار الوقف على هاء "ماليه" وقفة لطيفة من غير تنفس. وهذان الوجهان أي الإظهار والإدغام جائزان في حال وصل ماليه بهلك لمن أثبت الهاء من القراء حينئذ ومنهم حفص عن عاصم.
أما في حالة الوقف فلا خلاف في إثبات الهاء للكل.
وفيما سوى هذين الشرطين يدغم أول المثلين في الثاني وجوباً لكل القراء سواء كان في كلمة نحو ﴿يُدْرِككُّمُ﴾ [النساء: ٧٨] ﴿يُوَجِّههُّ﴾ [النحل: ٧٦] ﴿الم﴾ [البقرة: ١] ﴿المر﴾ [الرعد: ١] أو في كلمتين نحو ﴿رَبِحَتْ تِّجَارَتُهُمْ﴾ ﴿اضرب
стр. 201
بِّعَصَاكَ﴾ [الأعراف: ١٦٠] . ﴿فَلاَ يُسْرِف فِّي القتل﴾ [الإسراء: ٣٣] ﴿وَقَدْ دَّخَلُواْ﴾ [المائدة: ٦١] ﴿كَانَت تَّأْتِيهِمْ﴾ [التغابن: ٦] ﴿قُل لَّكُم﴾ [سبأ: ٣٠] ﴿عَصَوْاْ وَّكَانُواْ﴾ [آل عمران: ١١٢] ﴿إِن نَّشَأْ﴾ [الشعراء: ٤] . ﴿إِذ ذَّهَبَ﴾ [لأنبياء: ٨٧] وما إلى ذلك.
ويسمى إدغام مثلين صغيراً. فإن كان مصحوباً بالغنة نحو ﴿كَم مِّن فِئَةٍ﴾ [البقرة: ٢٤٩] و ﴿الم﴾ [البقرة: ١] و ﴿لَن نُّؤْمِنَ﴾ [الإسراء: ٩٠] فيمسى إدغام مثلين صغيراً مع الغنة.
وقد أشار العلامة الجمزوري في كنز المعاني إلى وجوب إدغام المثلين الصغير للجميع بالشروط التي ذكرنا بقوله فيه رحمه الله تعالى:
وما أوَّلُ المثْلَيْن فيه مُسَكَّن ... فلا بُدَّ من إدغامِه مُتَمَثِّلا
لدى الكلِّ إلاَّ حرف مَد فأظْهِرنْ ... كقالوا وَهُمْ في يَوْمِ وامدُدْهُ مُسْجَلاَ
لِكُلِّ وإلاَّ هاءُ سَكْت بمَالِيَهْ ... ففيهِ لهُمْ خُلْفٌ والإظهارُ فُضِّلاَ
بسَكْت ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... اهـ
كما أشار أيضاً العلامة السمنودي في لآلىء البيان بقوله عفا الله عنه:
أوَّلَ مِثْلَى الصَّغير دُون مَدّ ... أدْغِمْ ولكنْ سَكْت مَالِيَهْ أسَدّ أهـ
الإدغام الواجب في المتقاربين وحروفه الخاصة به
وهو ليس مطلقاً كإدغام المثلين بل في أحرف مخصوصة. منها ما هو مطرد
стр. 202
في التنزيل. ومنها ما هو خاص بموضعه. وهذه الأحرف هي:
١- اللام الساكنة في الراء سواء كانت من حرف "بل" أو من فعل "قل" نحو ﴿بَل رَّبُّكُمْ﴾ [الأنبياء: ٥٦] ﴿بَل رَّفَعَهُ الله إِلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٨] . ﴿وَقُل رَّبِّ أَنزِلْنِي مُنزَلاً مُّبَارَكاً﴾ [المؤمنون: ٢٩] .
وما ذكره إمامنا الحافظ السيوطي في الإتقان من التثميل بقوله: "هل رَّأيتم" فهو سهو منه ﵀ إذ الراء لا تقع بعد هل في القرآن الكريم ألْبَتَّه ويستثنى من هذا النوع إدغام لام بل في الراء من ﴿بَلْ رَانَ﴾ [بالمطففين الآية: ١٤] ، لحفص عن عاصم من الشاطبية بسبب سكته عليها والسكت يمنع الإدغام.
٢- النون الساكنة ولو تنويناً في خمسة أحرف وهي: "اللام والراء والميم والواو والياء".
