التلقين ولو مرة سقط حديثه كله؛ لأنه لم يتفقه في دين الله ، ولا حفظ ما سمع، وقد قال ﵇: "نضر الله امرأً سمع منا حديثًا حفظه حتى بلغه غيره". فإنما أمر ﵇ بقبول تبليغ الحافظ، والتلقين هو أن يقول له القائل: حدثك فلان بكذا، ويسمي له من شاء من غير أن يسمعه منه، فيقول: نعم فهذا لا يخلو من أحد وجهين، ولا بد من أحدهما ضرورة: إما أن يكون فاسقًا يحدث بما لم يسمع أو يكون من الغفلة بحيث يكون الذاهل العقل، المدخول الذهن، ومثل هذا لا يلتفت له، لأنه ليس من ذوي الألباب. ومن هذا النوع كان سماك بن حرب، أخبر بأنه شاهد ذلك منه الإمام الرئيس بن الحجاج"١.
فالتلقين كما نرى من كلام ابن حزم يكون وسيلة من وسائل اختبار عدالة الراوي كما يكون وسيلة لاختبار ضبطه كما عرفنا.
٣٢٦- وبعد؛ فلعلنا على ثقة من أن علماء القرن الثاني بما وضعوا من أسس لتوثيق الراوي من حيث دينه، وعقله، وعدالته وضبطه قد وضعوا السياج المحكم الذي لا تنفذ إلى داخله، روايات غير المؤمنين العقلاء الأمناء الضابطين بما فيها من خطأ أو وضع. ومع هذا قد وضعوا أسسًا أخرى منها ما يتعلق بمناهج تلقي الحديث وأدائه، وهو ما نتناوله في الفصل التالي -بعون من الله وفضل منه.
стр. 177
الفصل الثالث: مناهج تلقي الحديث وأدائه
السماع ومصطلحات الأداء عنه
...
الفصل الثالث: مناهج تلقي الحديث وأدائه
٣٢٧- لتلقي الحديث وأدائه أهمية كبيرة عند نقاد الحديث، وقد وضعوا مقاييس محددة في هذا المجال، يمكن بها الحكم على رواية الحديث بأنها صحيحة أو غير صحيحة.
والهدف من تلك الأسس في الدرجة الأولى توجيه الراوي إلى أن يسلك في تلقي الحديث وأدائه مسلكًا يحفظ به حديثه من التبديل والتغيير أو بعبارة أخرى وضع الضمانات التي تجعل الراوي موصلًا جيدًا -إن صح هذا التعبير- بين شيخه الذي أخذ منه الحديث وتلميذه الذي يروي له الحديث.
٣٢٨- وضروب تلقي الحديث مختلفة، والألفاظ التي يؤدي بها الراوي مختلفة كذلك، فالراوي قد يسمع الأحاديث من شيخه، وقد وقد يقرؤها عليه وقد يكتب الشيخ إليه ما عنده من أحاديث أو يناوله إياها، أو يجيزها له، أو يوصي له بها، أو يعلمه بها، وكل من هذه الضروب له ألفاظ ينبغي أن يلتزم بها عند الأداء، وإلا اعتبر غير صادق في روايته.
ويهمنا هنا أن نعرض آراء أئمة أهل القرن الثاني الهجري في دور كل وجه من هذه الأوجه في توثيق الحديث أو عدم توثيقه.
١- السماع ومصطلحات الأداء عنه:
٣٢٩- وهو أن يقرأ الشيخ ما عنده من الأحاديث على تلاميذه فيسمعوا منه، وله أكثر من صورة، فقد يكون الشيخ محدثًا من حفظه، وقد يكون قارئًا من كتابه، وقد يكون ممليًا على تلاميذه١.
٢٣٠- والإملاء أعلى هذه الصور منزلة، وتوثيقًا للأحاديث؛ لأن الشيخ والتلميذ يكونان معًا أبعد عن الغفلة، فالشيخ مشتغل بالتحديث والإملاء من الكتاب والطالب مشتغل بالكتابة عنه، فهما بذلك أقرب إلى التحقيق وتبيين ألفاظ الحديث التي يمليها الشيخ، ويكتبها التلميذ. وقد جرت
стр. 178
العادة في هذه الصورة أن تكون هناك مقابلة بين الأصل والكتاب بعد انتهاء السماع؛ لتصحيح خطأ أو تأكيد للصواب١.
٣٣١- وكثير من حديث رسول الله، ﷺ ، نقل بهذا الضرب من ضروب التلقي. وقد أسلفنا أن الصحابة رضوان الله عليهم قد حرصوا على أن يسمعوا حديث رسول الله ﷺ منه أو ممن سمع منه، وكذلك كان التابعون وتابعو التابعين٢.
٣٣٢- وقد كانت لهم القدوة في ذلك من واقع تعليم رسول الله ﷺ لأصحابه، فقد كان يسمعهم ما جاء به من القرآن والسنة، كما حثهم رسول الله ﷺ ، على أن تنقل أحاديثه سماعًا؛ فعن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله، ﷺ : "تسمعون ويسمع منكم، ويسمع من يسمع منكم" وروي مثله عن ثابت بن قيس٣ ... كما روي زيد بن ثابت ﵁ أن رسول الله ﷺ ، قال: "نضر الله امرأ سمع منا حديثًا فحفظه حتى يبلغه كما سمعه، فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه". وروي مثله عن جبير بن مطعم وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهما٤.
٣٣٣- ولهذا وجدنا معظم المحدثين -في القرن الثاني- يأخذون أحاديثهم بهذا المنهج، يقول أحد تلاميذ يزيد بن هارون: سمعته في المجلس ببغداد، وكان يقال: إن في المجلس سبعين ألفًا٥.
٣٣٤- ويرى شعبة بن الحجاج أن القيمة الحقيقية للأحاديث والتي تستحق أن تؤخذ من شيخه إنما هي تلك التي أخذها الأخير سماعًا، يقول: كنت أنظر إلى فم قتادة، فإذا قال للحديث "حدثنا" عنيت به فوقفته
стр. 179
عليه، وإذا لم يقل: "حدثنا" لم أعن به١. وكان أحمد بن حنبل يرى ذلك ويفضل أن يأخذ أحاديثه بالسماع دون غيره، يقول: لما خرجت إلى عبد الرزاق أخبروني أن معاذ بن هشام على الطريق، فملت إليه، ومعي ثلاثة ظهور مملوءة من حديثه، فصادفته، فقرأ علي شيئًا، وقال: أنا عليل لا أقدر على أكثر من هذا، ولكن اقرأها علي، فأبيت٢. وممن كانوا يؤثرون السماع على غيره كذلك وكيع بن الجراح الذي يفخر ويقول: "ما أخذت حديثًا عرضًا"٣ ومحمد بن سلام٤ وأبو مسهر الدمشقي وسفيان الثوري٥.
٣٣٥- ويقول القاضي عياض: إنه أرفع درجات أنواع الرواية عند الأكثرين٦. وهو كذلك لأنه أبعد عن الخطأ والسهو، فيؤدي إلى المقصود وهو تحمل الحديث بأمانة وبصفة تامة٧.
٣٣٦- ومن أجل ذلك فقد تتبع النقاد الأحاديث التي نقلت سماعًا والتي لم تنقل كذلك حتى تتبين القيمة الحقيقية لها، وقد أورد ابن أبي حاتم في تقدمة المعرفة نقودًا كثيرة تدل على ذلك، سواء أكان هذا النقد متعلقًا بالرواة المعاصرين لهم أو السابقين عليهم:
٣٣٧- يروى أن شعبة كان يضعف أحاديث أبي بشر جعفر بن أبي وحشية عن حبيب بن سالم، ويقول: "لم يسمع أبو بشر من حبيب بن٨ سالم ويقول علي بن المديني: سألت يحيى بن سعيد القطان عن حديث التيمي عن
стр. 180
أنس في القبلة للصائم، فقال: لا شيء، لم يسمعه١. ونفى شعبة بن الحجاج أن يكون بعض التابعين قد سمع من الصحابة٢. وكان ابن المبارك يغمز عمر بن هارون في سماعه من جعفر بن محمد، وكان عمر "١٩٤ هـ" يروى عنه ستين حديثًا أو نحو ذلك٣.
٣٣٨- ويقول سفيان الثوري عن أحاديث إسرائيل عن عبد الأعلى عن ابن الحنفية: إنها كانت من كتاب، ويفسر بن أبي حاتم هذا فيقول: يعني أنها ليست بسماع، وقد وهنها سفيان من أجل ذلك٤. ويقول سفيان أيضًا: إن الأعمش لم يسمع حديث إبراهيم عن النبي ﷺ ، في الضحك في الصلاة٥.
٣٣٩- وكانوا يفتشون في أحاديث كل راو، فيحصون ما سمعه من الشيوخ الذين يروى عنهم وما لم يسمعه منهم، يقول شعبة: لم يسمع الحكم ابن عتيبة من مقسم إلا ستة أحاديث٦. ويقول أيضًا: لم يسمع قتادة من أبي العالية إلا ثلاثة أشياء، وعدها يحيى بن معين: "قول علي ﵁: القضاء ثلاثة، وحديث لا صلاة بعد العصر، وحديث يونس بن متى"٧.
ومثل هذا كثير في كتب نقد الحديث ورواته، ويدلنا على أنهم كانوا يهتمون بأن يكون الحديث مسموعًا، ومنقولًا بالسماع من ناقليه.
