٧٩٢- ثم ذكر ابن حزم الأمثلة التي تدل على أن الأحاديث كانت تخفي على بعضم، فهذا أبو بكر ﵁ لم يعرف فرض ميراث الجدة، وعرفه محمد بن مسلمة والمغيرة بن شعبة، وقد سأل أبو بكر ﵁ في كم كفن رسول الله ﷺ .
وهذا عمر ﵁ يقول في حديث الاستئذان: أخفى على هذا من أمر رسول الله ﷺ ؟ ألهاني الصفق في الأسواق.
وقد جهل أيضًا أمر إملاص المرأة١، وعرفه غيره وغضب على عيينه بن حصن حتى ذكره الحر بن قيس بن حصن بقوله تعالى: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِين﴾ .
وخفي عليه أمر رسول الله ﷺ بإجلاء اليهود والنصارى من جزيرة العرب إلى آخر خلافته، وخفي هذا أيضًا على أبي بكر طوال مدة خلافته فلما بلغ ذلك عمر أمر بإجلائهم، فلم يترك بها منهم أحدًا. وخفي على عمر أيضًا أمره ﵊ بترك الإقدام على الوباء، وعرف ذلك عبد الرحمن بن عوف.
وسأل عمر أبا واقد الليثي عما كان يقرأ به رسول الله ﷺ في صلاتي الفطر والأضحى، هذا وقد صلاهما رسول الله ﷺ أعوامًا كثيرة.
ولم يدر ما يصنع بالمجوس، حتى ذكره عبد الرحمن بأمر رسول الله ﷺ فيهم ونسي قبوله ﵇ الجزية من مجوس البحرين وهو أمر مشهور، ولعله ﵁ قد أخذ من ذلك المال حظًّا كما أخذ غيره منه.
ونسي أمره ﵇ بأن يتيمم الجنب فقال: لا يتيمم أبدًا ولا يصلي ما لم يجد الماء، وذكره بذلك عمار.
стр. 352
وأراد قسمة مال الكعبة حتى احتج عليه أبي بن كعب بأن النبي ﷺ لم يفعل ذلك فأمسك.
وكان يرد النساء اللواتي حضن ونفرن قبل أن يودعن البيت حتى خبر بأن رسول الله ﷺ أذن في ذلك، فأمسك عن ردهن.
وكان يفاضل بين ديات الأصابع حتى بلغه عن النبي ﷺ أمره بالمساواة بينهما فترك قوله وأخذ بالمساواة.
وكان يرى أن الدية للعصبة فقط، حتى أخبره الضحاك بن سفيان بأن النبي ﷺ ورث المرأة من الدية؛ فانصرف عمر إلى ذلك.
ونهى عن المغالاة في مهور النساء استدلالًا بمهور النبي ﷺ حتى ذكرته امرأة بقول الله : ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ ١ فرجع عن نهيه.
وأراد رجم مجنونة حتى أعلم بقول رسول الله ﷺ : "رفع القلم عن ثلاثة". فأمر ألا ترجم، وأمر برجم مولاة حاطب حتى ذكره عثمان بأن الجاهل لا حد عليه فأمسك عن رجمها.
وأنكر على حسان الإنشاد في المسجد، فأخبره هو وأبو هريرة أنه قد أنشد فيه بحضرة رسول الله ﷺ فسكت عمر.
٧٩٣- ويواصل ابن حزم رده على الأحناف ومن ينهج نهجهم فيقول: إنه قد خفي على الأنصار وعليه المهاجرين كعثمان وعلي وطلحة والزبير وحفصة أم المؤمنين وجوب الغسل من الإيلاج إلا أن يكون أنزل، وهذا مما تكثر البلوى، وخفي على عائشة وأم حبيبة أميّ المؤمنين وابن عمر وأبي هريرة وأبي موسى وزيد بن ثابت، وسعيد بن المسيب، وسائر الجلة من فقهاء المدينة وأبي موسى وزيد بن ثابت وسعيد بن المسيب وسائر الجلة من فقهاء المدينة وغيرهم نسخ الوضوء مما مست النار، وكل هذا تعظم البلوى به وتعم.
٧٩٤- "وهذا كله وما بعد هذا يبطل ما قاله من لا يبالي بكلامه من الحنفيين والمالكيين: إن الأمر إذا كان مما تعم البلوى به لم يقبل فيه خبر الواحد".
стр. 353
٧٩٥- "والعجب أن كلتا الطائفتين قد قبلت أخبارًا خالفها غيرهم تعم بها البلوى، كقبول الحنفيين الوضوء من الضحك وجهله غيرهم، وكقبول المالكيين اليمين مع الشاهد وجهله غيرهم، ومثل هذا كثير جدًّا"١.
واستطرد ابن حزم في ذكر الأمثلة التي تدل على أن بعض الصحابة والكبار منهم يتركون الحديث مع شهرته للجهل به ونكتفي بما أوردناه٢.
٧٩٦- على أنه إنصافًا للأحناف نقول: إن هذا الحشد من الأمثلة التي ذكرناها لا ينطبق عليها من وجهة نظرنا ما يهدف إليه وهو كونها مما تعم به البلوى ولا يشتهر، وذلك مثل الاقتراب على الوباء، وكفن رسول الله ﷺ ، ونفور النساء قبل ورود البيت، وتوريث المرأة من الدية وغير ذلك.
٧٩٧- فإذا كان من الممكن التسليم بجهل بعض الصحابة بعض الأخبار التي تعم بها البلوى -فإنه ليس من الكثرة كما ذكر ابن حزم، فبعضها لا يعم به البلوى ولا يحدث كثيرًا ويتجدد بحيث يشتهر ويعلمه جميع الصحابة.
٧٩٨- على أن الذي يعنينا أننا أصبحنا على يقين من أن علماءنا الأجلاء وعلى رأسهم أبو حنيفة وصاحباه والإمام الشافعي -قد وثقوا متن الحديث أو نقدوه بعرضه على عمل الصحابة وآرائهم ومدى شهرته بينهم، وإن تفاوتوا في درجات الأخذ بذلك، ولم يقفوا جامدين أمام موضوعات الأحاديث وما تحمل من أدلة للاستنباط مكتفين بالثقة في أسانيدها ورجالها كما رماهم بذلك الجاهلون.
وننتقل إلى مقياس آخر عمل به بعض العلماء، وهو شبيه بمقاييس هذا الفصل لأنه يتعلق بالعمل أو الفتوى وإن كانا هنا في الفصل المقبل يختصان ببلد معين وهو المدينة.
стр. 354
الفصل الرابع: عرض الحديث على عمل أهل المدينة
٧٩٩- ما لا شك فيه أن للمدينة مكانتها العلمية الكبيرة التي لا يسمو إليها غيرها من بلدان العالم الإسلامي في القرنين الأول والثاني الهجريين؛ لأنها -كما يقول الإمام مالك في رسالته إلى الليث بن سعد "١٧٥هـ"- موطن هجرة رسول الله ﷺ . وبها أسس الدولة الإسلامية، "وبها نزل القرآن، وأحل الحلال وحرم الحرام ورسول الله ﷺ بين أظهر أهلها يحضرون الوحي والتنزيل، ويأمرهم فيطيعونه ويسن لهم فيتبعونه، وبعد وفاته، ﷺ قام من بعده الصحابة، رضوان الله عليهم وهم أتبع الناس له من أمته، فما نزل بهم أنفذوه، وما لم يكن عندهم فيه علم سألوا عنه، ثم أخذوا بأقوى ما وجدوا في ذلك، ثم أخذوا بأقوى ما وجدوا في ذلك، ثم كان التابعون فيها من بعدهم يسلكون تلك السبيل ويتبعون تلك السنن"١.
٨٠٠- ومن أجل هذه المكانة كان ينظر إليها كثير من الفقهاء نظرة إكبار، ويعتبرون أن أقوال أهلها وعملهم خير من عمل غيرهم. ولكن، إلى أي مدى كان هذا الإكبار وذلك الاعتبار؟.