مثال النون مع هذه الأحرف ﴿مِّن رَّبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] ﴿مِّن لَّدُنْهُ﴾ [الكهف: ٢] ﴿مِّن مَّالِ الله﴾ [لنور: ٣٣] ﴿مِن وَلِيٍّ﴾ [البقرة: ١٢٠] ﴿إِن يَقُولُونَ﴾ [الكهف: ٥] .
ومثال التنوين معها نحو ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ الله﴾ [الفتح: ٢٩] ﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] ﴿
стр. 203
مَثَلاً مَّا﴾ [البقرة: ٢٦] ﴿وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً﴾ [الأحزاب: ١٧] ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ﴾ [النور: ٢٥] .
بقي حرف واحد من الأحرف التي تدغم فيه النون الساكنة ولو تنويناً وهو "النون" نحو ﴿إِن نَّقُولُ﴾ [هود: ٥٤] ﴿يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ﴾ [الغاشية: ٨] وهو حينئذ من باب المثلين الذي ذكرناه آنفاً وقد مثلنا له هناك بنحو هذا فتأمله.
أما الكلام على الغنة وعدمها في هذا الإدغام فسيأتي عند الكلام على نقصان الإدغام وكماله إن شاء الله تعالى.
هذا: ويستثنى من هذا النوع إدغام النون الساكنة في الراء من قوله تعالى: ﴿وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ﴾ [بالقيامة: ٢٧] عند حفص عاصم من الشاطبية بسبب سكته على النون والسكت يمنع الإدغام.
٣- الإدغام الشمسي وهو إدغام لام التعريف في حروفها الأربعة عشر الخاصة بها المتقدمة في قوله: "طب ثم صل ... البيت" باستثناء حرف واحد منها وهو اللام في نحو ﴿والليل إِذَا يغشى﴾ [الليل: ١] فإنه من قبيل إدغام المثلين والأمثلة غير خفية لتقدمها في محلها كما تقدم هناك أيضاً وجه إدغام لام التعريف في
стр. 204
القرب والمثل اتفاقاً واختلافاً فارجع إليه إن شئت.
٤- القاف الساكنة في الكاف في قوله تعالى بالمراسلات: ﴿أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ﴾ [الآية: ٢٠] ،. ويسمى كل ما ذكرنا في هذا الإدغام إدغام متقاربين صغيراً وتزاد كلمة بغنة إن كان مصحوباً بها كإدغام النون الساكنة والتنوين في الميم والواو والياء وكذلك لام التعريف في النون نحو ﴿مِّنَ النور﴾ [البقرة: ٢٥٧] فتأمل.
الإدغام الواجب في المتجانسين وحروفه الخاصة به
وهو كإدغام المتقاربين في أن له حروفاً مخصوصة وقد تكون مطردة وغير مطردة وأحرفه كما يلي:
١- الذال المعجمة الساكنة من ذال "إذ" في الظاء في موضعين وهما ﴿إِذ ظَّلَمْتُمْ﴾ [الزخرف: ٣٩] ، ﴿إِذ ظلموا﴾ [النساء: ٦٤] ولا ثالث لهما في التنزيل.
٢- الدال المهملة الساكنة في التاء المثناة فوق سواء أكانت الدال هذه حرف "قد" أو من غيره.
ففي قد نحو ﴿قَد تَّبَيَّنَ﴾ [البقرة: ٢٥٦] ، و ﴿قَد تَّعْلَمُونَ﴾ [الصف: ٥] وما شابه ذلك.
وأما في غير "قد" فهو كثير في التنزيل نحو ﴿حَصَدتُّمْ﴾ [يوسف: ٤٧] ﴿وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ﴾ [الأنفال: ٤٢] ، ﴿إِلاَّ الذين عَاهَدتُّم﴾ [التوبة: ٤، ٧] ﴿وَإِنْ أَرَدْتُّمُ﴾ [النساء: ٢٠] ، ﴿لَقَدْ كِدتَّ﴾ [الإسراء: ٧٤] ، ﴿
стр. 205
رُّدِدتُّ﴾ [الكهف: ٣٦] وما إلى ذلك.