٣٤٠- وحتى يكون السماع جيدًا رأى علماء القرن الثاني أنه لا يجوز إلا لمن يضبط ويعقل ما يسمع، واختلفوا: فبعضهم حدد سنًّا معينة لبدء السماع، وبعضهم رأى من المعتبر من ذلك هو الضبط والعقل، فقد سئل
стр. 181
أحمد بن حنبل "عن سماع الصغير متى يصح؟ قال: إذا عقل. وسئل عن إسحاق بن إسماعيل، وقيل له: إنهم يذكرون أنه كان صغيرًا، فقال: قد يكون صغيرًا يضبط. قيل له: فالكبير، وهو لا يعرف الحديث. قال: إذا كتب الحديث فلا بأس من يرويه"١، وممن كان يذهب إلى هذا الأوزاعي فهو يقول عن الصغير: "إذا ضبط الإملاء جاز سماعه، وإن كان دون العشر"٢.
٣٤١- وروى عن يحيى بن معين أنه قال: حد الغلام في كتاب الحديث أربع عشرة سنة أو خمس عشرة٣، وحدد يزيد بن هارون بثلاث عشرة سنة. وهما بهذا قد حددوا سن البلوغ أو قريبًا منه.
٣٤٢- أما الذين أجازوا أن يكون السماع للصغير أقل من ذلك، فقد نظروا إلى الصحابة الذين تحملوا الحديث، وسمعوه من رسول الله، ﷺ ، وهم صغار كالحسن بن علي وعبد الله بن الزبير بن العوام، والنعمان بن بشير وأبو الطفيل الكناني، والسائب بن يزيد، والمسور بن مخرمة ومحمود بن الربيع، فهؤلاء وغيرهم تحملوا عن النبي ﷺ ، قولًا أو فعلًا، وهم صغار جدًّا٤.
٣٤٣- والواقع أن من يجيزون سماع الصبي قبل مرحلة البلوغ أو قريبًا منها قليلون على الرغم من أنهم يحتجون بهؤلاء الصحابة الذين تحملوا الحديث في صغرهم، ويحتجون بفعل بعض الأئمة مثل سفيان بن عيينة الذي سمع من الزهري وهو صغير وفي أذنه قرط، وقال عنه الزهري: ما رأيت طالبًا للعلم أصغر منه٥.
стр. 182
٣٤٤- وقد ذهبت الكثرة إلى غير ذلك حتى يكون تحمل الحديث مثل أدائه يشترط فيهما البلوغ - كما رأينا في توثيق الراوي.
٣٤٥- وأعرضوا عن سماع بعض الصحابة في الصغير؛ لأن سماع بعضهم على هذا النحو إنما هو ضرورة تقدر بقدرها، فهم لا يستطيعون رفض رواية ما عقله الصحابة الصغار عن رسول الله، ﷺ ، وإلا فاتهم سماعه من غيرهم.
٣٤٦- وبعد الصحابة كثر الناقلون للأحاديث. فما عند التابعي من حديث تجده عند غيره. ولهذا يحتج نعيم بن حماد لعدم صحة السماع إلا بعد البلوغ بفعل التابعين، ويقول: "قلما من كان يثبت الحديث على ما بلغنا في عصر التابعين وقريبًا منه إلا من جاوز حد البلوغ، وصار في عداد من يصلح لمجالسة العلماء وسؤالهم ومذاكرتهم"١.
وينقد سفيان بن عيينة بعض الروايات والرواة على هذا الأساس فيقول مثلًا: لقد أتى هشام بن حسان عظيمًا بروايته عن الحسن، وقيل لنعيم بن حماد الذي يروي عنه هذا القول: لِمَ؟ قال: لأنه كان صغيرًا٢.
٣٤٧- ولهذا يفسر ذهاب ابن عيينة للزهري وهو صغير على أن ذلك كان للدربة والمران كما يؤمر الصبيان بالصلاة لسبع سنين مع أنهم غير مكلفين بها إلا بعد البلوغ.
وتذكر بعض الروايات، أن سن ابن عيينة يوم أن ذهب إلى الزهري كانت خمس عشرة٣، وهي حد البلوغ عند مالك والشافعي وأبي يوسف ومحمد٤.
وقد اعتبر في هذه السن صغيرًا بالنسبة إلى غيره من الذين كانوا لا يذهبون إلا المحدثين يسمعون منهم الأحاديث إلا بعد ذلك، ولهذا يقول الرامهرمزي: "وقد دل قول الزهري": ما رأيت طالبًا للعلم أصغر من أبن عيينة" على أن
стр. 183
طلاب الحديث في عصر التابعين كانوا في حدود العشرين، وكذلك يذكر عن أهل الكوفة"١.
٣٤٨- ومما يدل أيضًا على أنهم كانوا يعتبرون سن الخامسة عشرة سنًّا مبكرة في تلقي الأحاديث قول ابن جريح لوكيع: باكرت العلم، وكان لوكيع ثماني٢ عشرة سنة.
٣٤٩- وكان رأيهم في ذلك أن يتفرغ الصغير أولًا لحفظ القرآن والتعبد حتى يدرك قيمة ما يحمله من حديث رسول الله ﷺ يقول سفيان الثوري: كان الرجل إذا أراد أن يطلب الحديث تعبد قبل ذلك عشرين سنة٣.
وقال أبو الأحوص "١٧٦هـ": كان الشاب يتعبد عشرين سنة، ثم يطلب الشيء من الحديث، وإذا كان أبو الأحوص من أهل الكوفة، فلعله في هذا يعبر عن الكوفيين جميعًا الذين قال عنهم الخطيب: إنه لم يكن الواحد منهم يسمع الحديث إلا بعد استكماله عشرين سنة، ويشتغل قبل ذلك بحفظ القرآن وبالتعبد٤.
٣٥٠- وحتى يؤتي سماع الحديث ثمرته من وعي الحديث وضبطه يجب على السماع أن يكون يقظًا وقت سماعه، غير متساهل أو غافل أو نائم، ولهذا رأى كثير من أئمة الحديث ترك رواية من يتساهل في سماعه، يقول أحمد بن حنبل: رأيت ابن وهب وكان يبلغني تسهيله -يعني في السماع فلم أكتب عنه شيئًا، ويقول عثمان بن أبي شيبة إنه رأى ابن وهب في مجلس ابن عيينة، وهو ينام وقت السماع فتركه، وروي مثل ذلك عن ابن المديني حيث يقول: "قال لي ابن وهب: هات كتاب عمرو بن الحارث حتى أقرأه عليك، فتركته على عمد حين كان رديء الأخذ"٥.
стр. 184
٣٥١- وقد حدثت بعض الحالات التي تحول دون سماع التلميذ من شيخه في المجلس أو عدم رؤيته وهو يحدث، واعتبرها بعض الأئمة من السماع، ولا ضير على التلميذ أن يحدث عنه شيخه إذا تلقى منه في هذه الحالات، وهذا من الضرورات التي تبيح المحظورات -كما يعبر الأصوليون.
أولها: عظم مجلس الشيخ، فلا يصل سماعه إلى بعض التلاميذ، وينوب عنه مستمل يبلغ منلم يسمع عبارة الشيخ، شكى أبو مسلم المستملي إلى ابن عيينة أن الناس لا يسمعون، فقال: أسمعهم أنت. وقال الأعمش: كنا نجلس إلى إبراهيم النخعي مع الحلقة، فربما يحدث، فلا يسمعه من تنحى عنه، فيسأل بعضهم بعضًا عما قال، ثم يروونه وما سمعوه منه.
وروي عن حماد بن زيد أنه قال لمن استفهمه: كيف قلت؟ قال: استفهم ممن يليك.
وقد أجازوا ذلك لأنه قد ثبت أن بعض الصحابة لم يسمع من رسول الله بعض الحديث ونسبه كله إلى سماعه من رسول الله، ﷺ ، فقد ثبت في الصحيحين عن جابر بن سمرة ﵄ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "يكون اثنا عشر أميرًا" فقال كلمة لم أسمعها، فسألت أبي فقال: "كلهم من قريش" وقد أخرجه مسلم عنه كاملًا، من غير أن يفصل جابر الكلمة التي استفهمها من أبيه١.
ثانيًا: الكلمة التي يدغمها الشيخ، وهي معروفة، فلا يسمعها التلميذ كاملة، قال الإمام أحمد: أرجو ألا تضيق روايته عنه، ولكن بعض الرواة كان يتحرج فلا يكتب إلا ما سمعه. ومن هؤلا خلف بن سالم المخرمي "٢٣١هـ" وخلف بن تميم، قال الأخير: سمعت من الثوري عشرة آلاف حديث، أو نحوها، فكنت أستفهم جليسي، فقلت لزائدة بن قدامة؟ فقال: لا تحدث منها إلا بما حفظ قلبك، وسمع أذنك، فألقيتها٢.
стр. 185
ثالثها: إذا حدث الشيخ من وراي حجاب، ولم يره التلميذ، فبعضهم شرط أن يرى السامع وجه المحدث، وهو يحدثه، وإلا فلا يجوز له أن يحدث بما سمع، يقول شعبة بن الحجاج: "إذا سمعت من المحدث ولم تر وجهه فلا ترو عنه"١. ولكن جمهور العلماء أباح ذلك؛ فقد أمر النبي ﷺ بالاعتماد على صوت ابن أم مكتوم المؤذن، في حديث: "إن بلالًا يؤذن بليل" الحديث، مع غيبة شخصه عمن يسمعه. وكان السلف يسمعون من عائشة وغيرها من أمهات المؤمنين، وهن يحدثن من وراء الحجاب٢.
الأداء عن السماع:
٣٥٢- وإذا أراد الراوي أن يؤدي الحديث الذي سمعه من شيخه فله أن يؤديه بتلك الألفاظ التي تدل على السماع، مثل: "حدثنا وأخبرنا وأنبأنا، وسمعت، وقال لنا، وذكر لنا".
٣٥٣- ويقول القاضي عياض: إنه لا خلاف في جواز استعمال مثل هذه الألفاظ٣.
