← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 22872

توثيق السنة في القرن الثاني الهجري أسسه واتجاهاته

رفعت بن فوزي عبد المطلب

Полный текст (432 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

٤٢١- والحق أنه يقول بإجازة هذا الضرب جماعة من السلف ومن بعدهم؛ منهم الحسن البصري، وابن شهاب الزهري، وابن جريج، وأبان ابن عياش، وهشام بن عروة، والليث بن سعد، وسفيان بن عيينة، وشعيب ابن أبي حمزة، وسفيان الثوري١. ٤٢٢- وجوزها هؤلاء ومن بعدهم؛ لأن الضرورة دعت إلى تجويزها، فإن كل محدث لا يجد من يبلغ إليه ما صح عنده، ولا يرغب كل طالب في سماع جميع ما صح عند شيخه، فلو لم يجز مثل هذا لأدى ذلك إلى تعطيل السنن، واندراسها وانقطاع أسانيدها٢. والشيخ عندما يجيز للتلميذ أن يروي أحاديثه، وقد أخبره بها جملة هنا فهو كما لو أخبره تفصيلًا، وإخباره بها غير متوقف على التصريح نطقًا كما في القراءة على الشيخ، وإنما الغرض حصول الإفهام والفهم، وذلك يحصل بالإجازة المفهمة٣. ٤٢٣- ولكن القاضي عياضًا قد بالغ في حكايته الاتفاق على الإجازة، وقد رد قوله هذا ابن الصلاح ووصفه بالبطلان، ورده العراقي والسخاوي لأنه قد وردت روايات عن بعض الأئمة في القرن الثاني لا تعتبر الإجازة منهجًا سليمًا من مناهج تلقي الحديث. ومن هؤلاء شعبة بن الحجاج وابن المبارك وأسد بن موسى "١٣٢ - ٢١٢هـ" وغيرهم في عصرهم٤. وفي إحدى الروايتين عن أبي حنيفة وأبي يوسف كما حكاه الآمدي، ونقله عنه السيوطي٥، ومما يروى عن شعبة في ذلك أنه قال: لو صحت الإجازة لبطلت الرحلة، ويقول: كل حديث ليس فيه: "سمعت قال: سمعت" فهو خل وبقل، ويروي ابن جريح عن عطاء الخراساني قال: "إن العلم سماع، ويفسر الخطيب مراده بقوله: "أراد عطاء -والله أعلم- أن العلم الذي يجب قبوله ويلزم العمل بحكمة هو المسموع دون غيره،

стр. 212

وظاهر هذا القول يدل على أنه كان لا يعتد بالإجازة لخروجها عن حيز السماع١. وهذا أيضًا هو رأي الإمام أحمد بن حنبل: فقد روى أبو حاتم الرازي عنه: أنه سأل بشر بن شعيب: هل سمعت من أبيك شيئًا، أو قرأت عليه، أو قرئ عليه، وأنت حاضر؟ ولما نفى ذلك وبين أخذ الأحاديث منه إجازة كتب عنه على معنى الاعتبار فقط، ولم يحدث عنه٢. وروى الربيع بن سليمان عن الشافعي كراهتها٣. ٤٢٤- وحجة هؤلاء في عدم إجازتها أن ظاهرها إباحة التحدث والإخبار عن الشيخ من غير أن يحدثه أو يخبره، وهذا إباحة للكذب، وليس للشيخ ولا لغيره أن يستبيح الكذب إذا أبيح٤. ٤٢٥- وإذا كان القاضي عياض قد حكى الاتفاق على جواز هذا الضرب فغالى -فإن ابن حزم قد غالى من ناحية أخرى فقال -بعد أن حكم ببطلان الإجازة وأنها إباحة للكذب: إنها ما جاءت قط عن النبي، ﷺ ، ولا عن أصحابه، ﵃ ولا عن أحد من التابعين أو تابعي تابعيهم٥. ٤٢٦- وإذا كنا لا نعاوض بأنها لم ترد عن الرسول، ﷺ ولا عن صحابته -على مدى علمنا- فإنا لا نسلم له بأن الإجازة لم ترد عن التابعين وتابعيهم، فقد روي عن الحسن البصري وابن شهاب أنهما من المجيزين لها٦، وعن عبيد الله بن عمر قال: أشهد على ابن شهاب لقد كان يؤتى بالكتب من كتبه، فيقال له: يا أبا بكر، هذه كتبك؟ فيقول: نعم، فيجتزي بذلك٧، وأتى ابن جريح الزهري بكتب يريد

стр. 213

أن يعرضها عليه، فاعتذر له بأنه يريد أن يحدث بعض الناس، فقال له: أفأحدث عنك؟ قال: نعم. وهذه هي الإجازة١. وممن أجاز تلاميذه من تابعي التابعين الأوزاعي وأبان بن أبي عياش وهشام بن عروة والليث بن سعد وسفيان بن عيينة وسفيان الثوري٢. ٤٢٧- ولكننا قد نجد العذر لابن حزم، لأننا إذا تأملنا تلك الروايات عن هؤلاء المجيزين وجدناها تحتمل المناولة، وهو قد أقر بأن المناولة طريق صحيح من طرق الرواية. وأين يقف الأئمة: مالك وأبو حنيفة والشافعي؟ أمع المعارضين للإجازة أو مع المجيزين لها؟ وقد وردت عنهم روايات تبين هذا وذاك. ٤٢٨- أما الإمام مالك فالحق أنه يرى صحة الإجازة في تلقي الحديث، ولكن بشروط خاصة تضيق من دائرة إجازتها، وتجعل البعض يظن أنه لا يجيزها، ومن هذه الشروط: أن يكون المجاز له من أهل العلم؛ حتى لا يأخذ الأحاديث فيحرف فيها، فإذا كان المتلقي غير عالم بهذا الفن فإن الإمام مالكًا لا يبيح له أن يأخذ الأحاديثإجازة، وعلى هذا يحمل كلامه في إنكاره الإجازة، يقول الخطيب البغدادي مبينًا موقف مالك هذا: "قد ثبت عن مالك، ﵀، أنه كان يحكم بصحة الرواية لأحاديث الإجازة، فأما الذي حكيناه عنه آنفًا -يعني الروايات التي لا تبيحها- فإنما قاله على وجه الكراهة أن يجيز العلم لمن ليس من أهله ولا خدمه، وعانى التعب فيه، فكان يقول: إذا امتنع عن إعطاء الإجازة لمن هذه صفته: يحب أحدهم أن يدعى قسًّا، ولم يخدم الكنيسة. فضرب ذلك مثلًا، يعني الرجل يحب أن يكون فقيه بلده، ومحدث مصره، من غير أن يقاسي عناء الطلب، ومشقة الرحلة اتكالًا على الإجازة". ويبين ابن عبد البر آثار الإجازة لغير أهل العلم بأنه قد رأى قومًا منهم يحدثون عن الشيخ بما ليس من حديثه وينقصون من إسناد الحديث الرجل والرجلين٤.

стр. 214

٤٢٩- كما اشترط مالك، ﵀ شرطين آخرين، وهما أن يكون الفرع المجاز من الكتب معارضًا بأصل الشيخ، حتى كأنه هو، وأن يكون المجيز عالمًا بالأحاديث التي يجيزها، وهو ثقة في دينه وروايته ومعروفًا بالعلم أيضًا١ والشرط الأول طبيعي حتى يعوض بالإجازة ما فقد بالسماع أو القراءة على الشيخ ففي كل منهما يصحح الشيخ للتلميذ نسخته، وما قد يقع فيها من أخطاء. ورأى مالك الشرط الثاني حتى لا تروج أحاديث غير العلماء الثقات وحتى لا يجيز للرجال ما ليس من حديثه. وينسب إليه زورًا وبهتانًا. ٤٣٠- أما أبو حنيفة فهو يجيزها لكنه اشترط لها هو ومحمد أن يكون المجاز له عارفًا بالأحاديث التي يجيزيها له الشيخ، حتى يمكنه أن يكتشف خطأ قد يقع فيها أو تزويرًا يحدث بها٢. وربما كان هذا الشرط هو الذي ضيق من إباحة الإجازة عنده حتى ظن البعض أنه لا يجيزها مطلقًا. ٤٣١- والإمام الشافعي يرى صحة الإجازة، فقد أجاز كتبه لحسين بن على الكرابيسي، وقال له: خذ كتب الزعفراني، فانسخها، فقد أجزتها لك، فأخذها إجازة٣. ٤٣٢- والرواية التي فهم منها أن الشافعي يقبل الإجازة لا تدل على ذلك، فهي تقول: إن الربيع بن سليمان المرادي قال: اتني من البيوع من كتاب الشافعي ثلاث ورقات، فقلت: أجزها لي، فقال: ما قرئ علي كما قرئ على، ورددها غير مرة، حتى أذن الله في جلوسه، فجلس، فقرئ عليه٤. ٤٣٣- لا تدل هذه الرواية على عدم قبول الإجازة مطلقًا، وإنما تدل على أن الشافعي لا يراها مثل القراءة على الشيخ، وهو قد أحب للربيع