٨٠١- إن الإمام مالكًا وبعض العلماء يرون أن الأمر إذا كان ظاهرًا معمولًا به فيها فليس لأحد خلافه؛ للذي في أيديهم من تلك الوراثة التي لا يجوز لأحد انتحالها ولا ادعاؤها، فهم الذين على ثقة مما يأخذون وما يعملون "ولو ذهب أهل الأمصار يقولون: هذا العمل ببلدنا، وهذا الذي مضى عليه من مضى منا- لم يكونوا من ذلك على ثقة ولم يكن لهم من ذلك الذي جاز لهم"٢ ومن ناحية أخرى فهم كانوا أطلب الناس لما ذهب علمه عنهم، "منها يسألون عنها على المنبر وعلى المواسم وفي المساجد وفي عوام الناس، ويبتدءون فيخبرون بما لم يسألوا عنه، فيقبلون ممن أخبرهم ما أخبرهم إذا ثبت لهم -فإذا حكم أحدهم الحكم فهو موافق لسنة رسول الله ﷺ ، وغير مخالف له، فيقدم حديث غيرهم إذا خالفهم"٣.
стр. 355
٨٠٢- وفريق آخر يخفف من هذه القيمة التي أعطاها الفريق الأول لعمل أهل المدينة، فحقيقة كانت المدينة موطن السابقين من المهاجرين والأنصار، ولكنهم خرجوا للجهاد في سبيل الله، وتفرقوا في الأمصار المختلفة يعلمون الناس تعاليم الله، وأصبحت هذه الأمصار بفضل دعوتهم ونشر علمهم، وبفضل المتابعة العلمية من الخلفاء -تحمل علمًا كثيرًا ربما يضارع في القرن الثاني الهجري علم أهل المدينة ... بالإضافة إلى ذلك فقد اختلف التابعون فيما بينهم في المدينة، بل ربما اختلف الواحد منهم في فتواه، عندما يفتي في الموضوع الواحد أكثر من مرة الأمر الذي جعل علماء الأمصار الآخرين يلتمسون الفتوى الصحيحة فيما صح عن رسول الله ﷺ عند غيرهم؛ لأنها عازبة عنهم ورواها الصحابة في الأمصار التي انتقلوا إليها.
٨٠٣- وقد بين ذلك الإمام الليث بن سعد في رسالته إلى الإمام مالك بن أنس، وكان قد أرسل إليه الأخير أنه يفتي بغير ما يفتي به أهل المدينة وقال له: "بلغني أنك تفتي الناس بأشياء مختلفة لما عليه جماعة الناس عندنا وببلدنا الذي نحن فيه، وأنت في إمامتك وفضلك ومنزلتك من أهل بلدك، وحاجة من قبلك إليك، واعتمادهم على ما جاء منك حقيق بأن تخاف على نفسك، وتتبع ما ترجو النجاة باتباعه"١.
ثم أفاض الإمام مالك في بيان فضل المدينة وما فيها من علم وعمل كما سبق أن ذكرنا.
٨٠٤- فرد عليه الإمام الليث برسالة: "وما أجد أحدًا ينسب إليه العلم أكره لشواذ الفتيا، ولا أشد تفضيلًا لعلماء أهل المدينة الذين مضوا، ولا آخذ بفتياهم فيما اتفقوا عليه -مني، والحمد لله رب العالمين لا شريك له ... وأما ما ذكرت من مقام رسول الله ﷺ بالمدينة ونزول القرآن بها عليه بين ظهري أصحابه وما علمهم الله منه، وأن الناس صاروا
стр. 356
به تبعًا لهم فيه، فكما ذكرت. وأما ما ذكرت من قول الله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ، وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ ١ -فإن كثيرًا من أولئك السابقين الأولين خرجوا إلى الجهاد في سبيل الله ابتغاء مرضاة الله، فجندوا الأجناد، واجتمع إليهم الناس، فأظهروا بين ظهرانيهم كتاب الله وسنة نبيه، ولم يكتموهم شيئًا علموه، وكان في كل جند منهم طائفة يعلمون لله كتاب الله وسنة نبيه، ويجهدون برأيهم فيما لم يفسره لهم القرآن والسنة، وتقدمهم عليه أبو بكر وعمر وعثمان الذين اختارهم المسلمون لأنفسهم، ولم يكن أولئك الثلاثة مضيعين لأجناد المسلمين ولا غافلين عنهم، بل كانوا يكتبون في الأمر اليسير لإقامة الدين، والحذر من الاختلاف بكتاب الله وسنة نبيه ... فإذا جاء أمر عمل فيه أصحاب رسول الله ﷺ بمصر والشام والعراق على عهد أبي بكر وعمر وعثمان ولم يزالوا عليه حتى قبضوا لم يأمروهم بغيره ... إن أصحاب رسول الله، ﷺ قد اختلفوا بعد الفتيا في أشياء كثيرة ثم اختلف التابعون في أشياء بعد أصحاب رسول الله ﷺ ، سعيد بن المسيب ونظراؤه أشد الاختلاف ثم اختلف الذين كانوا من بعدهم، فحضرتهم بالمدينة وغيرها، ورأسهم يومئذ ابن شهاب وربيعة بن أبي عبد الرحمن ... وكان يكون من ابن شهاب اختلاف كثير إذا لقيناه، وإذا كاتبه بعضنا٢".
٨٠٥- وكانت هذه النظرة وتلك هما الأساس في اختلاف بعض الموقف التي اتخذها كل فريق من بعض المسائل، ويهمنا الآن بيان موقف كل منهما من سنة الآحاد إذا تعارضت مع عمل أهل المدينة.
٨٠٦- ويوضح القاضي عياض موقف الإمام مالك من خبر الآحاد مع عمل أهل المدينة بأنه على ثلاثة وجوه:
стр. 357
الوجه الأول:
وهو ما يكون العمل مطابقًا لأخبار الآحاد، فهذا يؤكد صحتها إن كان العمل من طريق النقل، ويرجحها إن كان من طريق الاجتهاد.
الوجه الثاني:
يكون عمل أهل المدينة مطابقًا لخبر يعارضه خبر آخر، وفي هذا الوجه يكون عملهم مرجحًا للخبر الذي يوافقه، وهو أقوى ما ترجح به الأخبار إذا تعارضت.
٨٠٧- ويقول ابن تيمية في هذا الوجه مبينًا رأي مالك وغيره: "إذا تعارض في المسألة دليلان كحديثين وقياسين جهل أيهما أرجح وأحدهما يعمل به أهل المدينة وفيه نزاع، فمذهب مالك والشافعي أنه يرجع بعمل أهل المدينة ومذهب أبي حنيفة لا يرجح بعمل أهل المدينة ولأصحاب أحمد وجهان:
أحدهما: وهو قول القاضي أبي يعلى وابن عقيل أنه لا يرجع.
والثاني: وهو قول أبي الخطاب وغيره أنه يرجح به. وقيل: هذا هو المنصوص عن أحمد، ومن كلامه: إذا رأى أهل المدينة حديثهما وعملوا به، فهو للغاية، وكان يفتي على مذهب أهل المدينة، ويقدمه على مذهب أهل العراق، ويقول: إنهم أتبع للآثار"١.
الوجه الثالث:
أن يكون عمل أهل المدينة مخالفًا للأخبار جملة، فإن كان إجماعهم من طريق النقل ترك له الخبر، إذ يشبه العمل هنا التواتر ويفيد القطع واليقين، ولا يتركان لغلبات الظنون، وهذا مثل مسألة "الصاع" و"المد" والوقوف،
стр. 358
وزكاة الخضروات، فقد نقلوا مقدار الصاع والمد ونقلوا صدقة الخضروات والأحباس١.
٨٠٨- ويقول ابن تيمية: إن هذا الوجه حجة باتفاق العلماء الشافعي وأحمد وأصحابهما، كما هو حجة عند مالك، وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه وقد اجتمع أبو يوسف بمالك، وسأله عن هذه المسائل وأجابه مالك بنقل أهل المدينة المتواتر، فرجع أبو يوسف إلى قوله وقال: "لو رأى صاحبي مثل ما رأيت لرجع مثل ما رجعت"٢.
٨٠٩- وهذا يدل على أن أبا حنيفة حين خالفهم في مقدار الصاع والمد مثلًا فإنما خالفهم لأنه لم يبلغه هذا النقل، كما لم يبلغه وغيره من الأئمة كثير من الحديث، فلا لوم عليهم في ترك ما لم يبلغهم علمه. وكان رجوع أبي يوسف إلى هذا النقل كرجوعه إلى أحاديث كثيرة اتبعها هو وصاحبه محمد، وتركا قول شيخهما لعلمهما بأن شيخهما كان سيرجع إليها لو بلغته وصحت عنده.
