← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 22872

توثيق السنة في القرن الثاني الهجري أسسه واتجاهاته

رفعت بن فوزي عبد المطلب

Полный текст (432 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

٥٢٢- وربما رفض مالك "حديث القهقهة" لأنه كان موضع شك من الفقهاء والمحدثين؛ لأن مداره كان على أبي العالية؛ قام خراساني إلى عبد الرحمن بن مهدي -وكان أعلم الناس بحديث القهقهة- فقال: يا أبا سعيد، حديث رواه الحسن عن النبي ﷺ : "من ضحك في الصلاة فليعد الوضوء والصلاة". فقال عبد الرحمن: هذا لم يروه إلا حفصة بنت سيرين، عن أبي العالية، عن النبي ﷺ . فقال له: من أين قلت؟ قال: إذا أتيت الصراف بدينار، فقال لك: هو بهرج تقدر أن تقول له: من أين قلت؟.. قلت: نفسره لنا "قال: إن هذا الحديث لم يروه إلا حفصة بنت سيرين، عن أبي العالية، عن النبي ﷺ . فسمعه هشام بن حسام من حفصة وكتان في الدرا معها، فحدث به هشام الحسن، فحدث به الحسن، فقال: قال رسول الله ﷺ . قال: فمن أين سمعها الزهري؟ قال: كان سليمان بن أرقم يختلف إلى الحسن، وإلى الزهري فسمعه من الحسن، فذاكر به الزهري، فقال الزهري: قال رسول الله ﷺ مثله١. ٥٢٣- أرأيت كيف شاع الاضطراب في رواية هذا الحديث وخفيت ظروف روايته وملابساتها؟!.. هذا بالإضافة إلى أن الزهري كان يقول: "لا وضوء في القهقهة". فقال الدارقطني: فلو كان هذا صحيحًا لما أفتى بخلافه٢. وقد تكلم الناس في أبي العالية وفي مراسيله، قال ابن سيرين: لا تأخذوا بمراسيل الحسن، ولا أبي العالية، وما حدثتموني لا تحدثوني عن رجلين من أهل البصرة: عن أبي العالية والحسن، فإنهما كانا لا يباليان عمن أخذا حديثهما.. وقال مرة أخرى: أربعة يصدقون من حدثهم، فلا يبالون ممن يسمعون: الحسن وأبو العالية وحميد بن هلال، وأنس بن سيرين٣.

стр. 247

فلكل هذا وغيره يرفض الإمام مالك بعض المراسيل، كما يترك بعض المسانيد، شأنه في ذلك شأن المستوثقين مما يحملون، المحتاطين فيما يأخذون. ٥٢٤- وقد أخذ ابن حزم على مالك أيضًا أنه ترك حديثًا مرسلًا رواه عن عروة بن الزبير "أن النبي ﷺ صلى في مرضه الذي مات فيه جالسًا والناس قيام"١. ٥٢٥- والحديث كما رواه الإمام مالك في "الموطأ": "عن هشام بن عروة، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ ، خرج في مرضه، فأتى، فوجد أبا بكر، وهو قائم يصلي بالناس، فاستأجر أبو بكر، فأشار إليه رسول الله ﷺ : أن كما أنت: فجلس رسول الله ﷺ ، إلى جنب أبي بكر، فكان أبو بكر يصلي بصلاة رسول الله ﷺ ، وهو جالس، وكان الناس يصلون بصلاة أبي بكر"٢. ٥٢٦- والحديث مرسل -كما يقول ابن حزم-.. وعلى احتمال أن مالكًا لم يأخذ به، فعنده من الأسباب لذلك غير كونه مرسلًا. أولًا: أن عنده من الأحاديث المتصلة ما يتعارض مع هذا الحديث، وقد ذكرها في "الموطأ" قبل رواية هذا الحديث المرسل. الأول: رواه مالك عن ابن شهاب الزهري، عن أنس بن مالك: "أن رسول الله ﷺ ركب فرسًا فصرع، فجحش شقة الأيمن "خدش أو فوق الخدش" فصلى صلاة من الصلوات، وهو قاعد، وصلينا وراءه قعودًا، فلما انصرف قال: "إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا صلى قائمًا فصلوا قيامًا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد، وإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا أجمعين" ٣.

стр. 248

والثاني: رواه مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة زوج النبي ﷺ ، أنها قالت: صلى الرسول ﷺ وهو شاك، فصلى جالسًا، وصلى وراءه قوم قيامًا، فأشار إليهم أن أجلسوا، فلما انصرف قال: "إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا" ١. وهذا السند هو نفسه سند الحديث المرسل إلا أنه وصل بعائشة وربما كان هذا هو مصدر شك مالك في الحديث المرسل الذي تركه. ثانيًا: أن هناك من الصحابة من أفتى بجلوس المأمومين خلف الإمام الجالس، كجابر بن عبد الله، وأبي هريرة، وأسيد بن حضير، وقيس ابن فهد، ويقول ابن حبان: إنه "لم يرو عن غيرهم من الصحابة خلاف هذا بإسناد متصل ولا منقطع، فكان إجماعًا، والإجماع عندنا إجماع الصحابة وقد أفتى به من التابعين: جابر بن زيد، ولم يرو عن غيره من التابعين خلافه بإسناد صحيح ولا واه، فكان إجماعًا من التابعين أيضًا، وأول من أبطل ذلك في الأمة المغيرة بن مقسم، وأخذ عنه حماد بن أبي سليمان ثم أخذ عن حماد أبو حنيفة، ثم عنه أصحابه٢. ٥٢٧- وإذا كنا -مع الأستاذ أحمد شاكر، عليه رحمة الله -لا نرضى من ابن حبان ادعاءه الإجماع؛ لأنه لا دليل عليه، إذ السكوت عن الشيء ليس معناه الأخذ به، "ولا ينسب إلى ساكت قول قائل ولا عمل عامل" -كما قال الإمام الشافعي٣- فإننا نرى أنه ليس من شك في أن الإمام مالكًا قد بلغه عمل بعض الصحابة وفتواهم في هذا الأمر، فأيد به الأحاديث المتصلة وترك من أجلها الحديث المرسل. ٥٢٨- والحق أن قبول مالك للمراسيل على هذا النحو كان استجابة لعصره الذي كانت تكثر فيه المراسيل؛ لأن التابعين قد سمع كل واحد منهم

стр. 249

العديد من الصحابة، ويجد مشقة في إحصاء من سمع منهم هذا الحديث أو ذاك، روي عن الحسن البصري أنه كان يقول: "إذا اجتمع أربعة من الصحابة على حديث أرسلته إرسالًا" وروي عنه أيضًا قوله: متى قلت لكم: حدثني فلان فهو حديثه لا غير، ومتى قلت: قال رسول الله ﷺ فقد سمعته من سبعين أو أكثر، كما روي عن الأعمش أنه قال: قلت لإبراهيم: إذا رويت لي حديثًا عن عبد الله فأسنده لي، فقال: إذا قلت: حدثني فلان عن عبد الله فهو الذي روى لي ذلك، وإذا قلت: قال عبد الله، فقد رواه لي غير واحد. وقال رجل للحسن: يا أبا سعيد، إنك تحدثنا فتقول: قال رسول الله ﷺ ، فلو كنت تسنده لنا إلى من حدثك؟ ... فقال الحسن: أيها الرجل، ما كذبنا، ولا كذبنا، ولقد غزونا غزوة إلى خراسان، ومعنا فيها ثلاثمائة من أصحاب محمد ﷺ "١. ٥٢٩- ومهما يكن من شيء فقد اجتهد الإمام مالك في هذا العصر على أن يحمل الكثير من الأحاديث المسندة على الرغم من هذه الظروف ولم يحمل من المرسل إلا القليل بالنسبة لغيره، يقول أحمد بن صالح: "ثلث حديث مالك مسند، وليست هذه المنزلة لأحد من نظرائه"٢. الاتجاه الثاني: ٥٣٠- وهو قريب من الاتجاه الأول، ويكاد يتطابق معه، مع امتداد له آخر بقدر امتداد مدرسة الأحناف -صاحبة هذا الاتجاه- التي قام رجال فيها غير أبي حنيفة ببنائها بعد زمن مالك وأبي حنيفة، ومن هنا نشأ هذا الامتداد الذي تغيرت صورته عما رآه مالك في حجية المراسيل. ٥٣١- يقبل الأحناف مراسيل الصحابة -كغيرهم- والتابعين وتابعيهم، أو مراسيل أهل القرون الثلاثة الأولى -كما يعبر مؤلفوا أصولهم٣.

стр. 250

وهم في هذا يتطابق اتجاههم مع اتجاه مالك وأكثر التابعين وتابعي التابعين، لأنهم كانوا يواجهون هذه المراسيل ويقولون بحجيتها ... وامتدت هذه المدرسة إلى مشارف القرن الثالث فكان لهم رأي فيما بعد أهل القرون الثلاثة هذه، وهذا ما يميز اتجاه هذه المدرسة عن الاتجاه الأول، ومن يدري لو كان الله قد قيض لمدرسة مالك نفس هذه القوة إلى ذلك الحين؟، ربما كانوا قد ذهبوا إلى ما ذهبت إليه هذه المدرسة. ٥٣٢- ويبدو أن أبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا قد قالوا بما قال به مالك، بدليل أن محمدًا مثلًا يعتمد على ما أرسله، وهو من أهل القرن الرابع١ "١٨٩ هـ" وفي "الموطأ" الذي رواه عن مالك يقول: "بلغنا عن عمار بن ياسر أنه أغمي عليه أربع صلوات ثم أفاق فقضى صلاته"٢ وأخذ بهذا، ويقول: "بلغنا أن النبي ﷺ قال في السيرين جميعًا: "عليكم بالسكينة" حين أفاض من عرفه، وحين أفاض من المزدلفة"٣. والمراد بالسيرين: سير العنق الذي هو بين الإبطاء، والإسراع، والنص وهو أرفع من العنق. ويقول في هذا الباب: "بلغنا أنه قال ﷺ : "عليكم بالسكينة فإن البر ليس بإيضاع الإبل وإيجاف الخيل" فبهذا نأخذ٤. ٥٣٣- ووضع أساس تحديد القرون الثلاثة -على ما أعلم- عيسى بن أبان الذي عاش جزءًا من القرن الثالث الهجري "٢٢٠ هـ" ورأى أن