وليس منه كلمة ﴿عَنِتُّمْ﴾ [بآل عمران: ١١٨] والتوبة: ١٢٨] و ﴿لَعَنِتُّمْ﴾ [بالحجرات: ٧] لأنها من العنت ولذا لم ترسم في المصحف الشريف بدال بين النون والتاء وقد نظم بعضهم هذه المواضع فقال:
عَنِتُّم قدْ أتَتْ في ثلاثَةٍ ... بتَاءٍ فلاَ تُرْسَمُ بدالٍ أخَا العُلاَ
ففي آل عِمْران أتَتْ وبتوبَةٍ ... وبالحُجُرات اخْتِمْ كذا نَقَل المَلاَ اهـ
٣- تاء التأنيث الساكنة في الدال وفي الطاء المهملتين. ففي الدال في موضعين لا ثالث لهما:
أولهما في قوله تعالى في الأعراف: ﴿فَلَمَّآ أَثْقَلَتْ دَّعَوَا الله رَبَّهُمَا﴾ [الأعراف: ١٨٩] .
وثانيهما في قوله بيونس: ﴿قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا فاستقيما﴾ [يونس: ٨٩] . وفي الطاء في نحو قوله تعالى بالصف: ﴿فَآمَنَت طَّآئِفَةٌ مِّن بني إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَّآئِفَةٌ﴾ [الصف: ١٤] .
٤- الطاء المهملة الساكنة في التاء المثناة فوق نحو ﴿أَحَطتُ﴾ [النمل: ٢٢] ﴿بَسَطتَ﴾ [المائدة: ٢٨] ، ﴿فَرَّطتُمْ﴾ [يوسف: ٨٠] ولهذا الحرف مزيد بيان نأتي عليه عند الكلام على كمال الإدغام ونقصانه.
٥- الميم الساكنة إذا وقع بعدها الباء الموحدة فتخفى حينئذ مع الغنة في
стр. 206
أحد القولين نحو ﴿يَوْمَ هُم بَارِزُونَ﴾ [غافر: ١٦] ﴿فاحكم بَيْنَهُمْ﴾ [المائدة: ٤٢] ﴿أَم بِظَاهِرٍ مِّنَ القول﴾ [الرعد: ٣٣] .
والقول الآخر هو الإظهار من غير غنة وإليه ذهب بعضهم وهو اختيار مكي بن أبي طالب القيسي وتقدم الكلام مستوفى على هذه المسألة في باب الميم الساكنة فارجع إليه إن شئت والله الموفق.
٦- اللام الساكنة في الراء نحو ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ [طه: ١١٤] وكذلك النون الساكنة في اللام والراء نحو ﴿مِن لَّدُنَّا﴾ [الكهف: ٦٥] ﴿أَن رَّآهُ﴾ [العلق: ٧] وهذا على مذهب الفراء وموافقيه.
أما على مذهب الجمهور وهو المعول عليه فمن قبيل إدغام المتقاربين كما تقدم ويسمى الكل إدغام متجانسين صغيراً والله تعالى أعلم.
الكلام على الإدغام الممتنع: أو موانع الإدغام الصغير
تقدم أن الإدغام الممتنع هو ما امتنع إدغامه عند عامة القراء. وهو ما كان الحرف الأول فيه متحركاً والثاني ساكناً سواء كانا في كلمة كالقافين في نحو ﴿شَقَقْنَا﴾ [عبس: ٢٦] وكالذال المعجمة والتاء المثنة فوق في نحو ﴿فاتخذت مِن دُونِهِم﴾ [مريم: ١٧] أو كلمتين كاللامين في نحو ﴿قَالَ الملأ﴾ [الأعراف: ٦٠، ٦٦، ٧٥، ٨٨، ١٠٩] واللام والراء في نحو ﴿قَالَ ارجع﴾ [يوسف: ٥٠] فكل هذا وما شاكله لا يجوز إدغامه بحال لأن من شرط الإدغام
стр. 207
أن يكون المدغم وهو الحرف الأول ساكناً والمدغم فيه وهو الحرف الثاني متحركاً وهو هنا بالعكس ولهذا امتنع الإدغام هنا بالإجماع وهذه هي موانع الإدغام الصغير.
