← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 22872

توثيق السنة في القرن الثاني الهجري أسسه واتجاهاته

رفعت بن فوزي عبد المطلب

Полный текст (432 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

صحته وعلى الزيافة فيه -كما يعبر السرخسي١- ويمضي ما جاء في الكتاب على ظاهره، ولا يجوز تخصيص عامه أو صرفه عن الظاهر إلى المجاز بهذا الخبر المخالف ولا نسخه. ٥٩٨- وعد الأحناف هذه المخالفة من الانقطاع الباطن، أي أن هذا الحديث المخالف ليس وثيق الصلة برسول الله ﷺ ؛ لأنه لو كان كذلك ما خالف كتاب الله ؛ لأن كتاب الله تعالى نقل نقلًا متواترًا وورد ورودًا قطعيًّا، وخبر الآحاد ظني، ولا تعارض بين القطعي والظني بوجه؛ بل الظني بمقابلة القطعي. ٥٩٩- ويبين فخر الإسلام البزدوي وجهة نظر الأحناف في حكم الحديث المخالف للكتاب، فيقول بعد أن ذكر أنه منقطع انقطاعات باطنية: "إن الكتاب ثابت بيقين، فلا يترك بما فيه شبهة -يعني بخبر الآحاد- ويستوي في ذلك الخاص والعام، والنص والظاهر، حتى إن العام من الكتاب لا يخص بخبر الواحد عندنا خلافًا للشافعي، ﵀، ولا يزاد على الكتاب بخبر الواحد عندنا، ولا يترك الظاهر له من الكتاب، ولا ينسخ بخبر الواحد وإن كان نصًّا؛ لأن المتن أصل والمعنى فرع له، والمتن من الكتاب فوق المتن من السنة، لثبوته ثبوتًا بلا شبهة فيه، فوجب الترجيح به قبل المصير إلى المعنى"٣. ٦٠٠- وقد رد الأحناف كثيرًا من الأخبار تطبيقًا لهذا المقياس، ومنها: حديث: "الحرم لا يعيذ عاصيًا ولا فارًّا بدم" لا يخصص العام في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ ٤.. وحديث: "الطواف بالبيت صلاة وشرطه شرط الصلاة" لا يترك به ظاهر قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ ٥..

стр. 282

وحديث: "لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه" لا يترك به ظاهر قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ ١ الآية الكريمة.. ٦٠١- وقال الأحناف: إذا ترك التسمية على الذبيحة عامدًا لا تحل، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ ٢ الآية الكريمة.. فمطلق النهي يقتضي التحريم، وأكد ذلك بحرف "من"، لأنه في موضع النفي للمبالغة، فيقتضي حرمة كل جزء منه، والهاء في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْق﴾ إن كانت كناية عن الأكل فالفسق أكل الحرام، وإن كانت كناية عن المذبوح، فالمذبوح الذي يسمى فسقًا في الشرع يكون حرامًا، كما قال تعالى: ﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ ٣. ٦٠٢- وتركوا من أجل هذا -حديث البراء بن عازب وأبي هريرة ﵄، أن النبي ﷺ قال: "المسلم يذبح على اسم الله، سمى أو لم يسم"، وحديث عائشة ﵂ قالت: "قالوا: يا رسول الله، إن هنا أقوامًا حديث عهدهم بشرك يأتوننا بلحمان لا يدرى، يذكرون اسم الله عليها أم لا، قال: "اذكروا أنتم اسم الله، وكلوا" ٤. ٦٠٣- ومن الأحاديث التي ردوها هنا خبر "الوضوء من مس الذكر" لأنه من وجهة نظرهم -مخالف للكتاب؛ فإن الله يقول: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ ٥ -يعني الاستنجاء بالماء، فقد مدحهم بذلك وسمى فعليهم تطهرًا، ومعلوم أن الاستنجاء بالماء لا يكون إلا بمس الذكر، فالحديث الذي يجعل مسه حدثًا بمنزلة البول يكون مخالفًا لما في الكتاب٦.

стр. 283

٦٠٤- وكذلك لم يقبلوا حديث الشاهد واليمين الذي يقول: "إن رسول الله، ﷺ قضى باليمين مع الشاهد"؛ لأنه مخالف لكتاب الله من وجوه وسنفيض في شرح هذه الوجوه؛ لأننا سنتخذ هذا الحديث كمثال لرد الشافعي هذا المقياس: أحدهما: ٦٠٥- أنه قال: ﴿اسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ ١ ... أمر بالاستشهاد لإحياء الحق، وهو مجمل في حق كل ما هو شهادة. ثم فسر ذلك بنوعين: برجلين، بقوله تعالى: ﴿مِنْ رِجَالِكُم﴾ ، وبرجل وامرأتين لقوله : ﴿فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ ، إما على المساواة أو الترتيب.. ومثل هذا إنما يذكر لقصر الحكم عليه، وعلى هذا فالشاهد واليمين زائد على النص، والزيادة على النص كالنسخ عند الحنفية، ولا ينسخ الكتاب بخبر الآحاد٢. ٦٠٦- ويقتضي ذلك اقتصار الاستشهاد المطلوب بالأمر على النوعين؛ لأن المجمل إذا كان ذلك بيانًا لجمع ما يتناوله اللفظ، كقول الرجل: كل طعام كذا أو طعام كذا. أو أذنت لك أن تعامل فلانًا، فإن لم يكن ففلانًا، يكون ذلك بيانًا لجميع ما هو المراد بالإذن والأمر، وكذا لو قال: "تفقه من فلان أو فلان" كان التفسر الملحق به قصرًا بالتفقه عليهما، حتى لا يكون التفقه على غيرهما من موجبات الأمر، وكذا لو قال: استشهد زيدًا على صفقتك أو خالدًا لم يكن استشهاد غيرهما من المأمور، بل يكون زيادة عليه، فكذلك ههنا يصير المذكور في الآية الكريمة بيانًا للكل٣. ٦٠٧- وقد أثار صاحب كشف الأسرار، وهو من الحنيفة، اعتراضًا على هذا الوجه ولم يجب عليه فقال: إن للخصم أن يقول: إنكم ادعيتم القصر

стр. 284

في الآية الكريمة، مع أن القصر له طرق أربعة معروفة ولم يوجد شيء منها في الآية الكريمة، فكيف تستقيم دعوى القصر من غير دليله؟ ولئن سلمنا القصر كما زعمتم، فهو ثابت بطريق المفهوم، وهو ليس بحجة عندكم عندي. على أن من يعتبره حجة يقيده بعدم وجود دليل آخر يعارضه، فإذا عارضه سقط الاحتجاج به. وهنا دليل معارض، هو هذا الحديث، فلا يكون العمل به مخالفًا للكتاب١. ثانيهما: ٦٠٨- نص الله تعالى على أن أدنى ما تنتفي به الريبة شهادة شاهدين، قال تعالى: ﴿وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا﴾ ، وليس دون الأدنى شيء آخر نتنفي به الريبة، فلو كان الشاهد مع اليمين حجة للزم منه انتفاء كون المذكور في الكتاب أدنى في انتقاء الريبة وذلك لا يجوز، فكان في جعله حجة إبطال موجب الكتاب٢. ٦٠٩- وقد أثار البخاري هنا اعتراضًا كما فعل في الوجه السابق، فقال: إن الآية التي ذكرتموها لا دلالة فيها من هذا الوجه على ما ذكرتم، فهي تقول: ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا﴾ واسم الإشارة راجع إلى ﴿أَنْ تَكْتُبُوه﴾ في قوله عز اسمه: ﴿وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ﴾ والأدنى بمعنى الأقرب لا بمعنى الأقل، أي ذلكم الكتب أقسط عند الله وأقوم للشهادة، أي أعدل على أدائها. وأدنى ألا ترتابوا، أي: أقرب من انتفاء الريب. كذا في الكشاف وغيره ولا يجوز أن تصرف الإشارة إلى قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ وأن يجعل الأدنى بمعنى الأقل؛ لأن قوله تعالى: ﴿أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ﴾ لا تنقاد له، وإذا كان الأمر كذلك لا يكون الحديث مخالفًا للكتاب من هذا الوجه أيضًا.

стр. 285

ثالثها: ٦١٠- أنه نقل الحكم في استشهاد الرجل الثاني بعد شهادة الرجل الواحد إلى استشهاد امرأتين مبالغة في البيان، مع أن حضور النساء مجالس القضاء لأداء الشهادة خلاف العادة، بقوله عز ذكره: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُن﴾ ١، فلو كان يمين المدعي مع الشاهد الواحد حجة، وأمكن للمدعي الوصول إلى حقه بها لما استقام السكوت عنها في الحكمة، ولما نقل الحكم إلى استشهاد امرأتين، مع كل هذا الاستقصاء في البيان، بل كان الابتداء باليمين والشاهد أولى؛ لأنه أعم وأيسر وجودًا من الشهيدين، وبعبارة أخرى كان ذكر الشاهد واليمين بعد ذكر الرجلين أولى، ولم تتحقق الضرورة المبيحة لحضور النساء في محفل الرجال، كما لو وجد الرجلان "فكان النص دليلًا من هذا الوجه بطريق الإشارة على أن الشاهد واليمين ليس بحجة"٢. رابعها: ٦١١- أنه تعالى نقل الحكم من استشهاد مسلمين على وصية المسلم إلى استشهاد كافرين حين كانت شهادة الكفار جائزة وحجة لقلة المسلمين، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ ٣ أي: عدد الشهود فيها بينكم إذا حضر أحدكم الموت وقت الوصية اثنان عدلان من أهل دينكم أو آخران من غير أهل دينكم إن لم يجدوا مسلمين "أو" للترتيب كما فسرها ابن عباس وابن جبير وغيرهما، فلو كان اليمين مع الشاهد حجة لنقل الحكم إليه، لا إلى شهادة الكفار؛ لأن تجويز شهادتهم على المسلمين كان باعتبار الضرورة، وقد كان يمكن دفعها بالشاهد واليمين الذي هو أقرب إلى الحق