٨١٠- إذن ليس الاختلاف في اعتماد نقل أهل المدينة على هذا النحو، وإنما لعلم بعضهم بأن ما يعلمه أهل المدينة على النقل على حين لا يعلم بعضهم الآخر ذلك.
٨١١- ومثل هذا في كونه حجة عند مالك العمل القديم قبل مقتل عثمان بن عفان ﵁، لأن أهل المدينة في عهد الخلفاء الثلاثة عملوا بسنة رسول الله، ﷺ وما خالفوها ... أما العمل المتأخر فليس بحجة على قول المحققين من أصحاب مالك، وكذلك عند الشافعي وأحمد وأبي حنيفة وغيرهم.
٨١٢- والدليل على أن العمل المتأخر لا ينظر إليه مالك على أنه حجة يجب على جميع الأمة اتباعه إن خالف النصوص إنه لم يوافق الرشيد أو غيره
стр. 359
أن يحمل الناس على موطئه، وقال: إن أصحاب رسول الله ﷺ تفرقوا في الأمصار، وإنما جمعت أهل بلدي١، فهو إذن مع الإمام الليث في أن الصحابة تفرقوا في الأمصار، وأخذ عنهم أهل البلدان التي ذهبوا إليها.
٨١٣- أما إذا كان العمل في هذا الوجه من غير طريق النقل، فإن الإمام مالكًا يأخذ بالخبر إذا صح عنده.
٨١٤- ويذكر ابن تيمية أنه إذا كان مالك في الموطأ يذكر الأصل المجمع عليه عند أهل المدينة على كل الوجوه السابقة؛ فإنه يحكي مذهبهم سواء أأخذ به أم لم يأخذ.
٨١٥- ويبدو أن بعض أصحاب مالك لم يفهموا منه هذا فأخذوا بما يخاف ما رواه من الأحاديث -من عمل أهل المدينة، وإن كان مالك لا يأخذ به وإنما حكاه عنهم فقط. وسنرى ذلك من خلال مناقشة الإمام الشافعي لهؤلاء.
الليث بن سعد وعمل أهل المدينة:
٨١٦- وقبل أن نعرض لمناقشة الإمام الشافعي تشير إلى إنكار عالمين كبيرين معاصرين للإمام مالك بعض ما يفتي به أهل المدينة ويعملون به مخالفين السنة. وهما اليث بن سعد، ومحمد بن الحسن الشيباني.
٨١٧- وقد ذكر الإمام الليث بن سعد في رسالته إلى الإمام مالك أنه ينكر ما ذهب إليه بعض العلماء بالمدينة، وربما منهم الإمام مالك من القول يجواز جمع أجناد المسلمين بين الصلاتين ليلة المطر، وقال له: إن مطر الشام أكثر من مطر المدينة بما لا يعلمه إلا الله، ومع هذا لم يجمع إمام قط في ليلة
стр. 360
مطر، وفيهم من الصحابة اللذين ينفذون سنة رسول الله، ﷺ أبو عبيدة بن الجراح، وخالد بن الوليد، ويزيد بن أبي سفيان، وعمرو بن العاص ومعاذ بن جبل الذي قال فيه رسول الله، ﷺ : "أعلمكم بالحلال والحرام معاذ بن جبل". وشرحبيل
بن حسنة، وأبو الدرداء، وبلال بن رباح.
وكان أبو ذر بمصر والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص، وكان بحمص سبعون من أهل بدر ... وبالعراق ابن مسعود وحذيفة بن اليمان وعمران بن الحصين، ونزلها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه في الجنة سنين، وكان معه من أصحاب رسول الله ﷺ فلم يجمعوا بين المغرب والعشاء قط١.
٨١٨- إذن كان في المدينة عمل يخالف ما كان عليه أصحاب رسول الله ﷺ في أماكن أخرى من أمصار الدولة الإسلامية. وهذا يجعل عمل الناس فيها وفتوى علمائها محل نظر وتمحيص وأخذ ورد.
٨١٩- وانتقل الإمام الليث إلى مثال آخر مما ينكره على أهل المدينة؛ لأنهم خالفوا فيه السنة، وما عليه أصحاب رسول الله، ﷺ الذين التزموا بالسنة خير التزام، قال له: إنه يقضي في المدينة بشهادة شاهد ويمين صاحب الحق، ولم يقض به أصحاب رسول الله، ﷺ بالشام وحمص وبمصر والعراق، ولم يكتب به إليهم الخلفاء الراشدون: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، ثم لما ولي عمر بن عبد العزيز -وهو قد أحيا السنن- كتب إليه زريق بن الحكم: إنك كنت تقضي بالمدينة بشهادة الشاهد ويمين صاحب الحق، فكتب إليه عمر إنا كنا نقضي بذلك بالمدينة، فوجدنا أهل الشام على غير ذلك فلا نقضي إلا بشهادة رجلين عدلين أورجل وامرأتين ... وعمر بن عبد العزيز أيضًا لم يجمع بين العرب والعشاء قط ليلة المطر، والمطر يسكب عليه في منزله الذي كان بخناصر ساكنًا٢.
стр. 361
٨٢٠- إلى غير ذلك من الأمثلة التي ساقها الإمام الليث بن سعد ليدل على أن المدينة لا تختص دون غيرها بعمل الصحابة والالتزام بالسنة والنظر إليها على أنها موضع حجة على غيرها من البلدان الإسلامية، وإعطاء علمائها الحق الذي ليس لعلماء الأمصار الأخرى ومحاجتهم بعملها وإجماعها فهي كغيرها قد تأخذ بغير السنة عندما يغيب عن علمائها العلم بها، ومن هنا فلا يصح أن يكون عمل أهلها مقياسًا في أيديهم يأخذون به ويدعون من الروايات.
مناقشة محمد بن الحسن:
٨٢١- وقد ناقش أهل المدينة في مقياسهم هذا أيضًا الإمام محمد بن الحسن الشيباني الذي كان من مدرسة أخرى لا ترى هذا الحق الذي يرفض به بعض أهل المدينة بعض السنن.
٨٢٢- وكان الإمام محمد بن الحسن قد تتلمذ على الإمام مالك وأخذ عنه الموطأ، ودرس فقه أهل المدينة وما هم عليه من عمل وما به يحتجون على الآخرين، ولهذا كان أقدر على مناقشتهم، وبيان ما بينهم وبين مدرسة أهل العراق -التي ينتمي إليها- من خلاف، وإظهار ما يراه حقًّا. ويخالفهم فيه.
٨٢٣- وتجلى هذا في الموطأ الذي رواه عن الإمام مالك شيخه، كما تجلى في كتاب الحجة الذي ألفه للرد عليهم خاصة في مسائل الخللاف التي بينه وبينهم.
٨٢٤- وهذا الكتاب يعد أكثر كتب الإمام محمد بن الحسن الفهقية التي تشتمل على الأحاديث والأخبار؛ لأنه كان يريد الإكثار من الأحاديث والأخبار محاولًا أن يثبت لأهل المدينة أن أهل العراق لا يقلون عنهم معرفة بالسنن والآثار إن لم يكونوا أكثر منهم "ولذا كان في مناقشته يشير إلى الاحتجاج بالأحاديث، وأنه يعرف الكثير منها وأن أهل المدينة لا يعرفون
стр. 362
الآثار أو يعرفونها ويتركونها، وإن ظنوا غير ذلك"؛ لأن العمل بالمدينة على خلافها١.
٨٢٥- يقول لهم مثلًا في باب المرور بين يدي المصلي: "ولو أردنا أن نحتج عليهم بأحاديث كثيرة من الأحاديث في هذا ونحوه لاحتججنا عليهم لكن احتجاجنا بأحاديثهم أوجب في الحجة عليهم٢.
