Полный текст (749 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
فقولنا: "هي الهاء الزائدة عن بنيه الكلمة" خرج به الهاء الأصلية كالهاء في نحوة ﴿مَا نَفْقَهُ﴾ [هود: ٩١] ﴿لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ﴾ [الأحزاب: ٦٠] ﴿وَجْهُ أَبِيكُمْ﴾ [يوسف: ٩] ﴿وانه عَنِ المنكر﴾ [لقمان: ١٧] ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ﴾ [القصص: ٢٢] فكل هذه الهاءات وما مائلها أصلية مقصورة في التلاوة والقصر هنا معناه حذف المد نهائيّاً كما سيأتي بيانه في التنبيهات آخر الفصل.
وقولنا "الدالة على المفرد المذكر الغائب" خرج به الدالة على الواحدة المؤنثة في نحو ﴿مِّنْ أَهْلِهَآ﴾ [النساء: ٣٥] والدالة على التثنية نحو ﴿فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَآ﴾ [البقرة: ٢٣٠] والدالة على الجمع مطلقاً نحو ﴿عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧] ﴿عَلَيْهِنَّ﴾ [الفاتحة: ٧] .
وتتصل هاء الضمير بالاسم نحو ﴿إلى أَجَلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] بالفعل نحو ﴿قُلْتُهُ﴾ [المائدة: ١١٦] ﴿وَيُعَلِّمُهُ﴾ [آل عمران: ٤٨] ﴿أَوْ حَرِّقُوهُ﴾ [العنكبوت: ٢٤] وبالحرف نحو ﴿
стр. 317
إِلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٨] .
وكما تسمى بهاء الضمير تسمى بهاء الكناية أيضاً لأنها يكنى بها عن المفرد المذكر الغائب.
وأما حالاتها في التلاوة فأربع يجب على القارىء معرفتها جيدّاً وهي كما يلي:
الحالة الأولى: أن تقع بين ساكنين نحو ﴿آتَاهُ الله الملك﴾ [البقرة: ٢٥٨] ﴿وَآتَيْنَاهُ الإنجيل﴾ [المائدة: ٤٦] .
الحالة الثانية: أن يقع قبلها محرك وبعدها ساكن نحو ﴿لَهُ الملك وَلَهُ الحمد﴾ [التغابن: ١] ولا خلاف بين القراء العشرة في قصر هذه الهاء أي عدم صلتها في هاتين الحالتين لئلا يجتمع ساكنان على غير حدهما.
الحالة الثالثة: أن تقع بين محركين نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيراً﴾ [الانشقاق: ١٥] ولا خلاف بين عامة القراء في هذه الحالة في صلة هذه الهاء بواو لفظية في الوصل إذا كانت مضمومة بعد ضم أو بعد فتح كقوله سبحانه: ﴿إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ [المائدة: ١١٦] وبياء لفظية في الوصل أيضاً إذا كانت مكسورة ولا يكون قبلها إلا مكسور حينئذ نحو قوله عز من قائل: ﴿وَلاَ يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً﴾ [الكهف: ٢٦] .
ويستثنى من هذه الحالة اثنتا عشرة كلمة وقعت في واحد وعشرين موضعاً
стр. 318
من القرآن الكريم وقد وقع فيها خلاف بين القراء وهذا الخلاف دائر بين الصلة والقصر والإسكان والكلمات هي:
"بيده، يؤده، نؤته، نوله، ونصله، أرجه، ترزقانه، يأته، ويتقه، فألقه، يرضه، يره".
أما كلمة "بيده" فوقعت في أربعة مواضع: موضعان بالبقرة في قوله تعالى: ﴿أَوْ يَعْفُوَاْ الذي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النكاح﴾ [البقرة: ٢٣٧] وقوله سبحانه: ﴿إِلاَّ مَنِ اغترف غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُواْ مِنْهُ﴾ [البقرة: ٢٤٩] وموضع في كل من المؤمنون ويس في وقوله تعالى: ﴿بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الآية: ٨٨] [الآية: ٨٣] .
وأما كلمة "يؤده" فوقعت في موضعين بآل عمران في قوله تعالى: ﴿يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران: ٧٥] ﴿لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران: ٧٥] .
وأما كلمة "نؤته" فوقعت في ثلاثة مواضع منها موضعان بآل عمران في قوله تعالى: ﴿وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدنيا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الآخرة نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ [آل عمران: ١٤٥] والثالث في سورة الشورى في قوله سبحانه: ﴿وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدنيا نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ [الشورى: ٢٠] .
وأما كلمتا "نوله ونصله" فوقعتا في سورة النساء في قوله تعالى: ﴿نُوَلِّهِ مَا تولى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ﴾ [النساء: ١١٥] .
وأما كلمة "أرجه" فوقعت في موضعين موضع بالأعراف في قوله تعالى: ﴿قالوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ﴾ [الأعراف: ١١١] وموضع بالشعراء في قوله سبحانه: ﴿قالوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ
стр. 319
وابعث﴾ [الآية: ٣٦] .
وأما كلمة "تُرزقانه" فوقعت في موضع واحد بسورة سيدنا يوسف ﵊ في قوله تعالى: ﴿طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ﴾ [يوسف: ٣٧] .
وأما كلمة "يأته" فوقعت في سورة طه ﵊ في قوله تعالى: ﴿وَمَن يَأْتِهِ مُؤْمِناً﴾ [طه: ٧٥] .
وأما كلمة "ويتَّقه" فوقعت في موضع واحد في سورة النور في قوله تعالى: ﴿وَيَخْشَ الله وَيَتَّقْهِ﴾ [النور: ٥٢] .
وأما كلمة "فألقه" فوقعت في موضع واحد في سورة النمل في قوله تعالى: ﴿فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ﴾ [النمل: ٢٨] .
وأما كلمة "يرضه" فوقعت في موضع واحد في الزمر في قوله تعالى: ﴿وَإِن تَشْكُرُواْ يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [الزمر: ٧] .
وأما كلمة "يره" فوقعت في ثلاثة مواضع: موضع بالبلد في قوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ أَن لَّمْ يَرَهُ أَحَدٌ﴾ [البلد: ٧] وموضعين بالزلزلة في قوله سبحانه: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧-٨] .
ومعرفة من سكن أو وصل أو قصر هذه الهاءات من القراء العشرة تركنا ذكره هنا طلباً للاختصار ومراعاة لحال المبتدئين ومن أراد الوقوف على ذلك فلينظر كتب القراءات فهو مبسوط فيها.
وبالنسبة لرواية حفص عن عاصم فإنه وصلها بواو لفظية إذا كانت مضمومة وبياء لفظية إذا كانت مكسورة كما تقدم إلا في خمسة مواضع منها وهي "أرجه"
стр. 320
في الموضعين "ويتَّقه" بالنور و"فألقه" بالنمل و"يرضه" بالزمر.
أما "أرجه" في الموضعين وكذلك "فألْقِهِ" فقرأ بإسكان الهاء وصلاً ووقفاً.
وأما "ويتَّقه" فقرأ بقصر الهاء لأنه يسكن القاف قبلها فخرجت بذلك عن حالة بين المحركين حسب روايته.
وأما "يرضه" فقرأ بقصر الهاء ونعني بالقصر هنا حذف حرف المد الذي هو صلة الهاء نهائيّاً كما سيأتي في التنبيهات وبهذا يكون حفص قد جمع في روايته عن عاصم بين اللغات الثلاث التي في هاء الضمير وهي الصلة والقصر والإسكان.
الحالة الرابعة: أن يقع قبلها ساكن مطلقاً وبعدها متحرك نحو ﴿فِيهِ هُدًى﴾ [البقرة: ٢] ﴿خُذُوهُ فاعتلوه﴾ [الدخان: ٤٧] ﴿وَبَرّاً بِوَالِدَيْهِ﴾ [مريم: ١٤] ﴿وَلِيَرْضَوْهُ﴾ [الأنعام: ١١٣] ﴿إِلَيْهِ أَخَاهُ﴾ [يوسف: ٦٩] ﴿استأجره﴾ [القصص: ٢٦] .
وهذه الحالة مختلف فيها بين القراء العشرة فابن كثير يقرأ بصلتها وصلاً بواو لفظية إذا كانت مضمومة نحو ﴿اجتباه وَهَدَاهُ﴾ [النحل: ١٢١] ﴿فَعَلُوهُ﴾ [القمر: ٥٢] وبباء لفظية في الوصل إذا كانت مكسورة نحو ﴿لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾ [السجدة: ٢] ﴿والذي قَالَ لِوَالِدَيْهِ﴾ [الأحقاف: ١٧] ووافقه حفص عن عاصم في موضع واحد في التنزيل وهو قوله تعالى: ﴿وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً﴾ [الفرقان: ٦٩] بالفرقان فوصل الهاء من "فيه" بياء لفظية في الوصل وباقي
стр. 321
القراء غير ابن كثير وحفص في موضع الفرقان وغير ابن كثير في غيرها بالقصر أي بحذف الصلة مطلقاً.
تنبيهات هامة:
التنبيه الأول: إذا وصلت الهاء بباء أو بواو فينظر إلى ما بعدها فإن كان ما بعدها همز فالصلة من قبيل المد المنفصل فيعطى حكمه حينئذ في المد كقوله تعالى: ﴿وَلاَ يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً﴾ [الكهف: ٢٦] ﴿أَيَحْسَبُ أَن لَّمْ يَرَهُ أَحَدٌ﴾ [البلد: ٧] وإن كان ما بعد الصلة ليس همزاً فالصلة من قبيل المد الطبيعي كقوله تعالى: ﴿نُوَلِّهِ مَا تولى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ﴾ [النساء: ١١٥] .
التنبيه الثاني: المراد من صلة الهاء مدها وقد يكون الد طبيعيّاً وقد يكون منفصلاً كما مر والمراد من القصر هنا حذف الصلة نهائيّاً وليس المراد منه القصر المعهود الذي هو حركتان كالطبيعي كما يتبادر لأن حذف حرف المد من معاني القصر كما مر في المعنى الاصطلاحي للقصر في صدر الباب. ووصل الهاء وقصرها على ما تقدم إنما هو في حالة الوصل فحسب.