стр. 286

من شهادة الكفار وأيسر وجودًا منها ... فلهذا علم أن خبر الشاهد مع اليمين ليس بحجة١. خامسها: ٦١٢- أن الله نقل الحكم عند وقوع الارتياب والشك في صدق الشاهد إلى تحليفه بقوله : ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ ٢ الآية الكريمة، وتحليف الشاهد حينئذ كان مشروعًا ثم نسخ، فلو كان المتنازع فيه وهو الشاهد مع اليمين حجة لكان النقل إليه أولى؛ لأنه أقرب إلى اليمين المشروعة إذا اليمين المشروعة على المدعى عليه وأنه أحد الخصمين، والمدعي يشبهه من حيث أنه خصم، وتحليفه في الجملة مشروع أيضًا، كما في القسامة٣ على مذهب البعض، أما يمين الشاهد فلا أصل له في الشرع؛ لأنه أمين، ولا يمين على الأمين في موضع، فكان النقل إلى يمين الشاهد في غاية البيان أن يمين المدعي ليست بمشروعة، وبالتالي فحديث اليمين مع الشاهد غير صحيح٤. ٦١٣- وقد أيد الأحناف وجهة نظرهم في اتخاذ هذا المقياس بما روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: "كل شرط ليس في كتاب الله تعالى فهو باطل، وكتاب الله أحق"٥. ويقول السرخسي "المراد كل

стр. 287

شرط هو مخالف لكتاب الله تعالى لا أن يكون المراد ما لا يوجدد عينه في كتاب الله تعالى؛ فإن عين هذا الحديث لا يوجد في كتاب الله تعالى ... فعرفنا أن المراد ما يكون مخالفًا لكتاب الله تعالى، وذلك تنصيص على أن كل حديث مخالف لكتاب الله تعالى فهو مردود"١. ٦١٤- واستدلوا أيضًا بما روي عن رسول الله ﷺ : "تكثر الأحاديث لكم بعدي، فإذا روي لكم عني حديث فاعرضوه على كتاب الله تعالى، فما وافقه فاقبلوه، واعلموا أنه مني، وما خالفه فردوه، واعلموا أني منه بريء"٢. ٦١٥- وقد استدل أبو يوسف بهذا الحديث أو قريبًا منه في معرض رده على سير الأوزاعي ومما قاله: "فعليك من الحديث بما تعرف العامة وإياك والشاذ منه؛ فإنه حدثنا ابن أبي كريمة، عن أبي جعفر، عن رسول الله ﷺ أنه دعا اليهود فسألهم، فحدثوه حتى كذبوا على عيسى ﵊، فصعد النبي ﷺ المنبر، فخطب الناس، فقال: "إن الحديث سيفشو عني فما أتاكم عني يوافق القرآن فهو عني، وما أتاكم عني يخالف القرآن، فليس مني" ٣. ٦١٦- ويؤيد الأحناف وجهة نظرهم بما روي عن أبي بكر وعمر وعائشة وأسامة رضوان الله عليهم أنهم ردوا خبر فاطمة بنت قيس في ألا نفقة للمبتوتة ولم يخصوا به قوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ ولا خلاف في أن المراد: وأنفقوا عليهن من وجدكم، ولهذا قال عمر ﵁: "لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا بقول امرأة لا ندري صدقت أم كذبت حفظت أم نسيت". وجمع أبو بكر الصحابة وأمرهم أن يردوا كل حديث مخالف للكتاب:

стр. 288

وردت عائشة ﵂ حديث تعذيب الميت ببكاء أهله عليه وتلت قوله تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ ١. الإمام مالك وعرض الحديث على الكتاب: ٦١٧- وإذا تركنا الأحناف إلى الإمام مالك رحمة الله عليهم جميعًا -فإننا نجده يلتقي في كثير من الأحيان معهم في هذا المقياس، فيرد بعض الأحاديث؛ لأنها تتعارض مع ظاهر القرآن الكريم أو كما يقول أستاذنا الدكتور عبد المجيد محمود: ذهب مذهبهم مع اختلاف يسير، وقاربهم في عرض أخبار الآحاد على الكتاب٢. فقد رد حديث "نهى رسول الله ﷺ عن أكل كل ذي مخلب من الطير" إذ مشهور مذهبه إباحة أكل الطيور ولو كانت ذات مخلب، وأخذ في ذلك بظاهر القرآن الكريم، وهو قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِير﴾ ٣، وترك الحديث لأنه يتعارض مع هذه الآية الكريمة٤. وترك بعض الأحاديث التي تحلل أكل لحوم الخيل؛ لأنها تتعارض مع قوله : ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ ٥ ولم يذكر طعامها، فكان ظاهر القرآن تحريمها. ٦١٨- وذكر بعض العلماء أن مالكًا رد حديث: "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعًا إحداهن بالتراب"؛ لأنه يتعارض مع ظاهر القرآن الكريم، وهو قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ فإباحة ما يصطاده يدل على طهارته، فيرد ما يدل على نجاسته٦. ٦١٩- ونرجح أن مالكًا لم يرد هذا الحديث، كما سنبين -إن شاء الله تعالى- عندما نتكلم على عرض خبر الواحد على القياس.

стр. 289

والإمام مالك لا يفعل ذلك في جميع الحالات -كما نجد هذا عند الأحناف، ففي بعضها يبقي على السنة بجانب القرآن الكريم؛ تخصص عمومه أو تقيد إطلاقه، وذلك عندما يكون هناك عاضد آخر كعمل أهل المدينة أو الإجماع، فقد أخذ بحديث النهي عن أكل كل ذي ناب من السباع، واعتبره مخصصًا لظاهر القرآن؛ لأنه -مع ثبوته- من عمل أهل المدينة، ولهذا قال بعد روايته في الموطأ من طريقين، عن أبي ثعلبة الخشني، وعن أبي هريرة قال: "وهو الأمر عندنا"١. ٦٢٠- وأخذ بحديث حرمة الجمع بين المرأة وعمتها والمرأة وخالتها، واعتبره مخصصًا لعموم الآية الكريمة: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ لأنه مع ثبوته يؤيده الإجماع٢. وبعد أن تعرفنا على اتجاه من اتجاهات نقد متن الحديث من أجل توثيقه أو عدمه بعيدًا عن الإسناد -وضح لنا بما لا يدع مجالًا للشك أن علماءنا لم يغفلوا هذه الناحية، وأن هذه الأحاديث القليلة التي ردوها لدليل على الكثرة الأخرى التي وثقوها وأخذوا بها، ولم يتكلموا عن مخالفتها لكتاب الله ؛ لأنها لم تكن كذلك بعد أن عرضوها بمقياسهم هذا، وهو عرض الآحاد على كتاب الله . ٦٢١- ويحسن بنا أن نتعرف على وجهة النظر المقابلة، تلك التي لا ترضى أن تترك حديث رسول الله، ﷺ إذا صحت نسبته إليه ﵇ عن طريق اتصاله والثقة برواته من حيث عدالتهم وضبطهم وتوافر الشروط التيينبغي أن تتوافر في الراوي الذي يقبل خبره ويوثق به. الإمام الشافعي وهذا المقياس: ٦٢٢- وقد رفض الإمام الشافعي هذا المقياس كعامل أساسي في توثيق السنة، وفي رفض بعض الأحاديث بناء عليه، ووصف العمل به بالجهل؛

стр. 290

لأن الله تعالى قد أحكم فرضه بكتابه، وبين كيفما فرض على لسان نبيه من تخصيص العام وغير ذلك؛ يقول: "إن قول من قال تعرض السنة على القرآن؛ فإن وافقت ظاهره، وإلا استعملنا ظاهر القرآن وتركنا الحديث جهل"١. ٦٢٣- وكان رد الإمام الشافعي على الأحناف ومن نهج نهجهم ذا شقين: الشق الأول: تضعيف ما استدلوا به من أحاديث عرض السنة على القرآن. والشق الثاني: إثبات توثيق ما ردوه من أحاديث تطبيقًا لمقياسهم. ٦٢٤- أما بالنسبة للشق الأول فقد ضعف أحاديث عرض السنة على القرآن من وجهين: أحدهما: أن إسناد هذه الأحاديث لا يثبت عن رسول الله ﷺ ، فحديث: "ما جاءكم عني فاعرضوه على كتاب الله، فما وافقه فأنا قلته وما خالفه فلم أقله" ما رواه أحد يثبت حديثه في شيء: صغير ولا كبير، فيقال لنا قد ثبتم من روى هذا في شيء"٢. وإسناده منقطع؛ لأنه عن رجل مجهول، ونحن لا نقبل مثل هذه الرواية. ويبين البيهقي سند هذا الحديث، فيقول: كأنه أراد -يعني الشافعي- ما حدث به أبو يوسف عن خالد بن أبي كريمة عن أبي جعفر، عن رسول الله، ﷺ ، أنه دعا اليهود فسألهم ... إلى آخر ما ذكرناه عن أبي يوسف٣.. ثم يقول: كأنه أراد بالمجهول خالد بن