وفي باب المسح على الخفين يقول: "الآثار في المسح للمقيم يومًا وليلة وللمسافر ثلاثة أيام ولياليها كثيرة معروفة، وما كنت أظن أحدًا ممن نظر في الفقه يشكل عليه الآثار في هذا"٣.. ويقول: إن هؤلاء يروون عن ابن شهاب الزهري المسح على ظاهر الخفين وباطنهما، ولكن مالك بن أنس يروي خلاف ذلك، فهو يروي عن هشام بن عروة أنه رأى أباه يمسح على الخفين. وكان يمسح على ظاهرهما ويمسح على باطنهما وعقب على ذلك بقوله: فهذا قول عروة، وهو كان أفقه وأعلم بالرواية عن ابن شهاب٤.
٨٢٦- وهو يؤكد في هذا الكتاب أن اتباع الأوثق من السنة هو الواجب دون غيره، فيقول في "باب الوتر": "قد جاءت في الوتر أحاديث مختلفة، فأخذنا بأوثقها، فرأينا أن يوتر بالأرض ولا يوتر على بعيره؛ لأن الفقهاء شددوا في الوتر ما لم يشددوا في غيرها من الصلوات، سوى الصلوات الخمس، فقال بعضهم: سنة لا ينبغي تركها، وقال بعضهم: واجبة، ورووا في ذلك حديثًا؛ أن النبي ﷺ قال: "إن الله قد زادكم صلاة يعني الوتر" وقد اختلف في الوتر بعينها: فروي أن ابن عمر ﵄ كان ينزل بالأرض فيوتر عليها، ويروي ذلك عن النبي ﷺ ، فأخذنا بأوثقها وأشبهها بالحق، وبما جاءت
стр. 363
به الآثار من التشديد في الوتر"١. وكأنه يريد أن يقول لأهل المدينة: هذا هو الطريق الأمثل لا ترجيح العمل على السنة.
مناقشة الإمام الشافعي:
٨٢٧- وقد ناقشهم الإمام الشافعي لأن القول بعمل أهل المدينة في بعض المسائل مقياس غير قائم على أساس صحيح إذا كان يخالف السنة الصحيحة وخاصة ما يرويه الإمام مالك منها وهو منهم.
٨٢٨- لقد كانت مناقشة الإمام الشافعي لهؤلاء تقوم أساسًا على دعامتين، كما يفهم ذلك واضحًا وصريحًا في "كتاب اختلاف مالك والشافعي" من كتاب الأم٢.
الدعامة الأولى:
مناقشتهم فيما يرويه الإمام مالك من الأحاديث التي يخالفونه فيها، فأدلته للرد عليهم تعتمد على هذه الأحاديث. وهذا يجعلنا نرى أن هذه الترجمة خاطئة؛ لأن الشافعي لا يختلف مع مالك هنا، وإنما يختلف مع بعض أصحابه الذين جروا وراء عمل بعض الأئمة فيها وتركوا ما يرويه مالك لفهم خاطئ مؤداه: أن مالكًا عندما ينص على العمل في المدينة يعمل به كما أشرنا.
الدعامة الثانية:
وهي ما يردده الإمام الشافعي مرارًا وتكرارًا من أن حديث رسول الله، ﷺ يثبت إذا حدث الثقة عن الثقة به حتى ينتهي إلى رسول الله، ﷺ . وأن حديث رسول الله، ﷺ إذا ثبت على هذا النحو فهو مستغن بنفسه، ولا يلتفت إلى ما يخالفه مما يروى عمن هو دون رسول الله ﷺ ؛ لأن حديث رسول الله
стр. 364
صلى الله عليه وسلم أولى أن يؤخذ به، ولو علمه من روى عنه خلاف لسنة رسول الله ﷺ ما خالفه١.
مناقشة دعوى الإجماع:
٨٢٩- وإذا كان هؤلاء يدعون أنهم يثبتون ما اجتمع عليه أهل المدينة، وأن الإجماع في رأيهم أن يحكم أحد الأئمة: أبو بكر أو عمر أو عثمان ﵃ -فإن الشافعي ﵁ قد رد عليهم:
أولًا: بأنهم لا يعرفون حكم واحد منهم إلا عن طريق الانفراد أو الآحاد الذي ردوا مثله، مما روي عن النبي، ﷺ فرضًا من الله . والحق أن ما روي عمن دون رسول الله ﷺ لا يحل محل ما روي عنه ﷺ .
ثانيًا: وقد كان بعض الأئمة من الصحابة يحكمون في بعض المسائل بما يخالف سنة رسول الله ﷺ ؛ لأنها لم تبلغهم، فإذا بلغتهم ذهبوا إليها ورجعوا عن حكمهم، فعمر مثلًا مع فضل علمه وطول صحبته وكثرة مسألته وتقواه قد حكم أحكامًا بلغه في بعضها حكم لرسول الله، ﷺ ، فرجع عن حكمه إلى ما بلغه عن رسول الله، ورجع الناس عن بعض أحكامه بعده، دلالة على أنه لم يبلغه عن رسول الله، ﷺ حتى توفي ﵁، "فإنه قد يعزب عن الكثير الصحبة الشيء من العلم يحفظه الأقل علمًا وصحبة منه، فلا يمنعه ذلك من قبوله".
ثالثًا: وأنتم الذين تتركون السنة لعمل أهل المدينة بحجة أن أحد الأئمة قال بهذا الحكم أو ذاك تتركون وتخالفون مثل عمر بن الخطاب لأن ابن عمر يخالفه أو تتركونه لرأي أنفسكم، ولم يخالف عمر فيه أحد غيركم فهل نعتبركم بهذه المخالفة تخرجون عن الصواب؟!.
إنكم تخالفون عمر في أكثر من مائة قول، وتخالفون أبا بكر في القراءة في الصلاة وفي نهيه عن عقر الشجر وتخريب العامر، وعقر ذوات الأرواح
стр. 365
إلا لمأكله.. وتركتم على عثمان أنه كان يخمر وجهه وهو محرم وغير ذلك كما تركتم الكثير من رواية الثقات من أهل المدينة غيرهم من الصحابة وكذلك من التابعين وتابعيهم ... فأنتم فارقتم مذهبكم الذي تدعونه١.
رابعًا: لقد كان بالمدينة من أصحاب النبي ﷺ نحو من ثلاثين ألف رجل إن لم يزيدوا، ولعلكم لا تروون عنهم قولًا واحدًا عن سنة، وإنما تروون القول عن الواحد والاثنين والثلاثة والأربعة متفرقين أو مجتمعين والأكثر التفرق، فأين الإجماع؟!.
٨٣٠- وإذا كنتم تقولون: إن المراد بالإجماع أن يكون الأكثر مجتمعين؛ كأن يكون خمسة نقر من أصحاب النبي ﷺ قالوا قولًا متفقين عليه وقال ثلاثة قولًا مخالفًا لقولهم، فالأكثر أولى بالاتباع -فإننا نقول: إن صحابة رسول الله ﷺ كانوا كثيرين، وربما كان مع الثلاثة الكثيرون الذين لم يتكلمون، ومع الخمسة القلة، "والصدق فيه أبدًا ألا يقول أحد شيئًا لم يقله أحد أنه قاله.. ولو قلت: وافقوا بعضهم، قال غيرك: بل خالفوه.. وليس الصدق أن تقول وافقوا ولا خالفوا بالصمت"١.
٨٣١- ثم قال الشافعي: إن الإجماع الحقيقي ليس في المدينة وحدها، وإنما في كل بلد، وفي الفرض وخاصة من العلم؛ ذلك الذي لا يسع أحدًا جهله من الصلوات والزكاة، وتحريم الحرام.. وأما علم الخاصة في الأحكام الذي لا يضير جهله على العوام، وعلمه عند الخواص عن مثلهم فنقول فيه واحدًا من قولين: "نقول: لا نعلمهم اختلفوا فيما لا نعلم اختلفوا فيه.. ونقول فيما اختلفوا فيه: اختلفوا واجتهدوا" فنأخذ من هذا ما أشبه أقاويلهم بالكتاب والسنة، يصح أن نحدد أكثر من هذا، فنقول فيما اختلفوا فيه: ذهبنا إلى قول ثلاثة دون اثنين وأربعة دون ثلاثة، ولا نقول هذا إجماع؛ فإن الإجماع قضاء على من لم يقل ممن لا ندري ما يقول٣.