стр. 215

الذي يعده لنقل علمه ورواية مذهبه وكتبه١ أن يأخذ علمه بطريق أعلى من الإجازة لا سيما وقد قرأ الكتاب في هذه الرواية إلا ثلاث ورقات، أو كما يقول الخطيب البغدادي -إذا ذهبنا بعيدًا- إن هذه محمول فقط على الكراهة، للاتكال على الإجازة بدلًا من السماع٢. ٤٣٤- فلنكن إذن مع الذين يجيزونها، وفيهم هؤلاء الأئمة الكبار، لنعرج على وجوهها الموجودة في القرن الثاني الهجري. ٤٣٥- وقد ذكر المصنفون من المتأخرين وجوهًا كثيرة لها، ولكنننا لن نعرض لكل هذه الوجوه التي لم تكن موجودة آنذاك، وإنما نكتفي بما كان موجودًا منها وكان جديرًا بنقل الحديث نقلًا صحيحًا موثقًا. ١- ومن هذه الوجوه: أن تكون الإجازة لكتب معينة وأحاديث مفسرة إما في اللفظ والكتب أو محال على فهرسة حاضرة مشهورة، ولمعين من الطلاب أو الأصحاب٣. وقد حدث هذا في القرن الثاني الهجري، ومنه ما يرويه ابن وهب قال: كنت عند مالك بن أنس، فجاءه رجل يحمل "الموطأ" في كسائه، فقال له: يا أبا عبد الله، هذا موطئوك، قد كتبته وقابلته، فأجزه لي. قال: قد فعلت٤. ويدخل في هذا الوجه ما عده القاضي عياض نوعًا من المناولة، وهو "أن يعرض الشيخ كتابه ويناوله الطالب، ويأذن له في الحديث عنه، ثم يمسكه الشيخ عنده ولا يمكنه منه"٥ وواضح أنه يختلف عن المناولة في أن الشيخ يعرف الطالب بأحاديثه عن طريق مناولتها له، ولكنه يفقده أهم

стр. 216

ميزة في المناولة وهي: أنه لا يعطيه الكتاب وتبقى إجازة الأحاديث فقط ولهذا رأيناه يدخل هنا. ٢- ومن هذه الوجوه أن تكون الأحاديث المجازة عامة أو مبهمة غير معينة، كأن يقول: قد أجزت لك جميع روايتي أو ما صح عندك من روايتي. ولعل من هذا الوجه قول الشافعي لحسين الكرابيسي، خذ كتب الزعفراني فانسخها فقد أجزتها لك. وقد تقدم ذلك. ويشترط لصحة هذا الوجه أن يقوم المجاز له بتعيين روايات الشيخ وتحقيقها وصحة مطابقة كتب الراوي لها١. كما يشترط في الوجهين إذا كانت الإجازة كتابة والمجاز له غائبًا أن يتأكد من خط المجيز وخاتمه٢. وبهذا وذاك توثق الأحاديث فلا يروي التلميذ عن شيخه إلا ما تأكد أنه من مروياته مكتسبًا الثقة فيها من الثقة بالشيخ الذي أجازها. ٤٣٦- ويمكننا القول بأن هذين الوجهين هما اللذان وجدا في القرن الثاني الهجري وتكلم فيهما أئمته.. أما بقية الأوجه التي ذكرها المتأخرون؛ من الإجازة للعموم من غير تعيين المجاز له، أو الإجازة للمجهول أو للمعدوم، أو لما لم يروه المجيز بعد -فلم نعثر على روايات تدل على وجودها آنئذ كما لم يقل فيها أحد من الأئمة شيئًا ونقل عنهم -على ما نعلم- ولم تتحدث عنها الكتب المبكرة في أصول الحديث مثل المحدث الفاصل. وكل من تكلم عنها بالإجازة أو عدمها في الكتب المتأخرة نوعًا ما من الأئمة المتأخرين. الأداء عن الإجازة: ٤٣٧- والتلقي بالإجازة والرواية عنها أقل قيمة من جميع المناهج السابقة، فالاتصال بين الشيخ والتلميذ ليس قويًّا كما وجدنا في السماع والقراءة.

стр. 217

على الشيخ مثلًا، ولهذا نرى جمهور الذين قبلوها يخصصها بعبارة مشعرة بها حتى لا تلتبس بالسماع، أو العرض، أو المناولة، أو المكاتبة، كأن يقول الراوي عند الأداء "أجاز لي فلان" أو "حدثني إجازة" أو "أخبرني إجازة"١. ٤٣٨- ونقل عن الأوزاعي أنه خصص الإجازة بقوله: "خبرني" أو "خبرنا" وهو اصطلاح لا يطلق على غير هذا الضرب من ضروب التلقي. ومما هو جدير بالذكر أن الأوزاعي كان يقول عن الإجازة مثل المناولة يتدين بأحاديثها، ولا يحدث بها٢. وتخصيصه مثل هذا اللفظ يجعلنا نفهم أنه لا يريد الأداء عن الإجازة بلفظ "حدثنا" أو "حدثني" -كمنا فهمنا ذلك في المناولة. وعلى هذا فليس هناك تعارض كما يقول السيوطي٢. ٤٣٩- ولم يشذ عن الجمهور إلا سفيان الثوري وابن جريج، والإمام مالك في بعض الروايات عنه.. فقد قالوا بجواز أن يقول الراوي: "حدثني" أو "أخبرني" مطلقًا من غير قيد٣.

стр. 218

٦- إعلام الشيخ: ٤٤٠- أن يعلم الشيخ التلميذ أن هذا الحديث من روايته، أو أن هذا الكتاب من سماعه فقط دون إذن له في الرواية عنه، أو يأمره بألا يرويه عنه، أو يقول له الطالب: هو روايتك أحمله عنك، فيقول له: نعم، أو يقره على ذلك ولا يمنعه١. هل وجد هذا المنهج في القرن الثاني الهجري؟: ٤٤١- يرى القاضي عياض أنه وجد في القرن الثاني الهجري بدليل أن الزهري فعله مع عبيد الله العمري، وهما إمامان، ويروى أن عبيد الله "١٤٧ هـ" قال: "كنا نأتي الزهري بالكتاب من حديثه، فنقول له:

стр. 219

يا أبا بكر، هذا من حديثك؟ فيأخذه، فينظر فيه، ثم يرده إلينا، ويقول: نعم، هو من حدثني. قال عبيد الله: نأخذه وما قرأه علينا ولا استجزناه أكثر من إقراره بأنه من حديثه". ثم يعقب القاضي عياض على هذه الرواية بقوله: "فهذا مذهب الزهري إمام هذا الشأن، وعبيد الله العمري أحد أئمة وقته بالمدينة، وآخرين من أقرانهم أبهمهم من أصحاب الزهري، ومن هم إلا مالك وابن عمه أبو أويس ومحمد بن إسحاق، وإبراهيم بن سعد ويونس بن يزيد وطبقتهم"١. ٤٤٢- كما يذكر رواية عن ابن جريح تقول: إنه جاء إلى هشام ابن عروة فقال له: الصحيفة التي أعطيتها فلانًا هي حديثك؟ قال: نعم، ويعقب الواقدي على هذه الرواية، فيقول: سمعت ابن جريح بعد ذلك يقول: "أخبرنا هشام بن عروة"٢. ٤٤٣- ونشك في أن هذا الضرب قد وجد في القرن الثاني الهجري كمنهج صحيح من مناهج الرواية يقره إمام مثل ابن شهاب الزهري. ٤٤٤- أما هاتان الروايتان اللتان تقولان: إن عبيد الله العمري وابن جريحوآخرين كانوا يجيزونه -فنظن أنهما لم تنقلا على الوجه الصحيح، بدليل أنهما وردتا على غير هذا الوجه عند غير القاضي عياض، وفي بعضها أن ابن شهاب كان يجيز رواية الكتاب ولا يكتفي بالأعلام، ولنعرض لروايات الرامهرمزي، والخطيب البغدادي، وابن عبد البر. ٤٤٥- يروي الرامهرمزي: عن عبد الله بن عمر قال: أشهد على ابن شهاب لقد كان يؤتى بالكتب من كتبه، فيقال له: يا أبا بكر، هذه كتبك؟ فيقول: نعم، فيجتزي بذلك ويحمل عنه ما قرئ عليه "..ويلتقي الرامهرمزي مع القاضي في بعض سند هذه الرواية. وليس فيها -كما ترى عند القاضي عياض- أن عبيد الله هو الذي كان يأتي بالكتب -وهذا ما بنى عليه القاضي عياض استدلاله، كما أن الرامهرمزي قد أوردها دليلًا على

