← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 22872

توثيق السنة في القرن الثاني الهجري أسسه واتجاهاته

رفعت بن فوزي عبد المطلب

Полный текст (432 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

١٨٩- ويشير صاحب "كشف الأسرار" إلى أن معرفتنا عذاب القبر ومثله مما أثاروه بدلالات النصوص من كتاب الله وإشاراتها لا بأخبار الآحاد١. ١٩٠- وهناك رأي قريب من هذا الرأي الذي سبقت مناقشته، وهو أن خبر الواحد موجب للعلم ضرورة عند اقترانه ببعض الأسباب، وهذا الرأي يحكى عن النظام من المعتزلة٢، وهو يقول: إنه علم يحدثه الله تعالى في قلب السامع بمنزلة العلم للسامع بخبر التواتر؛ لأن التواتر ليس إلا مجموع الآحاد، ويجوز القول بأن الله يحدثه في قلب بعض السامعين دون بعض. وحجة هذا الرأي أن الواقع يشهد بذلك، ألا ترى أنه لو مر إنسان بباب، فرأى آثار غسل الميت، وسمع عجوزًا تخرج من الدار، وتقول: مات فلان، فإنه يعلم موته ضرورة بهذا الخبر. وهذا قول باطل -كما يقول السرخسي- لأن الثابت بالبضرورة لا يختلف الناس فيه، بمنزلة العلم الذي يحدث بالمعاينة والمشاهدة، وبمنزلة العلم الواقع بخبر التواتر، ولكننا نشاهد أن خبر الواحد يختلف فيه. ١٩١- وعلى هذا الرأي يبطل كثير من أحكام الشرع، ولا يرجع إلى كثير من البينات، والأيمان عند تعارض الدعوى والإنكار، ولا المصير إلى اللعان وعند قذف الزوج زوجته، فإن القرائن من أبين الأسباب، وينبغي أن يكون خبر الزوج موجبًا للعلم ضرورة، فلا يجوز للقاضي أن يصير عند ذلك إلى اللعان، وفي سائر الخصومات ينبغي للقاضي أن ينتظر حتى يحصل له هذا العلم الضروري وبخبر الواحد فيعمل به٣. ١٩٢- وأخيرًا ... هل يشترط للعمل بخبر الواحد عدد الشهادة ولا يكتفي براو واحد، كما لا يكتفي بشاهد واحد؟

стр. 107

رأى ذلك بعض الناس، وحجتهم في ذلك أن الشرع قد اعتبر عددًا في الشهادة لثبوت العلم على وجه يجب العمل به، فعرفنا أن الأقل من هذا العدد لا يثبت علمًا على هذه الحال، ولهذا وجدنا أبا بكر ﵁ حين شهد عنده المغيرة بن شعبة، ﵁ أن النبي ﷺ ، ورث الجدة السدس -قال: ائت بشاهد آخر، فشهد معه محمد بن مسلمة ﵁.. وطلب عمر ﵁ من أبي موسى الأشعري، ﵁ أن يأتي بشاهد آخر عندما روى له خبر الاستئذان، فشهد معه أبو سعيد الخدري ﵁ ... ورفض عمر حديث فاطمة بنت قيس ﵂ قائلًا: لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة لا ندري أصدقت أم كذبت ... وروى أبو سنان الأشجعي ﵁ خبرًا في مهر المثل، فقال علي كرم الله وجهه: ماذا نصنع بقول أعرابي بوال على عقبه. فاعتبر عدد الشهادة في كل هذا شرطًا في قبول خبر الواحد كما كانوا يعتبرون العدالة في كل. ١٩٣- ويرد على هؤلاء بقوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ ، وهذا النعت لكل مؤمن، ولا يكون كذلك إلا إذا كان يجب العمل بما يأمر به من المعروف، فاشتراط العدد في الأمر والنهي يكون زيادة على ما في كتاب الله ... ويقول السرخسي: إن كل ما رددنا به على المنكرين لحجية خبر الواحد هو رد أيضًا على هؤلاء، وهذا حق؛ لأننا أثبتنا أن خبر الواحد حجة بنقل راو واحد له. ١٩٤- أما الآثار التي ذكروها أدلة على ما يقولون فلا حجة لهم فيها، لأنهم لا يستطيعون أن يثبتوا أنها نقلت إليهم على شرطهم، وهو نقل الاثنين عن الاثنين إلى أن وصلت إليهم. ولا حجة لهم فيها أيضًا إذا سلمنا أنها كذلك، فقد طلب أبو بكر ﵁ شاهدًا آخر من المغيرة، لا لأن ذلك مذهبه، بل لأنه شك في خبره لداع رآه، أو لأنه أخبر أن هذا القضاء من رسول الله ﷺ ، كان بمحضر من الجماعة، فأحب أن يتثبت لذلك ... وكذلك عمر طلب من أبي موسى الأشعري أن يأتي بشاهد آخر، لأنه أخبر بما تعم به البلوى، فكان بنبغي أن يعرفه العام

стр. 108

والخاص، فأحب أن يستوثق من ذلك، ولو لم يأت بشاهد آخر لقبل حديثه؛ لأنه قبل حديث راو واحد، في غير ذلك من الأخبار، قبل حديث الضحاك ابن سفيان ﵁ في توريث المرأة من دية زوجها، وقبل حديث عبد الرحمن بن عوف ﵁ في الطاعون حين رجع من الشام. وقبل حديثه أيضًا في أخذ الجزية من المجوس، ولم يطلب منه شاهدًا آخر. وإنما لم يقبل حديث فاطمة بنت قيس، لأنه يخالف كتاب الله، في رأيه، فقد نص القرآن الكريم على سكنى المطلقة، قال تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ على حين أنها قالت: لم يجعل لي رسول الله ﷺ نفقة ولا سكنى. ١٩٥- ولم يقبل علي ﵁ حديث أبي سنان لمذهب خاص اتخذه لنفسه من أجل توثيق سنة رسول الله ﷺ ، وهو أنه كان لا يقبل رواية الأعراب، وكان يحلف الراوي إذا روى له حديثًا إلا أبا بكر ﵁، فإنه كان لا يستحلفه، لثقته فيما يرويه عن رسول الله ﷺ . وقد عمل علي بخبر الواحد، ومن هذا قبوله رواية المقداد في حكم المذي. وقد قبل ابن مسعود حديث أبي سنان، هذا الذي رفضه علي، وسر به؛ لأنه لم يكن له مذهب على الذي ذكرناه. ١٩٦- على أن باب الشهادات غير باب الأخبار، ولا يلتقان دائمًا، ففي الشهادات تقوم المرأتان مقام رجل واحد، وفي الأخبار الرجال والنساء سواء. واشتراط العدد في الشهادات توقيفي لمعنى يعلمه الله تعالى، واستأثر بعلمه، والواجب علينا اتباع النص، وإلا فإن تهمة الكذب لا ترتفع بعدد الشهادة١. ١٩٧- وإذا كان المحدثون لا يرون بأسًا برواية الواحد، ولا يشترطون عدد الشهادة فإنهم قد يلتقون على نحو ما مع هؤلاء؛ لأنهم يكرهون الحديث

стр. 109

الذي يرويه واحد عن إمام مشهور من أئمة الحديث، ويسمون هذا الحديث غريبًا، ويسمون راويه منكر الحديث١، يقول ابن حجر: إن ابن حنبل يطلق على من يغرب على أقرانه في الحديث، أي يأتي بالغرائب: إنه منكر الحديث ... وقال الإمام مالك: شر العلم الغريب، وخير العلم الظاهر الذي قد رواه الناس ... وقال ابن المبارك: العلم الذي يجيئك من ههنا وههنا -يعني المشهور ... وروي عن الزهري قال: حدثت علي بن الحسين بحديث، فلما فرغت قال: أحسنت بارك الله فيك، هكذا حدثنا، قلت: ما أراني إلا حدثتك بحديث أنت أعلم به مني!. قال: لا تقل ذلك، فليس من العلم ما لا يعرف، إنما العلم ما عرف وتواطأت عليه الألسن٢ ... وحذر الإمام أبو يوسف من رواية هذا النوع من الحديث؛ لأنه منزلق للخطأ، فيقول: من طلب الدين بالكلام تزندق، ومن طلب غريب الحديث كذب، ومن طلب المال بالكيمياء أفلس٣. ١٩٨- وكان الإمام الشافعي ﵁ يرى أن حديث اثنين أرجح من حديث واحد، وحديث خمسة أولى من حديث واحد٤" ... كما تكون المتابعة من أسباب ترجيح حديث على حديث٥ عنده. ومن أعجب الأمور عند الشافعي -إن صحت نسبة هذا إليه- أنه لا يعترف برواية الواحد من أهل العراق إلا إذا كان هناك لروايته أصل في مكة أو المدينة، يقول فيما يرويه ابن أبي حاتم بسنده: "والله لو صح الإسناد من حديث العراق، غاية ما يكون الصحة، ثم لم أجد له أصلًا عندنا "يعني بالمدينة ومكة" على أي وجه كان: لم أكن أعني بذلك الحديث على أي صحة كان"٦.

стр. 110

١٩٩- ويبدو أنه رجع عن هذا القول -إن صح عنه- لأن ابن أبي حاتم يروي بسنده عنه أيضًا قوله للإمام أحمد بن حنبل: "أنتم أعلم بالحديث والرجال مني، فإذا كان الحديث صحيحًا، فأعلموني، كوفيًّا كان أو بصريًّا أو شاميًّا حتى أذهب إليه إذا كان صحيحًا١.

