مناقشة الإمام الشافعي:
٦٨٦- ونذهب إلى ناصر السنة الإمام الشافعي، ﵁، لنرى ماذا يقول فيما ذهب إليه الأحناف من عرض الآحاد على السنة المشهورة، وفي هذا المثال الذي عرضنا فيه رأي أبي حنيفة مطبقًا فيه هذا المقياس.
٦٨٧- يرى الإمام الشافعي أن عرض الآحاد على السنة المشهورة بهدف تضعيف بعض الأحاديث وردها مع ثبوتها سندًا يتعارض مع طاعة رسول الله، ﷺ التي أمر الله بها في كتابه، يقول: "وإذا ثبت عن رسول الله ﷺ الشيء فهو اللازم لجميع من عرفه، لا يقويه ولا يوهنه شيء غيره، بل الذي على الناس اتباعه، ولم يجعل الله لأحد معه أمرًا يخالف أمره"١.
٦٨٨- من أجل هذا رأى أنه من الواجب الأخذ بحديث سعد بن أبي وقاص الذي يحرم بيع الرطب بالتمر، وأن هذا الحديث خصص به حديث: "التمر بالتمر مثلًا بمثل"٢.
٦٨٩- وقد ابتدأ الإمام الشافعي الكلام في هذه المسألة بإثبات هذا الحديث وغيره مما يحرم بيع التمر بالتمر لعدم وجود المساواة بينهما:
روي عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ "نهى عن المزابنة" والمزابنة بيع التمر بالتمر كيلًا، وبيع الكرم بالزبيب كيلًا ٣.
وهذا الحديث صحيح، لاتصاله والثقة في رواته، وقد أخرجه الشيخان في صحيحهما٤.
стр. 317
وروى عن مالك عبد الله بن يزيد، مولى الأسود بن سفيان أن زيدًا أبا عياش أخبره عن سعد بن أبي وقاص أنه سمع النبي ﷺ سئل عن شراء التمر بالرطب، فقال النبي، ﷺ : "أينقص الرطب إذا يبس"؟ قالوا: نعم، فنهى عن ذلك١.
٦٨٩- وإذا كان قد سبق القول من أبي حنيفة في زيد أبي عياش الذي مدار هذا الحديث عليه وأنه ممن لا يقبل حديثه مما يلزم منه أن هذا الحديث ضعيف -فقد أثبت آخرون أنه صحيح لسببين:
أولهما:
أن هذا الحديث رواه الإمام مالك، وهو كما نعرف: لا يروي إلا ما تأكد من صحته، وعن العدول الضابطين، ومن أجل ذلك ترك الكثرة من أهل الصلاح في المدينة؛ لأنهم غير ضابطين. يقول الحاكم بعد رواية هذا الحديث: "هذا حديث صحيح لإجماع أئمة النقل على إمامة مالك بن أنس، وأنه محكم لكل ما يرويه في الحديث إذا لم يوجد في رواياته إلا الصحيح، خصوصًا في حديث أهل المدينة"٢.
ثانيهما:
٦٩٠- قال الخطابي: إن بعض الناس تكلم في إسناد هذا الحديث، وقال: زيد أبو عياش مجهول، وليس الأمر على ما توهمه، فإن أبا عياش هذا مولى لبني زهرة معروف، وقد ذكره مالك في الموطأ، وهو لا يروي عن رجل متروك الحديث بوجه، وهذا من شأن مالك وعادته.. وقال المنذري: كيف يكون مجولًا وقد روى عنه اثنان ثقتان: عبد الله بن يزيد مولى الأسود بن سفيان، وعمران بن أبي أنس، وهما ممن احتج به مسلم في صحيحه، وقد عرفه أئمة هذا الشأن ... والترمذي صحيح حديثه ...
стр. 318
وذكروا أنه سمع من سعد بن أبي وقاص، وما علمت أحدًا ضعفه. وقال ابن الجوزي: قال أبو حنيفة: زيد أبوعياش مجهول، فإن كان هو لم يعرفه، فقد عرفه أئمة النقل.
٦٩١- لكنني لا اعتقد أن أبا حنيفة ضعفه لجهالته، فهو يقبل حديث المجهول في الفروق الثلاثة الأولى كما سبق أن ذكرنا.
الحديث صحيح إذن، ولا يجوز في نظر الشافعي أن يترك، وتاركه لأي سبب كان -بعد هذا- مخالف لأمر الله تعالى بطاعة رسول الله في كتابه الكريم.
٦٩٢- وترك الإمام الشافعي السند قليلًا ليبين علة نهي النبي، ﷺ ، عن بيع الرطب بالتمر، وهي أن الرطب ينقص إذا يبس، فيصير الأمر أن يباع تمر بتمر أقل منه، كما يباع تمر بآخر لا يدرى كم مكيله؛ لأن مقداره الذي علمناه وهو رطب سينقص بعد ما يجف، وهذا لا يجوز لأنه يكون ربًا. يقول الإمام الشافعي مبينًا هذا: "وأصل نهي النبي ﷺ عن بيع الرطب بالتمر؛ لأن الرطب ينقص إذا يبس في معنى المزابنة إذا كان ينقص إذا يبس، فهو تمر بتمر أقل منه، وهو لا يصلح بأقل منه، وتمر بتمر لا يدرى كم مكيله، أحدهما من الآخر.. الرطب إذا يبس فصار تمرًا لم يعلم كم قدره من قدر التمر ... وهكذا قلنا: لا يصلح كل رطب بيابس في حال من الطعام إذا كا ن من صنف واحد"١.
٦٩٣- وهكذا وجدنا عناية من الشافعي بتوثيق متن الحديث ببيان أنه يتمشى مع الأصول الشرعية الأخرى.
٦٩٤- وإذا كان الشافعي لا يجيز بيع الرطب بالتمر عملًا بخبر الواحد، فإنه يجيز ذلك في حالة واحدة وهي حالة "العرية"، وهي كما عرفها الإمام الشافعي أن يشتري الرجل ثمر النخلة وأكثر بخرصة من التمر، يخرص الرطب رطبًا، ثم يقدر كم ينقص إذا يبس، ثم يشتري بخرصه تمرًا، ويقبض التمر قبل أن يتفرق البائع والمشتري٢.
стр. 319
٦٩٥- والشافعي ﵁، يجيز العرايا اتباعًا للسنة أيضًا، فقد روي عن سفيان، عن يحيى بن سعيد، عن بشير بن يسار، عن سهل بن حثمة: "أن رسول الله، ﷺ أرخص لصاحب العرية أن يبيعها بكيلها تمرًا، يأكلها أهلها رطبًا".. وروي حديثًا آخر في ذلك فقال: أخبرنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن سالم بن عبد الله، عن أبيه: أن رسول الله ﷺ "نهى عن بيع الثمر حتى يبدو صلاحه، وعن بيع الثمر بالثمر". قال عبد الله بن عمر: وحدثنا زيد بن ثابت أن رسول الله ﷺ أرخص في بيع العرايا"١.
٦٩٦- وأحاديث العرايا هذه صحيحة، ومن هنا أخذ الشافعي بها في جواز بيع العرايا، ويكون نهي رسول الله ﷺ عن بيع الرطب بالتمر والمزابنة من الجمل التي مخرجها عام، ويراد بها الخاص؛ أي: النهى عام ما عدا العرايا التي خصصته، فهي لا تدخل في نهيه، ﷺ ؛ لأنه ﷺ لا ينهى عن أمر يأمر به إلا أن يكون منسوخًا، ولا نعلم في ذلك نسخًا٢.
٦٩٧- وكانت إجازة الرسول ﷺ هذا النوع من البيع تلبية لحاجة الناس حينئذ؛ فقد شكى بعضهم إلى رسول الله ﷺ أن الرطب يحضر، ويحل موعده، وليس عندهم ذهب ولا ورق يشترون به، وعندهم فضل تمر من قوت سنتهم، فأرخص لهم رسول الله ﷺ ، أن يشتروا العرايا بخرصها من التمر يأكلونها رطبًا٣.
٦٩٨- وإذا كان الشافعي في بيان تحريم بيع الرطب بالتمر بالسنة يرد على الأحناف ويتهمهم بأنهم يظهرون القول في بعض الأحاديث من الشبه، وخاصة في المجمل والمفسر منها، ويشبهون على قوم من أهل الحديث ليس لهم بصر بمذاهبه -فإنه في بيان تحليل بيع العرايا يتهم قومًا بعدم جواز
стр. 320
بيعها تاركين السنة الصحيحة التي سبق أن ذكرناها -مدعين أن العرايا داخلة في نهي النبي ﷺ عن المزابنة، ونهيه عن الرطب بالتمر، قال الشافعي: "وخالفونا معًا في العرايان فقالوا: لا نجيز بيعها، وقالوا: نرد إجازة بيعها بنهي النبي ﷺ عن المزابنة، ونهيه عن الرطب بالتمر وهي داخلة في المعنيين"١.
٦٩٩- وهنا يدخل الشافعي معهم في نقاش شبيه بالذي فعله سابقًا مع الأحناف في ردهم بعض الأحاديث، وعدم جوازهم العمل بها كمخصص لعام الكتاب، أو تقيد لمطلقه، فيقول: إن الحجة على هؤلاء "في أن يطاع رسول الله ﷺ ، فنحل ما أحل، ونحرم ما حرم" وهم يتناقضون في آرائهم؛ لأنهم يقولون: "البينة على المدعي واليمين على من أنكر" كما يقول الحديث؛ لكنهم يخرجون عليه في القسامة، فيغرمون من حلف، ويعطون من لم تقم له البينة، وهم خرجوا عليه؛ لأن عمر ﵁ فعل ذلك، وحجتهم "أن عمر لا يجهل قول النبي ﷺ ولا يخالفه" أما كان الأولى أن يكون قول رسول الله ﷺ أدل على قوله من قول غيره؟ فيأخذون بحديث جواز بيع العرية، ويكون هذا الحديث دالًّا على أن قول الرسول ﷺ ، الآخر في تحريم المزابنة وبيع الرطب بالتمر عام خصص به رخصة؟!.. وقياسًا على قولهم في عمر: إنه ﷺ لا يجهل قول نفسه ولا يخالفه٢.