стр. 366
٨٣٢- وإذا كان الصحابة رضوان الله عليهم قد اختلفوا فيما ليس فيه كتاب ولا سنة، فإنهم قد اختلفوا أيضًا فيما فيه كتاب وسنة، وذلك لأن الآية من كتاب الله تعالى قد تحتمل معنيين، فيقول بعض أهل اللسان بأحدهما، ويقول بعضهم بالمعنى الآخر الذي يخالفه. والآية محتملة لقولهما معًا؛ لاتساع لسان العرب. وأما السنة فتذهب إلى بعضهم وكل من ثبتت عنده السنة قال بها -إن شاء الله. ولم يخالفها؛ لأن كثيرًا منها واضح ليس فيه تأويل، ومثل الشافعي لذلك باختلافهم في مدة القرء واختلافهم في الوضوء من مس الذكر١.
مناقشة دعوى العمل وصلته بالخبر:
٨٣٣- ويترك الشافعي، ﵁ دعوى الإجماع إلى دعوى العمل، فيبين أنه ليس من اللازم أن نقبل الخبر إلا إذا تقدمه العمل كما يقول هؤلاء، فليس من عوامل تثبيت الخبر أن يتقدم به عمل من الأئمة: أبي بكر وعمر وعثمان، وقد حفظنا عن النبي ﷺ أشياء لا يحفظ عن أحد من خلفائه فيها شيء. وقد "استغنى فيها بالخبر عن رسول الله ﷺ عمن بعده، وذلك أن بالخلق الحاجة إلى الخبر عنه، وأن عليهم اتباعه"٢.
ومثال هذا قول النبي ﷺ : "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقه". ويقول الشافعي: "لا أشك أن قد ورد على جميع خلفائه؛ لأنهم كانوا القائمين بأخذ العشر من الناس، ولم يحفظ عن واحد منهم فيها شيء وله أمثال كثيرة٣.
٨٣٤- ثم بين الشافعي ﵁ الطريقة المثلى والصحيحة لأخذ الأحكام، فيقول: وإنما العلم اللازم الكتاب والسنة، وعلى كل مسلم
стр. 367
اتباعها.. فإذا لم يكن ذلك صرنا إلى أقاويل أصحاب رسول الله أو واحد منهم، ثم كان قول الأئمة: أبي بكر أوعمر أو عثمان إذا صرنا فيه إلى التقليد أحب إلينا، وذلك إذا لم نجد دلالة في الاختلاف تدل على أقرب الاختلاف من الكتاب والسنة فنتبع القول الذي معه الدلالة ... فإذا لم يوجد عن الأئمة فأصحاب رسول الله، ﷺ من الدين في موضع أخذنا بقولهم، وكان اتباعهم أولى بنا من اتباع من بعدهم ... والعلم طبقات شتى" ثم ذكر هذه الطبقات: الكتاب، فالسنة الثابتة، فالإجماع، فقول بعض أصحاب رسول الله ﷺ ، مما لا يعلم لهم مخالفًا فيه منهم، فاختلافهم، فالقياس على هذه الطبقات، "ولا يصار إلى شيء غير الكتاب والسنة وهما موجودان".. ثم التفت إلى من يقولون بعمل أهل المدينة فقال لهم: "وإنما يؤخذ العلم من أعلى، وبعض ما ذهبتم إليه خلاف هذا ... ذهبت إلى أخذ العلم من أسفل١.
٨٣٥- وإذا وجد الكتاب أو السنة فلا نعبأ بقول الأكثرية من أهل المدينة أو الأقلية منهم، فمثلًا ذهب بعضهم إلى تحريم لبن الفحل وقلنا بترك التحريم ... و"لا أذهب إذا ثبت عن النبي ﷺ شيء إلى أن أدعه لأكثر أو أقل مما خالفنا في لبن الفحل"٢.
٨٣٦- وفي النهاية بين الشافعي مكمن الخطأ الكبير الذي وقعوا فيه -في رأيه- وهو ما وجدوه في الموطأ، وذكر قول بعضهم الدال على ذلك: "إن لنا كتابًا قد صرنا إلى اتباعه -يعني الموطأ- وفيه ذكر أن "الناس اجتمعوا" و"الأمر المجتمع عليه عندنا" و"الأمر عندنا". كما بين تناقضهم عندما يقولون ذلك، ثم يخالفون أهل المدينة،
فهي كلمات يطلقونها لا معنى لها، "فلم تكلفتموها، فما علمت قبلك أحدًا تكلم بها، وما كلمت منكم أحدًا قط فرأيته يعرف معناها، وما ينبغي لكم أن تجهلوا إذا كان يوجد فيه ما ترون".
стр. 368
٨٣٧- وكان على الشافعي مع هذه المناقشة التي فند فيها ما يقول به -أصحاب الإمام مالك- الذين قالوا بعمل أهل المدينة وبإجماعهم فتركوا بعض السنن من أجل ذلك ومنها ما يرويه مالك نفسه -كان عليه مع هذا أن يبين المسائل التي خالفوا فيها السنة تطبيقًا لقياسهم، وهذا ما عقد له كتابًا من الأم.
٨٣٨- وسنجتزئ بذكر بعض الأمثلة التي تدل على تطبيق الإمام الشافعي لما قاله أثناء تفنيد أصلهم هذا.
في "باب فوت الحج" روي عن مالك، عن ابن شهاب عن سليمان بن يسار، عن ابن عباس: "أن الفضل بن العباس كان رديف رسول الله ﷺ ؛ فجاءته امرأة من خثعم فقالت: يا رسول الله، إن فريضة الله في الحج، أدركت أبي شيخًا كبيرًا، ولا يستطيع أن يثبت على الراحلة أفأحج عنه؟ قال: نعم. وذلك في حجة الوداع"١.
وروى حديثًا آخر عن مالك، عن أيوب، عن ابن سيرين أن رجلًا جعل على نفسه ألا يبلغ أحد من ولده الحلب، فيحلب ويشرب ويسقيه إلا حج وحج معه، فبلغ رجل من ولده الذي قال الشيخ، وقد كبر الشيخ، فجاء ابنه إلى رسول الله، ﷺ ، فأخبره الخبر، فقال: إن أبي قد كبر، ولا يستطيع أن يحج، أفأحج عنه، فقال رسول الله ﷺ : نعم.
وروى حديثًا ثالثًا فقال: إن مالكًا ذكر، أو غيره، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن ابن عباس أن رجلًا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إن أمي عجوز كبيرة لا تستطيع أن نركبها على البعير، وإن ربطتها خفت أن تموت، أفأحج عنها؟ قال: نعم٢.
стр. 369
٨٣٩- فقد ثبت -إذن- بهذه الأحاديث التي رويت عن رسول الله ﷺ أنه أجاز أن يحج إنسان عن آخر برواية مالك نفسه، لكن بعض أصحابه قالوا: ليس على هذا العمل مع أن مالكًا لم ينص على ذلك في الموطأ واكتفى بروايته للحديث الأول فيه.
٨٤٠- وهنا رد عليهم الشافعي بأنهم خالفوا ما رووا عن النبي، ﷺ ، وما رواه غيرهم. وقد روي هذا عن النبي ﷺ ، وما رواه غيرهم. وقد روي هذا عن النبي ﷺ بن أبي طالب وابن المسيب والحسن وابن عباس. وابن شهاب وربيعة وهم بالمدينة يفتنون بأن يحج الرجل عن الرجل، "وهذا أشبه شيء يكون مثله عندكم عملًا، فتخالفونه كله لغير قول أحد من خلق الله علمته من أصحاب رسول الله، ﷺ ، وجميع من عدا أهل المدينة من أهل مكة والمشرق واليمين من أهل الفقه يفتنون بأن يحج الرجل عن الرجل"١.
٨٤١- ومن الأمثلة التي ناقشهم فيها أيضًا مسألة "العمرى" وهي أن يقول الرجل لآخر: أعمرتك داري أو أرضي أو إبلي ويقول: هي لك عمري. وتنتقل للموهوب له ولورثته من بعده.
ذهب الشافعي فيها إلى أنه لو شرط فيها شرطًا يبطل الشرط وقال مخالفوه من أهل المدينة: لا يبطل الشرط فيها، فلو شرط أن ترد له بعد وفاة الذي يعطاها جاز الشرط ولا يأخذها ورثته.