стр. 111

حجية المشهور عند الحنفية: بقي أن نبين مدى حجية جزء من أجزاء أخبار الآحاد عند غير الحنفية، وقسم مستقل عندهم، والذي يسمونه "المشهور". وقد سبق أن قدمنا مفهومه عندهم. ٢٠٠- ويهمنا هنا أن نعرض لرأي عيسى بن أبان الحنفي، والذي عاش جزءًا من القرن الثاني الهجري "٢٢٠هـ" ... يقول: "إن حجية الخبر المشهور لا تصل إلى ما وصلت إليه حجية المتواتر، لأن العلم الثابت بالتواتر ضروري ويوجب علم اليقين، وبالتالي يكفر جاحده، وليس كذلك المشهور فإن جاحده لا يكفر بالاتفاق، والثابت به إنما هو علم طمأنينة القلب لا علم اليقين؛ لأنه وإن تواتر نقله من الجيل الثاني والثالث؛ التابعين وتابعيهم، فقد بقيت فيه شبهة توهم الكذب عادة باعتبار الأصل الآحادي. ٢٠١- ومع أنه يفيد طمأنينة القلب فقط ولا يفيد علم اليقين فإنه تجوز به الزيادة على النص؛ لأن العلماء عند ما تلقوه بالقبول والعمل به كان ذلك دليلًا موجبًا؛ لأن الإجماع من القرن الثاني والثالث دليل موجب شرعًا، فلهذا جازت الزيادة به على النص. ولهذا قيد إطلاق الكتاب الكريم غسل الرجلين في الوضوء بعدم لبس الخفين لحديث المغيرة المشهور الذي سبق أن ذكرناه ... وخصص حديث تحريم الجمع بين المرأة وعمتها عموم قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُم﴾ ١. وخصص عموم قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ ٢، الآية الكريمة، بحكم الرجم للمحصن في قوله

стр. 112

صلى الله عليه وسلم: "والثيب بالثيب جلد مائة ورجم بالحجارة" وبرجم ماعز وغيره ... وقيد الإطلاق في قوله تعالى في كفارة اليمين: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ ١، بقراءة ابن مسعود ﵁ المشهورة: "فصيام ثلاثة أيام متتابعات". هذا وإن كان الأحناف يطلقون على هذه الزيادات النسخ؛ لأن شرط التخصيص والتقييد عندهم "أن لا يكون المخصص مثل المخصوص منه في القوة، وأن يكون متصلًا لا متراخيًا، ولم يوجد الشرطان جميعًا"٢. ٢٠٢- وذكر عيسى بن أبان أن المشهور ينقسم إلى ثلاثة أقسم: ١- قسم يضلل جاحده ولا يكفر، وذلك نحو خبر الرجم الذي اتفق عليه العلماء في الصدر الأول والثاني، وإنما خالف فيه الخوارج، وخلافهم لا يكون قادحًا في الإجماع. ٢- وقسم لا يضلل جاحده، ولكن يخطأ، ويخشى عليه من المأثم، وذلك نحو خبر المسح على الخفين، وذلك لأن العلماء اختلفوا فيه في الصدر الأول؛ فإن عائشة وابن عباس ﵄ كانا يقولان: سلوا هؤلاء الذين يرون المسح هل مسح رسول الله ﷺ بعد سورة المائدة؟ والله ما مسح رسول الله ﷺ بعد سورة المائدة، وإن كان قد نقل عنهما رجوعهما عن ذلك، وكذلك خبر الصرف، فقد روي عن ابن عباس أنه كان يجوز التفاضل، مستدلًا بقوله ﷺ : "لا ربا إلا في النسيئة". وقد نقل رجوعه عن ذلك، فلشبهة الاختلاف هذه اختلف عن القسم الأول في أنه لا يضلل جاحده ... ولكن باعتبار رجوعهم يثبت الإجماع، وقد ثبت الإجماع على قبوله في الصدر الأول والثاني ولهذا يخشى على جاحده المأثم. ٣- وقسم لا يخشى على جاحده المأثم، ولكن يخطأ في ذلك، وهو الأخبار التي اختلف فيها الفقهاء في باب الأحكام؛ لأنه عندما يعمل به إنما يعمل به عن اجتهاد، والمجتهد لا يأثم حتى ولو أخطأ، وكذلك لو جحده٣.

стр. 113

٢٠٣- وبعد أن تعرفنا على حجية السنة ووجوب العمل بها على النحو الذي رأيناه -فإن هناك شروطًا لهذا الوجوب وتلك الحجية ... ولعلنا قد لمسنا إشارة عابرة لبعضها من الإمام الشافعي عندما كان ينبه إلى صدق ناقلها وعدالته، والحقيقة أن توثيق الراوي من أهم الشروط في توثيق السنة وقبولها حيث إننا بهذا نطمئن إلى أن ما يرويه لنا قد صدر فعلًا عن رسول الله ﷺ . وهذا ما سنفصله فيما يلي.

стр. 114

الفصل الثاني: توثيق الراوي مدخل ... الفصل الثاني: توثيق الراوي ٢٠٤- يرى علماء الحديث والفقه أنه يجب أن تتوافر في راوي الحديث شروط من شأنها أن تصون حديثه من أن يغير فيه أو يبدل أو يدعى ما ليس منه. ٢٠٥- وهناك نوعان من هذه الشروط: نوع يلازم الراوي، ويتصف به، ويقوم به أساسًا قبل الرواية، وبصرف النظر عنها، ولكنه ينعكس عليها ويؤثر فيها ... ونوع آخر ليس صفة أساسية في الراوي وقد يصاحب الرواية وقد لا يصاحبها ونعنى الآن بالنوع الأول، لأن أئمة الحديث تكلموا فيه كنوع قائم بذاته، وكشروط أساسية لقبول الرواية أو رفضها، وأما النوع الآخر فلا يبحثون عنه كثيرًا وإنما يجيء بحثهم له عرضًا، ومن خلال بحثهم لبعض أحاديث الراوي ومن هذا مثلًا فقه الراوي، فهذا الشرط لا يبحثون عنه إلا عندما يجدون أنهم أمام روايتين متعارضتين، وراوي إحداهما فقيه وراوي الأخرى غير فقيه، فقد يأخذون في الاعتبار هذه الصفة، ويرجحون بها إحدى الروايتين على الأخرى ... ولكنه بغض النظر عن هذا يكون راوي الحديث غير الفقيه مقبول الرواية؛ لأنه تتوافر فيه الشروط الأساسية التي هي من النوع الأول، ولهذا نؤثر أن نؤجل مثل هذا الشرط ونبحثه من خلال بحث علماء الحديث أو الفقه له. ٢٠٦- وينحصر النوع الأول في أربعة شروط: الإسلام والعقل والعدالة والضبط ... ٢٠٧- وقد يرى البعض أنه من الواجب أن يتوافر في الراوي شرطان فقط، وهما: العدالة والضبط ويدخل تحتهما الشرطان الآخران، وهما: الإسلام والعقل، الأول يدخل تحت العدالة والثاني تحت الضبط؛ لأن الضبط بدون العقل لا يتصور؛ وكذلك العدالة بدون الإسلام؛ لأن تفسيرها الاستقامة في الدين.

стр. 115

٢٠٨- ولكن هناك، في الحقيقة، مغايرة بين العقل والضبط وبين الإسلام والعدالة من حيث إن العقل لا يستلزم الضبط والعكس، فقد يكون للصبي ضبط كامل مع أنه لا يكلف بأعمال الشرع؛ لأن عقله لما يكتمل بعد، فاشترط الضبط وحده لا يحصل الاحتراز به عن رواية الصبي، وهي غير صحيحة ... والإسلام لا يستلزم العدالة والعكس، فالكافر قد يوصف بالعدالة لاستقامته على معتقده، ويسمى معتقده دينًا، وإن كان باطلًا، ولهذا يسأل القاضي عن عدالة الكافر إذا شهد على كافر آخر عند طعن الخصم، فيكون الاقتصار على اشتراط العدالة لا يحصل به الاحتراز عن رواية الكافر، وهير غير صحيحة أيضًا ... إذن فلا بد من ذكر هذه الشروط الأربعة، وعدم الاكتفاء باثنين منها وإن كانا لا يتصوران حقيقة بدون الآخرين١.

стр. 116

١- الإسلام: ٢٠٩- يشترط لقبول حديث الراوي أن يكون مسلماً، لأنه ينقل أخبارًا تثبت أحكام الشرع، والكفار يعادون المسلمين في الدين، وقد تحملهم المعاداة هذه على السعي في هدم أركانه بإدخال ما ليس منه فيه ونسبته إلى رسول الله ﷺ ، وقد أشار الله إلى ذلك بقوله : ﴿لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ ١، أي لا يقصرون في الإفساد عليكم، وقد ظهر منهم هذا بطريق الكتمان، فإنهم كتموا أن يكون رسول الله ﷺ ، قد ذكر في كتبهم، فهذا بمنزلة شهادة الأب لوالده، فنها لا تقبل لمعنى زائد يمكن تهمة الكذب في شهادته، وهو الشفقة والميل إلى الولد. ٢١٠- وإذا كانت الرواية فيها نوع من الولاية كالشهادة، فإن الله عز ذكره قد نفى أن تكون هناك ولاية للكافرين على المؤمنين، قال تعالى:

стр. 117

﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ ١. ٢١١- وعند محمد بن الحسن ﵀ يجوز أن يعمل بخبر الكافر إذا كان الاحتياط في العمل به، ورواية الكافر الحديث في هذا مثل إخباره بنجاسة الماء، فإنه لا يعمل المخبر عنه بخبره، وإن وقع في قبله صقده، بل يتوضأ بذلك الماء، ولكنه إن أراق الماء احتياطًا، إذا وقع في قلبه صدقة، ثم تيمم جازت صلاته، وإن تيمم من غير إراقة وصلى لا تجوز صلاته؛ لأن الماء أمامه، وهو طاهر ... وينبغي أن يكون شأن الكافر في رواية الحديث كشأنه في الإخبار عن نجاسة الماء -في رأي محمد- فلا يقبل خبره في الدين ولا يكون حجة كما لم يقبل في نجاسة الماء إلا أن الاحتياط لو كان في العمل يستحب الأخذ به كما استحبت الإراقة، ثم التيمم هناك٢. ٢١٢- ويدخل في الرواة الكفار من كفر ببدعته من المجسمة ومنكري علم الجزئيات وغلاة الروافض الذين ادعى بعضهم حلول الإلهية في علي أو غيره، أو الإيمان برجوعه إلى الدنيا قبل يوم القيامة ... وقيل: إن الشافعي نص على كفر القائل بخلق القرآن، وقد أول البيهقي هذا على أنه كفران نعمة، فيدخل خبره عندئذ في خبر الفاسق، ولكن البلقيني رد هذا التأويل بدليل أن الشافعي أفتى بضرب عنق حفص٣ الفرد مما يدل على أن بدعته هذه كفرته. وقال النووي: إن رد رواية هؤلاء متفق عليها، ولكن تعقبه السيوطي بأن هناك من تقبل روايتهم٤. وهذا هو الحق؛ لأنهم تأولوا فلا ينبغي أن نعتبرهم من الكفار، وربما حكمنا بفسقهم بسبب شططهم في تأويلهم، ومن هنا يكون السؤال: هل هم عدول أو لا؟ وعلى هذا فمحل بحثهم العدالة. إن شاء الله تعالى.