стр. 220

الإجازة وصحتها، مما جعل بعض الباحثين يعقب عليها بأنه كان ينظر في هذه الكتب ويجيزها١. ومما يبعد أن يكون عبيد الله هو الذي يفعل ذلك مع الزهري ويؤكد أن رواية القاضي عياض على غير وجهها الصحيح، أنه هو الذي كان يرتضيه الزهري قارئًا دون غيره من أقرانه مثل مالك ومحمد بن إسحاق٢، فهو كان يأخذ أحاديثه عرضًا، ولم يكن في حاجة إلى غير هذا. ٤٤٦- ورواية الخطيب البغدادي أوضح من هذه، فهي تقول: إن عبيد الله بن عمر قال: كان الزهري يؤتى بالكتاب، فيقال: نرويه عنك؟ فيقول: نعم،.. وفي رواية أخرى: كان يؤتى بالكتاب من كتبه، فيتصفحه، وينظر فيه، ثم يقول: هذا حديثي أعرفه، خذه عني، وفي رواية ثالثة: كنت أرى الزهري يؤتى بالكتاب، فيقال: نرويه عنك؟ فيقول: نعم٣. ففي هذه الروايات نلاحظ ما لاحظناه عن الرامهرمزي من أن الذي يأتي بالكتاب ليس هو عبيد الله، وإنما حكى ما رآه. كما نلاحظ أن هناك إذنًا بالرواية، والإعلام لا يكون فيه هذا، وفي الرواية الوسطى مناولة تزيد على الإجازة كما عرفنا. ٤٤٧- ويورد ابن عبد البر رواية الخطيب، ويبين أنها من قبيل المناولة فيقول: "هذا معناه أنه كان يعرف الكتاب بعينه، ويعرف ثقة صاحبه، ويعرف أنه من حديثه، وهذه هي المناولة"٤. ٤٤٨- أما رواية ابن حريج فقد أوردها الخطيب في باب الإجازة، وهي تدل على ذلك، لأنها تقول: "جاء ابن جريح بكتاب، فقال: هذا حديثك، أرويه عنك؟ ... قال: نعم " ... وفي رواية: "جاء ابن جريج

стр. 221

بصحيفة مكتوبة، فقال لي: -لهشام- با أبا المنذر، هذه أحاديث أرويها عنك؟ قلت: نعم١. فهذا من باب الإجازة، كما استدل الخطيب. ٤٤٩- وجدير بالذكر أن الرامهرمزي التقى مع القاضي عياض في هذه الرواية فلم يذكر فيها إجازة بالرواية -وإن كان قد ساقها دليلًا من أدلة الإجازة٢. كما التقى القاضي عياض أيضًا ابن سعد في كتابه الطبقات٣. إن هذا يدلنا على الاضطراب والشك في هذه الروايات مما لا نستطيع معه أن نصل إلى الوجه الصحيح منها. ٤٥٠- ومهما يكن من شيء، فعلى افتراض صحة روايتي القاضي عياض؛ لأن المواقف ربما تعددت، فإن العمل "بإعلام الشيخ" قد أجيز وتم في أضيق الحدود وفي الحالة التي يتأكد فيها الشيخ أن التلميذ من العلماء المجيدين الذين يأخذون الأحاديث ويؤدونها أداء صحيحًا، وهذا هو الحال بالنسبة لعبيد الله بن عمر وابن جريح. وقد أسلفنا منزلة عبيد الله عند الزهري وثقته فيه. أما ابن جريح فقد كان من أئمة هذا الشأن ومن أوائل المصنفين في الحديث، فهما من الذين يمكنهم تلقي الأحاديث بهذه الطريق وروايتها دون تحريف فيها. ٤٥١- وحجة القائلين بصحة "إعلام الشيخ" أن اعترافه للتلميذ بالكتاب، وإقراره بأنه سماعه، كتحديثه له بلفظ، وقراءته عليه وإن لم يجزه له٤، ويقول الرامهرمزي: إنه بعد أن يعترف الشيخ بأن الكتاب كتابه أو سماعه فإن التلميذ ليس في حاجة إلى الإذن له بروايته قياسًا على أن التلميذ إذا سمع من الشيخ أحاديث، فإنه تجوز له رواية هذه الأحاديث، أذن له الشيخ أو لم يأذن٥.

стр. 222

٤٥٢- وعند الأداء يقول: من تلقي الأحاديث بهذا الضرب: "حدثني فلان أن فلانًا حدثه"، ولا يقول: "حدثني فلان أن فلانًا قال: حدثنا فلان"، لأن هذا التعبير الأخير يوحي بأنه سمع ألفاظ الشيخ، والحقيقة أنه لم يسمعها١. ٤٥٣- وفي القرن الثاني وجدنا من ينكر هذا المنهج، فقد نعوا على عبد الملك بن حبيب أنه أخذ كتب أسد بن موسى منه "١٣٢ - ٢١٢هـ" ونسخها، وحدث بها عنه، ولم يجزه إياها٢.

стр. 223

٧- الوصية بالكتب: ٤٥٤- وهو أن يوصي الشيخ بأن تدفع كتبه عند موته أو سفره لرجل. ٤٥٥- ويقول القاضي عياض: "وهذا باب أيضًا قد روي فيه عن السلف المتقدم إجازة الرواية بذلك؛ لأن في دفعها له نوعًا من الإذن وشبهًا من العرض والمناولة"١. ٤٥٦- ولكننا لا نعلم من فعله من السلف غير أبي قلابة عبد الله بن زيد الجرمي "١٠٤ هـ" الذي أوصى عند موته بأن تدفع كتبه إلى أيوب السختياني "١٣١ هـ". وقد استفتى أيوب محمد بن سيرين: أيحدث بهذه الكتب أولا؟ وقد أفتاه ابن سيرين أولًا بالإيجاب، ثم توقف، وترك المسألة له ثانية، فقال: لا آمرك ولا أنهاك٢. ٤٥٧- ونظن أن هذه الرواية عن السلف لا تكفي دليلًا على مشروعية هذا الضرب؛ لأن التلميذ في هذه الحالة ربما يخطئ عند رواية هذه الكتب، ولا يجد الشيخ الذي يصلح له هذا الخطأ، وليس في وصية أبي قلابة ما يدل

стр. 224

على أنه يجيز له الرواية. اللهم إلا إذا كان يعتمد على أن أيوب قد سمع منه هذه المرويات وتعرف عليها، ولهذا لا يحق لنا أن ننسب إلى السلف جواز الرواية بها -كما فعل القاضي عياض- ولقد وصف ابن الصلاح قوله بأنه بعيد جدًّا، والقول به زلة من عالم أو متأول. على أنه أراد الرواية على سبيل الوجادة١، ووصفه النووي بأنه غلط٢. ٤٥٨- يقول الخطيب البغدادي تعليقًا على وصية أبي قلابة لأيوب: "يقال: إن أيوب كان قد سمع تلك الكتب، غير أنه لم يحفظها، فلذلك استفتى محمد بن سيرين عن التحديث منها، ولا فرق بين أن يوصي العالم لرجال بكتبه، وبين أن يشتريها ذلك الرجل بعد موته، في أنه لا يجوز له الرواية منها إلا على سبيل الوجادة، وعلى ذلك أدركنا كافة أهل العلم، اللهم إلا أن يكون تقدمت من العالم إجازة لهذا الذي صارت الكتب له بأن يروي عنه ما يصح عنده من سماعاته، فيجوز أن يقول فيما يرويه من الكتب "أخبرنا" أو "حدثنا" على مذهب من أجاز أن يقال ذلك في أحاديث الإجازة، مع أنه قد كره الرواية عن الصحف التي ليست مسموعة غير واحد من السلف٣". ٤٥٩- وعلى هذا فالوصية لسيت بتحديث لا إجمالًا ولا تفصيلًا، ولا تتضمن الإعلام لا صريحًا ولا كناية، ولهذا لم يوافق ابن الصلاح القاضي عياضًا في تشبيهها بقسمي الإعلام والمناولة، لأن الحجة التي جوزت كونهما طريقين من طرق التلقي الصحيح ليست موجودة هنا٤. ٤٦٠- والأمر لا يعدو -كما رأى الخطيب- أن يكون إجارة سبقت هذه الوصية. والوصية كأن لم تكن، أو وجادة أي صارت الكتب إليه كما تصير بالشراء والإجازة قد سبق أن تعرفنا عليها وعلى حكمها، ونتعرف على الوجادة الآن.

стр. 225

٨- الوجادة: ٤٦١- وهو الوقوف على كتاب بخط محدث مشهور، ويعرف الواقف الخط وتصحيحه ولكنه لم يسمع هذا الكتاب. ٤٦٢- وهذا الضرب موجود منذ عصر الصحابة وعصر التابعين ومن بعدهم. حيث كثرت الكتب وكثر الرواة الذين لم يكن من السهل عليهم اللقاء بالمحدثين وأخذ الأحاديث عنهم سماعًا أو قراءة أو مناولة أو كتابة أو إجازة. ففي عصر الصحابة وجدنا رواية عن ابن عمر أنه وجدد في قائم سيف أبيه عمر بن الخطاب، ﵄، صحيفة فيها: "ليس فيما دون خمس من الإبل صدقة.." إلى آخره١. وفي عصر التابعين وجدنا أكثر من رواية عن بعض الصحف التي انتقلت من الصحابة إلى التابعين عن طريق الوجادة: فعن ابن عائذ قال: وجدنا في نسخة عن معاذ بن جبل، ﵁ "أن النبي، ﷺ ، نهى أن يدخل على المغيبات٢". وقال التميمي: ذهبوا بصحيفة جابر إلى الحسن فرواها أو قال: فأخذها وأتوني بها، فلم أروها٣. وعن محمد بن سعيد قال: لما مات محمد بن مسلمة الأنصاري، وجدنا في ذؤابة سيفه كتابًا: "بسم الله الرحمن الرحيم، سمعت النبي، ﷺ يقول: "إن لربكم في بقية دهركم نفحات، فتعرضوا له، لعل دعوة أن توافق رحمة يسعد بها صاحبها سعادة لا يخسر بعدها أبدًا"٤.