أما في حالة الوقف فلا خلاف بين عامة القراء العشرة في أنه بالسكون وعلى هذا فمن سكن الهاء فيكون سكونه في الوصل والوقف. ومن وصلها أو قصرها فيكون في الوصل فقط فتأمل.
التنبيه الثالث: فيما يلحق بهاء الضمير: يلحق بهاء الضمير في الحكم الهاء في اسم الإشارة للمفردة المؤنثة في لفظ "هذه" في عموم القرآن الكريم فتوصل بياء لفظية في الوصل إذا وقعت بين متحركين كقوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ هاذه أَنْعَامٌ﴾ [الأنعام: ١٣٨] ﴿هاذه بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا﴾ [يوسف: ٦٥] . وتحذف صلتها وصلاً
стр. 322
لالتقاء الساكنين إذا وقعت قبل الساكن كقوله تعالى: ﴿عَنْ هاذه الشجرة﴾ [الأعراف: ٢٠] ﴿وهاذه الأنهار﴾ [الزخرف: ٥١] والحكم في هذه الهاء عام لجميع القراء العشرة سواء في حذف صلتها أو في إثباتها لا فرق بين حفص وغيره.
ويراعى هنا حكم الهمز الواقع بعد الصلة أيضاً كما مر في التنبيه الأول، وإنما لم توصل هذه الهاء بواو كهاء الضمير لأنها لم تقع مضمومة بحال وكذلك لم تقع ساكنة في الوصل فخالفت هاء الضمير في هاتين المسألتين.
وقد أشار إلى هذه الهاء وبين حكمها المذكور هنا الإمام أبو شامة ﵀ في شرحه على الشاطبية في نفس الباب.
كما أشار إليها كذلك الإمام ابن بري في الدرر اللوامع بقوله ﵀:
وهاءُ هذهِ كهاءِ المُضْمَر ... فوَصْلُهَا قبل مُحَرَّك حَرى اهـ
ويؤخذ من كلامه ﵀ أنها إذا وقعت قبل ساكن فتحذف صلتها وهو كذلك ما أسلفنا.
وإلى هنا انتهى كلامنا على المدود ونسأل الله تعالى العون على تمام المقصود آمين.
стр. 323
الباب الثاني عشر / في معرفة الوقف والابتداء والقطع والسكت
التمهيد للدخول إلى الباب
من مهمات المسائل في علم التجويد معرفة كل من الوقف والابتداء فإنهما من مباحثه بمكان مكين بعد معرفة مسائل المخارج والصفات. وينبغي لكل مَعْنيٍّ بتلاوة القرآن الكريم مجتهد في إيفائها حقها ومستحقها أن يقبل عليها ويصرف همته إليها إذ لا يتحقق فهم كلام الله تعالى ولا يتم إدراك معناه إلا بذلك. فربما يقف القارىء قبل تمام المعنى ولا يصل ما وقف عليه بما بعده حتى ينتهي إلى ما يصح أن يقف عنده. وعندئذ لا يفهم هو ما يقول ولا يفهمه السامع بل ربما يفهم من هذا الوقف معنى آخر غير المعنى المراد. وهذا فساد عظيم وخطر جسيم لا تصح به القراءة ولا توصف به التلاوة. وقد أوجب المتقدمون من الرعيل الأول على القارىء معرفة الوقف والابتداء لما جاء في ذلك من الآثار الواردة عن الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم أجمعين. فقد ثبت أن الإمام عليّاً ﵁ لما سئل عن قوله تعالى: ﴿وَرَتِّلِ القرآن﴾ [المزمل: ٤] فقال: الترتيل معناه تجويد الحروف ومعرفة الوقوف.
وذكر الإمام أبو جعفر النحاس في كتابة "القطع والائتناف" بإسناده إلى ابن عمر ﵄ قال - أي ابن عمر: "لقد عشنا برهة من دهرنا وإن أحدنا
стр. 324
ليؤتى الإيمان قبل القرآن وتنزل السورة على محمد ﷺ ، فنتعلم حلالها وحرامها وما ينبغي أن يوقف عنده منها كما تتعلمون أنتم اليوم القرآن ولقد رأيت اليوم رجالاً يؤتى أحدهم القرآن قبل الإيمان فيقرأ ما بين فاتحته إلى خاتمته ما يدري ما آمره ولا زاجره ولا ما ينبغي أن يوقف عنده منه وينثره نثر الدقل" أهـ منه بلفظه.
وروى الحافظ ابن الجزري في النشر هذا الحديث باختلاف يسير.
قال الإمام أبو جعفر النحاس: فهذا الحديث يدل على أنهم كانوا يتعلمون التمام كما يتعلمون القرآن. وقول ابن عمر: "لقد عشنا برهة من دهرنا" يدل على أن ذلك إجماع من الصحابة أهـ بلفظه.
وقال الحافظ ابن الجزري في النشر: ففي كلام علي ﵁ دليل على وجوب تعلمه ومعرفته. وفي كلام ابن عمر ﵄ برهان على أن تعلمه إجماع من الصحابة ﵃. وصح بل وتواتر عندنا تعلمه والاعتناء به من السلف الصالح كأبي جعفر يزيد بن القعقاع إمام أهل المدينة الذي هو من أعيان التابعين وصاحبه الإمام نافع بن أبي نعيم وأبي عمرو بن العلاء ويعقوب الحضرمي وعاصم بن أبي النجود وغيرهم من الأئمة. وكلامهم في ذلك معروف ونصوصهم عليه مشهورة في الكتب أهـ بلفظه.
стр. 325
وقد نقل الإمام القسطلاني شارح البخاري في كتابه لطائف الإشارات وصف الإمام الهذلي الوقف في كتابه الكامل فقال: "وقد قال الهذلي - مما رأيته في كامله - الوقف حلية التلاوة وزينة القارىء وبلاغ التالي وفهم للمستمع وفخر للعالم. وبه يعرف الفرق بين المعنيين المختلفين. والنقيضين المتباينين. والحكمين المتغايرين" أهـ.
ومن ثم اعتنى بعلم الوقف والابتداء وتعلمه والعمل به المتقدمون والمتأخرون من أئمتنا فأفردوه بالتصنيف الخاص به منهم الإمام أبو بكر بن الأنباري والإمام أبو جعفر النحاس والحافظ أبو عمرو الداني والحافظ ابن الجزري وابنه العلامة الشيخ أحمد المعروف بابن الناظم وشيخ الإسلام أبو يحيى زكريا الأنصاري والعلامة المحقق الشيخ أحمد بن عبد الكريم الأشموني وخلق غير هؤلاء ﵏ أجمعين. ونفعنا بعلومهم آمين.
هذا: وكلامنا في هذا الباب يتم - إن شاء الله تعالى - في ثلاثة فصول وخاتمة نسأل الله تعالى حسنها، أما الفصول الثلاثة:
فأولها: في تعريف الوقف وأقسامه.
وثانيها: في تعريف الابتداء وما يلزم فيه.
وثالثها: في تعريف كل من القطع والسكت.
وأما الخاتمة ففي التنبيه على انتهاء الكلام على صفات الحروف العرضية التي أشرنا إليها في باب الصفات.
ولكل كلام خاص نوضحه فيما يلي:
стр. 326
الفصل الأول / في تعريف الوقف وأقسامه
أما تعريف الوقف فهو في اللغة الكفُّ والحبس. وفي الاصطلاح هو عبارة عن قطع الصوت عن أخر الكلمة زمناً يتنفس فيه عادة بنية استئناف القراءة لا بنية الإعراض عنها وينبغي معه البسملة في فواتح السور ويكون على رؤوس الآي وأواسطها، ولا يكون في وسط الكلمة ولا فيما اتصل رسماً كالوقف على "أن" من ﴿أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ﴾ [القيامة: ٣] .
وأما أقسام الوقف فثلاثة: اختباري "بالباء الموحدة" واضطراري واختياري "بالياء المثناة تحت ولكل منها حد يخصه وحقيقة يتميز بها عما سواه".
أما الوقف الاختياري "بالباء الموحدة" فهو الذي يطلب من القارىء بقصد الامتحان ومتعلق هذا الوقف الرسم العثماني لبيان المقطوع والموصول والثابت والمحذوف من حروف المد والمجرور والمربوط من التاءات ويلحق بهذا الوقف وقف القارىء لإعلام غيره بكيفية الوقف على الكلمة بكونه عالماً بها من حيث القطع أو الوصل إلخ ولهذا سمي اختباريّاً.
وحكمه: الجواز بشرط أن يبتدىء الواقف بما وقف عليه ويصله بما بعده إن صلح الابتداء به وإلا فيبتدىء بما قبله مما يصلح ابتداءً.
وأما الوقف الاضطراري: فهو الذي يعرض للقارىء بسبب ضرورة ألجأته إلى الوقف كضيق النفس أو العطاس أو العيّ أو النيسان وما إلى ذلك وحينئذ يجوز له الوقف على أي كلمة كانت وإن لم يتم المعنى وبعد ذهاب هذه الضرورة التي ألجأته إلى الوقف على هذه الكلمة يبتدىء منها ويصلها بما بعدها إن صلح البدء بها وإلا فيبتدىء بما قبلها بما يصلح البدء به كما في الوقف الاختباري "بالموحدة".
стр. 327
وسمي اضطراريّاً للأسباب المذكورة آنفاً.
وأما الوقف الاختياري: "بالياء المثناة تحت" فهو الذي يقصده القارىء باختياره من غير عروض سبب من الأسباب المتقدمة في الوقفين الاختباري "بالموحدة" والاضطراري. وقد يبتدأ بما بعد الكلمة الموقوف عليها وقد لا يبتدأ بأن توصل بما بعدها كما سنوضحه بعد في الوقف الحسن.
وهذا الوقف هو المقصود بالذكر هنا وينقسم إلى أربعة أقسام: تام، وكاف، وحسن، وقبيح.