стр. 118

٢- العقل: ٢١٣- ومعناه أن يكون الراوي وقت الأداء بالغًا مكلفًا بالتكاليف الشرعية، وقد رأى العلماء هذا الشرط؛ لأن الصغير لا يدرك مغبة الكذب وعقوبته، فيخشى أن يكذب في حديث رسول الله ﷺ ، أما إذا كان بالغًا مكلفًا، فإنه ينزجر عن الكذب الذي ينهاه الشرع عن الوقوع فيه، فلا يكذب في حديث رسول الله ﷺ . ٢١٤- وإذا كان الشرع لم يجعل الصبي وليًّا في أمر دنياه، ففي أمر الدين أولى، كالتحديث عن رسول الله ﷺ ، الذي ينتج عنه أن يسمعه بعض المسلمين، فيحلون به الحلال، ويحرمون به الحرام١. ٢١٥- وممن نص على أنه لا تقوم الحجة إلا بخبر العاقل -في القرن الثاني الهجري- الإمام الشافعي رضي الله عنه٢. ٢١٦- وقال محمد بن الحسن الشيباني في كتاب الاستحسان بعد ذكر العدل والفاسق والكافر: "وكذلك الصبي والمعتوه إذا عقلا ما يقولان" وكانت هذه العبارة محتملة لتفسيرات ثلاثة: التفسير الأول: أن الصبي والمعتوه مثل العدل المسلم البالغ في قبول الرواية ما دام عندهما العقل، وأصحاب هذا التفسير يؤسسونه على أن العطف هنا على العدل لا على الكافر، بدليل أنه قيده بقوله: "إذا عقلا ما يقولان" ولو كان عطفًا على الكافر لم يكن لهذا القيد فائدة، لأنهما إذا لم يعقلا ما يقولان لم يقبل خبرهما أيضًا، وقد سقط اعتبار البلوغ هنا، في الأخبار كما سقط اعتبار الحرية والذكورة فيها بخلاف الشهادة في جميعها.

стр. 119

التفسير الثاني: أنهما مثل الفاسق في وجوب التوقف والتحري في خبره، فالعطف هنا على الفاسق. التفسير الثالث: وهو المختار عند مؤلفي الحنفية -أن خبرهما مثل خبر الكافر؛ لأن العطف على أقرب المذكور، والكافر هو الأقرب، فلا يجعل عطفًا على الأبعد من غير ضرورة، وكان هذا التفسير هو المختار؛ لأن خبرهما لو كان حجة لأثبتنا لهما ولاية متعدية، والولاية المتعدية فرع عن الولاية القائمة ... ؛ أي: ثبوت الولاية على الغير فرع لثبوتها على النفس، إذ الأصل في الولايات ولاية المرء على نفسه، ثم تتعدى إلى غيره عند وجود شرط التعدي؛ لأن الولاية قدرة، ومن لا يقدر في نفسه لا يقدر على غيره وليس للصبي والمعتوه ولاية ملزمة على أنفسهما بالإجماع، وإنما هي مجوزة، يعني تصرفهما جائز الثبوت، فلو انضم إليه رأي الولي يصير ملزمًا، ولوكان ملزمًا ابتداء لم يحتج إلى انضمام رأيه إليه، فلو قبلنا خبرهما ملزمًا، ولو كان ملزمًا ابتداء لم يحتج إلى انضمام رأيه إليه، فلو قبلنا خبرهما صارت ولايتهما متعدية إلى الغير ملزمة عليه؛ لأنه إذا وضع خبرهما موضع الحجة وجب على المروي له العمل به، وهو في هذا مثل الكافر، فإنه لما لم يلزمه موبج ما أخبر به لكونه غير مخاطب بالشرائع كان خبره ليس ملزمًا على الغير ابتداء، فالكافر ليس من أهل الإلزام، فكذا الصبي. ٢١٧- حقيقة إن الصحابة رضوان الله عليهم تحملوا الأخبار عن رسول الله ﷺ في صغرهم، ولكنهم نقلوها بعدما كبروا، ولو كانت ولاية الصغير حجة لنقلوها في صغرهم أيضًا. وقد يقال: إن أهل قباء تحولوا عن بيت المقدس إلى الكعبة بخبر صغير مما يدل على أن رواية الصغير جائزة وملزمة. والجواب عن ذلك أن الذي أتاهم هو أنس ﵁، وإذا كان عبد الله بن عمر قد أتاهم وأخبرهم، وهو صغير فإنهم اعتمدوا على رواية

стр. 120

البالغ وهو أنس، على أنه يحتمل أن يكون ابن عمر بالغًا في ذلك الحين، فقد كانت سنه أربع عشرة سنة، وابن هذه السن يجوز أن يكون بالغًا وإذا كان النبي ﷺ قد رده في هذا الوقت عن القتال لضعف بنيته يومئذ لا لأنه كان صغيرًا١. ٢١٨- وإذا كان من الجائز العمل بخبر الكافر إذا كان الاحتياط في العمل به -عند محمد بن الحسن- مع كفره واتهامه بعداوة المسلمين، فإنه -من باب أولى- يجوز العمل في الاحتياط بخبر الصبي المسلم٢. ٢١٩- وذا كانت رواية الصغير لا تصح ولا تقوم بها الحجة، فرواية المجنون كذلك من باب أولى؛ لأن الصغير عنده قدر من التمييز لا يوجد عند المجنون.

стр. 121

٣- العدالة: ٢٢٠- وهي صفة راسخة في النفس تحمل صاحبها على ملازمة التقوى والمروءة، والمراد بالتقوى اجتناب الأعمال السيئة، من فسق وبدعة، والمراد بالمروءة احتراز الإنسان عما يذم به عرفًا١، والعدل هو الذي يطيع الله فيتبع أوامره، ويجتنب نواهيه، وهو الذي لا يعصي الله ولا يرتكب الكبائر وبعض الصغائر. وقد سئل ابن المبارك عن العدل فقال: "من كان فيه خمس خصال: يشهد الجماعة، ولا يشرب هذا الشراب "يعني المسكر"، ولا تكون في دينه خزية، ولا يكذب، ولا يكون في عقله شيء"٢ ... وقد عبر الإمام الشافعي عن الراوي العدل بقوله، في بيان ما تقوم الحجة بخبره: أن يكون "ثقة في دينه معروفًا

стр. 122

بالصدق في حديثه ... بريئًا من أن يكون مدلسًا، يحدث عمن لقي ما لم يسمع منه١". ٢٢١- وليس المقصود من العدل أن يكون بريئًا من كل ذنب، وإنما المراد أن يكون الغالب عليه التدين, والتحري في فعل الطاعات يقول سعيد بن المسيب: "ليس من شريف ولا عالم ولا ذي سلطان إلا وفيه عيب لا بد، ولكن من الناس من لا تذكر عيوبه؛ من كان فضله أكثر من نقصه وهب نقصه لفضله ... ". ويقول الإمام الشافعي في هذا المعنى أيضًا: "لا أعلم أحدًا أعطي طاعة الله، حتى لم يخلطها بمعصية الله إلا يحيى بن زكريا ﵇ ... ولا عصى الله، فلم يخلط بطاعة، فإذا كان الأغلب الطاعة فهو المعدل، وإذا كان الأغلب المعصية، فهو المجرح"٢ ... ويعبر أبو يوسف عن هذا الاتجاه حين يقول: "من سلم أن تكون منه كبيرة من الكبائر التي أوعد الله تعالى عليها النار، وكانت محاسنه أكثر من مساوئه فهو عدل"٣. ٢٢٢- هذا هو مذهب أكثر العلماء، ولكن يروى عن أبي حنيفة وأهل العراق أن العدالة هي إظهار الإسلام، والسلامة من فسق ظاهر فمتى كانت هذه حال المرء وجب أن يكون عدلًا٤ ... وهذه حالة مجهول الحال عند الإمام الشافعي وأحمد وأكثر أهل العلم، فلا بد من معرفة سيرته، وكشف سريرته أو تزكية من عرفت عدالته له، وتعديله له٥. ٢٢٣- ومعرفة العدالة في الراوي تكون على مستويين: ١- مستوى يتساوى في معرفته الخاصة والعامة، وهو الصحة في البيع والشراء والأمانة ورد الودائع وإقامة الفرائض وتجنب المآثم، لهذا ونحوه