٧٠٠- وإذا كان الشافعي ﵁ قد أثبت حديث سعد وحديث العرية، وبين أنهما من الأخبار التي خصصت أخبارًا أخرى عامة فإنه يثبت بعض الأحاديث الأخرى التي رأى الحنفية وغيرهم أنها تتعارض مع أحاديث أخرى، مما لا سبيل لهم أمامها إلا القول بنسخها، وتعطيل العمل بها، ومن هذا حديث المصراة٢.
стр. 321
٧٠١- وحديث المصراة رواه مالك فقال: عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "لا تصروا الإبل والغنم، فمن ابتاعها بعد ذلك فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها، إن رضيها أمسكها، وإن سخطها ردها، وصاعًا من تمر" ١.
٧٠٢- وهذا الحديث صحيح، وقد رواه الشيخان وغيرهما٢.
وروى الشافعي حديثًا آخر بإسناد صحيح فقال: أخبرنا سفيان عن أيوب، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ -مثله، إلا أنه قال: ردها وصاعًا من تمر لا سمراء "الحنطة".
٧٠٣- ومع صحة هذين الحديثين لم يأخذ بهما أبو حنيفة ﵁، وقال: إن هذا من المنسوخ.
أولًا: لمخالفتهما عموم كتاب الله في ضمان العدوان بالمثل، قال تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ ٢. وقال جل شأنه: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ ٤. والصاع ليس بمثل ولا قيمة لما أخذه المشتري من اللبن. وقد تقدم القول في عرض الحديث على القرآن الكريم.
стр. 322
ثانيًا: هذا الحديث مخالف لحديث آخر مشهور، وأخذ به جمهور الفقهاء وهو حديث١: "الخراج بالضمان"، وهذا الحديث رواه الشافعي فقال: أخبرنا سعيد بن سالم عن ابن أبي ذئب عن مخلد بن خفاف عن عروة بن
стр. 323
الزبير عن عائشة أن رسول الله، ﷺ قال: "الخراج بالضمان" ويضيف الشافعي إلى هذا قوله مبينًا سبب هذا الحديث: "وأحسب، بل لا أشك -إن شاء الله- أن مسلمًا١ نص الحديث، فذكر أن رجلا ًابتاع عبدًا فاستعمله، ثم ظهر منه على عيب، فقضى له رسول الله ﷺ برده بالعيب، فقال المقضي عليه: قد استعمله، فقال رسول الله ﷺ : "الخراج بالضمان".
٧٠٤- وبمقتضى هذا الحديث لا يكون اللبن مضمونًا حيث كانت المصراة تحت ضمان المشتري مدة بقائها عنده ينفق عليها٢.
٧٠٥- إذن فقد خالف حديث المصراة كتاب الله وهذا الحديث المشهور فيرد، وهذا ما فعله أبو حنيفة ﵁ ومحمد، وفي بعض الروايات أبو يوسف أيضًا، وفي رواية أخرى يقول ما يقول به زفر والشافعي من العمل بالحديثين وعدم ردهما٣.
٧٠٦- إن الشافعي ﵁ يرى هنا أن الحديث ثابت، وما ثبت عن رسول الله ﷺ يجب الأخذ به ولا يقال: "لم وكيف" يقول: "وما ثبت عن النبي ﷺ فليس منه إلا التسليم فقولك قول غيرك فيه "ولم وكيف" خطأ، لكنه لا يكتفي بإثبات صحة الحديث عن طريق صحة رواته وإسناده، بل يترك هذا -وإن كان هو المقياس الوحيد عنده لإثبات الحديث -ليبين من خلال متن الحديث أن ما ثبت عن رسول الله ﷺ لا يختلف ولا يتعارض ولا يتناقض، ومن هنا فليزل ما يحاول البعض به أن يزعم أن حديث المصراة يتعارض مع حديث الخراج بالضمان، ليترك الأول بحجة أنه منسوخ بالحديث الثاني.
٧٠٧- يقول: إن في حديث المصراة شيئًا ليس في حديث "الخراج
стр. 324
بالضمان"، وموضوع كل منهما مختلف عن الآخر؛ ذلك أن البائع عندما أراد أن يبيع الشاة أو الناقة المصراة كان يبيع شيئين الشاة أو الناقة ومعهما اللبن الذي في الضرع، وهذا كمن يبيع النخلة وعليها ثمرها؛ وقد كان يملك أن يحلبه قبل البيع كما يملك أن يقطع الثمر قبل أن يبيع النخلة. "فاللبن مبيع مع الشاة وهو سواها، وكان في ملك البائع" فإذا حلبه المشتري، ثم أراد أن يردها بعيب التصرية ردها وصاعًا من تمر؛ كثر اللبن أو قل. كان قيمته أو أقل من قيمته؛ لأن ذلك شيء وقته رسول الله ﷺ بعد أن جمع فيه بين الإبل والغنم التي هي مختلفة الأثمان وألبانها كذلك.
٧٠٨- أما الخراج الذي يستحق بالضمان فشيء آخر مختلف تمامًا، وهو ما لا يكون في ملك البائع وقت البيع، وفي حالة الشاة المصراة لو أمسكها المشتري بعد حلب اللبن المصرى، حتى اكتشف فيها عيبًا آخر فإن ردها ردها ولا يرد اللبن الذي حلبه بعد لبن التصرية؛ لأن هذا حدث في ملك المشتري، ولم يكن في ملك البائع، وفي عدم رد اللبن إنما ينفذ قوله ﷺ : "الخراج بالضمان" ومثل هذا أن يبتاع عبدًا فإنما اشتراه بعينه، وما حدث له بعد ذلك من خدمة أو خراج أو مال أفاده فهو للمشتري؛ لأنه حادث في ملكه لم تقع عليه صفقة البيع، فهو كلبن الشاة الحادث بعد لبن التصرية في ملك مشتريها.
وكذلك نتاج الماشية يشتريها فتنتج ثم يظهر منها على عيب، فيردها دون النتاج، وكذلك لو أخذ لها أصوافًا أو شعورًا أو ألبانًا وكذلك لو أخذ للحائط ثمرًا إذا كان يوم يردها بحالها كيوم أخذها أو أفضل١.
٧٠٩- ليس هناك -إذن- من تناقض ولا مجال لأن تقول كيف نرد المصراة مع صاع من تمر؛ لأن الله تعبد خلقه في كتابه وعلى لسان نبيه ﷺ بما شاء، لا معقب لحكمه، فعلى الناس اتباع ما أمروا به، وليس لهم فيه إلا التسليم و"كيف" إنما تكون في قول الآدميين الذين يكون قولهم تبعًا لا متبوعًا٢.
стр. 325
٧١٠- والحق أننا مع الإمام الشافعي في أن الحديث متى صح من حيث الثقة في رواته لا ينبغي أن نرفضه أو نرده ونتركه وخاصة إذا لم تكن هناك من الأدلة على نسخه، ولا نعرضه على حديث آخر حتى ولو كان مشهورًا؛ لأن الشهرة وإن كانت تبعث على الاطمئنان القلبي إلا أنها لا تصح مقياسًا لرفض أحاديث أخرى لم تشتهر؛ إذ قد يكون مبعث شهرتها الحاجة إليها في كثير من المسائل والمشاكل الفقهية؛ لا لأن الذين رووها أوثق من الذين رووا الأحاديث التي لم تشتهر، وهذا ما ينطبق تمام الانطباق على حديث "المصراة" وعلى حديث "الخراج بالضمان" فالثاني لأنه يطبق في حالات كثيرة؛ في الحيوان وغير الحيوان اشتهر على الرغم مما قيل في إسناده، وحديث "المصراة" لم يبلغ من الشهرة مثل ما بلغ لأنه لا يطبق إلا في حالات قليلة، في الشياه أو الإبل المصراة ومع هذا فلم يتكلم في إسناده مثل ما تكلم في إسناد "الخراج بالضمان".
٧١١- وكما يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: "الحديث الصحيح أصل بنفسه، فكيف يقال: الأصل يخالف نفسه؟!! هذا من أبطل الباطل"١.
٧١٢- وإذا كان الإمام الشافعي ﵁ قد رفض عرض السنة على السنة من أجل رد بعضها والعمل ببعضها الآخر -فإنه استخدم ذلك لترجيح بعض الأحاديث الصحيحة على بعضها الآخر وعونًا على الفهم الصحيح لها والمعنى الذي أراده ﷺ منها:
٧١٣- فقد رويت أحاديث في الإسفار والتغليس بالفجر، ولا شك أن وقت التغليس أسبق من وقت الإسفار، فالوقت إذن مختلف والأحاديث تبعًا لذلك مختلفة أيضًا.
٧١٤- روى الشافعي عن سفيان عن محمد بن عجلان، عن عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد عن رافع بن خديج أن رسول الله ﷺ قال: أسفروا بالصبح، فإن ذلك أعظم لأجوركم أو قال: للأجر.
стр. 326
وهذا كما نراه في الإسفار.
٧١٥- وروي في التغليس عن سفيان عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: كن نساء من المؤمنات يصلين مع النبي ﷺ وهن متلفعات بمروطهن، ثم يرجعن إلى أهلهن ما يعرفهن أحد من الغلس.
قال: وروي زيد بن ثابت عن النبي ﷺ ما يوافق هذا، وروي مثله عن أنس بن مالك وسهل بن سعد الساعدي عن النبي ﵊.
٧١٦- واختار الشافعي التغليس فقال: إذا انقطع الشك في الفجر الآخر وبان معترضًا، فالتغليس بالصبح أحب إلينا، ورأى بعض الناس الإسفار بالفجر أحب إليهم. وبين سبب اختياره للتغليس فقال: إنه أولى الحديثين بمعنى كتاب الله وأثبتهما عند أهل الحديث١ وأشبههما بجمل سنن النبي ﷺ وأعرفهما عند أهل العلم. فالسنة هنا أو جمل السنن -كما عبر- إنما هي عامل فقط من عوامل الترجيح مع معنى كتاب الله تعالى، وكون الحديثين أثبت من الآخر.
٧١٧- ثم بين السنة الأخرى التي رجحت حديث التغليس فقال: "إن رسول الله ﷺ ، قال: "أول الوقت رضوان الله"، وسئل رسول الله: أي الأعمال أفضل؟ فقال: "الصلاة في أول وقتها".