стр. 251

المجتمع قد تغير ولم يكن كما كان عليه أهل القرون الثلاثة الأولى، إلا أهل العلم الذين حافظوا على دينهم واهتمامهم بالحديث، ولهذا قال: تقبل مراسيل أهل القرون الثلاثة وأهل العلم من غيرهم. ويقول السرخسي: "وكان عيسى بن أبان ﵀ يقول: من اشتهر في الناس بحمل العلم منه تقبل روايته، مرسلًا ومسندًا، وإنما يعني به محمد الحسن ﵀ وأمثاله من المشهورين بالعلم، ومن لم يشتهر بحمل الناس العلم منه مطلقًا وإنما اشتهر بالرواية عنه، فإن مسنده يكون حجة ومرسله يكون موقوفًا إلى أن يعرض على من اشتهر بحمل العلم عنه"، وضع عيسى ابن أبان بهذا الأساس في أن هناك من المراسيل من لا تقبل. ثم جاء أبو بكر الرازي "٣٧٠ هـ" فحدد القرون الثلاثة بقبول مرسلها، وما بعدها لا يقبل إلا عمن هو عدل ثقة، يقول السرخسي: وأصح الأقاويل في هذا ما قال أبو بكر الرازي ﵁ أن مرسل من كان من القرون الثلاثة حجة ما لم تعرف منه الرواية مطلقًا عمن ليس بعدل ثقة، ومرسل من كان بعدهم لا يكون حجة، إلا إذا اشتهر مرسله بأنه لا يروى إلا عمن هو عدل ثقة؛ لأن النبي ﷺ شهد للقرون الثلاثة بالصدق والخيرية، فكانت عدالتهم ثابتة بتلك الشهادة ما لم يتبين خلافها. ٥٣٤- وهذا لا يمنع أن بعض الأحناف المتقدمين إلى حد ما مثل أبي الحسن الكرخي "٣٤٠ هـ" يظلون على قبول المرسل مثل المسند دون قيد زمني "فمن تقبل روايته مسندًا تقبل روايته مرسلًا" فهو "لا يفرق بين مراسيل أهل الأعصار"١. ٥٣٥- وحجة الأحناف: ١- أن الصحابة رضوان الله عليهم قد اتفقوا على قبول المرسل، فقبلوا روايات ابن عباس ﵄ مع أنه لم يسمع من النبي صلى

стр. 252

الله عليه وسلم إلا أربعة أحاديث لصغر سنه، ويقال: بضعة عشر حديثًا، فقد أرسل الرواية عن النبي ﷺ من غير سماع منه في كثير من الأحاديث، ومما من ذلك "أن النبي ﷺ كان يلبي حتى رمى جمرة العقبة يوم النحر". وإنما سمع ذلك من أخيه الفضل.. والنعمان ابن بشير ما سمع إلا حديثًا واحدًا من رسول الله ﷺ وهو: "إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح سائر جسده، وإذا فسدت فسد سائر جسده ألا وهي القلب". ثم كثرت روايته عن رسول الله ﷺ مرسلًا، وأبو هريرة ﵁ روى عن النبي ﷺ : "من أصبح جنبًا فلا صوم له" ولما أنكرت ذلك عائشة، ﵂، قال: هي أعلم، حدثني به الفضل بن عباس ﵄، فقد أرسل الرواية عن النبي، ﷺ من غير سماع منه١. وروى ابن عمر ﵄: "من صلى على جنازة فله قيراط" الحديث. ثم أسنده إلى أبي هريرة. وقال البراء بن عازب، ﵁: ما كل ما نحدث سمعناه من رسول الله ﷺ ، وإنما حدثنا عنه، لكنا لا نكذب. "ولما أرسل هؤلاء، وقبل والصحابة مراسيلهم، ولم يرو عن أحد منهم إنكار ذلك، صار ذلك إجماعًا منهم على جواز ذلك ووجوب قبوله"٢. ٢- وإذا انتقلنا إلى التابعين وجدنا الحسن وسعيد بن المسيب، ﵄ وغيرهما من أئمة التابعين كانوا كثيرًا ما يروون مرسلًا. وقد كان إعلانهم عن أنهم يرسلون الحديث الواحد عن أكثر من صحابي سببًا في قول عيسى بن أبان: المرسل أقوى من المسند، "فإن من اشتهر عنده حديث بأن سمعه بطرق طوى الإسناد لوضوح الطريق عنده، وقطع الشهادة بقوله: قال رسول الله ﷺ "٣.

стр. 253

وقد يقال: إن قبول مراسيل الصحابة إنما هو لثبوت عدالتهم، وهذا غير موجود في غيرهم: لوجود الكذب في عصر التابعين وتابعيهم. ويجيب الأحناف بأنه لا فرق بين صحابي يرسل وتابعي يرسل؛ لأن عدالتهم ثبتت بشهادة الرسول ﷺ للقرون الثلاثة، وخاصة إذا كان الإرسال من وجوه التابعين، مثل عطاء بن رباح من أهل مكة، وسعيد بن المسيب من أهل المدينة، ومثل الشعبي والنخعي من أهل الكوفة، وأبي العالية والحسن من أهل البصرة، ومكحول من أهل الشام، فإنهم كانوا يرسلون ولا يظن بهم إلا الصدق١. ولا يقال: إن هؤلاء الكبار ربما سمعوا من غير العدول، ولم يبينوا حالهم - لأنه لا يظن بهم فعل هذا، فإن من يستجيز الرواية ممن يعرفه غير عدل من غير بيان لا تقبل روايته مرسلًا ولا مسندًا٢. كما لا يقال -أيضًا- إنهم رأوا أن الإسناد لا تقوم به الحجة فحذفوه لأن القول بهذا معناه أنهم كتموا موضع الحجة بترك الإسناد مع علمهم أن الحجة لا تقوم بدونه. "فتعيين أنهم اعتقدوا أن المرسل حجة كالمسند، وكفى باتفاقهم حجة"٣. ٣- أن التابعين أرسلوا وملئوا كتبهم بالمراسيل، ولم يروا أن أحدًا من الأمة أنكر عليهم ذلك، فكان ذلك إجماعًا منهم على قبوله"٤. ٤- على أننا إذا عدلنا الراوي، ونفينا عنه الكذب في كلام الناس، فمن غير المعقول أن يكذب على رسول الله، ﷺ ، ويحدث عنه

стр. 254

بإسناد هو منقطع "والمعتاد من الأمر أن العدل إذا وضح له الطريق واستبان له الإسناد طوى الأمر وعزم عليه، فقال: قال رسول الله، ﷺ ، وإذا لم يتضح له الأمر نسبه إلى من سمعه؛ لتحمله ما تحمل عنه١". ٥- أن كثيرًا من السنن روي مرسلًا، فترك هذه المراسيل تعطيل لكثير من السنن التي يحتاج إليها الفقهاء لبيان الأحكام الشرعية بأدلة من السنة٢. ٥٣٦- وكان من الطبيعي أن يذهب الأحناف -كغيرهم- إلى أن المسند أرجح من المرسل؛ لتحقيق المعرفة برواة المسند وعدالتهم، دون رواة المرسل "ولا شك أن رواية من عرفت عدالته أولى ممن لا تعرف عدالته ولا نفسه"٣. ٥٣٧- ولم يشذ منهم إلا عيسى بن أبان ومن تبعه من بعض المتأخرين، قالوا بأن المرسل أقوى من المسند؛ لأن المرسل قد سمعه بطرق كثيرة -كما سبق أن ذكرنا- ولأن المرسل ينطوي على حكم مرسله بصحة الحديث بخلاف ما إذا أسند فإنه لم يعزم الأمر، وإنما تركه لك، وأحالك عليه؛ لتتبين ما إذا كان صحيحًا أو غير صحيح٤. ٥٣٨- لكنه ليس مثل "المشهور" من الأحاديث الذي تجوز به الزيادة على الكتاب -كما سبق أن ذكرنا٥- بل هو في مرتبة أدنى منه؛ لأن هذه الميزة التي ثبتت للمراسيل، وهي كونها أعلى من المسند -إنما ثبتت لها اجتهادًا ورأيًا، فتكون مثل قوة ثبتت بالقياس، وقوة المشهور ثبتت بالتنصيص، وما ثبت بالتنصيص فوق ما ثبت بالرأي، فلا يكون المرسل مثل المشهور٦.

стр. 255

الاتجاه الثالث: ٥٣٩- هذا الاتجاه وقف موقفًا وسطًا، فلم يقبل كل المراسيل الصحيحة كما رأى الاتجاه الأول والثاني تقريبًا، ولم يرفض كل المراسيل كما رأى الاتجاه الرابع والأخير الذي سنتعرف عليه بعد قليل -إن شاء الله . ٥٤٠- وهو يرى أن هناك مراسيل جديرة بالقبول؛ لأن هناك من الدلائل والشواهد على صحتها، وأن هناك مراسيل ينبغي رفضها أو التوقف في قبولها؛ لعدم وجود هذه الدلائل التي تدعو إلى الاطمئنان إليها، ويكون قبولها نوعًا من المجازفة؛ لأن رواتها تأكد فعلًا أنهم يروون عن الضعاف. وعلى هذا فقد قبل المراسيل، التي تتوافر فيها شروط ميعنة، ورفض غيرها. ٥٤١- وعلى رأس هذا الاتجاه، بل وصانعه -الإمام الشافعي، ﵁. وهو يرى أن المرسل ينقسم إلى قسمين: أحدهما: مرسل كبار التابعين الذين شاهدوا أصحاب رسول الله ﷺ ، وكثرت مشاهدتهم لهم. ثانيهما: مرسل غيرهم أو مرسل من بعد كبار التابعين، كما يعبر الإمام الشافعي. ٥٤٢- أما القسم الأول "مرسل كبار التابعين" فإنه يقبل في حالات منها: ١- أن يشركه الحفاظ المأمونون، فأسندوه إلى رسول الله، ﷺ ، ويكفي أن يوافقوه في معنى ما روى فقط، فإن وجد ذلك كان دلالة على أن من أخذ عنه المرسل قد حفظه وضبطه وبالتالي فهو صحيح. ٥٤٣- ويقول ابن الصلاح إن هذا هو سبب احتجاج الشافعي ﵁، بكثير من مرسلات سعيد بن المسيب، ﵁، فإنها وجدت