стр. 291

أبي كريمة، ولم يعرف من حاله ما يثبت به خبره١، ويشير البيهقي إلى أن هذا الحديث قد روي من أوجه أخر كلها ضعيفة وأنه قد بين ضعف كل واحد منها في كتابه المدخل٢. ٦١٥- وعرض الشافعي لحديث آخر من هذه الحاديث بالنقد وهو حديث طاوس أن رسول الله، ﷺ قال: "لا يمسكن الناس علي بشيء؛ فإني لا أحل لهم إلا ما أحل الله لهم، ولا أحرم عليهم إلا ما حرم الله". فقال: هذا منقطع، مخالف لما أمر النبي، صلى الله عليه وسلم٣. ٦٢٦- وقد ذكر صاحب كشف الأسرار من الحنيفة نقدًا آخر لسند الحديث الأول ويبدو أنه على طريق آخر من طرقه غير الطريق الذي نقده منه الشافعي، فقال: أهل الحديث طعنوا فيه، وقالوا: روى هذا الحديث يزيد بن ربيعة، عن أبي الأشعث عن أبي أسماء الرحبي، عن ثوبان.. ويزيد بن ربيعة مجهول، ولا يعرف له سماع عن أبي الأشعث عن أبي أسماء الرحبي عن ثوبان، فكان منقطعًا أيضًا فلا يصح الاحتجاج به، وحكى عن يحيى بن معين أنه قال: هذا حديث وضعته الزنادقة، ثم عقب بقوله في ابن معين: وهو علم هذه الأمة في علم الحديث وتزكية الرواة٤. ٦٢٧- ولم يجب على طعن المحدثين هذا بإجابة ذت بال، وإنما نقل عبارتهم محرفة؛ لأن إسناد الحديث كما ذكروه، وكما ذكره الخطابي: يزيد بن ربيعة عن أبي الأشعث عن ثوبان٥.. ويبدو أن الإسناد الصحيح هو هذا، لأنني جهدت أن أعثر عما يسمى بأبي أسماء الرحبي، فلم أجده،

стр. 292

والرحبي هو يزيد بن ربيعة، وهو الذي يروي عن أبي الأشعث عن ثوبان كما ذكره الذهبي في ميزان الإعتدال١. وقال الخطابي مبينًا العلة في هذا الإسناد: إن يزيد مجهول، وأبو الأشعث لا يروي عن ثوبان٢. ٦٢٨- ولو عرف صاحب كشف الأسرار هذا لأمكنه أن يدافع عن أئمة مذهبه في استدلالهم بهذا الحديث، فيزيد بن ربيعة ليس مجهولًا كما يقول الخطابي، فقد قال فيه ابن عدي: لا بأس به، وقال أبو مسهر الغساني: كان يزيد بن ربيعة فقيهًا غير متهم، ما ينكر عليه أنه أدرك أبا الأشعث. وأبو الأشعث روى عن ثوبان وقال: سمعت ثوبان٣. ٦٢٩- ولكنه أتى بالعجيب من الجواب ردًّا على طعن المحدثين كما ذكره، فقال: "إن أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري أورد هذا الحديث في كتابه، وهو الطود المنيع في هذا الفن، وإمام أهل الصنعة، فكفى بإيراده دليلًا على صحته، ولم يلتفت إلى طعن غيره بعد٤".. ولكن أين ذكر البخاري هذا الحديث؟.. ليس في الجامع الصحيح قطعًا.. وقد يكون ذكره في التاريخ الكبير؛ ولكنه -إن ذكره هناك- فإنما ليبين ضعفه، فقد قال السيوطي: إن البخاري ذكر الحديث في تاريخه ونقده بقوله: "ذكر أبي هريرة فيه وهم"٥. ٦٣٠- ثم أيد صاحب كشف الأسرار هذا الحديث أيضًا بقوله: إنه قد روي له متابع يتأيد به عن محمد بن جبير بن مطعم أن النبي صلى الله عليه

стр. 293

وسلم قال: "ما حدثتم عني مما تعرفون فصدقوا به، وما حدثتم عني مما تنكرون فلا تصدقوا، فإني لا أقول المنكر وإنما يعرف ذلك بالعرض على الكتاب"١. ولكن هذا الحديث للمحدثين فيه مقال أيضًا، فقد قال البيهقي فيه: "هذا منقطع"٢. الوجه الثاني في نقد هذه الأحاديث: ٦٣١- وهو أن هذا الحديث يخالف النصوص الثابتة من الكتاب والسنة عندما يعرض عليها، أي: أن الشافعي نقد متن هذه الأحاديث بمقاييسهم هم وهو عرض الآحاد على القرآن والسنة المشهورة. ٦٣٢- قال الشافعي: ليس يخالف الحديث القرآن، ولكن حديث رسول الله ﷺ بين معنى ما أراد خاصًّا وعامًّا وناسخًا ومنسوخًا، ثم يلزم الناس ما سن بفرض الله، فمن قبل عن رسول الله ﷺ ، فمن الله قبل؛ لأن الله تعالى أمر المؤمنين باتباع الرسول وفرض عليهم ذلك، قال : ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ٣ إلى غير ذلك من الآيات الكريمة فإذا جاءت أحاديث تجعل الناس يعرضون عن سنة رسول الله ﷺ مثل هذه فإنها تكون مخالفة للكتاب فترفض. ٦٣٣- وهذه الأحاديث تخالف ما هو معروف عن النبي ﷺ من السنة الصحيحة مثل حديث: "لا ألفين أحدكم متكئًا على أريكته يأتيه الأمر من أمري، ما أمرت به أو نهيت عنه، فيقول ما ندري: ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه" ٤.

стр. 294

٦٣٤- وعلى فرض صحة هذه الأحاديث فليس معناها الاكتفاء بكتاب الله وعرض السنة عليه، وإنما معناها أن رسول الله ﷺ كانت له خواص أبيح له فيها ما لم يبح للناس، وحرم عليه ما لم يحرم على الناس، فقال: "لا يمسكن الناس علي بشيء من الذي لي أو علي دونهم". أما قوله ﷺ : "فإني لا أحل لهم إلا ما أحل الله ولا أحرم عليهم إلا ما حرم الله"؛ فمعناه أنه لا يخرج عن حدود الله تعالى فيما يحرم أو يحلل، سواء أكان هذا التحليل أو التحريم تبليغًا عن الله بالقرآن أم بالسنة"١. ٦٣٥- ولم يسلم صاحب كشف الأسرار أن هذه الأحاديث فيها مخالفة للآية الكريمة: ﴿وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُول﴾ الآية: وإذا قال: إن وجوب القبول بالكتاب إنما يثبت فيما تحقق أنه من عند الرسول ﵇ بالسماع منه أو بالتواتر، ووجوب العرض إنما يثبت فيما تردد ثبوته عن الرسول ﵇، إذ هو المراد من قوله: "إذا روي لكم عني حديث" فلا يكون فيه مخالفة للكتاب بوجه.. على أن المراد من الآية الكريمة -والله أعلم- ما أعطاكم الرسول من الغنيمة فاقبلوه، وما نهاكم عنه، أي عن أخذه، فانتهوا، وعن ابن عباس والحسن: وما نهاكم عنه من الغلول٢. ٦٣٦- والحق أن الأحناف قد شقوا على أنفسهم حينما استدلوا على ما يذهبون إليه من عرض السنة الآحادية على الكتاب الكريم بمثل هذه الأحاديث، مما جعل خصومهم يضمونهم إلى منكري السنة ويردون عليهم بمثل ما ردوا به على هؤلاء، وكان يكفيهم القول بأن أخبار الآحاد ظنية وكتاب الله قطعي فلا يخصص القطعي بالظني ولا ينسخ به. ٦٣٧- ويلاحظ أن الإمام الشافعي لم يناقشهم في الحديث الآخر الذي ذكره السرخسي: "كل شرط ليس في كتاب الله"٣ الحديث، ويبدو أن متأخريهم هم الذين استدلوا به.. على أنه يمكن أن يقال: إن الحديث

стр. 295

يعني تلك الشروط التي ليس فيها نص من الكتاب ومن السنة أيضًا، لأن السنة من الكتاب، باعتبارها مبينة له، ومفروضة على المسلمين به، فهذا هو ما يفهم من كلام رسول الله ﷺ ؛ إذ قوله: "الولاء لمن اعتق". ليس في القرآن الكريم، وهو ما كانت ستخالفه عائشة، فنهى رسول الله ﷺ المسلمين عنه وعن مثله، مما جاءت به السنة أيضًا. توثيق ما رده الأحناف تطبيقًا لمقياسهم: ٦٣٨- وهذا هو الشق الثاني من رد الإمام الشافعي على القائلين بعرض الآحاد على كتاب الله ، ونكتفي هنا بحديث: "يمين المدعي مع شاهد واحد، فقد أفاض الإمام الشافعي في توثيقه، ودفع جهة النظر التي ترده، وإزالة ما يظهر فيه من تعارض لكتاب الله ؛ لأنه -كما عرفنا من رأيه- إذا صح الحديث سندًا فإنه لا يتعارض مع الكتاب حتمًا. ٦٣٩- ومن هنا بدأ برواية الحديث -كما صح عنده- بطرقه المختلفة وبالآثار التي ورد فيها تطبيق له من علماء المسلمين وقضاتهم، ويحسن بنا أن نسجل هذا كله، كما أورده الشافعي في كتاب الأم "ج٦ ص ٢٧٣ - ٢٧٥" قال: ١- أخبرنا عبد الله بن الحارث المخزومي، عن سيف بن سليمان عن قيس بن سعد، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ "قضى باليمين مع الشاهد"، قال عمر: وفي الأموال١. ٢- أخبرنا إبراهيم بن محمد، عن ربيعة عن عثمان، عن معاذ بن عبد الرحمن، عن ابن عباس، ورجل آخر سماه، ولا يحضرني ذكر اسمه،

стр. 296

من أصحاب النبي ﷺ أن رسول الله ﷺ : "قضى باليمين مع الشاهد". ٣- أخبرناعبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن سعيد بن عمرو بن شرحبيل بن سعيد بن سعد بن عبادة، عن أبيه، عن جده، قال: وجدنا في كتب سعد بن عبادة يشهد سعد بن عبادة: "أن رسول الله ﷺ قضى باليمين مع الشاهد" ... ٤- وذكر عبد العزيز بن المطلب عن سعيد بن عمرو، عن أبيه، قال: وجدنا في كتب سعد بن عبادة يشهد سعد بن عبادة أن رسول الله ﷺ أمر عمرو بن حزم أن يقضي باليمين مع الشاهد١. ٥- أخبرنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، "أن رسول الله ﷺ ، "قضى باليمين مع الشاهد" قال عبد العزيز:

стр. 297

فذكرت ذلك لسهيل، فقال: أخبرني ربيعة عني، وهو ثقة: أني حدثته إياه، ولا أحفظه. قال عبد العزيز، وكان أصاب سهيلًا علة أذهبت بعض عقله، ونسي بعض حديثه، وكان سهيل يحدثه عن ربيعة عن أبيه. ٦- أخبرنا إبراهيم بن محمد عن عمرو بن أبي عمر مولى المطلب عن سعيد بن المسيب أن رسول الله ﷺ "قضى باليمين مع الشاهد". ٧- أخبرنا مالك عن جعفر بن محمد عن أبيه أن النبي ﷺ "قضى باليمين مع الشاهد"١. ٨- أخبرنا مسلم بن خالد قال: حدثني جعفر بن محمد قال: سمعت الحكم بن عتيبة يسأل أبي، وقد وضع يده على جدار القبر ليقوم: "أقضى رسول الله ﷺ باليمين مع الشاهد؟ ... قال: نعم، وقضى بها بين أظهركم". قال مسلم، قال جعفر: في الدين. ٩- أخبرنا مسلم بن خالد، عن ابن جريح، عن عمرو بن شعيب "أن النبي ﷺ قال -في الشهادة: $"فإن جاء بشاهد أحلف مع شاهده". ٦٣٨- وعلى الرغم من أن الأحاديث من ٦- ٩ مراسيل إلا أنها من المراسيل المقبولة المحتج بها عند الشافعي؛ لوجود أحاديث مسندة في معناها، وهذه من الحالات التي يقبل فيها الشافعي المرسل، كما سبق أن عرفنا. ٦٣٩- ثم روى الشافعي بعد هذا أخبارًا عن التابعين وتابعيهم الذين قضوا أو أفتوا بجواز القضاء بشاهد ويمين صاحب الحق، وهم عمر بن

стр. 298

عبد العزيز، وشريح وأهل المدينة، والشعبي، وسليمان بن يسار وأبو سلمة ابن عبد الرحمن، وعبد الله بن عتبة بن مسعود، وزريق بن حكيم، وزرارة ابن أوفى١. ٦٤٠- وعلى الرغم من هذا فقد روى الأحناف عن بعض التابعين وتابعيهم خلاف ذلك، فعن الزهري قال في "اليمين مع الشاهد"، وقد سئل عن جوازه: "هذا شيء أحدثه الناس، لا إلا شاهدين" وفي رواية عنه كان يقول: إنه بدعة، وأول من أجازه معاوية، ويقول الجصاص معقبًا على كلام الزهري: "والزهري من أعلم أهل المدينة في وقته، فلو كان هذا الخبر ثابتًا كيف كان يخفى مثله عليه؟ وهو أصل كبير من أصول الأحكام، وعلى أنه قد علم أن معاوية أول من قضى به، وأنه بدعة" ثم استطرد الجصاص في نقد الروايات التي تجوز ذلك٢. ٦٤١- وعلى الرغم من أن الإمام الشافعي حجة في الحديث وخبير بصحيحه وسقيمه، ورأيه في هذا الموضوع وفي أحاديثه حجة. إلا أنه إنصافًا للأحناف. ٦٤٢- نقول: إن هذه الأحاديث وغيرها التي رفضها الأحناف لم تسلم من الطعن، من حيث سندها ونقلتها٣، الأمر الذي يجعلنا نرجح أن مقياس عرض الآحاد على القرآن وغيره مما قال به الأحناف أو غيرهم كان يعمل به فيما فيه شك من حيث نقله، وإن قال بصحته بعض العلماء، فهو عامل حاسم فيما تأرجح بين ثبوته وعدم ثبوته من الأحاديث، مما يمكن أن يرفضه المجتهد حينما يرى اختلاف الآراء حال صحته ولا يطمئن قلبه إليه. وسنرى أن الإمام الشافعي نفسه يستخدم هذا المقياس وغيره أيضًا مما قال به

стр. 299

مخالفوه عندما يريد أن يثبت الأحاديث التي نقلها الصادقون في تقديره وعلمه، فهو موقف شبيه بهذا الموقف وإن اختلفت النتائج في الموقفين. ٦٤٣- وبعد أن أثبت الشافعي أحاديث "الشاهد واليمين" بروايتها متصلة ومرسلة اتجه إلى توثيقها من حيث متنها نفسه؛ ليرد على من يقولون بردها؛ لأنها تخالف كتاب الله . قال الإمام الشافعي: إنه ليس هناك تعارض بين الآية الكريمة: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ والحديث، وليس يعلم أن في هذه الآية تحريم القضاء بأقل من شاهدين؛ لأن الشاهدين اللذين أمر الله جل ثناؤه بهما يجب أن يكونا عدلين حرين مسلمين، ومع ذلك نجيز شهادة أهل الذمة، ولم نعتبر هذه مخالفة لكتاب الله، وأجزنا شهادة القابلة وحدها ولم نعتبرها مخالفة لكتاب الله. ٦٤٤- ويقول لمخالفيه: وهناك نظائر لهذا حكمتم فيها بما ليس في القرآن، ولم تعتبره مخالفًا، فقد قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ ١، وقال عز ذكره: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ ٢ ومع هذا قلتم: إن الرجل إذا خلا بالمرأة، وأغلق بابًا أو أرخى سترًا، أو خلا بها في صحراء وهما يتصادقان ولم يمسها كان لها المهر وعليها العدة والقضاء باليمين مع الشاهد أبعد ما يكون خلافًا لظاهر القرآن من هذا مع هاتين الآيتين. ٦٤٥- وإن الله قال: "شهيدين" و"رجل وامرأتان" ففيه دليل على ما تتم به الشهادة، حتى لا يكون على من أقام الشاهدين يمين، لا أنه حرم أن يحكم بأقل منهما.. ومن جاء بشاهد لم يحكم له بشيء، حتى يحلف معه، فهوحكم غير الحكم بالشاهدين -ومثله أن يدعي الرجل على الرجل حق فينكل المدعي عليه عن اليمين، فيلزمه عندك ما نكل عنه،

стр. 300

وعندنا إذا حلف المدعي مع شاهد فهو حكم بغير شهادة شاهد وامرأتين وشهادة شاهدين١. ٦٤٦- وقد حكم الله في الزنا بأربعة، وجاءت بذلك السنة وقال الله : ﴿شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ وقد صار أهل العلم إلى ذلك؛ أي إلى إجازة أربعة في الزنا بالسنة واثنين في غير الزنا بالآية الكريمة، ولم يقولوا: إن واحدًا منهما نسخ الآخر ولا خالفه، وأمضوا كل واحد منهما على ما جاء فيه. وقد أجاز أهل العلم شهادة النساء وحدهن في عيوب النساء وغيرها من أمور النساء٢، بلا كتاب مضى ولا سنة، ولم يقل أحد إن الله تعالى أحد الشهادات، فجعل أقلها شاهدًا وامرأتين، ولا تجوز بناء عليه شهادة النساء لا رجل معهن. ولم يقل أحد كذلك: إن هذا مخالف للقرآن والسنة، لا يجوز -إذن- أن نرد السنة في اليمين مع الشاهد، ونتأول القرآن، مع أننا لم نرد أثرًا بأقل من شاهد ويمين ولم نتأول القرآن، وهو ما روي عن علي كرم الله وجهه أنه أجاز شهادة القابلة٣. ٦٤٧- ثم قال لمخالفيه: إنكم تقضون: أنه من وجد مقتولًا في محلة، ولم تقم بينه على أحد منهم بعينه أنه قتله -يحلف من أهلها خمسون رجلًا خمسين يمينًا ويدفعون الدية هم وعواقلهم، في ثلاث سنين٤. فكيف تقضون بهذا مع أنكم تزعمون أن كتاب الله يحرم أن يعطي مدع بأقل من شاهدين أو شاهد وامرأتين ... وأن سنة رسول الله ﷺ تحرم أن يعطي مدع إلا بالبينة، وهي شاهدان أو شاهد وامرأتان، وتدل على أن اليمين براءة لمن حلف؟! ... وكيف تعطون بلا شاهد هنا -في القسامة- وأحلفتم ولم تبرءوا، فخالفتم الكتاب والسنة؟!.

стр. 301

٦٤٨- فإن قلتم: لم نخالفهما، وقد روي هذا عن عمر الخطاب -وهو أعلم بالكتاب والسنة- قلنا: إن هذا دليل على أن دعواكم أن الكتاب يحرم أن يعطى فيه أحد بأقل من شاهدين، و"أن السنة تحرم أن يحول حكم عن أن يعطي فيه بأقل من شاهدين -"كما في الشاهد واليمين" - أو يحلف فيه أحد، ثم لا يبرأ" - "كما في القسامة" -ليس بعام- كما زعمتم - وإذا كنتم قد خرجتم عن هذا العموم بالخبر عن عمر - فإننا لم نقل بالشاهد واليمين إلا بالخبر الثابت عن رسول الله، ﷺ وليس برأي رأيناه، والخبر عن رسول الله، ﷺ ، أولى من الخبر عن غير رسول الله١. ٦٤٩- ثم انتقل الإمام الشافعي إلى ضرب أمثلة أخرى من غير الشهادة والدعوى قال فيها الخالفون بالسنة، ولو طبقوا هذا المقياس لتركوها ومنها "المسح على الخفين" مع أن بعض الصحابة تركه وعنف من يمسح على الخفين. أخذ به الأحناف، مع أن الله لم يزد على أن قال: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ ٢ فما هو بين في كتاب الله إنما هو غسل القدمين أو مسحهما فقط، وليس في مسح الخفين، وإنما ورد ذلك في السنة الثابتة عن رسول الله، ﷺ . ٦٥٠- ومن ذلك قول المخالفين: إنه لا يقطع إلا من سرق من حرز، ومن بلغت قيمته شيئًا مؤقتًا، دون غيره. هذا مع أن ظاهر كتاب الله أن يقطع كل من لزمه اسم السرقة، قلّت سرقته أو كثرت، قال تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا.....﴾ ٣ الآية الكريمة، وما قالوا بذلك إلا لما جاء عن النبي، ﷺ ،