٣٥٤- ولكنها ليست في منزلة واحدة، فأرفع العبارات "سمعت" وكان الزهري يؤثرها عندما يحدث عن أنس ﵁. ويبين الخطيب البغدادي السبب في كونها أرفع هذه العبارات بأن أحدًا لا يستعملها في وجوه الأداء عن طرق للتحمل ليست لها قيمة كبيرة في توثيق الحديث مثل الإجازة والمكاتبة. كما لا تستعمل في التدليس٤.
٣٥٥- ثم يتلوها لفظ "حدثنا أو حدثني" وكانت أقل من "سمعت"؛ لأن بعض أهل العلم كان يستعملها فيما أجيز له، وروي عن الحسن أنه كان
стр. 186
يقول: حدثنا أبو هريرة، ويتأول أنه حدث أهل البصرة، وهو منهم، وهو لم يسمع منه شيئًا. ولم تستعمل "سمعت" في شيء من ذلك.
وممن كان يؤثر "حدثنا" على غيرها من العبارات الإمام أحمد بن حنبل وقد كان يحمل عبد الرزاق الصنعاني على ذلك١.
٣٥٦- ثم يتلو "حدثنا" "أخبرنا". وهو كثير في الاستعمال، حتى إن جماعة لا يكادون يستعملون فيما سمعوه من لفظ الشيخ غيرها، منهم حماد بن مسلمة، وعبد الله بن المبارك، وهشيم بن بشير، وعبيد الله بن موسى، وعبد الرزاق بن همام، ويزيد بن هارون٢، وإنما استعمل من استعملها ورعًا ونزاهة لأمانتهم فلم يجعلوها للينها بمنزلة "حدثنا ونبأنا" ولهذا قال أحمد بن حنبل: "أخبرنا" أسهل من "حدثنا"، حدثنا شديد٣.
وإذا كان ابن الصلاح يقول: إن هذا كان قبل أن يشيع تخصيص أخبرنا بالقراءة على الشيخ -فإنه يبدو أنه كان بعد القرن الثاني الهجري.
ويبين ابن الصلاح أن هناك وجهًا من وجوه تفضيل "أخبرنا" و"حدثنا" على "سمعت" وهو أنه ليس في "سمعت" دلالة على أن الشيخ رواه الحديث، وخاطبه به. وفي "حدثنا" و"أخبرنا" دلالة على أنه خاطبه به ورواه له"٤.
٣٥٧- وأما نبأنا وأنبأنا فهما قليلتا الاستعمال، "وممن كان يستعملهما في السماع سماك بن حرب وحماد بن زيد٥.
٣٥٨- ويرى ابن الصلاح أن استعمال "قال لي" و"ذكر لي" إنما هو لائق بمن سمع في المذاكرة والمناظرة٦، وهو بهذه أشبه من "حدثتا".
стр. 187
وبعض العلماء قال -أداء عن السماع-: "قال" و"ذكر" من غير "لي" وهذا يحمل على السماع إذا عرف اللقاء وسلم هذا الراوي من تهمة التدليس، لا سيما إذا عرف من حاله أنه لا يقول ذلك إلا فيما سمعه من شيخه كحجاج بن محمد الأعور الذي روى كتب ابن جريج عنه بلفظ: "قال ابن جريح" فحملها الناس عنه على أنها سماع، واحتجوا بها١. وقد نبه همام ابن يحيى بأنه عندما يقول: "قال قتادة" فإنما سمعه من قتادة٢.
وقد عرف بعض الرواة الذين يستعملونها في غير السماع مثل ابن وهب. يقول الإمام أحمد مبينًا ذلك: "كان بعض حديثه سماعًا، وبعضه عرضًا، وبعضه مناولة، وكان ما لم يسمعه يقول: "قال حيوة، قال فلان"٣.
٣٥٩- وإذا كان في الإمكان أن يختار واحدة من الألفاظ التي ذكرناها -من سمع من الشيخ على الرغم من التفاوت في قيمتها وفي شيوعها، فإنه يجب عليه- عند بعض الأئمة الذين يعتد بآرائهم -أن يلتزم الصدق في عبارة الشيخ ولا يتعداها، فإذا قال: "أخبرني" لا يجوز أن يقول عنه "حدثني" بدلًا منها، قال الإمام أحمد: إذا قال الشيخ: "حدثنا" قلت: "حدثنا"، وإذا قال: "أخبرنا" قلت: "أخبرنا"، تتبع لفظ الشيخ، فإنما هو دين تؤديه عنه، ولا تقل "لأخبرنا" "حدثنا" ولا "لحدثنا" "أخبرنا" إلا على لفظ الشيخ"، وفي كلام له آخر: "اتبع لفظ الشيخ في قوله "حدثنا" و"حدثني" و"سمعت" و"أخبرنا"ولا تعده، فإن كانت قراءة بينت القراءة ... ولا تغير لفظ الشيخ، إنما تريد أن تؤدي لفظه كما تلفظ به"٤.
وممن ذهب إلى ذلك أيضًا يحيى بن سعيد القطان، ومن كلامه في هذا الشأن: "إذا قال -أي الشيخ- "حدثنا" فلا يعجبني أن أقول"حدثني"، وربما قال: "حدثني" فأشك، فأقول: قال: "حدثنا"، فأما إذا قال "حدثنا" فلا أستجيز أن أقول: قال: "حدثني"، ومراده بذلك التزام الدقة في مراعاة لفظ الشيخ٥.
стр. 188
٣٦٠- وليس بواجب عند كافة أهل العلم -كما يقول الخطيب البغدادي- أن يفرق الراوي بين "حدثني" و"حدثنا" فكل منهما تحكيان عن تحديث الواحد والجماعة، وممن نص على ذلك أحمد بن حنبل، وعبد الله ابن المبارك، ويحيى بن سعيد القطان١.
٣٦١- وممن خصص لكل لفظ حالة معينة عبد الله بن وهب، روى عنه ابن أخيه أحمد بن عبد الرحمن بن وهب أنه قال: "إنما هو أربعة: إذا قلت "حدثني" فهو مما سمعت من العالم وحدي، وإذا قلت: "حدثنا" فهو مما سمعته مع الجماعة، وإذا قلت: "أحبرني" هو مما قرأت على المحدث، وإذا قلت: "أخبرنا" فهو مما قرئ على المحدث وأنا أسمع"٢.
٣٦٢- وإذا قال الراوي: "حدثنا فلان عن فلان" فإن "عن" هنا تحمل على السماع بشرطين:
الأول: إذا عرف أن هذا الراوي قد لقي الذي حدث عنه بهذه العبارة وسمع منه.
الثاني: إذا لم يكن هذا الراوي قد عرف بالتدليس؛ قال الإمام الشافعي، وقد سئل: لم قبلت رواية من يقول: "عن". وقد يمكن فيه أن يكون لم يسمعه؟ -قال: "المسلمون عدول أصحاء الأمر في أنفسهم ... وقولهم عنه خبر أنفسهم وتسميتهم على الصحة، حتى نستدل من فعلهم بما يخالف ذلك، فنحترس منهم في الموضع الذي خالف فعلهم فيه ما يجب عليهم ... وكان قول الرجل: "سمعت فلانًا يقول: سمعت فلانًا" وقوله: "حدثني فلان عن فلان": -سواء عندهم، لا يحدث واحد منهم عمن لقي إلا ما سمع منه، ممن عناه بهذا الطريق قبلنا منه "حدثني فلان عن فلان"، ومن عرفناه دلس مرة فقد أبأن لنا عورته في روايته"٣.
стр. 189
٢- القراءة على الشيخ أو العرض:
٣٦٣- وهو أن يقرأ أحد التلاميذ على الشيخ أحاديثه التي له حق روايتها.
ولها صور: فقد يكون المتلقي هو الذي يقرأ، وقد يكون غيره وهو يسمع، وقد يقرأ من كتاب أو من حفظ، وقد يمسك الشيخ أصله أثناء القراءة أو يحفظ ما يقرأ عليه١.
٣٦٤- وقد ذكر الحاكم صورة أخرى، وهي أن يقدم التلميذ إلى شيخه جزءًا من حديثه أو أكثر، ويناوله إياه، فيتأمل الشيخ هذا الحديث، فإذا عرف أنه من حديثه قال للتلميذ: "قد وقفت على ما ناولتنيه وعرفت الأحاديث كلها، وهذه رواياتي عن شيوخي، فحدث بها عني"٢.
وهذا -في حقيقة الأمر- ضرب آخر من ضروب تلقي الحديث وهو "المناولة" كما سنرى - إن شاء الله تعالى.
٣٦٥- ويقول القاضي عياض: إن إمساك الأصل أثبت صورها لتنتقي الغفلة بالنظر إلى الكتاب، "ويذهب الوهم، فيذكر الكتاب"٣ ومثل هذا أن يمسك الأصل حين القراءة ثقة عارف، وكذلك إذا أمسك القارئ نسخة الشيخ فقرأ فيها، فهي هنا كإمساك الشيخ نسخته؛ "إذ لا فرق بين الاعتاد على بصر الشيخ أو سمعه"٤.
٣٦٦- أما إذا كان الذي يمسك أصل الشيخ غير ثقة ولا مأمون أو غير بصير بما يقرؤه فلا يحل السماع والرواية بهذه القراءة، ولهذا ضعف بعضهم رواية من سمع الموطأ على مالك بقراءة حبيب كاتبه؛ لضعفه عندهم،
стр. 190
"وأنه كان يخطرف الأوراق "يسرع" حين القراءة ليتعجل"١.
٣٦٧- وإذا كان قد أنكر هذا الخبر على قائله، لحفظ مالك لحديثه، وحفظ كثيرين من أصحابه الحاضرين عنده، وأن مثل هذا مما لا يجوز على مالك، وأن العرض عليه لم يكن من الكثرة بحيث تخطرف عليه الأوراق، ولا يفطن إلى ذلك هو ولا من حضر٢ -إذا كان كذلك فإنه يبقى هذا الشرط لازمًا لصحة القراءة، وهو أن يكون ماسك الكتاب ثقة مؤتمنًا على السماع أو القراءة.