٧١٨- وعقب الشافعي على هذا بقوله: "ورسول الله لا يؤثر على رضوان الله ولا على أفضل الأعمال شيئًا"٢.
٧١٩- ويحرص الشافيع جهده ألا يترك حديث رسول الله ﷺ الثابت إسنادًا؛ فيزيل ما بين الحديثين من اختلاف، فيقول الله تعالى أمرنا بالمحافظة على الصلاة، وقال رسول الله ﷺ : إن ذلك أفضل الأعمال، وإنه رضوان الله، فلعل من الناس من سمعه فقدم
стр. 327
الصلاة قبل أن يتبين الفجر، فأمرهم أن يسفروا حتى يتبين الفجر الآخر. فلا يكون معنى حديث رافع أن يؤخر الفجر عن وقته الأول، ولا يكون مخالفًا للحديث الأول، ويكون كلاهما على هذا النحو -ثابتًا"١.
٧٢٠- ومما يدل على ذلك ويؤكده أن النبي ﷺ قال: "هما فجران، فأما الذي كأنه ذنب السرحان فلا يحل شيئًا ولا يحرمه، فأما الفجر المعترض فيحل الصلاة ويحرم الطعام". يعني من أراد الصيام٢.
٧٢١- وقد أيدت السنة سنة أخرى عند الشافعي حتى لا يقال: إنه ذهب إلى رأي مخالف للسنة، فقد ذهب الشافعي إلى أنه لا يجب الغسل إلا من الجنابة، وأخذ هذا الحكم من قول الله تعالى: ﴿وَلا جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ ٣ وقال: إن الوجوب لا يتعدى الغسل من الجنابة إلى شيء آخر إلا أن تدل السنة على غسل واجب، فنوجبه بالسنة بطاعة الله في الأخذ بها.
٧٢٢- والشافعي لم يعلم دليلًا من السنة على وجوب الغسل من غير الجنابة.
٧٢٣- ولكن ماذا يفعل فيما روي عن النبي ﷺ مما ظاهره الوجوب كغسل يوم الجمعة، وفيه الأحاديث الصحيحة؟ ومنها ما رواه عن سفيان، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ قال: "من جاء منكم إلى الجمعة فليغتسل" وهذا أمر ظاهره الوجوب، وما رواه أيضًا عن مالك عن صفوان بن مسلم عن عطاء بن يسار عن ابي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: "غسل الجمعة واجب على كل محتلم" وهذا أكثر صراحة من الأول في الوجوب.
٧٢٤- هل ترك الشافعي هذه السنة الصحيحة حينما قال: إن غسل يوم الجمعة غير واجب؟! وكيف يتركها وهو المدافع عن كل ما ثبت عن
стр. 328
رسول الله ﷺ ؟! إن السنة الأخرى الصحيحة عن رسول الله ﷺ هي التي تعينه على الفهم الصحيح لهذه الأحاديث.
٧٢٥- وبعرض هذه على تلك يتبين أنه يأخذ بها جميعها ولا يترك منها شيئًا -فما روي عن رسول الله ﷺ من أحاديث أخرى في غسل يوم الجمعة يؤكد أن الوجوب هنا وجوب في الاختيار وفي النظافة ونفي الريح عند اجتماع الناس، كما يقول الرجل للرجل وجب حقك عليّ، إذا رأيتني موضعًا لحاجتك، ولسان العرب واسع يحتمل هذا ويحتمل أن الغسل واجب لا يجزى غيره فكان الاحتمال الأول أولى معنييه لموافقة ظاهر القرآن في عموم الوضوء من الأحداث، وخصوص الغسل من الجنابة، والدلالة عن رسول الله ﷺ في غسل يوم الجمعة أيضًا.
٧٢٦- ما هي هذه الدلالة عن رسول الله ﷺ وما الأحاديث التي تؤكد أن الوجوب في غسل يوم الجمعة وجوب في الاختيار وفي النظافة؟
يروي الشافعي عن مالك عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، قال: دخل رجل من أصحاب رسول الله ﷺ يوم الجمعة، وعمر بن الخطاب يخطب، فقال عمر: أية ساعة هذه؟! فقال: يا أمير المؤمنين، انقلبت من السوق، فسمعت النداء، فما زدت على أن توضأت. فقال عمر: والوضوء أيضًا وقد علمت أن رسول الله ﷺ كان يأمر بالغسل. وكان الرجل الداخل هو عثمان بن عفان رضي الله عنه١.
ولم يزد الأمر على ذلك مما يدل على أنهما فهما الأمر على الاستحباب لا على الوجوب بدليل أن عثمان لم يخرج فيغتسل، ولم يأمره عمر بذلك ولم ينكر عليهما من حضر الخطبة من الصحابة التي حدث في أثنائها الحوار بين عمر وعثمان ﵄.
٧٢٧- وذكر الشافعي بعد هذا حديثًا آخر ليؤكد المعنى الذي أراده النبي أن الوجوب ليس معناه الفرض فتترك الأحاديث التي لا تدل على
стр. 329
الوجوب فقال: أخبرنا سفيان، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة، قالت: كان الناس عمال أنفسهم، فكانوا يروحون بهيئاتهم، فقيل لهم: لو اغتسلتم١؟ " كما روي من حديث البصريين أن رسول الله ﷺ قال: "من توضأ فبها ونعمت ومن اغتسل فالغسل أفضل" ٢.
٧٢٨- وهكذا خرج الشافعي بعرض السنة على السنة بذلك الفهم الصحيح لبعض الأحاديث ولم يفعل كالذين أخذوا بظاهر الأحاديث الأولى من وجوب الغسل يوم الجمعة للصلاة٣. وهم بهذا خالفوا السنة الصحيحة وتركوا ما تدل عليه، وهو بهذا وثقها جميعها، وأخذ بها كلها ولم يترك منها شيئًا، لأنها ثابتة، ولا يجوز أن يترك الثابت عن رسول الله ﷺ .
٧٢٩- وندرك من كل هذا أن الأحناف استعملوا مقياس عرض السنة على السنة المشهورة من أجل توثيقها أو عدم توثيقها، وهم في هذا يقدمون عناية أخرى في نقد متن الحديث غير عنايتهم هم وغيرهم في نقد إسناده ورواته، وأن الإمام الشافعي وإن كان قد عارض في هذا المقياس لأنهم تركوا به بعض الأحاديث التي ثبتت عن رسول الله ﷺ به؛
стр. 330
إلا أنه استخدمه لتاكيد ثبوته وتوثيق بعض السنن، وهي عناية تدل على أن الذين التزموا بأن صحة السند دليل على صحة المتن لم يغفلوا العناية بالمتن ولم يغلقوا أنفسهم على الاهتمام فقط بالسند دون النظر في معاني الحديث وملاءمتها للأصول الإسلامية. والذي فعله الشافعي هنا هو ما فعله في عرض السنة على القرآن؛ لتأكيد ثبوتها وما سيفعله في عرضها على القياس والمعقول وغير ذلك كما سنرى - إن شاء الله.
وننتقل إلى مقاييس أخرى من مقاييس الحنفية في توثيق متون الأحاديث.
стр. 331
الفصل الثالث: عرض الحديث على عمل الصحابة وفتاواهم
٧٣٠- هناك مقياسان غير ما تقدم لتوثيق الحديث أخذ بهما الحنيفة وهما:
١- الحديث الذي تعم به البلوى، والذي إليه تكون الحاجة ماسة في عموم الأحوال -لا بد أن يأتي بروايات مشهورة ليكون مقبولًا وموثقًا، فإذا لم يكن كذلك يرفض؛ لأنه لو صح لانتشر وشاع بين الصحابة ومن بعدهم. فالعادة تقتضي استفاضة نقل ما تعم به البلوى.
٢- الحديث الصحيح يأخذ به الأئمة من أصحاب النبي، ﷺ -فإذا أعرضوا عن حديث- وهم الأصول في نقل الشريعة -دل ذلك على انقطاعه أو نسخه، "وذلك بأن يختلفوا في حادثه بآرائهم، ولم يحاج بعضهم في ذلك بحديث كان ذلك زيافة؛ لأن استعمال الرأي والإعراض عن النص غير سائغ"١.
٧٣١- وهذان المقياسان -كما يبدو واضحًا- يرجعان إلى أصل واحد وهو الرجوع بالحديث وعرضه على عمل الصحابة وفتاواهم ومدى نقلهم له، فإذا كانت العادة تقتضي أن يعلمه أكثرهم ويعملوا به، وحدث ذلك فعلًا ونقلوه قبل وكان صحيحًا. أما إذا أعرضوا عنه، وواجب عليهم ألا يعرضوا عما ثبت عن رسول الله ﷺ كان ذلك دليلًا على أنه لم يصدر عن رسول الله ﷺ .
٧٣٢- وطبق الأحناف المقياس الأول، وشاركتهم فيه المالكية -كما يقول ابن حزم٢- فقالوا: إن حديث مس الذكر مثلًا ليس صحيحًا لأنه مما تعم به البلوى.
وهذا الحديث رواه أصحاب السنن الأربعة:
رواه أبو داود والنسائي من طريق مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم عن عروة بن الزبير قال: دخلت على مروان، فذكر
стр. 332
ما يكون منه الوضوء. فقال مروان: أخبرتني بسرة بنت صفوان أن رسول الله ﷺ قال: "من مس ذكره فليتوضأ" ورواه ابن ماجه من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن مروان عن بسرة.
ورواه الترمذي عن هشام بن عروة عن أبيه عن بسرة"١.
٧٣٣- قال الأحناف: إن هذا الحديث شاذ لانفرادها بروايته مع عموم الحاجة إلى معرفته، فدل ذلك على زيافته؛ إذ القول بأن النبي ﷺ خص بسرة بالتعليم في هذا الحكم، مع أنها لا تحتاج إليه، ولم يعلم سائر الصحابة مع شدة الحاجة إليه شبه المحال٢.
٧٣٤- وفي الحق أنه قد روي هذا الحديث عن صحابة آخرين غير بسرة كأبي هريرة وجابر وسالم وزيد بن خالد، وعائشة وأم حبيبة وغيرهم، إلا أن الروايات عنهم مضطربة الأسانيد، غير صحيحة لضعف رجالها، ولمعارضتها أيضًا بروايات أخرى صحيحة تخالفها، فلا ينتفي الشذوذ منها٣..