стр. 256

مسانيد من وجو أخر، فكانت مأخوذة عن أبي هريرة؛ لما بينهما من الصلة والتصاهر. وهذا لا يمنع أن هناك مرسلات لابن المسيب لم يقبلها لعدم انضمام إليها ما يقويها. ولا يختص ذلك بإرسال ابن المسيب، فهناك مراسيل لغيره قبلها١. ٥٤٤- وإذا كان البعض قد أنكر أن يكون الشافعي قد أخذ بمراسيل ابن المسيب وإنما هو أخذ بالمسانيد التي أتت من طرق أخرى؛ فإن ابن الصلاح قد رد عليه بقوله: إن بالمسند تتبين صحة الإسناد الذي فيه الإرسال، حتى يحكم له مع إرساله بأنه صحيح تقوم به الحجة وبالتالي يحكم على المتن بأنه صحيح، وهذا على اعتبار أن الإسنادين إذا اختلفا اختلف الحديثان، ويصير حينئذ المرسل والمسند دليلين لمعنى واحد يرجح على معنى آخر معارض إذا كان له طريق واحد مسند٢. على أنه إذا كان المسند حسنًا فإنه يرتقي بالمرسل عنه هذه المرتبة. وهذا كله -بطبيعة الحال- إذا كان المسند بمفرده صحيحًا صالحًا للحجة، أما إذا كان مما يفتقر إلى اعتضاد؛ لأن فيه ضعفًا، فإنه يقوي المرسل والمرسل يقويه، ويصير كل منهما بالآخر حجة٣. ٥٤٤- وإذا لم توجد هذه الحالة وانفرد الراوي بإرسال حديث لم يسنده غيره فإن مما يقوي مرسله هذا ويجعله مقبولًا هو: ٢- أن يوافقه مرسل غيره ممن قبل العلم عنه وبرجال غير رجاله. وهذه الحالة -في رأي الإمام الشافعي- أضعف من الحالة الأولى. ويفيد كل المراسلين الآخر، ويقوي الظن بوجود أصل لكل منهما، وينقل كل منهما من مرتبة الضعف إلى مرتبة الحسن لغيره؛ لأن ضعف كل منهما

стр. 257

إنما هو من جهة خفة ضبط راويه وحفظه وكثرة غلطه، لا من جهة اتهامهما بالكذب١. ٥٤٥- وإن لم يوجد ذلك فإنه يقبل إذا: ٣- وافقه ما يروى عن بعض صحابة رسول الله، ﷺ من أقوالهم ومن الموقوفات عليهم، لأنه إذا وجد ذلك كان دلالة على أنه لم يأخذ مرسله إلا عن أصل يصح - إن شاء الله تعالى. ٤- أو يوافقه عوام من أهل العلم يفتون بمثل ما روي عن النبي، ﷺ . ٥٤٦- هذه هي الحالات التي ذكرها الإمام الشافعي في الرسالة١. ولا شك أن هناك حالات أخرى عنده لم يذكرها هنا، يتقوى بها المرسل، وتبعث على درجة الاطمئنان به، ومنها ما ذكره السخاوي في فتح المغيث وهي: ٥- أن يكون المرسل قد خبر علم من أرسل عنه وعرفه؛ لأنه في هذه الحالة يمكنه أن يدرك حديثه دون تحريف من غيره، قال الشافعي ﵀ في حديث لطاوس عن معاذ: "طاوس لم يلق معاذًا، لكنه عالم بأمر معاذ، وإن لم يلقه، لكثرة من لقيه ممن أخذ عن معاذ، وهذا لا أعلم من أحد فيه خلافًا. ٥٤٧- ومثل هذا تمامًا ما ذهب إليه الطحاوي في الاحتجاج بحديث أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود أنه سئل: "كان عبد الله مع النبي ﷺ ليلة الجن؟ قال: لا". قال الطحاوي: فإن قيل: هذا منقطع؛ لأن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه شيئًا، يقال: نحن لم نحتج به من هذه الجهة، إنما احتججنا به لأن مثل أبي عبيدة على تقدمه في العلم وموضعه من عبد الله،

стр. 258

وخلطته بخاصته من بعده، ولا يخفى عليه مثل هذا من أموره، فجعلنا قوله حجة لهذا١. ٥٤٨- وقد رأى بعضهم أن مما يسند به المرسل فعل صحابي أو انتشار أو عمل أهل العصر أو قياس معتبر، لكننا لم نعثر على نص للشافعي يقول بذلك، وإن كان بعضه يمكن أن يفهم من كلامه، فرأى الصحابي مثل عمله ورأيه مما يعضد به المرسل كما نص على ذلك في الرسالة، وعمل أهل العصر مثل فتوى عوام من أهل العلم إلا أن إرجاع بعضه إلى كلام الشافعي فيه تكلف، كما يقول السخاوي٢. ٥٤٩- وقد انتقد القاضي أبو يعلى في كتابه العدة اتجاه الشافعي هذا في قبول المرسل في هذه الحالات، وقال: إنه بهذا لا يقبل المرسل لذاته، وإنما يقبله لأمور انضمت إليه، فكأنه في رأيه عندما يعمل بالمرسل إنما يعمل بالأمور التي انضمت إليه معه٣. ونقول: إنه ليس الأمر كذلك؛ لأن هذه الأمور تزيل الشك في المرسل فيعمل به هو٤. ٥٥٠- وفي الحالات التي يقبل فيها المرسل جميعًا لا بد أن يتوافر في المرسل شرطان، وإلا أضر إرساله بحديثه، ولا يسع أحدًا قبول مرسله: الشرط الأول: أن يكون ممن يعرف من يرسل عنه، فليس مجهولًا عنده ولا عند أهل العلم، وألا يكون ممن يروي عن الضعاف المرغوب عن الرواية عنهم، يقول

стр. 259

الإمام الشافعي معبرًا عن هذا: "أن يكون إذا سمى من روى عنه لم يسم مجهولًا، ولا مرغوبًا عن الرواية عنه، فيستدل بذلك على صحته فيما روى عنه. الشرط الثاني: ألا يخالف الحفاظ إذا شاركهم في معنى حديث يرويه وألا يكون ممن يزيد عليهم في ذلك، أما إذا خالفهم بالنقص فإن هذا يكون دلالة على حفظه وضبطه وتحريه؛ يقول الإمام الشافعي، معبرًا عن هذا الشرط: "ويكون إذا شرك أحدًا من الحفاظ في حديثه لم يخالفه فإن خالفه وجد حديثه أنقص كانت في هذه دلائل على صحة مخرج حديثه١. ٥٥١- ولم يكن الشافعي يقول في قبوله المرسل على هذا النحو كلامًا نظريًّا فقط وإنما طبق ما قاله وإذا كنا لا نستطيع أن نقرأ فقهه كله فنستخرج منه الأمثلة العديدة فإننا نكتفي بإيراد شيء منها يدل على أن الشافعي استفاد من المراسيل على النحو الذي رسمه. ٥٥٢- قال الشافعي في مختصر المزني في باب "بيع اللحم بالحيوان: "أخبرنا مالك: عن زيد بن أسلم، عن ابن المسيب أن رسول الله، ﷺ "نهى عن بيع اللحم بالحيوان" ... وعن ابن عباس: "أن جزورًا نحرت على عهد أبي بكر ﵁، فجاء رجل بعناق، فقال: أعطوني جزءًا بهذه العناق، فقال أبو بكر: لا يصلح هذا" ... وكان القاسم بن محمد، وابن المسيب، وعروة بن الزبير، وأبو بكر بن عبد الرحمن يحرمون بيع اللحم بالحيوان عاجلًا وآجلًا؛ يعظمون ذلك، ولا يرخصون فيه. قال الشافعي: وبهذا نأخذ، كان اللحم مختلفًا أو غير مختلف، ولا نعلم أحدًا من أصحاب النبي، ﷺ ، خالف في ذلك أبا بكر. وإرسال ابن المسيب عندنا حسن"٢.

стр. 260

٥٥٣- وواضح أن الشافعي ﵁ أخذ بهذا المرسل لأنه عضده قول أبي بكر وفتوى بعض التابعين. ٥٥٤- ويقول السيوطي: إن هذا الحديث الذي أورده الشافعي من مراسيل سعيد بن المسيب يصلح مثالًا لأقسام المرسل المقبول، فإنه عضده قول صحابي، وأفتى أكثر أهل العلم بمقتضاه، وله شاهد مرسل آخر أرسله من أخذ العلم عن غير رجال الأول، وشاهد آخر مسند، فقد روى البيهقي في المدخل من طريق الشافعي عن مسلم بن خالد، عن ابن جريح عن القاسم ابن أبي بزة قال: "قدمت المدينة، فوجدت جزورًا قد جزرت، فجزئت أربعة أجزاء، كل جزء منها بعناق، فأردت أن أبتاع منها جزءًا، فقال لي الرجل من أهل المدينة: إن رسول الله ﷺ نهى أن يباع حي بميت، فسألت عن ذلك الرجل، فأخبرت عنه خيرًا". قال البيهقي: فهذا حديث أرسله سعيد بن المسيب، ورواه القاسم ابن أبي بزة عن رجل من أهل المدينة مرسلًا. والظاهر أنه غير سعيد؛ فإنه أشهر من ألا يعرفه القاسم ابن أبي بزة المكي حتى يسأل عنه ... قال: وقد رويناه من حديث الحسن عن سمرة بن جندب عن النبي ﷺ ، إلا أن الحفاظ اختلفوا في سماع الحسن من سمرة في غير حديث العقيقة١، فمنهم من أثبته، فيكون مثالًا لما له شاهد سند، ومنهم من لم يثبته فيكون أيضًا مرسلًا انضم إلى مرسل٢ سعيد. ٥٥٥- وفي "باب زكاة مال اليتيم" من "الأم" رأى الشافعي أن الزكاة تكون في مال اليتيم كما في مال البالغ، وكان دليله في ذلك حديث مرسل عن رسول الله ﷺ يقول: "ابتغوا في مال اليتيم لا تستهلكه الصدقة أو لا تذهبه الصدقة".. وما عضد ذلك المرسل من فعل لعائشة وعلي وقول لعمر رضي الله عنهم٣.

