← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 22872

توثيق السنة في القرن الثاني الهجري أسسه واتجاهاته

رفعت بن فوزي عبد المطلب

Полный текст (432 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

شاءوا. وربما كان هذا هو السبب في عدم كتابة سفيان الثوري عن مرجئ مباشرة، وإنما كتب عن رجل عنه، وعلل ذلك بأنه مرجئ١. ٢٤٩- وجاءت روايات كثيرة في القرن الثاني يرفض فيها بعض الأئمة الذين يقولون بهذا الرأي رواة لأنهم على مذهب من هذه المذاهب، ومن أهل الأهواء والبدع كما يعبرون، فقد قيل لسفيان بن عيينة: لم أقللت الرواية عن سعيد بن أبي عروبة؟. قال: وكيف لا أقل الرواية عنه، وسمعته يقول: هو رأيي ورأي الحسن -يعني ابن دينار٢- وكان الحسن ابن دينار يرى رأي القدرية، كما يقول ابن المبارك٣. وكان يقول لأصحابه وتلاميذه: "ألا فاحذروا ابن أبي رواد المرجئ لا تجالسوه، واحذروا إبراهيم بن أبي يحيى القدري لا تجالسوه"٤. وروى عن مالك بن أنس قوله: "لا يصلى خلف القدرية ولا يحمل عنهم الحديث"، وترك أبو بكر بن عياش "١٨٧هـ"، الرواية عن فطر بن خليفة لمذهبه، وكان فطر شيعيًّا، وقال أبو بكر: ما تركت الرواية عنه إلا لسوء مذهبه٥. وقال الحميدي: كان بشر بن السري جهميًّا. ٢٥٠- وكان هذا الرأي امتدادًا لما كان موجودًا قبل ذلك ويعبر عنه ابن سيرين حينما تكلم عن السبب في التمسك بالإسناد، يقول: "كان في زمن الأول، الناس لا يسألون عن الإسناد حتى وقعت الفتنة، فلما وقعت الفتنة سألوا عن الإسناد، ليحدث حديث أهل السنة ويترك حديث أهل البدعة" وفي رواية: "كانوا لا يسألون عن الإسناد حتى كان بآخرة، فكانوا يسألون عن الإسناد لينظروا من كان صاحب سنة كتبوا عنه، ومن لم يكن صاحب سنة لم يكتبوا عنه"٦.

стр. 142

٢٥١- وذهب فريق آخر -على رأسه الإمام الشافعي- إلى قبول رواية أصحاب هذه المذاهب إلا الذين يستحلون منهم الكذب، والشهادة لمن وافقهم بما ليس عندهم فيه شهادة؛ يقول الإمام الشافعي: "وتقبل شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية من الرافضة؛ لأنهم يرون الشهادة بالزور لموافقيهم"١. ويقول: "لم أر أحدًا من أهل الأهواء أشهد بالزور من الرافضة"، وهذا هو مذهب أبي يوسف الذي يقول: "أجيز شهادة أهل الأهواء؛ أهل الصدق منهم إلا الخطابية والقدرية الذين يقولون: "إن الله لا يعلم الشيء حتى يكون". كما يحكى أن ابن أبي ليلى وسفيان الثوري يذهبان إلى هذا الرأي. ويحكي إبراهيم النخعي كيف يستحل هؤلاء الشهادة على ما لا يشهدونه فيقول: إذا كان لك على رجل ألف درهم، ثم جئت إلي، فقلت: إن لي على فلان ألف درهم، وأنا لا أعرف فلانًا، فأقول لك: وحق الإمام: إنه هكذا، فإذا حلفت ذهبت فشهدت لك، هؤلاء الخطابية. ٣٥٢- وذهب أبو حنيفة رحمه الله تعالى إلى هذا الرأي تقريبًا، إذ أنه يجيز رواية أصحاب المذاهب إلا الشيعة الذين غلوا، فحكموا على أصحاب رسول الله ﷺ ، بالضلال؛ فقد سأله سائل: ممن تأمرني أن أسمع الآثار؟. فقال من كل عدل في هواه إلا الشيعة؛ فإن أصل عقدهم تضليل أصحاب محمد ﷺ ، ومن أتى السلطان طائعًا"٢. ٢٥٣- وقد رأى أصحاب هذا الرأي أن أصحاب المذاهب ليسوا كالفاسقين الذين يتوقف في رواياتهم، كما يقول أصحاب الرأي الأول فالفاسق المتعمد أوقع الفسق مجانة، ويعلم أنه بارتكاب المحرمات يخالف

стр. 143

أمر الله تعالى ويعصيه، وأنه بهذا يذهب عنه خلق التقوى، فلا يستبعد أن يكذب على رسول الله ﷺ ، أما هؤلاء فقد اعتقدوا ما اعتقدوه ديانة. وأن ما هم عليه هو العقيدة الصحيحة فلم تنتف عنهم الخشية والخوف من الله وتقواه التي تعصم المرء من الوقوع في الكذب١. ٢٥٤- والحقيقة أن عقيدة بعضهم تحمله على الاحتراز عن الكذب أشد الاحتراز لا على الإقدام عليه، مثل الاعتقاد بكفر من ارتكب الذنب أو الخروج من الإيمان به، "فكان هذا الفسق نظير تناول متروك التسمية عمدًا، أو شرب المثلث على اعتقاد الإباحة، فلا يصير به مردود الشهادة"٢ ومن احترز عن الكذب على غير الرسول كان أشد تحرزًا من الكذب عليه؛ لأنه أعظم جناية، فتقبل روايته، كما تقبل شهادته. وهذا ما شوهد على كثير منهم من تحري الصدق في روايتهم، مما جعل كثيرًا من الصحابة والتابعين يأخذون برواياتهم. ٢٥٥- ويبين الخطيب البغدادي حجة من يجوز الرواية عن أصحاب المذاهب وقبولها بقوله: "والذي يعتمد عليه في تجويز الاحتجاج بأخبارهم "ما" اشتهر من قبول الصحابة أخبار الخوارج وشهاداتهم، ومن جرى مجراهم من الفساق بالتأويل، ثم استمرار عمل التابعين والخالفين بعدهم على ذلك؛ لما رأوا من تحريهم الصدق وتعظيمهم الكذب، وحفظهم أنفسهم عن المحظورات من الأفعال، وإنكارهم على أهل الريب والطرائق المذمومة، ورواياتهم الأحاديث التي تخالف آراءهم، ويتعلق بها مخالفوهم في الاحتجاج عليهم، فاحتجوا برواية عمران بن حطان، وهو من الخوارج وعمرو بن دينار، وكان ممن يذهب إلى القدر والتشيع، وكان عكرمة إباضيًّا، وابن أبي نجيح كان معتزليًّا، وعبد الوارث بن سعيد، وشبل بن عباد، وسيف بن سليمان، وهشام الدستوائي، وسعيد بن أبي عروبة، وسلام بن مسكين، وكانوا قدرية، وعلقمة بن مرثد، وعمرو بن مرة، ومسعر بن كدام، وكانوا مرجئة، وعبيد الله بن موسى، وخالد بن مخلد، وعبد الرزاق بن

стр. 144

همام، وكانوا يذهبون إلى التشيع في خلق يتسع ذكرهم -دون أهل العلم رواياتهم، واحتجوا بأخبارهم، فصار ذلك كالإجماع منهم"١. ٢٥٦- ويبدو أن الأحاديث التي نقلها أصحاب المذاهب هؤلاء كانت كثرة، وبتركهم من أجل مذاهبهم ترك كل هذه الكثرة من الأحاديث وهذا هو ما عبر عنه علي بن المديني بقوله: "لو تركت أهل البصرة لحال القدر، ولو تركت أهل الكوفة لذلك الرأي -يعني التشيع- خربت الكتب يعني لذهب الحديث". وقيل ليحيى بن سعيد: إن عبد الرحمن بن مهدي قال: أنا أترك من أهل الحديث كل من كان رأسًا في البدعة، فضحك يحيى بن سعيد، وقال: كيف يصنع بقتادة "وقد رمي بالقدر"؟. كيف يصنع بعمر بن ذر الهمداني "وكان رأسًا في الإرجاء"؟!. كيف يصنع بابن أبي رواد ... وعد يحيى قومًا ... ثم قال: إن ترك عبد الرحمن هذا الضرب ترك كثيرًا٢. ٢٥٧- وذهب فريق ثالث إلى رأي وسط بين هؤلاء وهؤلاء، وهو عدم قبول رواية الدعاة منهم إلى مذاهبهم، وقبول رواية غيرهم، وذلك لأن الدعاة هم الذين يخشى منهم الكذب في الرواية لتوافق ما يدعون إليه. ولأن الدعوة إلى المذهب تحمل في حقيقتها تعصبًا له وبغضًا لما يخالفه من المذاهب، وقد تجر هذه العصبية وذلك البغض إلى التحريف في الأحاديث بما يوافق مذاهبهم. أما غير الدعاة فليست عندهم تلك العصبية التي تدفعهم إلى الكذب أو التحريف في الرواية، يقول الخطيب البغدادي: "إنما منعوا أن يكتب عن الدعاة خوفًا من أن تحملهم الدعوة إلى البدعة والترغيب فيها على وضع ما يحسنها"٣، ويقول صاحب كشف الأسرار فيه: "إن هذا هو مذهب عامة أهل الفقه والحديث٤. ٢٥٨- وممن يذهب إلى هذا الرأي الإمام أحمد بن حنبل، فقد قيل له:

стр. 145

"أيكتب عن المرجئ والقدري؟. قال: نعم، يكتب عنه إذا لم يكن داعيًا"، وقيل له مرة أخرى: يكتب عن القدري؟ قال: إذا لم يكن داعيًا: وقيل له: يا أبا عبد الله، سمعت عن أبي قطن القدري؟. قال: لم أره داعية، ولو كان داعية لم أسمع منه. وممن يذهب إلى ذلك أيضًا عبد الله ابن المبارك، فقد قيل له: سمعت من عمرو بن عبيد، فقال بيده هكذا، أي: كثرة، فقيل له: لِمَ لا تسمه، وأنت تسمي غيره من القدرية؟ قال: لأن هذا كان رأسًا. وقيل له مرة أخرى: تركت عمرو بن عبيد، وتحدث عن هشام الدستوائي، وسعيد، وفلان، وهم كانوا في عداده؟ قال: إن عمرًا كان يدعو. ويذهب إلى هذا أيضًا يحيى بن معين الذي قال: "ما كتبت عن عباد بن صهيب، وقد سمع عباد من أبي بكر بن نافع، وأبو بكر بن نافع قديم، يروي عنه مالك بن أنس"، فقيل له: هكذا تقول في كل داعية لا يكتب حديثه؛ إن كان قدريًّا أو رافضيًّا أو كان غير ذلك من أهل الأهواء ممن هو داعية؟ قال: لا نكتب عنهم إلا أن يكونوا ممن يظن بهم ذلك، ولا يدعو إليه، كهشام الدستوائي وغيره ممن يرى القدر ولا يدعو إليه. وقال عبد الرحمن بن مهدي مبينًا هذا الاتجاه: من رأى رأيًّا ولم يدع إليه احتمل، ومن رأى رأيًا ودعا إليه فقد استحق الترك١ وقد سبق قول الإمام مالك في في أن صاحب الهوى الذي يدعو الناس إلى هواه يترك حديثه٢، كما أنه يترك الأحاديث التي يحتج بها أهل البدع زيادة في الحيطة والحذر٣. ٢٥٩- هذا وقد عد قوم أهل الحديث مدرسة الرأي بالعراق مبتدعة، فلم يأخذوا برواياتهم، يقول معاذ بن معاذ: كنت عند سوار بن عبد الله، فجاء الغلام، فقال: زفر بالباب، فقال: زفر الرائي؟ ... لا تأذن له، فإنه مبتدع، وقيل ليزيد بن هارون: ما تقول في الحسن بن زياد اللؤلؤي؟. فقال: أو مسلم هو٤؟!.

стр. 146

والحق أن مدرسة الرأي -على الرغم من هذا الظلم الذي وقع عليها لم تقابل -فيما أعلم- هذا العدوان بالمثل، وكانت في أصحابها سماحة نأت بهم عن أن يضربوا على الوتر الذي ضرب عليه خصومهم. ٢٦٠- وأخيرًا فقد رأى أبو حنيفة ﵀ ألا يؤخذ الحديث ممن يغشى مجلس السلطان مختارًا، ويرى في هذا مثلما لعدالته. وربما كانت ظروف عصر أبي حنيفة هي التي جعلته يتخذ هذا الموقف، فالخلافة وعمالها في هذه الأثناء، لا تتمسك تمسكًا دقيقًا بتكاليف الشرع، وكان اتصال المحدث -مناط القدوة- بهم -في رأيه- دليلًا في نظر العامة على أنه راض بسلوكهم ولا يرجعون عما هم سائرون فيه، يقول الإمام في جوابه لمن سأله: عمن يأخذ الآثار -يقول: من كل عدل في هواه إلا الشيعة ... ومن أتى السلطان طائعًا ... أما إني لا أقول إنهم يكذبونهم، أو يأمرونهم بما لا ينبغي ولكن وطأوا لهم، حتى انقادت العامة بهم، فهذان لا ينبغي أن يكونا من أئمة المسلمين"١. المجهول وحكم روايته: ٢٦١- وإذا كنا قد عرفنا العدول من الرواة وحكم رواياتهم، وحكم روايات غير العدول، من الفاسقين والسفهاء والكذابين وأصحاب المذاهب الخارجة على مذهب أهل السنة والجماعة ... إذا كنا قد عرفنا ذلك فما حكم مجهول العدالة؟. المجهولون على أنواع: ٢٦٢- ١- فمنهم مجهولو العدالة ظاهرًا وباطنًا. ٢- ومنهم مجهولو العدالة باطنًا فقط وهم المستورون ... وهذا النوع في الحقيقة ليس مجهولًا إلا على رأي الجمهور الذي يشترط في العدالة أن

стр. 147

تتحقق في الظاهر والباطن ... أما على رأي أبي حنيفة وأهل العراق فيعتبرون الراوي -من هذا النوع- من العدول؛ لأن العدالة عندهم هي ظهور الإسلام والسلامة من الفسق ظاهرًا.١ ٣- ونوع الثالث: وهو مجهول العين، وهو كل من لا يعرفه العلماء٢. ١- مجهول العدالة ظاهرًا وباطنًا: ٢٦٣- أما هذا النوع فلا تقبل روايته عند الجمهور من العلماء؛ لأنه بجهالته هذه لا يعرف إن كان عدلًا أو غير عدل، فلا يترجح جانب الصدق في خبره، وهو ما اشترطت العدالة من أجله. ٢٦٤- وعلى رأس من ذهب إلى ذلك في القرن الثاني الهجري الإمام الشافعي رضي الله عنه٣، يقول: فإن جهل منهم واحد وقف عن روايته حتى يعرف بما وصفت "من العدالة"، فيقتل خبره أو بخلافه فيرد خبره، كما يقف الحاكم عمن شهد عنده حتى يتبين عدله فيقبل شهادته، أو جرحه فيرد شهادته٤. ٢٦٥- ولهذا قال في حديث عبد العزيز بن عمر، عن ابن موهب، عن تميم الداري أن رجلًا أسلم على يدي رجل، فقال له النبي ﷺ : "أنت أحق الناس بحياته وموته" - قال: إنه لا يثبت، لأن ابن موهب مجهول٥. ٢٦٦- وقد ذهب بعض الناس إلى أن من باع سلعة من السلع إلى أجل

стр. 148

من الآجال، وقبضها المشتري لا يجوز له أن يشتريها بأقل من الثمن، واحتج بحديث أبي إسحاق عن امرأته عالية بنت أنفع دخلت مع امرأة أبي السفر على عائشة، فذكرت لعائشة أن زيد بن أرقم باع شيئًا إلى العطاء، ثم اشتراه بأقل مما باعه، فقالت عائشة: أخبري زيد بن أرقم أن الله قد أبطل جهاده مع رسول الله ﷺ ، إلا أن يتوب١. ٢٦٧- ولم يأخذ الشافعي بهذا الحديث؛ لأنه لا يقبل الحديث عن مجهول، ولهذا فقد رد على هؤلاء بأن امرأة أبي إسحاق هذه مجهولة، لا نعرف عنها شيئًا غير أن زوجها روى عنها، ولهذا رأى أن من باع سلعة من السلع إلى أجل من الآجال، وقبضها المشتري، فلا بأس أن يبيعها الذي اشتراه بأقل من الثمن، أو أكثر، أو دين، أو نقد؛ لأنها بيعة غير البيعة الأولى٢. ٢٦٨- وقال بعض الناس: تقبل روايته، وهو يبني رأيه على أساس أنه يكفي في الراوي أن يكون مسلمًا، ويحتج بقوله ﷺ : "المسلمون عدول بعضهم على بعض"، فهذا من الشرع تعديل لكل مسلم وتعديل صاحب الشرع أولى من تعديل المزكي"٣. ٢٦٩- ويرى الحنفية أن خبر المجهول في القرون الثلاثة الأولى حجة؛ لأنه عدل بتعديل صاحب الشرع إياه، قال رسول الله ﷺ : "خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم" ٤. هذا ما لم يتبين منه ما يزيل عدالته، وخبر من بعد القرون الثلاثة عندهم غير حجة؛ لغلبة الفسق٥. ٢٧٠- والحق أن هذا يكاد يكون نفس الرأي الذي لا يشترط إلا

стр. 149

الإسلام فقط؛ لأن القرون الثلاثة الأولى هي التي كان عليها مدار نقل الحديث، وروايتها هي التي كانت لها الآثار في الفقه واستنباط الأحكام، وتدوين المصنفات كان في القرن الثاني الهجري، فلم يكن هناك -في واقع الأمر- حاجة إلى غير أهل هذه القرون، حتى نقول: إنه مجهول فنرفض روايته أو عدل فنقبلها. المستور: ٢٧١- أما النوع الثاني، وهو المستور المعروف العدالة ظاهرًا فقط، فمذهب الشافعي وأحمد بن حنبل وأكثر أهل العلم أنه غير مقبول الرواية؛ إذ لا بد من خبرة باطنة بحاله، ليترجح جانب الصدق في خبره؛ ولأنه إذا كانت العدالة مشروطة في الراوي فلا يكتفى بوجودها ظاهرًا، بل لا بد أن يكون الراوي معروفًا بها ظاهرًا وباطنًا، وهذا هو رأي محمد بن الحسن أيضًا، فقد ذكر في كتاب الاستحسان أن خبره مثل خبر الفاسق. ٢٧٢- وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه بمنزلة في رواية الأخبار؛ لثبوت العدالة له ظاهرًا، بل هو على رأي أبي حنيفة هو عدل بظهور الإسلام والسلامة من الفسق١ كما سبق أن عرفنا. ٢٧٣- وعلى كل حال فالأحناف متفقون على أن رواية أهل القرون الثلاثة الأولى مقبولة إذا كان فيها مجهول الظاهر والباطن، فكذلك تكون من المستور من باب أولى؛ لأنه يزيد بظهور العدالة عليه٢. وإذا كنا قد رأينا ذلك الخوف بين أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى فعلى ما بعد هذه القرون٣. مجهول العين: ٢٧٤- أما النوع الثالث فقد اختلف العلماء في تحديده، وفي حكم روايته

стр. 150

فمدار جهالة العين ومعرفتها عند المحدثين على الرواة عنه، فمن روى عنه واحد فقط هو مجهول العين عندهم، ومن روى عنه عدلان صار معروفًا وارتفعت جهالة عينه١. ٢٧٥- والذي يقرأ في "كتاب العلل"، لعلي بن المديني "١٨٧هـ" يجده قد اهتم بإيراد الأمثلة الكثيرة لهذا النوع، وتجتزئ بعض هذه الأمثلة: ١- يقول: حديث عمار عن النبي ﷺ : "أنه نهى عن أكل لحوم الأضاحي فوق ثلاث"، رواه ابن أبي حبيب عن شيخ لا أعلم روى عنه أحد غيره عن أبي عبيد. ٢- وحديث ابن مسعود عن النبي ﷺ ، أنه قال: "تصدقن يا معشر النساء ... " رواه منصور والحكم والأعمش عن ذر بن عبد الله الهمداني، عن وائل بن مهانة، ولا نعلم أحدًا روى عن وائل بن مهانة إلا ذر. ٣- وحديث سعد عن النبي ﷺ : "من يرد هوان قريش يهنه الله" ... هذا حديث مدني، في إسناده رجلان، لا أعلم روى عنهما شيء من العلم، حدثناه يعقوب بن إبراهيم، عن أبيه، عن صالح بن كيسان، عن ابن شهاب، عن محمد بن أبي سفيان عن محمد بن سعد ابن أبي وقاص، عن أبيه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من يهن قريشًا يهنه الله"، فترك يعقوب بن إبراهيم أحد الرجلين اللذين وصفنا أنه لا يروي عنهما، سمى محمد بن سفيان وترك الآخر. وعن محمد بن سعد، عن أبيه أن رسول الله ﷺ ، قال: "من يرد هوان قريش يهنه الله" فسمى أبو أيوب الهاشمي "أحد الرواة في هذا الطريق" الرجل الذي لم يسمه يعقوب بن إبراهيم وهو يوسف أبو الحجاج بن يوسف.