стр. 123

يشترك الناس في علمه ... وربما تشدد بعض الأئمة في توافر هذا الجانب من العدالة في الراوي، فاعتبروا الركض على البرذون، وسماع القراء بالتطريب١، مما يذهب العدالة، ويوجب ترك حديث الراوي، يقول أبو العالية: "كنا إذا أتينا الرجل لنأخذ عنه نظرنا إلى صلاته، فإن أحسن الصلاة أخذنا عنه، وإن أساء الصلاة لم نأخذ عنه٢"، ويقول الحسن بن صالح: كنا إذا أردنا أن نكتب عن الرجل سألنا عنه، حتى يقال لنا: أتريدون أن تزوجوه٣؟! واشتهر شعبة بن الحجاج "١٦٠هـ" بهذا المذهب، قيل له: لم تركت حديث فلان؟. قال: رأيته يكرض على برذون، فتركت حديثه، وقال: أتيت منزل المنهال بن عمرو، فسمعت صوت الطنبور، فرجعت. فقيل له: إنكارًا لهذا التشدد: فهلا سألت عنه إذ لا يعلم هو؟!. وممن غالى في هذا الحكم ابن عتيبة، قال له شعبة: لِمَ ترو عن زاذان؟. قال: كان كثير الكلام٤. وربما تساهل بعضهم، مثل الإمام عبد الله بن المبارك الذي كان لا يترك حديث الرجل حتى يبلغه الشيء الذي لا يستطيع أن يدفعه٥، وفي رواية عنه تبين لنا ما هو هذا الشيء الذي لا يستطيع أن يدفعه، وهو أن يتهم الرجل بالكذب أو يكثر منه الغلط، ويغلب عليه٦. ٢- ومتسوى آخر، وهو الأهم؛ لأنه يتصل برواية السنة مباشرة ولهذا لا يعرفه إلاعلماء الحديث والفقه وأئمتهم، وهو ملاحظة روايته، وهل هو يكذب فيها أو يصدق، وهل يوافق العدول الآخرين أو يخالفهم أو يتحرز في روايته أو لا، وغير ذلك مما لا يجوز الرجوع فيه إلى قول العامة، "بل التعويل فيه على مذاهب نقاد الحديث وملاحظاتهم ومعرفتهم،

стр. 124

فمن عدلوه، وذكروا أنه يعتمد على ما يرويه جاز حديثه، ومن قالوا فيه خلاف ذلك وجب التوقف في روايته١. ٢٢٤- ومن المعرفات لهذا المستوى حكم الحاكم وعمل المجتهد برواية الراوي، وسكوت السلف عند اشتهار روايته؛ إذ لا يسكتون على منكر، فإن قبله بعض ورده بعض، فالكثير على رد روايته، ويقبلها الحنفية؛ لأن العمل عندهم توثيق، أما الرد فهو ترك، والترك ليس بجرح، ومثلوا لهذا بحديث معقل بن سنان "أنه ﵇ قضى لبروع الأشجعية حين مات عنها زوجها قبل التسمية بمهر المثل"، فقد قبله ابن مسعود، ورده علي قائلًا: "ما نصنع بقول أعرابي بوال على عقبيه -حسبها الميراث لا مهر لها"٢. ٢٢٥- وقد وجبت العدالة شرطًا لقبول حديث الراوي؛ لأنه غير معصوم عن الكذب، وخبره يحتمل الصدق وغيره، والعدالة هي التي تجعل خبر الراوي يميل إلى جانب الصدق، وإذا كان الراوي عدلًا فإنه يكون منزجرًا عن الكذب في أمور الدنيا، وذلك دليل على انزجاره عن الكذب في أمور الدين بالطريق الأولى. ٢٢٦- أما إذا لم يكن عدلًا فإن جانب الكذب يرجح في خبره؛ لأنه إذا لم يكن غير مبال بارتكاب سائر المحظورات مع اعتقاده حرمتها، فالظاهر أنه لا يبالي من الكذب مع اعتقاده حرمته، ولا نطمئن إلى أنه صدق فيما يرويه٣. ٢٢٧- وعدالة الراوي هنا تفترق عن عدالته في الشهادة؛ فالعدل يكون جائز الشهادة في أمور مردودها في أمور تجوز فيها روايته، وذلك لأن الدوافع النفسية هنا وهناك قد تكون مختلفة فينشأ عنها الاختلاف في

стр. 125

القبول والرد ويتطلب الأمر الاطمئنان إلى رسوخ العدالة في الشهادة ما لا يتطلب في عدالة راوي الحديث، فدواعي الصدق والأمانة أقوى هنا منها في الشهادة، ولهذا اهتم الإمام الشافعي ببيان الفروق بينهما من هذه الناحية: يقول الإمام الشافعي ﵁: إن أهل العلم قد اتفقوا على أن ترد شهادة العدل، إذا شهد في موضع يجربه إلى نفسه أو إلى ولده أو والده زيادة من أي وجه أو يدفع بها عن نفسه أو عنهما غرمًا، ومثل هذا من المواضع التي لا يطمأن فيها إلى عدالته. والشاهد قد يشهد على واحد، ليلزمه غرمًا أو عقوبة، وللرجل ليؤخذ له غرم أو عقوبة، وهو غير ملزم بما لزم غيره من غرم، غير داخل في غرمه ولا عقوبته، ولعله قد يجر بشهادته ذلك إلى من لعله أن يكون أشد تحاملًا له منه لولده أو والده، ولكن تقبل شهادته؛ لأنه لا ظنة ظاهرة كظنته في نفسه وولده ووالده، وغير ذلك مما يبين فيه من مواضع الظنن. والمحدث خلاف ذلك، فعندما يروي ما يحل أو يحرم "لا يجر إلى نفسه، ولا إلى غيره، ولا يدفع عنها ولا عن غيره، شيئًا مما يتمول الناس، ولا مما فيه عقوبة عليهم ولا لهم" ... وهو ومن حدثه ذلك الحديث من المسلمين سواء، إن كان يروي ما يحل أو يحرم، فهو شريك المسلمين فيه لا تختلف حالاته كما تختلف في الشاهد "فيكون ظنينًا مرة مردود الخبر، وغير ظنين أخرى مقبول الخبر"١. ٢٢٨- ثم بين الإمام الشافعي كيف أن التقوى تحمل الناس على الصدق في أخبارهم، فيقول: إن هناك للناس حالات تكون أخبارهم فيها أصح وأحرى أن يحضرها التقوى من الحالات الأخرى، وتلك عند خوف الموت بالمرض أو في السفر ... في هذه الحالات تكون النيات فيها سليمة، والفكر

стр. 126

فيها أدوم، والغفلة فيها أقل، وهذا موجود في العامة، حتى عند أهل الكذب: "فإذا كان موجودًا في العامة وفي أهل الكذب الحالات يصدقون فيها الصدق الذي تطيب به نفس المحدثين -كان أهل التقوى والصدق في كل حالاتهم أولى أن يتحفظوا عند أولي الأمور بهم أن يتحفظوا عندها"، فهم وضعوا موضع الأمانة، ونصبوا أعلامًا للدين وكانوا عالمين بما ألزمهم الله من الصدق في كل أمر، وهم يعلمون أن الحديث في الحلال والحرام أعلى الأمور، وأبعدها من أن يكون فيه موضع ظنة أو تهمة، لا سيما وقد عرفوا من حديث رسول الله ﷺ : "مِنْ أَفْرَى الْفِرَى مَنْ قَوَّلَنِي مَا لَمْ أَقُلْ، وَمَنْ أَرَى عَيْنَيْهِ فِي الْمَنَامِ مَا لَمْ يَرَهُ، وَمَنِ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ" ١. وقال: "من قال علي ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار"٢. وقال: "إن الذي يكذب علي يبنى له بيت في النار"٣. وقيل لأبي قتادة: ما لك لا تحدث عن رسول الله كما يحدث الناس عنه؟ فقال: سمعت رسول الله ﷺ ، يقول: "من كذب علي فليلتمس لجنبه مضجعًا من النار"، فجعل رسول الله، ﷺ ، يقول، "ويمسح الأرض بيده" ٤، وقال رسول الله، ﷺ : "حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، وحدثوا عني ولا تكذبوا علي" ٥، ويعلق الشافعي على هذا الحديث، فيقول: هذا أشد حديث روي عن رسول الله في هذا، وعليه اعتمدنا مع غيره في ألا نقبل إلا عن ثقة، ونعرف صدق من حمل الحديث من حين ابتدئ إلى أن يبلغ به منتهاه؛ لأنه، ﷺ إذ أباح الحديث عن بني إسرائيل، فليس معناه إباحة الكذب

стр. 127

عليهم، وإنما معناه قبول ذلك عمن حدث به ممن يجهل صدقه وكذبه، وليس معناه أيضًا إباحة الكذب عليهم، لأنه، ﷺ ، قال: "من حدث بحديث وهو يراه كذبًا فهو أحد الكاذبين" ١، فالكذب الذي نهاهم عنه هو الكذب الخفي، وذلك الحديث عمن لا يعرف صدقه؛ لأن الكذب إذا كان منهيًّا عنه على كل حال -فلا كذب أعظم من كذب على رسول الله، صلى الله عليه وسلم٢. ٢٢٩- وقد حذر غير واحد من الأئمة في القرن الثاني الهجري من الرواية عن غير العدول؛ من الكذابين، والفاسقين، والسفهاء، وأصحاب الأهواء. ومن هذا ما يقول الإمام مالك بن أنس: "لا تأخذ العلم من أربعة وخذ ممن سوى ذلك: لا تأخذ من سفيه معلن بالسفه، وإن كان أروى الناس، ولا تأخذ من كذاب يكذب في أحاديث الناس إذا جرب عليه ذلك، وإن كان لا يتهم أن يكذب على رسول الله ﷺ ، ولا من صاحب هوى يدعو الناس إلى هواه، ولا من شيخ له فضل وعبادة إن كان لا يعرف ما يحدث"٣ ... ويقول شعبة بن الحجاج: لم يكن شيء أحب إلي من أن أرى رجلًا يقدم من مكة، فأسأله عن أبي الزبير؛ حتى قدمت مكة فسمعت منه فبينما أنا عنده، إذ جاءه رجل فسأله عن شيء، فافترى عليه، فقلت: تفتري على رجل مسلم؟!. قال: إنه غاظني قلت: يغيظك، فتفتري عليه؟! ... فآليت ألا أحدث عنه، فكان يقول: في صدري منه أربعمائة ... ولا والله لا أحدثكم عنه بشيء