стр. 261

٥٥٦- ثم بين الشافعي أنه إذا كانت توجد بعض الدلائل التي تجعلنا نقبل المرسل فليس معناه أنه مع المتصل المسند في درجة واحدة، ولكن الأخير أقوى منه وذلك لأن احتمال كون المرسل قد أرسل عمن يرغب في الرواية عنه لضعفه قائم، وكذلك إن وافقه مرسل، لاحتمال أن يكون مخرجهما واحد، من حيث لو سمى لم يقبل، وأيضًا إذا كان قول بعض الصحابة يقوي المرسل، فإنه من المحتمل أن يكون المرسل قد غلط بإرساله هذا الحديث حين سمع قول بعض أصحاب النبي ﷺ يوافقه، ويحتمل مثل هذا فيمن وافقه من الفقهاء١. ٥٥٧- وعلى هذا فاحتمال الخطأ والغلط قائم في جميع الحالات الأمر الذي لا يجعل المرسل بحال يرقى إلى مستوى الحديث المتصل الصحيح الذي انكشف فيه جميع رواته وقويت صلته برسول الله، ﷺ ، ومن أجل هذا لم نجد سنة ثابتة من جهة الاتصال خالفها الناس كلهم؛ ولكننا وجدنا ذلك في بعض المرسل كما في حديث محمد بن المنكدر الذي سنذكره قريبًا -إن شاء الله، فلم يقل به أحد من أهل الفقه كلهم٢. ٥٥٨- أما القسم الثاني، وهو مرسل "من بعد كبار التابعين"، من صغارهم وتابعيهم، وتابعي التابعين -فيقول الشافعي، ﵁: إنه لا يعلم واحدًا منهم يقبل مرسله، لعدة أمور: ١- أنهم أشد تجوزًا فيمن يروون عنه، فلا يتحرون أن يروون عن الثقات فقط، وإنما يأخذون منهم ومن غيرهم. ٢- وهذا مترتب على الأول، وهو أنه قد وجدت الدلائل فعلًا على ضعف ما أرسلوه. ٣- استطالة السند وكثرة الإحالة في الأخبار وإذا كثرت الإحالة فيها كانت أمكن للوهم وضعف من يقبل عنه، فتتسع دائرة الاحتمال السابق، وهو الأخذ عن الضعفاء.

стр. 262

٥٥٩- ورأي الشافعي هذا فيمن بعد كبار التابعين إنما هو ناشئ عن الخبرة بهم وبما يرسلونه، فهو قد رأى بعضهم ينزع إلى جهة واحدة ومنبع واحد من منابع العلم ثم يترك منابع أخرى ربما كانت تعطي مثلها أو أثرى منها، وهذا البعض من أهل التقصير في العلم، ومن الواجب علينا أن نبحث عما قصر فيه ونستفيد منه، يقول الإمام الشافعي معبرًا عن هذا: "رأيت الرجل يقنع بيسير العلم، ويريد إلا أن يكون مستفيدًا إلا من جهة١ قد يتركه من مثلها أو أرجح، فيكون من أهل التقصير في العلم". ورأى أن بعضهم كان على العكس من ذلك؛ فقد رغب في أن يتوسع في العلم فيقبل عن كل ضرب، ومنه ما كان بنبغي له أن يربأ بنفسه عنه توثيقًا لسنة رسول الله ﷺ ، وتحريًا في أخبار دينه، يقول الإمام الشافعي: "ورأيت من عاب هذه السبيل -يعني سبيل المقصرين- ورغب في التوسع في العلم، من دعاه ذلك إلى القبول عمن لو أمسك عن القبول عنه كان خيرًا له". ورأى الشافعي أيضًا منهم أن الغفلة قد تدخل على أكثرهم فلا يتحرون أهل الصدق والضبط فيما يأخذون، وقد تؤديهم غفلتهم إلى أن يحملوا الغث ويتركوا السمين، يقول: "ورأيت الغفلة قد تدخل على أكثرهم، فيقبل عمن يرد مثله وخيرًا منه". وهذا الصنف المغفل من أهل العلم قد يقبل الأحاديث من الضعفاء، لأنها توافق رأيًا ارتآه، أو قولًا يقول به. وقد يرد الأحاديث التي يرويها الثقات، لأنها تخالف رأيه وقولًا أخذ به، أي: أنه يحكم رأيه في الأحاديث، فيقبل منها ما يوافقه، ولا شك في أن هذا فيه من الخطورة ما فيه على عملية توثيق الأحاديث وتحريرها؛ لأن أي إنسان قد يخطئ في رأيه وقد يصيب فيخطئ في الحكم على الأحاديث تبعًا لذلك أو يصيب، يقول الشافعي: "ويدخل عليه، فيقبل عمن يعرف

стр. 263

ضعفه، إذا وافق قولًا يقوله: ويرد حديث الثقة إذا خالف قولًا يقوله"١. ٥٦٠- ثم ضرب لنا الإمام الشافعي مثلًا من المراسيل التي رفضها محاولًا أن يطبق بعض ما قاله في مرسل: "من بعد كبار التابعين": وهو ما أخبر به سفيان بن عيينة عن محمد بن المنكدر "أن رجلًا جاء إلى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله، إن لي مالًا وعيالًا، وإن لأبي مالًا وعيالًا، وإنه يريد أن يأخذ مالي، فيطعمه عياله، فقال رسول الله ﷺ : "أنت ومالك لأبيك" ٢. فهذا الحديث لم يقبله الشافعي؛ لأنه لا يثبت عن النبي ﷺ : أولًا: لأن الله لما فرض للأب ميراثًا محددًا من الابن، كغيره من الورثة، وهذا الفرض قد يكون أقل فروض كثير من الورثة - دل ذلك على أن ملكية المال إنما هي لابنه دونه. ثانيًا: ولأن محمد بن المنكدر الذي أرسل هذا الحديث، وإن كان في غاية الثقة والفضل في الدين والورع -فإننا لا ندري عمن قبل هذا الحديث. ومثله في هذا مثل الشاهدين العدلين يشهدان على الرجلين فلا تقبل شهادتهما حتى يعدلاهما أو يعدلهما غيرهما. وإذا كان محمد بن المنكدر لم يسم لنا من أرسل عنه، فاحتمل أن يكون أرسل عن غير ثقة -فإن غيره ممن أوثق منه سمى لنا من أرسل عنه، فكان ضعيفًا، وبان عوار حديثه، فهذا ابن شهاب الزهري يقول: "إن

стр. 264

رسول الله ﷺ أمر رجلًا ضحك في الصلاة أن يعيد الوضوء والصلاة"١. ويقول الإمام الشافعي: أنه لم يقبل هذا؛ لأنه مرسل، حقًّا إن ابن شهاب إمام في الحديث والتخبير وثقه الرجال، وهو كثيرًا ما يسمي بعض أصحاب النبي ﷺ ، ثم خيار التابعين، "ولا نعلم محدثًا يسمى أفضل ولا أشهر ممن يحدث عنه ابن شهاب؛ لكنه هنا قبل عن سليمان بن أرقم، وهو ضعيف؛ لأنه رآه رجلًا من أهل المروءة والغفلة، فقبل عنه، وأحسن الظن به، فسكت عن اسمه؛ إما لأنه أصغر منه، أو لغير ذلك، ولم يسمه إلا عندما سأله معمر عن حديثه عنه، فأسنده له٢. ٥٦١- ومن أجل هذا يقول الإمام الشافعي: "يقولون: نحابي ... ولو حابيننا لحابينا الزهري، وإرسال الزهري ليس بشيء، وذلك أنا نجده يروي عن سليمان بن أرقم٣ ... وإذا احتمل في ابن شهاب أن يروي عن مثل هذا الراوي الضعيف مع مكانته التي رأيناها -فالاحتمال أقوى وأكثر وقوعًا في غيره ممن هو أقل منه في إمامته وفضله. ٥٦٢- هذا وقد زعم الماوردي أن الإمام الشافعي، في المذهب الجديد، يحتج بالمرسل إذا لم يوجد دليل سواه، وكذا نقله غيره، ولكن ابن السمعاني رد هذا بإجماع النقلة من العراقيين والخراسانيين عنه بأن هذا لا يجعل المرسل حجة عندالشافعي٤. ٥٦٣- وقد نسب التاج السبكي إلى الشافعي أن المرسل إذا دل على محظور ولم يوجد سواه، فالأظهر وجوب الانكفاف عن هذه المحظور - يعني احتياطًا وتورعًا٥.

стр. 265

الاتجاه الرابع: ٥٦٤- ويقف فيه المحدثون الذين لا يقبلون إلا الحديث المتصل ولا يعتبرون الحديث المرسل أو المنقطع حجة بأية حال ومن أي قرن.. ٥٦٥- ويمثل هذا الاتجاه الأئمة الكبار في القرن الثاني الهجري ومنهم يحيى بن سعيد القطان، وشعبة بن الحجاج، وعبد الرحمن بن مهدي يقول الإمام مسلم: "المرسل في أصل قولنا وقول أهل العلم بالأخبار ليس بحجة"، وحكى ذلك ابن عبد البر عن جماعة من المحدثين١,. ويقول النووي: "ثم المرسل حديث ضعيف عند جماهير المحدثين"٢. ويرى يحيى بن سعيد القطان أن مرسلات أئمة الحديث لا فائدة فيها وليست ثابتة وإنما هي شبه الريح، يقول: "سفيان عن إبراهيم شبه لا شيء لو كان فيه إسناد صاح به"، ويقول: "مرسلات أبي إسحاق الهمداني عندي شبه لا شيء، والأعمش والتيمي ويحيى بن أبي كثير" -يعني مثله. ويقول: "مالك عن سعيد بن المسيب أحب إلي من سفيان عن إبراهيم، وكل ضعيف" ويقول: "مرسلات ابن عيينة شبه الريح.. ثم قال: أي والله سفيان بن سعيد"٣، ويقول أحمد بن سنان: كان يحيى بن سعيد القطان لا يرى إرسال الزهري وقتادة شيئًا، ويقول: هو بمنزلة الريح، ثم يقول: هؤلاء قوم حفاظ كانوا إذا سمعوا الشيء علقوه٤. وقال في مراسيل الزهري: شر من مرسل غيره؛ لأنه حافظ، وكلما قدر أن يسمى سمى، وإنما يترك من لا يستحب أن يسميه٥. وإذا كانت مرسلات كبار المحدثين والعلماء هكذا فما بالك بمرسلات من هم دونهم؟!..