ولو كان مما ينتقض بمس الذكر الوضوء لأشاعه النبي ﷺ ، ولم يقتصر على مخاطبة الآحاد، بل يلقيه إلى عدد يحصل به التواتر أو الشهرة مبالغة في إشاعته لئلا يفضي إلى بطلان صلاة كثيرة من الأمة من غير شعور به، ولهذا تواتر نقل القرآن، واشتهرت أخبار البيع والنكاح والطلاق وغيرها، فلما لم يشتهر هذا الحديث "علمنا أنه سهو أو منسوخ"٤.
٧٣٥- لقد اشتهر هذا الحديث بين المتأخرين عندما قبلوه وفي هذا دليل أيضًا على عدم ثبوته؛ إذ لو كان ثابتًا في المتقدمين لاشتهر أيضًا ولما تفرد الواحد بنقله مع حاجة العامة إلى معرفته.
стр. 333
ومن أجل هذا السبب لم تقبل شهادة الواحد من أهل المصر على رؤية الهلال إذا لم تكن بالسماء علة، ولم يقبل قول الوصي فيما يدعي من إنفاق مال عظيم على اليتيم في مدة يسيرة، وإن كان ذلك محتملًا؛ لأن الظاهر يكذبه في ذلك، ولم يقبل قول الرافضة وادعاؤهم النص على إمامة علي ﵁؛ لأن أمر الإمامة مما تعم به البلوى؛ لحاجة الجميع إليه، فلو كان النص ثابتًا، لنقل نقلًا مستفيضًا، وحيث لم يكن كذلك دل على أنه غير ثابت.
٧٣٦- وإن الأخبار التي ينقلها الواحد مع أن العادة والمعقول اشتهارها بين الناس لا تقبل كمثل انفراد واحد بنقل قتل ملك في السوق، إن مثل هذا الخبر لا يقبل بطبيعة الحال، لأنه يبعد عادة ألا يستفيض مثله.
٧٣٧- ومن الأحاديث التي شذت كذلك مع اشتهار الحادثة "حديث الجهر بالتسمية، وهو ما روى أبو هريرة ﵁ أن النبي، ﷺ كان يجهر بـ"بسم الله الرحمن الرحيم" وروى أبو قلابة عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر ﵄ كانوا يجهرون بـ"بسم الله الرحمن الرحيم". ولما شذ مع اشتهار الحادثة ومع أنه معارض بأحاديث أقوى منه في الصحة دالة على خلافه لم يعمل به١.
٧٣٨- وردوا أيضًا -تطبيقًا لهذا القياس- خبر الوضوء مما مسته النار. وخبر الوضوء من حمل الجنازة، وخبر رفع اليدين عند الركوع وعند رفع الرأس منه؛ لأنه لم يشتهر النقل فيها مع حاجة الخاص والعام إلى معرفتها٢.
٧٣٩- ويقول الأحناف: إنه قد يعترض بعض الناس على قبولنا وجوب الوتر، ووجوب المضممة والاستنشاق في الجنابة، مع أن هذا وذاك من خبر الواحد مما تعم به البلوى ... ويردون على ذلك بأن فعل
стр. 334
الرسول ﷺ لهذه الأمور ليس من الآحاد، وإنما هو من الأخبار المشهورة، أما الوجوب فقد قبلناه، وإن كان من أخبار الآحاد، لأنه مما يجوز أن يوقف عليه بعض الخواص لينقلوه إلى غيرهم، فإنما قبلنا خبر الواحد في هذا الحكم، فأما أصل الفعل فإنما أثبتناه بالنقل المستفيض١.
٧٤٠- وأسس الأحناف المقياس الثاني وهو أن أخذ الصحابة بالحديث دليل على صحته، وإعراضهم عنه مع الاختلاف بينهم في الحكم، دليل على انقطاعه وعدم صحته -على أن الصحابة وهم الأصول في نقل الدين، لم يتهموا بترك الاحتجاج بما هو حجة ولم يتهموا بالكتمان والاشتغال بما ليس بحجة، وعنايتهم بالحجج كانت أقوى من عناية غيرهم بها -فترك المحاجة بخبر الواحد وعدم العمل به عند ظهور الاختلاف فيهم، وجريان المحاجة بينهم بالرأي والرأي ليس بحجة مع ثبوت الخبر دليل ظاهر -كما قلنا- على أنه سهو ممن رواه بعدهم أو منسوخ٢ وكلاهما لا يعمل به وليس بحجة.
٧٤١- وطبق الأحناف هذا المقياس، فردوا حديث: "الطلاق بالرجال" الذي تمسك به الإمام الشافعي، ﵀، في اعتبار عدد الطلاق بحال الرجل، وهو ما روي عن زيد بن ثابت ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: "الطلاق بالرجال والعدة بالنساء".. والمراد به أن إيقاع الطلاق إلى الرجال. فالكبار من الصحابة رضوان الله عليهم اختلفوا في هذا وأعرضوا عن الاحتجاج بالحديث أصلًا، فذهب عمر وعثمان وزيد وعائشة ﵃، إلى أن الطلاق معتبر بحال الرجل في الرق والحرية، وذهب علي وعبد الله بن مسعود ﵄ إلى أنه معتبر بحال المرأة، وهذا خلاف الحديث، ولم تحاج الطائفة الأولى الثانية بالحديث الذي سند رأيها ويقف بجانبه. وهناك قول ثالث أثر عنهم أيضًا، وهو ما روي عن ابن عمر أنه يعتبر بمن رق منهما حتى لا يملك الزوج عليها ثلاث تطليقات إلا إذا كانا حرين٣.
стр. 335
٧٤٢- وتركوا أيضًا ما رواه عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ قال في صدقة الصبي: "ابتغوا في أموال اليتامى خيرًا؛ كي لا تأكلها الصدقة". ويقولون: لقد اختلف الصحابة، رضوان الله عليهم في وجوب الزكاة على الصبي اختلافًا ظاهرًا، ومع هذا لم يحاج بعضهم بعضًا بهذا الحديث، فذهب علي وابن عباس ﵃ إلى أنه لا زكاة في ماله، وذهب عبد الله بن عمر وعائشة ﵃ إلى الوجوب بما يدل عليه هذا الحديث.
وذهب ابن مسعود ﵁ إلى أن الوصي يعد السنن عليه، ثم يخبره بعد البلوغ؛ إن شاء أدى، وإن شاء لم يؤد١.
٧٤٣- ولو كان هذا الحديث ثابتًا لاشتهر فيهم، وجرت المحاجة به بعد تحقق الحاجة إليه بظهور الاختلاف؛ لأنهم كانوا أولع بالنص ولو احتجوا به لاشتهر أكثر من شهرة فتوى كل منهم في هذه المسألة، ولرجع المخالف إلى حديث رسول الله ﷺ الذي كان يخالفه، لأنهم كانوا أشد انقيادًا للحق من غيرهم "ولما لم يثبت شيء من ذلك علم أنه مزيف"٢.
٧٤٤- ويتصل بهذين المقياسين أو شبيه بهما عرض الحديث على عمل الراوي وفتواه وخاصة عمل الصحابي من حيث موافقته لما رواه أو مخالفته له، فإن بعض الرواة قد رويت عنه أحاديث وقال أو عمل بخلافها.
٧٤٥- ويقول الأحناف: إذا كان العمل أو القول المخالف للرواية قبلها فإن ذلك لا يقدح في الخبر، ويحمل على أن ذلك كان مذهبه قبل أن يسمع الحديث فلما سمع الحديث رجع إليه، وكذلك إن لم يعلم التاريخ؛ لأن الحمل على أحسن الوجهين واجب ما لم يتبين خلافه، وهو أن يكون منه قبل أن يبلغه الحديث، ثم رجع إليه.
٧٤٦- والاحتمالات الكثيرة التي تجعل الحديث غير موثوق به إنما
стр. 336
تكون عند ما يعلم أنه خالف الحديث قولًا أو فعلًا بعد تاريخ روايته، ومن هنا يكون هذا الحديث غير حجة؛ لأن فتواه بخلافه أو عمله من أبين الدلائل على الانقطاع وأنه الأصل للحديث"١ ... إن الحال عندئذ لا تخلو من أن تكون الرواية تقولًا منه لا عن سماع، فيكون واجب الرد، أو تكون فتواه وعمله بخلاف الحديث من باب قلة المبالاة والتهاون بالحديث، فيصير بذلك الراوي فاسقًا لا تقبل روايته أصلًا؛ لاستهانته بسنة رسول الله ﷺ ، أو يكون منه عن غفلة ونسيان، ورواية المغفل لا تكون حجة.
٧٤٧- وهذا إن صح بالسنة لغير الصحابة وكبار الأئمة من التابعين فحاشا أن يكون هؤلاء كذلك، وهم العدول البررة الأطهار، الذين ضربوا السهم الوافر والقدح المعلى في توثيق سنة رسول الله ﷺ وتحريرها والالتزام بها قولًا وعملًا.
ومن أجل هذا فإن عمل أحدهم أو قوله بخلاف الحديث، يحمل على غير ما تقدم، وهو أنه علم نسخ حكم الحديث.
٧٤٨- ولكن ... لم يروه عندئذ؟ وقد علم أنه منسوخ الحكم؟ إنه يروي -كما يقول السرخسي-: إبقاء للإسناد، وإبقاء لما صدر فعلًا من رسول الله ﷺ ... ولا ضير حينئذ من هذه الرواية؛ لأن قوله أو عمله بخلافها يكون دليلًا على النسخ وعدم العمل به ... ولكن هذا لا يزيل توهم النسيان أو الغلط، فهذا يمكن أن يقع لكل إنسان ... وباعتبار هذا التعارض بين الرواية وبين القول أو العمل ينقطع اتصال الحديث ولا يكون حجة تبعًا لهذا٢.
٧٤٩- ومثال ذلك ما روى سليمان بن موسى لعبد الله بن جريح عن ابن شهاب الزهري، عن عروة، عن عائشة ﵂، عن النبي
стр. 337
صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل" ١.