стр. 226

وانتقلت كتب بعض التابعين إلى بعض، وإلى تابعيهم، ومنها ما قاله همام بن يحيى: قدمت أم سليمان اليشكري بكتاب سليمان، فقرئ على ثابت وقتادة وأبي بشر والحسن ومطرف، فردوها كلها، وأما ثابت فروى منها حديثًا وحدًا١. ٤٦٣- ظلت هذه الظاهرة موجودة في عصر تابعي التابعين ومن بعدهم. وعلى الرغم من ظهورها بكثرة فإن الأحاديث التي كانت تنقل عبرها لم يعتبرها نقاد الحديث صحيحة، وإنما رفضوها، وحكموا عليها بالضعف. اللهم إلا إذا اقترنت الوجادة بسماع أو قراءة على صاحب هذه الأحاديث. ٤٦٤- ويروي الخطيب البغدادي ما يفهم منه أن كراهة التحدث بما في الكتاب وجادة نشأت منذ عهد الصحابة رضوان الله عليهم؛ يروى بسند عن عمر بن الخطاب، ﵁ أنه قال: "إذا وجد أحدكم كتابًا فيه علم لم يسمعه من عالم فليدع بإناء وماء فلينقعه فيه حتى يختلط سواده مع بياضه٢. ٤٦٥- وفي القرن الثاني وجدنا وكيع بن الجراح ينهى أن ينظر المحدث في كتاب لم يسمعه من صاحبه، حتى لا يعلق قلبه منه شيء، فيحدث بما لم يسمعه٣. وربما كان هذا السبب نفسه هو ما جعل محمد بن سيرين يرفض أن يمنع أحد الرواة عنده كتابًا ويقول: لا يبيت عندي كتاب٤ وجعل عمر بن عبد العزيز، الذي أمر بجمع السنة مدونة، يأمر بإحراق كتاب لزيد ابن ثابت، ﵁ في الديات٥. ٤٦٦- وقد حكم الإمام أحمد على حفص بن سليمان الأسدي بأنه متروك الحديث بعد ما علم أنه أخذ من شعبة كتابًا، فلم يرده، وأنه كان يأخذ كتب الناس فينسخها ويحدث بها من غير سماع٦. ويقول عن عبد العزيز

стр. 227

ابن محمد الدراوردي، مبينًا آثار التحدث بالوجادة: إذا حدث من كتابه فهو صحيح، وإذا حدث من كتب الناس وهم، كان يقرأ من كتبهم فيخطئ١. ٤٦٧- كما بين الإمام أحمد أن التحدث بالوجادة هو ما جعل بعض الرواة يحدث بزيادات في الأحاديث ليست منها، يقول: عن الحجاج بن أرطاة: "كان الحجاج من الحفاظ" فسأله ابنه عبد الله عندما قال ذلك: "فلم ليس هو عند الناس بذاك"؟ قال: "لأن في حديثه زيادة على حديث الناس، ليس يكاد له حديث إلا فيه زيادة، يقولون: لم يلق الزهري وكان يروي عن رجال لم يلقهم، وكأنه ضعفه"٢. ٤٦٨- وقد أدرك الإمام أحمد بخبرته هذه غب ما وقع فيه هؤلاء الرواة الذين يحدثون عن الوجادة، فحذر منهم، وكان يقول: "إياكم وأصحاب الكتب؛ فإنه لا يزال أحدهم قد جعل عمرًا عمر وأشباهه "أي يحرفون في الأحاديث لعدم سماعها، والاعتماد على الكتب"٣. ٤٦٩- ووهن الأئمة أحاديث عبد الأعلى بن عامر الثعلبي، لأنه أخذ كتاب محمد بن الحنفية، فروى منه من غير سماع، يقول عبد الرحمن بن مهدي: كل شيء روى عبد الأعلى الثعلبي عن محمد بن الحنفية إنما هو كتاب، أخذه لم يسمعه، ما أدري كيف أحدث عن عبد الأعلى! ... ويقول يحيى ابن سعيد القطان: سألت الثوري عن أحاديث عبد الأعلى عن ابن الحنفية، فوهنا. وقال مرة أخرى مبينًا سبب هذا التوهين: "كنا نرى أنها من كتاب ولم يسمع منه شيئًا"٤. ٤٧٠- كما وهن البعض أحاديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو بن العاص، الصحابي الجليل، لأنها في رأيهم أخذها من

стр. 228

كتاب وجده شعيب عند جده ولم يسمعه منه. قال علي بن المديني: ما روى عمرو عن أبيه عن جده فإنما هو كتاب وجده؛ فهو ضعيف ... وقال أيوب السختياني لليث بن أبي سليم: "شد يدك بما سمعت من طاوس ومجاهد، وإياك وجواليق وهب بن منبه، وعمرو بن شعيب، فإنهما صاحبا كتاب". ويبين ابن حبان أثر تحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده بالوجادة فيقول عنه: "إذا روى عن أبيه عن جده ففيه مناكير كثيرة".. وقال ابن معين: "إذا حدث عن أبيه عن جده فهو كتاب، فمن هنا جاء ضعفه"، وهذا هو السبب في أن بعض الأئمة قلل من قيمة الصحيفة التي يرويها عمرو، فقال: "ما يسرني أن صحيفة عبد الله بن عمرو عندي بتمرتين أو بفلسين"١. ٤٧١- ومن هذه الروايات يتبين لنا لم عاب الأئمة الأحاديث التي تروى عن طريق الوجادة وعابوا رواتها، لأنها تكون عرضه للتحريف والزيادة بما ليس منها، وهم يهدفون إلى أن تنقل سنة رسول الله، ﷺ ، نقلًا موثقًا لا تبديل فيه ولا وهم. ٤٧٢- ومن هنا كانوا دائمًا يسألون الراوي، عندما يخفي عليهم الأمر، أو يشكون في السماع: هل سمع الأحاديث التي يرويها أم هي وجادة؟.. يقول أبو بكر بن عياش: قلت لجميل بن زيد: هذه الأحاديث أحاديث ابن عمر؟ قال: أنا ما سمعت من ابن عمر شيئًا، إنما قالوا لي: اكتب أحاديث ابن عمر، فقدمت المدينة، فكتبتها..٢ ويقول يزيد بن هارون: كان أبو جناب يحدثنا عن عطاء والضحاك وابن بريدة، فإذا وقفناه، نقول: سمعت من فلان هذا الحديث، فيقول: لم أسمعه منه، إنما أخذت من أصحابنا٣.

стр. 229

٤٧٢- وكانوا يستعملون ذكاءهم وحيلهم، حتى يكشفوا من يروي عن طريق الوجادة ولا يفصح. يقول أبو بكر بن أبي أويس: أتيت ابن سمعان، فأخرج إليّ كتابًا، فجعل يقرؤه، فيقول: "حدثني فلان، فمر على حديث فقال: حدثني شهر بن حوشب، فقلت: من هذا؟ قال: هذا رجل من أهل خراسان مر علينا. فقلت: لعلك تريد شهر بن حوشب. قال: نعم. فقلت: إنه يأخذ كتبًا من غير سماع فيحدث بها، ولم أعد إليه١. الأداء عن الوجادة: ٤٧٣- أما وقيمة الوجادة هذه فلا تجوز أن يقول الراوي عند الأداء: "حدثني" أو "أخبرني"؛ لأن هذا يعد كذبًا، ولأن الأمر حينئذ يلتبس بالسماع أو القراءة، وهما أعلى درجات التلقي، يقول القاضي عياض: "فهذا لا أعلم من يقتدي به أجاز النقل فيه: "حدثنا" و"أخبرنا" ولا من يعده معد المسند"٢. ٤٧٤- أما إذا بين بالألفاظ ما يدل على الوجادة فإنه يكون قد أخلى عهدته، وأبرأ ذمته. ولا يعد من الضعفاء بروايته أو نقله هذه الأحاديث.. ولهذا لم يعيبوا على عبد الرزاق الصنعاني أن أتوا إليه بصحيفة لا يعرفها، فقرأها عليهم، لكنه لم يقل: "حدثنا".... ٣ورأى أحمد بن حنبل أن مخرمة ابن بكير "ثقة" على الرغم من أنه لم يسمع من أبيه كتبه، وإنما يحدث عنها وجادة؛ لأنه يعلن أنه لم يسمع من أبيه وإنما آلت إليه كتبه وجادة، يقول مخرمة: ما سمعت من أبي شيئًا، وإنما هذه كتب وجدناها عندنا عنه، ما أدركت أبي

стр. 230

إلا وأنا غلام١.. ويقول يحيى بن معين عن إبراهيم ابن عقيل: "لم يكن به بأس، ولكن ينبغي أن تكون صحيفة وقعت إليه"٢. ٤٧٥- والأجدر بالراوي أن يقول عند الأداء، وقد وثق بأن الكتاب الذي وجده بخط مؤلفه "وجدت بخط فلان" و"قرأت في كتاب فلان بخطه"٣ أو "بلغني عن فلان" و"وجدت في الكتاب الفلاني" إذا لم يثق أنه خط المؤلف أو خط تلاميذه الموثوق بهم. ٤٧٦- وإذا أطلق عبارة تحتمل السماع وغيره فقد دلس، والتدليس عابه أكثر من إمام، واعتبروه من الكذب، وهذا إذا قال مثلًا: "قال فلان" أو "عن فلان"..