стр. 266

٥٦٦- وقد عرض العلماء المتأخرون حجة هؤلاء في رفضهم المراسيل وتمسكهم بالأسانيد المتصلة فقط، يقول ابن حزم: إن الذي يرسل إنما هو بمثابة من يحدث عن مجهول، و"من جهلنا حالة فرض علينا التوقف في خبره، وعن قبول شهادته حتى نعلم حاله"، وسواء أقال الراوي العدل: "حدثنا الثقة" أم لم يقل لا يجب أن يلتفت إلى ذلك، إذ قد يكون عنده ثقة؛ لأنه لا يعلم من جرحته ما يعلم غيره ... والجرح أولى من التعديل، فقد وثق سفيان الثوري جابرًا الجعفي، وجابر من الكذب والفسق والشر والخروج عن الإسلام بحيث قد عرف، ولكنه خفي أمره على سفيان، فقال بما ظهر منه عنده"١. ٥٦٧- ويقول النووي قريبًا من هذا: "ودليلنا في رد العمل به أنه إذا كانت رواية المجهول المسمى لا تقبل؛ لجهالة حاله - فرواية المرسل أولى؛ لأن المروي عنه محذوف مجهول العين والحال٢". ويفصل الإمام ابن حجر في شرح النخبة فيقول: "وإنما ذكر -يعني المرسل- في قسم المردود للجهل بحال المحذوف"، لأنه يحتمل أن يكون صحابيًّا، ويحتمل أن يكون تابعيًّا، وإذا كان تابعيًّا فإنه يحتمل أن يكون ضعيفًا، وإذا فرض أنه ثقة فإنه من المحتمل أن يكون قد حمل عن تابعي آخر ضعيف وبالاستقراء وجد أن هناك سبعة من التابعين روى بعضهم عن بعض، فليس كل مرسل روى فيه التابعي عن الصحابي، حتى نقول ونتأكد أنه أرسل عن ثقة ولم يرسل عن ضعيف٣. ٥٦٨- ومن حيث الواقع العملي فهناك في زمن الصحابة والتابعين من يحدث وهو غير ثقة، فربما يروي عنه ولا يسميه، فتكون النتيجة هي روايتنا عن الضعاف دون أن ندري، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال أبي: إني لأسمع الحديث استحسنه، فمنا يمنعني من ذكره إلا كراهية أن

стр. 267

يسمعه سامع فيقتدي به، وذلك أني أسمعه من الرجل لا أثق به قد حدث عمن أثق به، أو أسمعه من رجل أثق به قد حدث عمن لا أثق به، فهذا يدل -كما يقول ابن عبد البر- أن ذلك الزمان، أي زمان الصحابة والتابعين كان يحدث فيه الثقة وغيره. وقال عمران بن حدير: إن رجلًا حدثه عن سليمان التيمي، عن محمد ابن سيرين "أن من زار قبرًا أو صلى عليه فقد برئ الله منه". قال عمران: فقلت لمحمد عند أبي مجلز: إن رجلًا ذكر عنك كذا، فقال أو مجلز: كنت أحسبك يا أبا بكر أشد اتقاء، فإذا لقيت صاحبك فأقرئه السلام، وأخبره أنه كذب. قال: ثم رأيت سليمان عند أبي مجلز، فذكرت ذلك له، فقال: سبحان الله! ... إنما حدثنيه مؤذن لنا، ولم أظنه يكذب. ٥٦٩- وقد تقدم سما قاله ابن لهيعة أنه سمع شيخًا من الخوارج يقول بعد ما تاب: إن هذه الأحاديث دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم، فإنا كنا إذا هوينا أمرًا صيرناه حديثًا.. قال ابن حجر: إن هذه والله قاصمة الظهر للمحتجين بالمرسل؛ إذ بدعة الخوارج كانت في مبدأ الإسلام، والصحابة متوافرون، ثم في عصر التابعين فمن بعدهم، وهؤلاء كانوا إذا استحسنوا أمرًا وأشاعوه، فربما سمع الرجل الشيء فحدث به، ولم يذكر من حدثه به تحسينًا للظن، فيحمله عنه غيره، ويجيء الذي يحتج بالمقاطع، فيحتج به"١. ٥٧٠- والأخبار التي تروي أن كثيرًا من المراسيل إنما ظهر ضعفها بعد كشف ما قطع منها- كثيرة، وتحمل في طياتها تحذير الأئمة من الأخذ بالأسانيد غير المتصلة٢. الإمام أحمد والمراسيل: ٥٧١- والحق أن الإمام أحمد ﵁ ينتظم في سلك هذا الاتجاه، إذ أنه يعد الأحاديث المرسلة من الأحاديث الضعيفة التي لا يحتج بها، فقد

стр. 268

سئل عن حديث ثوبان: "أطيعوا قريشًا ما استقاموا لكم" قال: ليس بصحيح، سالم بن أبي الجعد لم يلق ثوبان، فقد حكم ببطلان هذا الحديث لأنه مرسل"١. ويضعف أحاديث راو بأنها تهوى وتنحط لأنها مرسلة، يقول في أبي الحارث بن سليمان الفزاري: "حديثه يهوى، ويفسر عبد الله هذا بقوله: -يعني مراسيل٢ ... وقد سئل عن حديث النبي، ﷺ " مرسل برجال ثبت أحب إليك أو حديث عن الصحابة أو التابعين -متصل برجال ثبت، فقال: "عن الصحابة أعجب إلي"٣، فهذا يدل على أن المرسل ليس بحجة عنده؛ إذ لو كان حجة عنده ما قدم عليه قول الصحابي لأن من جعله حجة قدمه على قول الصحابي"٤. ويقول أبو زهرة عليه رحمة الله تعالى، مقررًا هذا الاتجاه عند الإمام أحمد: "إن أحمد ﵁ اعتبر المرسل من قبل الأخبار الضعيفة التي يكون الأصل ردها وعدم قبولها، ولذلك قدم عليه فتوى الصحابي، وهو لا يقدم هذه الفتوى على حديث صحيح قط، فتقديمها عليه دليل على أنه يعتبر ضعيفًا لا صحيحًا وهو بذلك ينحو نحو المحدثين الذين يقررون أن الحديث المرسل من قبيل الحديث الضعيف لا من قبيل الحديث الصحيح"٥. ٥٧٢- وعلى الرغم من هذا فقد نقل عنه ما فهمه بعض الباحثين على أنه يقبل المراسيل ويحتج بها، فيكون في هذا شأنه شأن أصحاب الاتجاه الأول الذي على رأسه الإمام مالك -كما قررنا- ومن أقواله التي يستدل بها على ذلك قوله: "ربما كان المنقطع أقوى إسنادًا من المتصل" وقوله: "ربما

стр. 269

كان المرسل أقوى إسنادًا، وقد يكون الإسناد متصلًا وهو ضعيف، ويكون المنقطع أقوى إسنادًا منه"١. ٥٧٣- ولكن الذي يدرك عادة أئمة الحديث وعباراتهم عندما يوازنون بين الأحاديث يعرف أن هذه العبارة وأمثالها لا تعني أن الإمام أحمد يحتج بالمراسيل، بل قد تعني العكس تمامًا، إذا فهمناها على وجهها الصحيح، فهو يريد أن يقول: إن الحديث إذا جاء بطريق منقطع وآخر متصل فقد يكون هناك غلط في اتصاله، وأن الصحيح إنما هو انقطاعه أي أنه منقطع في الحقيقة، وواقع الأمر، وهذا بصرف النظر عن كونه يحتج به أو لا يحتج به. وهذا كثير وشائع في استعمالات المحدثين٢. ولهذا كان الإمام أحمد يعجب من هؤلاء الذين يولعون بكتابة الأحاديث المتصلة ويأخذونها على أنها صحيحة مع أنها في الحقيقة مرسلة، فوصلها أحد الرواة غلطًا، يقول الميموني تلميذه: "كان يعجب أبو عبد الله ﵁، ممن يكتب الإسناد ويدع المنقطع، وقال: ربما كان المنقطع أقوى إسنادًا منه وهو يوقفه، وقد كتبه على أنه متصل".. ويضعف هؤلاء الذين يرفعون المراسيل، ولو رووها على حقيقتها مرسلة ما كان هذا منكرًا منهم، وما كان سببًا في تضعيفهم، يقول عن صدقة السمين: "ما كان من حديثه مرفوع منكرًا، وما كان من حديثه مرسل عن مكحول فهو أسهل، وهو ضعيف جدًّا"٣. ويقول في المغيرة بن زياد: "ضعيف الحديث، روي عن عطاء عن ابن عباس في الرجل تحضر الجنازة قال: لا بأس أن يصلي عليها ويتيمم. قال عبد الله، قال أبي: رواه ابن جريح وعبد الملك عن عطاء مرسل.. وروي عن عطاء عن عائشة: "أن النبي ﷺ كان إذا سافر قصر وأتم". والناس يروونه عن عطاء مرسل٤.

стр. 270

ومثل هذا ما قاله عبد الله بن الإمام أحمد سألته -يعني أباه- عن حديث رواه محمد بن مصفى الشامي عن الوليد بن مسلم عن الأوزاعي عن عطاء عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله تجاوز لأمتي عما استكرهوا عليه وعن الخطأ والنسيان". وعن الوليد عن مالك عن نافع عن ابن عمر مثله، فأنكره جدًّا وقال: ليس يروي فيه إلا عن الحسن١. فقد أنكر الإمام أحمد هنا المسند، وذلك لوجود الخطأ فيه وأثبت المرسل، وذلك حتى لا يؤخذ المرسل ليحتج به على أنه مسند مع أنه في الحقيقة ليس مسندًا والأصح أنه مرسل. وقد كان الإمام أحمد يوثق هؤلاء الرواة المتيقظين الذين يروون المرسل على إرساله والمتصل على اتصاله لا يخلطون بينهما، ويقول: أصح الناس حديثًا عن سعيد المقبري -ليث بن سعد؛ يفصل ما روي عن أبي هريرة -يعني مرسلًا- وما عن أبيه عن أبي هريرة -هو ثبت في حديثه جدًّا٢. ٥٧٤- وقد ثبت عن الإمام أحمد أنه أخذ ببعض المراسيل، الأمر الذي جعل بعض الحنابلة يفهمون منه أنه يأخذ بحجية المرسل مطلقًا ومنهم القاضي أبو يعلى الذي اختار أن يكون الإمام أحمد يحتج بالمرسل. وحجته كما قلنا أن الإمام أحمد أخذ ببعض المراسيل، فقد قال فيما نقله ابنه عبد الله: آخذ بحديث ابن جريح، عن ابن أبي مليكة وعمرو بن دينار، عن النبي ﷺ في العبد الآبق إذا جيء به دينار. وحكم على بعض المراسيل بالصحة، فقال: مرسلات إبراهيم لا بأس بها، ومرسلات سعيد ابن المسيب أصح المرسلات٣. وقال: وربما أخذنا بالحديث المرسل إذا لم يجيء خلافه أثبت منه٤. ٥٧٥- ومن أجل هذا الفهم من أبي يعلى تكلم على وجه أخذ الإمام أحمد بالمرسل، فقال: إن الله يقول: ﴿وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ

стр. 271

إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ ولم يفرق بين من أنذر بمرسل أو مسند، ولأن عادة التابعين إرسال الأخبار إلى آخر الحجج التي تعرفنا عليها عند الآخذين بحجية المرسل. كما رد على الاعتراضات التي تثار ضد قبول المرسل. ٥٧٦- والحق أن القاضي أبا يعلى لم يقل: إن الإمام أحمد قد قال بتلك الاستدلالات الكثيرة التي أوردها، حتى نلزمه بها ونقول: إنه يحتج بالمرسل مطلقًا. ٥٧٧- والواقع أنه لا تناقض بين ما قلناه من أن الإمام أحمد يعتبر المراسيل من الضعيف وما نقل عنه من أنه قبل بعض المراسيل؛ لأنه يقبل بعض المراسيل بعض المراسيل مع الإقرار بأنها ضعيفة، وهذا في حالة واحدة يمكن أن نسميها حالة الاحتياط، وذلك إذا لم يجد غيرها بعد أن يفتش فلا يجد الأحاديث الصحيحة المسندة ولا الأقوال المأثورة عن الصحابة رضوان الله عليهم. والأحاديث المرسلة شأنها -في ذلك عنده- شأن كل الأحاديث الضعيفة الأخرى التي يأخذ بها في هذه الحالة. إنه لا يوثقها، وإنما يقول: إنها -على ضعفها- أقوى من رأي الرجال١. ولو كانت موثقة عنده ما أخرها عن أقوال الصحابة وفتاواهم، وفي أقوال الإمام أحمد ما يدل على مرتبة هذه الأحاديث المرسلة، فهو يقول: "إذا كان في المسألة عن النبي ﷺ حديث لم نأخذ فيها بقول أحد من الصحابة ولا من بعدهم خلافه، وإذا كان في المسألة عن أصحاب رسول الله ﷺ قول مختلف نختار من أقاويلهم ولم تخرج عن أقاويلهم إلى قول من بعدهم، وإذا لم يكن فيها عن النبي ﷺ ولا عن الصحابة قول نختار من أقوال التابعين، وربما كان الحديث عن النبي ﷺ في إسناده شيء فنأخذ به إذا لم يجئ خلافه أثبت منه، وربما أخذنا بالحديث المرسل إذا لم يجيء خلافه أثبت منه"٢. وإذا كان هذا النص لا يبين بالتحديد مكانة المرسل من أقوال الصحابة والتابعين فإن أدنى ما يقال ويفهم منه أنه يأخذ

стр. 272

بالمرسل في بعض الأحيان، وأنه أخره في الذكر عن أقوال الصحابة والتابعين، مما قد يشعر بأنه أقل منزلة منها، كما قربه بالحديث الضعي الذي في إسناده شيء. ٥٧٨- وقد أدرك ابن القيم أن الإمام أحمد يؤخر المرسل إلى المرتبة الرابعة كما قد يحتمل من هذا النص، فذكر أن الإمام أحمد يأخذ بالنصوص فإذا لم يجد شيئًا منها لجأ إلى فتاوى الصحابة فإذا لم يجدهم أجمعوا، اختار من أقوالهم إذا اختلفوا، فإذا لم يجد عندهم إجماعًا ولا اختلافًا أخذ بالمرسل والحديث الضعيف١. ٥٧٩- ولكن الذي يستوقفنا عند ابن القيم هو أنه قال -عقب ذلك- مبينًا منزلة الضعيف عامة والمرسل منه: إنه قسيم الصحيح وقسم من أقسام الحسن عند الإمام أحمد، وأنه لم يكن يقسم الحديث إلى صحيح وحسن وضعيف، بل إلى صحيح وضعيف٢. وقد تبع ابن القيم في هذا أستاذه ابن تيمية الذي رأى هذا الرأي: لأن الحديث عند المتقدمين ينقسم إلى صحيح وضعيف فقط، وأن الحسن اصطلاح أحدثه الترمذي. وقد سار على هذا الدرب بعض الباحثين المحدثين، وفسر أقوال الأئمة في الحديث الضعيف والأخذ به في ضوء هذا الرأي. ٥٨٠- وقد ناقشناه في رسالة الماجستير. وأثبتنا أن الأئمة لا يعنون بالضعيف الحسن، وإنما يعنون به ما هو أقل منه، مما لا يحتج به في الحلال والحرام والحسن يحتج به عندهم فيهما٣. كما أشرنا إلى أن أبا حاتم الرازي سبق الترمذي في استعمال الحسن٤.

стр. 273

٥٨١- ولكن الذي نضيفه هنا هو أن إطلاق الحسن على الحديث وعلى الراوي وراد على لسان عدة من العلماء السابقين للترمذي من طبقة شيوخه وشيوخ شيوخه، بل ورد هذا الإطلاق على لسان أحمد نفسه، وأنه كان يستعمله بالمعنى الاصطلاحي الذي هو دون الصحيح وفوق الضعيف. ٥٨٢- ثم ما الداعي إلى تفسر كلمة ضعيف بالحسن؟ مع أن ظاهخر كلام أحمد يشير إلى أن مراده بالضعيف الضعيف الذي لم تتحقق فيه شروط القبول، فإنه يريد أن الرأي لا يعتد به عنده ما دام قد نقل في المسألة نص ولو ضعيف؛ فإن الضعيف خير من الرأي.."ضعيف الحديث أقوى من الرأي". ٥٨٣- "وإذا فسرنا" الضعيف "بالحسن" فأي فائدة في هذا التنصيص من الإمام أحمد على أن الحسن مقدم على الرأي؟ إذ أن هذا أمر ثابت مقرر فالحسن حجة في كافة وجوه الاحتجاج، ولم يقل عن أحد من المتقدمين نفي الاحتجاج بالحسن إلا ما نقل عن أبي حاتم"١. ٥٨٤- وتخلص من هذا إلى أن الإمام أحمد يعتبر المرسل غير صحيح وضعيف وينضم في سلك هذا الاتجاه، الذي يرفض المراسيل كأحاديث صحيحة يحتج بها. أثر هذا الاتجاه في توثيق السنة: ٥٨٥- وقد أفاد هذا الاتجاه أيما إفادة في توثيق الحديث، إذ قام أصحابه بما يشبه الاستقراء في تمييز الروايات التي جاءت مرسلة، والتي حدث بها مرسلوها عمن لم يسمعوها منهم، وأسقطوا من حدثوهم. وعرفوا من أرسل عن ثقات وسموه ومن كان غير ذلك، وسدوا بذلك النقص الذي أحدثه المتقدمون بإرسالهم الكثير من الأحاديث، ولو ذهبوا إلى ما ذهب إليه

стр. 274

أصحاب الاتجاه الأول مثلًا ما فعلوا ذلك، يقول: "قد تأمل المتقدمون مراسيل سعيد بن المسيب فوجدوها بأسانيد صحيحة، وهذه الشرائط لم توجد في مراسيل غيره"١ ... وقال ابن المديني: "مرسلات الحسن البصري التي رواها عنه الثقات صحاح، ما أقل ما يسقط منها "وقال يحيى بن سعيد القطان: "ما قال الحسن في حديثه قال رسول الله ﷺ إلا وجدنا له أصلًا إلا حديثًا أو حديثين"٢. وقال شعبة بن الحجاج: لم يسمع قتادة من أبي رافع شيئًا، فقال أحمد بن حنبل: أدخل بينه وبين أبي رافع خلاسًا والحسن، وقد سمع قتادة من خلاس٣. ٥٨٦- وبعد أن انتهينا من الاتجاهات في الأخذ بالمرسل وعدم الأخذ به فإننا نسجل ملاحظتين على هذه الاتجاهات: الأولى: أنه يتمثل في هذه الاتجاهات جميعها الحرص على أخذ السنة صحيحة متصلة الإسناد، ولم يكن في أخذ بعض العلماء بالمراسيل تخل عن هذا المبدأ وإنما لأنهم رأوا أن المراسيل كلها عند البعض أو بعضها عند البعض الآخر إنما هي صحيحة وإن بدت شكليًّا أنها منقطعة.. وكما يقول عبيد الله بن مسعود من الحنفية الذين يأخذون بالمرسل: "والمرسل منقطع عن رسول الله ﷺ من حيث الظاهر لعدم الإسناد الذي يحصل به الاتصال لا من حيث الباطن للدلائل المذكورة في المتن الدالة على قبول المرسل٤. وعلى هذا يمكننا أن نقول: إن كل العلماء على اختلاف اتجاهاتهم في هذا السبيل كانوا يأخذون بالمسانيد في حقيقة الأمر، والاختلاف هنا شكلي أو راجع إلى أسس أخرى غير كون الحديث مرسلًا أو غير مرسل. وقد يقال: لم إذن هذه الدراسة وهذا العناء؟ نقول: إنها أفادتنا في أمور منها: أننا أصبحنا على يقين من أن الذين رأوا الأخذ بالمراسيل لم يكونوا مفرطين، كما يبدو

стр. 275

من أول وهلة -ومنها تصحيح بعض الأخطاء- من وجهة نظرنا التي وقع فيها بعض الباحثين كاتهام مالك مثلًا بأنه تناقض مع نفسه حين أخذ بالمراسيل وترك بعضها ... الثانية: أن هناك تدرجًا زمنيًّا في قبول المراسيل -كما يقول الأستاذ أبو زهرة١- فكلما كان الإمام أسبق أو العلماء أسبق كانوا أكثر قبولًا للمراسيل وكلما بعد الزمن وجدنا التشدد في قبولها، والسبب في ذلك أن الناس كلما اقتربوا من عهد الصحابة كانوا أكثر تورعًا وتقوى، فلا يروون إلا ما صح عندهم والقليل من كان غير ذلك ... أيضًا فالسند يكون غير طويل، فإذا أرسل تابعي فإنه من العادة أنه سمعه من صحابي أو من زميل له تابعي يثق فيه والمرسلون عن بعضهم أحياء، ويستطيع المتحمل للحديث أن يتصل ببعضهم ويعرف حقيقة ما يحدثون، وليس الأمر كذلك في زمن الشافعي مثلًا، وفي زمن أحمد بن حنبل وأئمة الحديث في عصره، فالتدين قل ... واستفحلت المذاهب، ودعاتها كثروا ... واستطال السند ومن أرسل عنهم ماتوا ويحتمل أن يكونوا من الضعاف. ٥٨٧- وبعد؛ فقد تعرفنا على جهود العلماء، من فقهاء ومحدثين في وضع أسس توثيق سند الحديث ورجاله الذين نقلوه، وكانت لهم جهود أخرى في وضع أسس تعنى بمتن الحديث بعيدًا عن نقلته وهو ما سنتعرف عليه -إن شاء الله في القسم الثاني الذي أصبحنا على مشارفه واقتربنا من عتباته بعون من الله الكريم وفضله.