وقد أشار إلى ما تقدم ذكره من الإدغام الواجب الممتنع في هذا الباب الحافظ ابن الجزري في المقدمة الجزرية بقوله:
واوَّلَىْ مِثْلٍ وجنْس إنْ سَكَنْ ... أدْغِمْ كقُل ربِّي وبل لا وأبنْ
في يومِ مع قالوا وَهُمْ وقُلْ نعَمْ ... سبَّحْهُ لا تُزغْ قُلوبَ فالْتَقُمْ
الكلام على الإدغام الجائز
وبيان مذهب حفص عن عاصم في فصوله
سبق أن قلنا إن المراد بالإدغام الجائز أي ما جاز إدغامه وإظهاره عند بعض القراء وينحصر الكلام عليه في خمسة فصول:
الأول: في ذال إذ.
والثاني: في دال قد.
والثالث: في تاء التأنيث الساكنة.
والرابع: في لامي هل وبل.
والخامس: في حروف قربت مخارجها.
وفيما يلي الكلام على كل بانفراد فنقول وبالله التوفيق ومنه العون.
стр. 208
الفصل الأول / في الإدغام الجائز في ذال "إذ "
الذال المعجمة من ذال "إذ" يجوز إدغامها في ستة أحرف وهي: التاء المثناة فوق والجيم والدال المهملة والزاي والسين والصاد.
ففي التاء نحو ﴿إِذْ تَأْتِيهِمْ﴾ [الأعراف: ١٦٣] وفي الجيم ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا﴾ [البقرة: ١٢٥] وفي الدال نحو ﴿إِذْ دَخَلُواْ﴾ [ص: ٢٢] وفي الزاي نحو ﴿إِذْ زَيَّنَ﴾ [الأنفال: ٤٨] وفي السين نحو ﴿إِذْ سَمِعْتُمُوهُ﴾ [النور: ١٢-١٦] وفي الصاد نحو ﴿وَإِذْ صَرَفْنَآ﴾ [الأحقاف: ٢٩] وقد اختلف القراء في هذه الأحرف الستة في إظهارها وإدغامها في ذال "إذ" فمنهم من أدغمها كلها إما للتجانس وإما للتقارب كما هو معروف ومنه من أدغم بعضها كذلك ومنهم من أظهرها كلها على الأصل. ومن أراد ذلك فهو مبسوط في كتب الخلاف. وبالنسبة لحفص عن عاصم فإنه قرأ في كلها بالإظهار وجهاً واحداً على الأصل وبالله التوفيق.
стр. 209
الفصل الثاني / في الإدغام الجائز في دال "قد "
يجوز إدغام دال قد في ثمانية أحرف وهي "الجيم والذال المعجمة والزاي والسين والشين والصاد والضاد والظاء المشالة".
ففي الجيم نحو ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا﴾ [الحجر: ١٦] وفي الذال نحو ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا﴾ [الأعراف: ١٧٩] وفي الزاي نحو ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا﴾ [الملك: ٥] وفي السين نحو ﴿قَدْ سَمِعَ الله﴾ [المجادلة: ١] وفي الشين في نحو ﴿قَدْ شَغَفَهَا﴾ [يوسف: ٣٠] وفي الصاد نحو ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا﴾ [الكهف: ٥٤] وفي الضاد نحو ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا﴾ [الروم: ٥٨] وفي الظاء نحو ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ﴾ [ص: ٢٤] وقد اختلف القراء في إدغام هذه الأحرف الثمانية في دال قد فمنهم من أظهرها كلها على الأصل ومنهم حفص عن عاصم ومنهم أدغمها كلها للتقارب.
ومنهم من أدغم بعضها كلها ومن أراد تفصيل ذلك فهو مذكور بإسهاب في كتب الخلاف والله المرشد والمعين.
стр. 210
الفصل الثالث / في الإدغام الجائز تاء التأنيث الساكنة
تدغم تاء التأنيث الساكنة جوازاً في ستة أحرف وهي: "الثاء المثلثة والجيم والزاي والسين والصاد والظاء".
ففي الثاء نحو ﴿بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾ [هود: ٩٥] . وفي الجيم نحو ﴿نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ﴾ [النساء: ٥٦] وفي الزاي نحو ﴿خَبَتْ زِدْنَاهُمْ﴾ [الإسراء: ٩٧] وفي السين ﴿فَكَانَتْ سَرَاباً﴾ [النبأ: ٢٠] وفي الصاد نحو ﴿لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ﴾ [الحج: ٤٠] وفي الظاء نحو ﴿كَانَتْ ظَالِمَةً﴾ [الأنبياء: ١١] وكما مر: اختلف الأئمة القراء في إدغام هذه الأحرف الستة وإظهارها في تاء التأنيث الساكنة. فمنهم من أدغمها كلها للتقارب ومنهم من أدغم بعضها كذلك. ومنهم من أظهرها كلها على الأصل ومن بينهم حفص عن عاصم وتفصيل الإدغام والإظهار في هذا الموطن مبسوط في كتب القراءات والله الموفق.