стр. 151

٤- وإذا كان المثال السابق من حديث المدنيين، فإن المثال التالي من حديث الكوفيين، وهو حديث ابن مسعود "أن النبي، ﷺ كان يكره عشر خلال". يقول ابن المديني: "هذا حديث كوفي وفي بعض إسناده من لا يعرف في هذا الطريق. ورواه الركين بن الربيع، عن القاسم بن حسان، عن عبد الرحمن بن حرملة، عن ابن مسعود، ولا أعلم روى عن عبد الرحمن بن حرملة هذا شيئًا إلا من هذا الطريق، ولا نعرفه في أصحاب عبد الله"١. ٢٧٦- ولم يجمعوا على رد رواية مجهول العين بهذا التحديد، قال بعضهم: لا تقبل مطلقًا، وقال بعضهم:تقبل مطلقًا، وهو قول من لا يشترط في الراوي مزيدًا على الإسلام. وقال بعضهم: إن تفرد بالرواية عنه من لا يروي إلا عن عدل؛ كابن مهدي، ويحيى بن سعيد القطان -قبلت روايته لأن هذا دليل على عدالته ... وقال بعضهم: إن زكاه واحد من أئمة الجرح والتعديل مع رواية واحد عنه قبلت روايته ... وقال آخرون: إن كان مشهورًا في غير العلم بالزهد أو النجدة قبلت روايته ... ٢. ٢٧٧- وأما مجهول العين عند الحنفية فهو من لم يعرف إلا بحديث أو حديثين، وجهلت عدالته، سواء انفرد بالرواية عنه واحد، أو روى عنه اثنان فصاعدًا، وهذا المجهول إن كان صحابيًّا فلا تضر جهالته عندهم وعند غيرهم؛ لأن الصحابة -رضوان الله عليهم- كلهم عدول عند الجمهور من العلماء، وإن كان غير صحابي؛ فإما أن يظهر حديثه في القرن الثاني أو لا، فإن لم يظهر جاز العمل به في القرن الثالث لا بعده، وإن ظهر؛ فإن شهد له السلف بصحة الحديث أو سكتوا عن الطعن فيه قبلت روايته، وإن ردوه ردت روايته، وإن قبله البعض ورده البعض الآخر، مع نقل الثقات عنه؛ فإن وافق حديثه قياسًا ما قبل وإلا رد٣.

стр. 152

٢٧٨- ويبين ظفر أحمد التهانوي: أن الذي ظهر له من كلام فقهاء الحنفية هو أن المراد من قبول رواية المستور ومجهول العين من غير الصحابة هو جواز العمل برواياتهم دون الوجوب، أي: أنهم يعملون بها من باب الاحتياط١. ٢٧٩- وهو بهذا قد ضيق شقة الخلاف -من وجهة نظره- بين الحنفية ومخالفيهم الذين يتوفون في روايات مجهولي العين والمستورين حتى يتبين أمرهم.

стр. 153

٤- الضبط: ٢٨٠- وهو تيقظ الراوي في أخذ الحديث، وتعاهده بعد ذلك حتى يؤديه أداء سليمًا كما أخذه، ويكون هذا بحفظ الحديث في الذاكرة أو في الكتاب، ولا يتأتى هذا الضبط إلا لمن رزق ملكة واعية وذهنًا صافيًا، وهو ما يعبر عنه أئمة الحديث بالإتقان والحفظ. ٢٨١- وكما تجاوز النقاد عن بعض الصغائر في العدالة تجاوزوا هنا عن بعض الأخطاء والأغلاط التي لا بد وأن تصدر عن الرواة، فهم بشر، والبشر معرضون للنسيان، ولا يسلمون من الأخطاء. ولكنهم مع هذا تتبعوا أخطاء الرواة، وعرفوها ونبهوا عليها، حتى إنهم ذكروا أخطاء الأئمة الذين كانت هذه بضاعتهم وصناعتهم١، عن سفيان الثوري. قال: "ليس يكاد يفلت من الغلط أحد، إذا كان الغالب على الرجل الحفظ فهو حافظ وإن غلط، وإن كان الغالب عليه الغلط ترك"٢. ٢٨٢- ولكن هذا التجاوز عن الأخطاء القليلة كان مرهونًا بألا يلح الراوي في الخطأ وأن يرجع عنه إذا كشف له. وممن نص على ذلك شعبة ابن الحجاج وأحمد بن حنبل وأبو بكر الحميدي، يقول الأخير: "فإن قال

стр. 154

قائل: فما الحجة في الذي يغلط فيكثر غلطه؟ قلت: مثل الحجة على الرجل الذي يشهد على من أدركه، ثم يدرك عليه في شهادته أنه ليس، كما شهد به، ثم يثبت على تلك الشهادة فلا يرجع عنها.... وليس هكذا الرجل الذي يغلط في الشيء، فيقال له فيه فيرجع، ولا يكون معروفًا بكثرة الغلط"١. ٢٨٣- وقد نبه الأئمة إلى أن ضبط الراوي وإتقانه للحديث شرط أساسي من شروط قبول روايته، يقول الإمام مالك: إنه أدرك سبعين ممن يقول: قال رسول الله، ﷺ ، وهم أمناء، حتى لو ائتمن أحدهم على بيت مال لكان أمينًا؛ ولكنه لم يأخذ العلم منهم؛ لأنهم ليسوا من أهل هذا الشأن، يقول: "وهذا الشأن -يعني الحديث والفتيا- يحتاج إلى رجل معه تقى وورع، وصيانة وإتقان وعلم وفهم، فيعلم ما يخرج من رأسه وما يصل إليه غدًا، فأما رجل بلا إتقان ولا معرفة فلا ينتفع به، ولا هو حجة، ولا يؤخذ عنه"٢، ويقول عبد الرحمن بن مهدي: "يحرم على الرجل أن يروي حديثًا في أمر الدين، حتى يتقنه ويحفظه، كالآية من القرآن وكاسم الرجال٣. وقال علي بن المديني: لم يرو يحيى بن سعيد عن شريك، ولا عن أبي بكر بن عياش، ولا عن الربيع بن صبيح، ولا عن المبارك ابن فضالة. قال الترمذي: وإن كان يحيى ترك الرواية عن هؤلاء، فلم يترك الرواية عنهم لأنه اتهمهم بالكذب، ولكنه تركهم لحال حفظهم٤. ٢٨٤- ويستعين الراوي على حفظ مروياته بأمور منها: ١- تلقي الحديث على نحو صحيح، وأخذه أخذًا جيدًا سواء أكان هذا الأخذ سماعًا أو غيره، وقد وضعوا مقاييس من أجل هذا، سنعرض لها في الفصل القادم -إن شاء الله تعالى- عندما نتعرف على مناهج تحمل الحديث، وما ينبغي الأخذ به، ومجمل ذلك أن تكون هناك صلة على نحو معين بين

стр. 155

التلميذ والشيخ ... هذه الصلة تتيح لمتحمل الحديث أن ما يأخذه من شيخه إنما هو حديثه دون تبديل فيه من غيره قبل أن يتحمله، وتتفاوت هذه الصلة بقدر ما تؤدي إلى هذا الهدف؛ يقول يحيى بن سعيد القطان: "ينبغي أن يكون في صاحب الحديث غير خصلة، ينبغي لصاحب الحديث أن يكون ثبت الأخذ، ويفهم ما يقال له، ويبصر الرجال، ثم يتعهد ذلك"١. ٢٨٥- ومن الأخذ الجيد أن يسمع المتلقي الحديث أكثر من مرة، حتى يثبت في ذاكرته أو يتأكد من أنه كتبه على الوجه الصحيح، قال حماد ابن زيد: "إذا خالفني شعبة في شيء تركته؛ لأنه كان يكرر"، ويقول مرة أخرى: "ما أبالي من خالفني إذا وافقني شعبة؛ لأن شعبة كان لا يرضى أن يسمع الحديث مرة٢، ويبين شعبة منهجه هذا فيقول: "سألت طلحة بن مصرف عن هذا الحديث أكثر من عشرين مرة، ولو كان غيري قال: ثلاثين مرة، قال: سمعت عبد الرحمن بن عوسجة يحدث عن البراء أن رسول الله ﷺ ، قال: "من منح منيحة ورق ... " ٣. وقد كان سفيان الثوري يفعل ذلك. وكذلك سفيان بن عيينة٤. ٢٨٦- ٢- حفظ ما أخذ، من شيخه، ويكون هذا الحفظ بإحد طريقتين، أو هما معًا، الاستعانة بالذاكرة، إذا كان قد رزق ذاكرة حافظة تعي ما تأخذ وتحفظه، أو الاستعانة بالكتاب الذي يودعه مروياته ويصونه، فيعتمد عليه أو عونًا على حفظه بذاكرته.