وقد روى الشافعي عن مالك، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن جابر أن رسول الله، ﷺ قال: أيما رجل أعمر عمرى له ولعقبه -فإنما هي للذي يعطاها لا ترجع إلى الذي أعطى"، لأنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث.
ثم قال الشافعي: وبهذا نأخذ ويأخذ عامة أهل العلم في جميع الأمصار
стр. 370
غير المدينة. وقد روي هذا مع جابر بن عبد الله زيد بن ثابت عن النبي ﷺ .
٨٤٢- وقد رأى هؤلاء الناس من أهل المدينة أن العمرى ترجع إلى الذي أعمرها إذا لم يقل: هي لك ولعقبك. وتركوا هذا الحديث لأن القاسم بن محمد من فقهاء المدينة قال: ما أدركت الناس إلا وهم على شروطهم في أموالهم وفيما أعطوا١.
٨٤٣- قال لهم الشافعي: أتخالفون الحديث وأنتم تروونه عن رسول الله ﷺ ؟! إن هذه الأحاديث رواها الصادقون وإذا قبلنا خبر الصادقين -فمن روى هذا عن رسول الله أرجح ممن روى عن القاسم قولًا يخالفه ... "لا يشك عالم أنما ثبت عن رسول الله ﷺ أولى أن يقال به مما قاله أناس بعده قد يمكن ألا يكونوا سمعوا من رسول الله ﷺ بلغهم عن شيء، وإنهم لناس لا نعرفهم"٢.
٨٤٤- وقد ردوا على الشافعي بأن القاسم بن محمد حينما يقول: "قال الناس" هنا فإنما يعني الجماعة من أصحاب رسول الله أو من أهل العلم الذين لا يجهلون للنبي ﷺ سنة، ولا يجمعون أبدًا من جهة الرأي، ولا يجمعون إلا من جهة السنة.
٨٤٥- قال الشافعي يرد عليهم: لقد أفتى القاسم بن محمد فيمن قال لأهل زوجته: "شأنكم بها": إنها -كما قال الناس- تطليقة، وأنتم تزعمون أنها ثلاث تطليقات فإن لم يكن قول القاسم والناس هنا حجة عليكم في رأي أنفسكم لهو عن أن يكون على رسول الله ﷺ حجة -في العمرى مثلًا- أبعد. وإن كان حجة فقد أخطأتم بخلافكم إياه برأيكم"٣.
стр. 371
٨٤٦- ونكتفي بمناقشة هؤلاء الأئمة الثلاثة الذين عاشوا في القرن الثاني الهجري موضع بحثنا، ولكننا نشير إلى أن بعض العلماء وخاصة من الظاهرية ومن أصحاب المذاهب الأربعة قد عارضوهم في أصلهم هذا وأفاضوا في مناقشتهم. ومن هؤلاء ابن حزم في كتابه الإحكام١، وابن القيم في كتابه أعلام الموقعين٢.
٨٤٧- والحق أن عمل كل بلد كان له تأثير في رأي أصحابه واجتهادهم ولكنه ينبغي ألا يرجح على سنة رسول الله ﷺ . وكان الأولى بمن قالوا بعمل أهل المدينة وإجماعهم ورجعوهما على بعض السنن أن يفعلوا كما فعل الإمام مالك ﵁، فقد أقر بالسنة وأخذ بها، وقدم عمل أهل المدينة كنوع من الخلاف ربما كان له وجه من الصواب، شأنه في ذلك شأن ما عليه أهل الأمصار الأخرى. وهذا ما جعله لا يرضى أن يحملوا على الموطأ وما فيه من رواية وعمل عندما أشار عليه أحد الخلفاء بذلك.
٨٤٨- والنتيجة الأهم من ذلك هي أننا أصبحنا على يقين من أن علماءنا -من خلال هذا المقياس أو الأصل- نظروا إلى الحديث من حيث معناه وفنه ليوثقوه بعيدًا عن إسناده، فعل ذلك الآخذون بعمل أهل المدينة إذا تعارض مع الآحاد والمنكرون على السواء، كما رأينا، وكما تجلى عند الأئمة الليث بن سعد ومحمد بن الحسن والشافعي رضوان الله عليهم أجمعين.
والآن فإلى مقياس آخر من مقاييس توثيق متن الحديث، وهو عرض أخبار الآحاد على القياس، وحقيقة الأمر في تطبيقه عند بعض العلماء.
стр. 372
الفصل الخامس: عرض أخبار الآحاد على القياس
٨٤٩- خبر الواحد إذا رواه من عرف بالفقه والاجتهاد كالخلفاء الراشدين والعبادلة وزيد بن ثابت ومعاذ بن جبل وأبي موسى الأشعري وعائشة وغيرهم من المشهورين بالفقه من الصحابة رضوان الله عليهم -كان حجة، سواء أكان موافقًا للقياس أم مخالفًا له، فإن كان القياس مخالفًا له ترك هذا القياس؛ لأن مثل هؤلاء لا يتوهم في روايتهم قصور وقد رووا هذا الحديث عن بصيرة، فلم يغيروا فيه فكأنما سمعناه منه صلى الله عليه وسلم١.
٨٥٠- أما إذا روى خبر الواحد من عرف بالضبط والعدالة والحفظ دون الفقه كأبي هريرة وأنس بن مالك ﵄ وغيرهما ممن اشتهر بالصحبة مع رسول الله ﷺ وسماع الأحاديث مدة طويلة في السفر والحضر -فما وافق القياس من روايتهم هذه يقبل وما خالفه فإما أن تكون الأئمة قد تلقته بالقبول أو لا، فإن كان الأول قبل، وإلا فالقياس مقدم عليه إذا كان في أمر ينسد فيه باب الرأي.
٨٥١- ويشترط أن يكون التعارض بين الخبر والقياس تعارضًا من كل وجه بأن يكون عامين أو خاصين ويبطل كل واحد منهما ما يثبته الآخر بالكلية أما إذا تعارضا من وجه دون وجه بأن يكون أحدهما أعم والآخر أخص فالجمع بينهما مهما أمكن واجب بأن يخصص الأعم بالأخص٢.
٨٥٢- وليس في رد الخبر على هذا النحو طعن في الصحابي الذي رواه، فالصحابة عدول كلهم، وعلى العين والرأس؛ ولكنهم لما كانوا ينقلون الخبر بالمعنى، ومن الصعوبة التعبير عن كل معنى أراده ﷺ لما أوتي من جوامع الكلم، ولم يؤت غيره هذا -فإن غير الفقهاء من الصحابة، رضوان الله عليهم ينقلون بقدر فهمهم للعبارة، وربما يقصر
стр. 373
تعبيرهم عن المراد، فيؤدي بعضه، ولتوهم هذا القصور قال الأحناف -كما يروي عيسى بن أبان-: إنه إذا انسد باب الرأي فيما روي وكان الخبر مخالفًا للقياس الصحيح وليس موافقًا لقياس آخر فلا بد من تركه؛ لأنه حينئذ كأنه مخالف للكتاب والسنة المشهورة والإجماع؛ إذ كون القياس الصحيح حجة ثابت بالكتاب والسنة المشهورة والإجماع١.
٨٥٣- ومثال ما رده الأحناف -تبعًا لرواية عيسى بن أبان- تطبيقًا لهذا المقياس حديث المصراة الذي تقدم ذكره كمثال على مخالفته لكتاب الله والخبر المشهور -فهو مخالف أيضًا للقياس الصحيح؛ لأنه أوجب رد صاع من تمر مقابل اللبن الذي حلبه، واللبن الذي يحلب بعد الشراء والقبض لا يكون مضمونًا على المشتري؛ لأنه فرع ملكه الصحيح، فلا يضمنه قياسًا على غيره مما يكون في ملكه الصحيح، ولا يضمن بسبب العقد؛ لأن ضمان العقد ينتهي بالقبض، وهذ بعده فلا يرد، قياسًا على اللبن الآخر بعد القبض، وإذا كان اللبن المصرى موجودًا عند العقد فإنه لم يكن مالًا؛ لأنه باطن كالحبل، ولا يصير مالًا إلا بالحلب فلا يدخل تحت العقد، فيكون حينئذ كالكسب.