فإن أفادت الكلمة الموقوف عليها معنى تامّاً يحسن السكوت عليه كان الوقف تامّاً أو كافياً أو حسناً. وإن لم تفد معنى يحسن السكوت عليه كان الوقف قبيحاً ويجب على الواقف حينئذ البدء على الفور بما قبل الكلمة الموقوف عليها ووصلها بما بعدها إلى أن يصل إلى كلام تام يحسن السكوت عليه كما سنذكره بعد ويشترط للمعنى التام الذي يحسن السكوت عليه أن يكون الكلام مشتملاً على ركني الجملة من المسند والمسند إليه. وبهذا يكون الكلام تامّاً. ولتمامه حينئذ أحوال ثلاثة. وذلك لأنه إما أن يكون غير متعلق بما بعده لا لفظاً ولا معنى. وإما أن يكون متعلقاً بما بعده معنى لا لفظاً. وإما أن يكون متعلقاً بما بعده لفظاً ومعنى مع الفائدة التي بها يحسن السكوت عليه.
فالأول: هو الوقف التام.
والثاني: هو الوقف الكافي. وحكمهما جواز الوقف عليهما والابتداء بما بعدهما.
والثالث: هو الوقف الحسن. وحكمه جواز الوقف عليه دون الابتداء بما بعده لتعلقه به لفظاً ومعنى. إلا إذا كان الابتداء برأس آية فإنه يجوز حينئذ لأن الوقف على رؤوس الآي سنة مطلقاً كما سيأتي بيانه عند تفصيل الكلام على الوقف الحسن.
وقد أشار الحافظ ابن الجزري في المقدمة الجزرية إلى أقسام الوقف الاختياري وحكمها مع التأكيد على معرفة الوقف والابتداء بقوله رحمه الله تعالى:
وبعدَ تجويدِكَ للحروفِ ... لابدَّ من معرفةِ الوقوفِ
стр. 328
والابتدا وهي تقسَمُ إذَنْ ... ثلاثة تامٌ وكافٍ وحسنْ
وهي لما تَمَّ فإن لمْ يُوجَدِ ... تَعلُّقٌ أو كان معنى فابْتَدِي
فالتامُ فالكافِي ولفظاً فامْنَعَنْ ... إلا رؤوسَ الآي جوِّزْ فالحسَنْ
وغير ما تَمَّ قبيحٌ ولهُ ... يوقَفُ مُضْطَرّاً ويُبْدأُ قبلَهُ اهـ
وفيما يلي تفصيل الكلام على كل من الوقف التام والكافي والحسن والقبيح مع الأمثلة للجميع والأصل فيها من السنة فنقول وبالله التوفيق.
الكلام على الوقف التام
وهو الوقف على كلام تم معناه وليس متعلقاً بما بعده لا لفظاً ولا معنى. وأكثر ما يكون هذا الوقف في رؤوس الآي وانتهاء القصص كالوقف على قوله تعالى: ﴿مالك يَوْمِ الدين﴾ [الفاتحة: ٤] والابتداء بقوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] وكالوقف على نحو ﴿وأولائك هُمُ المفلحون﴾ [البقرة: ٥] والابتداء بقوله: ﴿إِنَّ الذين كَفَرُواْ﴾ [البقرة: ٦] . ونحو الوقف على قوله تعالى: ﴿إِنَّ العاقبة لِلْمُتَّقِينَ﴾ [هود: ٤٩] والابتداء بقوله سبحانه: ﴿وإلى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً﴾ [هود: ٥٠] وذلك لأن لفظ "المفلحون" تمام الآيات المتعلقة بالمؤمنين وما بعده منفصل عنه متعلق بأحوال الكافرين وكذلك لفظ "للمتقين" تمام الآيات المتعلقة بقصة سيدنا نوح وما بعده منفصل عنه ابتداء قصة سيدنا هود على نبينا سيدنا محمد وعليهما الصلاة والسلام.
وقد يكون في وسط الآي كالوقف على لفظ "جاءني" في قوله تعالى: ﴿لَّقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذكر بَعْدَ إِذْ جَآءَنِي﴾ [الفرقان: ٢٩] فهذا تمام حكاية قول الظالم وتمام
стр. 329
الفاصلة ففي قول الله تعالى: ﴿وَكَانَ الشيطان لِلإِنْسَانِ خَذُولاً﴾ [الفرقان: ٢٩] .
وقد يكون بعد تمام الآية بكلمة كالوقف على لفظ "كذلك" "وبالليل" "وزخرفاً" من قوله تعالى: ﴿حتى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشمس وَجَدَهَا تَطْلُعُ على قَوْمٍ لَّمْ نَجْعَل لَّهُمْ مِّن دُونِهَا سِتْراً كَذَلِكَ﴾ [الكهف: ٩٠-٩١] ﴿وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ وبالليل﴾ [الصافات: ١٣٧-١٣٨] ﴿وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَاباً وَسُرُراً عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ وَزُخْرُفاً﴾ [الزخرف: ٣٤-٣٥] . فإن تمام الآية في كل "ستراً" و"مصبحين" و"يتكئون" وتمام الكلام لفظ "كذلك" "وبالليل" "وزخرفاً".
ويكون في أواخر السور وهو ظاهر.
قال الحافظ ابن الجزري في النشر: "وقد يتفاضل التام في التمام نحو ﴿مالك يَوْمِ الدين إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٤-٥] كلاهما تام إلا أن الأول أتم من الثاني لاشتراك الثاني فيما بعده في معنى الخطاب بخلاف الأول" أهـ.
وسمي تامّاً لتمام لفظه وانقطاع ما بعده عنه في اللفظ والمعنى.
وحكمه أنه يحسن الوقف عليه والابتداء بما بعده لما تقدم في وجه تسميته بالتام.
هذا والمراد بالتعلق المعنوي أن يتعلق المتقدم بالمتأخر من جهة المعنى لا من جهة الإعراب. والمراد بالتعلق اللفظي أن يتعلق المتقدم بالمتأخر من حيث الإعراب كأن يكون موصوفاً للمتأخر أو يكون المتأخر معطوفاً على المتقدم أو مضافاً إليه أو خبراً له وما إلى ذلك. ويلزم من التعلق اللفظي التعلق المعنوي.
الأصل في الوقف التام من السنة المطهرة
الأصل في الوقف التام ما ذكره الحافظ ابن الجزري في كتابه التمهيد في علم التجويد بسنده المتصل إلى عبد الرحمن بن أبي بكرة قال: "أي ابن أبي بكرة": إن جبريل أتى النبي ﷺ ، فقال: اقرأ القرآن على حرف فقال ميكائيل:
стр. 330
استزده، فقال: اقرأ على حرفين، فقال ميكائيل: استزده حتى بلغ سبة أحرف كل شاف كاف ما لم تختم آية عذاب بآية رحمة او آية رحمة بآية عذاب. وفي رواية أخرى ما لم تختم آية رحمة بعذاب أو آية عذاب بمغفرة أهـ. قال أبو عمرو هذا تعليم الوقف التام من رسول الله ﷺ ، عن جبريل ﵇ إذ ظاهر ذلك أن يقطع على الآية التي فيها ذكر الجنة أو الثواب وتفصل مما بعدها إذا كان ذكر العقاب. وكذلك ينبغي أن يقطع على الآية التي فيها ذكر النار أو العقاب وتفصل مما بعدها إذا كان ذكر الجنة أو الثواب أهـ منه بلفظه.
الكلام على الوقف الكافي
وهو الوقف على كلام تم معناه وتعلق بما بعده معنى لا لفظاً. ويوجد في رؤوس الآي وفي أثنائها كالوقف على نحو قوله تعالى: ﴿وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٣] ﴿وبالآخرة هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة: ٤] . ﴿أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٦] . ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرض خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] فكل هذا كلام تام مفهوم وما بعده مستغن عما قبله في اللفظ وإن اتصل في المعنى.
قال الحافظ ابن الجزري في النشر: "وقد يتفاضل - أي الوقف الكافي -" في الكفاية كتفاضل التام نحو ﴿فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ [البقرة: ١٠] كاف ﴿فَزَادَهُمُ الله مَرَضاً﴾ [البقرة: ١٠] أكفى منه ﴿بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [البقرة: ١٠] أكفى منهما أهـ منه بلفظه.
стр. 331
وحكمه أنه يحسن الوقف عليه والابتداء بما بعده كالوقف التام.
وسمي كافياً للاكتفاء به عما بعده لعدم تعلقه به من جهة اللفظ. وإن كان متعلقاً به من جهة المعنى.
الأصل في الوقف الكافي من السنة المطهرة
الأصل في الوقف الكافي ما ذكره الحافظ ابن الجزري في كتابه التمهيد في علم التجويد بسنده المتصل إلى أبي عمرو الداني وبسند الداني إلى عبد الله بن مسعود ﵁ قال "أي ابن مسعود ﵁": "قال لي رسول الله ﷺ : اقرأ علي فقلت له أقرأ عليك وعليك أُنزل؟ قال: إني أحب أن أسمعه من غيري. قال: فافتتحت سورة النساء فلما بلغت ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ على هؤلاء شَهِيداً﴾ قال: فرأيته وعيناه تذرفان دموعاً فقال لي: حسبك" أهـ قال الداني: فهذا دليل جواز القطع على الوقف الكافي لأن شهيداً ليس من التام وهو متعلق بما بعده معنى لأن المعنى فكيف يكون حالهم إذا كان هذا يومئذ يود الذين كفروا فما بعده متعلق بما قبله والتمام "حديثاً" لأنه انقضاء القصة وهو آخر الآية الثانية. وقد أمر النبي ﷺ أن يقطع عليه دونه مع تقارب ما بينهما فدل ذلك دلالة واضحة على جواز القطع على الكافي أهـ منه بلفظه.
الكلام على الوقف الحسن
وهو الوقف على كلام تم معناه وتعلق بما بعده لفظاً ومعنى مع الفائدة
стр. 332
كأن يكون اللفظ الموقوف عليه موصوفاً وما بعده صفة له أو معطوفاً وما بعده معطوفاً عليه أو مستثنى منه وما بعده مستثنى أو بدلا وما بعده مبدل منه وما إلى ذلك ويوجد في رؤوس الآي وفي أثنائها كالوقف الكافي.
وسمي حسناً لحسن الوقف عليه لأنه أفهم معنى يحسن السكوت عليه وحكمه أنه يحسن الوقف عليه. وأما الابتداء بما بعده ففيه تفصيل لأنه قد يكون في رؤوس الآي وقد يكون في غيرها.