стр. 231

التوثيق بالكتاب في نقل الحديث: ٤٧٧- وبعد أن استعرضنا مناهج تلقي الحديث وأدائه، وعرفنا ما هو مشروع منها وما هو غير مشروع في توثيق الحديث يجدر بنا أن نقف وقفة مؤكدة عند الكتاب والكتابة ودورهما في صيانة السنة وتوثيقها أثناء نقلها بعد أن وقفنا قبل ذلك عند دوره في ضبط الأحاديث عند الراوي وإعانته على ذلك. ٤٧٨- والحق أن دور الكتاب هنا أكبر من دوره هناك، ويتضح هذا الدور في كل مناهج التلقي كما سبق أن عرفنا. فقد رأينا من صور السماع إملاء الشيخ على التلاميذ من كتابه وأن هذا أعلى صور السماع. ٤٧٩- وقد يملي الشيخ من كتابه لا من حافظته، كما هو مصرح به في بعض الروايات، يقول هارون بن معروف "٢٣١هـ" قدم علينا بعض

стр. 232

الشيوخ من الشام فكنت أول من بكر عليه، فسألته أن يملي علي شيئًا، فأخذ الكتاب يملي١ ... وإذا كان الشيخ يملي فالتلميذ يدون ما يميليه من الأحاديث. ٤٨٠- وقد كانوا ينصون على الإملاء ليتميز الراوي عن أقرانه بالصحة والجودة في سماعه، سأل عبد الله بن أحمد بن حنبل أباه عن شعيب بن أبي حمزة: كيف سماعه من الزهري؟ أليس هو عرض: قال: لا، حديثه يشبه حديث الإملاء. هو أصح حديثًا عن الزهري من يونس ... نظرت في كتب شعيب، أخرجها إلي ابنه، فإذا بها من الحسن والصحة والشكل، ونحو هذا. ويقول يحيى بن معين عنه: "ثقة في الزهري ... كتب عن الزهري إملاء، وكان كاتبًا٢". ٤٨١- وكان بعض التلاميذ يأبى إلا أن يملي عليه الشيخ ليحوز بهذه الدرجة العليا من الإتقان؛ لما قدم ابن جريج البصرة قام معاذ بن معاذ، فشغب وقال: لا نكتب إلا إملاء، وسأل عبد الله بن أحمد بن حنبل معاذ، فكتب إملاء؟ فقال له أبوه: كتبوا إملاء٣ ... ويقول عفان "٢١٩هـ": ما رضينا من أحد إلا بالإملاء إلا شريكًا، وكان عفان هذا يحض أصحاب الحديث على الضبط والتقييد إذا أخذوا عنه ... وكان يقول لحماد بن سلمة: لا نكتب إلا الإملاء٤. ٤٨٢- وإذا كانت الكتابة من أهم وسائل التوثيق ... وإذا كان السماع مع الإملاء هما الجديرين بنقل الحديث نقلًا موثقًا عند نقاد الحديث، فإن مما يزيدنا اطمئنانًا أن كثرة من الأحاديث نقلت على هذا الوجه؛ لأنهم كانوا لا يعتبرون المحدث جديرًا بهذا اللقب إلا إذا كانت أحاديثه كثيرة، يقول

стр. 233

أبو بكر بن أبي شيبة: "من لم يكتب عشرين ألف حديث إملاء لم يعد صاحب حديث"١. ٢٨٣- وبالنسبة إلى حالات السماع عمومًا فقد استقرت عادة المحدثين على أن يكتب التلميذ حديث الشيخ من أصول أو من كتب تلاميذه أو أقرانه الذين سمعوا منه أو قرءوا عليه، ثم يأتي فيمسعه منه، يقول قراد أبو نوح: كنت آتي عبد الله بن عثمان -يعني صاحب شعبة- فأكتب حديث شعبة، ثم آتي شعبة، فأسأله فيحدثني٢. ٤٨٤- وقد تلازم السماع والكتابة تلازمًا قويًّا حتى كان يعبر بأحدهما عن الآخر فكثيرًا ما كانوا يطلقون أحدهما على الآخر، سئل الأوزاعي عن الغلام يكتب الحديث قبل أن يبلغ الحد الذي تجري عليه فيه الأحكام؟ ويفهم الأوزاعي أن المقصود بكتابة الحديث هنا السماع، ولهذا يجيب: إذا ضبط الإملاء جاز سماعه وإن كان دون العشر٣. ٤٨٥- وقد فهم ابن خلاد الرامهرمزي مثل هذا عندما قال: إن ابن عيينة أخبر -في رواية الجوهري- أنه كتب عن الزهري وهو ابن خمس عشرة سنة. والحقيقة أن عبارة الجوهري التي أشار إليها تقول: إن سفيان قال: سمعت منه -أي الزهري- وأنا ابن خمس عشرة سنة٤. ولم يذكر الكتابة. ٤٨٦- وقد عبر الإمام أحمد عن الكتابة بالسماع فقال عن عبد الرحمن بن عبد الله العمري: "ليس بشيء، وقد سمعت أنا منه، ثم مزقته"٥. ومعلوم أنه يريد أن يقول كتبت عنه وسمعت، ولكنه اكتفى بأن يقول سمعت منه، لتلازم الاثنين". ٤٨٧- وقد كان بعض الأئمة يحرص على أن يقرأ الشيخ من كتبه حتى

стр. 234

تكون أحاديثه موثقة، مر عبد الله بن المبارك سنة ثمان وستين على محمد بن جابر وهو يحدث بمكة، فقال له: حدث يا شيخ من كتبك١. ٤٨٨- ويحرص بعض الشيوخ على أن يعين بعض تلاميذه على الكتابة عند الإملاء، يقول الحسن بن عرفة: كنت آتي وكيعًا، وكان يملي من حفظه، وكنت بطيء الكتابة، فيأخذ يدي في يده، ويقول: هات، فيكتب لي٢. ٤٨٩- فالسماع في حقيقة الأمر إنما هو وسيلة للحصول على كتاب صحيح يدون فيه الحديث تدوينًا موثقًا ... ويبقى هذا الكتاب يسند الذاكرة في أداء الحديث ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى﴾ ٣، فيتعاونان معًا على حفظ حديث رسول الله ﷺ . ٤٩٠- فإذا ما تركنا السماع إلى العرض وجدنا الأمر واضحًا، لأن التلميذ يقرأ من كتاب قد أعده قبل أن يجلس مع الشيخ يقرأ عليه، وما عملية القراءة إلا لتصحيح الأخطاء التي قد تكون واقعة أثناء النقل، وللاطمئنان إلى أن الأحاديث التي نقلت إنما هي أحاديث الشيخ لم يزور فيها بزيادة ولا بنقص. فالعرض أيضًا وسيلة لتصحيح الكتاب ونطقه سليمًا كما هو الحال في معظم السماع. ٤٩١- أما المناولة والمكاتبة وغيرها فإنها تعتمد على الكتاب اعتمادًا كبيرًا وكليًّا بعضها كالمناولة والمكاتبة والوصية. وقد وضعت الشروط التي تجعل الكتاب فيها صحيحًا موثقًا، لما سبق أن ذكرنا. ٤٩٢- وصحة الكتاب كانت تغفر للراوي سوء تلقيه للحديث؛ لأنه كفيل بتوثيقه قال الإمام أحمد: وقد وثق راويًا فقيل له: إنه كان يسيء الأخذ قال: قد كان يسيء الأخذ، ولكن إذا نظرت في حديثه وما روى عن مشايخه وجدته صحيحًا٤.

стр. 235

ولعل هذا يجعلنا نطمئن إلى مقدار العناية بتوثيق الأحاديث في القرن الثاني الهجري. ٤٩٣- ومع توثيق الرواة وتوثيق الحديث من حيث نقله من راو لآخر كان على النقاد أن ينظروا في الأسانيد وخاصة ما أرسل منها على الرغم من قلة رواتها وصحة أخذهم للحديث، وهذا ما سندرسه في الفصل التالي إن شاء الله تعالى.