стр. 156

٢٨٧- وقد بين الإمام الشافعي هذا، وهو يبين صفة الراوي الذي يحتج بحديثه، فقال: أن يكون الراوي: "حافظًا إن حدث من حفظه حافظًا لكتابه إن حدث من كتابه، إذا شرك أهل الحفظ في الحديث وافق حديثهم"١ ... ويقول: "من عرف من أهل العراق ومن أهل بلدنا بالصدق والحفظ قبلنا حديثه، ومن عرف منهم، ومن أهل بلدنا بالغلط رددنا حديثه، وما حابينا أحدًا ولا حملنا عليه"٢. ويقول مروان بن محمد الطاطري "٢١٠هـ": لا "غنى لصاحب الحديث عن صدق وحفظ وصحة كتب، فإذا أخطأته واحدة، وكانت فيه واحدة لم تضره، إن لم يكن حفظ رجع إلى الصدق، وكتبه صحيحة لم يضره إن لم يحفظ"٣. ٢٨٨- وأعلى درجات الضبط حفظ الذاكرة مع الكتاب، أي اتخاذ الطريقين معًا، يقول الإمام أحمد بن حنبل: إن يحيى بن سعيد القطان أثبت من وكيع وعبد الرحمن بن مهدي، ويزيد بن هارون، وأبي نعيم -وهؤلاء أئمة- لأنه كان يضم إلى حفظه كتابة ما يسمعه٤، مع أنه قد رزق ملكة حافظة تمكنه من حفظ ما يسمعه من الشيخ، ويستطيع أن يدونه بعد أن يذهب إلى البيت ... ٢٨٩- والذي يدون الأحاديث أروى من غيره، يقول ابن المبارك: "ما رأيت أحدًا أروى عن الزهري من معمر إلا ما كان من يونس، فإن يونس كتب كل شيء"٥ ... ويرى علي بن المديني أنه ليس في أصحابه أحفظ من أحمد بن حنبل؛ لأنه لا يحدث إلا من كتاب، وهو في هذا قدوة حسنة ينبغي أن يؤتسى به٦. ويرى بعض الأئمة في القرن الثاني أنه يمكن الاعتماد على الكتاب وحده دون حفظ الذاكرة ما دام الكتاب صحيحًا، يقول عبد الله بن الزبير

стр. 157

الحميدي "٢١٩هـ" مبينًا ذلك: "من اقتصر على ما في كتابه فحدث به، ولم يزد فيه، ولا ينقص منه ما يغير معناه، ورجع عما يخالف فيه بوقوف منه عن ذلك الحديث أو عن الاسم الذي خولف فيه من الإسناد ولم يغيره فلا يطرح حديثه، ولا يكون ضارًّا ذلك له في حديثه إذا لم يرزق من الحفظ والمعرفة بالحديث ما رزق غيره -إذا اقتصر على ما في كتابه، ولم يقبل التلقين"١، ولا يجد بعض المحدثين غضاضة أن يعلن أنه لم يرزق الحفظ وأنه يتخذ له كتابًا يحدث منه حتى لا يخطئ، قال أبو الوليد الطيالسي: كنت أجالس جريرًا بالري، وكتب عني حديثين؛ فقلت له: حدثنا، قال: لست أحفظ وكتبي غائبة، وأنا أرجو أن أوتى بها، وقت كتبت في ذاك، فبينما نحن إذ ذكر شيئًا من الحديث، فقلت: أحسب كتبك قد جاءت. قال: أجل، فقلت لأبي داود: إن جليسنا جاءته كتبه من الكوفة، اذهب بنا ننظر فيها، فأتيناه، فنظرت في كتبه أنا وأبو داود٢. ٢٩٠- وعلى العكس من ذلك نرى أن عدم الكتاب عندهم قد يؤدي بالراوي إلى اضطراب روايته، يقول الإمام أحمد في عكرمة بن عمار: "أحاديثه عن يحيى ضعاف، ليست بصحاح، وكذلك قال يحيى بن سعيد القطان، والسبب كما يقول البخاري: إنه لم يكن له كتاب، فاضطرب حديثه عن يحيى"٣. ٢٩١- وعلى الرغم من ذلك نرى أن الإمام مالكًا يتشدد في هذه المسألة ويرى أنه لا بد من الحفظ مع الكتاب، ويعلل ذلك بخوفه من أن يزاد في هذه الكتب من وراء ظهره فلا يدرك هذه الزيادة من وضع أو تحريف؛ لأنه لا يحفظ، فقد سئل أيؤخذ ممن لا يحفظ، ويأتي بكتب فيقول: قد سمعتها، وهو ثقة؟ قال: "لا يؤخذ عنه، أخاف أن يزاد في كتبه بالليل"٤ وكان أبو حنيفة يذهب إلى هذا أيضًا، فقد سئل يحيى بن معين عن الرجل

стр. 158

يجد الحديث بخطه، لا يحفظه، فقال: "كان أبو حنيفة يقول: لا يحدث إلا بما يعرف ويحفظ، قال يحيى: وأما نحن فنقول: إنه يحدث بكل شيء، يجده في كتابه بخطه، عرفه، أو لم يعرفه" ويفسر الخطيب المعرفة هنا بالحفظ١. الكتاب ودوره في ضبط الأحاديث وحفظها: ٢٩٢- والحقيقة أن الكتاب لعب دورًا هامًّا في توثيق الأحاديث وإعانة العلماء على حفظ مروياتهم من غفلة ذاكرتهم، وعلى حفظ مروياتهم أيضًا من أن تتهم عند ما يخالفهم فيها غيرهم، ولهذا كان هو المرجع والفيصل في كثير من حالات اختلاف الرواة؛ يقول أحمد بن سنان الواسطي: سألت عبد الرحمن بن مهدي، وهو يحدثنا بأحاديث مالك، عن أبي الأسود، عن عروة، فمن حسنها قلت له: من أبو الأسود هذا يا أبا سعيد؟. قال: هذا محمد بن عبد الرحمن بن نوفل ربيب عمرو أخو هشام بن عروة من الرضاعة وهو الذي يقول: وحدثني أخي محمد بن عبد الرحمن بن نوفل عن أبي قال: "لم يزل أمر بني إسرائيل معتدلًا حتى نشأ فيهم أبناء سبايا الأمم، قالوا فيهم بالرأي، فضلوا، وأضلوا: فقلت: قد كتبته يا أبا سعيد، وليس هو هكذا، فقال: بلى: أخرج إلى أبو أسامة كتابه، وهو هكذا. قال أحمد بن سنان: وكنت كتبته عن أبي أسامة بالكوفة، قبل أن أنحدر إلى البصرة، فلما قدمت واسطًا لم يكن لي همة إلا أن أنظر في كتابي، فنظرت فإذا الحديث قد أملي علينا: "عن هشام عن أبيه" تامًّا، لما أتمه قال هشام: أخبرني من سمع أبي يقول: "لم يزل أمر بني إسرائيل معتدلًا"، حتى ذكر الحديث بتمامه. فمن هذه القصة نرى أن الفيصل عند عبد الرحمن بن مهدي وابن سنان إنما هو الكتاب، كل منهما يحتكم إليه٢. ٢٩٣- والقصة التالية شبيهة بهذه في الاحتكام إلى الكتاب، والاطمئنان إلى ما فيه، والرجوع إليه عند ما تخون الذاكرة، فتحدث بما يخالف ما فيه:

стр. 159

قال نوح بن حبيب: حضرنا عبد الرحمن بن مهدي فحدثنا عن سفيان عن منصور، عن أبي الضحى، في قوله : ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ ، فقال له رجل حضر معنا: يا أبا سعيد، حدثنا وكيع، عن سفيان، عن أبيه، عن أبي الضحى، قال: فسكت عبد الرحمن، وقال: حافظان، ثم قال: دعوه، قال نوح: ثم أتوا يحيى بن سعيد، فأخبروه أن عبد الرحمن بن مهدي حدث بهذا الحديث عن الثوري، عن منصور، عن أبي الضحى، فأخبر أنك تخالفه ويخالفه وكيع، أمسك عنه، وقال: حافظان. قال: فدخل يحيى بن سعيد ففتش كتبه، فخرج، وقال: هو كما قال عبد الرحمن، عن سفيان عن منصور، قال نوح: فأخبر وكيع ... فقال: لا ينبغي أن يقبل الكذب علينا، قال: ثم نظر وكيع، فقال: هو كما قال عبد الرحمن، اجعلوه عن منصور١. ٢٩٤- ويقول عبد الله بن المبارك مبينًا قيمة الكتاب في الفصل بين اختلاف الرواة: إذا اختلف الناس في حديث شعبة، فكتاب غندر "١٩٣هـ" حكم فيما بينهم٢. ولجأ ابن جريج إلى كتابه، فأخرجه لهم عند ما أنكروا عليه حديثًا من أحاديثه عن أبي جعفر محمد بن علي قائلًا: ها أخبرني أبو جعفر محمد بن علي٣. ٣٩٥- وحتى يكون الكتاب جديرًا بحفظ الأحاديث وعدم التغيير أو التحريف فيها رأى بعض العلماء في القرن الثاني الهجري أن يكون الراوي على ذكر دائم بالأحاديث التي دونها فيه حتى لا يقع فيه تحريف أو تبديل، فيحدث بما ليس من مسموعاته، فيكذب على رسول الله ﷺ ، وهو لا يدري، فإن شك في شيء من هذا أنه سمعه طرحه ولا يحدث به، حتى وإن كان في كتابه الذي عنده؛ لأنه ربما كتب الحديث للسماع، ولكنه

стр. 160

لم يمكنه ذلك، وحكى أبو عبد الله المحاملي ذلك عن أبي حنيفة وبعض الشافعية١ قال يحيى بن معين: أتينا حاتم بن إسماعيل بشيء من حديث عبيد الله بن عمر، فلما قرأ حديثًا قال: أستغفر الله، كتبت عن عبيد الله كتابًا، فشككت في حديث منها، فلست أجد عنه قليلًا ولا كثيرًا٢، واكتفى بعضهم بأن يتأكد من أن الكتاب هو كتابه، وأن ما فيه من خطه، يقول عبد الرحمن مهدي: إن الرقعة تقع في يدي من حديثي، ولولا أنها بخطي لم أحدث منها بشيء ... قال: ومن شروط صحة الرواية من الكتابة أن يكون سماع الراوي ثابتًا وكتابه متقنًا. وحكى المحاملي هذا عن أكثر الشافعية ومحمد بن الحسن وأبي يوسف، ويبين القاضي عياض أن الخلاف في هذا "مبني على الخلاف في شهادة الإنسان على خطه بالشهادة إذا لم يذكرها"٣. ٢٩٦- ويجب على صاحب الكتاب أيضًا أن يحتفظ بكتابه، ويصونه عنده، كما يصون الحديث في ذاكرته، حتى لا يدخله ريب ولا شك أنه ليس كما سمعه؛ ولهذا منع حماد بن زيد كتابه عن ابن المبارك، ولم يرض إلا بأن ينسخه في حضرته٤، وسمع ابن المبارك حديثًا من شعبة هو وغندر، فباتت الصحيفة التي دون فيها هذا الحديث عند غندر، فحدث به عن غندر عن شعبة، ولم يحدث به عن شعبة، لأنه لم يحتفظ بكتابه عنده٥. ٢٩٧- فإن خرج الكتاب من يد المحدث وعاد إليه، فقد توقف بعض العلماء عن جواز الحديث عنه، على حين رأى بعضهم أنه لا مانع من التحديث إذا لم ير فيه أثر تغيير حادث من زيادة أو نقصان أو تبديل، وسكنت نفسه إلى سلامته. وعلى هذا يحمل قول يحيى بن سعيد، وقد سأله أحد الرواة: "ضاع مني كتاب يونس والجريري، فوجدتهما بعد أربعين سنة أحدث بهما؟ أجاب يحيى: وما بأس بذلك؟ ٦.