فإن كان في غير رؤوس الآي فحكمه أنه يحسن الوقف عليه ولا يحسن الابتداء بما بعده لتعلقه به لفظاً ومعنى كالوقف على لفظ "الله" من قوله تعالى: ﴿الحمد للَّهِ﴾ [الفاتحة: ٢] فإنه كلام تام يحسن الوقف عليه ولا يحسن الابتداء بما بعده. لأن ما بعده وهو قوله تعالى: ﴿رَبِّ العالمين﴾ [الفاتحة: ٢] أو قوله تعالى ﴿فَاطِرِ السماوات والأرض﴾ [فاطر: ١] صفة للفظ الجلالة في الموضعين والصفة والموصوف كالشيء الواحد لا يفرق بينهما والابتداء حينئذ يكون غير حسن وفوق هذا أصبح اللفظ المبدوء به عارياً عن العوامل اللفطية. والعاري عن العوامل اللفظية هو المبتدأ وحكمه الرفع بينما صار مخفوضاً. إذن فلا بد من وصل الكلمة الموقوف عليها بما بعدها في هذه الحالة وما ماثلها ليكون العامل والمعمول معاً كما هو مقرر.
وإن كان في رؤوس الآي كالوقف على لفظ "العالمين" و"الرحيم" و"العلي" في قوله تعالى: ﴿الحمد للَّهِ رَبِّ العالمين﴾ [الفاتحة: ٢] ﴿الرحمان الرحيم﴾ [الفاتحة: ٣] . ﴿لَهُمُ الدرجات العلى﴾ [طه: ٧٥] فإنه يحسن الوقف عليه والابتداء بما بعده لأن الوقف على رؤوس الآي سنة سواء وجد تعلق لفظي أم لم يوجد وهذا هو المشهور عند
стр. 333
جمهور العلماء وأهل الأداء والنصوص عليه متوافرة لوروده عن رسول الله ﷺ في حديث أم المؤمنين أم سلمة ﵂ أن النبي ﷺ : "كان إذا قرأ قطَّع قراءته آية آية يقول: بسم الله الرحمن الرحيم، ثم يقف ثم يقول: الحمد لله رب العالمين، ثم يقف ثم يقول: الرحمن الرحيم. مالك يوم الدين". قال الحافظ ابن الجزري في النشر عقب ذكره لهذا الحديث: رواه أبو داود ساكتاً عليه والترمذي وأحمد وأبو عبيدة وغيرهم. وهذا حديث حسن صحيح وكذلك عد بعضهم الوقف على رؤوس الآي سنة. وقال ابو عمرو وهو أحب إلي واختاره البيهقي في شعب الإيمان وغيره من العلماء. وقالوا الأفضل الوقوف على رؤوس الآيات وإن تعلقت بما بعدها. قالوا: واتباع هدي رسول الله ﷺ وسنته أولى أهـ منه بلفظه.
هذا ونصوص العلماء في هذا الوقف كثيرة وشهيرة لا يتحملها هذا المختصر وكلها تؤيد سنية الوقف على رؤوس الآي وقد اكتفينا منها بما جاء في النشر.
وقد منع جماعة من العلماء الوقف على رؤوس الآي في مثل ما ذكرنا لتعلقها بما بعدها وحملوا ما في حديث أم سلمة ﵂ على أن ما فعله ﷺ إنما قصد به بيان الفواصل لا التعبد. وعلى ذلك فلا يكون الوقف على رؤوس الآي سنة عندهم إذ لا يسن إلا ما فعله ﷺ تعبداً. وردَّهُ غير واحد من العلماء منهم العلامة المتولي بقوله في الروض النضير: "إنَّ من المنصوص المقرر أنَّ "كان إذا" تفيد التكرر وظاهر أن الإعلام يحصل بمرة ويبلغ الشاهد منهم الغائب فليكن الباقي تعبداً وليس كله للإعلام حتى يعترض على هؤلاء الأعلام أهـ منه بلفظه".
وهناك ردود أخرى تركنا ذكرها هنا رغبة في الاختصار.
قال الحافظ ابن الجزري في النشر وقد يكون الوقف حسناً على تقدير وكافياً
стр. 334
على آخر وتامّاً على غيرهما نحو قوله تعالى: ﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] يجوز أن يكون حسنا إذا جعل ﴿الذين يُؤْمِنُونَ بالغيب﴾ [البقرة: ٣] نعتاً للمتقين وأن يكون كافياً إذا جعل ﴿الذين يُؤْمِنُونَ بالغيب﴾ [البقرة: ٣] رفعاً بمعنى هم الذي يؤمنون بالغيب أو نصباً بتقدير أعني الذين. وأن يكون تامّاً إذا جعل ﴿الذين يُؤْمِنُونَ بالغيب﴾ [البقرة: ٣] مبتدأ خبره ﴿أولائك على هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] أهـ منه بلفظه.
الأصل في الوقف الحسن من السنة المطهرة
والأصل في الوقف الحسن الحديث المتقدم المروي عن أم المؤمنين أم سلمة ﵂ فقد ذكره الحافظ ابن الجزري في كتابه التمهيد بسنده المتصل إليها ثم قال بعد أن أورده: قالوا وهذا دليل على جواز القطع على الحسن في الفواصل لأن هذا متعلق بما قبله وما بعده لفظاً ومعنى وهذا القسم يحسن الوقف عليه ولا يحسن الابتداء بما بعده إلا في رؤوس الآي فإن لك سنة أهـ منه بلفظه.
"فصل": في بيان وقف السنة الواقع جله في غير رؤوس الآي أو في بيان وقف جبريل كما سماه بعضهم.
سبق أن بينا في فصل الوقف الحسن أن الوقف على رؤوس الآي سنة مطلقاً سواء تعلق رأس الآية بما بعده أم لم يتعلق وقد فصلنا الكلام على ذلك أيما تفصيل وسقنا الأدلة على ذلك من الخبر المتبع والأثر الصحيح وأقوال أئمة هذا الشأن فيه وأنه مذهب الجمهور وذكرنا الاعتراض على ذلك ورددناه بما يسر الله تعالى ذكره من أقوال علماء هذا الفن مما تجده في موضعه السابق مستوفى إن شاء الله تعالى.
والآن نشرع بحول الله في بيان الوقف المنسوب إلى النبي ﷺ في القرآن العظيم مما أكثره ليس برأس آية ونص عليه غير واحد ممن يعتد بنقلهم من محققي علماء القراءات مع عَزْوِ ذلك إليهم ونسبته لهم فقد قيل: إن من بركة
стр. 335
العلم نسبة القول إلى قائله.
والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.
أولاً: نقل صاحب "منار الهدى: في بيان الوقف والابتدا" عن العلامة السخاوي أن هذه الوقوف عشرة وسمى بعضها بوقف جبريل ﵇ وإليك نص عبارته: "قال السخاوي: ينبغي للقارى أن يتعلم وقف جبريل فإنه كان يقف في سورة آل عمران عند قوله: ﴿قُلْ صَدَقَ الله﴾ [الآية: ٩٥] ثم يبتدىء ﴿فاتبعوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً﴾ [آل عمران: ٩٥] والنبي ﷺ يتبعه. وكان النبي ﷺ يقف في سورة البقرة والمائدة عند قوله تعالى: ﴿فاستبقوا الخيرات﴾ [البقرة: ١٤٨] [المائدة: ٤٨] وكان يقف على قوله: ﴿سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ [المائدة: ١١٦] وكان يقف ﴿قُلْ هاذه سبيلي أَدْعُو إلى الله﴾ [يوسف: ١٠٨] ثم يبتدىء ﴿على بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتبعني﴾ [يوسف: ١٠٨] وكان يقف ﴿كذلك يَضْرِبُ الله الأمثال﴾ [الرعد: ١٨] ثم يبتدىء ﴿لِلَّذِينَ استجابوا لِرَبِّهِمُ الحسنى﴾ [الرعد: ١٨] وكان يقف ﴿والأنعام خَلَقَهَا﴾ [النحل: ٥] ثم يبتدىء ﴿لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ﴾ [النحل: ٥] وكان يقف ﴿أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً﴾ [السجدة: ١٨] ثم يبتدىء ﴿لاَّ يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة: ١٨] وكان يقف ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ يسعى فَحَشَرَ﴾ [النازعات: ٢٢] ثم يتبدىء ﴿فنادى﴾ [النازعات: ٢٣] وكان يقف ﴿لَيْلَةُ القدر خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر: ٣] ثم يبتدىء ﴿تَنَزَّلُ الملائكة﴾ [القدر: ٤] فكان ﷺ يتعمد الوقف على تلك الوقوف وغالبها ليس رأس آية وما ذلك إلا لعلم لدنِّي علمه من
стр. 336
علمه وجهله من جهله. فاتباعه سنة في أقواله وأفعاله انتهى منه بحرفه.
ثانياً: نقل صاحب انشراح الصدور أن مواضع هذه الوقوف سبعة عشر موضعاً وفيما يلي نص عبارته.
"أعلم أن الوقوف المندوبة التي كان النبي ﷺ يتحرى الوقوف عليها سبعة عشر موضعاً":
الأول والثاني: ﴿فاستبقوا الخيرات﴾ [بالبقرة: ١٤٨] [والمائدة: ٤٨] .
والثالث: ﴿قُلْ صَدَقَ الله﴾ [بآل عمران: ٩٥] .
والرابع: ﴿مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ [بالمائدة: ١١٦] .
والخامس: ﴿أَنْ أَنذِرِ الناس﴾ [بيونس: ٢] .
والسادس: ﴿وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ﴾ [يونس: ٦٥] بها أيضاً.
والسابع: ﴿قُلْ هاذه سبيلي أَدْعُو إلى الله﴾ [بيوسف: ١٠٨] .
والثامن: ﴿كذلك يَضْرِبُ الله الأمثال﴾ [بالرعد: ١٧] .
والتاسع: ﴿والأنعام خَلَقَهَا﴾ [ب النحل: ٥] .
والعاشر: ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل: ١٠٣] بها أيضاً.
والحادي عشر: ﴿يابني لاَ تُشْرِكْ بالله﴾ [بلقمان: ١٢] .