стр. 211
الفصل الرابع / في الإدغام الجائز في لام "هل وبل "
تدغم اللام من بل وهل جوازاً في أحرف ثمانية قد مر ذكرها مفصلاً تفصيلاً كاملاً في باب اللامات الساكنة في الفصل الخامس في لام الحرف فارجع إليه إن شئت والله المرشد والهادي إلى سواء السبيل.
стр. 212
الفصل الخامس / في الإدغام الجائز في حروف قربت مخارجها وبيان مذهب حفص فيه اتفاقاً واختلافاً
وجملة هذه الأحرف سعبة عشر حرفاً وهي كالآتي:
الحرف الأول: الباء المجزومة من الفاء نحو ﴿أَو يَغْلِبْ فَسَوْفَ﴾ [النساء: ٧٤] ﴿وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ﴾ [الرعد: ٥] وما شاكل هذا وسبب الإدغام هنا التقارب.
الحرف الثاني: اللام المجزومة في الذال المعجمة في ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣١] حيث وقع هذا اللفظ بعينه في القرآن الكريم. وسبب الإدغام هنا التقارب.
أما إذا كانت اللام غير مجزومة فلا تدغم بالإجماع كما في قوله تعالى: ﴿فَمَا جَزَآءُ مَن يَفْعَلُ ذلك مِنكُمْ﴾ [البقرة: ٨٥] فتنبه.
الحرف الثالث: الفاء المجزومة في الباء الموحدة في موضع واحد في التنزيل في قوله تعالى بسبأ: ﴿إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرض﴾ [الآية: ٩] وسبب الإدغام هنا التقارب أيضاً. وتضعيف الزمخشري وغيره لهذا الإدغام رده غير واحد من الثقات كالإمام أبي حيان وهي قراءة سبعية متواترة كما هو مقرر.
الحرف الرابع: الذال المعجمة في التاء المثناة فوق في لفظ ﴿عُذْتُ﴾ [الدخان: ١] نحو
стр. 213
قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ﴾ [الدخان: ١] .
الحرف الخامس: الذال المعجمة في التاء المثناة فوق أيضاً في لفظ ﴿فَنَبَذْتُهَا﴾ [طه: ٩٦] بسورة طه ليس غير، وسبب الإدغام هنا وفيما سبق التقارب.
الحرف السادس: الثاء المثلثة في التاء المثناة فوق في لفظ ﴿أُورِثْتُمُوهَا﴾ [في الأعراف: ٤٣] [والزخرف: ٧٢] .
الحرف السابع: الراء المجزومة في اللام نحو ﴿واصطبر لِعِبَادَتِهِ﴾ [ريم: ٦٥] وسبب الإدغام هنا التجانس حسبما ذهب إليه الفراء وموافقوه أما على مذهب الجمهور فسببه التقارب.
الحرف الثامن والتاسع: النون في الواو من هجاء ﴿يس والقرآن الحكيم﴾ [يس: ١-٢] ﴿ن والقلم وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ [القلم: ١] ولا ثالث لهما في التنزيل. وسبب الإدغام التقارب.
الحرف العاشر: الدال المهملة من هجاء ﴿كهيعص﴾ [مريم: ١] والذال المعجمة من ﴿ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّآ﴾ [مريم: ٢] بفاتحة مريم والسبب هنا التقارب.
الحرف الحادي عشر: الدال المهملة المجزومة في الثاء المثلثة في ﴿يُرِدْ ثَوَابَ﴾ [آل عمران: ١٤٥] في الموضعين بآل عمران.
الحرف الثاني عشر: الثاء المثلثة في التاء المثناة فوق في كلمتي ﴿
стр. 214
لَبِثْتُ﴾ [البقرة: ٢٥٩] و ﴿لَبِثْتُمْ﴾ [الكهف: ١٩] كيف وقعتا في النزيل مفردة أو مجموعة كما في المثال وسبب الإدغام هنا وفيما سبق التقارب أيضاً.