стр. 276

القسم الثاني: توثيق متون السنة مدخل ... تقدمة: ٥٨٨- في القسم الأول تعرفنا على جهود علماء القرن الثاني الهجري من محدثين وفقهاء في توثيق السنة من خلال توثيقهم لراوي الحديث وسنده، وهي طريقة استولت على معظم جهودهم وجهود من بعدهم؛ لأنه -حقًّا- إذا نقل السنة رواة ثقات، وأسلمها بعضهم إلى بعض بطريقة سليمة، فإنه -مما لا شك فيه- ستنتقل كما صدرت من رسول الله ﷺ دون تبديل أو تغيير أو دخيل. ٥٨٩- وعلى الرغم من أن هذه الجهود كانت كافية في توثيق السنة، مما جعل كثيرًا من المحدثين يكتفون بها -فقد كانت هناك كثير من المشكلات والصعوبات التي رأى بعض الفقهاء أمامها البحث في متن الحديث وتوثيقه بعيدًا عن الرواة والأسانيد، أو بعبارة أخرى أدق: دون الاهتمام الكثير بنقلة الحديث، على حين يركزون الضوء، ويعملون الذهن والفكر فيما نقل عن رسول الله ﷺ نفسه: هل يتلاءم مع اعتبارات معينة -من وجهة نظرهم- فيكون وثيق الصلة برسول الله ﷺ ، أم يتناقض مع هذه الاعتبارات، فيكون دخيلًا ومزورًا. ٥٩٠- ومما أباح لهم تلك النظرة أن الحكم بصحة الأسانيد وتوثيق الرواة إنما هو حكم من حيث الظاهر، والله هو -وحده- العليم ببواطن الأمور وحقائقها، ومن ثم فقد يأتي الحديث بإسناد يبدو صحيحًا، ولكنه في واقع الأمر وحقيقته على خلاف ذلك وتدل على هذا اعتبارات أخرى كما أشرنا، فقد يبدو خبر الواحد متناقضًا مع النصوص الثابتة، وقد يكون متناقضًا مع عمل أهل بلد معين، وخاصة إذا كان هذا العمل هو عمل أهل المدينة، وهم أبناء المهاجرين والأنصار الذين توارثوا ما كان عليه رسول الله ﷺ من عمل ... وغير ذلك من الاعتبارات التي سنبحثها، ونسير مع من وضعوها مقاييس العمل بخبر الآحاد أو تركه، وبعبارة أخرى توثيقه أو عدم توثيقه.

стр. 277

٥٩١- وجدير بالذكر -كما أشرت- أن معظم المحدثين اكتفوا بتوثيق الأسانيد وسيلة إلى توثق المتن، وهم في هذه الحالة لا يرون تعاوضًا بسبب هذه الاعتبارات يشكل خطرًا على الحديث، ويهدم ما بنوه من توثيق بعض الأسانيد وتوثيق متونها، تبعًا لذلك.. ووجهة نظرهم أننا ما دمنا قد وثقنا من الحديث عن طريق الثقة بنقلته -فإن أية محاولة أخرى إنما هي هروب من العمل بسنة رسول الله ﷺ ، وتحكيم الآراء التي قد تخطئ وقد تصيب، وأن أي تعارض إنما هو من وجهة نظرنا، ولا يزيله إلا أن نؤمن بأن رسول الله ﷺ أعلم بالإسلام ومبادئه منا، وقد عبر الإمام الشافعي عن هذا الاتجاه وأكده في أكثر من موضع، وفي كل مناسبة أوضح تعبير، يقول: "فلم يكن له -يعني عمر بن الخطاب ﵁ ولا لأحد إدخال "لم"؟ و"كيف" ولا شيئًا من الرأي على الخبر عن روسل الله ﷺ ، ولا رده على من يعرفه بالصدق في نفسه، وإن كان واحدًا١ ".. فلا اعتبار فوق اعتبار أن الحديث قد نقل نقلًا صحيحًا، برواة عدول ضابطين، وقد ضرب المثل على أن الحديث قد يبدو معارضًا لكتاب الله ، ومع هذا نقبله، وليس لنا حجة في ذلك إلا أن الذي نقله ممن يثبت أهل الحديث حديثه، يقول: "قد روينا ورويت أن رسول الله ﷺ أمر امرأة أن تحج عن أبيها، ورجلًا أن يحج عن أبيه، فقلنا نحن وأنت به، وقلنا نحن وأنت معًا لا يصوم أحد عن أحد، أفرأيت إن احتج له أحد ممن خالفنا فيه، فقال: الحج عمل على البدن كالصلاة والصوم، فلا يجوز أن يعمله المرء عن نفسه، وتأول قول الله : ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ ٢ وتأول: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ ٣ وقال: السعي العمل، والمحجوج عنه غير عامل، فهل الحجة عليه إلا أن الذي روى هذا الحديث عن رسول الله ﷺ ، ممن يثبت أهل الحديث حديثه، وأن الله فرض طاعة رسوله، وأن ليس لأحد خلافه،

стр. 278

ولا التأول معه؛ لأنه المنزل عليه الكتاب المبين عن الله معناه١؟ ... ٥٩٢- فالإمام الشافعي هنا يقول: إنه قد يبدو لنا تعارض بين الحديث وبعض الآيات القرآنية، مما يجعل البعض يترك حديث رسول الله، ﷺ ويستعمل القياس فيما يثبت خلاف السنة، ولكن لا تعارض في الحقيقة؛ لأنه ما دام الحديث قد نقله الصادقون فإننا نتأكد أنه صدر عن رسول الله ﷺ ، لحكمة يعلمها الله ورسوله إن خفيت علينا وعلينا العمل به، تنفيذًا لأمر الله بطاعة رسوله، ﷺ ، ويكون الحديث حينئذ مخصصًا لهذه الآيات، حتى لو فهمناها كما فهمها من قال بالتعارض بينهما وبين الحديث. ويوضح الإمام الشافعي هذا مرة أخرى، فيقول: "فوجب على كل عالم ألا يشك أن سنة رسول الله، ﷺ إذا قامت هذا المقام مع كتاب الله في أن الله أحكم فرضه بكتابه، وبين كيفما فرض على لسان نبيه، ﷺ ، وأبان على لسان نبيه، ﷺ ما أراد به العام والخاص -كانت كذلك سنته في كل موضع لا تختلف. وأن قول من قال: تعرض السنة على القرآن، فإن وافقت ظاهره، وإلا استعلمنا ظاهر القرآن، وتركنا الحديث- جهل، لما وصفت.. فأبان الله لنا أن سنن رسوله فرض علينا بأن ننتهي إليها، لا أن لنا معها من الأمر شيئًا إلا التسليم لها واتباعها، ولا أنها تعرض على قياس ولا على شيء غيرها وأن كل ما سواها من قول الآدميين تبع لها"٢. ٥٩٣- فهو هنا يؤكد أنه من الجهل عرض السنة على القرآن لتثبيتها أو ردها، وأنه يجب ألا نأخذ بهذا المقياس من أجل ذلك، كما ينبغي ألا تعرض على القياس أو شيء آخر. ٥٩٤- وفي الفصول التالية سنمضي -إن شاء الله مع الفقهاء الذين أخذوا بهذه المقاييس والذين ردوها مقارنين بين هؤلاء

стр. 279

وأولئك ... إنه -بصرف النظر عن اختلافهم- سيتضح لنا بيقين افتراء الحاقدين على سنة رسول الله، ﷺ ، وعلى علمائنا حينما قالوا: إنهم لم يقدموا الأحاديث موثقة، وإنهم انشغلوا بأسانيدها، ولم يعتنوا بمتونها وأنه إذا كان هذا ينطبق على فئة من العلماء -فإنه لا ينطبق عليهم جميعًا. الأمر الذي أدى إلى وضع المقاييس التي لا تقل أهمية في توثيق السنة عن المقاييس التي وضعت لتوثيقها من حيث السند. ٥٩٥- وهذا وذاك أدى -بفضل من الله إلى تثبيت سنة رسول الله، ﷺ ، وحفظها نقية خالصة للمسلمين؛ كي ينهلوا من معينها، تبين لهم كتاب ربهم وتهديهم -مع كتاب الله الكريم- إلى التي هي أقوم ...

стр. 280

الفصل الأول: عرض أخبار الآحاد على كتاب الله وعز وجل ... الفصل الأول: عرض أخبار الآحاد على كتاب الله ٥٩٦- يقول أبو حنيفة، ﵁، مبينًا أن كلام رسول الله ﷺ لا يتعارض مع كتاب الله : "إذا قال الرجل أنا مؤمن بكل شيء تكلم به النبي، ﷺ ، غير أن النبي، ﷺ لا يتكلم بالجور، ولم يخالف القرآن، فإن هذا القول منه هو التصديق بالنبي وبالقرآن وتنزيه له من الخلاف على القرآن. ولو خالف النبي القرآن. وتقول على الله غير الحق لم يدعه الله حتى يأخذه باليمين، ويقطع منه الوتين، كما قال الله : ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ، لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ، ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ، فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ ١، ونبي الله لا يخالف كتاب الله تعالى، ومخالف كتاب الله لا يكون نبي الله ... فرد كل رجل يحدث عن النبي ﷺ بخلاف القرآن ليس ردًّا على النبي ﵇ ولا تكذيبًا له ولكن رد على من يحدث عن النبي ﷺ بالباطل والتهمة دخلت عليه، ليس على نبي الله ﵇. وكذلك كل شيء تكلم به النبي، ﷺ سمعنا به أو لم نسمعه فعلى الرأس والعين قد آمنا به ونشهد أنه كما قال نبي الله ﵇، ونشهد أيضًا على النبي ﵇ أنه لم يأمر بشيء نهى الله عنه ولم يقطع شيئًا وصله الله ولا وصف أمرًا وصف الله ذلك الأمر الذي بغير ما وصف به النبي، ونشهد أنه كان موافقًا لله في جميع الأمور، لم يبتدع، ولم يتقول على الله غير ما قال الله ولا كان من المتكلفين، ولذلك قال الله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّه﴾ ٢. كان هذا هو أساس مقياس عرض الأخبار على القرآن الكريم وعدم الثقة فيما يخالفه. ٥٩٧- ويرى الأحناف أن خبر الواحد لا يكون صحيحًا إذا خالف ظاهر كتاب الله ، فإذا ورد مخالفًا له كان هذا دليلًا على عدم