٨٥٤- على أننا إذا اعتبرناه مالًا فهو صفة للشاة أو غيرها فيعتبر مالًا تبعًا، ولا يضمن ويرد، وهو عندئذ كالصوف، ولا يكون حصة من الثمن ما لم يزايل الأصل، ولو زال قبل القبض فآفة من الآفات لم يسقط شيء من الثمن وهو هكذا إذا قبض والوصف متصل بالأصل لا يصير حصة من الثمن ولا يصير مضمونًا.
٨٥٥- ولئن جاز أن يقابله ضمان فهو ضمان العقد، فينبغي أن يسقط من البائع حصته من الثمن قياسًا على أنه لو اشترى شيئين ثم رد أحدهما فعل ذلك.
٨٥٦- وإذا اعتبرناه ضمان التعدي فمن الواجب أن يضمن مثل اللبن كيلًا أو دراهم قياسًا على ما يضمن بالتعدي، أما الصاع من التمر بلا تقويم،
стр. 374
قلّ اللبن أو كثر فلا وجه له في الشرع.. أضف إلى ذلك أن ظاهر هذا الحديث يدل على توقيت خيار العيب، وهو غير مؤقت بالإجماع، "فثبت أنه مخالف للقياس من جميع الوجوه فوجب رده بالقياس"١.
٨٥٧- ومن الأمثلة كذلك ما يرويه سلمة بن المحبق أن رسول الله ﷺ قال فيمن وطئ جارية امرأته: "فإن طاوعته فهي له، وعليه مثلها، وإن استكرهها فهي حرة، وعليه مثلها" فإن القياس الصحيح يرد هذا الحديث٢ "ويتبين أنه كالمخالفات للكتاب والسنة المشهورة والإجماع"٣.
٨٥٨- ويدفع الأحناف ما يعترض عليهم، ويشنع به عليهم من أخذهم بحديث القهقهة في الصلاة مع مخالفته للقياس، ومع أن رواية هو معبد الجهني وهو لم يعرف بالفقه بين الصحابة، وكان خبر المصراة أولى بالقبول والعمل به لأنه أثبت متنًا وأقوى سندًا وراويه هو أبو هريرة، وهو أعلى رتبة في العلم من معبد -يدفعون هذا بقولهم: إنه قد رواه غير معبد الجهني كثير من الصحابة مثل أبي موسى الأشعري، وجابر وأنس وعمران بن الحصين، وأسامة بن زيد وعمل به كبراء الصحابة والتابعين، مثل علي وابن مسعود وابن عمر والحسن وإبراهيم ومكحول، فلذلك وجب قبوله وتقديمه على القياس.
٨٥٩- كما يدفعون أيضًا ما رموا به هنا من الطعن في أبي هريرة بهذا المسلك وأمثاله من الصحابة -فيقولون: إنه مما لا شك فيه أنه قد ثبتت عدالته وطول صحبته لرسول الله، ﷺ وحسن حفظه وضبطه، فقد دعا له النبي ﷺ بذلك٤ ... ولكن مع هذا قد اشتهر
стр. 375
عن الصحابة رضوان الله عليهم من بعدهم معارضة بعض رواياته بالقياس، وفيما عدا هذه الضرورة فإنهم يعتمدون على روايته هو وأمثاله من الصحابة رضوان الله عليهم، ونحن نفعل كذلك، فقد أخذ أبو حنيفة ﵀ بقول أنس بن مالك ﵁ في مقدار مدة الحيض وغيره، وكانت درجة أبي هريرة عند أبي حنيفة فوق درجة أنس١.
٨٦٠- والحق أن هذا الرد ليس مقنعًا أو هو من حسن الأدب فقط، فإنهم بهذا فعلًا ينتقصون من استقامة رواية هذا الصحابي الجليل وأمثاله من الصحابة رضوان الله عليهم، ولو آمنوا حقًّا بحفظهم وضبطهم لما تركوا بعضه رواياتهم، ولما تعللوا بأن روايتهم بالمعنى هي التي أخلت ببعض الروايات، وذلك لأنهم عرب، وخالطوا الرسول ﷺ مخالطة غير عادية مما جعلهم في مأمن من الخطأ في رواية الحديث.
وقد سبق أن ذكرنا في التمهيد مقدار حيطتهم وحذرهم في الرواية ومظاهر هذا، مما يجعلنا نطمئن إلى أدائهم الصحيح لجميع الأحاديث.
٨٦١- وإذا كان بعض الصحابة قد رد بعض رواية أبي هريرة فقد ثبت بالدراسة الموضوعية أنه لم يكن يخطئ فيها، وإنما كانت هناك أسباب أخرى وراء معارضته ورد بعض رواياته. كما بين ذلك الإمام الشافعي وابن حزم. كما ثبت أنه كان من الفقهاء، ولم يعدم شيئًا من أسباب الاجتهاد، وكان يفتي في زمن الصحابة ولم يكن يفتي حينئذ إلا المجتهد الفقيه٢.
٨٦٢- وهذا ما يجعلنا نميل إلى الرواية الأخرى عن الأحناف رواية أبي الحسن الكرخي التي تقول: إن الأحناف يقدمون الخبر على القياس مطلقًا سواء أكان راويه مشهورًا بالفقه أم لا؛ لأننا إذا وثقنا في حفظ الراوي وضبطه فالظاهر في هذه الحالة أنه يروي كما سمع، ولو غير
стр. 376
لأصبحت روايته على وجه لا يتغير به المعنى. والقول بأن الراوي إذا لم يكن فقيهًا قد يغير في المعنى وهم لا أساس له؛ لأن الأخبار وردت بلسانهم، وعلمهم بهذا اللسان يمنع من غفلتهم عن المعنى وعدم وقوفهم عليه وعدالتهم وتقواهم وضبطهم تدفع تهمة التزيد أو النقصان في الخبر الذي يروونه١.
٨٦٣- واستدل القائلون بهذا -رواية عن الأحناف- بأن الخبر يقين بأصله؛ لأنه من حيث إنه قول رسول الله ﷺ لا يحتمل الخطأ، وإنما الشبهة في عارض النقل، حيث يحتمل الغلط والنسيان والكذب. أما القياس فالاحتمال في أصله؛ أي: في علته التي يبني عليها الحكم، فإنها لا تتحقق يقينًا إلا بنص أو بإجماع وهو أمر عارض. ولا شك أن يتيقن الأصل راجع على محتمله.
٨٦٤- وعلى تقدير ثبوت العلة فيه قطعًا يحتمل أن تكون خصوصية الأصل شرطًا لثبوت الحكم، أو خصوصية الفرع مانعًا عنه فيكون تطرق الاحتمال إلى القياس أكثر، فيؤخر عن الخبر الذي لا يتطرق الاحتمال إليه إلا في طريق نقله، وهو عارض.
٨٦٥- وقد رأينا عمر، ﵁، ترك القياس بالخبر في مسألة الجنين عندما علم أنه ﵇ أوجب فيه الغرة٢ وقال: لولا هذا لقضينا فيه بالقياس لثبوت الخبر، وكذا في دية الأصابع، حيث رأى أنها تتفاوت باعتبار منافعها فتتفاوت في ديتها، ولكنه ترك ذلك بخبر الواحد الذي يقول: "في كل إصبع عشر من الإبل، وكذا في ميراث الزوجة من دية زوجها وكان يرى أن الدية للورثة، ولأنها ليست من ملك الزوج فلا ترث الزوجة منها فأخبر أن رسول الله ﷺ أمر بتوريث الزوجة منها، فرجع إليه وترك القياس بخبر الواحد.
стр. 377
٨٦٦- أضف إلى ذلك أنه لو قدم القياس على خبر الواحد للزم تقديم الأضعف على الأقوى، واللازم باطل إجماعًا، فالملزوم مثله فالخبر يجتهد فيه في أمرين: عدالة الراوي ودلالة الخبر، والقياس يجتهد فيه في ستة أمور: حكم الأصل، وتعليله في الجملة، وتعيين الوصف الذي به التعليل، ووجود ذلك الوصف في الفرع ونفي المعارض في الأصل، ونفيه في الفرع.. هذا إذا لم يكن أصل القياس خبرًا، فإن كان كذلك وجب الاجتهاد في السنة المذكورة، مع الأمرين المذكورين، وهما العدالة والدلالة، وظاهر أن ما يجتهد فيه في مواضع كثيرة احتمال الخطأ فيه أكثر والظن الحاصل به أضعف فيكون أضعف من الخبر١.