٧٥٠- إن عائشة ﵂ زوجت بنت أخيها حفصة بنت عبد الرحمن المنذر ابن الزبير، وكان عبد الرحمن أبو حفصة بالشام، ولم يعلم بهذا إلا بعد مجيئه، بدليل أنه غضب، وقال: أمثلي يصنع به هذا ويفتات عليه؟ ولما علمت عائشة ﵂ غضبه قالت للمنذر: لتملكن عبد الرحمن أمرها، فقال المنذر: إن ذلك بيد عبد الرحمن، فقال عبد الرحمن: ما كنت أرد أمرًا قضيته، فقرت حفصة عنده.
٧٥١- وهكذا رأت عائشة ﵂ أن تزويجها بنت أخيها بغير أمره جائز، وأن العقد صحيح، بدليل أنها أجازت التمليك الذي لا يكون إلا عن صحة النكاح، وهذا يثبت استحالة أن ترى ذلك "مع صحة ما روت، فثبت فساد ما روي عن الزهري" وأيضًا فإنها لما أنكحت فقد جوزت نكاح المرأة نفسها دلالة؛ لأن العقد لما انعقد بعبارة غير المتزوجين من النساء فلأن ينعقد بعبارتها أولى، فيكون فيه عمر بخلاف ما روت٢.
٧٥٢- ومثل هذا ما روي عن ابن عمر ري الله عنهما في رفع اليدين قبل الركوع وبعد القيام منه، فقد روي جابر عن سالم بن عبد الله أنه رفع يديه حذاء منكبيه في الصلاة حين افتتحها، وحين ركع، وحين رفع رأسه، فسأله جابر عن ذلك فقال: رأيت ابن عمر ﵄ يفعل ذلك.
هذا وقد روي عن ابن عمر أنه كان لا يفعل ذلك، قال مجاهد: صليت خلف ابن عمر، فلم يكن يرفع يديه إلا في التكبيرة الأولى. فعمله هذا بخلاف ما روي يدل على نسخ رفع اليدين قبل الركوع وبعده، فلا تقوم به الحجة٣.
стр. 338
أن النبي ﷺ قال: "يغسل الإناء من ولوغ الكلب سبعًا" ثم صح من فتواه أنه يطهر بالغسل ثلاثًا١.
٧٥٤- وشبيه بهذا أن يعمل بعض الأئمة من الصحابة بخلاف الحديث وهو ممن يعلم أنه لا يخفى عليه مثل ذلك الحديث، فيخرج الحديث به من أن يكون حجة، لأنه لما انطقع توهم أنه لم يبلغه، كما لا يظن به مخافة حديث صحيح عن رسول الله ﷺ ، سواء رواه هو أو غيره، فأحسن الوجوه فيه أنه علم نسخه.
٧٥٥- ومثال هذا ما روي عن رسول الله، ﷺ : "البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة ورجم بالحجارة".
٧٥٦- وقد صح عن بعض الخلفاء أنهم أبوا الجمع بين الجلد والرجم مع أنه كان لا يخفى عليهم الحديث؛ لشهرته لو صح، وصح عن عمر ﵁ قوله:"والله لا أنفي أحدًا أبدًا". وقول علي ﵁: "كفى بالنفي فتنة"..!.. فدل هذا على أن هذا الحكم الذي يتضمنه الحديث وهو الجمع بين الجلد والتغريب منسوخ٢.
٧٥٧- ومما هو جدير بالذكر أن النسخ -وإن كان لا يؤثر في صحة ثبوت الحديث ونسبته إلى رسول الله ﷺ ، لكنه في مثل هذا الموقف وهو عرض الحديث على عمل الصحابي والقول به -من وجهة نظر المعارضين- انتقاص لحديث رسول الله، ﷺ ، وترك له دون حجة وعدم الثقة به. وهذا يجعل القائلين به -من وجهة نظر المعارضين أيضًا- مثل الذين يتركون سنة رسول الله، ﷺ بلا دليل، بل هم يفتحون الباب لأعداء السنة الذيينفذون منه لردها؛ يقول الإمام الشافعي: "أفيجوز في كل خبر رويته عن النبي ﷺ
стр. 339
أن يقال: قد كان هذا، ولعله منسوخ، فيرد علينا أهل الجهالة بالسنن بـ"لَعَلَّهُ"؟! ١
ونتعرف على وجهة النظر المقابلة، وإن كان بعضها بعد القرن الثاني الهجري لندرك ما قيمة هذه المقاييس عند الآخرين، وماذا فعلوا بالأحاديث التي ردها الأحناف؟
مناقشة الإمام الشافعي:
٧٥٨- لقد رد الإمام الشافعي هذه المقاييس بما رد به المقياسين الأولين: عرض الآحاد على الكتاب وعلى السنة المشهورة.
يقول: إنه لا يهمنا في قليل ولا كثير أن يوافق عمل بعض الصحابة أو رأيهم الحديث أو يخالفه؛ لأن الحديث يثبت نفسه، بأن يرويه الثقات عن رسول الله ﷺ ، "فذلك ثبوته، وألا نقول على حديث ليثبت أن وافقه بعض أصحاب رسول الله، ولا يرد؛ لأن عمل بعض أصحاب رسول الله عملًا يخالفه؛ لأن بأصحاب رسول الله ﷺ والمسلمين كلهم حاجة إلى أمر رسول الله، وعليهم اتباعه، لا أن شيئًا من أقاويلهم تبع ما روي عنه ووافقه يزيد قوله شدة، ولا شيء خالفه من أقاويلهم يوهن ما روى عنه الثقة"٢.
٧٥٩- وإذا كان بعض الصحابة قد خالف الحديث فليس ذلك لأنه لم يصدر عن الرسول ﷺ ، ولكن لأن كثيرًا منهم كان لا يبلغه الحديث فيفتي برأيه، أو يختلفون لأنهم لم يبلغهم ما قاله رسول الله ﷺ في موضوع اختلافهم، فالخبر حجة على كافة الأمة والصحابي محجوج به كغيره فإن قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ ٣ وقوله : ﴿وَمَا آتَاكُم
стр. 340
الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ١ وردا عامَّينِ من غير تخصيص لبعض الأمة دون بعض.
يقول الشافعي بعد ما بين أن بعض الصحابة عمل بما يخالف الحديث: "وفي هذا ما يدل على أن الرجل يعلم الشيء عن رسول الله ﷺ لا يعلم خلافه عن رسول الله، يقول بما علم، ثم لا يكون في قوله بما علم وروى حجة على أحد علم أن رسول الله قال قولًا أو عمل عملًا ينسخ العمل الذي قال به غيره وعمله"٢.
٧٦٠- ويذكر الشافعي أن غياب هذه الحقيقة عن بعض العلماء جعلهم يغلطون ويتخذونه مقياسًا لرد الحديث وتضعيفه.
يقول بعد أن بين أن كبار الصحابة اختلفوا حيث لم تبلغهم الأحاديث: "وإنما وضعت هذه الجملة لتدل على أمور غلط فيها بعض من نظر في العلم ليعلم من علمه أن من متقدمي الصحبة وأهل الفضل والدين والأمانة من يعزب عنه من سنن رسول الله الشيء يعلمه غيره، ممن لعله لا يقاربه في تقدم صحبته وعلمه، ويعلم أن علم خاص السنن إنما هو علم خاص بمن فتح الله له علمه، لا أنه عام مشهور كشهرة الصلاة وجمل الفرائض التي كلفتها العامة"٣.
٧٦١- إذن ثبوت الحديث أو رده ليس بمقياس عرضه على موقف الصحابة في موضوعه ليعلم هل اشتهر بينهم أو لا وهل الذين اختلفوا في موضوعه تحاجوا به أو لا؛ وإنما ثبوته بأن يرويه الثقات عن رسول الله ﷺ ، وكما يقول بعض متأخري الحنفية الذين رفضوا هذه المقاييس: إن بعض مما تعم به البلوى صدر عن رسول الله ﷺ ولم يعلمه كثير من الصحابة، يقول ابن عمر ﵄: كنا نخابر٤ أربعين سنة
стр. 341
حتى روي لنا رافع بن خديج أن النبي ﷺ نهى عن ذلك" فانتهينا، فلا يلزم من عموم البلوى اشتهار حكمها؛ فإن حكم الفصد والحجامة
والقهقهة في الصلاة، وإفراد الإقامة وتثنيتها، وقراءة الفاتحة خلف الإمام وتركها، والجهر بالتسمية وإخفائها وعامة تفاصيل الصلاة لم تشتهر مع أن هذه الحوادث عامة.
٧٦٢- والله لم يكلف الرسول ﷺ بإشاعة جميع الأحكام؛ بل كلفه بإشاعة البعض، وجوز له رد الخلق إلى خبر الواحد في البعض، كما جوز له ردهم إلى القياس في قاعدة الربا، مع أنه يسهل عليه أن يقول: لا تبيعوا المطعوم بالمطموع أو المكيل بالمكيل حتى يستغني بالاستنباط عن ذكر الأشياء الستة فيجوز أن يكون ما يعم به البلوى من جملة ما تقتضي مصلحة الخلق أن يردوا فيه إلى خبر الواحد، وعندئذ يكون صدق الراوي ممكنًا فيجب تصديقه.
٧٦٣- وإذا كان من المسلم به أن الأصل فيما تعم به البلوى الاشتهار -فإنه في بعض الأحيان يحدث عكس ذلك فقد يترك كل واحد من النقلة الرواية اعتمادًا على غيره، أو لعارض آخر من موت عامتهم في حرب أو وباء أو نحو ذلك وعلى سبيل المثال فقد نقل أن محمد بن إسماعيل البخاري ﵀ لما جمع الصحيح سمعه منه قريب من مائة ألف ولم تتصل الرواية إلا عن محمد بن يوسف بن مطر الفربري١.
٧٦٤- وكما رفض الإمام الشافعي هذه المقاييس لتوثيق السنة أثبت مارده الأحناف تطبيقًا لها؛ إذ كان ما رووه يثبت عنده من حيث الثقة في رواته عدالة وضبطًا، ومن هذا أحاديث رفع اليدين في الصلاة عند الركوع وعند القيام منه. وقد تقدم أن الأحناف لم يأخذوا بها، لأنها لم تشتهر مع أنها مما تعم به البلوى.