стр. 236

الفصل الرابع: المتصل والمنقطع من الأسانيد عناية النقاد بالأسانيد واتصالها: ٢٩٤- عرفنا في الفصلين السابقين أن جمهور العلماء قد اشترطوا في راوي الحديث، كي يصبح خبره حجة أن يكون مسلمًا عاقلًا عدلًا ضابطًا، وأن يأخذ الحديث بمناهج محددة، من سماع أو عرض أو مناولة أو مكاتبة، وبشروط تجعل الحديث ينتقل انتقالًا موثقًا. وقد وضعوا هذه الشروط وتلك المناهج حتى ينقل الحديث نقلًا صحيحًا فلا تمتد إليه أيد آثمة بالتبديل والتغيير أو الوضع، فتفسد على المسلمين أمر دينهم. ٤٩٥- وقد كان الكثيرون من الرواة، وخاصة بعد أن وقعت الفتن بين المسلمين، يخفون كيدهم لدين الله ، ولسنة رسوله، ﷺ ، أو يخفون ضعفهم، بحذف الرواة الضعاف من السند، الأمر الذي لا يمكن معه أن يعرف نقاد الحديث ما إذا كان رواة الحديث تتوافر فيهم شروط الراوي مقبول الرواية أو لا. كما لا يمكنهم أن يعرفوا ما إذا كان الحديث قد انتقل بطرق صحيحة أو لا. ٤٩٦- ولذلك اتفقوا على أهمية السند المتصل في الحديث، لأنه يتيح لهم فرصة التفتيش عن رواته، ومعرفة العدول منهم من المجرحين، وكيف انتقل بين الرواة. ٤٩٧- ويقدم لنا الإمام يحيى بن سعيد القطان ما يبين بداية الاهتمام بالإسناد والبحث عن حلقات سلسلة الرواة، فيروى أن الربيع بن خشيم روى للشعبي حديثًا دون إسناد، فقال له الشعبي: من حدثك؟ قال: عمرو بن ميمون، فذهب إلى عمرو بن ميمون قال له: من حدثك؟ قال: أبو أيوب صاحب رسول الله ﷺ . قال يحيى بن سعيد: وهذا أول ما فتش عن الإسناد. ٤٩٨- وقد سبق أن ذكرنا قول ابن سيرين الذي يبين فيه أنهم سألوا عن الإسناد، ليعرف من كان من أهل السنة فيؤخذ حديثه، ومن كان

стр. 237

من أهل البدعة فيترك، وأن ذلك بعد أن وقعت الفتنة قبيل مقتل عثمان ﵁ وبعده. ٤٩٩- ويبين الإمام ابن المبارك فائدة أخرى للإسناد حين يقول: "لولا الإسناد لقال من شاء ما شاء". فالإسناد يجعل كثيرًا من الرواة يدركون أن محاولتهم لتزييف سنة رسول الله، ﷺ ستبوء بالفشل فيمنعهم ذلك من الإقدام عليها، خاصة وأن النقاد كانوا يفضحون أمرهم ويكشفون سترهم بكل ما أمكنهم من الوسائل كالإعلان عنهم على رءوس الأشهاد" أو استعداء السطان عليهم كما كان يفعل الإمام شعبة بن الحجاج ... ويصور هشام بن عروة جبن أحدهم وخوفه من أن يكشف من حدثه، فيقول: "إذا حدثت بحديث أنت منه في ثبت، فخالفك إنسان فقل: من حدثك بذا، فإن حدثت بحديث فخالفني فيه رجل، فقلت: هذا حدثني به أبي، فأنت من حدثك؟ ... فجف"١. ٥٠٠- ولهذا يصور الإمام ابن شهاب الزهري أهمية الإسناد للحديث، وأن رواية الحديث بلا إسناد ضرب من المحال، فيقول لابن عيينة، قد سأله عن حديث وقال له: هاته بلا إسناد-:"أترقى السطح بلا سلم؟! "٢. ٥٠١- وقد ذكر الإمام الشافعي، ﵁، أن مشروط صحة الخبر عن رسول الله ﷺ أن يكون متصل السند، فقال بعد أن ذكر شروط الراوي: "ويكون هكذا من فوقه ممن حدثه حتى ينتهي بالحديث موصولًا إلى النبي ﷺ أو إلى من انتهى به إليه دونه"٣. ٥٠٢- ولكن هناك مراسيل رأى بعض العلماء العمل بها والأخذ بها حجة؛ لأن رواتها عدول ومن رووا عنهم وأسقطوهم عدول أيضًا، فليس

стр. 238

هناك المعنى الذي يحتاج إليه من ذكر الإسناد متصلًا -على حين رأى البعض الآخر التمسك بالإسناد المتصل شرطًا في الحديث الصحيح، ومن هنا كان اختلافهم في حجية المرسل.

стр. 239

المرسل والاتجاهات في الأخذ به وتوثيقه وعدم الأخذ به: معنى المرسل: ٥٠٣- وقبل أن نبين اتجاهات العلماء في الأخذ بالمرسل أو عدمه ينبغي أن نعرف المرسل؛ لأن هذ المصطلح قد تغير مفهومه من حين لآخر، واتسعت دائرته في بعض الأوقات وضاقت في أوقات أخرى. ٥٠٤- والمرسل في عرف المتقدمين -وخاصة في القرنين الثاني والثالث الهجريين- هو ما انقطع إسناده، بأن يكون في رواته من لم يسمعه ممن فوقه، ومثله المنقطع. ٥٠٥- ويبدو هذا واضحًا في كلام الإمام الشافعي ومعاصريه ومن بعدهم من أهل القرن الثالث: يقول الإمام الشافعي: "وليس المنقطع بشيء ما عدا منقطع سعيد بن المسيب"١، وهو يريد بهذا المنقطع المرسل؛ لأنه يتكلم عن المراسيل. وفي أثناء كلامه في الرسالة عن المراسيل، ومتى يحتج بها سيتبين لنا بوضوح أنه يستعمل المرسل بالمعنى الواسع الذي يشتمل على كل منقطع.. وفي كلام علي بن المديني ما يبين أنه يطلق المراسيل على المنقطعات، فقد سئل عن حديث فقال: إسناده مرسل، رواه الحسن ومحمد بن سيرين عن ابن عباس٢. فالانقطاع هنا قبل الصحابي. ٥٠٦- وإذا قرأنا كتاب المراسيل لابن أبي حاتم الرازي تبين لنا أنهم يطلقون المرسل بهذا المعنى، وقد بنى عليه كتابه، فقال: "باب شرح المراسيل المروية عن النبي وعن أصحابه والتابعين ومن بعدهم"٣ سئل أبو زرعة الرازي عن المغيرة بن مسلم، عن عطاء، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ ، قال: "من أصبح مرضيًا لوالدته ... " الحديث،

стр. 240

فقال أبو زرعة: المغيرة لم يسمع من عطاء، مرسل١ ... ويقول أبو حاتم الرازي: مجاهد بن جبر عن عائشة مرسل٢. ويقول الإمام أحمد: عبد الملك ابن أبي بكر عن عمر "في زكاة الدين" مرسل٣. وسئل يحيى بن معين، سليمان بن أبي هند عن خباب مرسل؟ " شكونا إلى النبي ﷺ شدة الحر٤ "قال: نعم مرسل٥، وفي كتاب العلل لابن أبي حاتم نجد أن أبا زرعة أطلق المرسل على ما حذف من سنده أكثر من راو، وهو ما سمي "بالمعضل" أو "البلاغات"، بعد ذلك يقول ابن أبي حاتم: سمعت أبا زرعة وحدثنا بهذا الباب في "كتاب النكاح" بطريق معمر عن الزهري عن سالم عن أبيه قال: "أسلم غيلان بن سلمة وعنده عشر نسوة. فأمره النبي ﷺ أن يختار أربعًا". وحدثنا أبو زرعة عن عبد العزيز الأويسي، قال: حدثنا مالك عن ابن شهاب أنه قال: بلغني أن رسول الله ﷺ قال لرجل من ثقيف أسلم وعنده عشر نسوة: "أمسك أربعًا، وفارق سائرهن". فسمعت أبا زرعة يقول له: مرسل أصح٦". ويقول يحيى بن سعيد القطان: مرسلات ابن عيينة شبه الريح، ثم قال: أي والله، وسفيان ابن سعيد -يعني الثوري- قيل له: مرسلات مالك بن أنس؟ قال: هي أحب إليّ٧، ومعلوم أن مالكًا وابن عيينة والثوري جميعًا كانوا يرسلون بحذف جزء من السند أو السند كله، كما نشاهد ذلك واضحًا في الموطأ. وهذا المعنى هو ما استمر عليه عرف الفقهاء والأصوليين بعد ذلك. ٥٠٧- وقد رأى معظم المتأخرين بعد القرن الثالث أن المرسل هو ما رواه

стр. 241

التابعي عن النبي ﷺ ، وأن المنقطع هو ما أسقط من سنده راو واحد من دون التابعي، مثل أن يروي مالك بن أنس عن عبد الله بن عمر، أو سفيان الثوري عن جابر بن عبد الله، أو شعبة بن الحجاج عن أنس بن مالك ﵃ أجمعين١، وما أشبه ذلك. ٥٠٨- ويبدو أن هذا المعنى للمرسل لم يستقر عليه من بعد القرن الثالث، وإن ادعى الحاكم أن مشايخ الحديث لم يختلفوا فيه، لأن الخطيب -وهو في القرن الخامس- قدم التعريفين على أنهما مستعملان وإن كان أشار إلى أن أكثر الاستعمال للثاني٢. ٥٠٩- وقد خالف الحاكم ادعاءه بالإجماع هذا حينما قال: إن مشايخ أهل الكوفة يطلقون المرسل على من أرسل الحديث من التابعين وأتباع التابعين ومن بعدهم من العلماء٣ أي بالمعنى الأول. وحينما عرف المرسل مرة أخرى فقال: "هو قول الإمام التابعي أو تابع التابعي، قال رسول الله ﷺ ، وبينه وبين رسول الله قرن أو قرنان" ولا يذكر سماعه من الذي سمعه منه"٤. ٥١٠- ومنشأ هذا الاضطراب عند الحاكم أن المعنى الأول الذي استقر قبل القرن الرابع ظل سائرًا مع المعنى الثاني - كما نص على ذلك الخطيب. ٥١١- وإذا كنا نبحث عند علماء القرن الثاني فإننا سنأخذ المعنى الذي استقروا عليه وبنوا عليه آراءهم والذي يشمل المرسل والمنقطع والمعضل عند المتأخرين. مراسيل الصحابة: ٥١٢- والعلماء جميعًا وعلى الأقل في القرن الأول والثاني الهجريين يذهبون إلى أن الأحاديث المرسلة التي يرويها الصحابة الكبار والصغار