الحرف الثالث عشر: النون في الميم من هجاء ﴿طسم﴾ [الشعراء: ١] فاتحة الشعراء والقصص.
الحرف الرابع عشر: الذال المعجمة في التاء المثناة فوق في لفظ "أخذت" كيف جاء في القرآن أو كما عبر الإمام المتولي في هذا الحرف "بباب الاتخاذ" أي كيف وقع سواء كان مفرداً أو مجموعاً نحو ﴿أَخَذْتُ﴾ [فاطر: ٢٦] و ﴿أَخَذْتُمْ﴾ [آل عمران: ٨١] و ﴿لَتَّخَذْتَ﴾ [الكهف: ٧٧] و ﴿فاتخذتموهم﴾ [المؤمنون: ١١٠] وما إلى ذلك وسبب الإدغام هنا وفيما سبق التقارب.
الحرف الخامس عشر: الباء الموحدة من لفظ "يعذب" في ميم "من" بسورة البقرة خاصة في قوله عز من قائل: ﴿فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ﴾ [البقرة: ٢٨٤] والإدغام في هذا الحرف خاص بمن قرأ بالجزم في باء يعذب: أما من قرأ بالرفع ومنهم حفص عن عاصم فلا إدغام عنده بحال فتنبه.
هذا: ووجه من أدغم هنا التجانس.
الحرف السادس عشر: الثاء المثلثة في الذال المعجمة من لفظ ﴿يَلْهَث ذَّلِكَ﴾ [الأعراف: ١٧٦] بالأعراف خاصة وسبب الإدغام هنا التجانس كذلك.
الحرف السابع عشر: الباء الموحدة الساكنة في الميم من ﴿
стр. 215
اركب مَّعَنَا﴾ [هود: ٤٢] بهود وسبب الإدغام هنا التجانس أيضاً.
والآن قد تم الكلام على الأحرف السبعة عشر المدغمة جوازاً وقد تقدم معنى الجواز غير مرة: ونقول أن كل حرف منها قد اختلف الأئمة القراء فيه. فمنهم من أظهر على الأصل. ومنهم من أدغم على الجواز سواء أكان الإدغام متفقاً عليه أم مختلفاً فيه وهذا كله مبسوط في كتب القراءات تركنا ذكره هنا طلباً للاختصار ومراعاة للمبتدئين وبالنسبة لحفص عن عاصم فإنه قرأ بالإظهار وجهاً واحداً في كلها باستثناء أحرف ثلاثة. فأدغم في واحد منها بالإجماع. واختلف عنه في الحرفين الباقيين.
أما الحرف المتفق على إدغامه عنه فهو النون في الميم من هجاء "طسَمَ" فاتحة الشعراء والقصص.
وأما الحرفان المختلف عنه فيهما.
فأولهما: الثاء المثلثة في الذال المعجمة في ﴿يَلْهَث ذَّلِكَ﴾ [بالأعراف: ١٧٦] .
وثانيهما: الباء في الميم في ﴿اركب مَّعَنَا﴾ [بهود: ٤٢] .
وهنا شيء هام يجب معرفته بالنسبة لهذين الحرفين وهو: أن الإدغام فيهما جاء عن حفص عن عاصم من طريق الشاطبية بالاتفاق. وجاء عنه من طريق الطيبة بالخلاف وهذا يفيد أن لحفص الوجهين الإظهار والإدغام في هذين الحرفين من طريق الطيبة وعليه:
فيكون الإظهار لحفص زائداً له على ما في الشاطبية. ولا يجوز للقارىء أن يقرأ بوجه الإظهار لحفص في هذين الحرفين إلا إذا علم بطريق التلقي ما يترتب عليه من أحكام يجب مراعاتها ولا يجوز مخالفتها بحال لأن هذه الأحكام إذا تركت ولم تراع في التلاوة فيعد كذباً في الرواية.
وقد وقع في بعض كتب المحدثين الكثير من هذا وشبهه ولم ينبه الطالب في هذه الكتب إلى ما أشرنا إليه وترك الكلام فيها مطلقاً ولابد من تقييده بما ذكرنا. فلا تغتر أخي بما جاء في هذه الكتب مما يفيد ترك الأحكام الواجب
следующие страницы →