стр. 337
والثاني عشر: ﴿كَمَن كَانَ فَاسِقاً﴾ [بالسجدة: ١٨] .
والثالث عشر: ﴿أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النار﴾ [بغافر: ٦] .
والرابع عشر: ﴿فَحَشَرَ﴾ [بالنازعات: ٢٣] .
والخامس عشر: ﴿خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [بالقدر: ٣] .
والسادس عشر: ﴿مِّن كُلِّ أَمْرٍ﴾ [القدر: ٤] بها أيضاً.
والسابع عشر: ﴿بِحَمْدِ رَبِّكَ واستغفره﴾ [بالنصر: ٣] أهـ منه بلفظه.
ثالثاً: نقل صاحب "الرحلة العياشية" أن هذه الوقوف سبعة عشر وقفاً وساقها في نظم مبارك بديع وهذا أنذا أنثر مواضع هذا النظم أولاً ثم أذْكُرُه بعد ذلك ثانياًً.
وإليك بيان مواضع هذه الوقوف حسب ترتيب هذا النظم المبارك:
الأول: قوله تعالى: ﴿فاستبقوا الخيرات﴾ [بالبقرة: ١٤٨] .
الثاني: قوله سبحانه: ﴿وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ الله﴾ [بالبقرة: ١٩٧] أيضاً.
الثالث: قوله عز شأنه: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ الله﴾ [بآل عمران: ٧] .
الرابع: قوله عز من قائل: ﴿فاستبقوا الخيرات﴾ [بالمائدة: ٤٨] .
الخامس: قوله جل وعلا: ﴿مِنْ أَجْلِ ذلك﴾ [بالمائدة: ٣٢] أيضاً.
стр. 338
السادس: قوله سبحانه: ﴿مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ [بالمائدة: ١١٦] كذلك.
السابع والثامن: قوله تعالى: ﴿أَنْ أَنذِرِ الناس﴾ [يونس: ٢] وقوله عز شأنه: ﴿قُلْ إِي وربي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [يونس: ٥٣] الموضعان بيونس عليه الصلة والسلام.
التاسع: قوله سبحانه: ﴿قُلْ هاذه سبيلي أَدْعُو إلى الله﴾ [بيوسف: ١٠٨] ﵊.
العاشر: قوله تعالى: ﴿كذلك يَضْرِبُ الله الأمثال﴾ [بالرعد: ١٧] .
الحادي عشر: قوله تعالى: ﴿والأنعام خَلَقَهَا﴾ [بالنحل: ٥] .
الثاني عشر: قوله سبحانه: ﴿يابني لاَ تُشْرِكْ بالله﴾ [بلقمان: ١٣] .
الثالث عشر: قوله : ﴿وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الذين كفروا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النار﴾ [بغافر: ٦] .
الرابع عشر: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ يسعى فَحَشَرَ﴾ [بالنازعات: ٢٣] .
الخامس عشر والسادس عشر: قوله جل وعلا: ﴿لَيْلَةُ القدر خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [الآية: ٣] وقوله : ﴿تَنَزَّلُ الملائكة والروح فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ﴾ [الآية: ٤] الموضعان بالقدر.
السابع عشر: قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ واستغفره﴾ [بالنصر: ٣] .
*
стр. 339
وإليك عبارة صاحب الرحلة العياشية مع ذكر النظم الذي تكلمنا عنه آنفاً.
قال رحمه الله تعالى فيما أنشده شيخه أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الرحمن الربيع اليمني الزبيدي: "وأنشدني أيضاً في المواضع التي ورد أن النبي ﷺ وقف عليها وأملاها عليَّ من حفظه ولم ينسبها":
أيا سائِلي عن ما أتانا به الآلى ... عن المصطفى من وقْفِه مسلسلا
ففي البكر جا الخيراتِ والثاني قُلْ بها ... أتى بعدُ يعلمْهُ على الله مُسْجَلا
وعمرانُ إلا الله أوَّلها أتى ... عقودٌ بها الخيرات قد جاء مُرسلا
وأيضاً بها من أجل ذلك جاءنا ... وآخرها قد جا بحقِّ مرتِّلا
وأن أنذر الناس الذي حلَّ يونساً ... وقلْ بعده فيها لحقٌّ تنزِّلا
إلى الله جا في يوسف وبتلوها ... أتانا على الأمثال كي يتمثَّلا
خلقها بنحلٍ بعدَ الأنعام لفظةً ... وبعد لا تشرك بلقمان أنزلا
وغافر فيها لفظةُ النار بعدها ... حكاية حمل العرشِ في قصَّة الملا
وقل فحشر في النازعات وبعده ... على ألف شهر جاء في القدر أوَّلا
ومن كلِّ أمرٍ جا بها وبنصرهم ... على لفظ واستغفره تمَّت فحمدِلا اهـ
стр. 340
ومن هذه النقول يتبين لك - أيها القارىء الكريم أن هذه المواضع كلها منها ما هو رأس آية - وهو القليل. ومنها ما ليس برأس آية وهو الكثير فالذي هو رأس آية قوله تعالى: ﴿كذلك يَضْرِبُ الله الأمثال﴾ [بالرعد: ١٧] . وقوله سبحانه: ﴿وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الذين كفروا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النار﴾ [بغافر: ٦] . وقوله عز شأنه: ﴿لَيْلَةُ القدر خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر: ٣] . وقوله جل وعلا: ﴿تَنَزَّلُ الملائكة والروح فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ﴾ [القدر: ٤] وهذا الموضعان بسورة القدر.
وقد قدمنا لك أن الوقف على رؤوس الآي سنة مطلقاً فيكون ذكره هنا في هذه الأوقاف من باب التأكيد عليه عند من وصل رؤوس الآي المتعلقة بما بعدها في غير هذه المواضع فليعلم ذلك. ولعل أحداً أن يقول: لقد تفاوتت مواضع هذه الأوقاف المذكورة في هذه النقول الثلاثة التي قدمنا. فهل يعتبر تفاوتها مدعاة إلى عدم التسليم ببعضها؟ والجواب عن ذلك ظاهر فإن هذه النقول وإن كان فيها تفاوت لكنه ليس تفاوت التناقض والاضطراب وإنما هو تفاوت الرواية والحفظ. ومن حفظ حجة على من لم يحفظ فكل هذه النقول صحيحة، وسائر نقلتها عدول، وقد ذكر كل منهم انتهى إليه علمه بحسب التلقي والمشافهة عن شيوخه، وعليه فلا اختلاف. وهناك نقول أخرى غير هذه تركنا ذكرها هنا طلباً للاختصار والله تعالى أعلم.
الكلام على الوقف القبيح
وهو الوقف علىكلام لم يتم معناه لتعلقه بما بعده لفظاً ومعنى مع عدم الفائدة أو أفاد معنى غير مقصود أو أوهم فساد المعنى فهذه أنواع ثلاثة وإليكها مفصلة:
стр. 341
أما النوع الأول: فضابطه الوقف على العامل دون معمول ويشمل هذا الضابط صور شتى:
منها الوقف على المضاف دون المضاف إليه كالوقف على لفظ "بسم ومالك من نحو ﴿بسم الله﴾ [الفاتحة: ١] و ﴿مالك يَوْمِ الدين﴾ [الفاتحة: ٤] فالوقف على مثل هذا قيبح لأنه لم يعلم لأي شيء أضيف.
ومنها الوقف على المبتدأ دون خبره كالوقف على "الحمدُ" من "الحمدُ لله".
ومنها الوقف على الموصوف دون صفته كالوقف على لفظ "الصراط" من قوله تعالى: ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾ [الفاتحة: ٦] .
ومنها الوقف على الفعل دون فاعله كالوقف على لفظ "يتقبل" من قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ الله مِنَ المتقين﴾ [المائدة: ٢٧] إلى آخر باقي المتعلقات. فكل هذا وما ماثله لا يجوز الوقف عليه ولا الابتداء بما بعده لأنه لا يتم معه كلام ولا يفهم منه معنى فالوقف عليه قبيح كما أسلفنا.
وسمي قبيحاً لقبح الوقف عليه لعدم تمام الكلام وعدم فهم المعنى لما فيه من التعلق اللفظي والمعنوي معاً مع عدم الفائدة. ولا يجوز للقارىء تعمد الوقف على شيء من هذه الوقوف وما شاكلها إلا لضرورة كضيق نفس أو عطاس أو عجز أو نيسان ويسمى حينئذ وقف الضرورة وهو مباح للقارى كما تقدم ثم بعد ذهاب هذه الضرورة التي ألجأته إلى الوقف على هذه الكلمة يبتدىء منها ويصلها بما بعدها إن صلح الابتداء بها وإلا فيبتدىء بما قبلها ممن يصلح البدء به إلى أن يصل إلى ما يجوز أن يقف عنده.
وهذا ما أشار إليه الحافظ ابن الجزري في المقدمة الجزرية بقوله المذكور آنفاً:
стр. 342
وغيرُ ما تمَّ قبيحٌ ولهُ ... يوقفُ مضطرّاً ويُبدأُ قبلَهُ اهـ
وأما النوع الثاني: وهو الذي أفاد معنى غير مقصود لتوقف ما بعده عليه ليتم منه المعنى المراد فنحو الوقف على ﴿لاَ تَقْرَبُواْ الصلاة﴾ [النساء: ٤٣] وذلك لأنه يوهم النهي عن أداء الصلاة مطلقاً وليس كذلك. وإنما المقصود من الآية الكريمة لا تقربوا الصلاة حال كونكم سكارى حتى تعلموا ما تقولون. وهذا المعنى المقصود لا يتم إلا إذا انظم إليه ما بعده. وعليه: فالوقف على ﴿لاَ تَقْرَبُواْ الصلاة﴾ [النساء: ٤٣] قبيح فيوصل بما بعده إلى أن يقف على قوله تعالى: ﴿حتى تَغْتَسِلُواْ﴾ [النساء: ٤٣] وهو كاف.
ومنه الوقف على لفظ "بجناحيه" في قوله تعالى: ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأرض وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأنعام: ٣٨] لأن ذلك يوهم نفي ما هو مشاهد من مخلوقات الله وهذا لا يجوز وإنما يكون الوقف على "أمثالكم" وهو كاف.