٣٦٨- وقد كان الشيوخ من المحدثين يتخيرون من القراء من يجيدون القراءة، حتى يكون قراءة الأحاديث صحيحة، ليس فيها تحريف، ولهذا عندما ذهب الشافعي إلى مالك؛ ليقرأ عليه الموطأ ولم يكن يعرفه قال له: اطلب من يقرأ لك، فقال له الشافعي: لا عليك أن تسمع قراءتي، فإن خفت عليك قرأت لنفسي، قال الشافعي: فلما سمع قراءتي قرأت لنفسي٣، فهذا يدل على أن الإمام مالكًا لم يكن يجيز لكل إنسان أن يقرأ عليه إلا إذا كان مجيدًا للقراءة.
٣٦٩- وقد اشترط بعض الظاهرية، وجماعة بن مشايخ أهل المشرق وأئمتهم إقرار الشيخ عند تمام الشيخ بأنه كما قرئ عليه بقوله: "نعم"، وأبو أن يكون الحديث صحيحًا إذا لم يكن هذا التقرير، وقد ورد في هذا للإمام علي كرم الله وجهه قوله: قراءتك على العالم وقراءة العالم عليك سواء، إذا أقر لك"٤ وقد روي أن مالكًا كان يفعل ذلك.
ولكن روى عنه أيضًا أنه أنكر من طلب منه ذلك قائلًا: "ألم أفرغ لكم نفسي، وسمعت عرضكم، وأقمت سقطه وزلله؟ ! ...
стр. 191
٣٧٠- ومذهب الجمهور من المحدثين والفقهاء -كما يقول القاضي عياض أن هذا الشرط غير لازم، لأن العرف دال على أن سكوت الشيخ في هذا المقام تقرير له على الرواية، وإقرار منه بصحة ما قرئ عليه، ولو لم يكن صحيحًا لما جاز تقريره عليها، ولكان سكوته عن الإنكار مع القدرة عليه فسقًا؛ لما فيه من إيهام الصحة، إذن فلا معنى للتقرير بعد الفراغ منها١.
٣٧١- ولعل ما روي عن مالك خلاف هذا إنما هو من باب التأكيد أو الجواز لا اللزوم٢.
٣٧٢- ويذكر السيوطي أن شرط الإمام أحمد في القارئ أن يكون ممن يعرف الحديث ويفهمه٣.
٣٧٣- ويقول القاضي عياض: إنه "لا خلاف أن العرض على الشيخ رواية صحيحة" ولكن غيره حكى الخلاف في ذلك، يقول: الخطيب البغدادي، ذهب بعض الناس إلى كراهة العرض، وهو القراءة على المحدث، ورأوا أنه لا يعتد إلا بما سمع من لفظ الشيخ٤.
٣٧٤- ويذكر الرامهرمزي رواية عن أبي عاصم النبيل توضح أنه من الكارهين الذين أشار إليهم الخطيب في قوله السابق، يقول أبو عاصم: "سمعت سفيان وأبا حنيفة ومالكًا وابن جريج، كل هؤلاء سمعتهم يقولون: لا بأس بها، يعني القراءة، وأنا لا أراه، وما حدثت بحديث عن أحد من الفقهاء قراءة"٥.
وممن كرهها أيضًا وكيع بن الجراح الذي يقول: "ما أخذت حديثًا عرضًا، ومحمد بن سلام الذي أدرك مالكًا والناس يقرءون عليه، فلم يسمع منه لذلك، وعبد الرحمن بن سلام الجمحي الذي ضاق به مالك، وكره أن يحضر مجلسه من أجل هذا٦.
стр. 192
٣٧٥- ومهما يكن من أمر فهؤلاء الكارهون لها قليلون إلى جانب الجمهرة الغفيرة من المحدثين والفقهاء الذين يجيزونها، ويعتبرونها طريقًا صحيحًا من طرق التلقي، على أنه يمكن القول بأن هؤلاء لا يمنعونها مطلقًا، وإنما ألزموا أنفسهم بتركها مؤثرين السماع عليها بدليل أن أبا عاصم النبيل رويت عنه رواية أخرى تقول بأنه يسوي بين العرض والسماع١. وعلى هذا يمكن أن نفهم عبارة القاضي عياض: إنه لا خلاف في أنها رواية صحيحة.
٣٧٦- وحجة جواز هذا الضرب من ضروب التلقي ما روي عن النبي ﷺ : أنه أتاه ضمام بن ثعلبة، وقد أوفده قومه سنة تسع إلى النبي، ﷺ ، وسأله عن الإسلام قائلًا: "الله أمرك بكذا وكذا، فيقول ﷺ : "نعم" "فأسلم بعد هذا العرض، وعاد إلى قومه، فأخبرهم بذلك وحده٢.
وذهب إلى ذلك من السلف عدد من الصحابة والتابعين، منهم ابن عباس، وأبو هريرة، وأنس بن مالك.. وعروة بن الزبير والحسن البصري، وغيره من التابعين٣.
٣٧٧- وإذا ذهبنا إلى جمهرة المحدثين والفقهاء الذين أجازوا هذا الضرب، فإننا نجدهم قد اختلفوا في قيمته بالنسبة إلى السماع هل العرض مثل السماع، أو دونه، أو أرجح منه؟
وقد تقدم في الكلام على السماع أن كثيرًا من العلماء يفضل السماع على القراءة؛ لأن هذا هو ما فعله الرسول ﷺ في تعليم صحابته، رضوان الله عليهم؛ ولأن السماع في بعض صوره أدعى إلى عدم الغفلة من الشيخ ومن التلميذ٤.
٣٧٨- ويقول القاضي عياض: إن مذهب معظم علماء الحجاز والكوفة التسوية بينهما، وإن هذا هو مذهب مالك وأصحابه وأشياخه من أهل المدينة
стр. 193
وعلمائها، ويحيى بن سعيد القطان، وابن عيينة والزهري في جماعة، ويذكر غيره من هؤلاء الليث بن سعد وأبا حنيفة، وعبد الرزاق، وعبد الله ابن المبارك١.
٣٧٩- ولعل من حجتهم ما روي عن علي وابن عباس والحسن من الصحابة رضوان الله عليهم وعروة بن الزبير من أقوال تدل على أن الاثنين بمنزلة واحدة٢.
ولعل من حجتهم أيضًا ما أورده القاضي عياض من أن مالكًا احتج على ذلك بالصك "الكتاب" يقرأ على القوم، فيقولون: أشهدنا فلان، ويقرأ على المقرئ فيقول القارئ: أقرأني فلان، وروي مثل هذا عن أبي حنيفة٣.
٣٨٠- وإذا كان هؤلاء الذين يفضلون السماع على القراءة قد احتجوا بأن هذا كان فعل رسول الله ﷺ ، في غالب الأوقات، والاقتداء به أولى، فإن أبا حنيفة، ﵁، قد رد عليهم بأمرين:
الأول: أن رسول الله ﷺ كان مأمونًا من السهو والخطأ في تبليغ الوحي وبيان الأحكام، ولهذا كانت قراءته ﵇ أولى، أما غيره، ﷺ فيجوز عليه السهو الغلط، فكانت قراءة المحدث وقراءة غيره سواء.
الثاني: أنه ﵊ لم يكن كاتبًا، ولا قارئًا من المكتوب شيئًا، وإنما يقرأ ما يقرأ عن حفظ، فكانت قراءته أولى، فأما إذا كانت الرواية عن كتابوالسماع في كتاب -كما هي العادة في عصر أبي حنيفة- فهما سواء في معنى التحديث بما في الكتاب٤.
стр. 194
ويضيف أبو حنيفة، ﵀، أنهما -وإن كانا سواء- فالثاني أحوط وهو القراءة على الشيخ؛ لأن التلميذ يكون أشد عناية في ضبط المتن والسند من الشيخ، لحاجته إلى ذلك، والطالب عامل لنفسه والمحدث عامل لغيره، فيحتمل أن يسهو عن البعض ويشذ منه أكثر ما يشذ عن الطالب، فمن طبيعة الإنسان أن يحتاط في أمر نفسه أكثر مما يحتاط في أمر غيره.
وإذا كان الشيخ قد يسهو في حالة القراءة عليه، فإن مثله موجود عند قراءة الشيخ نفسه؛ إذ قد يسهو الطالب عن السماع، فتساويًا في هذا الاحتمال١.
٣٨١- وهناك اتجاه الثالث يفضل القراءة على الشيخ على السماع، ويروى عن مالك ما يضمه إلى هذا الاتجاه، يروى عنه قوله: السماع عندنا على ثلاثة أضرب:
أولها: قراءتك على العالم.
ثانيها: قراءته عليك.
ثالثها: أن يدفع إليك كتابًا، فيقول: اروه عني.
وهذا الضرب الثالث هو المناولة.
٣٨٢- ويحتج في هذا بأن الشيخ -في حالة السماع- ربما سها أو غلط فيما يقرؤه بنفسه، فلا يرد عليه الطالب هذا السهو أو الخطأ لأحد أسباب ثلاثة؛ فقد يكون جاهلًا فلا يهتدي إلى الصواب، وقد تمنعه هيبة الشيخ وجلالته عنده، وقد يخطئ الشيخ في موضع فيه مجال اختلاف، فيظن الطالب أن هذا الخطأ إنما هو رأي الشيخ في هذا الموضع فيحمل الخطأ على أنه صواب.
أما إذا قرأ الطالب على الشيخ فسها أو أخطأ فإن الشيخ يرده، لعلمه، مع فراغ سره وحضور ذهنه، أو يرد عليه غيره، ممن يحضر
стр. 195
المجلس: لأنه "لا هيبة للطالب، ولا يعد له مذهب في الخلاف، إن صادف لغلطه موضع اختلاف١.