стр. 242

عن رسول الله ﷺ ولم يسمعوها منه إنما هي من قبيل الأحاديث الصحيحة والمحتج بها، فهي والمتصلة سواء، وذلك لأنهم عدول بتعديل الله لهم ومتثبتون في رواياتهم، فلا يخشى أن يحدثوا عن ضعيف أو كذاب. اللهم من أحضر إلى النبي ﷺ غير مميز، كعبيد الله بن عدي ابن الخيار، ومحمد بن أبي بكر، فإنه ولد عام حجة الوداع، فإن مرسله يأخذ حكم مراسيل غير الصحابة. ٥١٣- وقد رأى العلماء أن مرسل الصحابي حجة؛ لأن رواية الصحابة إما أن تكون عن النبي ﷺ ، أو عن صحابي آخر. والكل مقبول، واحتمال الصحابي الذي أدرك وسمع النبي ﷺ يروي عن التابعين بعيد جدًّا، بحذف مراسيل الصحابة الذين لم يميزوا إذا اعتبرناهم من الصحابة؛ لأنهم أخذوا عن التابعين بكثرة فاحتمال أن الساقط عندهم غير صحابي قوي، ويحتمل أن يكون غير الصحابي هذا غير ثقة١. وهناك أكثر من اتجاه في الاحتجاج بمرسل غير الصحابي وقبوله وعدم الاحتجاج به ورفضه في القرن الثاني الهجري، الذي نعنى بدراسته. الاتجاه الأول: ٥١٤- وهو قبول المرسل، وعلى رأس هذا الاتجاه الإمام مالك ﵁، فقد ساق في "الموطأ" الكثير من المراسيل التي احتج بها وقبلها ومنها: ١- ما رواه "عن زيد بن أسلم: أن رجلًا اعترف على نفسه بالزنا على عهد رسول الله ﷺ ، فدعا له رسول الله ﷺ بسوط، فأتي بسوط مكسور، فقال: "فوق هذا"، قأتي بسوط قد ركب به "ذهبت عقدة طرفه ولان"، فأمر به رسول الله ﷺ فجلد، ثم قال: "أيها الناس قد آن لكم أن تنتهوا عن حدود الله، من أصاب من

стр. 243

هذه القاذورات شيئًا، فليستتر بستر الله، فإن من يبدي لنا صفحته نقم عليه كتاب الله". ومنها: ٢- حديث الشاهد واليمين رواه مالك هكذا: "عن جعفر بن محمد عن أبيه أن رسول الله ﷺ قضى باليمين مع الشاهد"١. ٥١٥- يقول الشيخ محمد أبو زهرة -رحمة الله عليه- معقبًا على هذا الحديث: "ونرى السند فيه فقط جعفر الصادق بن محمد بن علي زين العابدين، والصحابي بيقين ليس فيه، فهو مرسل لم يذكر فيه الصحابي على أقوى الفروض، ومع ذلك أخذ به مالك ﵁، واعتبره"٢. والحديث فعلًا مرسل كما يقول أستاذنا إلا أن في السند غير جعفر أباه كما هو واضح من نص الحديث في "الموطأ" وما ذكره الشيخ وذكرته هنا. ٣- ومن هذا الحديث الذي يحكي ما صنعه النبي ﷺ مع أهل خيبر، يقول مالك: "عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب أن رسول الله ﷺ قال ليهود خيبر، يوم افتتح خيبر: "أقركم فيها ما أقركم الله ، على أن الثمر بيننا وبينكم" ٣. ٥١٦- وقد أكثر الإمام مالك من المراسيل التي سميت فيما بعد بالبلاغات يقول في متعة الطلاق. "أنه بلغه أن عبد الرحمن بن عوف طلق امرأة له، فمتع بوليدة"٤. وهو في هذا اعتمد في إخباره عن عبد الرحمن بن عوف الصحابي

стр. 244

رضي الله عنه بلاغ بلغه "ولم يذكر من الذي بلغ، ولم يذكر السند إلى عبد الرحمن بن عوف ﵁"١. ٥١٧- وليس معنى قبول مالك للمراسيل عدم اهتمامه بالسند وأنه لا قيمة له عنده، أو عدم اهتمامه بتوثيق الحديث إلى رسول الله ﷺ ... كلا فهو المتشدد في قبول الأخبار، وقد مضى شيء من تشدده هذا، ولكنه يعتمد علىتوثيق من يأخذ عنه هذا المرسل، وثقته فيه، ومتى حدث ذلك وكان وفق مقاييسه النقدية، فإنه يطمئن إلى حديثه ويثق فيه، "فالتشدد في الاختيار هو سبب الاطمئنان وقبول الإرسال"٢. ومن أجل هذا رأى من بعده أن هذه المراسيل التي دونها في "الموطأ" إنما هي في حقيقتها أحاديث مسندة إلا القليل النادر منها، والذي لا يتجاوز أربعة أحاديث٣. ٥١٨- ويقول القرافي مبينًا حجة من يقبلون المراسيل: إن سكوت المرسل مع عدالته، وعلمه أن روايته يترتب عليها شرع عام "ليقتضي ذلك أنه ما سكت عنه إلا وقد جزم بعدالته، فسكوته كإخباره بعدالته، وهو لو زكاه عندنا قبلنا تزكيته وقبلنا روايته، فكذلك سكوته عنه حتى قال بعضهم: إن المرسل أقوى من المسند بهذا الطريق؛ لأن المرسل قد تذمم الراوي وأخذه في ذمته عند الله تعالى، وذلك يقتضي وثوقه بعدالته، وأما إذا أسند فقد فوض أمره للسامح ينظر فيه، ولم يتذممه، فهذه الحالة أضعف من الإرسال"٤.

стр. 245

٥١٩- ونقل السيوطي عن ابن جرير أن التابعين قد أجمعوا بأسرهم على قبول المرسل، ولم يأت عنهم إنكاره، ولا عن أحد من الأئمة بعدهم على رأس المائتين١ -وإذا كان ابن جرير قد انتقد في هذا، لأن هناك من لم يقبل المرسل في القرنين الأول والثاني، كسعيد بن المسيب وابن شهاب الزهري٢- فإنه يبقى مسلمًا به أن الأكثرية قد قبلت المرسل وعملت به في أواخر القرن الأول والنصف الأول من الثاني، ولم يكن مالك شاذًّا في هذا. ٥٢٠- ولكن مالكًا قد رفض بعض المراسيل مما جعل البعض يعيد، من الذين يرفضون المرسل، ومن هذا البعض الإمام الحاكم النيسابوري٣، ومما جعل البعض -من ناحية أخرى- يهاجمه ويصفه بالتناقض؛ لأنه يأخذ بالمرسل ثم يترك بعض المراسيل، كابن حزم الذي يقول: إن مالكًا ترك حديث الوضوء من الضحك في الصلاة مع أنه يأخذ بالمراسيل٤. ٥٢١- والحق أن الإمام مالكًا قبل المرسل بشروط خاصة، قد أشرنا إليها وبها يطمئن إلى أن هذا المرسل مثل المسند، ولكن بدون هذه الشروط يرفض المرسل كما يرفض المسند في بعض الأحيان على الرغم من اتصاله، وهو لا يرفضه هذا وذاك لأنه مرسل أو مسند؛ بل لأنه لا تتوافر فيه الثقة في رواية أو مرسله. وابن حزم متجن في هذا الهجوم؛ لأنه لا يستطيع أحد أن يقول: إنه ما دام العلماء يأخذون بالمسانيد فينبغي أن يأخذوا بها جميعًا، وكذلك الأمر هنا؛ لأن هناك من المقاييس الأخرى التي يجب أن تراعى في الخبر مرسلًا أو غير مرسل.