ومنه الوقف على لفظ "والظالمين" من قوله تعالى: ﴿يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِي رَحْمَتِهِ والظالمين أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ [الإنسان: ٣١] لأنه يوهم أن الظالمين داخلون في رحمة الله وليس كذلك بل أعد لهم العذاب الأليم فالوقف يكون على لفظ "رحمته" وهو تام.
ومنه الوقف على "والذين آمنوا" من قوله تعالى: ﴿الذين كَفَرُواْ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ والذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [فاطر: ٧] لأنه يوهم دخول المؤمنين مع الكافرين في العذاب الشديد وليس كذلك بل أعد المغفرة والأجر الكبير للمؤمنين. أما العذاب الشديد فهو خاص بالكافرين. فالوقف يكون على قوله تعالى: "لهم عذاب شديد" وهو كاف وذلك ليفصل بين ما أعد للفريقين من جزاء. أو توصل الجملة الأولى بالثانية ويوقف على الفاصلة إن كانت هناك طاقة لدى القارىء بحيث يعطي الحروف حقها ومستحقها في التلاوة كما هو مقرر وإلا فلا.
стр. 343
فكل هذا وما ماثله مما هو خارج عن حكم الأول في المعنى لا يجوز الوقف عليه لما تقدم باستثناء الضرورة.
وأما النوع الثالث: وهو ما أوهم فساد المعنى وفيه سوء الأدب مع الله ﵎ وهو أقبح من القبيح فنحو الوقف على لفظ الجلالة "والله" في قوله تعالى: ﴿فَبُهِتَ الذي كَفَرَ والله لاَ يَهْدِي القوم الظالمين﴾ [البقرة: ٢٥٨] فهذا لا يجوز بحال وإنما يجوز الوقف على لفظ "كفر" أو على لفظ "الظالمين" وهو آخر الفاصلة ومثله الوقف على لفظ "لا يستحي" في قوله تعالى: ﴿* إِنَّ الله لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ [البقرة: ٢٦] وهذا لا يجوز بحال وإنما يكون الوقف على "فما فوقها" ولا يخفى ما في ذلك من فساد المعنى وسوء الأدب مما هو ظاهر لا يصح التفوه به. وأقبح من هذا وأشنع الوقف على المنفي الذي بعده الإيجاب وفي هذا الإيجاب وصف لله تعالى أو لرسله عليهم الصلاة والسلام وذلك نحو قوله تعالى: ﴿فاعلم أَنَّهُ لاَ إلاه إِلاَّ الله﴾ [محمد: ١٩] وقوله سبحانه: ﴿وَمَا مِنْ إلاه إِلاَّ الله﴾ [آل عمران: ٦٢] . بأن وقف على لفظ "إله" في الآيتين والقبح في هذا الوقف ظاهر لا يصح التفوه به أيضاً وإنما يكون الوقف على لفظ "وللمؤمنات" في الآية الأولى وهو تام. وعلى لفظ الجلالة في الثانية وهو كاف. ومثل ذلك الوقف على لفظ "أرسناك" في قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] فإنه يؤدي إلى نفي رسالته ﷺ وإنما يكون الوقف على "للعالمين" آخر الفاصلة ومثله الوقف على لفظ "من رسول" في قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ الله﴾ [النساء: ٦٤] . وفي قوله سبحانه: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤] فإنه يؤدي إلى نفي إرسال
стр. 344
جميع الرسل عليهم الصلاة والسلام. وإنما يكون الوقف على لفظ الجلالة في الآية الأولى وعلى لفظ "لهم" في الآية الثانية. فكل هذه الوقوف وما ماثلها يجب ألا يوقف على شىء منها لما تقدم إلا من ضرورة كما ذكرنا آنفاً. فإن وقف القارىء على شيء منها أو مما شاكلها لضرورة وجب عليه أن يبتدىء بما قبل الكلمة الموقوف عليها ويصلها بما بعدها إلى أن ينتهي إلى ما يجوز أن يقف عنده فإن لم يفعل ذلك وتعمد الوقف فقد أثم إثماً كبيراً وأخطأ خطأ فاحشاً وخرق الإجماع وحاد عن إتقان القراءة وإتمام التجويد. نسأل الله تعالى التوفيق والهداية إلى أقوم طريق.
الأصل في الوقف القبيح من السنة المطهرة
والأصل فيه ما ذكره الحافظ ابن الجزري في التمهيد بسنده المتصل إلى عدي بن حاتم قال: "أي عدي" جاء رجلان إلى النبي ﷺ فتشهد أحدهما فقال: "من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما ووقف، فقال رسول الله ﷺ : قم أو اذهب بئس الخطيب أنت أهـ قالوا: وهذا دليل على أنه لا يجوز القطع على القبيح لأن النبي ﷺ أقامه لما وقف على المستبشع لأنه جمع بين حال من أطاع الله ورسوله ومن عصى والأولى أنه كان يقف على رشد ثم يقول: ومن يعصهما فقد غوى" انتهى. وقال أبو عمرو: ففي الخبر دليل علىكراهة القطع على المستبشع من اللفظ المتعلق بما يبين حقيقته ويدل على المراد منه لأنه ﷺ إنما أقام الخطيب لما قطع على ما يقبح إذ جمع بقطعه بين حال من أطاع ومن عصى ولم يفصل بين ذلك وإنما كان ينبغي له أن يقف على قوله فقد رشد ثم يستأنف ومن يعصهما فقد غوى أو يصل كلامه إلى آخره. وإذا كان مثل هذا مكروهاً مستقبحاً في الكلام الجاري بين الناس فهو في كلام الله تعالى أشد كراهة وقبحاً وتجنبه أولى وأحق اهـ منه بلفظه.
стр. 345
تنبيهان:
الأول: ما قاله أئمتنا من أنه لا يجوز الوقف على كلمة كذا وكذا إنما يريدون بذلك الوقف الاختياري "بالياء المثناة تحت" الذي يحسن في القراءة ويروق في التلاوة ولا يريدون به أنه حرام أو مكروه إذ ليس في القرآن الكريم وقف واجب يأثم القارىء بتركه أو حرام يأثم القارىء بفعله لأن الوصل والوقف لا يدلان على معنى حتى يختل بذهابهما وإنما يتصف الوقف بالحرمة إذا كان هناك سبب يؤدي إليها فيحرم حينئذ كأن قصد القارىء الوقف من غير ضرورة على لفظ "إله" أو على لفظ "لا يستحي" أو على لفظ "لا يهدي" في قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ إلاه إِلاَّ إلاه وَاحِدٌ﴾ [المائدة: ٧٣] ، ﴿والله لاَ يَسْتَحْيِي مِنَ الحق﴾ [الأحزاب: ٥٣] ، ﴿والله لاَ يَهْدِي القوم الفاسقين﴾ [الصف: ٥] وما شابه ذلك مما تقدم ذكره في الوقف القبيح إذ لا يفعل ذلك مسلم قلبه مطمئن بالإيمان.
وفي هذا المقام يقول الحافظ ابن الجزري في المقدمة الجزرية:
وليسَ في القرآن مِنْ وقْفٍ وجَب ... ولا حرام غير ما له سَبَبْ اهـ
التنبيه الثاني: اشتهر عند كثير من الناس أن الوقف على لفظ "للمصلين" في قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ الذين هُمْ عَن صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: ٤-٥] قبيح وحرام ولا يجوز مطلقاً وزعموا أن القارىء لو وقف على هذا اللفظ لأوهم تناول الويل كل مصلٍّ وليس كذلك وإنما الويل "وهو واد في جهنم أو وعيد شديد كما قاله المفسرون" للمصلين الموصوفين بالصفات المذكورة بعد في قوله تعالى: ﴿الذين هُمْ عَن صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: ٥] إلى آخر السورة وهذه حجتهم في منع الوقف على هذا اللفظ وحتموا الوصل بالموصولين بعد ليظهر المراد ويتم الكلام. والصواب الذي عليه الجمهور هو جواز الوقف على هذا اللفظ لأنه من رؤوس الآي والوقف على رؤوس الآي سنة لحديث أم المؤمنين أم سلمة ﵂ وقد تقدم ذكره غير
стр. 346
مرة وهذا كما قلت المشهور عند جمهور العلماء وأهل الأداء وإن تعلق رأس الآية بما بعدها لفظاً ومعنى كهذا الموضع كما تقدم. غير أن هذا الوقف الجائز مشروط بأن يكون القارىء مستمرّاً في قراءته إلى تمام الكلام وهو آخر السورة وبهذا حصل الغرض المطلوب وهو إيضاح المعنى المراد من الآية الكريمة لكل من القارىء والسامع وفي الوقت نفسه أتى القارىء بالوصفين المذكورين بعد "للمصلين" الذين يستحقون بهما هذا الوعيد. ويفهم من قولنا: "غير أن هذا الوقف الجائز مشروط بأن يكون القارىء مستمرّاً" ... الخ بأنه لو قطع قراءته وأنهاها عند قوله: "فويل للمصلين" من غير عذر كان الوقف قبيحاً ويقال له فيه بل ويمنع منه لإيهام خلاف المعنى المراد ولعدم إتمام الكلام حينئذ لأن إتمامه لا يتأتَّى إلا بذكر الصفتين المذكورتين بعد. ومن محاسن الوقف على رأس الآية "فويل للمصلين" هنا أنه لو وصل القارىء قوله: "فويل للمصلين" بما بعده كما قال مانعو الوقف عليه فلربما ضاف نفسه قبل الوصول إلى الوقف التام وهو آخر السورة لا سيما من كان ضيق النفس لا يستطيع أن يتكلم بكلام كثير في نفس واحد وخاصة في هذا الزمن الذي عمت فيه البلوى لكثير من الناس وحينئذ يضطر إلى أن يتنفس في القراءة وهو حرام فيها ومفسد لها أو إلى إدماج الحروف وبتر المد مما لا يتفق وقواعد التجويد المجمع عليها ويكون بذلك أتعب نفسه فوق إفساده القراءة مع أن السنة المطهرة أباحت له الوقف على رؤوس الآي مطلقاً سواء تم الكلام أم يتم كما مر، ولنا في سيدنا رسول الله ﷺ أسوة حسنة.