وقد ذكر الخطيب البغدادي هذه الحجة دون أن ينسبها إلى مالك رضي الله عنه٢.
٣٨٣- ومما يرجح أن هذا هو اتجاه مالك أن نافعًا القارئ شاوره ليتقدم إمامًا في مسجد النبي ﷺ ، فأشار عليه بألا يفعل، قائلًا: "المحراب موضع محنة، فإن زللت في حرف وأنت إمام حسبت قراءة حملت عنك"٣ وقد روي هذا أيضًا عن أبي حنيفة. والليث بن سعد٤.
وربما كان هذا الموقف قد نشأ كرد فعل لهؤلاء الذين ينكرون القراءة ولا يجيزونها طريقًا من طرق تلقي الحديث، ولكنهم عندما لا يواجهون هذا الأمر يقولون بما يقول به الكثيرون من المساواة بين السماع والقراءة على الشيخ. وهذا قد يفسر السبب في تناقض الروايات عن بعض الأئمة مثل مالك وأبي حنيفة والليث بن سعد.
الألفاظ التي يؤدى بها العرض:
٣٨٤- وكما اختلفوا في تقدير قيمة القراءة على الشيخ ومنزلتها من السماع -اختلفوا كذلك في الألفاظ التي تطلق تعبير عنها: فرأى بعضهم أنه ما دامت القراءة مثل السماع فإنه يطلق عليها من الألفاظ ما يطلق عليه من "حدثنا" و"أخبرنا" و"أنبأنا" إلى آخره.
٣٨٥- وممن روى عنهم أنه لا بأس أن يقول المحدث أداء عن هذا الضرب: "حدثنا" الإمام مالك، ومنصور بن المعتمر الذي قال لشعبة: إذا قرأت على المحدث فعرفته أليس قد حدثك؟ ... وعطاء بن أبي رباح
стр. 196
وأبو حنيفة والزهري وزفر بن الحارث، والأوزاعي، وإسماعيل بن جعفر وأبو عبيد القاسم بن سلام، وشريك بن عبد الله ومسعر ابن كدام، ومالك بن مغول١.
وممن أجاز أن يقول القارئ: "سمعت" سفيان الثوري،
وأبو حنيفة رضي الله عنهما٢.
٣٨٦- وإذا كانت "حدثني" و"سمعت" تشعران بالنطق من الشيخ وفي حالة القراءة على الشيخ لم يوجد نطق، فليس معنى هذا أن من أجاز إطلاقهما على العرض قد أخطأ؛ لأنه اصطلاح ولا مشاحة في الاصطلاح -كما يقولون- يقول صاحب "كشف الأسرار": لا نزاع أن لكل قوم من العلماء اصطلاحات مخصوصة، يستعملونها في معاني مخصوصة، إما لأنهم نقلوها بحسب عرفهم في تلك المعاني؛ أو لأنهم استعملوها فيها على سبيل التجاوز، ثم صار المجاز شائعًا والحقيقة مغلوبة، ولفظ "أخبرني" و"حدثني" ههنا كذلك، لأن هذا السكوت يشابه الإخبار في إفادة الظن، والمشابهة إحدى أسباب المجاز، وإذا جاز هذا الاستعمال مجازًا، ثم استقر عرف المحدثين عليه صار ذلك كالاسم المنقول بعرف المحدثين، أو كالمجاز الغالب، وإذا ثبت ذاك وجب
جواز استعماله قياسًا على سائر الاصطلاحات"٣.
٣٨٧- ورأى آخرون أن يكون العرض مميزًا عن السماع في الأداء، ومن هنا خصصوا للعرض لفظ "أخبرنا". ومن هؤلاء الإمام الشافعي الذي كان يقول: "إذا قرأ عليك العالم فقل: "حدثنا" وإذا قرأت عليه فقل: "أخبرنا"٤. وعبد الله بن المبارك الذي يقول: "إذا قرأ العالم على العالم فقال: "حدثني" فهي كذيبة٥.
стр. 197
وممن ذهب مذهب الشافعي في هذا أبو حفص التنيسي، وحماد ابن زيد، وعثمان بن أبي شيبة والأوزاعي، وأبو حنيفة في رواية أخرى عنه١.
٣٨٨- واختار هؤلاء لفظ "أخبرنا"، لأن الإخبار في أصل اللغة لإفادة الخبر والعلم، والسكوت من الشيخ، وإقراره ما سمع دون نكير منه قد أفاد العلم بأن هذا المسموع كلام رسول الله ﷺ "فوجب أن يكون إخبارًا"٢.
٣٨٩- كما اعتمدوا في التفرقة بين "حدثني" و"أخبرني" على الفرق في الاستعمال العادي بين حدثنا وأخبرنا، بين الإمام محمد بن الحسن الشيباني الفرق بين الاستعمالين وآثاره فقال: "إذا حلف الرجل فقال: أي غلام لي أخبرني بكذا وكذا، وأعلمني بكذا وكذا فهو حر، ولا نية له، فأخبره غلام له بذلك، بكتاب، أو كلام أو رسول فقال: إن فلانًا يقول لك كذا وكذا، فإن الغلام يعتق؛ لأن هذا خبر، ... وإذا قال: أي غلام لي "حدثني"، فهذا على المشافهة، لا يعتق واحد منهم"٣.
٣٩٠- ولم يكتف يحيى بن سعيد القطان بالتفريق بالألفاظ، وإنما ينص الراوي على العرض أو الإجازة يريد أن يؤدي عنهما، يقول: ينبغي للرجل أن يحدث كما سمع، فإن سمع يقول: "ثنا"، وإن عرض يقول: "عرضت" وإن كان إجازة يقول "أجاز لي" ويرى الإمام الأوزاعي مثل هذا ٤.
стр. 198
٣- المناولة ومصطلحات الأداء عنها:
٣٩١- إذا كان الضربان السابقان يشتركان في قراءة ما يتلقاه الطالب من الشيخ، سواء أكان القارئ هو الشيخ أو التلميذ أو غيرهما في المجلس -فإن الوجوه الأخرى للتلقي ليست فيها هذه القراءة وهذه ميزة تشترك فيها جميعًا، ولكنها تختلف من حيث الإذن بالرواية وعدمه. ومن حيث التأكد
من صيانة المرويات التي تنقل بها، وعدمه. وهذا يجعلها تتفاوت من حيث القيمة والجدارة بتوثيق المرويات المنقولة عن طريقها.
٣٩٢- ومن هذه الوجوه "المناولة"، وقد عرف القاضي عياض نوعين١ منها أحدهما لا يفترق عن نوع من أنواع الإجازة في شيء، ولذلك لن نعرض له هنا.
٣٩٣- أما النوع الآخر فهو صور، منها: أن يدفع الشيخ كتابه الذي رواه، أو نسخة منه وقد صححها، أو أحاديث من أحاديثه، وقد انتخبها وكتبها بخطه، أو كتبت عنه، فعرفها فيقول للطالب: هذه روايتي فاروها عني ويدفعها إليه، ومثال هذه الصورة: ما حدث به المروزي عن الإمام أحمد أنه قال له: إذا أعطيتك كتابي، وقلت لك: اروه عني، وهو من حديثي، فما تبالي؛ أسمعته أو لم تسمعه، قال المروزي: فأعطانا المسند - أي مناولة٢.
٣٩٤- أو يقول الشيخ للتلميذ: خذ هذه النسخة فاكتبها، وقابل بها، ثم اصرفها إلي، وقد أجزت لك أن تحدث بها عني، أو اروها عني.
ومثال هذه الصورة ما رواه عبيد الله بن عمر أن الزهري دفع إليه صحيفة فقال: انسخ ما فيها وحدث بها عني، فقال له عبيد الله: أويجوز ذلك؟ قال: نعم، ألم تر الرجل يشهد على الوصية ولا يفتحها، فيجوز ذلك ويؤخذ به٣.
وربما لم يطلب الزهري من عبيد الله أن يرد النسخة التي سيكتبها إليه ليصححها؛ لثقته في تلميذه هذا، أو ربما حدث ذلك فعلًا فرد إليه النسختين، نسخته والنسخة التي كتبها فاطمأن إلى ما فيها.
٣٩٥- أو يأتي الطالب الشيخ بنسخة صحيحة من روايته أو بجزء من حديثه، فيقف عليه الشيخ ويعرفه، ويحققه ويتأكد من صحته ويجيزه له.
стр. 199
يقول أحد تلاميذ الأوزاعي: لقيت الأوزاعي ومعي كتاب، كنت كتبته من أحاديثه، فقلت: يا أبا عمرو، هذا كتاب كتبته من أحاديثك قال: هاته، وأخذه، وانصرف إلى منزله وانصرفت أنا، فلما كان بعد أيام لقيني به. فقال: هذا كتابك، قد عرضته وصححته، قلت: يا أبا عمرو، فأورى عنك، قال: نعم، فقلت: اذهب، فأقول: أخبرني الأوزاعي؟ قال: نعم١.
وسمى ابن الصلاح هذه الصورة عرض المناولة قياسًا على عرض القراءة٢.
ونلاحظ أنه مع المناولة تكون إجازة بالرواية، ولهذا فقد كان من الممكن أن تكون نوعًا من أنواعها، ولكننا آثرنا -كما فعل القاضي عياض- أن نجعلها ضربًا مستقلًّا؛ لأنها تتضمن إجازة وزيادة.
٣٩٦- وفي كل هذه الصور الثلاث روعي ما يضمن للحديث أن ينتقل من الشيخ إلى التلميذ نقلًا صحيحًا لا تغيير فيه ولا تبديل، ففي الصورة الأولى يعطي الشيخ التلميذ نسخة قد وثق منها؛ لأنها كتابه الذي يحفظه عنده أو نسخة منه قد وقف عليها وصحح ما قد يقع فيها من أخطاء أثناء النقل.