стр. 161

٢٩٨- ولم يعتمد بعضهم كتاب البصير الأمي والضرير اللذين لم يحفظا من المحدث ما سمعاه منه لكنه كتب لهما، وممن رأى ذلك الإمام أحمد وأبو معاوية الضرير، ويحيى بن معين، والعلة في هذا -كما يقول الخطيب البغدادي- أنه لا يسلم من الزيادة لهما في الكتاب أو التحريف فيه١، وأجاز ذلك بعضهم إذا وثق الضرير بالملقن له، وممن أجاز ذلك علي بن المديني٢. ٢٩٩- وإذا وجد الرجل سماعه في كتاب غيره جاز له أن يأخذه عندما يتأكد أنه لم يزد في هذه الأحاديث ولم ينقص، وممن قال بذلك الإمام أحمد بن حنبل٣. والمهم في هذا كله أن يكون متحققًا بما يحدث به حتى لا يكون محدثًا بالظن والظن أكذب الحديث. ٣٠٠- ومن أجل هذا الدور الكبير في حفظ المرويات رأينا أئمة الحديث يهتمون ببحث كتب الرواة وتوثيقها والحكم بصحتها أو عدم صحتها وكانوا يكتفون بذلك عن النص على توثيق الراوي نفسه: ومن أمثلة ذلك ما يقوله علي بن المديني: سألت عبد الرحمن بن مهدي عن يونس الأيلي، قال: كان ابن المبارك، يقول: كتابه صحيح. قال عبد الرحمن: وأنا أقول: كتابه صحيح٤. وقال عبد الله بن المبارك: إبراهيم بن طهمان والسكري يعني أبا حمزة صحيحا الكتب ٥، ويقول الأوزاعي: عليكم بكتب الوليد بن مزيد البيروتي، فإنها صحيحة، ما عرض علي كتاب أصح من كتب الوليد بن مزيد٦. ٣٠١- وهذا ما كان يدفع بعضهم إلى إصلاح كتابه بعد أن يسمع من الشيخ٧، وإلى الاستعانة بغيره؛ كي يصلح له كتابه، حتى إذا حدث له

стр. 162

يتهم؛ لأن كتابه غير صحيح أو فيه أخطاء، ويؤدي هذا الحكم بطيبعة الحال إلى تضعيفه، قال الإمام أحمد: كان يحيى بن سعيد حسن الرأي في عبد الوهاب الخفاف، سمعته يقول: لما أراد الخفاف أن يحدثهم بحديث هشام الدستوائي أعطاني كتابه، فقال لي: انظر فيه فنظرت فيه، فضربت على أحاديث منها، فحدثهم، فكان صحيح الحديث١. ٣٠٢- ومن أجل خطورة الكتاب -على النحو الذي رأينا- وجدنا أن بعض الأئمة لا يحب أن تسجل إلا الأحاديث المتقنة؛ لأنها ستنقل إلى الأجيال عبر الكتاب، إذن فلا يسجل فيه إلا الأحاديث التي ضبطها الشيخ، يقول يحيى بن سعيد القطان: كان سفيان الثوري إذا حدثني بالحديث، فلم يتقنه قال: لا تكتبه٢. ٣٠٣- وإذا كان الكتاب هو كل زاد المحدث أو معظمه، فقد زاد حرصهم عليه حتى لا يضيع، أو تمتد إليه أيدي السوء، فيذهب ما يضبط به المحدث روايته؛ خاف سفيان الثوري شيئًا فطرح كتبه، فلما أمن أرسل إلى بعض تلاميذه، فأخرجوا هذه الكتب من بئر عميقة كان قد وضعها فيها٣. ٣٠٤- وحرص بعضهم على توثيق مروياته إلى أن تنقل في حياتهم نقلًا صحيحًا. أما إذا ماتوا فقد نقل هذه الكتب إلى من يحرف فيها أو ينسبها لنفسه أو يأخذها من لم يأذن لهم في حياته، ولهذا فقد رأينا سفيان الثوري وغيره يوصون بحرق كتبهم، ومحوها بعد وفاتهم، يقول ابن مطهر: أوصى سفيان إلى عمار بن سيف في كتبه؛ فما كان بحبر فاغسله، وما كان بأنقاس فامحه، فسخنا الماء واستعان بنا، فأخرج كتبًا كثيرة فجعلنا نمحوها ونغسلها٤. ٣٠٥- وكما أعان الكتاب المحدثين على ضبط مروياتهم -على النحو الذي رأينا- أعان النقاد أيضًا على معرفة صدق الراوي أو كذبه، وهل

стр. 163

ما خالف فيه الثقات إنما هو شيء من السهو والغلط الذي يعتري معظم الرواة، أو هو الكذب الذي يخفيه بادعائه الظن الطارئ والخطأ غير المتعمد؟ ... عن حسين بن جبان قال: قلتليحيى بن معين: "ما تقول في رجل حدث بأحاديث منكرة، فردها عليه أصحاب الحديث إن هو رجع عنها، وقال: طننتها، فأما إذا أنكرتموها ورددتموها علي فقد رجعت عنها؟ ... فقال: لا يكون صدوقًا أبدًا، إنما ذلك لرجل يشتبه له الحديث الشاذ والشيء فيرجع عنه، فأما الأحاديث المنكرة التي لا تشتبه لأحد فلا فقلت ليحيى: ما يبرئه؟. قال: يخرج كتابًا عتيقًا فيه هذه الأحاديث فإذا أخرجها في كتاب عتيق، فهو صدوق، فيكون شبه له فيها، وأخطأ ما يخطئ الناس، فيرجع عنها. قلت: فإن قال: هي في نسخة عتيقة وليس أجدها؟. فقال: هو كذاب أبدًا، حتى يجيء بكتابه العتيق، ثم قال: هذا دين لا يحل فيه غير هذا١: ٣٠٦- وبعد أن طالت وقفتنا مع الكتاب ومع أهمية ضبط الحديث وتوثيقه في القرن الثاني نعود فنكمل الوسائل التي تمكن الراوي من ضبط الأحاديث. ٣٠٧- ٣- بعد التلقي الصحيح للأحاديث وحفظها في الذاكرة أو في الكتاب أو فيهما معًا على الراوي أن يتعهد هذه المرويات فيما بين أخذها وروايتها، وذلك يكون بأمور ثلاثة: الأمر الأول: عرضها على النقاد الفاهمين علل الحديث، والمميزين صحيحة من سقيمه، حتى يبينوا أمر ما يحمل، فلا يكون كحاطب ليل، قال حسين بن عياش: كنا نأتي سفيان بالعشي، فنعرض عليه ما سمعنا -من محدث سماه- فيقول: هذا من حديثه، وليس هذا من حديثه٢. ويقول الأوزاعي: كنا نسمع الحديث فنعرضه على أصحابنا كما يعرض الزيف على الصيارفة، فما عرفوا

стр. 164

أخذنا، وما تركوا تركنا١. ولم يكتف بعضهم بأن يعرض الحديث على أئمته، وإنما عرضه على أهل البصر باللغة ليضبطوا ألفاظه، يقول عبد الله بن المبارك: إذا سمعتم عني الحديث فاعرضوه على أصحاب العربية، ثم أحكموه وكان الأوزاعي يفعل ذلك ويعطي كتبه إذا كان فيها لحن لمن يصلحها٢. الأمر الثاني: مذاكرتها دائمًا حتى تزداد معرفته بها ولا تشرد عنه، قال حماد بن زيد: كنا نخرج من عند أيوب وهشام الدستوائي، فيقول لنا هشام: هاتوها قبل أن تبرد، فنقعد فنتذاكرها بيننا٣. ويقول أبو نعيم: لا ينبغي أن يؤخذ الحديث إلا عن ثلاثة: حافظ أمين له، عارف بالرجال، ثم يأخذ نفسه بدرسه وتكريره، حتى يستقر له حفظه٤، ويقول جرير بن عبد الحميد: كنا نتذاكر بيننا، ويصحح بعضنا من بعض٥، وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى: إحياء الحديث مذاكراته، وقال مثل ذلك علقمة٦. الأمر الثالث: التأمل في هذه المرويات بحيث يصل إلى فهمها وفقهها؛ لأنه إذا حملها دون فهم ربما أدى هذا إلى عدم ضبطها واستقرارها في ذهنه فيؤديها أداء غير صحيح، وهذا هو السر في قول الإمام مالك: "ما كنا نأخذ الحديث إلا من الفقهاء"٧. وسأل وكيع بعض أصحابه: أي الإسنادين أحب إليكم: "الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد الله"، أو "سفيان عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله"؟ فقال: "الأعمش، عن أبي وائل" فقال: "يا سبحان الله!، الأعمش شيخ، وأبو وائل شيخ، وسفيان فقيه،