стр. 128

أبدًا ... وقال يحيى بن سعيد القطان: سمعت النضر بن مطرف يقول: إن لم أحدثكم فأمي زانية. قال يحيى: تركت حديثه لهذا ... وقيل لزيد بن أسلم: عمن يا أبا أسامة، قال: ما كنا نجالس السفهاء١. ٢٣٠- وقال محمد بن الحسن: "إن الفاسق إذا أخبر بحل أو حرمة فالسامع عليه أن يحكم رأيه فيه، لأن ذلك أمر خاص لا يستقيم طلبه وتلقيه من جهة العدول دائمًا، فوجب التحري في خبره، فأما هنا في رواية الحديث، فلا ضرورة في المصير إلى روايته، وفي العدول كثرة، وبهم غنية، إذ يمكن الوقوف على معرفة الحديث بالسماع منهم فلا حاجة إلى الاعتماد على خبر الفاسق"٢. ويرى محمد ﵀ -مع هذا- أنه في باب الاحتياط يستحب العمل بخبر الفاسق، وإن لم يكن خبره حجة؛ مثله في ذلك مثل خبر الكافر، وإن كان الاستحباب هنا أقوى٣. الكذب والكذابون: ٢٣١- وإذا كانت العدالة تراعى في الراوي، حتى لا يكذب على رسول الله، ﷺ -فإن الأئمة قد وقفوا طويلًا عند الكذابين يحذرون من رواياتهم ويبينون صور كذبهم وتحريفهم لحديث رسول الله، ﷺ ، يقول الإمام الشافعي، وذكر له حرام بن عثمان، فقال: "الحديث عن حرام بن عثمان حرام"، ويفسر ابن أبي حاتم قول الشافعي هذا -وهو الخبير بعلل الرواة-: "يعني أنه ليس بصدوق، فالتحديث عمن يكذب على رسول الله، ﷺ حرام"٤ ... وذكر للشافعي أبو بكر البياضي، فقال: "بيض الله عيني من يروي عنه"، ويقول: ابن أبي حاتم أيضًا: يريد بذلك تغليظًا على من يكذب على رسول الله،

стр. 129

صلى الله عليه وسلم١، ويقول الشافعي أيضًا: إذا حدثت بالحديث، فيكون عندنا كذبًا، فأنت أحد الكاذبين في المأثم"٢. ويبين أن آفة كذب الحديث، في الأغلب، إنما تأتي من الرواة الكذابين، فيقول: "ولا يستدل على أكثر صدق الحديث وكذبه إلا بصدق المخبر وكذبه إلا في الخاص القليل من الحديث"٣. ٢٣٢- صور الكذب: ١- وهناك صور عديدة للكذب أشدها وأشنعها اختراع الأحاديث والكذب على رسول الله ﷺ ، ولذلك قال الإمام أحمد وأبو بكر الحميدي والشافعي؛ رضوان الله عليهم: إن التائب من الكذب في حديث الناس وغيره من أسباب الفسق تقبل روايته، ولكن التائب من الكذب متعمدًا على رسول الله ﷺ ، لا تقبل روايته أبدًا، وإن حسنت توبته. ومما روي عن الشافعي في هذا: "كل من أسقطنا خبره من أهل النقل بكذب، وجدناه عليه، لم نعد لقبوله بتوبة تظهر٤. ٢- وذكر عبد الله بن الزبير الحميدي "٢١٩ هـ"، أن من صور الكذب أن يحدث الرجل عن آخر أنه سمعه ولم يدركه؛ لأنه توفي مثلًا قبل أن يولد، أو قبل أن يكبر ويميز سماع الأحاديث، أو عن رجل أدركه، ثم لوحظ عليه أنه لم يسمع منه. يقول: "فإن قال قائل: فما الذي لا يقبل به حديث الرجل أبدًا؟ قلت: هو أن يحدث عن رجل أنه سمعه ولم يدركه، أو عن رجل أدركه، ثم وجد عليه أنه لم يسمع منه، أو بأمر يتبين عليه في ذلك كذب، فلا يجوز حديثه أبدًا، لما أدرك عليه من الكذب فيما حدث به"٥.

стр. 130

ومما يستدل به على كذب الراوي في هذه الحالة معرفة تاريخ المروي عنه ومولد الراوي والأمكنة التي ارتحل إليها والتي لم يرتحل إليها. وقد قام الأئمة بذلك خير قيام، وتنبهو لذلك غاية التنبه، ومن الأمثلة على ذلك في القرن الثاني الهجري ما قاله عقير بن معدان، يكشف عن أحد الكذابين من هذا النوع: قدم علينا عمر بن موسى حمص، فاجتمعنا إليه في المسجد، فجعل يقول: حدثنا شيخكم الصالح، فلما أكثر قلت: من شيخنا هذا الصالح؟ سمه لنا نعرفه، فقال: خالد بن معدان. قلت له: في أي سنة لقيته؟. قال: لقيته في غزاة أرمينية، وقلت له: اتق الله يا شيخ، لا تكذب، مات خالد بن معدان سنة أربع ومائة، وأنت تزعم أنك لقيته بعد موته بأربع سنين!. وأزيدك أخرى: أنه لم يغز أرمينية قط، كان يغزو الروم ويوضح الإمام سفيان الثوري هذا الاتجاه بقوله: "لما استعمل الرواة الكذب استعملنا لهم التاريخ"، ويقول حفص بن غياث: "إذا اتهمتم الشيخ فحاسبوه بالسنين"١. ٣- ومن صور الكذب أن يكثر الراوي من الروايات التي تخالف الأئمة المعروفين بالصدق والضبط، قيل لشعبة بن الحجاج: من الذي يترك حديثه؟. قال: إذا روى عن المعروفين ما لا يعرفه المعروفون، فأكثر ترك حديثه٢، ويقول الإمام أحمد عن موسى بن عبيدة الربذي: لا يشتغل به، وذلك أنه يروي عن عبد الله بن دينار شيئًا لا يرويه الناس، لا تحل الرواية عندي عن موسى بن عبيدة٣. وقد يكون كل ما خالف فيه الراوي هو شيء من الإسناد، أما المتن فهو واحد من حيث المعنى، وذلك حتى يأخذوا بالحيطة، فالذي يغير في السند ويخالف فيه الثقات يمكنه أن يغير في المتن، ومن هذا ما يقوله يحيى بن سعيد القطان: كلمني السري بن إسماعيل مرة، فسمعته يقول: حدثنا عامر، قال: سمعت النعمان بن بشير يقول: سمعت النبي ﷺ

стр. 131

يقول: "الخمر من خمسة" فتركته، ويفسر ابن أبي حاتم السبب في تركه له، فيقول: "ترك السري؛ لم يحمل عنه لإنكاره ما حدث به عن الشعبي؛ لأن الثقات يروون عن أبي حيان التميمي عن الشعبي عن ابن عمر عن عمر قوله: "إن الخمر نزل تحريمها يوم نزل وهي خمسة ١. ٤- ومن صور الكذب أن يحدث الراوي عن شيخ، ثم يسأل هذا الشيخ، فيروي خلاف ما روى هذا الراوي عنه، قال شعبة لأبي داود الطيالسي: " إيت جرير بن حازم، فقل له: لا يحل لك أن تروي عن الحسن بن عمارة، فإنه يكذب فسأل أبو داود: ما علامة كذبه؟. قال: روى عن الحكم أشياء لم نجد لها أصلًا ... قلت للحكم: صلى النبي، ﷺ ، على قتلى أحد؟. لم يصل عليهم، وقال الحسن بن عمارة: حدثني الحكم عن مقسم عن ابن عباس أن النبي، ﷺ ، صلى عليهم ودفنهم. وإذا كان الخلاف بين ما قاله الحكم، وما رواه الحسن بن عمارة عنه هو: هل صلى النبي، ﷺ ، على شهداء أحد أو لا، فإن هناك رواية أخرى تبين أن الاختلاف في شيء آخر، وهو هل غسل النبي، ﷺ ، شهداء أحد أو لا؟. تقول هذه الرواية: "هذا الحسن بن عمارة يحدث عن الحكم عن مقسم، عن ابن عباس، وعن الحكم بن يحيى الجزار، عن علي أن النبي، ﷺ ، صلى على قتلى أحد وغسلهم ... وأنا سألت الحكم عن ذلك، فقال: يصلى عليهم ولا يغسلون. قلت: عمن؟ قال: بلغني عن الحسن البصري. ويقول الرامهرمزي: إن هذه الرواية هي الأصح، لأن راويها أحفظ من راوي الرواية الأولى وأضبط٢.

стр. 132

والذي يهمنا هو ما تثبته هذه الرواية أو تلك، وهو أن الأئمة كانوا يستوثقون من صدق الراوي بسؤال من روى عنه، فإذا روى خلاف ما نقل عنه كان هذا علامة من علامات كذب هذا الراوي، وبالتالي ترك حديثه، كما أنهم بهذا يصونون روايات كل راو من أن يغير فيها، أو يزاد عليها. وإذا لم يكن المروي عنه حيًّا فإنهم يلجئون إلى أصحابه القدامى الذين استوعبوا أحاديثه وحفظوها، فيسألونهم عما نسب إلى صاحبهم من أحاديث، يقول عبد الرحمن بن مهدي في أحد الرواة: أتيته أنا وبشر بن السري، فكلمناه في حديث مالك في التسليمة، فحدث عن مالك بإسناد عن النبي ﷺ في التسليمة وعن فلان وفلان. فكتبت إلى إبراهيم بن حبيب المديني، وكان من أصحاب مالك العتق، فجاءني كتابه: إني سألت مالكًا، فلم يكن عنده فيه حديث إلا عن يحيى بن سعيد بن عبد الرحمن بن القاسم، عن عائشة، وأنكر ذا كله١. ٥- ومن صور الكذب أن يحدث الراوي بغير المعقول من الروايات فإن ذلك دليل على الوضع والكذب؛ لأن حديث الرسول صلى الله عليه وسلم، منطقي ومعقول، وله ضوء كضوء النهار -كما يعبر بعض المحدثين- سئل الشافعي عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، فضعفه، وقال: إنه أتاه رجل فقال: أحدثك أبوك أن سفينة نوح طافت بالبيت سبعًا، وصلت خلف المقام ركعتين؟. فقال: نعم ... ولا يقال: إن هذا حدث بهذا عن أبيه فتكون العهدة عليه؛ لأن أباه زيد بن أسلم ليس من الوضاعين والكذابين، ولكنه اخترع نسبة الحديث إلى أبيه، كما اخترع الحديث٢. ٦- ومن صور الكذب نسبة الأحاديث التي غير رواتها، مما يدلنا على مقدار تشدد الأئمة في صدق الراوي وعدالته، ويقدم لنا الإمام أحمد بن حنبل صورة من هذا -فيما يرويه عنه ابنه عبد الله الذي يقول: سمعت أبي وذكر حبيبًا الذي يقرأ لهم على مالك بن أنس، فقال: "ليس بثقة، قدم