وفي الصورة الثانية لا يعتمد على نقل التلميذ، وإنما يأمره بالمقابلة ثم يأخذ ما نقله ليستوثق من صحة النقل والمقابلة.
وفي الصورة الثالثة يتأكد من صحة ما يقوله التلميذ من أنها من حديثة ومن روايته، فيقف عليها، ويعرفها، ويحققها قبل أن يجيزها له٣، ففي جميعها -كما ترى تحقق من الشيخ بما في الكتاب الذي يناوله، وهذا ما شرطه
стр. 200
الإمام أحمد حين سئل عن "المناولة"، فقال: ما أدري ما هذا، حتى يعرف المحدث حديثه وما يدريه ما في الكتاب١؟!.
٣٩٧- وكما يفهم من هذه الصور، فقد يكون الطالب عالمًا بما في الكتاب الذي تناوله من الشيخ وقد لا يكون عالمًا به.
ولكن أبا حنيفة ومحمدًا -رحمها الله تعالى- قد اشترطا أن يكون المناول -في كل الحالات عالمًا بما في الكتاب الذي يناوله إياه الشيخ، ولم يشترط هذا أبو يوسف -رحمه الله تعالى- ويقول السرخسي: إن هذا قياس على اختلافهم في كتاب القاضي إلى القاضي وكتاب الشهادة، فإن علم الشاهد بما في الكتاب شرط في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى، وليس شرطًا في قول أبي يوسف رحمه الله تعالى، لصحة أداء الشهادة، ثم يقول السرخسي: والأصح عندي أن المناولة التي لا يعلم الطالب ما فيها لا تصح في قولهم جميعًا؛ لأن أبا يوسف إنما أجاز عدم علم الشاهد، وعدم علم رسول القاضي إلى القاضي بما في الكتاب للضرورة؛ لأن هذه الكتب قد تشتمل على أسرار لا يريد الكاتب والمكتوب إليه أن يقف عليها غيرهما، وذلك المعنى لا يوجد في كتاب الأخبار.
٣٩٨- ثم إن الأخبار لها أهمية كبيرة، فهي تحل وتحرم في أمور الدين فأمرها عظيم، وخطبها جسيم، فلا ينبغي أن نحكم بصحة تحملها قبل أن تصير معلومة للمتحمل. أما إذا كان جاهلًا بها فمثله مثل الذي يقرأ عليه المحدث، فلم يسمع ولم يفهم، فإنه في هذه الحالة لا يجوز له أن يروي، والمناولة والإجازة إذا لم يكن ما في الكتاب معلومًا له دون ذلك٢.
٣٩٩- وإذا كان الحديث ينقل بالمناولة على هذه الصورة من المؤكدات فقد رأى الإمام مالك وجماعة من العلماء أنها بمنزلة السماع من حيث القيمة ... وقد تقدم قوله في عد المناولة من السماع، وروى عنه ابن أبي أويس مثل هذا٣.
стр. 201
ويقول القاضي عياض: إنها رواية صحيحة عند معظم الأئمة والمحدثين. ومن الذين قالوا: إنها بمنزلة السماع غير مالك الزهري، وربيعة، ويحيى بن سعيد الأنصاري، ومجاهد المكي، والشعبي، وعلقمة وإبراهيم النخعيان وأبو العالية وأبو الزبير، وابن وهب، وابن القاسم، وأشهب، وهؤلاء من أمصار مختلفة، فبعضهم مدني، وبعضهم كوفي، وبعضهم مصري، ويقول السيوطي: إن هناك جماعات أخرى من الشاميين، كما يذكر جماعات كثيرة من السلف كانت ترى هذا الرأي١.
٤٠٠- وحجة القائلين بهذا الرأي أنه -وإن لم يكن السماع موجودًا فالثقة من الشيخ بكتابه الذي يناوله للتلميذ ربما تفوق ثقته بإسماع حديثه له، أو السماع منه؛ لاحتمال الغلة من هذا أو ذاك٢.
وقد اعتمد عمال النبي، ﷺ ، على كتبه التي وصلت إليهم بطريق المناولة، ومن هذا أنه بعث بكتابه إلى كسرى مع عبد الله بن حذافة، وأمره أن يدفعه إلى عظيم البحرين، ويدفعه عظيم البحرين إلى كسرى٣.
ومن هذا أيضًا أن رسول الله، ﷺ ، كتب لعبد الله بن جحش كتابًا، وختم عليه، وناوله إياه، ووجهه في طائفة من أصحابه إلى جهة نخلة، وقال له: "لا تنظر في الكتاب حتى تسير يومين، ثم انظر فيه، وأنفذ لما فيه، ولا تكره أحدًا على النفوذ معك"٤.
وذكر العيني وجه الاستدلال بهذا الحديث، وهو أنه لما جاز له الإخبار عن النبي ﷺ بما فيه، وإن كان النبي، ﷺ لم يقرئه، ولا هو قرأ عليه، فلولا أنه حجة لم يجب قبوله"٥.
стр. 202
وقد سبق أن ذكرنا أنه قد استعملها السلف من التابعين وتابعي التابعين وأجازوها.
٤٠١- وذهب بعض الأئمة في القرن الثاني إلى غير هذا، فلم يعتبروها مثل السماع والعرض، وإنما هي في درجة أقل منهما، وممن ذهب إلى ذلك سفيان الثوري والأوزاعي وابن المبارك وأبو حنيفة والشافعي والبويطي والمزني وأحمد وإسحاق بن راهوية١.
الأداء عن المناولة:
٤٠٢- وإذا كانت هناك خشية من التحريف الذي لا يخشى مثله فبما سمع من المحدث أو قرئ عليه٢ - فإنه ينبغي عند رواية أحاديث أخذت بهذه الطريق أن يعبر الراوي بما يدل عليها، فيقول: أعطاني فلان أو دفع إليّ كتابه أو شبيهًا بهذا، ولا يطلق عليها: "حدثنا" ولا "أخبرنا"؛ لأنه ليس هناك تحديث أو إخبار مطلقًا من غير قيد حتى لا تلتبس بالسماع أو القراءة.
٤٠٣- وهذا ما كان عليه السلف، رضوان الله عليهم؛ فعن عبد الرحمن ابن الحارث بن هشام قال: دفع إليَّ أبو رافع كتابًا فيه استفتاح الصلاة، قال: كان رسول الله، ﵌، إذا قام في صلاة كبر، فقال: "وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفًا، وما أنا من المشركين" ٣. وروى إبراهيم بن عرعرة قال: دفع إلينا معاذ بن هشام كتابًا فقال: هذا ما سمعت من أبي، وكان فيه "عن قتادة عن أنس أن النبي، ﷺ ، أحرم في دبر صلاتي العشاء"٤.
٤٠٤- وممن فعل ذلك في القرن الثاني الهجري حماد بن سلمة الذي
стр. 203
قال في روايته "أخذت هذا الكتاب من ثمامة بن عبيد الله بن أنس، وساق حديث الصدقات بطوله١.
٤٠٥- ورأى الأوزاعي أيضًا أن كلمة حدثنا وأخبرنا لا يصح أن تطلق على المناولة لما فيهما من التحديث والإخبار، وهو لم يحدث ولم يخبر، يقول عمرو بن أبي سلمة: قلت للأوزاعي، في المناولة أقول فيها: "حدثنا"؟ فقال: إن كنت حدثتك فقل. فقلت: أقول فيها: أخبرنا؟ قال: لا، قلت: فيكف أقول؟ قال: قل: قال أبو عمرو، وعن أبي عمرو٢.
وهذا يفسر عبارة للأوزاعي غير واضحة تقول عند كتاب المناولة: "يعمل به ولا يحدث به" وفي رواية البيهقي" يتدين به ولا يحدث به٣، مما جعل السيوطي يقول: إنه مما يعترض به على ذكر الأوزاعي فيمن يجيزون المناولة٤.
والحق أنه يريد -كما يقول بعض الباحثين- ألا يطلق التحديث على المناولة بدليل هذه الرواية وغيرها مما يقول فيها عندما دفع إليه كتاب، فنظر فيه، ثم قال لمن دفع إليه الكتاب: اروه عني٥.
٤٠٦- وفي القرن الثاني أيضًا رأينا غير واحد من الأئمة لا يمانع في أن يطلق عليها الراوي عند الأداء "حدثنا" أو "أخبرنا" ومن هؤلاء مالك ابن أنس وابن وهب وابن القاسم وأشهب بن عبد العزيز، وشعيب بن أبي حمزة وأبو اليمان الحكم بن نافع٦.
وقدوتهم في ذلك الحسن البصري رحمه الله تعالى، فقد روى عنه أنه
стр. 204
كان لا يرى بأسًا أن يدفع المحدث كتابه، ويقول: ارو عني جميع ما فيه ويمكن للطالب أن يقول: "حدثني فلان"١.
стр. 205
٤- المكاتبة ومصطلحات الأداء عنها:
٤٠٧- وهي منهج آخر من مناهج تلقي الحديث، وخاص بانتقال الكتب كما في المنهج السابق.
ولها أكثر من صورة؛ منها، كما يقول القاضي عياض:
١- أن يسأل الطالب الشيخ أن يكتب له شيئًا من حديثه.
٢- أو يبدأ الشيخ بكتاب ذلك مقيدًا للطالب بحضرته أو من بلد آخر٢.
ويذكر ابن الصلاح أنها نوعان: كتابة مقترنة بإجازة، بأن يكتب إليه ويقول: أجزت لك ما كتبته لك، أو ماكتبت به إليك، أو نحو ذلك من عبارات الإجازة٣.
٤٠٨- والحق أن تعريف القاضي عياض فيه خلط بين المكاتبة والمناولة لأنه إذا كتب الشيخ بحضرة التلميذ شيئًا من أحاديثه وأفاده بهذه الكتابة فهي المناولة بعينها.