٧٦٥- وابتدأ الإمام الشافعي في إثبات هذه الأحاديث بروايتها وبيان ثبوتها من حيث السند، فذكر أن سفيان بن عيينة أخبره عن الزهري
стр. 342
عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال: "رأيت النبي ﷺ إذا افتتح الصلاة رفع يديه حتى يحاذي منكبيه، وإذا أراد أن يركع وبعدما يرفع رأسه من الركوع، ولا يرفع بين السجدتين".
وروي عن سفيان أيضًا، عن عاصم بن كليب، قال: سمعت أبي يقول: حدثني وائل بن حجر قال: "رأيت رسول الله ﷺ إذا افتتح الصلاة يرفع يديه حذو منكبيه، وإذا ركع وبعد ما يرفع رأسه". قال وائل: ثم أتيتهم في الشتاء، فرأيتهم يرفعون أيديهم في البرانس. ثم قال الشافعي: وبهذا نقول ... فنقول إذا افتتح الصلاة رفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، وإذا أراد أن يركع رفعهما، وكذلك أيضًا إذا رفع رأسه من الركوع، ولا يرفع يديه في شيء من الصلاة غير هذه المواضع ثم بين سبب اختياره لهذه الأحاديث وترك غيرها مما يخالفها قال: "لأنها أثبت إسناده منه، وأنها عدد والعدد أولى بالحفظ من الواحدة"١.
٧٦٦- ثم قال: إن بعض الناس يخالفه في هذا فيقول: إن الرفع لا يكون إلا في ابتداء الصلاة، ويحتج بحديث يزيد بن أبي زياد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء بن عازب قال: رأيت النبي ﷺ إذا افتتح الصلاة يرفع يديه ثم لا يعود، ولكن هل هذا الحديث صحيح؟ -إن سفيان الثوري يبين علة هذا الحديث فيقول: إنه سمعه من يزيد دون عبارة "ثم لا يعود" ثم قدم الكوفة فسأل يزيد عن هذا الحديث فزاد هذه العبارة فقال: "فظننت أنهم لقنوه.. فهذا هو سفيان يبين أنه يغلط في هذا الحديث وكان يرى أنه ليس بالحافظ. فهو -إذن- حديث ضعيف.
٧٦٧- وإذا كان حديث الزهري عن سالم عن أبيه أثبت عند أهل العلم بالحديث من حديث يزيد؛ فإن معه أيضًا أحد عشر رجلًا من أصحاب رسول الله ﷺ منهم أبو حميد الساعدي، وكذلك حديث وائل بن حجر؛ "وثلاثة عشر حديثًا أولى أن تثبت من حديث واحد".
أضف إلى ذلك أن حديث الزهري أولى لأن فيه زيادة حفظ ليست في الحديث الآخر.
стр. 343
٧٦٨- ويقول الشافعي: إن من يروون حديث رفع اليدين قبل الركوع وبعده يقولون: إن إبراهيم النخعي أنكر حديث وائل بن حجر وقال: إن عليًّا وابن مسعود أعلم منه وهما لم يروياه ولم يفعلاه. ويرد عليهم بأنهما ربما روياه ولم يسمعه أو فعلاه وخفي عنه، وإذا أخذنا بهذا المبدأ -مبدأ نفي الحديث لأن فلانًا أو فلانًا لم يروه فمعناه أننا نترك فعل النبي ﷺ إلى فعل غيره وترك غيره١.
٧٦٩- وقال بعض من يردون هذا الحديث: إن وائل بن حجر أعرابي ومعنى هذا أنه روى حديثًا كان غيره من غير الأعراب أولى بروايته، فرد الشافعي بأنكم قبلتم من هو دونه وتروون عنه مثل قرثع الضبي وقزعة وسهم ابن منجاب. وقد روى إبراهيم النخعي عنهم، فكيف تردون حديث رجل من الصحابة وتروون عمن دونه٢؟.
٧٧٠- وهكذا نرى أن أساس رفض هذا الحديث هو عدم روايته عن علي وابن مسعود، وكان الأولى أن يروياه لأنه من الأمور المشهورة التي تعم بها البلوى وكان تثبيت الشافعي للحديث يقوم على أساس أن غيرهما رواه وكفى بهم أخذًا للحديث واطمئنانًا إليه٣.
وحديث مس الذكر أوضح من هذا في توضيح موقف من يأخذ بمقياس صحة ما تعم به البلوى إذا كان مشهورًا وعدم صحة الآحاد منه.
٧٧١- لقد روت هذا الحديث الصحابية الجليلة بسرة بنت صفوان، وهو كما رواه الإمام الشافعي قال: أخبرنا مالك بن أنس عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أنه سمع عروة بن الزبير يقول: دخلت على مروان بن الحكم فتذاكرنا ما يكون منه الوضوء، فقال مروان: ومن مس الذكر الوضوء، فقال عروة: وما علمت ذلك؟ فقال مروان: أخبرتني
стр. 344
بسرة ابنة صفوان أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا مس أحدكم ذكره فليتوضأ"١.
وهذا الحديث من حيث سنده صحيح، فقد قال الترمذي فيه -بعد أن رواه عن يحيى بن سعيد القطان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن بسرة- "حديث حسن صحيح".
٧٧٢- ويشير إلى أن بسرة لم تنفرد به فقد روي عن أم حبيبة وأبي أيوب وأبي، وأبي هريرة وأروى ابنة أويس وعائشة وجابر وزيد بن خالد، وعبد الله بن عمرو.
٧٧٣- وفي بعض هذه الأحاديث ما نص بعض الأئمة على صحته، قد قال ابن السكن في حديث أبي هريرة: هو أجود ما روي في هذا الباب وأخرجه ابن حبان في صحيحه، وصححه الحاكم وابن عبد البر٢. وقد رواه الإمام الشافعي مستدلًا به على الوضوء من مس الذكر٣.
وحديث أم حبيبة أخرجه ابن ماجه والأثرم وصححه أحمد وأبو زرعة وقال ابن السكن: لا أعلم به علة.
وحديث جابر أخرجه ابن ماجه والأثرم، وقال ابن عبد البر: إسناده صالح وقال الضياء المقدسي: ما أعلم بإسناده بأسًا. وإذا كان الشافعي قد ذكر أنه سمع غير واحد من الحفاظ يرويه ولا يذكر فيه جابرًا٤ فإن المرسل هنا حجة عنده وعند مالك وأبي حنيفة.
وحديث عبد الله بن عمر أخرجه أحمد والبيهقي. وقال الترمذي في العلل عن البخاري: هو عندي صحيح. وإذا تركنا الترمذي إلى غيره من الأئمة وجدنا أبا داود يسأل الإمام أحمد بن حنبل: حديث بسرة ليس بصحيح؟
стр. 345
فيجيبه: بل هو صحيح. ويقول الدارقطني عنه: صحيح ثابت، وصححه أيضًا يحيى بن معين فيما حكاه ابن عبد البر وأبو حامد ابن الشرفي والبيهقي والحازمي. ويقول المباركفوري: "كل ما طعنوا به في صحة حديث بسرة هذا فهو مدفوع والحق أنه صحيح١.
٧٧٤- ومع صحته على هذا النحو من حيث السند لم يأخذ به الأحناف لأنه مما تعم به البلوى، ومع هذا ترويه امرأة، ولا يشتهر كما ذكرنا سابقًا.
٧٧٥- وأخذوا بحديث آخر وهو حديث ملازم بن عمرو عن عبد الله ابن بدر عن قيس بن طلق بن علي عن أبيه عن النبي ﷺ قال: "وهل هو إلا مضغة منه أو بضعة منه؟ ".
وقال الترمذي بعد روايته وقد روى عن غير واحد من أصحاب النبي ﷺ ويعني التابعين أنهم لم يروا الوضوء من مس الذكر، وهو قول أهل الكوفة وابن المبارك٢.
٧٧٦- وعلى الرغم مما قالوه في حديث طلق هذا أيضًا إلا أن الراجح أنه كحديث بسرة صحيح، وإن كان حديثها أصح وأثبت من حديثه٣.
٧٧٧- وقد كان من الممكن أن يقول الحنفية كما قال غيرهم: إن هذين الحديثين صحيحان وأن المتقدم منهما منسوخ بالآخر المتأخر، لوجود بعض العوامل التي تدعو إلى ذلك، منها أن طلقًا روى حديثًا في المنع فدل ذلك على أنه شاهد الحالتين وروى الناسخ والمنسوخ٤. ومنها أن مع حديث بسرة الاحتياط، والاحتياط بالوضوء أبلغ ومنها ما يروى عن النبي ﷺ بإسناد صحيح: أنه نهى أن يمس الرجل ذكره بيمينه وهذا يدل على أن الذكر لا يشبه سائر الجسد.
стр. 346
ومنها أن حديث طلق يأتي على الأصل وحديث بسرة يأتي على غير الأصل فكان من المعقول أن الأصل كان أولًا ثم نسخ.
ومنها أن طلق بن علي كان قدومه على النبي ﷺ أول سنة من سني الهجرة حيث كان المسلمون يبنون مسجد رسول الله ﷺ وأبا هريرة الذي روى مثل حديث بسرة كان إسلامه سنة سبع من الهجرة أي خبره بعد خبر طلق بهذه المدة، ولم يثبت أن طلقًا له رجوع إلى المدينة بعد ذلك١.ولم يكن عليهم من بأس حينئذ مع وجود القائلين بالرخصة من أجلَّة الصحابة مثل ابن مسعود وابن عباس؛ لأن ما ذهبوا إليه لا يكون فادحًا بعد ثبوت الآثار المرفوعة، والعذر من قِبَلهِم أنهم قد بلغهم حديث طلق وأمثاله ولم يبلغهم ما ينسخه، ولو وصل قالوا به، وليس هذا بمستبعد، فقد ثبت انتساخ التطبيق في الركوع عند جمع، ولم يبلغ ابن مسعود، حتى دام على ذلك مع كونه ملازمًا للرسول عليه الصلاة والسلام٢.
كان من الممكن أن يقولوا ذلك، ولكن عدم شهرة هذا الحديث وهو مما تعم به البلوى هو الذي جعلهم يتركون حديث بسرة ويذهبون إلى ما هو مرجوح.