стр. 133

علينا رجل -أحسبه قال: من خراسان، كتب عن حبيب كتابًا عن ابن أخي ابن شهاب عن عمه عن سالم والقاسم، وإذا هي أحاديث ابن لهيعة عن خالد بن أبي عمران عن القاسم وسالم.... فقال أبي: أحالها على ابن أخي ابن شهاب عن عمه، قال أبي: قال أبي: كان حبيب يحيل الحديث ويكذب، وأثنى عليه شرًّا وسوءًا". وكانوا يسمون هذا النوع "قلبًا" يقول الإمام أحمد عن عباد بن جويرية: كذاب، أفاك، أتيته أنا وعلي -يعني ابن المديني وإبراهيم ابن عرعرة، فقلنا له: أخرج إلينا كتاب الأوزاعي، فإذا فيه مسائل أبي إسحاق الفزراي: سألت الأوزاعي، وإذا هو قد جعلها عن الزهري وقلبها، وقال: خصيف -هذا خصيف الكبير، فتركناه وكان كاذبًا٢". ومن هذا نستنتج أن الأئمة كانوا يعرفون مرويات كل محدث وأصلها حتى إذا أتى كذاب وزور أحاديث ونسبها إليهم كشفوا أمره، ولا شك أن هذا كان مسلك الوضاعين عندما يريدون أن يروجوا أحاديثهم، فيخترعوا لها الأسانيد الجيدة، حتى يعتقد، تبعًا لهذا، أن المتن جيد أيضًا. ٧- ومنها أن يسمع التلميذ من الشيخ بعض الأحاديث، فيغير من ألفاظها عند إملائها، يقول الإمام أحمد عن إبراهيم بن بشار الرمادي: "كان يحضر معنا عند سفيان، ثم يملي على الناس ما سمعوه من سفيان، وربما أملى عليهم ما لم يسمعوا من سفيان؛ كأنه يغير الألفاظ، فتكون زيادة ليست في الحديث، فقلت له: ألا تتقي الله! تملي عليهم ما لم يسمعوا، وذمه في ذلك ذمًّا شديدًا"٣.

стр. 134

ولعل هذا يعطينا مقدار عناية نقاد الحديث وحرصهم على أن ينقل حديث رسول الله ﷺ ، نقلا جيدًا لا تحريف فيه ولا تبديل. ٨- ومنها أن يأخذ الراوي آراء أحد الأئمة المجتهدين -كأنه يريد أن تروج بين الناس- فينسبها إلى النبي ﷺ ؛ فيقول الإمام أحمد في إسحاق بن نجيح الملطي: "من أكلب الناس، يحدث عن النبي صلى الله علي وسلم، برأي أبي حنيفة١. ومعنى هذا أن الإمام أحمد عندما لا يكتفي بأن يقول عن هذا الراوي إنه كذاب ويبين أصل كذبه يبين الدافع الذي دفعه إلى الكذب على رسول الله ﷺ ، وهو الترويج لمذهب أبي حنيفة. ٩- ومنها أن يأخذ الراوي أحاديث الرواة، فينسبها لنفسه، ويسقط الرواة الذين حدثوه بها، يقول يحيى بن معين في مطرف بن مازن الكناني: قال لي هشام بن يوسف: جاءني مطرف بن مازن، فقال لي: أعطني حديث ابن جريج ومعمر حتى أسمعه منك، فأعطيته، فكتبها، ثم جعل يحدث بها عن معمر نفسه وعن ابن جريج، وأراد هشام أن يؤكد قوله ليحيى بن معين، فقال له: انظر في حديثه، فهل مثل حديثي سواء. قال ابن معين: فأمرت رجلًا فجاءني بأحاديث مطرف بن مازن، فعارضت بها، فإذا هي مثلها سواء، فعلمت أنه كذاب٢. ١٠- ومن صور الكذب أن يحدث الراوي عن الكاذبين، فيقع في حبالهم، وسمى هذا الإمام الشافعي "الكذب الخفي" كما سبق أن ذكرنا٣. ١١- ومن صور الكذب أن يحدث الرجل بالأحاديث المنكرة، التي أنكرها العلماء ووضحت نكارتها، ويحكم على هذا الرجل بأنه غير صدوق،

стр. 135

قيل ليحيى بن معين: "ما تقول في رجل حدث بأحاديث منكرة، فردها عليه أصحاب الحديث -إن هو رجع عنها، وقال: ظننتها، فأما إذا أنكرتموها ورددتموها علي فقد رجعت عنها، فقال: لا يكون صدوقًا أبدًا، إنما ذلك الرجل يشتبه له الحديث الشاذ والشيء، فيرجع عنه.... فأما الأحاديث المنكرة التي لا تشتبه لأحد فلا"١. التدليس والمدلسون: ٢٣٣- والتدليس قد يكون نوعًا من أنواع الكذب وتنتفي به عدالة الراوي، وذلك إذا كان متعمدًا، ويخفي به الراوي ضعفًا في أحد الرواة ليروج به الأحاديث الضعيفة، ويتحقق ذلك بإسقاط الراوي الضعيف أو إخفاء اسمه المشهور به بكنية غير معروفة. ٢٣٤- فهناك نوعان من المدلسين: ١- عدل ربما أرسل حديثه بعبارة تحتمل السماع، وربما أسنده وربما حدث به على سبيل المذاكرة أو الفتيا أو المناظرة، فلم يذكر له سندًا، وربما اقتصر على ذكر بعض رواته دون بعض، فهذا لايضره، ولا يضر سائر مروياته؛ لأن هذا ليس جرحًا ولا غفلة، ولو طلب منه أن يسند لأسند، ولو كان في مجلس التحديث فإنه يسند أحاديثه، عن عبد الرزاق قال: كان معمر يرسل لنا أحاديث، فلما قدم عليه ابن المبارك أسندها له". ٢٣٥- وقد فعل هذا النوع كثير من أئمة الحديث: كالحسن البصري، وأبي إسحاق السبيعي، وقتادة بن دعامة السدوسي، وعمرو بن دينار، وسليمان بن مهران الأعمش، وأبي الزبير، وسفيان الثوري وسفيان بن عيينة، وقد أدخل الدراقطني فيهم مالك. ويقول ابن عبد البر: إنه لم يكن يسلم من

стр. 136

التدليس على هذا النحو أحد من العلماء إلا شعبة بن الحجاج ويحيى بن سعيد القطان١. ٢٣٦- والحق أن هذا نوع من التدليس في بادئ الأمر، ولكن هؤلاء الحفاظ عند ما يسندون ما أرسلوه، خرجوا من دائرة التدليس إلى دائرة الإرسال، ومن دائرة الإبهام إلى دائرة التوضيح. ٢٣٧- ومثال ذلك ما يرويه علي بن خشرم قال: كنا عند سفيان بن عيينة، فقال: "قال الزهري كذا"، فقيل له: أسمعت منه هذا!؟ قال: "حدثني عبد الرزاق عن معمر عنه" كما روي بالعنعنة عن عمرو بن دينار، ثم تبين حين سئل: أن بينهما علي بن المديني، عن أبي عاصم عن ابن جريح وكذا قيل في حميد الطويل؛ إنه لم يسمع من أنس، وجل حديثه إنما هو عن ثابت عنه، ولكنه يدلسه ... ومن أمثلته أيضًا ما رواه هشيم عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن الزهري، عن عبد الله بن الحنفية عن أبيه هو محمد ابن الحنفية عن علي في تحريم لحوم الحمر الأهلية، فقد قالوا: إن يحيى لم يسمعه من الزهري، وإنما سمعه من غيره، إنما أخذه عن مالك عنه، ولكن هشيمًا قد سوى الإسناد، كما جزم به ابن عبد البر وغيره٢. ٢٣٨- وتدليس هؤلاء مقبول إذا صرحوا بالتحديث، وأثبتوا ما أبهموه من الوسائط. وعند الحنفية يقبل ما دلسوه حتى ولو لم يصرحوا أو يثبتوا، وهذا خاص بأهل القرون الثلاثة؛ لأنهم يقبلون مراسيلهم كما سنرى -إن شاء الله تعالى، وذلك لأن أهل هذه القرون، الصحابة والتابعين وتابعيهم لا يفعلون ذلك خداعًا أو تغريرًا، وما كانوا ليجزموا بنسبة قول أو فعل إلى النبي ﷺ ، إلا وهم عالمون أو ظانون أن النبي، صلى الله

стр. 137

عليه وسلم، قال ذلك أو فعله، وذلك يستلزم تعديل من لم يسموه من الوسائط١. ٢٣٩- وقد قام الأئمة بجهد محمود في رواية أحاديث هؤلاء موصولة، وبيان أنها مسندة وإن دلسوها وأرسلوها، وممن قام بذلك شعبة بن الحجاج، الذي فعل ذلك في أحاديث أئمة كبار مثل الأعمش والسبيعي وقتادة٢. ٢- ونوع آخر من المدلسين، وهم الكذابون، غير العدول، هؤلاء الذين يسقطون من لا خير فيهم من أسانيدهم عمدًا حتى لا يكون في السند إلا الأقوياء، وهم يفعلون ذلك تلبيسًا على من يحدثون. وتغريرًا بمن يأخذون عنهم وسترًا لأسانيدهم وأحاديثهم الضعيفة. ٢٤٠- وقد حدد الإمام الشافعي، ﵁ بدء هذا النوع بالقرن الثاني الهجري، وعلى عهده، حيث لم يعرف قبل ذلك، يقول: "ولم نعرف بالتدليس ببلدنا، فيمن مضى، ولا من أدركنا من أصحابنا إلا حديثًا ... فإن منهم من قبله عمن لو تركه عليه كان خيرًا له، وكان قول الرجل: "سمعت فلانًا يقول: عن فلان وقوله: "حدثني فلان عن فلان" سواء عندهم، لا يحدث واحد منهم عمن لقي إلا ما سمع منه، ممن عناه بهذه الطريق، قبلنا منه "حدثني فلان عن فلان"٣. فالعنعنة هنا في نظر الإمام الشافعي تساوي السماع، ولا تدل إلا عليه. ٢٤١- وهذا النوع من المدلسين ساقط العدالة غاش لأهل الإسلام باستجازته ذلك، وحذر منه الأئمة، ورفضوا روايات أصحابه ورفضوهم أيضًا. وكان أشدهم إنكارًا له في القرن الثاني الهجري شعبة بن الحجاج، فقد روي