٤٠٩- والحق أيضًا أنه لا داعي لأن نقول -كما قال ابن الصلاح- إنها بإجازة وبغير إجازة، لأن الإجازة متحققة فيها، وإن لم يكن هناك نص على ذلك، وإلا فما معنى أن يكتب الشيخ للتلميذ كتابه ويرسله إليه؟، إلا إذا نص على غرض آخر غير الرواية.
ولهذا فالأولى أن نجعلها نوعًا واحدًا ونقول: إنها هي كتابة الشيخ أحاديثه أو بعضها لأحد تلاميذه أو أصحابه وإرسالها إليه بقصد إعطائه حق روايتها.
٤١٠- وأمثلة هذا الوجه كثيرة منها ما يقوله الأوزاعي: كتب إلي قتادة قال: حدثني أنس بن مالك أنه "صلى خلف رسول الله، صلى الله
стр. 206
عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان، فكانوا يستفتحون بـ "الحمد لله رب العالمين" لا يذكرون "بسم الله الرحمن الرحيم" في أول قراءة ولا في آخرها"١.
٤١١- وحتى يكون الكتاب مصونًا عن التغيير في الطريق إلى من كتب إليه -ينبغي أن يشده المرسل، ويختمه بخاتمه، وقد فعل ذلك غير واحد من السلف وخاصة في القرن الثاني الهجري، ومن هؤلاء ابن جريح الذي كتب إلى ابن أبي سمرة بأحاديث من أحاديثه، وختم على الكتاب٢. وكتب قتيبة ابن سعيد إلى الإمام أحمد بن حنبل وقال له: كتبت إليك بخطي، وختمت الكتاب بخاتمي ونقشه "الله ولي سعيد" وهو خاتم أبي، وفعل ذلك الإمام مالك بن أنس٣.
٤١٢- ويقول القاضي عياض مبينًا حكم هذا المنهج أو هذا الضرب: "قد أجاز المشايخ الحديث بذلك عنه"٤.
ولكنهم اشترطوا شرطًا هامًّا يصون الحديث الذي ينقل عبره من التزييف والتحريف والكذب، وهو أن يتيقن الطالب أن هذا الكتاب الذي جاء إليه إنما هو، حقيقة، كتاب الشيخ، والخط الذي كتب به إنما هو خطه، فأما إذا كان شاكًّا في ذلك لم تجز له روايته عنه٥.
وإنما أجازوها لأنها لا تفترق كثيرًا عن المناولة، فكون الشيخ يستجيب لسؤال الطالب ويكتب له، أو يرسل إليه بكتابه من غير سؤال إلى بلد آخر إنما هو أقوى إذن -كما يعبر القاضي عياض٦- وكما يقول ابن الصلاح: إنها وإن لم تقترن بالإجازة لفظًا فهي متضمنة لها معنى٧.
стр. 207
٤١٣- وممن أجازها من أئمة القرن الثاني الأئمة شعبة بن الحجاج، ومنصور بن المعتمر، وأيوب السختياني، والليث بن سعد، وقد استمر عمل العلماء بها بعدهم وأجمعوا على ذلك١. وهي موجودة في كثير من أسانيدهم، وكثيرًا ما نجد "كتب إلى فلان" على لسان كثير من الرواة٢.
ويروي البيهقي في كتابه "المدخل إلى الآثار" عن التابعين فمن بعدهم كثيرة، وكتب النبي، ﷺ ، شاهدة لقولهم.
٤١٤- ومع هذا يذكر ابن الصلاح أن من الناس -ولم يذكر من هم- من قال: إنه لا تجوز الرواية بها، لأنه يمكن تزييف الخط ويكون شبيهًا بخط الشيخ.
ووصف ابن الصلاح هذا الرأي بأنه غير مرضي، وقال القاضي عياض. إنه غلط؛ لأن تزييف الخط نادر، والظاهر أن خط الإنسان لا يشتبه بغيره، ولا يقع فيه الالتباس، فيمكن التأكد من كونه خط الشيخ أو غيره، والتأكد من ثقة من يوصل هذا الكتاب إليه٣.
ما قيمة هذا الضرب عند ما يجيزونه بالنسبة إلى الطرق الأخرى التي سبق ذكرها؟ ...
٤١٥- ذكر الرامهرمزي أن المكاتبة بمنزلة السماع؛ لأن الغرض من القول باللسان -كما هو الحال في السماع- التعبير عن ضمير القلب، فإذا وقعت العبارة عن الضمير بأية وسيلة كانت -كالمناولة والمكاتبة- كان ذلك كله سواء.
٤١٦- وقد أقام النبي ﷺ الإشارة مقام القول، وذلك في حديث الرجل الذي أخبره أن عليه عتق رقبة، وأحضر له جارية قال: إنها أعجمية، فأراد الرسول، ﷺ ، أن يختبرها، فقال
стр. 208
لها: "أين ربك"؟.. فأشارت إلى السماء. فقال لها: "من أنا"؟ قالت: أنت رسول الله. فقال للرجل: "أعتقها فقد عرف الرسول إسلامها بإشارتها، واكتفى بذلك عن القول. وكذلك هنا يكتفي بالكتابة عن القول.
٤١٧- ثم أورد مثالًا يدلنا على أن هناك اتجاهين: أحدهما يعتبر المكاتبة مثل السماع، والآخر أقل منه: فقد روي أن إسحاق بن راهوية ناظر الشافعي -وأحمد بن حنبل حاضر- في جلود الميتة إذا دبغت، قال الشافعي: دباغها طهورها، فقال إسحاق: ما الدليل؟.. فقال: حديث الزهري عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس عن ميمونة: أن النبي ﷺ ، مر بشاة ميتة، فقال: "هلا انتفعتم بجلدها" ١؟!.
فقال إسحاق: حديث ابن عكيم: كتب إلينا النبي، ﷺ قبل موته بشهر: "لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب" أشبه أن يكون ناسخًا لحديث ميمونة؛ لأنه قبل موته بشهر".
فقال الشافعي: هذا كتاب، وذاك سماع؟ فقال إسحاق: إن النبي، ﷺ ، كتب إلى كسرى وقيصر، وكان حجة عليهم عند الله، فسكت الشافعي٢.
فمن هذا المثال نرى أن الإمام الشافعي، ﵁ رجح حديث ابن عباس عن ميمونة على حديث ابن عكيم؛ لأن الأول سماع، والثاني كتاب، والكتاب والمناولة والوجادة كلها مرجوحات؛ لما فيها من شبه الانقطاع بعدم المشافهة٣.
على حين نرى أن إسحاق بن راهوية، ﵁، جعل الحديثين في درجة واحدة في هذا الموضوع، فالمكاتبة لا تقل حجية عنده عن السماع.
стр. 209
الأداء عن المكاتبة:
٤١٨- وإذا تحمل الراوي الأحاديث بهذا المنهج، فإنه يقول عند روايتها ما يدل عليه، مثل: "كتب إليّ فلان" أو "أخبرني فلان مكاتبة" أو "فيما كتب إليّ". ويقول الخطيب: وهذا هو مذهب أهل الورع والنزاهة والتحري في الرواية، وكان جماعة من السلف يفعلون ذلك.
وممن ذكرهم من أهل القرن الثاني يستعملون هذه العبارات أيوب السختياني ومالك بن أنس وجعفر بن ربيعة١.
٤١٩- ولم ير بعض الأئمة بأسًا في أن يقول الراوي هنا: "حدثني" أو "أخبرني" مطلقة من غير قيد، ومن هؤلاء منصور بن المعتمر، والليث ابن سعد الذي حدث عن بكير بن عبد الله بن الأشج عدة أحاديث، قال في كل واحد منها: "حدثني بكير، وذكر أنه لم يسمع منه شيئًا، وإنما كتب إليه بتلك الأحاديث، ويقول ابن وهب: إن يحيى بن سعيد كان يكتب إلى الليث بن سعد، فيقول: "حدثني يحيى بن سعيد"، وكان هشام ابن عروة يكتب إليه، فيقول: "حدثني هشام بن عروة"٢.
стр. 210
٥- الإجازة ومصطلحات الأداء عنها:
٤٢٠- وهي أن يسمح الشيخ للتلميذ أن يروي شيئًا من مسموعاته أو مسموعاته كلها، وهي إما مشافهة أو كتابة مع حضور التلميذ أمام الشيخ أو إذنًا باللفظ أو الكتابة أيضًا لتلميذ غائب عنه.
ويقول القاضي عياض: إنه لم يختلف في جواز هذا الضرب من ضروب التلقي، وإنما الخلاف في غيره، وحكي عن بعضهم أنه يحل محل السماع والقراءة عند جماعة من أصحاب الحديث وهو مذهب مالك. كما يروى عن أبي الوليد الباجي أنه لا خلاف في جواز الرواية بالإجازة من سلف هذه الأمة وخلفها وادعى في ذلك الإجماع١.
стр. 211
٤٢١- والحق أنه يقول بإجازة هذا الضرب جماعة من السلف ومن بعدهم؛ منهم الحسن البصري، وابن شهاب الزهري، وابن جريج، وأبان ابن عياش، وهشام بن عروة، والليث بن سعد، وسفيان بن عيينة، وشعيب ابن أبي حمزة، وسفيان الثوري١.
٤٢٢- وجوزها هؤلاء ومن بعدهم؛ لأن الضرورة دعت إلى تجويزها، فإن كل محدث لا يجد من يبلغ إليه ما صح عنده، ولا يرغب كل طالب في سماع جميع ما صح عند شيخه، فلو لم يجز مثل هذا لأدى ذلك إلى تعطيل السنن، واندراسها وانقطاع أسانيدها٢. والشيخ عندما يجيز للتلميذ أن يروي أحاديثه، وقد أخبره بها جملة هنا فهو كما لو أخبره تفصيلًا، وإخباره بها غير متوقف على التصريح نطقًا كما في القراءة على الشيخ، وإنما الغرض حصول الإفهام والفهم، وذلك يحصل بالإجازة المفهمة٣.