هذا: وقد فات مانعو تجويز الوقف على قوله: "فويل للمصلين" وتأكيدهم على وصله بما بعده أن الصفتين المذكورتين بعد من باب التوابع كما هو مقرر. وهذا المعتبر إذا لم نقل بالقطع. فإن قلنا به كما جوزه علماء العربية من كل موصول وقع صفة يحتمل أن يكون تابعاً أو مقطوعاً عن التبعية لعدم ظهور الإعراب عليه لبنائه. بل جوزوا قطع الصفة عن الموصوف في العموم سواء كان موصولاً أو غير موصول. وبناء على جواز قطع الصفة عن الموصوف نقول: إن جعلنا الموصول هنا مع صلته خبراً لمبتدأ محذوف تقديره هم الذين إلخ كان الوقف على "للمصلين" كافياً فضلاً عن كونه رأس آية. وهذا أمر لا يخفى ومثله
стр. 347
حينئذ مثل الوقوف على رؤوس التي بعدها موصول كهذا وما أكثرها في القرآن باستثناء سبعة مواضع منها يتعين فيها أن يكون الموصول مبتدأ كما يتعين الوقف على ما قبلها والابتداء بها وسنذكرها بعد في "فصل الابتداء" إن شاء الله تعالى.
وصفوة القول في هذه المسألة التي كثر فيها الكلام أن الوقف على قوله تعالى: "فويل للمصلين" جائز لانه رأس آية ولا قبيح فيه ولا حرمة ما دام القارىء مستمرّاً في قراءته إلى آخر السورة بخلاف ما لو قطع قراءته وأنهاها عنده فيمنع من ذلك ويكون الوقف قبيحاً إلا من عذر قهري صده عن إتمام السورة.
وأما إذا كان القارىء عنده طاقة في نفسه ولم يقف إلا في آخر السورة بشرط أن تكون القراءة سليمة موافقة لقواعد التجويد المجمع عليها فلا بأس بذلك غير أنه على خلاف ما قال به جهمور العلماء وكثير من أهل الأداء من أن الوقف على رؤوس الآي سنة مطلقاً كما ذكر آنفاً والله تعالى أعلى وأعلم.
وبعد أن فرغنا من كتابة هذا التنبيه ومضى عليه سنوات وجدناه منصوصاً عليه بمعناه من كلام العلامة الشيخ عبد الواحد المارغني في آخر رسالة تحرير الكلام في وقف حمزة وهشام للعلامة المحقق الشيخ محمد بن يالوشة الشريف التونسي ولعظم فائدته آثرنا أن ننقله هنا ليفيد منه ويعتبر به قارؤنا الكريم قال عفا الله عنه.
"تنبيه": مما اشتهر عند كثير من الناس عدم الوقف علىقوله تعالى: ﴿فويل للمصلين﴾ [الماعون: ٤] حتى جرى عندهم مجرى الأمثال فيقولون في كل شيء يتوقف على ما بعده لا تقف على "فويل للمصلين" ومرادهم بذلك التحرز من استحقاق المصلين مطلقاً لهذا الوعيد فالبوقف عليه يتناول الوعيد كل المصلين وهو غير مراد وغير صواب. وإن وصل بالموصول أو الموصولين بعده ظهر المعنى ولاح المراد من الآية الكريمة إذ المراد والله أعلم أن المصلين الموصوفين بالصفتين المذكورتين يستحقون العقاب بالويل وهو واد في جهنم وقيل كلمة عذاب هذا مراد من يمنع الوقف على ذلك. والتحقيق أنه لا مانع من الوقف على مثل ذلك حيث إنه من الفواصل التي يحسن الوقف عليها حسبما مر تفصيله. والصفتان بعد المصلين مثل الصفتين بعد اسم الجلالة في الفاتحة أعني "الرحمن" و"مالك يوم الدين" وقفت
стр. 348
السنة على ما قبلهما فكما حسن الوقف على مافي آم القرآن يحسن الوقف على مثل ذلك في غيرها ومنه هذا الذي في سورة الماعون ولا قبح في مثل هذا الوقف حيث إن الوقف على "المصلين" لا يمنع إرادة وملاحظة الصفتين بعده إذ الواقف عازم على إكمال السورة أو الآيات المتعلقة بالموضوع والسامع منتظر لباقي السورة أو الآيات فقد حصل غرض كل من التالي والسامع بإكمال الآيات المطلوبة ولو مع الأوقاف الفاصلة التي لا يقع الفصل إلا بزمن يتنفس فيه عادة نعم لو قطع القارىء قراءته عند قوله: "فويل للمصلين" لمنع إلا لعذر طارىء صده عن إتمام قراءته وهذا كله إن جعل النعتان في سورة الماعون تابعين كما هو الأصل. فإن جعلا مقطوعين كان الوقف عليه كافياً حينئذ كما لا يخفى على كل من مارس علم القراءة والعربية إذ كل موصول وقع صفة يحتمل كونه تابعاً ومقطوعاً لعدم ظهور أثر الإعراب عليه لبنائه كما نص على ذلك بعض علماء العربية: وعليه فالسنة لما وقفت على رؤوس الآي التي صفاتها المبدوء بها تابعة لموصوفاتها في الإعراب لظهور الجر عليها المختص بالإتباع دل على أولوية الوقف على ما احتمل نعته الإتباع والقطع كالموصولات إذا وقع فاصلة من الفواصل المعتبرة سنة وعرفاً ومن ذلك ما كان في سورة الماعون التي فواصلها بالياء والنون وبعضها بالواو والنون وفيها فاصلة بالياء والميم ولا جرم أن الميم كالنون في مثل ذلك لاشتراكهما في جميع الصفات المتضادة وفي صفة الغنة. ومن ثم اعتبر ذلك نبينا محمد ﷺ فاصلة من فواصل أم القرآن فوقف على ﴿الرحيم﴾ [الفاتحة: ٣] بعد ﴿رَبِّ العالمين﴾ [الفاتحة: ٢] وقبل ﴿مالك يَوْمِ الدين﴾ [الفاتحة: ٤] كما ثبت في بعض الآثار أنه وقف على ﴿المستقيم﴾ [الفاتحة: ٦] بعد ﴿نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] وقبل ﴿وَلاَ الضآلين﴾ [الفاتحة: ٧] اهـ منه بلفظه.
стр. 349
هذا: وقد قرأت بالوقف على رؤوس الآي في العموم كما هو السنة على جميع شيوخي في جميع إجازاتي إفراداً وجمعاً في أكثر من عشر ختمات في مختلف القراءات سبعية كانت أم عشرية. وبالوقف على رؤوس الآي مطلقاً آخذ قراءة وإقراء. فإن اتباع السنة من صدق الحب لمن سنها ﷺ . والله نسأل أن يحشرنا معه في الفردوس الأعلى آمين.
стр. 350
الفصل الثاني / في تعريف الابتداء وما يلزم فيه
الابتداء في عرف القراء هو: الشروع في القراءة بعد قطع أو وقف فإذا كان بعد القطع فيتقدمه الاستعاذة ثم البسملة إذا كان الابتداء من أوائل السور. وإذا كان من أثنائها فللقارىء التخيير في الإتيان بالبسملة أو عدم الإتيان بها بعد الاستعاذة كما سيأتي بيان ذلك قريباً في بابي الاستعاذة والبسملة وكما سيأتي في تعريف القطع في الفصل التالي أيضاً.
وأما إذا كان الابتداء بعد الوقف فلا يتقدمه الاستعاذة ولا البسملة لأن القارىء في هذه الحال يعتبر مستمرّاً في قراءته وإنما وقف ليريح نفسه ثم يستأنف القراءة كما تقدم في معنى الوقف.
أما إذا كان مستمرّاً في قراءته إلى أن وصل إلى آخر السورة ثم قصد الشروع في السورة التالية فيبسمل لمن له البسملة كحفص كما هو مقرر.
هذا: ويُطلب من القارىء حال الابتداء ما يطلب منه حال الوقف فلا يكون الابتداء إلا بكلام مستقل موف بالمقصود غير مرتبط بما قبله في المعنى لكونه مختاراً فيه بخلاف الوقف فقد يكون مضطرّاً إليه وتدعوه الحاجة إلى أن يقف في موضع لا يجوز الوقف عليه كما تقدم توضيحه، وعليه: فلا يجوز أن يبتدىء بالفاعل دون فعله ولا بالوصف دون موصوفه. ولا باسم الإشارة دون المشار إليه. ولا بالخبر دون المبتدأ ولا بالحال دون صاحبها. ولا بالمعطوف عليه دون المعطوف ولا بالبدل دون المبدل منه ولا بالمضاف دون المضاف إليه. ولا بخبر كان وإن وأخواتهما دون كان وإن وأسمائهما. وهكذا إلى آخر المتعلقات. وقصارى القول أنه لا يبتدأ بالمعمول دون عامله ويستثنى من ذلك ما إذا كان الابتداء في كل ما ذكرناه برؤوس الآي فإنه يجوز حينئذ لما تقدم. وقد أحسن الحافظ ابن الجزري حيث ذكر في النشر قاعدة فيما يبتدأ به فقال رحمه الله تعالى: "
стр. 351
كل ما أجازوا الوقف عليه أجازوا الابتداء بما بعده" أهـ منه بلفظه.
هذا: وتتفاوت مراتب الابتداء كتفاوت مراتب الوقف في التمام والكفاية والحسن والقبح بحسب تمام الكلام وعدمه وفساد المعنى بإحالته إلى معنى غير مقصود.