стр. 138

عنه قوله: "التدليس أخو الكذب"، وقوله: "لأن أزني أحب إلي من أن أدلس ... ولأن أسقط من السماء أحب إلي من أن أدلس"١ وكان الشافعي يتوقف فيمن عرف بالتدليس على هذا النحو، ولو مرة واحدة، فلا يعتبر صاحبه في دائرة أهل الصدق، يقول: "ومن عرفناه دلس مرة واحدة فقد أبان لنا عورته في روايته، وليست تلك العورة بالكذب، فنرد بها حديثه ولا النصيحة في الصدق فنقبل منه ما قبلنا من أهل النصيحة في الصدق، فقلنا لا نقبل من مدلس حديثًا حتى يقول فيه "حدثني"٢. وذمه أيضًا أبو الوليد الطيالسي، الذي قال عبارة شبيهة بما قال شعبة، قال: "لأن أخر من السماء إلى الأرض أحب إلي من أن أقول: زعم فلان، ولم أسمع ذلك الحديث منه". وابن المبارك الذي قال: إن الله لا يقبل التدليس، وسليمان بن داود المنقري "٢٣٤هـ" الذي قال: والتدليس والغش والغرور والخداع والكذب تحشر يوم تبلى السرائر في نفار واحد "أي طريق واحد". وحماد بن زيد الذي قال: "هو متشبع بما لم يعط"، ونحوه قول أبي عاصم: "أقل حالاته عندي أنه داخل في حديث المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور"، وقال وكيع بن الجراح منكرًا التدليس: "الثوب لا يحل تدليسه فكيف الحديث!. وقال يعقوب بن أبي شيبة: وكرهه جماعة من المحدثين، وممن أطلق على فاعله الكذب أبو أسامة "٢٠١هـ"٣. ٢٤٢- وإنما أنكروا هذا الإنكار الشديد على التدليس والمدلسين؛ لأنه باب لو فتح لأدخل منه الكذابون الأحاديث الموضوعة، ونسبوها إلى المحدثين العدول بعبارات توهم سماعهم لها منهم، كما أنه -كما قلنا- يلبس الأحاديث الضعيفة ثوب الأحاديث الصحيحة حينما يسقط المدلس من أسانيده الضعفاء فتبدو صحيحة الإسناد وليست كذلك. وفي هذا من الخطورة ما فيه؛ إذ يختلط الحابل بالنابل، ولا يدري الصحيح من غير الصحيح.. ومن خطوروته أيضًا أنه يظلم الثقات من الرواة ويضعفهم؛ إذ يسند المدلس إليهم أنهم

стр. 139

يروون عن الثقات الأحاديث الضعيفة، وممن نبه إلى ذلك صنيع الوليد بن مسلم "١٩٤هـ"، فقد كان يحذف شيوخ الأوزاعي الضعفاء، ولا يذكر من إسناده إلا الثقات، فسئل عن ذلك؟ فأجاب بأن الأوزاعي أسمى من أن يروي عن مثل هؤلاء ولذلك أسقط الضعفاء، فقيل له: فإذا روي عن هؤلاء، وهم ضعفاء، أحاديث مناكير، أسقطتهم أنت وصيرتها من رواية الأوزاعي عن الثقات ضعف الأوزاعي١. أصحاب الأهواء: ٢٤٣- وكما وقف النقاد طويلًا أمام الكذابين يكشفون أمرهم ويبينون صورهم وأساليهم، وقفوا طويلًا أيضًا أمام أصحاب المذاهب التي خرجت على السنة والجماعة، من خوارج وشيعة ورافضة وقدرية وجبرية ومرجئة. ٢٤٤- وقد أطلق أهل السنة والجماعة على هذه الفرق اسم "أهل الأهواء"؛ لأنهم اتبعوا أهواءهم، أو أهل البدع؛ لأنهم أحدثوا في الدين بعض الأمور التي لم تكن في عهده، ﷺ ، أو التي لم تؤثر عنه وعن أصحابه، رضوان الله عليهم أجمعين ٢. ٢٤٥- وقد سبق أن ذكرنا أن فرقًا من هؤلاء اعتبرهم النقاد من الكفار وإن كان كفرهم بالتأويل فعاملوهم معاملة الكفار المعاندين٣. ٢٤٦- أما الفرق الأخرى التي لم تخرج عن المبادئ الإسلامية الأساسية، كالخوارج والشيعة المعتدلين الذين لم يصلوا في تشيعهم إلى درجة تقديس علي كرم الله وجهه، وسب غيره من الصحابة الأبرار كأبي بكر وعمر وعائشة -رضوان الله عليهم- أما هؤلاء فقد اختلف نقاد الحديث في صحة السماع منهم وصحة رواياتهم.

стр. 140

٢٤٧- ولا يهمنا هنا أن نقوِّم عقائد هذه الفرق وتطورها، وهل بعضها زاغ فعلًا أو عنده نوع من الفهم المعقول، وإن كان مخالفًا لما عليه الجماعة ... وإنما الذي يهمنا هو نظرة أئمة الحديث والفقه من أهل السنة إلى هؤلاء، وأثر هذه النظرة في قبولهم لرواياتهم أو رفضهم لها. فذهب فريق منهم إلى عدم قبول رواياتهم؛ لأنهم من الفسقة غير العدول فالخارج على الجماعة في العقيدة، مثل هؤلاء؛ كالخارج عليها في ارتكاب ما حرم الله. وهو ينظر إلى أهل السنة نظرة عداء تجعله يبيح الكذب من أجل نصرة ما ذهب إليه، وتسفيه رأي الجماعة. وقد رأى النقاد أن هذا قد حدث فعلًا، فقد سمع ابن لهيعة المحدث المصري رجلًا من أهل البدع رجع عن بدعته، يقول: انظروا هذا الحديث عمن تأخذونه، فإنا كنا إذا رأينا رأيًا جعلناه حديث". وفي رواية: أنه سمع شيخًا من الخوارج وهو يقول: إن هذه الأحاديث دين فانظروا عمن تأخذون دينكم، فإنا كنا إذا هوينا أمرًا صيرناه حديثًا١. ورأى شعبة بن الحجاج صحيفة من صحف هؤلاء الذين وضعوها لنصرة مذهبهم فرفضها، يقول مبينًا هذا: "كنت أتلقى الركبان أسأل عن أبي هارون العبدي، فقدم، فرأيت عنده كتابًا فيه أشياء منكرة في علي ﵁، فقلت: ما هذا الكتاب؟. قال: هذا كتاب حق٢. وفي رواية: أتيت أبا هارون، فقلت له: أخرج إلي ما سمعت من أبي سعيد، فأخرج إلي كتابًا، فإذا فيه: "حدثنا أبو سعيد أن عثمان أدخل حفرته، وإنه لكافر بالله" فدفعت الكتاب في يده وقمت، وقال ابن معين: "كانت عند أبي هارون صحيفة، يقول: هذه صحيفة الوصى"٣. ٢٤٨- ويبين زائدة بن قدامة الثقفي "١٦١هـ" السبب في عدم قبول رواية أصحاب المذاهب المخالفة لرأي أهل السنة والجماعة، وعدم تحديثهم بأنه يخاف أن يكون العلم عندهم، فيصيروا أئمة يحتاج إليهم، فيبدلوا كيف

стр. 141

شاءوا. وربما كان هذا هو السبب في عدم كتابة سفيان الثوري عن مرجئ مباشرة، وإنما كتب عن رجل عنه، وعلل ذلك بأنه مرجئ١. ٢٤٩- وجاءت روايات كثيرة في القرن الثاني يرفض فيها بعض الأئمة الذين يقولون بهذا الرأي رواة لأنهم على مذهب من هذه المذاهب، ومن أهل الأهواء والبدع كما يعبرون، فقد قيل لسفيان بن عيينة: لم أقللت الرواية عن سعيد بن أبي عروبة؟. قال: وكيف لا أقل الرواية عنه، وسمعته يقول: هو رأيي ورأي الحسن -يعني ابن دينار٢- وكان الحسن ابن دينار يرى رأي القدرية، كما يقول ابن المبارك٣. وكان يقول لأصحابه وتلاميذه: "ألا فاحذروا ابن أبي رواد المرجئ لا تجالسوه، واحذروا إبراهيم بن أبي يحيى القدري لا تجالسوه"٤. وروى عن مالك بن أنس قوله: "لا يصلى خلف القدرية ولا يحمل عنهم الحديث"، وترك أبو بكر بن عياش "١٨٧هـ"، الرواية عن فطر بن خليفة لمذهبه، وكان فطر شيعيًّا، وقال أبو بكر: ما تركت الرواية عنه إلا لسوء مذهبه٥. وقال الحميدي: كان بشر بن السري جهميًّا. ٢٥٠- وكان هذا الرأي امتدادًا لما كان موجودًا قبل ذلك ويعبر عنه ابن سيرين حينما تكلم عن السبب في التمسك بالإسناد، يقول: "كان في زمن الأول، الناس لا يسألون عن الإسناد حتى وقعت الفتنة، فلما وقعت الفتنة سألوا عن الإسناد، ليحدث حديث أهل السنة ويترك حديث أهل البدعة" وفي رواية: "كانوا لا يسألون عن الإسناد حتى كان بآخرة، فكانوا يسألون عن الإسناد لينظروا من كان صاحب سنة كتبوا عنه، ومن لم يكن صاحب سنة لم يكتبوا عنه"٦.