٤٢٣- ولكن القاضي عياضًا قد بالغ في حكايته الاتفاق على الإجازة، وقد رد قوله هذا ابن الصلاح ووصفه بالبطلان، ورده العراقي والسخاوي لأنه قد وردت روايات عن بعض الأئمة في القرن الثاني لا تعتبر الإجازة منهجًا سليمًا من مناهج تلقي الحديث.
ومن هؤلاء شعبة بن الحجاج وابن المبارك وأسد بن موسى "١٣٢ - ٢١٢هـ" وغيرهم في عصرهم٤. وفي إحدى الروايتين عن أبي حنيفة وأبي يوسف كما حكاه الآمدي، ونقله عنه السيوطي٥، ومما يروى عن شعبة في ذلك أنه قال: لو صحت الإجازة لبطلت الرحلة، ويقول: كل حديث ليس فيه: "سمعت قال: سمعت" فهو خل وبقل، ويروي ابن جريح عن عطاء الخراساني قال: "إن العلم سماع، ويفسر الخطيب مراده بقوله: "أراد عطاء -والله أعلم- أن العلم الذي يجب قبوله ويلزم العمل بحكمة هو المسموع دون غيره،
стр. 212
وظاهر هذا القول يدل على أنه كان لا يعتد بالإجازة لخروجها عن حيز السماع١. وهذا أيضًا هو رأي الإمام أحمد بن حنبل: فقد روى أبو حاتم الرازي عنه: أنه سأل بشر بن شعيب: هل سمعت من أبيك شيئًا، أو قرأت عليه، أو قرئ عليه، وأنت حاضر؟ ولما نفى ذلك وبين أخذ الأحاديث منه إجازة كتب عنه على معنى الاعتبار فقط، ولم يحدث عنه٢. وروى الربيع بن سليمان عن الشافعي كراهتها٣.
٤٢٤- وحجة هؤلاء في عدم إجازتها أن ظاهرها إباحة التحدث والإخبار عن الشيخ من غير أن يحدثه أو يخبره، وهذا إباحة للكذب، وليس للشيخ ولا لغيره أن يستبيح الكذب إذا أبيح٤.
٤٢٥- وإذا كان القاضي عياض قد حكى الاتفاق على جواز هذا الضرب فغالى -فإن ابن حزم قد غالى من ناحية أخرى فقال -بعد أن حكم ببطلان الإجازة وأنها إباحة للكذب: إنها ما جاءت قط عن النبي، ﷺ ، ولا عن أصحابه، ﵃ ولا عن أحد من التابعين أو تابعي تابعيهم٥.
٤٢٦- وإذا كنا لا نعاوض بأنها لم ترد عن الرسول، ﷺ ولا عن صحابته -على مدى علمنا- فإنا لا نسلم له بأن الإجازة لم ترد عن التابعين وتابعيهم، فقد روي عن الحسن البصري وابن شهاب أنهما من المجيزين لها٦، وعن عبيد الله بن عمر قال: أشهد على ابن شهاب لقد كان يؤتى بالكتب من كتبه، فيقال له: يا أبا بكر، هذه كتبك؟ فيقول: نعم، فيجتزي بذلك٧، وأتى ابن جريح الزهري بكتب يريد
стр. 213
أن يعرضها عليه، فاعتذر له بأنه يريد أن يحدث بعض الناس، فقال له: أفأحدث عنك؟ قال: نعم. وهذه هي الإجازة١.
وممن أجاز تلاميذه من تابعي التابعين الأوزاعي وأبان بن أبي عياش وهشام بن عروة والليث بن سعد وسفيان بن عيينة وسفيان الثوري٢.
٤٢٧- ولكننا قد نجد العذر لابن حزم، لأننا إذا تأملنا تلك الروايات عن هؤلاء المجيزين وجدناها تحتمل المناولة، وهو قد أقر بأن المناولة طريق صحيح من طرق الرواية.
وأين يقف الأئمة: مالك وأبو حنيفة والشافعي؟ أمع المعارضين للإجازة أو مع المجيزين لها؟ وقد وردت عنهم روايات تبين هذا وذاك.
٤٢٨- أما الإمام مالك فالحق أنه يرى صحة الإجازة في تلقي الحديث، ولكن بشروط خاصة تضيق من دائرة إجازتها، وتجعل البعض يظن أنه لا يجيزها، ومن هذه الشروط: أن يكون المجاز له من أهل العلم؛ حتى لا يأخذ الأحاديث فيحرف فيها، فإذا كان المتلقي غير عالم بهذا الفن فإن الإمام مالكًا لا يبيح له أن يأخذ الأحاديثإجازة، وعلى هذا يحمل كلامه في إنكاره الإجازة، يقول الخطيب البغدادي مبينًا موقف مالك هذا: "قد ثبت عن مالك، ﵀، أنه كان يحكم بصحة الرواية لأحاديث الإجازة، فأما الذي حكيناه عنه آنفًا -يعني الروايات التي لا تبيحها- فإنما قاله على وجه الكراهة أن يجيز العلم لمن ليس من أهله ولا خدمه، وعانى التعب فيه، فكان يقول: إذا امتنع عن إعطاء الإجازة لمن هذه صفته: يحب أحدهم أن يدعى قسًّا، ولم يخدم الكنيسة. فضرب ذلك مثلًا، يعني الرجل يحب أن يكون فقيه بلده، ومحدث مصره، من غير أن يقاسي عناء الطلب، ومشقة الرحلة اتكالًا على الإجازة". ويبين ابن عبد البر آثار الإجازة لغير أهل العلم بأنه قد رأى قومًا منهم يحدثون عن الشيخ بما ليس من حديثه وينقصون من إسناد الحديث الرجل والرجلين٤.
стр. 214
٤٢٩- كما اشترط مالك، ﵀ شرطين آخرين، وهما أن يكون الفرع المجاز من الكتب معارضًا بأصل الشيخ، حتى كأنه هو، وأن يكون المجيز عالمًا بالأحاديث التي يجيزها، وهو ثقة في دينه وروايته ومعروفًا بالعلم أيضًا١ والشرط الأول طبيعي حتى يعوض بالإجازة ما فقد بالسماع أو القراءة على الشيخ ففي كل منهما يصحح الشيخ للتلميذ نسخته، وما قد يقع فيها من أخطاء. ورأى مالك الشرط الثاني حتى لا تروج أحاديث غير العلماء الثقات وحتى لا يجيز للرجال ما ليس من حديثه. وينسب إليه زورًا وبهتانًا.
٤٣٠- أما أبو حنيفة فهو يجيزها لكنه اشترط لها هو ومحمد أن يكون المجاز له عارفًا بالأحاديث التي يجيزيها له الشيخ، حتى يمكنه أن يكتشف خطأ قد يقع فيها أو تزويرًا يحدث بها٢. وربما كان هذا الشرط هو الذي ضيق من إباحة الإجازة عنده حتى ظن البعض أنه لا يجيزها مطلقًا.
٤٣١- والإمام الشافعي يرى صحة الإجازة، فقد أجاز كتبه لحسين بن على الكرابيسي، وقال له: خذ كتب الزعفراني، فانسخها، فقد أجزتها لك، فأخذها إجازة٣.
٤٣٢- والرواية التي فهم منها أن الشافعي يقبل الإجازة لا تدل على ذلك، فهي تقول: إن الربيع بن سليمان المرادي قال: اتني من البيوع من كتاب الشافعي ثلاث ورقات، فقلت: أجزها لي، فقال: ما قرئ علي كما قرئ على، ورددها غير مرة، حتى أذن الله في جلوسه، فجلس، فقرئ عليه٤.
٤٣٣- لا تدل هذه الرواية على عدم قبول الإجازة مطلقًا، وإنما تدل على أن الشافعي لا يراها مثل القراءة على الشيخ، وهو قد أحب للربيع
стр. 215
الذي يعده لنقل علمه ورواية مذهبه وكتبه١ أن يأخذ علمه بطريق أعلى من الإجازة لا سيما وقد قرأ الكتاب في هذه الرواية إلا ثلاث ورقات، أو كما يقول الخطيب البغدادي -إذا ذهبنا بعيدًا- إن هذه محمول فقط على الكراهة، للاتكال على الإجازة بدلًا من السماع٢.
٤٣٤- فلنكن إذن مع الذين يجيزونها، وفيهم هؤلاء الأئمة الكبار، لنعرج على وجوهها الموجودة في القرن الثاني الهجري.
٤٣٥- وقد ذكر المصنفون من المتأخرين وجوهًا كثيرة لها، ولكنننا لن نعرض لكل هذه الوجوه التي لم تكن موجودة آنذاك، وإنما نكتفي بما كان موجودًا منها وكان جديرًا بنقل الحديث نقلًا صحيحًا موثقًا.
١- ومن هذه الوجوه: أن تكون الإجازة لكتب معينة وأحاديث مفسرة إما في اللفظ والكتب أو محال على فهرسة حاضرة مشهورة، ولمعين من الطلاب أو الأصحاب٣.
وقد حدث هذا في القرن الثاني الهجري، ومنه ما يرويه ابن وهب قال: كنت عند مالك بن أنس، فجاءه رجل يحمل "الموطأ" في كسائه، فقال له: يا أبا عبد الله، هذا موطئوك، قد كتبته وقابلته، فأجزه لي. قال: قد فعلت٤.
ويدخل في هذا الوجه ما عده القاضي عياض نوعًا من المناولة، وهو "أن يعرض الشيخ كتابه ويناوله الطالب، ويأذن له في الحديث عنه، ثم يمسكه الشيخ عنده ولا يمكنه منه"٥ وواضح أنه يختلف عن المناولة في أن الشيخ يعرف الطالب بأحاديثه عن طريق مناولتها له، ولكنه يفقده أهم