٧٧٨- وإذا كان موضوع مس الذكر مما تعم به البلوى حقًّا كما يقول الأحناف، إلا أنه يعتبر من النماذج التي تكون كذلك ولا تشتهر لاتصاله بالعضو الجنسي الذي يميل الكثير إلى عدم ذكره، ولا يقال، فلم روته بسرة -إذن- وهي امرأة؟ نقول: ربما كانت عندها جرأة ليست عند الرجال فيما يتصل بأمور الدين وخاصة عندما رأت الرجال معرضين عن ذكره، وهو من أمور الدين التي لا ينبغي كتمانها، وربما اضطرت إلى ذلك لتعليم بعض النشء الذي لا يعلم هذا الحكم الشرعي، وتربية النشء تتعرض لها المرأة أكثر مما يتعرض لها الرجل.
стр. 347
٧٧٩- ولنتناول مثالًا آخر من الأمثلة التي رفضها الأحناف تطبيقًا للمقياس الثاني وهو ترك الصحابة العمل بالحديث مما يدل على أنه غير صحيح وهو حديث "وجوب الزكاة في أموال اليتامى".
٧٨٠- يقول الإمام الشافعي راويًا هذا الحديث: أخبرنا عبد المجيد عن ابن جريح عن يوسف بن ماهك أن رسول الله ﷺ قال: "ابتغوا في مال اليتيم أو في أموال اليتامى حتى لا تذهبها أو لا تستهلكها الصدقة"١ وقال الشافعي: إن هذا إسناد منقطع٢.
وأخرج الترمذي عن المثنى بن الصباح، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عبد الله بن عمرو بن العاص، أن رسول الله ﷺ خطب الناس فقال: "من ولي يتيمًا له مال فليتجر له، ولا يتركه حتى تأكله الصدقة".
وقال الترمذي بعد روايته هذا الحديث: إنما يروي هذا الحديث من هذا الوجه وفي إسناده مقال: لأن المثنى يضعف في الحديث.
٧٨١- وقد ترك الأحناف هذا الحديث لأنه روي أن بعض الصحابة اختلفوا في الموضوع، ولم يحاجوا بالحديث، تركوه مع أن الحديث الذي رواه الشافعي يصلح حجة عندهم، لأنه من مراسيل أهل القرون الثلاثة الذين يحتجون بمراسيلهم.
٧٨٢- أما الإمام الشافعي فقد أيد هذا الحديث المنقطع بما رواه من الآثار الموقوفة وتدل على أن بعض الصحابة أخذ بذلك ونحن نعلم أن من أسباب كون المرسل حجة عند الشافعي أن يوافقه ما يروي عن بعض صحابة رسول الله ﷺ من أقوالهم ومن الموقوفات عليهم.
روى عن مالك عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه قال: كانت عائشة تليني وأخالي يتيمين في حجرها فكانت تخرج من أموالنا الزكاة.
стр. 348
وروى عن سفيان عن أيوب بن موسى، ويحيى بن سعيد، وعبد الكريم بن أبي المخارق كلهم بخبر عن القاسم بن محمد: كانت عائشة ﵂ تزكي أموالنا وإنه ليتجر بها في البحرين.
وروى عن سفيان، عن ابن أبي ليلى، عن الحكم بن عيتبة أن عليًّا ﵁ كانت عنده أموال بني رافع؛ فكان يزكيها كل عام.
وروي عن سفيان بن عينيه عن عمرو بن دينار أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: ابتغوا في أموال اليتامى لا تستهلكها الزكاة١. إذن الحديث المنقطع هنا في حكم المتصل موضوع حجة ولهذا أخذ به الإمام الشافعي.
٧٨٣- وتأييده لهذا الحديث بالمعقول ويعرضه على الأصول يعطينا نموذجًا على أن الإمام الشافعي لم يكن يغفل توثيق المتن من حيث معناه، وإن كان لا يعتبر أن هذا الفيصل في رد الحديث أو عدم توثيقه فقال: "الناس عبيد الله جل وعز، فملكهم ما شاء أن يمكلهم، وفرض عليهم فيما ملكهم ما شاء، لا يسأل عما يفعل، وهم يسألون، فكان فيما آتاهم أكثر مما جعل عليهم فيه، وكل أنعم فيه عليهم جل ثناؤه، فكان فيما فرض عليهم فيما ملكهم زكاة، أبان أن في أموالهم حقًّا لغيرهم في وقت على لسان نبيه ﷺ ، فكان حلالًا لهم ملك المال، وحرامًا عليهم حبس الزكاة، لأنه ملكها غيرهم في وقت كما ملكهم أموالهم دون غيرهم فكان بينًا فيما وصفت وفي قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ ٢ أن كل مالك تام الملك، من حر له مال فيه زكاة سواء في أن عليه فرض الزكاة بالغًا كان أو صحيحًا أو معتوهًا أو صبيًّا؛ لأن كلا مالك ما يملك صاحبه، وكذلك يجب في ملكه ما يجب في ملك صاحبه، وكان مستغنيًا بما وصفت من أن علي الصبي
стр. 349
والمعتوه الزكاة عن الأحاديث؛ كما يلزم الصبي والمعتوه نفقة من تلزم الصحيح البالغ نفقته، ويكون في أموالهم جنايتهما على أموال الناس كما يكون في مال البالغ العاقل، وكل هذا حق لغيرهم في أموالهم فكذلك الزكاة والله أعلم"١.
٧٨٤- وهذا يقودنا إلى أن الإمام الشافعي ﵁ فعل مثل ما يفعل الأحناف من عرض الحديث على عمل الصحابة وفتاواهم، ولكن بهدف آخر غير ما هدفوا إليه وهو تأييد الأحاديث الثابتة وتقويتها والرد على مخالفيها وتاركيها مع ثبوتها من وجهة نظره ونظر من يسير في اتجاهه.
٧٨٥- وهو ينص على أن من أسباب الترجيح عنده وتقوية الحديث أن يعمل به عدد كبير من الصحابة رضوان الله عليهم فيقول: "أو يكون الذي ذهبنا إليه أشبه بمعنى كتاب الله أو أشبه بما سواهما من سنن رسول الله ﷺ أو أولى بما يعرف أهل العلم أو أصح في القياس، والذي عليه الأكثر من أصحاب رسول الله"٢.
٧٨٦- وقد تقدم تطبيقه في تقوية الأحاديث بالعرض على كتاب الله أو سنة رسول الله ﷺ ، وطبق عرضها هنا على عمل أكثر الصحابة في حديثي الإسفار والتغليس، وقد سبق عرضنا لهذين الحديثين، وترجيح الشافعي لأحدهما بعد عرضهما على كتاب الله وعلى السنة الأخرى لرسول الله ﷺ .
٧٨٧- قال الشافعي مرجحًا حديث التغليس والدخول في الصلاة في أول وقت الصبح: "وإن تقديم صلاة الفجر في أول وقتها عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي بن أبي طالب وابن مسعود وأبي موسى الأشعري وأنس ابن مالك وغيرهم مثبت٣.كما فعل ذلك في باب الحجامة للصائم.
стр. 350
٧٨٨- فقد روى حديين مختلفين وهما:
أخبرنا عبد الوهاب بن عبد المجيد عن خالد الحذاء عن أبي قلابة، عن أبي الأشعث الصنعاني، عن شداد بن أوس، قال: كنت مع النبي زمان الفتح، فرأى رجلًا يحتجم لثمان عشرة خلت من رمضان، فقال وهو آخذ بيدي: "أفطر الحاجم والمحجوم".
أخبرنا سفيان عن يزيد بن أبي زياد، عن مقسم، عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ احتجم محرمًا صائمًا.
٧٨٩- وهذان الحديثان وإن كانا مشتبهين في الإسناد إلا أن الثاني وهو حديث ابن عباس أمثلهما إسنادًا ولهذا اختاره ورجحه على حديث شداد ابن أوس، لأنه فوق ذلك يحفظه عن بعض أصحاب رسول الله والتابعين وعامة المدنيين١.
٧٩٠- وإذا كان الإمام الشافعي قد رد على الأحناف ردًّا هادئًا متأنيًا -فإننا نجد الإمام ابن حزم الظاهري "٣٨٤ - ٤٥٦هـ" يرد عليهم ردًّا عنيفًا في اتخاذهم هذين المقياسين وما يشبههما، ويجدر بنا أن نعرض لهذا الرد تاكيدًا لرأي الإمام الشافعي وزيادة بيان لقيمة هذين المقياسين عند الآخرين.
٧٩١- قال ابن حزم: إننا وجدنا الصاحب من الصحابة رضوان الله عليهم يبلغه الحديث ويأتي عمله لنا على خلافه ولا يدل هذا على أنه رده أو على أنه غير صحيح، فقد يكون متأولًا له، كما وجدناهم يقرون ويعترفون بأنهم لم يبلغهم كثير من السنن، فقد قال أبو هريرة: "إن إخواني من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق، وإن إخواني من الأنصار كان يشغلهم القيام على أموالهم". وقال البراء: ما كل ما نحدثكموه سمعناه من رسول الله ﷺ ، ولكن حدثنا أصحابنا وكانت تشغلنا رعية الإبل.
стр. 351
٧٩٢- ثم ذكر ابن حزم الأمثلة التي تدل على أن الأحاديث كانت تخفي على بعضم، فهذا أبو بكر ﵁ لم يعرف فرض ميراث الجدة، وعرفه محمد بن مسلمة والمغيرة بن شعبة، وقد سأل أبو بكر ﵁ في كم كفن رسول الله ﷺ .
وهذا عمر ﵁ يقول في حديث الاستئذان: أخفى على هذا من أمر رسول الله ﷺ ؟ ألهاني الصفق في الأسواق.
وقد جهل أيضًا أمر إملاص المرأة١، وعرفه غيره وغضب على عيينه بن حصن حتى ذكره الحر بن قيس بن حصن بقوله تعالى: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِين﴾ .
وخفي عليه أمر رسول الله ﷺ بإجلاء اليهود والنصارى من جزيرة العرب إلى آخر خلافته، وخفي هذا أيضًا على أبي بكر طوال مدة خلافته فلما بلغ ذلك عمر أمر بإجلائهم، فلم يترك بها منهم أحدًا. وخفي على عمر أيضًا أمره ﵊ بترك الإقدام على الوباء، وعرف ذلك عبد الرحمن بن عوف.