стр. 246

٥٢٢- وربما رفض مالك "حديث القهقهة" لأنه كان موضع شك من الفقهاء والمحدثين؛ لأن مداره كان على أبي العالية؛ قام خراساني إلى عبد الرحمن بن مهدي -وكان أعلم الناس بحديث القهقهة- فقال: يا أبا سعيد، حديث رواه الحسن عن النبي ﷺ : "من ضحك في الصلاة فليعد الوضوء والصلاة". فقال عبد الرحمن: هذا لم يروه إلا حفصة بنت سيرين، عن أبي العالية، عن النبي ﷺ . فقال له: من أين قلت؟ قال: إذا أتيت الصراف بدينار، فقال لك: هو بهرج تقدر أن تقول له: من أين قلت؟.. قلت: نفسره لنا "قال: إن هذا الحديث لم يروه إلا حفصة بنت سيرين، عن أبي العالية، عن النبي ﷺ . فسمعه هشام بن حسام من حفصة وكتان في الدرا معها، فحدث به هشام الحسن، فحدث به الحسن، فقال: قال رسول الله ﷺ . قال: فمن أين سمعها الزهري؟ قال: كان سليمان بن أرقم يختلف إلى الحسن، وإلى الزهري فسمعه من الحسن، فذاكر به الزهري، فقال الزهري: قال رسول الله ﷺ مثله١. ٥٢٣- أرأيت كيف شاع الاضطراب في رواية هذا الحديث وخفيت ظروف روايته وملابساتها؟!.. هذا بالإضافة إلى أن الزهري كان يقول: "لا وضوء في القهقهة". فقال الدارقطني: فلو كان هذا صحيحًا لما أفتى بخلافه٢. وقد تكلم الناس في أبي العالية وفي مراسيله، قال ابن سيرين: لا تأخذوا بمراسيل الحسن، ولا أبي العالية، وما حدثتموني لا تحدثوني عن رجلين من أهل البصرة: عن أبي العالية والحسن، فإنهما كانا لا يباليان عمن أخذا حديثهما.. وقال مرة أخرى: أربعة يصدقون من حدثهم، فلا يبالون ممن يسمعون: الحسن وأبو العالية وحميد بن هلال، وأنس بن سيرين٣.

стр. 247

فلكل هذا وغيره يرفض الإمام مالك بعض المراسيل، كما يترك بعض المسانيد، شأنه في ذلك شأن المستوثقين مما يحملون، المحتاطين فيما يأخذون. ٥٢٤- وقد أخذ ابن حزم على مالك أيضًا أنه ترك حديثًا مرسلًا رواه عن عروة بن الزبير "أن النبي ﷺ صلى في مرضه الذي مات فيه جالسًا والناس قيام"١. ٥٢٥- والحديث كما رواه الإمام مالك في "الموطأ": "عن هشام بن عروة، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ ، خرج في مرضه، فأتى، فوجد أبا بكر، وهو قائم يصلي بالناس، فاستأجر أبو بكر، فأشار إليه رسول الله ﷺ : أن كما أنت: فجلس رسول الله ﷺ ، إلى جنب أبي بكر، فكان أبو بكر يصلي بصلاة رسول الله ﷺ ، وهو جالس، وكان الناس يصلون بصلاة أبي بكر"٢. ٥٢٦- والحديث مرسل -كما يقول ابن حزم-.. وعلى احتمال أن مالكًا لم يأخذ به، فعنده من الأسباب لذلك غير كونه مرسلًا. أولًا: أن عنده من الأحاديث المتصلة ما يتعارض مع هذا الحديث، وقد ذكرها في "الموطأ" قبل رواية هذا الحديث المرسل. الأول: رواه مالك عن ابن شهاب الزهري، عن أنس بن مالك: "أن رسول الله ﷺ ركب فرسًا فصرع، فجحش شقة الأيمن "خدش أو فوق الخدش" فصلى صلاة من الصلوات، وهو قاعد، وصلينا وراءه قعودًا، فلما انصرف قال: "إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا صلى قائمًا فصلوا قيامًا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد، وإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا أجمعين" ٣.

стр. 248

والثاني: رواه مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة زوج النبي ﷺ ، أنها قالت: صلى الرسول ﷺ وهو شاك، فصلى جالسًا، وصلى وراءه قوم قيامًا، فأشار إليهم أن أجلسوا، فلما انصرف قال: "إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا" ١. وهذا السند هو نفسه سند الحديث المرسل إلا أنه وصل بعائشة وربما كان هذا هو مصدر شك مالك في الحديث المرسل الذي تركه. ثانيًا: أن هناك من الصحابة من أفتى بجلوس المأمومين خلف الإمام الجالس، كجابر بن عبد الله، وأبي هريرة، وأسيد بن حضير، وقيس ابن فهد، ويقول ابن حبان: إنه "لم يرو عن غيرهم من الصحابة خلاف هذا بإسناد متصل ولا منقطع، فكان إجماعًا، والإجماع عندنا إجماع الصحابة وقد أفتى به من التابعين: جابر بن زيد، ولم يرو عن غيره من التابعين خلافه بإسناد صحيح ولا واه، فكان إجماعًا من التابعين أيضًا، وأول من أبطل ذلك في الأمة المغيرة بن مقسم، وأخذ عنه حماد بن أبي سليمان ثم أخذ عن حماد أبو حنيفة، ثم عنه أصحابه٢. ٥٢٧- وإذا كنا -مع الأستاذ أحمد شاكر، عليه رحمة الله -لا نرضى من ابن حبان ادعاءه الإجماع؛ لأنه لا دليل عليه، إذ السكوت عن الشيء ليس معناه الأخذ به، "ولا ينسب إلى ساكت قول قائل ولا عمل عامل" -كما قال الإمام الشافعي٣- فإننا نرى أنه ليس من شك في أن الإمام مالكًا قد بلغه عمل بعض الصحابة وفتواهم في هذا الأمر، فأيد به الأحاديث المتصلة وترك من أجلها الحديث المرسل. ٥٢٨- والحق أن قبول مالك للمراسيل على هذا النحو كان استجابة لعصره الذي كانت تكثر فيه المراسيل؛ لأن التابعين قد سمع كل واحد منهم

стр. 249

العديد من الصحابة، ويجد مشقة في إحصاء من سمع منهم هذا الحديث أو ذاك، روي عن الحسن البصري أنه كان يقول: "إذا اجتمع أربعة من الصحابة على حديث أرسلته إرسالًا" وروي عنه أيضًا قوله: متى قلت لكم: حدثني فلان فهو حديثه لا غير، ومتى قلت: قال رسول الله ﷺ فقد سمعته من سبعين أو أكثر، كما روي عن الأعمش أنه قال: قلت لإبراهيم: إذا رويت لي حديثًا عن عبد الله فأسنده لي، فقال: إذا قلت: حدثني فلان عن عبد الله فهو الذي روى لي ذلك، وإذا قلت: قال عبد الله، فقد رواه لي غير واحد. وقال رجل للحسن: يا أبا سعيد، إنك تحدثنا فتقول: قال رسول الله ﷺ ، فلو كنت تسنده لنا إلى من حدثك؟ ... فقال الحسن: أيها الرجل، ما كذبنا، ولا كذبنا، ولقد غزونا غزوة إلى خراسان، ومعنا فيها ثلاثمائة من أصحاب محمد ﷺ "١. ٥٢٩- ومهما يكن من شيء فقد اجتهد الإمام مالك في هذا العصر على أن يحمل الكثير من الأحاديث المسندة على الرغم من هذه الظروف ولم يحمل من المرسل إلا القليل بالنسبة لغيره، يقول أحمد بن صالح: "ثلث حديث مالك مسند، وليست هذه المنزلة لأحد من نظرائه"٢. الاتجاه الثاني: ٥٣٠- وهو قريب من الاتجاه الأول، ويكاد يتطابق معه، مع امتداد له آخر بقدر امتداد مدرسة الأحناف -صاحبة هذا الاتجاه- التي قام رجال فيها غير أبي حنيفة ببنائها بعد زمن مالك وأبي حنيفة، ومن هنا نشأ هذا الامتداد الذي تغيرت صورته عما رآه مالك في حجية المراسيل. ٥٣١- يقبل الأحناف مراسيل الصحابة -كغيرهم- والتابعين وتابعيهم، أو مراسيل أهل القرون الثلاثة الأولى -كما يعبر مؤلفوا أصولهم٣.

стр. 250

وهم في هذا يتطابق اتجاههم مع اتجاه مالك وأكثر التابعين وتابعي التابعين، لأنهم كانوا يواجهون هذه المراسيل ويقولون بحجيتها ... وامتدت هذه المدرسة إلى مشارف القرن الثالث فكان لهم رأي فيما بعد أهل القرون الثلاثة هذه، وهذا ما يميز اتجاه هذه المدرسة عن الاتجاه الأول، ومن يدري لو كان الله قد قيض لمدرسة مالك نفس هذه القوة إلى ذلك الحين؟، ربما كانوا قد ذهبوا إلى ما ذهبت إليه هذه المدرسة. ٥٣٢- ويبدو أن أبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا قد قالوا بما قال به مالك، بدليل أن محمدًا مثلًا يعتمد على ما أرسله، وهو من أهل القرن الرابع١ "١٨٩ هـ" وفي "الموطأ" الذي رواه عن مالك يقول: "بلغنا عن عمار بن ياسر أنه أغمي عليه أربع صلوات ثم أفاق فقضى صلاته"٢ وأخذ بهذا، ويقول: "بلغنا أن النبي ﷺ قال في السيرين جميعًا: "عليكم بالسكينة" حين أفاض من عرفه، وحين أفاض من المزدلفة"٣. والمراد بالسيرين: سير العنق الذي هو بين الإبطاء، والإسراع، والنص وهو أرفع من العنق. ويقول في هذا الباب: "بلغنا أنه قال ﷺ : "عليكم بالسكينة فإن البر ليس بإيضاع الإبل وإيجاف الخيل" فبهذا نأخذ٤. ٥٣٣- ووضع أساس تحديد القرون الثلاثة -على ما أعلم- عيسى بن أبان الذي عاش جزءًا من القرن الثالث الهجري "٢٢٠ هـ" ورأى أن
следующие страницы →