стр. 302

مما يدل على ألا يقطع إلا من سرق من حرز، ومن بلغت سرقته شيئًا مؤقتًا دون غيره١. ٦٥١- ومن ذلك قولهم برجم المحصن فقط إذا زنى، مع أن المذكور في القرآن الكريم هو الجلد لكل من لزمه اسم الزنا؛ مملوكًا كان أو حرًّا"، محصنًا أو غير محصن، قال تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾ ٢ وما قالوا بذلك إلا بالسنة، وهي أنه ﷺ رجم ماعزًا، ولم يجلده، ولم يعرضوا ذلك على القرآن، ويقولوا فيه ما قالوا في حديث الشاهد واليمين٣. إلى غير ذلك من الأمثلة الكثيرة التي ساقها الإمام الشافعي، ﵁ ليبرهن على أن الذين قالوا بهذا المقياس، كانوا يستعملونه في بعض الأوقات دون بعضها الآخر. ٦٥٢- لكن قد يقال: إن السنة في هذه المواضع ليست من الآحاد، التي يعرضها الأحناف مثلًا على كتاب الله ، وإنما هي سنة مشهورة، وهذه يزاد بها على الكتاب -كما قلنا-٤؛ لأن ثبوتها أقوى من ثبوت أخبار الآحاد وتفيد طمأنينة القلب، وليس ذلك موجودًا في أخبار الآحاد، فهناك فرق بينها وبين الأخبار التي ردوها، ومنها خبر الشاهد واليمين. ٦٥٣- وقد نبه على ذلك صاحب كتاب كشف الأسرار عندما قال: "فإن قيل: إن الصحابة خصوا قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ ٥

стр. 303

بقوله ﵊: "لا ميراث لقاتل" وقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ ٢ و ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾ ١ بقوله ﵇: "لا يتوارث أهل ملتين شتى" وقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ ٢ بقوله ﷺ : "لا تنكح المرأة على عمتها" في شواهد لها كثيرة فثبت أن تخصيص الكتاب بخبر الواحد جائز. "قلنا: هذه أحاديث مشهورة تجوز الزيادة بمثلها على الكتاب، ولا كلام فيها، إنما الكلام في خبر شاذ خالف عموم الكتاب، هل يجوز التخصيص به؟ وليس فيما ذكرتم دليل على جوازه، والدليل على عدم جوازه أن عمر وعائشة وأسامة ﵃ ردوا خبر فاطمة بنت قيس، ولم يخصوا به قوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ ٣ حتى قال عمر، ﵁: "لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا بقول امرأة لا ندري صدقت أم كذبت، حفظت أم نسيت"٤. ٦٥٤- والجدير بالذكر أن الإمام الشافعي، ﵁، لم يكن وحده في الميدان يدفع هذا المقياس، وإنما انتضى لذلك غيره، فقد حكى حوارًا شاهده بين صاحب لمحمد بن الحسن وبين صاحب له يسمى يحيى ابن البناء، وفي هذا الحوار الاتجاه الذي سار فيه الإمام الشافعي في رده ابن البناء. وفي هذا الحوار الاتجاه الذي سار فيه الإمام الشافعي في رده على من يقولون بعرض الآحاد على الكتاب الكريم، يقول: "حضرت مجلسًا فيه جماعة، فيهم رجل يقال له سفيان بن سخيان، فقلت ليحيى بن البناء -وكان حاضرًا-: كيف فقه هذا؟ فقال لي: هو حسن الإشارة بالأصابع، ثم قال لي: تحب أن تسمعه؟ قلت: نعم. فقال: يا أبا فلان: رأيت شيئًا أعجب من إخواننا من أهل المدينة، في قضاياهم باليمين مع الشاهد؟.. إن الله أمر بشاهدين، فنص على

стр. 304

القضية، ثم قال: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ ، ثم أكد ذلك، فقال: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ ، فبين أنه لا تتم الشهادة إلا برجلين أو رجل وامرأتين، فقالوا: يقضي برجل واحد، ويمين صاحب الحق". "فقال: نعم؛ إنهم يقولون من هذا ما هو خلاف القرآن، فقال له يحيى: احتجوا، فقالوا: إن رسول الله ﷺ أعلم بمعنى كتاب الله، وقد رووا عنه أنه قضى باليمين مع الشاهد، ورووا ذلك عن علي بن أبي طالب ﵇ "كذا". "فقال ابن سخيان: لا يقبل هذا من الرواة، وهو خلاف القرآن فقال له يحيى: فما تقول فيمن تزوج امرأة ودخل بها، وأغلق عليها بابًا وأرخى سترًا، ثم فارقها، وأقرا جميعًا أنهما لم يتماسا؟ فقال: عليه الصداق. "فقال يحيى: فإنهم يقولون: إن الله تعالى قد قال في كتابه: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ وأنت تجعل عليه الكل. "فقال: قال عمر بن الخطاب، ﵁، ذلك، وهو أعلم بمعنى الكتاب. "فقال له يحيى: فلم تر للقوم حجة، وقد رووا ذلك عن النبي، ﷺ ، وهو المبين عن الله معنى ما أراد، ورووا ذلك عن علي بن أبي طالب ﵁، ورأيت لنفسك حجة بما رويت عن عمر ﵁، فلم يكن عنده في ذلك شيء"١. ٦٥٥- ومهما يكن من شيء فقد أفاض الإمام الشافعي، ﵁، في رد هذا المقياس أكثر من غيره -على ما نعلم- لأنه يرى أنه باب يمكن أن ينفذ منه الحاقدون على السنة، فيعصفوا بها، ويحاولوا أن يبعدوها المسلمين عنها بحجة أن ما فيها ليس موجودًا في القرآن الكريم، وهذا هو

стр. 305

ما حدث فعلًا الآن، في عصرنا الحديث، فقد نبتت نابتة تقول: إن السنة لم تنقل نقلًا صحيحًا، فينبغي تركها، ويرون مخالفتها لكتاب الله عز وجل١. ٦٥٦- والحق أنه لا ضير على المسلمين في ألا يستعملوا هذا المقياس عندما يتأكدون من صحة نقل الحديث بمنهاج المحدثين ومصفاتهم التي صفت الأحاديث الصحيحة، وأبعدت عنها كل موضوع أو ضعيف، لأنه قد تخفى على عقولنا الحكمة في بعض الأحاديث فنتوهم أنها تعارض مع بعض الأحاديث التي رواها الثقات، كما فعل الأحناف في حديث اليمين مع الشاهد، فقد قالوا: إن في الآية قصرًا، وأن هناك حدًّا أدنى للشهادة، مع أن تأويلًا آخر للآية -كما فعل الإمام الشافعي- أدى إلى وجهة نظر أخرى ترى أن الآية لا تتعارض مع الحديث، وتثبت ما هو أدنى إلى العقل، وهو: أن الحديث إذا صدق نقلته كان وثيق الصلة برسول الله، ﷺ . ٦٥٧- على اننا يمكننا أن نستفيد من هذا المقياس في بعض الحالات وذلك عندما يكون الحديث ضعيفًا، فإنه مما يؤكد لنا ضعفه، ويطمئننا على ذلك أن يكون متعارضًا بوضوح مع كتاب الله.. وعند ترجيح بعض الأحاديث بعضها الآخر، ويكون في هذه الحالة عاملاً أيضًا من عوامل الاطمئنان والتأكيد فقط. الإمام الشافعي واستخدام هذا المقياس: ٦٥٨- وهذا هو ما فعله الإمام الشافعي كما نرى ذلك في كتابيه اختلاف الحديث والرسالة. ومن الأمثلة على ذلك اختياره لحديث من أحاديث صلاة الخوف دون آخر؛ "لأن فيه من الشبه بمعنى كتاب الله "، فقد روى مالك عن يزيد بن رومان عن صالح بن خوات عمن صلى مع رسول الله،

стр. 306

صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف يوم ذات الرقاع١: "أن طائفة صفت معه، وطائفة وجاه العدو، فصلى بالذين معه ركعة، ثم ثبت قائمًا، وأتموا لأنفسهم، ثم انصرفوا، فصفوا وجاه العدو، وجاءت الطائفة الأخرى، فصلى بهم الركعة التي بقيت من صلاته، ثم ثبت جالسًا، وأتموا لأنفسهم، ثم سلم بهم". ٦٥٩- وروى عبد الله بن عمر بن حفص، عن أخيه عبيد الله بن عمر، عن القاسم بن محمد عن صالح بن خوات بن جبير، عن النبي ﷺ مثل حديث يزيد بن رومان٢. ٦٦٠- قال الشافعي: وروى ابن عمر عن النبي ﷺ أنه صلى صلاة الخوف خلاف هذه الصلاة في بعض أمرها، فقال: صلى ركعة بطائفة، وطائفة وبين العدو، وجاءت الطائفة التي لم تصل معه، فصلى بهم الركعة التي بقيت عليه من صلاته، وسلم، ثم انصرفوا فقضوا معًا. وروى أبو عياش الزرقي أن النبي ﷺ يوم عسفان وخالد بن الوليد بينه وبين القبلة، فصف بالناس معه معًا، ثم ركع وركعوا معًا، ثم سجد، فسجدت معه طائفة، وحرسته طائفة، فلما قام من السجود، سجد الذين حرسوه، ثم قاموا في صلاته. قال جابر قريبًا من هذا. ٦٦١- وهذه الأحاديث كلها صحيحة الإسناد، لكنها تحتاج إلى ترجيح بعضها على بعض ليعمل بالراجع منها. ٦٦٢- وقد اختار الإمام الشافعي، ﵁، الأخذ بصلاة النبي ﷺ يوم ذات الرقاع دون غيرها، وهي ما عبر عنها الحديث الأول، حديث خوات بين جبير لما "فيه من الشبه بمعنى كتاب الله ، فالله يقول: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ

стр. 307

طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ ١.. وقال عز من قائل: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ ٢. ٦٦٣- فقد فرق الله بين الصلاة في الخوف وفي الأمن، حذرًا للمؤمنين أن ينال منهم عدوهم غرة أو يفتح فيهم ثغرة، وحديث خوات ابن جبير هو الذي يدل على هذا الحذر أكثر من غيره، وذلك أن الطائفة التي تصلي مع الإمام تحرسها الطائفة الأخرى التي هي خارج الصلاة "والحارس إذا كان في غير صلاة كان متفرغًا من فرض الصلاة، قائمًا وقاعدًا، ومنحرفًا يمينًا وشمالاً، وحاملاً إن حمل عليه، ومتكلمًا إن خاف عجلة من عدوه، ومقاتلًا إن أمكنته فرصة، غير محول بينه وبين هذا في الصلاة، ويخفف الإمام بمن معه الصلاة إذا خاف حمله العدو بكلام الحارس"٣. ٦٦٤- أما الأحاديث التي تخالف حديث خوات بين جبيرة، فهي على خلاف الحذر الذي تدل عليه الآية، ووافقها فيه حديث خوات، فالطائفة التي تبدأ الصلاة مع الإمام تنصرف دون أن تكمل الصلاة؛ فتحرس الطائفة الأخرى، وهي لا تزال في صلاة، ويعد أن يسلم الإمام يقضيان جميعًا، ولا حارس لهما؛ لأنه لم يخرج من الصلاة إلا الإمام، وهو وحده لا يغني شيئًا أمام العدو، "فكان هذا خلاف الحذر والقوة في المكيدة"٤.

стр. 308

٦٦٥- وهناك وجه شبه آخر بين معنى الآيات وحديث خوات، مما جعل الشافعي يرجحه على غيره من تلك الأحاديث، وهو أن الله ذكر صلاة الإمام والطائفتين معًا، ولم يذكر قضاء على الإمام، ولا على الطائفتين، مما يدل على أن الإمام والمأمومين يخرجون من الصلاة ولا قضاء عليهم، وهذا ما يدل عليه حديث خوات ويخالفه غيره. ٦٦٦- ومع هذا فالإمام الشافعي ﵁ لا ينسى أن الأحاديث الأخرى صحيحة؛ لأن من نقلها رواة ثقات عنده، وهذا هو الأساس، فأثبتها وبين وجه صحتها من خلال متنها أيضًا وهو هنا يقدم عناية بمتونها لا تقل عن عناية الآخرين، فهو يرى أن حديث أبي عياش وجابر في صلاة الخوف يمكن الأخذ به إذا وجد السبب الذي من أجله صليت تلك الصلاة على النحو الذي صلوها عليه، فقد كان رسول الله، ﷺ في ألف وأربعمائة، وكان خالد في مائتين، وكان منه بعيدًا في صحراء واسعة، لا يطمع فيه؛ لقلة من معه، وكثرة من مع رسول الله، صلى الله عليه سلم، وكان الغالب ألا يحمل عليه العدو، ولو حمل عليه من بين يديه رآه، لأنه قد احتاط منه في السجود، فكانوا يرونه دائمًا، في السجود وفي غير السجود بطبيعة الحال. فإذا كان الأمر كذلك؛ أي: العدو قليل وبعيد، وليس هناك من حائل يستر العدو عن الجيش، أمكن أن تصلى صلاة الخوف على النحو الذي وصفها به حديث أبي عياش وجابر١، ويكون الاختلاف بينه وبين حديث خوات ابن جبير إنما هو اختلاف الحالين. ٦٦٧- وكذلك الحديث الآخر، حديث ابن عمر؛ إذ "يحتمل أن يكون لما جاز أن تصلى صلاة الخوف على خلاف الصلاة في غير الخوف، جاز لهم أن يصلوها كيفما تيسر لهم، وبقدر حالاتهم وحالات العدو إذا أكملوا العدد، فاختلفت صلاتهم وكلها مجزئة عنهم إن شاء الله تعالى"٢. ٦٦٨- ومن الأحاديث، كذلك، التي رجح فيها الشافعي، ﵁، بينها ائتناسًا بظاهر القرآن أحاديث غسل القدمين، وأحاديث مسح

стр. 309

ظهريهما ورشهما، فقد رجح أحاديث غسل القدمين على الأخرى، لأن مع الأولى ظاهر القرآن الكريم. هذا على الرغم من أن في أحاديث المسح أو الرش من هو حسن الإسناد، ويثبت لو كان منفردًا كما يقول الإمام الشافعي، يقول معقبًا على هذه الأحاديث: "فإن قال قائل: فما جعل هذه الأحاديث -يعني: أحاديث الغسل- أولى من حديثي مسح القدمين ورشهما؟ قيل: أما أحد الحديثين -يعني في المسح أو الرش، فليس مما يثبت أهل العلم بالحديث لو انفرد، وأما الحديث الآخر فحسن الإسناد، ولو كان منفردًا ثبت، والذي يخالفه -يعني حديث الغسل- أكثر وأثبت منه، إذا كان هكذا كان أولى، ومع الذي خالفه ظاهر القرآن كما وصفت، وهو قول الأكثر من العامة"١. وهو يعني بظاهر القرآن في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ ٢، بنصب أرجلكم على معنى: فاغسلوا وجوهكم وأيديكم وأرجلكم. ٦٦٩- وقد أيد الإمام الشافعي الأحاديث التي نسخت نكاح المتعة بدلائل القرآن الكريم، فقد روى بسنده أن علي بن أبي طالب ﵁ قال لابن عباس ﵄: "إن رسول الله ﷺ نهى عن نكاح المتعة وعن لحوم الحمر الأهلية". كما روى بسنده عن ابن مسعود ﵁ قال: "كنا نغزو مع رسول الله ﷺ وليس معنا نساء، فأردنا أن نختصتى، فنهانا عن ذلك رسول الله ﷺ ، ثم رخص لنا أن ننكح المرأة إلى أجل بالشيء". قال الإمام الشافعي: فإن لم يكن في حديث علي بيان أنه ناسخ لحديث ابن مسعود وغيره مما روي في إحلال المتعة فإنه يسقط تحليلها بدلائل القرآن والسنة والقياس. ٦٧٠- ثم رد على الذين يقولون بأن نكاح المتعة حلال ولم يحرم مبينًا ما أشار إليه من أن دلائل القرآن تدل على تحريمه، وتؤكد حديث علي ﵁. قال الله جل ثناؤه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ

стр. 310

ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ الآية الكريمة، فأحلهن بعد التحريم بالنكاح، ولم يحرمهن إلا بالطلاق. وقال عز ذكره في الطلاق: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ ١. وقال : ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ ٢ الآية الكريمة. فجعل إلى الأزواج فرقة ما انعقد عليه النكاح، فكان بينا -والله أعلم- أن يكون نكاح متعة المتعة منسوخًا بالقرآن والسنة في النهي عنه لما وصفت؛ لأن نكاح المتعة: أن ينكح امرأة مدة، ثم ينفسخ نكاحها بلا إحداث طلاق منه، وفيه إبطال ما وصفت مما جعل الله إلى الأزواج من الإمساك والطلاق. وإبطال المواريث بين الزوجين، وأحكام النكاح التي حكم الله بها في الظهار والإيلاء واللعان -إذا انقضت المدة قبل إحداث الطلاق٣. ٦٧١- من كل هذا ندرك -أن الأحناف قد عنوا من خلال عرض السنة على القرآن بمتن الحديث وتوثيقه من حيث التأمل فيما يشتمل عليه من معنى. هذا فوق عنايتهم به عن طريق توثيق الرواة الذين نقلوه -كما عرفت في القسم السابق.. كما أدركنا يقينًا كذلك أن خصومهم لم يقفوا مكتوفي الأيدي في هذا السبيل، فهم قد دفعوا هذا المقياس من خلال تفحصهم في متون ما رفضه الأحناف؛ ليثبتوا أن هذه المتون -وقد صح سندها في رأيهم جدير معناها بالقبول، وأنها لا تتعارض مع كتاب الله .. وكما قلت: فقد قدموا عناية بفحص المتون لا تقل عن عناية خصومهم.. وننتقل -بعون من الله وفضل منه- إلى مقياس آخر من مقاييسهم ومناقشة مخالفيهم لهم فيه، لنقدم صورة أخرى من نقد المتون والعناية بتوثيقها من داخلها.