فإذا كان الابتداء بكلام غير مستقل في معناه بسبب تعلقه بما قبله لفظاً ومعنى في غير رؤوس الآي كان الابتداء قبيحاً مثله مثل الوقف القبيح بل ويتفاوت في القبح كما لو وقف على لفظ الجلالة في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَقُولُ المنافقون والذين فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا الله وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً﴾ [الأحزاب: ١٢] فإن ابتدأ من لفظ الجلالة كان الابتداء قبيحاً. وإن ابتدأ من "وعدنا" كان أقبح منه وإن ابتدأ من "ما وعدنا" كان أقبح منهما. وقد يكون الابتداء أشد قبحاً من الوقف كما لو وقف على لفظ "قالوا" في قوله تعالى: ﴿لَّقَدْ سَمِعَ الله قَوْلَ الذين قالوا إِنَّ الله فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ﴾ [آل عمران: ١٨١] ﴿لَّقَدْ كَفَرَ الذين قآلوا إِنَّ الله هُوَ المسيح ابن مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١٧، ٧٢] ﴿لَّقَدْ كَفَرَ الذين قالوا إِنَّ الله ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣] . وابتدأ من "إن الله" في الآيات الثلاث بل يكون الوقف على لفظ "أغنياء" في الآية الأولى. وعلى لفظ "مريم" في الآية الثانية. وعلى لفظ "ثلاثة" في الآية الثالثة والابتداء يكون بما بعد هذه الألفاظ الثلاثة الموقوف عليها. ومثل ذلك لو وقف على لفظي "اليهود والنصارى" في قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ اليهود يَدُ الله مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ﴾ [المائدة: ٦٤] ﴿وَقَالَتِ اليهود عُزَيْرٌ ابن الله وَقَالَتْ النصارى المسيح ابن الله ذلك قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ [التوبة: ٣٠] وابتدأ من "يد الله" في الآية الأولى و"عزير ابن" و"المسيح ابن" في الآية الثانية بل يكون الوقف على الفظ "مغلولة" في الآية الأولى. وعلى لفظ الجلالة الثاني في الآية الثانية. وكذلك لو
стр. 352
وقف على "من خالق" في قوله تعالى: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ الله يَرْزُقُكُمْ مِّنَ السمآء والأرض لاَ إلاه إِلاَّ هُوَ﴾ [فاطر: ٣] وابتدأ من لفظ "غير" ومثله الوقف على "ومالي" في قوله تعالى: ﴿وَمَا لِيَ لاَ أَعْبُدُ الذي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس: ٢٢] وابتدأ من لفظ "لا أعبد" فكل هذا وما ماثله قبيح في الابتداء لما فيه من سوء الأدب من الله ﵎ وإحالة المعنى إلى معنى آخر لا يمكن التفوه به مطلقاً. فالحذر الحذر من البدء بمثل هذا ونظائره مما لم نذكره اكتفاء بذكر مثيله. وليتدبر القارىء القرآن وليع معانيه ودلالاته وليعلم أنه كلام الله. فلا يجوز أن يطوعه لهواه. وليتق الله ربه فإن تقوى الله خير زاد، وأفضل مستفاد. والله المستعان.
تنبيهان:
الأول: بخصوص الابتداء من أول بعض الأجزاء والأرباع والأحزاب.
درج كثير من القراء على التسامح في البدء من أول الأجزاء أو الأحزاب أو الأرباع التي في أثناء السور مهما كان تعلقها بما قبلها من حيث المعنى.
فأما الأجزاء المتعلقة بما قبلها في المعنى فنحو قوله تعالى: ﴿* وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ الملائكة وَكَلَّمَهُمُ الموتى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَّا كَانُواْ ليؤمنوا إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله﴾ [الأنعام: ١١١] الآية وقوله سبحانه: ﴿* قَالَ الملأ الذين استكبروا مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ ياشعيب والذين آمَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾ [الأعراف: ٨٨] الآية، وقوله عز شأنه: ﴿* قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً﴾ [الكهف: ٧٥] ونظائره.
وأما الأحزاب فكقوله تعالى: ﴿* وَإِذ نَتَقْنَا الجبل فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وظنوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧١] الآية، وقوله سبحانه: ﴿* قالوا أَنُؤْمِنُ لَكَ واتبعك الأرذلون﴾ [الشعراء: ١١١] . وقوله
стр. 353
عز من قائل: ﴿* فَنَبَذْنَاهُ بالعرآء وَهُوَ سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ١٤٥] .
وأما الأرباع فكثيرة، منها قوله تعالى: ﴿* لَيْسُواْ سَوَآءً﴾ [آل عمران: ١١٣] وقوله تعالى: ﴿* وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إني إلاه مِّن دُونِهِ فذلك نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظالمين﴾ [الأنبياء: ٢٩] وقوله ﷻ : ﴿* وَعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ الطرف أَتْرَابٌ﴾ [ص: ٥٢] . ولم أر لهم دليلاً يحسن التعلق به أو يصلح للتعويل عليه بخلاف ما تمسكوا به من أن هذه الآيات الكريمة وقعت في مستهل هذه الأجزاء أو الأحزاب أو الأرباع التي وردت فيها. وهذا غير كاف وغير شاف ومثله لا ينهض لتبرير الابتداء بهذه المواضع ونحوها ولا قطع القراءة دونها لأن هذا الابتداء يقصر عن إبلاغ المستمع معنى بيناً تامّاً لتعلق معنى الآيات بما تقدمها من سياقها الذي فصلت عنه أو بدىء به دونه. ولأن هذا القطع إنقاص لحد البلاغ الذي يشتمل عليه نص التنزيل ذو الموضوع الواحد وكلاهما تحكم في نصوص التنزيل بغير مسوغ وبغير دليل مع أن هذه الأجزاء والأحزاب والأرباع المعنية اجتهادية لا توقيفية وليس فيها خبر صحيح من حديث نبوي ولا أثر صريح عن صحابي أو تابعي وإنما هي من قبيل الاجتهاد الذي يقال فيه إن عدم المراد لا يمنع الإيراد.
ولو أن الذي يقطع قراءته دون قوله تعالى: ﴿* وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ الملائكة﴾ [الأنعام: ١١١] الآية وقف بها عند منتهى وقوله تعالى: ﴿* وكذلك نُصَرِّفُ الآيات وَلِيَقُولُواْ دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٥] فيكون استفتاحه فيما بعد إذا هو عاد إلى التلاوة أن يسهل تلاوته بقوله تعالى: ﴿اتبع مَآ أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ لا إلاه إِلاَّ هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ المشركين﴾ [الأنعام: ١٠٦] لكان ذلك حسناً ولكان
стр. 354
جميلاً. ولو أنه قطعها دون ذلك عند آخر قوله تعالى: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأبصار وَهُوَ يُدْرِكُ الأبصار وَهُوَ اللطيف الخبير﴾ [الأنعام: ١٠٣] ليكون استهلاله حين يعود إلى التلاوة بقوله تعالى: ﴿قَدْ جَآءَكُمْ بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَآ أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ [الأنعام: ١٠٤] لكان ذلك أحسن وأجدر وأجمل وأكمل. هذا إذا أراد القارىء القطع دون قوله تعالى: ﴿* وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ الملائكة وَكَلَّمَهُمُ الموتى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَّا كَانُواْ ليؤمنوا إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله ولكن أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾ [الأنعام: ١١١] .
وأما إن كان يريد تجاوز هذا الموضع فماذا عليه لو قطع قراءته دون قوله تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ الله أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الذي أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ الكتاب مُفَصَّلاً﴾ [الأنعام: ١١٤] الآية أو انتهى إلى هذه الآية فقطع قراءته دون قوله سبحانه: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السميع العليم﴾ [الأنعام: ١١٥] أو قرأ هذه أيضاً ليكون استهلاله فيما بعد بقوله جل وعلا: ﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأرض يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ الله إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظن وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام: ١١٦] فكل ذلك صحيح ومليح لا خلاف على حسنه لانقطاعه عن الكلام بعد تمام معناه وبلوغه في التأثير في نفس القارىء والمستمع إلى منتهاه.
ولو أن الذي يقطع قراءته عند قوله تعالى أول الجزء التاسع: ﴿* قَالَ الملأ الذين استكبروا مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ ياشعيب والذين آمَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَآ﴾ [الأعراف: ٨٨] الآية أو يفتح قراءته به قطع دون قوله سبحانه: ﴿وإلى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً﴾ [الأعراف: ٨٥] الآية أو وصل قراءته إلى قوله تعالى في نهاية قصة سيدنا شعيب ﴿فَكَيْفَ آسى على قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ [الأعراف: ٩٣] لكان ذلك أقوم قيلاً وأهدى سبيلاً.
стр. 355
ولو أن الذي يقطع قراءته عند قوله تعالى أو الجزء السادس عشر في المصحف لكريم: ﴿* قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً﴾ [الكهف: ٧٥] أو يستفتح به القراءة قطع دون قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ موسى لِفَتَاهُ لا أَبْرَحُ حتى أَبْلُغَ مَجْمَعَ البحرين أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً﴾ [الكهف: ٦٠] وفي مفتتح ذكر القصة أو بلغ بقراءته إلى نهايتها فيجعل استفتاحه للتالية قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي القرنين قُلْ سَأَتْلُواْ عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْراً﴾ [الكهف: ٨٣] لكان خيراً وأقوم وأرعى لآيات القرآن وأحكم. وبالمثل لا ينفك يراعي في الأحزاب ما راعاه في الأجزاء فلا يستفتح بقوله سبحانه: ﴿* وَإِذ نَتَقْنَا الجبل فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وظنوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧١] الآية ولا يقطع دونه مباشرة بل يقطع عقب قوله تعالى: ﴿واتبعوه لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨] فيكون مستأنفه فيما بعد قوله تعالى: ﴿وَمِن قَوْمِ موسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بالحق وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٩] أو ليتجاوز الآية الكريمة: ﴿وَإِذ نَتَقْنَا الجبل فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ﴾ [الأعراف: ١٧١] إلى آخر الآية فيقف عند منتهاها فتكون بدايته من بعد بقوله عز شأنه: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بنيءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ على أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بلى شَهِدْنَآ أَن تَقُولُواْ يَوْمَ القيامة إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٢] وهذا معنى مستأنف لا يتوقف فهمه على ما سبقه من الآيات ويحسن البدء به في كل الحالات.
كذلك لا يستفتح بقوله سبحانه: ﴿قالوا أَنُؤْمِنُ لَكَ واتبعك الأرذلون﴾ [الشعراء: ١١١] ولا يقطع دونه بل يقطع دون قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ المرسلين﴾ [الشعراء: ١٠٥] ليبدأ به إذا
следующие страницы →