стр. 165

ومنصور فقيه، وإبراهيم فقيه، وعلقمة فقيه. وحديث يتداوله الفقهاء خير من أن يتداوله الشيوخ١. ٣٠٨- إن الراوي إذا اتبع هذه الوسائل من تلق صحيح، وحفظ متقن، وتعاهد لهذا الحفظ، فإنه -مما لا شك فيه- سيثبت فيما يرويه، وعلامة تثبته عدم الشك فيما يحمله ويؤديه، فإن شك في الحديث تركه، قال الشافعي: كان مالك إذا شك في شيء من الحديث تركه كله٢. وقد مر موقف حاتم ابن إسماعيل من بعض كتبه التي شك فيها، فتركها كلها٣. ويقول يحيى بن معين: من لم يكن سمحًا في الحديث كان كذابًا، قيل له: وكيف يكون سمحًا؟. قال: إذا شك في الحديث تركه، ويقول عبد الرحمن بن مهدي: خصلتان لا يستقيم فيهما حسن الظن: الحكم والحديث٤. اختبار ضبط الراوي للحديث: ٣٠٩- كيف تعرف النقاد على ضبط الراوي لحديثه؟ تعرفنا على بعض هذا فيما سبق حينما بينا دور الكتاب في توثيق الأحاديث وغير هذا تعرف النقاد على مقدار ضبط الراوي بوسائل أهمها: ١- مقارنة رواياته بروايات الثقات المشهورين بالضبط والإتقان، فإن كانت رواياته موافقة لرواياتهم تمامًا أو في الأغلب، فهو ضابط ثبت في مروياته وأحاديثه -تبعًا لذلك- صحيحة إذا انضمت إلى ضبطه عدالته، ويحتج بحديثه؛ لأنه بهذه الحالة قد أمن من أن ينسى أو يخطئ في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم٥. ٣١٠- ولقد قام أئمة الحديث بمقارنة مرويات الراوي بمرويات غيره

стр. 166

للوقوف على مدى ضبطه خير قيام، وقد وصلوا من ذلك إلى من هو أثبت في الرواية عن آخر، أو في شيخ معين، أو في بلد معين، أو دون تحديد حتى يمكنهم من ذلك الأخذ بروايات الأتقن منهم لحديثه وترك ما خالفه ... قال علي بن المديني: إن الأعمش أثبت في أبي صالح من غيره، ومن أجل هذا يرجح حديثه عن أبي صالح إذا خالفه في غيره، ومن هذا حديث يصف ما كان بين خالد وعبد الرحمن بن عوف الصحابين الجليلين. وقد روى هذا الحديث عاصم عن أبي صالح عن أبي هريرة، ورواه الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد١. وقال علي بن المديني: ما في أصحاب الزهري أتقن من بن عيينة ويقول يحيى بن سعيد القطان في ابن عيينة شبيهًا بهذا، وإن كان يقارن بينه وبين تلميذ واحد من تلاميذ الزهري، وهو معمر بن راشد الصنعاني يقول: "سفيان بن عيينة أحب إلي في الزهري من معمر٢. ويقول يحيى بن معين: "إن سفيان بن عيينة أثبت من محمد بن سلم الطائفي وأوثق منه، وهو أثبت من داود العطار في عمرو بن دينار٣ ويقول ابن عيينة كان ابن طاوس أحفظ عندنا من غيره، قيل له: أين كان حفظ إبراهيم بن ميسرة عن طاوس من حفظ ابن طاوس؟ قال: لو شئت قلت لك: أين أقدم إبراهيم عليه في الحفظ فعلنا٤، ويحث شعبة بن الحجاج معاذ بن معاذ، ويحيى بن سعيد القطان أن يسمعا من عبد الوارث بن سعيد؛ لأنه أحفظ لحديث أبي التياح منه، فذهبا وسألاه عن هذه الأحاديث فجعل يمرها، كأنها مكتوبة في قلبه٥ ويرى ابن معين أن الثوري أعلم المحدثين بأحاديث الأعمش وأبي إسحاق ومنصور٦ ... وأن يحيى بن سعيد أثبت في شيوخ البصريين٧.

стр. 167

ويرى علي بن المديني أن ليس أحد أثبت في ابن سيرين من أيوب وابن عون إذا اختلفا وأيوب أثبت ... وهشام أثبت من خالد الحذاء في ابن سيرين وكلهم ثبت١ ... ويونس أثبت في الحسن من ابن عون ... ويزيد ابن هارون أثبت في الحسن وابن سيرين٢ ... ... وهو يرى أيضًا أن يحيى القطان أوثق أصحاب الثوري٣، وكان وهيب يقدم سفيان الثوري في الحفظ على مالك٤. ٣١١- والذي نلاحظه أنهم في تفضيلهم هذا على ذلك إنما يبتغون به وجه الله تعالى وتوثيق سنة نبيه ﷺ ، مما يزيدنا ثقة في نزاهة أحكامهم، واطمئنانًا إلى صفاء ذلك المنهل العذب الذي نستقي منه أدلة التشريع بعد كتاب الله ، فهذا شعبة بن الحجاج يفضل سفيان الثوري على نفسه، فيقول: إذا خالفني سفيان في حديث، فالحديث حديثه، ويفضل هشام الدستوائي على نفسه أيضًا في الحفظ عن قتادة٥ ... وهذا يحيى بن سعيد القطان لا يحب أحدًا مثل ما يحب شعبة ... لكن هذا الحب الكبير لا يمنعه أن يفضل غيره عليه؛ لأن الأمر أمر سنة رسول الله ﷺ ، وهي فوق هذا بكثير، يقول: ليس أحد أحب إلي من شعبة، ولا يعدله أحد عندي، وإذا خالفه سفيان أخذت بقول سفيان٦. ٣١٢- وقد غرست هذه المقارنات في القرن الثاني الهجري بذور وضع الرواة على درجات، أهم ما يراعي فيها مقدار ضبط الراوي، وتثبته فيما يرويه، وأهم هذه البذور ما يروى عن عبد الرحمن بن مهدي؛ فقد رتب الرواة الذين يحتج بهم والذين لا يحتج بهم وبأحاديثهم. قال:

стр. 168

١- احفظ عن الرجل الحافظ المتقن ... فهذا لا يختلف فيه. ٢- وآخر يهم والغالب على حديثه الصحة، فهذا لا يترك حديثه، لو ترك حديث مثل هذا لذهب حديث الناس. ٣- وآخر يهم، والغالب على حديثه الوهم، فهذا يترك - يعني لا يحتج بحديثه١. كما نلمح شيئًا من ذلك في كلام علي بن المديني: ١- "لم يكن في أصحاب ثابت أثبت من حماد بن سلمة ... ٢- "ثم بعد سليمان بن المغيرة ... ٣- "ثم بعده حماد بن زيد، وهي صحاح ... ٤- "وروي عنه حميد شيئًا. ٥- "فأما جعفر، فأكثر عن ثابت، وكتب مراسيل، وكان فيها أحاديث مناكير". إن هذا هو أساس وضع الرواة على مراتب أو في درجات تبين الأثبت فالأثبت، ومن يحتج بأحاديثهم ومن هم غير ذلك ... وقد بني على هذا الأساس من جاء بعد القرن الثاني الهجري ابتداء من ابن أبي حاتم الرازي٢. ٣١٣- وكما وضعوا أساس ترتيب الرواة وبذوره وضعوا أيضًا بعض المصطلحات والألفاظ التي تضع الراوي في مرتبته اللائقة به من حيث ضبطه وعدالته، ويكتفىبإطلاق مصطلح من المصطلحات هذه لبيان مدى ضبطه ومقدار حفظه وعدالته، وكل الأئمة قد أسهم تقريبًا في هذا المجال. أطلقوا -مثلًا- على أعلى درجات الضبط والعدالة من الألفاظ: "ثقة" أو "ثبت" مكررًا أو لفظ "حجة" أو "إمام"؛ قال سفيان بن عيينة في عمرو بن دينار: "ثقة"وكررها أكثر من مرة ليبين أنه في على درجات

стр. 169

من يوثق بهم، وقال ابن سعد في شعبة بن الحجاج: "ثقة مأمون ثبت حجة صاحب حديث"١. ويفسر الإمام أحمد معنى كلمة "ثبت" بأن الراوي لا يكاد يخطئ في حديثه؛ أي ضبطه قريب جدًّا من الكمال٢. وما كان أقل من ذلك أطلق عليه لفظ "ثقة" أو "ثبت" منفردًا يقول يحيى بن معين في محمد بن إسحاق: "ثقة وليس بحجة"٣. وما كان أقل من ذلك درجة أطلقوا عليه لفظ "مأمون" أو "خيار" أو "صدوق" أو "صالح الحديث" أو "لا بأس به"، قال الإمام أحمد بن حنبل في أبي قتادة الحراني: "ما كان به بأس" وفسر هذا بقوله: "رجل صالح يشبه أهل النسك والخير إلا أنه كان ربما أخطأ٤. وقيل لعبد الرحمن بن مهدي: أكان خالد بن دينار ثقة؟. فقال: كان صدوقًا كان مأمونًا، كان خيارًا، الثقة شعبة٥ وسفيان ... ويفسر أحمد بن سنان معنى مصطلح "صالح الحديث" عند ابن مهدي، فيقول: ربما جرى ذكر الرجل فيه ضعف -يعني من ناحية ضبطه- وهو صدوق، فيقول: "صالح الحديث"٦، ويقول السخاوي: إنه هو والوصف "بصدوق" عند ابن مهدي سواء٧. وحكى المروزي قال: قلت لأحمد بن حنبل: عبد الوهاب بن عطاء ثقة؟ قال: تدري من الثقة؟ الثقة يحيى بن سعيد القطان٨.

стр. 170

وهذه المصطلحات كلها للتعديل وإن تفاوتت. ٣١٤- أما ألفاظ التجريح فمما أثر منها في القرن الثاني الهجري قولهم: "من أكذب الناس" أطلقها أحمد بن حنبل على أحمد بن أخت عبد الرزاق الصنعاني١ و"كذاب" أطلقه يحيى بن معين في جبارة بن المغلس. و"متروك الحديث" و"ليس بشيء" لمن يترك حديثه عند أحمد بن حنبل٢ وكذلك الأمر عند الإمام الشافعي الذي قال لتلميذه المزني: يا إبراهيم، اكس ألفاظك أحسنها، لا تقل فلان "كذاب"، ولكن قل "حديثه ليس بشيء"٣. وكان يحيى بن معين يستعمل هذا المصطلح "ليس بشيء" في الراوي الذي هو أقل درجة من الاتهام بالكذب، فقد قال عن راو: إنه "ثقة" وأنه أمي يذكر بخير، ولكنه في حديث الزهري "ليس بشيء"٤. ويبدو أنه يطلقها على من يرى حديثًا قليلًا٥ وعلى من يروي الأحاديث الضعيفة كالمقلوبة مثلًا، فقد قال في أحد الرواة: كان يقلب حديث ابن المبارك، والحديث الذي يأخذه من مشايخه، وينسب ذلك كله إلى نفسه٦. وأخف من هذا قولهم: "ضعيف"، يقول أحمد بن صالح المصري "١٧٠- ٢٤٨هـ": "لا يترك حديث الرجل حتى يجتمع الجميع على تركه ... قد يقال فلان ضعيف، أما أن يقال فلان "متروك" فلا، إلا أن يجمع الجمع على ترك حديثه٧.