стр. 311

الفصل الثاني: عرض أحاديث الآحاد على السنة المشهورة ٦٧٢- وكما عرض الأحناف أخبار الآحاد على الكتاب، فقبلوا منها ما وافقه وردوا ما خالفه، عرضوها أيضًا على السنة المشهورة، وعدوا أخبار الآحاد هذه من الأخبار المنقطعة عن رسول الله ﷺ انقطاعًا باطنيًّا، ذلك لأن الأخبار المشهورة أفادت اليقين القلبي، أما أخبار الآحاد فتفيد العلم الظني، فالأولى أوثق صلة برسول الله ﷺ من الثانية، فإذا تعارضتا دلت المشهورة على أن غيرها لم يصدر عن النبي ﷺ من أخبار الآحاد. ٦٧٣- وطبقوا هذا المقياس على بعض الآحاديث منها: ١- حديث الشاهد واليمين الذي وقفنا معه وقفة طويلة آنفًا، ردوه هنا؛ لأنه مخالف للسنة المشهورة، وهي ما روى عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده، أن النبي ﷺ قال: "البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه". وفي رواية: "على من أنكر" ٢. ٦٧٤- وبيان هذه المخالفة من وجهين: ١- أحدهما: أن الشرع جعل الأيمان كلها في جانب المنكر دون المدعي؛ لأن اللام تقتضي استغراق الجنس، فمن جعل يمين المدعي حجة فقط خالف النص، ولم يعمل بمقتضاه وهو الاستغراق. ٢- وثانيهما: أن الشرع جعل الخصوم قسمين: قسمًا مدعيًا.. وقسمًا منكرًا.. كما جعل الحجة قسمين أيضًا: قسمًا بينة وقسمًا يمينًا وحصر جنس اليمين في جانب، والبينة في جانب آخر، والعمل بخبر الشاهد واليمين يوجب ترك العمل بموجب هذا الخبر المشهور، فيكون مردودًا٢. ٦٧٥- ومما يقوي الشك في حديث اليمين مع الشاهد -في نظر الأحناف

стр. 312

-ويجعله لا يقوى أمام الخبر المشهور- طعن بعض الأئمة فيه: يحيى بن معين وإبراهيم النخعي والزهري، فقد قال الزهري والنخعي "أول من أفراد الإقامة وقضى بشاهد ويمين معاوية.. أضف إلى هذا أن النبي ﷺ قال للحضرمي الذي امتنع عن استحلاف الكندي في دعوى أرض: "ليس لك منه إلا ذلك"، فهذا يقتضي الحصر ولو كانت يمين المدعي مشروعة لكان له طريق آخر غير الاستحلاف١ وقال ﷺ : "شاهداك أو يمينه" ٢. ٦٧٦- ومن الأحاديث التي ردها أبو حنيفة ﵁ عملًا بهذا المقياس وتطبيقًا له: "حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ أن النبي ﷺ سئل عن بيع الرطب بالتمر، فقال: "أينقص إذا جف"؟ قالوا: نعم. قال: "فلا إذن" ٣ فالنبي ﷺ أفسد البيع وأشار بقوله: "أينقص إذا جف" إلى وجوب بناء معرفة المساواة على أعدل الأحوال، أي عندما يجف، ويصير مثل التمر الذي بيع به، وليست هناك مساواة حينئذ، ولهذا أفسد النبي ﷺ البيع. ٦٧٧- رد أبو حنيفة هذا الخبر؛ لأنه مخالف لقوله ﵊: "التمر بالتمر مثلًا بمثل" ٤ فإنه يستدعي جواز بيع الرطب بالتمر؛ وذلك لأن التمر يطلق على الرطب؛ لأنه اسم جنس للثمرة الخارجة عن النخل من حين ينعقد إلى أن يدرك، ولا يغير من اسم ذاتها تعدد الأحوال وتغير الصفات عليها، كما لا يتبدل اسم الآدمي بتغير صفاته وتبدل أحواله. والدليل على ذلك ما روي أنه ﵇ "نهى عن بيع التمر حين يزهي، فقيل: وما يزهي؟ قال: أن يحمر أو يصفر"٥، فسماه تمرًا وهو بسر. وقال شاعرهم:

стр. 313

وما العيش إلا نومة وتشرق ... وتمر على رأس النخيل وماء فعبر بالتمر عن الرطب مما يدل على أن اسم التمر لا يختص بالجاف من ثمرة النخيل.. وإذا ثبت أنه تمر، وقد شرط العقد، وهوالمماثلة في المقدار حالة العقد جاز البيع عملًا بالحديث المشهور وتركًا لحديث الآحاد الذي يخالفه، ولا ينظر إلى المماثلة في أعدل الأحوال أي: عندما يصير الرطب جافًّا فينقص مقداره، لسببين: السبب الأول: ٦٧٨- أن شرط العقد يعتبر عند نفاذه، فيجب أن تعتبر المساواة في البدلين اللذين ورد عليهما العقد، وهما الرطب والتمر، فأما اعتبار حالة مفقودة يتوقع حدوثها فلا، فاعتبار الأعدل هنا كاعتبار الأجود، والأخير أسقطه الشرع، فلا ينظر إلى التفاوت في الجودة لقوله ﵊: "جيدها ورديئها سواء" ١. السبب الثاني: ٦٧٩- أن التفاوت الذي لا يكون حادثًا بصنع العباد مثل هذا التفاوت الذي يحدث بين الرطب والتمر بعد ما يصير الأول جافًّا -لا يكون معتبرًا ولا يفسد العقد؛ أما التفاوت الذي ينبني على صنع العباد كالحنطة والدقيق، والمقلي وغير المقلي، فإنه مفسد للعقد، ولهذا لا يجوز التفاوت بين النقد والنسيئة؛ لأنه حادث بصنع العباد وهو اشتراط الأجل. ٦٨٠- والحديث المشهور هنا يوجب أحكام ثلاثة: أحدها: وجوب المماثلة شرطًا للجواز، فيجوز البيع حال وجود المماثلة بهذا النص.

стр. 314

ثانيها: أنه يدل على تحريم فضل قائم فعلًا؛ لأن المراد منه الفضل على الذات. ثالثها: أن الفضل المحرم هو الفضل الذي تنعدم به المماثلة في المقدار. ٦٨١- وخبر الواحد يخالفه في هذه الأحكام الثلاثة؛ لأنه أوجب حرمة البيع حال وجود المماثلة في المقدار، وأوجب حرمة فضل ليس قائمًا فعلًا، وإنما يوجد بعد جفاف الرطب، وليس موجودًا حال العقد، بل هو موهوم غير قائم -فإذا خالف خبر الآحاد الخبر المشهور في هذه الأحكام لم يقبل١. ٦٨٢- وقد حاول أبو حنيفة رحمه الله تعالى أن يؤيد ما ذهب إليه بتضعيف حديث الآحاد من جهة روايته، فيروى أنه لما دخل بغداد سألوه عن هذه المسألة، وكانوا أشداء عليه؛ لمخالفته خبر سعد المتقدم، فقال: الرطب لا يخلو: إما أن يكون تمرًا أو غير تمر، فإن كان تمرًا جاز العقد؛ لقوله ﵊: "التمر بالتمر مثلًا بمثل"، وإن كان غير تمر جاز أيضًا؛ لقوله ﵊: "إذا اختلف النوعان فبيعوا كيف شئتم"، فروى له حديث سعد، كدليل عليه، فقال: هذاالحديث دار على زيد أبي عياش، وهو ممن لا يقبل حديثه"٢. ٦٨٣- ويقول صاحب كشف الأسرار: واستحسن أهل الحديث منه هذا الطعن، حتى قال ابن المبارك: "كيف يقال: أبو حنيفة لا يعرف الحديث، وهو يقول: زيد أبو عياش ممن لا يقبل حديثه٣؟. لكنه يلزم على قول أبي حنيفة هذا أن الحنطة المقلية التي هي مثل الرطب إن كانت حنطة يجوز بيعها بغير المقلية كيلًا بكيل، لقوله ﵊: "الحنطة

стр. 315

بالحنطة مثلًا بمثل". وإن لم تكن حنطة ينبغي أن تجوز أيضًا، لقوله ﵊: "إذا اختلف النوعان فبيعوا كيف شئتم" ولكن الحكم بخلاف ذلك؛ لتفاوت قائم في الحال عند الاعتبار بأجزاء غير المقلي، وذلك من التفاوت الذي يبتني على صنع العباد، وما كان كذلك يفسد العقد -كما تقدم- ولهذا قال السرخسي: "ما ذكر أبو حنيفة ﵀ حسن في المناظرات لدفع الخصم، ولكن الحجة لا تتم به لجواز قسم ثالث كما في الحنطة المقلية"١. ومعنى ذلك أنه يجوز أن نعتبر الرطب قسمًا ثالثًا لا يكون تمرًا مطلقًا لفوات وصف اليبوسة عنه، ولا يكون غيره مطلقًا؛ لبقاء أجزائه عند صيرورته تمرًا كالحنطة المقلية؛ فهي ليست عين الحنطة على الإطلاق، لفوات وصف الإنبات عنها بالقلي، وليست غيرها لوجود أجزاء الحنطة فيها، وكذلك الدقيق بالنسبة للحنطة. إذن فالاعتماد على المقياس الذي اعتمدوه أولى٢. ٦٨٤- ومما هو جدير بالذكر أن أبا يوسف ومحمدًا صاحبي أبي حنيفة عملا بحديث سعد ﵁، وليس معنى ذلك أنهما لا يأخذان بنفس هذ المقياس؛ أي عرض أحاديث الآحاد على الأحاديث المشهورة كلا، وإنما يريان أنه لا تعارض بين هذين الحديثين، فالمشهور تناول التمر، والرطب ليس بتمر عادة؛ أي: عرفًا، بدليل أن من حلف لا يأكل تمرًا فأكل رطبًا أو حلف لا يأكل الرطب، فأكله بعدما صار تمرًا لم يحنث.. وإذا كان الأمر كذلك فلا يكون المشهور متناولًا لما تضمنه حديث سعد ﵁، فلا تتحقق المخالفة، فيجب العمل به على رأيهما. ٦٨٥- وقد رجح أصوليو الأحناف رأي إمامهم الأعظم مجيبين عنه بأنه قد ثبت استعمالًا أن الرطب من جنس التمر، لكن اليمين قد تختلف باختلاف الداعي مع قيام الجنسية، والرطوبة في الرطب وصف داع إلى المنع مرة، وإلى الإقدام أخرى، فيتقيد اليمين بالوصف من أجل هذا ... ٣.