стр. 281

صحته وعلى الزيافة فيه -كما يعبر السرخسي١- ويمضي ما جاء في الكتاب على ظاهره، ولا يجوز تخصيص عامه أو صرفه عن الظاهر إلى المجاز بهذا الخبر المخالف ولا نسخه. ٥٩٨- وعد الأحناف هذه المخالفة من الانقطاع الباطن، أي أن هذا الحديث المخالف ليس وثيق الصلة برسول الله ﷺ ؛ لأنه لو كان كذلك ما خالف كتاب الله ؛ لأن كتاب الله تعالى نقل نقلًا متواترًا وورد ورودًا قطعيًّا، وخبر الآحاد ظني، ولا تعارض بين القطعي والظني بوجه؛ بل الظني بمقابلة القطعي. ٥٩٩- ويبين فخر الإسلام البزدوي وجهة نظر الأحناف في حكم الحديث المخالف للكتاب، فيقول بعد أن ذكر أنه منقطع انقطاعات باطنية: "إن الكتاب ثابت بيقين، فلا يترك بما فيه شبهة -يعني بخبر الآحاد- ويستوي في ذلك الخاص والعام، والنص والظاهر، حتى إن العام من الكتاب لا يخص بخبر الواحد عندنا خلافًا للشافعي، ﵀، ولا يزاد على الكتاب بخبر الواحد عندنا، ولا يترك الظاهر له من الكتاب، ولا ينسخ بخبر الواحد وإن كان نصًّا؛ لأن المتن أصل والمعنى فرع له، والمتن من الكتاب فوق المتن من السنة، لثبوته ثبوتًا بلا شبهة فيه، فوجب الترجيح به قبل المصير إلى المعنى"٣. ٦٠٠- وقد رد الأحناف كثيرًا من الأخبار تطبيقًا لهذا المقياس، ومنها: حديث: "الحرم لا يعيذ عاصيًا ولا فارًّا بدم" لا يخصص العام في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ ٤.. وحديث: "الطواف بالبيت صلاة وشرطه شرط الصلاة" لا يترك به ظاهر قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ ٥..

стр. 282

وحديث: "لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه" لا يترك به ظاهر قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ ١ الآية الكريمة.. ٦٠١- وقال الأحناف: إذا ترك التسمية على الذبيحة عامدًا لا تحل، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ ٢ الآية الكريمة.. فمطلق النهي يقتضي التحريم، وأكد ذلك بحرف "من"، لأنه في موضع النفي للمبالغة، فيقتضي حرمة كل جزء منه، والهاء في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْق﴾ إن كانت كناية عن الأكل فالفسق أكل الحرام، وإن كانت كناية عن المذبوح، فالمذبوح الذي يسمى فسقًا في الشرع يكون حرامًا، كما قال تعالى: ﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ ٣. ٦٠٢- وتركوا من أجل هذا -حديث البراء بن عازب وأبي هريرة ﵄، أن النبي ﷺ قال: "المسلم يذبح على اسم الله، سمى أو لم يسم"، وحديث عائشة ﵂ قالت: "قالوا: يا رسول الله، إن هنا أقوامًا حديث عهدهم بشرك يأتوننا بلحمان لا يدرى، يذكرون اسم الله عليها أم لا، قال: "اذكروا أنتم اسم الله، وكلوا" ٤. ٦٠٣- ومن الأحاديث التي ردوها هنا خبر "الوضوء من مس الذكر" لأنه من وجهة نظرهم -مخالف للكتاب؛ فإن الله يقول: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ ٥ -يعني الاستنجاء بالماء، فقد مدحهم بذلك وسمى فعليهم تطهرًا، ومعلوم أن الاستنجاء بالماء لا يكون إلا بمس الذكر، فالحديث الذي يجعل مسه حدثًا بمنزلة البول يكون مخالفًا لما في الكتاب٦.

стр. 283

٦٠٤- وكذلك لم يقبلوا حديث الشاهد واليمين الذي يقول: "إن رسول الله، ﷺ قضى باليمين مع الشاهد"؛ لأنه مخالف لكتاب الله من وجوه وسنفيض في شرح هذه الوجوه؛ لأننا سنتخذ هذا الحديث كمثال لرد الشافعي هذا المقياس: أحدهما: ٦٠٥- أنه قال: ﴿اسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ ١ ... أمر بالاستشهاد لإحياء الحق، وهو مجمل في حق كل ما هو شهادة. ثم فسر ذلك بنوعين: برجلين، بقوله تعالى: ﴿مِنْ رِجَالِكُم﴾ ، وبرجل وامرأتين لقوله : ﴿فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ ، إما على المساواة أو الترتيب.. ومثل هذا إنما يذكر لقصر الحكم عليه، وعلى هذا فالشاهد واليمين زائد على النص، والزيادة على النص كالنسخ عند الحنفية، ولا ينسخ الكتاب بخبر الآحاد٢. ٦٠٦- ويقتضي ذلك اقتصار الاستشهاد المطلوب بالأمر على النوعين؛ لأن المجمل إذا كان ذلك بيانًا لجمع ما يتناوله اللفظ، كقول الرجل: كل طعام كذا أو طعام كذا. أو أذنت لك أن تعامل فلانًا، فإن لم يكن ففلانًا، يكون ذلك بيانًا لجميع ما هو المراد بالإذن والأمر، وكذا لو قال: "تفقه من فلان أو فلان" كان التفسر الملحق به قصرًا بالتفقه عليهما، حتى لا يكون التفقه على غيرهما من موجبات الأمر، وكذا لو قال: استشهد زيدًا على صفقتك أو خالدًا لم يكن استشهاد غيرهما من المأمور، بل يكون زيادة عليه، فكذلك ههنا يصير المذكور في الآية الكريمة بيانًا للكل٣. ٦٠٧- وقد أثار صاحب كشف الأسرار، وهو من الحنيفة، اعتراضًا على هذا الوجه ولم يجب عليه فقال: إن للخصم أن يقول: إنكم ادعيتم القصر

стр. 284

في الآية الكريمة، مع أن القصر له طرق أربعة معروفة ولم يوجد شيء منها في الآية الكريمة، فكيف تستقيم دعوى القصر من غير دليله؟ ولئن سلمنا القصر كما زعمتم، فهو ثابت بطريق المفهوم، وهو ليس بحجة عندكم عندي. على أن من يعتبره حجة يقيده بعدم وجود دليل آخر يعارضه، فإذا عارضه سقط الاحتجاج به. وهنا دليل معارض، هو هذا الحديث، فلا يكون العمل به مخالفًا للكتاب١. ثانيهما: ٦٠٨- نص الله تعالى على أن أدنى ما تنتفي به الريبة شهادة شاهدين، قال تعالى: ﴿وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا﴾ ، وليس دون الأدنى شيء آخر نتنفي به الريبة، فلو كان الشاهد مع اليمين حجة للزم منه انتفاء كون المذكور في الكتاب أدنى في انتقاء الريبة وذلك لا يجوز، فكان في جعله حجة إبطال موجب الكتاب٢. ٦٠٩- وقد أثار البخاري هنا اعتراضًا كما فعل في الوجه السابق، فقال: إن الآية التي ذكرتموها لا دلالة فيها من هذا الوجه على ما ذكرتم، فهي تقول: ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا﴾ واسم الإشارة راجع إلى ﴿أَنْ تَكْتُبُوه﴾ في قوله عز اسمه: ﴿وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ﴾ والأدنى بمعنى الأقرب لا بمعنى الأقل، أي ذلكم الكتب أقسط عند الله وأقوم للشهادة، أي أعدل على أدائها. وأدنى ألا ترتابوا، أي: أقرب من انتفاء الريب. كذا في الكشاف وغيره ولا يجوز أن تصرف الإشارة إلى قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ وأن يجعل الأدنى بمعنى الأقل؛ لأن قوله تعالى: ﴿أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ﴾ لا تنقاد له، وإذا كان الأمر كذلك لا يكون الحديث مخالفًا للكتاب من هذا الوجه أيضًا.

стр. 285

ثالثها: ٦١٠- أنه نقل الحكم في استشهاد الرجل الثاني بعد شهادة الرجل الواحد إلى استشهاد امرأتين مبالغة في البيان، مع أن حضور النساء مجالس القضاء لأداء الشهادة خلاف العادة، بقوله عز ذكره: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُن﴾ ١، فلو كان يمين المدعي مع الشاهد الواحد حجة، وأمكن للمدعي الوصول إلى حقه بها لما استقام السكوت عنها في الحكمة، ولما نقل الحكم إلى استشهاد امرأتين، مع كل هذا الاستقصاء في البيان، بل كان الابتداء باليمين والشاهد أولى؛ لأنه أعم وأيسر وجودًا من الشهيدين، وبعبارة أخرى كان ذكر الشاهد واليمين بعد ذكر الرجلين أولى، ولم تتحقق الضرورة المبيحة لحضور النساء في محفل الرجال، كما لو وجد الرجلان "فكان النص دليلًا من هذا الوجه بطريق الإشارة على أن الشاهد واليمين ليس بحجة"٢. رابعها: ٦١١- أنه تعالى نقل الحكم من استشهاد مسلمين على وصية المسلم إلى استشهاد كافرين حين كانت شهادة الكفار جائزة وحجة لقلة المسلمين، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ ٣ أي: عدد الشهود فيها بينكم إذا حضر أحدكم الموت وقت الوصية اثنان عدلان من أهل دينكم أو آخران من غير أهل دينكم إن لم يجدوا مسلمين "أو" للترتيب كما فسرها ابن عباس وابن جبير وغيرهما، فلو كان اليمين مع الشاهد حجة لنقل الحكم إليه، لا إلى شهادة الكفار؛ لأن تجويز شهادتهم على المسلمين كان باعتبار الضرورة، وقد كان يمكن دفعها بالشاهد واليمين الذي هو أقرب إلى الحق
следующие страницы →