стр. 171

وأخف مكن هذه "ليس هو بالقوي"، "وليس هو بذاك"، يقول عبد الله بن أحمد بن حنبل: سألت أبي عن فرقد السبخي، فقال: "ليس هو بالقوي "قلت: هو ضعيف؟ قال: ليس هو بذلك، وسألته عن هشام ابن حجير. قال: ليس هو بالقوي، قلت هو ضعيف قال: ليس هو بذاك١. ويلاحظ أنه ليس هناك معنى للمصطلحات هذه محدد عند هؤلاء الأئمة، يتفقون عليه، فقد رأينا كيف أن يحيى بن معين يستعمل "ليس بشيء"، في جرح أخف من استعمال الشافعي وأحمد لها، كما يؤثر عنه أنه يستعمل "لا بأس به" بمعنى ثقة على حين يستعملها الآخرون فيمن هو أقل من الثقة كما رأينا٢. ٣١٥- ولهذا فأكرر ما دعوت إليه في رسالتي للماجستير، وهو دراسة هذه الألفاظ دراسة محيطة مستوعبة لمعانيها عند كل إمام٣، حتى يمكن أن ندرك معنى المصطلحات عند كل إمام على حدة؛ لأنني أظن أن هناك قدرًا كبيرًا من اختلافهم إنما هو راجع إلى اختلافهم في استعمال هذه المصطلحات، وإن كانت أسس توثيق الراوي عند هؤلاء الأئمة واحدة في معظمها، كما سبق أن رأينا. ٣١٦- وإذا كان الأمر هنا لا يتسع لذلك، فإنه يتبين لنا -مما عرضناه- أن أئمة الجرح والتعديل في القرن الثاني الهجري كانت لهم معرفة واعية بالرواة من حيث ضبطهم وعدالتهم، هذه المعرفة الواعية جعلتهم يضعونهم في درجات ... ووضعوا لها المصطلحات التي تجعل الناقد يقف على مقدار الثقة بالراوي في سهولة ويسر، ودون عناء أو تعب في إحصاء مروياته وفحصها، ثم الحكم على الحديث بعد ذلك بالصحة أو الخطأ.

стр. 172

٣١٧- ٢- وكما يعرفون ضبط الراوي بمقارنة روايته برواية غيره من المشهورين بالضبط يعرفونه أيضًا بملاحظة مرات روايته للحديث الواحد: هل يثبت على حالة واحدة أم يضطرب ويغير ويبدل في تلك المرات؟. ٣١٨- وكان بعض الأئمة في القرن الثاني يتعمدون ذلك للكشف عن ضبط الراوي وحفظه، يقول الإمام مالك ﵁: أتيت زيد بن أسلم، فسمعت حديث عمر "أنه حمل على فرس في سبيل الله" فاختلفت إليه أيامًا، أسأله عنه، فيحدثني، لعله يدخله فيه شك أو معنى فأترك؛ لأنه ممن شغله الزهد عن الحديث١. ويقول شعبة بن الحجاج: سمعت من طلحة بن مصرف حديثًا واحدًا، وكنت كلما مررت به سألته عنه، فقيل له: لم يا أبا بسطام؟ قال: أردت أن أنظر إلى حفظه، فإن غير شيئًا تركته٢ وذكر عن يحيى بن سعيد القطان أنه كان إذا رأى الرجل يحدث عن حفظه مرة هكذا ومرة هكذا ولا يثبت مع رواية واحدة تركه٣. ٣١٩- وإذا كانت ذاكرة الإنسان قد تتغير؛ لمرض أو لكبر، فإنهم استمروا في ملاحظة رواية الراوي، وخاصة بعد أن يكبر. وقد وجدوا الكثيرين من الرواة يتغير ضبطهم وحفظهم في الكبر، فغيروا في رواياتهم. ومن هنا تركوهم، وميزوا بين رواياتهم القديمة في حال ضبطهم فأخذوها وبين رواياتهم في حال الاختلاط فتركوها، يقول عبد الله بن أحمد: قال أبي: من سمع من سعيد بن أبي عروبة قبل الهزيمة فسماعه جيد، ومن سمع بعد الهزيمة "هزيمة إبراهيم بن عبد الله بن الحسن عام ١٤٥ هـ" كأن أبي

стр. 173

ضعفهم، فقلت له: كان سعيد اختلط؟ قال: نعم١. ويقول: من سمع منه بالكوفة مثل محمد بن بشر وعبدة فهو جيد، ثم قال: قدم سعيد الكوفة مرتين قبل الهزيمة، ويرى الإمام أحمد أن سماع وكيع من المسعودي بالكوفة كان قديمًا، وأبي نعيم أيضًا، وإنما اختلط المسعودي ببغداد، ومن سمع منه بالبصرة، والكوفة فسماعه جيد٢. وقد ترك رواية معاذ بن العنبري "١٩٦هـ"؛ لأنه رآه قد تغير حفظه٣. ٣٢٠- وكذلك من يقبل التلقين لأنه كبر، فرواياته قبل الكبر تقبل، وفي أثنائه يرفض ما لقن فيه: قال عبد الله بن الزبير الحميدي: "ومن قبل التلقين ترك حديثه الذي لقن فيه، وأخذ عنه ما أتقن حفظه إذا علم ذلك التلقين حادثًا في حفظه لا يعرف به قديمًا. أما من عرف به قديمًا في جميع حديثه فلا يقبل حديثه، ولا يؤمن أن يكون ما حفظه مما لقن٤. وإذا كان هذا هو ما يتيح للنقاد معرفة ضبط الراوي، فقد اشترطوا أن يكون الراوي مشهورًا بطلب الحديث، أي: عنده من المرويات ما يتيح لهم معرفة ضبطه وحفظه وإتقانه، يقول شعبة بن الحجاج: "خذوا العلم من المشتهرين"، ويقول عبد الله بن عون: "لا نكتب العلم إلا ممن كان معروفًان عندنا بالطلب"، ويقول عبد الرحمن بن يزيد بن جابر: لايؤخذ العلم إلا عمن شهد له بطلب الحديث. ويقول أبو الزناد: أدركت بالمدينة مائة كلهم مأمون لا يؤخذ عنهم العلم، كان يقال ليس هم من أهله٥.

стр. 174

٣٢١- ويبين الإمام ابن حجر: أن المقصود من هذا الشرط أن يكون له مزيد اعتناء بالرواية لتركن النفس إلى كونه ضبط ما روى١. ٣٢٢- ٣- ومن وسائل معرفة ضبط الراوي وتثبته فيما يرويه تلقينه أحاديث ليست من مروياته، حتى يعرف: هل يرفضها؛ لأنه على دراية تامة بما يرويه أم يقبلها؛ لأن الأمر مختلط عليه؛ فلا يدري هذا من ذاك؟ وعندئذ يكون هناك دليل على عدم ضبطه٢، ومثل هذا الذي يقبل التلقين يكون هدفًا للوضاعين يلقنونه أحاديث فيحدث بها على أنها من مروياته التي سمعها من شيوخه وفي هذا من الخطورة على الحديث ما فيه. ويقدم لنا الإمام الشافعي مثلًا من أمثلة قبول الراوي للتلقين، فيؤدي هذا إلى مخالفة حديثه لحديث أحد عشر رجلًا من أصحاب رسول الله ﷺ ، قال الشافعي: أخبرنا سفيان، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، قال: "رأيت رسول الله، ﷺ ، إذا افتتح الصلاة رفع يديه حتى يحاذي منكبيه، وإذا أراد أن يركع، وبعد ما يرفع رأسه من الركوع، ولا يرفع بين السجدتين"٣. قال الشافعي: فخالفنا بعض الناس في رفع اليدين في الصلاة، فقال: إذا افتتح الصلاة رفع يديه، حتى يحاذي أذنيه، ثم لا يعود لرفعهما في شيء من الصلاة واحتج بحديث يزيد بن أبي زياد، أخبرنا سفيان عن يزيد ابن أبي زياد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء بن عازب، قال: "رأيت رسول الله ﷺ ، إذا افتتح الصلاة رفع يديه "قال سفيان: ثم قدمت الكوفة، فلقيت يزيد بها، فسمعته يحدث بهذا وزاد فيه: "ثم لا يعود"

стр. 175

وظننت أنهم لقنوه، ثم بين الشافعي بعد ذلك أن في هذه الزيادة مخالفة لما قاله كثير من الصحابة كما قلنا١. ٣٢٣- ومن صور التلقين ونتائجه الخطيرة ما يحكيه يزيد بن هارون، قال: كان عندنا شيخ بواسط يحدث بحديث واحد عن أنس بن مالك ﵁، فخدعه بعض أصحاب الحديث فاشترى له كتابًا من السوق في أوله "حدثنا شريك"، وفي آخره: أصحاب شريك الأعمش، ومنصور، وهؤلاء. فجعل يحدث يقول: "حدثنا منصور وحدثنا الأعمش"فقيل له: أين لقيت هؤلاء؟ فأخذ كتابه، فقيل: لعلك سمعت هذا من شريك، قال الشيخ: حتى أقول لكم الصدق، سمعت هذا "من أنس بن مالك عن شريك"٢ فالتلقين كما يكون في الذاكرة يكون في الكتاب. ٣٢٤- والتلقين يؤدي إلى الكذب الذي قد يحل الحرام، فعن الأعمش قال: كان بالكوفة شيخ، يقول: سمعت علي بن أبي طالب يقول: "إذا طلق الرجل امرأته ثلاثًا في مجلس يرد إلى واحدة"، فأتيته فقرعت الباب عليه، فخرج إليّ شيخ، فقلت له: كيف سمعت من علي ابن أبي طالب يقول: إذا طلق الرجل امرأته ثلاثًا في مجلس واحد؟ ... قال: سمعت علي بن أبي طالب "فإنه يرد إلى واحدة". فقلت له: إني سمعت هذا من علي، فأخرج إلي كتابه، فإذا فيه: "بسم الله الرحمن الرحيم" هذا ما سمعت من علي بن أبي طالب، يقول: "إذا طلق الرجل امرأته ثلاثًا في مجلس واحد، فقد بانت منه ولا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره. قلت: ويحك هذا غير الذي تقول؟ ... قال: الصحيح هو هذا، ولكن هؤلاء أرادوني على ذلك٣. ٣٢٥- ويبين الإمام ابن حزم السبب في عدم قبول العلماء للذي يلقن، فيقبل التلقين، ودلالته على عدم ضبط الراوي فيقول: "ومن صح أنه قبل