стр. 316

مناقشة الإمام الشافعي: ٦٨٦- ونذهب إلى ناصر السنة الإمام الشافعي، ﵁، لنرى ماذا يقول فيما ذهب إليه الأحناف من عرض الآحاد على السنة المشهورة، وفي هذا المثال الذي عرضنا فيه رأي أبي حنيفة مطبقًا فيه هذا المقياس. ٦٨٧- يرى الإمام الشافعي أن عرض الآحاد على السنة المشهورة بهدف تضعيف بعض الأحاديث وردها مع ثبوتها سندًا يتعارض مع طاعة رسول الله، ﷺ التي أمر الله بها في كتابه، يقول: "وإذا ثبت عن رسول الله ﷺ الشيء فهو اللازم لجميع من عرفه، لا يقويه ولا يوهنه شيء غيره، بل الذي على الناس اتباعه، ولم يجعل الله لأحد معه أمرًا يخالف أمره"١. ٦٨٨- من أجل هذا رأى أنه من الواجب الأخذ بحديث سعد بن أبي وقاص الذي يحرم بيع الرطب بالتمر، وأن هذا الحديث خصص به حديث: "التمر بالتمر مثلًا بمثل"٢. ٦٨٩- وقد ابتدأ الإمام الشافعي الكلام في هذه المسألة بإثبات هذا الحديث وغيره مما يحرم بيع التمر بالتمر لعدم وجود المساواة بينهما: روي عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ "نهى عن المزابنة" والمزابنة بيع التمر بالتمر كيلًا، وبيع الكرم بالزبيب كيلًا ٣. وهذا الحديث صحيح، لاتصاله والثقة في رواته، وقد أخرجه الشيخان في صحيحهما٤.

стр. 317

وروى عن مالك عبد الله بن يزيد، مولى الأسود بن سفيان أن زيدًا أبا عياش أخبره عن سعد بن أبي وقاص أنه سمع النبي ﷺ سئل عن شراء التمر بالرطب، فقال النبي، ﷺ : "أينقص الرطب إذا يبس"؟ قالوا: نعم، فنهى عن ذلك١. ٦٨٩- وإذا كان قد سبق القول من أبي حنيفة في زيد أبي عياش الذي مدار هذا الحديث عليه وأنه ممن لا يقبل حديثه مما يلزم منه أن هذا الحديث ضعيف -فقد أثبت آخرون أنه صحيح لسببين: أولهما: أن هذا الحديث رواه الإمام مالك، وهو كما نعرف: لا يروي إلا ما تأكد من صحته، وعن العدول الضابطين، ومن أجل ذلك ترك الكثرة من أهل الصلاح في المدينة؛ لأنهم غير ضابطين. يقول الحاكم بعد رواية هذا الحديث: "هذا حديث صحيح لإجماع أئمة النقل على إمامة مالك بن أنس، وأنه محكم لكل ما يرويه في الحديث إذا لم يوجد في رواياته إلا الصحيح، خصوصًا في حديث أهل المدينة"٢. ثانيهما: ٦٩٠- قال الخطابي: إن بعض الناس تكلم في إسناد هذا الحديث، وقال: زيد أبو عياش مجهول، وليس الأمر على ما توهمه، فإن أبا عياش هذا مولى لبني زهرة معروف، وقد ذكره مالك في الموطأ، وهو لا يروي عن رجل متروك الحديث بوجه، وهذا من شأن مالك وعادته.. وقال المنذري: كيف يكون مجولًا وقد روى عنه اثنان ثقتان: عبد الله بن يزيد مولى الأسود بن سفيان، وعمران بن أبي أنس، وهما ممن احتج به مسلم في صحيحه، وقد عرفه أئمة هذا الشأن ... والترمذي صحيح حديثه ...

стр. 318

وذكروا أنه سمع من سعد بن أبي وقاص، وما علمت أحدًا ضعفه. وقال ابن الجوزي: قال أبو حنيفة: زيد أبوعياش مجهول، فإن كان هو لم يعرفه، فقد عرفه أئمة النقل. ٦٩١- لكنني لا اعتقد أن أبا حنيفة ضعفه لجهالته، فهو يقبل حديث المجهول في الفروق الثلاثة الأولى كما سبق أن ذكرنا. الحديث صحيح إذن، ولا يجوز في نظر الشافعي أن يترك، وتاركه لأي سبب كان -بعد هذا- مخالف لأمر الله تعالى بطاعة رسول الله في كتابه الكريم. ٦٩٢- وترك الإمام الشافعي السند قليلًا ليبين علة نهي النبي، ﷺ ، عن بيع الرطب بالتمر، وهي أن الرطب ينقص إذا يبس، فيصير الأمر أن يباع تمر بتمر أقل منه، كما يباع تمر بآخر لا يدرى كم مكيله؛ لأن مقداره الذي علمناه وهو رطب سينقص بعد ما يجف، وهذا لا يجوز لأنه يكون ربًا. يقول الإمام الشافعي مبينًا هذا: "وأصل نهي النبي ﷺ عن بيع الرطب بالتمر؛ لأن الرطب ينقص إذا يبس في معنى المزابنة إذا كان ينقص إذا يبس، فهو تمر بتمر أقل منه، وهو لا يصلح بأقل منه، وتمر بتمر لا يدرى كم مكيله، أحدهما من الآخر.. الرطب إذا يبس فصار تمرًا لم يعلم كم قدره من قدر التمر ... وهكذا قلنا: لا يصلح كل رطب بيابس في حال من الطعام إذا كا ن من صنف واحد"١. ٦٩٣- وهكذا وجدنا عناية من الشافعي بتوثيق متن الحديث ببيان أنه يتمشى مع الأصول الشرعية الأخرى. ٦٩٤- وإذا كان الشافعي لا يجيز بيع الرطب بالتمر عملًا بخبر الواحد، فإنه يجيز ذلك في حالة واحدة وهي حالة "العرية"، وهي كما عرفها الإمام الشافعي أن يشتري الرجل ثمر النخلة وأكثر بخرصة من التمر، يخرص الرطب رطبًا، ثم يقدر كم ينقص إذا يبس، ثم يشتري بخرصه تمرًا، ويقبض التمر قبل أن يتفرق البائع والمشتري٢.

стр. 319

٦٩٥- والشافعي ﵁، يجيز العرايا اتباعًا للسنة أيضًا، فقد روي عن سفيان، عن يحيى بن سعيد، عن بشير بن يسار، عن سهل بن حثمة: "أن رسول الله، ﷺ أرخص لصاحب العرية أن يبيعها بكيلها تمرًا، يأكلها أهلها رطبًا".. وروي حديثًا آخر في ذلك فقال: أخبرنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن سالم بن عبد الله، عن أبيه: أن رسول الله ﷺ "نهى عن بيع الثمر حتى يبدو صلاحه، وعن بيع الثمر بالثمر". قال عبد الله بن عمر: وحدثنا زيد بن ثابت أن رسول الله ﷺ أرخص في بيع العرايا"١. ٦٩٦- وأحاديث العرايا هذه صحيحة، ومن هنا أخذ الشافعي بها في جواز بيع العرايا، ويكون نهي رسول الله ﷺ عن بيع الرطب بالتمر والمزابنة من الجمل التي مخرجها عام، ويراد بها الخاص؛ أي: النهى عام ما عدا العرايا التي خصصته، فهي لا تدخل في نهيه، ﷺ ؛ لأنه ﷺ لا ينهى عن أمر يأمر به إلا أن يكون منسوخًا، ولا نعلم في ذلك نسخًا٢. ٦٩٧- وكانت إجازة الرسول ﷺ هذا النوع من البيع تلبية لحاجة الناس حينئذ؛ فقد شكى بعضهم إلى رسول الله ﷺ أن الرطب يحضر، ويحل موعده، وليس عندهم ذهب ولا ورق يشترون به، وعندهم فضل تمر من قوت سنتهم، فأرخص لهم رسول الله ﷺ ، أن يشتروا العرايا بخرصها من التمر يأكلونها رطبًا٣. ٦٩٨- وإذا كان الشافعي في بيان تحريم بيع الرطب بالتمر بالسنة يرد على الأحناف ويتهمهم بأنهم يظهرون القول في بعض الأحاديث من الشبه، وخاصة في المجمل والمفسر منها، ويشبهون على قوم من أهل الحديث ليس لهم بصر بمذاهبه -فإنه في بيان تحليل بيع العرايا يتهم قومًا بعدم جواز

стр. 320

بيعها تاركين السنة الصحيحة التي سبق أن ذكرناها -مدعين أن العرايا داخلة في نهي النبي ﷺ عن المزابنة، ونهيه عن الرطب بالتمر، قال الشافعي: "وخالفونا معًا في العرايان فقالوا: لا نجيز بيعها، وقالوا: نرد إجازة بيعها بنهي النبي ﷺ عن المزابنة، ونهيه عن الرطب بالتمر وهي داخلة في المعنيين"١. ٦٩٩- وهنا يدخل الشافعي معهم في نقاش شبيه بالذي فعله سابقًا مع الأحناف في ردهم بعض الأحاديث، وعدم جوازهم العمل بها كمخصص لعام الكتاب، أو تقيد لمطلقه، فيقول: إن الحجة على هؤلاء "في أن يطاع رسول الله ﷺ ، فنحل ما أحل، ونحرم ما حرم" وهم يتناقضون في آرائهم؛ لأنهم يقولون: "البينة على المدعي واليمين على من أنكر" كما يقول الحديث؛ لكنهم يخرجون عليه في القسامة، فيغرمون من حلف، ويعطون من لم تقم له البينة، وهم خرجوا عليه؛ لأن عمر ﵁ فعل ذلك، وحجتهم "أن عمر لا يجهل قول النبي ﷺ ولا يخالفه" أما كان الأولى أن يكون قول رسول الله ﷺ أدل على قوله من قول غيره؟ فيأخذون بحديث جواز بيع العرية، ويكون هذا الحديث دالًّا على أن قول الرسول ﷺ ، الآخر في تحريم المزابنة وبيع الرطب بالتمر عام خصص به رخصة؟!.. وقياسًا على قولهم في عمر: إنه ﷺ لا يجهل قول نفسه ولا يخالفه٢. ٧٠٠- وإذا كان الشافعي ﵁ قد أثبت حديث سعد وحديث العرية، وبين أنهما من الأخبار التي خصصت أخبارًا أخرى عامة فإنه يثبت بعض الأحاديث الأخرى التي رأى الحنفية وغيرهم أنها تتعارض مع أحاديث أخرى، مما لا سبيل لهم أمامها إلا القول بنسخها، وتعطيل العمل بها، ومن هذا حديث المصراة٢.
следующие страницы →