стр. 142

٢٥١- وذهب فريق آخر -على رأسه الإمام الشافعي- إلى قبول رواية أصحاب هذه المذاهب إلا الذين يستحلون منهم الكذب، والشهادة لمن وافقهم بما ليس عندهم فيه شهادة؛ يقول الإمام الشافعي: "وتقبل شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية من الرافضة؛ لأنهم يرون الشهادة بالزور لموافقيهم"١. ويقول: "لم أر أحدًا من أهل الأهواء أشهد بالزور من الرافضة"، وهذا هو مذهب أبي يوسف الذي يقول: "أجيز شهادة أهل الأهواء؛ أهل الصدق منهم إلا الخطابية والقدرية الذين يقولون: "إن الله لا يعلم الشيء حتى يكون". كما يحكى أن ابن أبي ليلى وسفيان الثوري يذهبان إلى هذا الرأي. ويحكي إبراهيم النخعي كيف يستحل هؤلاء الشهادة على ما لا يشهدونه فيقول: إذا كان لك على رجل ألف درهم، ثم جئت إلي، فقلت: إن لي على فلان ألف درهم، وأنا لا أعرف فلانًا، فأقول لك: وحق الإمام: إنه هكذا، فإذا حلفت ذهبت فشهدت لك، هؤلاء الخطابية. ٣٥٢- وذهب أبو حنيفة رحمه الله تعالى إلى هذا الرأي تقريبًا، إذ أنه يجيز رواية أصحاب المذاهب إلا الشيعة الذين غلوا، فحكموا على أصحاب رسول الله ﷺ ، بالضلال؛ فقد سأله سائل: ممن تأمرني أن أسمع الآثار؟. فقال من كل عدل في هواه إلا الشيعة؛ فإن أصل عقدهم تضليل أصحاب محمد ﷺ ، ومن أتى السلطان طائعًا"٢. ٢٥٣- وقد رأى أصحاب هذا الرأي أن أصحاب المذاهب ليسوا كالفاسقين الذين يتوقف في رواياتهم، كما يقول أصحاب الرأي الأول فالفاسق المتعمد أوقع الفسق مجانة، ويعلم أنه بارتكاب المحرمات يخالف

стр. 143

أمر الله تعالى ويعصيه، وأنه بهذا يذهب عنه خلق التقوى، فلا يستبعد أن يكذب على رسول الله ﷺ ، أما هؤلاء فقد اعتقدوا ما اعتقدوه ديانة. وأن ما هم عليه هو العقيدة الصحيحة فلم تنتف عنهم الخشية والخوف من الله وتقواه التي تعصم المرء من الوقوع في الكذب١. ٢٥٤- والحقيقة أن عقيدة بعضهم تحمله على الاحتراز عن الكذب أشد الاحتراز لا على الإقدام عليه، مثل الاعتقاد بكفر من ارتكب الذنب أو الخروج من الإيمان به، "فكان هذا الفسق نظير تناول متروك التسمية عمدًا، أو شرب المثلث على اعتقاد الإباحة، فلا يصير به مردود الشهادة"٢ ومن احترز عن الكذب على غير الرسول كان أشد تحرزًا من الكذب عليه؛ لأنه أعظم جناية، فتقبل روايته، كما تقبل شهادته. وهذا ما شوهد على كثير منهم من تحري الصدق في روايتهم، مما جعل كثيرًا من الصحابة والتابعين يأخذون برواياتهم. ٢٥٥- ويبين الخطيب البغدادي حجة من يجوز الرواية عن أصحاب المذاهب وقبولها بقوله: "والذي يعتمد عليه في تجويز الاحتجاج بأخبارهم "ما" اشتهر من قبول الصحابة أخبار الخوارج وشهاداتهم، ومن جرى مجراهم من الفساق بالتأويل، ثم استمرار عمل التابعين والخالفين بعدهم على ذلك؛ لما رأوا من تحريهم الصدق وتعظيمهم الكذب، وحفظهم أنفسهم عن المحظورات من الأفعال، وإنكارهم على أهل الريب والطرائق المذمومة، ورواياتهم الأحاديث التي تخالف آراءهم، ويتعلق بها مخالفوهم في الاحتجاج عليهم، فاحتجوا برواية عمران بن حطان، وهو من الخوارج وعمرو بن دينار، وكان ممن يذهب إلى القدر والتشيع، وكان عكرمة إباضيًّا، وابن أبي نجيح كان معتزليًّا، وعبد الوارث بن سعيد، وشبل بن عباد، وسيف بن سليمان، وهشام الدستوائي، وسعيد بن أبي عروبة، وسلام بن مسكين، وكانوا قدرية، وعلقمة بن مرثد، وعمرو بن مرة، ومسعر بن كدام، وكانوا مرجئة، وعبيد الله بن موسى، وخالد بن مخلد، وعبد الرزاق بن

стр. 144

همام، وكانوا يذهبون إلى التشيع في خلق يتسع ذكرهم -دون أهل العلم رواياتهم، واحتجوا بأخبارهم، فصار ذلك كالإجماع منهم"١. ٢٥٦- ويبدو أن الأحاديث التي نقلها أصحاب المذاهب هؤلاء كانت كثرة، وبتركهم من أجل مذاهبهم ترك كل هذه الكثرة من الأحاديث وهذا هو ما عبر عنه علي بن المديني بقوله: "لو تركت أهل البصرة لحال القدر، ولو تركت أهل الكوفة لذلك الرأي -يعني التشيع- خربت الكتب يعني لذهب الحديث". وقيل ليحيى بن سعيد: إن عبد الرحمن بن مهدي قال: أنا أترك من أهل الحديث كل من كان رأسًا في البدعة، فضحك يحيى بن سعيد، وقال: كيف يصنع بقتادة "وقد رمي بالقدر"؟. كيف يصنع بعمر بن ذر الهمداني "وكان رأسًا في الإرجاء"؟!. كيف يصنع بابن أبي رواد ... وعد يحيى قومًا ... ثم قال: إن ترك عبد الرحمن هذا الضرب ترك كثيرًا٢. ٢٥٧- وذهب فريق ثالث إلى رأي وسط بين هؤلاء وهؤلاء، وهو عدم قبول رواية الدعاة منهم إلى مذاهبهم، وقبول رواية غيرهم، وذلك لأن الدعاة هم الذين يخشى منهم الكذب في الرواية لتوافق ما يدعون إليه. ولأن الدعوة إلى المذهب تحمل في حقيقتها تعصبًا له وبغضًا لما يخالفه من المذاهب، وقد تجر هذه العصبية وذلك البغض إلى التحريف في الأحاديث بما يوافق مذاهبهم. أما غير الدعاة فليست عندهم تلك العصبية التي تدفعهم إلى الكذب أو التحريف في الرواية، يقول الخطيب البغدادي: "إنما منعوا أن يكتب عن الدعاة خوفًا من أن تحملهم الدعوة إلى البدعة والترغيب فيها على وضع ما يحسنها"٣، ويقول صاحب كشف الأسرار فيه: "إن هذا هو مذهب عامة أهل الفقه والحديث٤. ٢٥٨- وممن يذهب إلى هذا الرأي الإمام أحمد بن حنبل، فقد قيل له:

стр. 145

"أيكتب عن المرجئ والقدري؟. قال: نعم، يكتب عنه إذا لم يكن داعيًا"، وقيل له مرة أخرى: يكتب عن القدري؟ قال: إذا لم يكن داعيًا: وقيل له: يا أبا عبد الله، سمعت عن أبي قطن القدري؟. قال: لم أره داعية، ولو كان داعية لم أسمع منه. وممن يذهب إلى ذلك أيضًا عبد الله ابن المبارك، فقد قيل له: سمعت من عمرو بن عبيد، فقال بيده هكذا، أي: كثرة، فقيل له: لِمَ لا تسمه، وأنت تسمي غيره من القدرية؟ قال: لأن هذا كان رأسًا. وقيل له مرة أخرى: تركت عمرو بن عبيد، وتحدث عن هشام الدستوائي، وسعيد، وفلان، وهم كانوا في عداده؟ قال: إن عمرًا كان يدعو. ويذهب إلى هذا أيضًا يحيى بن معين الذي قال: "ما كتبت عن عباد بن صهيب، وقد سمع عباد من أبي بكر بن نافع، وأبو بكر بن نافع قديم، يروي عنه مالك بن أنس"، فقيل له: هكذا تقول في كل داعية لا يكتب حديثه؛ إن كان قدريًّا أو رافضيًّا أو كان غير ذلك من أهل الأهواء ممن هو داعية؟ قال: لا نكتب عنهم إلا أن يكونوا ممن يظن بهم ذلك، ولا يدعو إليه، كهشام الدستوائي وغيره ممن يرى القدر ولا يدعو إليه. وقال عبد الرحمن بن مهدي مبينًا هذا الاتجاه: من رأى رأيًّا ولم يدع إليه احتمل، ومن رأى رأيًا ودعا إليه فقد استحق الترك١ وقد سبق قول الإمام مالك في في أن صاحب الهوى الذي يدعو الناس إلى هواه يترك حديثه٢، كما أنه يترك الأحاديث التي يحتج بها أهل البدع زيادة في الحيطة والحذر٣. ٢٥٩- هذا وقد عد قوم أهل الحديث مدرسة الرأي بالعراق مبتدعة، فلم يأخذوا برواياتهم، يقول معاذ بن معاذ: كنت عند سوار بن عبد الله، فجاء الغلام، فقال: زفر بالباب، فقال: زفر الرائي؟ ... لا تأذن له، فإنه مبتدع، وقيل ليزيد بن هارون: ما تقول في الحسن بن زياد اللؤلؤي؟. فقال: أو مسلم هو٤؟!.
следующие страницы →