стр. 176

التلقين ولو مرة سقط حديثه كله؛ لأنه لم يتفقه في دين الله ، ولا حفظ ما سمع، وقد قال ﵇: "نضر الله امرأً سمع منا حديثًا حفظه حتى بلغه غيره". فإنما أمر ﵇ بقبول تبليغ الحافظ، والتلقين هو أن يقول له القائل: حدثك فلان بكذا، ويسمي له من شاء من غير أن يسمعه منه، فيقول: نعم فهذا لا يخلو من أحد وجهين، ولا بد من أحدهما ضرورة: إما أن يكون فاسقًا يحدث بما لم يسمع أو يكون من الغفلة بحيث يكون الذاهل العقل، المدخول الذهن، ومثل هذا لا يلتفت له، لأنه ليس من ذوي الألباب. ومن هذا النوع كان سماك بن حرب، أخبر بأنه شاهد ذلك منه الإمام الرئيس بن الحجاج"١. فالتلقين كما نرى من كلام ابن حزم يكون وسيلة من وسائل اختبار عدالة الراوي كما يكون وسيلة لاختبار ضبطه كما عرفنا. ٣٢٦- وبعد؛ فلعلنا على ثقة من أن علماء القرن الثاني بما وضعوا من أسس لتوثيق الراوي من حيث دينه، وعقله، وعدالته وضبطه قد وضعوا السياج المحكم الذي لا تنفذ إلى داخله، روايات غير المؤمنين العقلاء الأمناء الضابطين بما فيها من خطأ أو وضع. ومع هذا قد وضعوا أسسًا أخرى منها ما يتعلق بمناهج تلقي الحديث وأدائه، وهو ما نتناوله في الفصل التالي -بعون من الله وفضل منه.

стр. 177

الفصل الثالث: مناهج تلقي الحديث وأدائه السماع ومصطلحات الأداء عنه ... الفصل الثالث: مناهج تلقي الحديث وأدائه ٣٢٧- لتلقي الحديث وأدائه أهمية كبيرة عند نقاد الحديث، وقد وضعوا مقاييس محددة في هذا المجال، يمكن بها الحكم على رواية الحديث بأنها صحيحة أو غير صحيحة. والهدف من تلك الأسس في الدرجة الأولى توجيه الراوي إلى أن يسلك في تلقي الحديث وأدائه مسلكًا يحفظ به حديثه من التبديل والتغيير أو بعبارة أخرى وضع الضمانات التي تجعل الراوي موصلًا جيدًا -إن صح هذا التعبير- بين شيخه الذي أخذ منه الحديث وتلميذه الذي يروي له الحديث. ٣٢٨- وضروب تلقي الحديث مختلفة، والألفاظ التي يؤدي بها الراوي مختلفة كذلك، فالراوي قد يسمع الأحاديث من شيخه، وقد وقد يقرؤها عليه وقد يكتب الشيخ إليه ما عنده من أحاديث أو يناوله إياها، أو يجيزها له، أو يوصي له بها، أو يعلمه بها، وكل من هذه الضروب له ألفاظ ينبغي أن يلتزم بها عند الأداء، وإلا اعتبر غير صادق في روايته. ويهمنا هنا أن نعرض آراء أئمة أهل القرن الثاني الهجري في دور كل وجه من هذه الأوجه في توثيق الحديث أو عدم توثيقه. ١- السماع ومصطلحات الأداء عنه: ٣٢٩- وهو أن يقرأ الشيخ ما عنده من الأحاديث على تلاميذه فيسمعوا منه، وله أكثر من صورة، فقد يكون الشيخ محدثًا من حفظه، وقد يكون قارئًا من كتابه، وقد يكون ممليًا على تلاميذه١. ٢٣٠- والإملاء أعلى هذه الصور منزلة، وتوثيقًا للأحاديث؛ لأن الشيخ والتلميذ يكونان معًا أبعد عن الغفلة، فالشيخ مشتغل بالتحديث والإملاء من الكتاب والطالب مشتغل بالكتابة عنه، فهما بذلك أقرب إلى التحقيق وتبيين ألفاظ الحديث التي يمليها الشيخ، ويكتبها التلميذ. وقد جرت

стр. 178

العادة في هذه الصورة أن تكون هناك مقابلة بين الأصل والكتاب بعد انتهاء السماع؛ لتصحيح خطأ أو تأكيد للصواب١. ٣٣١- وكثير من حديث رسول الله، ﷺ ، نقل بهذا الضرب من ضروب التلقي. وقد أسلفنا أن الصحابة رضوان الله عليهم قد حرصوا على أن يسمعوا حديث رسول الله ﷺ منه أو ممن سمع منه، وكذلك كان التابعون وتابعو التابعين٢. ٣٣٢- وقد كانت لهم القدوة في ذلك من واقع تعليم رسول الله ﷺ لأصحابه، فقد كان يسمعهم ما جاء به من القرآن والسنة، كما حثهم رسول الله ﷺ ، على أن تنقل أحاديثه سماعًا؛ فعن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله، ﷺ : "تسمعون ويسمع منكم، ويسمع من يسمع منكم" وروي مثله عن ثابت بن قيس٣ ... كما روي زيد بن ثابت ﵁ أن رسول الله ﷺ ، قال: "نضر الله امرأ سمع منا حديثًا فحفظه حتى يبلغه كما سمعه، فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه". وروي مثله عن جبير بن مطعم وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهما٤. ٣٣٣- ولهذا وجدنا معظم المحدثين -في القرن الثاني- يأخذون أحاديثهم بهذا المنهج، يقول أحد تلاميذ يزيد بن هارون: سمعته في المجلس ببغداد، وكان يقال: إن في المجلس سبعين ألفًا٥. ٣٣٤- ويرى شعبة بن الحجاج أن القيمة الحقيقية للأحاديث والتي تستحق أن تؤخذ من شيخه إنما هي تلك التي أخذها الأخير سماعًا، يقول: كنت أنظر إلى فم قتادة، فإذا قال للحديث "حدثنا" عنيت به فوقفته

стр. 179

عليه، وإذا لم يقل: "حدثنا" لم أعن به١. وكان أحمد بن حنبل يرى ذلك ويفضل أن يأخذ أحاديثه بالسماع دون غيره، يقول: لما خرجت إلى عبد الرزاق أخبروني أن معاذ بن هشام على الطريق، فملت إليه، ومعي ثلاثة ظهور مملوءة من حديثه، فصادفته، فقرأ علي شيئًا، وقال: أنا عليل لا أقدر على أكثر من هذا، ولكن اقرأها علي، فأبيت٢. وممن كانوا يؤثرون السماع على غيره كذلك وكيع بن الجراح الذي يفخر ويقول: "ما أخذت حديثًا عرضًا"٣ ومحمد بن سلام٤ وأبو مسهر الدمشقي وسفيان الثوري٥. ٣٣٥- ويقول القاضي عياض: إنه أرفع درجات أنواع الرواية عند الأكثرين٦. وهو كذلك لأنه أبعد عن الخطأ والسهو، فيؤدي إلى المقصود وهو تحمل الحديث بأمانة وبصفة تامة٧. ٣٣٦- ومن أجل ذلك فقد تتبع النقاد الأحاديث التي نقلت سماعًا والتي لم تنقل كذلك حتى تتبين القيمة الحقيقية لها، وقد أورد ابن أبي حاتم في تقدمة المعرفة نقودًا كثيرة تدل على ذلك، سواء أكان هذا النقد متعلقًا بالرواة المعاصرين لهم أو السابقين عليهم: ٣٣٧- يروى أن شعبة كان يضعف أحاديث أبي بشر جعفر بن أبي وحشية عن حبيب بن سالم، ويقول: "لم يسمع أبو بشر من حبيب بن٨ سالم ويقول علي بن المديني: سألت يحيى بن سعيد القطان عن حديث التيمي عن

стр. 180

أنس في القبلة للصائم، فقال: لا شيء، لم يسمعه١. ونفى شعبة بن الحجاج أن يكون بعض التابعين قد سمع من الصحابة٢. وكان ابن المبارك يغمز عمر بن هارون في سماعه من جعفر بن محمد، وكان عمر "١٩٤ هـ" يروى عنه ستين حديثًا أو نحو ذلك٣. ٣٣٨- ويقول سفيان الثوري عن أحاديث إسرائيل عن عبد الأعلى عن ابن الحنفية: إنها كانت من كتاب، ويفسر بن أبي حاتم هذا فيقول: يعني أنها ليست بسماع، وقد وهنها سفيان من أجل ذلك٤. ويقول سفيان أيضًا: إن الأعمش لم يسمع حديث إبراهيم عن النبي ﷺ ، في الضحك في الصلاة٥. ٣٣٩- وكانوا يفتشون في أحاديث كل راو، فيحصون ما سمعه من الشيوخ الذين يروى عنهم وما لم يسمعه منهم، يقول شعبة: لم يسمع الحكم ابن عتيبة من مقسم إلا ستة أحاديث٦. ويقول أيضًا: لم يسمع قتادة من أبي العالية إلا ثلاثة أشياء، وعدها يحيى بن معين: "قول علي ﵁: القضاء ثلاثة، وحديث لا صلاة بعد العصر، وحديث يونس بن متى"٧. ومثل هذا كثير في كتب نقد الحديث ورواته، ويدلنا على أنهم كانوا يهتمون بأن يكون الحديث مسموعًا، ومنقولًا بالسماع من ناقليه. ٣٤٠- وحتى يكون السماع جيدًا رأى علماء القرن الثاني أنه لا يجوز إلا لمن يضبط ويعقل ما يسمع، واختلفوا: فبعضهم حدد سنًّا معينة لبدء السماع، وبعضهم رأى من المعتبر من ذلك هو الضبط والعقل، فقد سئل
следующие страницы →