وسأل عمر أبا واقد الليثي عما كان يقرأ به رسول الله ﷺ في صلاتي الفطر والأضحى، هذا وقد صلاهما رسول الله ﷺ أعوامًا كثيرة.
ولم يدر ما يصنع بالمجوس، حتى ذكره عبد الرحمن بأمر رسول الله ﷺ فيهم ونسي قبوله ﵇ الجزية من مجوس البحرين وهو أمر مشهور، ولعله ﵁ قد أخذ من ذلك المال حظًّا كما أخذ غيره منه.
ونسي أمره ﵇ بأن يتيمم الجنب فقال: لا يتيمم أبدًا ولا يصلي ما لم يجد الماء، وذكره بذلك عمار.
стр. 352
وأراد قسمة مال الكعبة حتى احتج عليه أبي بن كعب بأن النبي ﷺ لم يفعل ذلك فأمسك.
وكان يرد النساء اللواتي حضن ونفرن قبل أن يودعن البيت حتى خبر بأن رسول الله ﷺ أذن في ذلك، فأمسك عن ردهن.
وكان يفاضل بين ديات الأصابع حتى بلغه عن النبي ﷺ أمره بالمساواة بينهما فترك قوله وأخذ بالمساواة.
وكان يرى أن الدية للعصبة فقط، حتى أخبره الضحاك بن سفيان بأن النبي ﷺ ورث المرأة من الدية؛ فانصرف عمر إلى ذلك.
ونهى عن المغالاة في مهور النساء استدلالًا بمهور النبي ﷺ حتى ذكرته امرأة بقول الله : ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ ١ فرجع عن نهيه.
وأراد رجم مجنونة حتى أعلم بقول رسول الله ﷺ : "رفع القلم عن ثلاثة". فأمر ألا ترجم، وأمر برجم مولاة حاطب حتى ذكره عثمان بأن الجاهل لا حد عليه فأمسك عن رجمها.
وأنكر على حسان الإنشاد في المسجد، فأخبره هو وأبو هريرة أنه قد أنشد فيه بحضرة رسول الله ﷺ فسكت عمر.
٧٩٣- ويواصل ابن حزم رده على الأحناف ومن ينهج نهجهم فيقول: إنه قد خفي على الأنصار وعليه المهاجرين كعثمان وعلي وطلحة والزبير وحفصة أم المؤمنين وجوب الغسل من الإيلاج إلا أن يكون أنزل، وهذا مما تكثر البلوى، وخفي على عائشة وأم حبيبة أميّ المؤمنين وابن عمر وأبي هريرة وأبي موسى وزيد بن ثابت، وسعيد بن المسيب، وسائر الجلة من فقهاء المدينة وأبي موسى وزيد بن ثابت وسعيد بن المسيب وسائر الجلة من فقهاء المدينة وغيرهم نسخ الوضوء مما مست النار، وكل هذا تعظم البلوى به وتعم.
٧٩٤- "وهذا كله وما بعد هذا يبطل ما قاله من لا يبالي بكلامه من الحنفيين والمالكيين: إن الأمر إذا كان مما تعم البلوى به لم يقبل فيه خبر الواحد".
стр. 353
٧٩٥- "والعجب أن كلتا الطائفتين قد قبلت أخبارًا خالفها غيرهم تعم بها البلوى، كقبول الحنفيين الوضوء من الضحك وجهله غيرهم، وكقبول المالكيين اليمين مع الشاهد وجهله غيرهم، ومثل هذا كثير جدًّا"١.
واستطرد ابن حزم في ذكر الأمثلة التي تدل على أن بعض الصحابة والكبار منهم يتركون الحديث مع شهرته للجهل به ونكتفي بما أوردناه٢.
٧٩٦- على أنه إنصافًا للأحناف نقول: إن هذا الحشد من الأمثلة التي ذكرناها لا ينطبق عليها من وجهة نظرنا ما يهدف إليه وهو كونها مما تعم به البلوى ولا يشتهر، وذلك مثل الاقتراب على الوباء، وكفن رسول الله ﷺ ، ونفور النساء قبل ورود البيت، وتوريث المرأة من الدية وغير ذلك.
٧٩٧- فإذا كان من الممكن التسليم بجهل بعض الصحابة بعض الأخبار التي تعم بها البلوى -فإنه ليس من الكثرة كما ذكر ابن حزم، فبعضها لا يعم به البلوى ولا يحدث كثيرًا ويتجدد بحيث يشتهر ويعلمه جميع الصحابة.
٧٩٨- على أن الذي يعنينا أننا أصبحنا على يقين من أن علماءنا الأجلاء وعلى رأسهم أبو حنيفة وصاحباه والإمام الشافعي -قد وثقوا متن الحديث أو نقدوه بعرضه على عمل الصحابة وآرائهم ومدى شهرته بينهم، وإن تفاوتوا في درجات الأخذ بذلك، ولم يقفوا جامدين أمام موضوعات الأحاديث وما تحمل من أدلة للاستنباط مكتفين بالثقة في أسانيدها ورجالها كما رماهم بذلك الجاهلون.
وننتقل إلى مقياس آخر عمل به بعض العلماء، وهو شبيه بمقاييس هذا الفصل لأنه يتعلق بالعمل أو الفتوى وإن كانا هنا في الفصل المقبل يختصان ببلد معين وهو المدينة.
стр. 354
الفصل الرابع: عرض الحديث على عمل أهل المدينة
٧٩٩- ما لا شك فيه أن للمدينة مكانتها العلمية الكبيرة التي لا يسمو إليها غيرها من بلدان العالم الإسلامي في القرنين الأول والثاني الهجريين؛ لأنها -كما يقول الإمام مالك في رسالته إلى الليث بن سعد "١٧٥هـ"- موطن هجرة رسول الله ﷺ . وبها أسس الدولة الإسلامية، "وبها نزل القرآن، وأحل الحلال وحرم الحرام ورسول الله ﷺ بين أظهر أهلها يحضرون الوحي والتنزيل، ويأمرهم فيطيعونه ويسن لهم فيتبعونه، وبعد وفاته، ﷺ قام من بعده الصحابة، رضوان الله عليهم وهم أتبع الناس له من أمته، فما نزل بهم أنفذوه، وما لم يكن عندهم فيه علم سألوا عنه، ثم أخذوا بأقوى ما وجدوا في ذلك، ثم أخذوا بأقوى ما وجدوا في ذلك، ثم كان التابعون فيها من بعدهم يسلكون تلك السبيل ويتبعون تلك السنن"١.
٨٠٠- ومن أجل هذه المكانة كان ينظر إليها كثير من الفقهاء نظرة إكبار، ويعتبرون أن أقوال أهلها وعملهم خير من عمل غيرهم. ولكن، إلى أي مدى كان هذا الإكبار وذلك الاعتبار؟.
٨٠١- إن الإمام مالكًا وبعض العلماء يرون أن الأمر إذا كان ظاهرًا معمولًا به فيها فليس لأحد خلافه؛ للذي في أيديهم من تلك الوراثة التي لا يجوز لأحد انتحالها ولا ادعاؤها، فهم الذين على ثقة مما يأخذون وما يعملون "ولو ذهب أهل الأمصار يقولون: هذا العمل ببلدنا، وهذا الذي مضى عليه من مضى منا- لم يكونوا من ذلك على ثقة ولم يكن لهم من ذلك الذي جاز لهم"٢ ومن ناحية أخرى فهم كانوا أطلب الناس لما ذهب علمه عنهم، "منها يسألون عنها على المنبر وعلى المواسم وفي المساجد وفي عوام الناس، ويبتدءون فيخبرون بما لم يسألوا عنه، فيقبلون ممن أخبرهم ما أخبرهم إذا ثبت لهم -فإذا حكم أحدهم الحكم فهو موافق لسنة رسول الله ﷺ ، وغير مخالف له، فيقدم حديث غيرهم إذا خالفهم"٣.
стр. 355
٨٠٢- وفريق آخر يخفف من هذه القيمة التي أعطاها الفريق الأول لعمل أهل المدينة، فحقيقة كانت المدينة موطن السابقين من المهاجرين والأنصار، ولكنهم خرجوا للجهاد في سبيل الله، وتفرقوا في الأمصار المختلفة يعلمون الناس تعاليم الله، وأصبحت هذه الأمصار بفضل دعوتهم ونشر علمهم، وبفضل المتابعة العلمية من الخلفاء -تحمل علمًا كثيرًا ربما يضارع في القرن الثاني الهجري علم أهل المدينة ... بالإضافة إلى ذلك فقد اختلف التابعون فيما بينهم في المدينة، بل ربما اختلف الواحد منهم في فتواه، عندما يفتي في الموضوع الواحد أكثر من مرة الأمر الذي جعل علماء الأمصار الآخرين يلتمسون الفتوى الصحيحة فيما صح عن رسول الله ﷺ عند غيرهم؛ لأنها عازبة عنهم ورواها الصحابة في الأمصار التي انتقلوا إليها.
٨٠٣- وقد بين ذلك الإمام الليث بن سعد في رسالته إلى الإمام مالك بن أنس، وكان قد أرسل إليه الأخير أنه يفتي بغير ما يفتي به أهل المدينة وقال له: "بلغني أنك تفتي الناس بأشياء مختلفة لما عليه جماعة الناس عندنا وببلدنا الذي نحن فيه، وأنت في إمامتك وفضلك ومنزلتك من أهل بلدك، وحاجة من قبلك إليك، واعتمادهم على ما جاء منك حقيق بأن تخاف على نفسك، وتتبع ما ترجو النجاة باتباعه"١.
ثم أفاض الإمام مالك في بيان فضل المدينة وما فيها من علم وعمل كما سبق أن ذكرنا.
٨٠٤- فرد عليه الإمام الليث برسالة: "وما أجد أحدًا ينسب إليه العلم أكره لشواذ الفتيا، ولا أشد تفضيلًا لعلماء أهل المدينة الذين مضوا، ولا آخذ بفتياهم فيما اتفقوا عليه -مني، والحمد لله رب العالمين لا شريك له ... وأما ما ذكرت من مقام رسول الله ﷺ بالمدينة ونزول القرآن بها عليه بين ظهري أصحابه وما علمهم الله منه، وأن الناس صاروا