٨٦٧- وإذا كان القياس الصحيح هو الذي يوجب الوهن في رواية غير الفقهية فإن الوقوف عليه متعذر، فيجب قبول الخبر حتى لا نوقف العمل بالأحاديث تبعًا لهذه الحجة المتعذر الوقوف عليها والاتفاق عليها أيضًا، ولهذا وجدنا أن بعض العلماء، ومنهم الإمام الشافعي وابن تيمية، يقولون: إن القياس مع حديث المصراة وليس عليه وبينوا ذلك بحجج يمكن أن تكون مقبولة٢ كما يمكن أن تقبل حجج غيرهم وما هذا إلا لتعذر الوصول إلى القياس الصحيح، ونظر كل واحد منهما إلى جانب من المسألة لا ينظر إليه الآخر.
٨٦٨- والحق أن هذا الرأي وهو أن الخبر مقدم على القياس مطلقًا هو ما يمكن أن ينسب إلى أبي حنيفة وصاحبيه، فقد عملوا جميعًا بخبر أبي هريرة ﵁ في الصائم إذا أكل أو شرب ناسيًا، وإن كان مخالفًا للقياس، حتى قال أبو حنيفة ﵀: لولا الرواية لفلت بالقياس.
٨٦٩- ويقول صاحب الطبقات السنية: إن مما شنع به الخصوم على
стр. 378
أبي حنيفة أنه قدم القياس١ الذي اختلف الناس في كونه حجة على الأخبار الصحيحة التي اتفق العلماء على كونها حجة.
٨٧٠- ثم أجاب عن ذلك بأن هذا زعم منهم؛ لأن أبا حنيفة أخذ بكتاب الله تعالى، ثم بسنة رسول الله ﷺ ، ثم بما اتفقت عليه الصحابة، ثم بما جاء عن واحد من الصحابة، وثبت ذلك واشتهر، ولم يظهر له فيه مخالف، وإن كان أمرًا اختلف فيه الصحابة والعلماء فإنه يقيس الشيء بالشيء حتى يتضح الأمر. ثم بالقياس إن لم يكن في الحادثة شيء مما ذكرناه٢.
٨٧١- ثم ذكر من قول أبي حنيفة ما يدل على ذلك في كتابه إلى أبي جعفر المنصور. ثم ذكر بعض المسائل الشاهدة على أنه يقدم الخبر الصحيح على القياس ومنها "مسألة الرجل الذي يرد عبدًا آبقًا من مسيرة ثلاثة أيام".
فقد قال أبو حنيفة: له الجعل أربعون درهمًا، وكان القياس ألا يجب، فترك القياس، وأخذ في ذلك بالخبر الذي روي عن عبد الله بن مسعود، ﵁ في خبر طويل أن رجلًا قدم بآبق من الفيوم. فقال القوم: لقد أصاب أجرًا، فقال ابن مسعود: وأصاب جعلًا.
وفي مسألة تزوج الأمة على الحرة:
قال أبو حنيفة: لا يجوز، وكان القياس أنه يجوز. إلا أنه ترك القياس وأخذ في ذلك الخبر، وهو ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تنكح الأمة على الحرة" ٣.
стр. 379
وفي مسألة تزوج الرجل امرأة وهو غير كفء لها:
قال أبو حنية: للأولياء حق الاعتراض، وكان القياس ألا يكون لهم ذلك، ترك أبو حنيفة القياس، وأخذ بالخبر، وهو ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تزوج النساء إلا من كفء".
وغير ذلك من الأمثلة والمسائل الكثيرة التي أخذ فيها أبو حنيفة بالخبر وترك القياس حتى ولو كان هذا الخبر موقوفًا على الصحابي كما في المسألة الأولى١.
٨٧٢- أما أبو يوسف ﵀ فقد نقل عنه في بعض أماليه أنه أخذ بحديث المصراة وأثبت الخيار للمشتري٢.
ويقول في كتابهخ الخراج في مسألة الرجل الذي يسرق أو يشرب الخمر أو يزني لا ينبغي أن يقيم القاضي عليه الحد برؤيته لذلك حتى تقوم به عنده بينة "وهذا استحسان لما بلغت في ذلك من الأثر فأما القياس فإنه يمضي ذلك عليه، ولكن بلغنا نحو من ذلك عن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما٣".
٨٧٣- وأما محمد ﵀ فقد قال في الأصل: أرأيت رجلًا توضأ ونسي المضمضة والاستنشاق، أو جنبًا فنسي المضمضة والاستنشاق ثم صلى، قال: أما ما كان في الوضوء فصلاته تامة، وأما ما كان في غسل الجنابة أو طهر حيض فإنه يتمضمض ويستنشق ويعيد الصلاة. قلت: من أين اختلفا. قال: هما في القياس سواء، إلا أنا ندع القياس للأثر الذي جاء عن ابن عباس رضي الله عنه٤.
стр. 380
وقال في رده على أهل المدينة حين رأوا أن القهقهة في الصلاة تبطل الصلاة ولا تنقض الوضوء: لولا ما جاء من الآثار كان القياس على ما قال أهل المدينة، ولكن لا قياس مع أثر، وليس ينبغي إلا أن ينقاد للآثار١.
٨٧٤- وكان الإمام محمد يرى أن من سبقه الحديث بغير قصده وهو في الصلاة ينصرف فيتوضأ ويبني على صلاته، وأخذ في ذلك بالأثر الذي روي عن السيدة عائشة ﵂ أن رسول الله، ﷺ ، قال: "من قاء أو رعف أو أمذى في صلاته، فلينصرف وليتوضأ، وليبن على ما مضى من صلاته ما لم يتكلم". وقد روى عن أبي بكر وعمر وعلي ابن مسعودوابن عباس أنهم بنوا على الصلاة بعد الوضوء دون الاستقبال.
٨٧٥- وأخذ الإمام محمد على مالك أنه كان يقول بذلك أولًا ثم رجع إلى أن عليه أن يستقبل الصلاة؛ لأن رجوعه هذا رجوع من الآثار إلى القياس٢.
٨٧٦- ووجه القياس هنا أن الطهارة -كما تكون شرطًا لابتداء الصلاة تكون كذلك لبقائها، "فكما لا يتحقق شروعه في الصلاة بدون هذا الشرط" فكذلك بقاؤها٣.
٨٧٧- وهذا يجعلنا نرى -كما يقول بعض الباحثين: أن "هذا يدل على أن الإمام محمدًا ما كان ينظر إلى القياس إذا صح الأثر لديه مهما يكن الأصل المقيس عليه، والعلة الجامعة بين الأصل والفرع"٤.
٨٧٨- والحق، كذلك، أنه يبدو أن مدرسة الأحناف بأئمتها الثلاثة كانت تستخدم القياس في هذا الباب ولكن -مثل استخدام المقاييس الأخرى
стр. 381
فيما رجحناه، أن في تأكيد ما ثبت ضعفه وانقطاعه أو انضمامًا إلى علامات أخرى توضح ضعف الخبر، فحديث المصراة عندهم ضعيف قبل أن يصلوا إلى النظر إليه من حيث ملاءمته للقياس أولًا، ثم تأتي مخالفته للقياس فتنضم إلى مخالفته للكتاب وللسنة المشهورة في نظرهم.. ولا محل للقياس ابتداء في ثبوت الخبر أو تضعيفه حتى ولو كان راوي الخبر غير فقيه، والقول بغير ذلك "قول مستحدث"١.
٨٧٩- وهذا ما خرج به الأستاذ أبو زهرة من دراسته لأبي حنيفة، حيث رأى أنه يقدم القياس في أخبار الآحاد التي لم يكن سندها مقبولًا عنده.
ولكننا لا نوافقه في قوله: إن أبا حنيفة يقدم القياس على أخبار الآحاد إذا كان القياس قطعيًّا٢.. ونقول كما قال أبو الحسن الكرخي، وكما تبين من هذه الدراسة، إنه لا يترك الخبر من أجل القياس قطعيًّا أو غير قطعي٣، وكما يقول ابن تيمية: "ومن ظن بأبي حنيفة أو غيره من أئمة المسلمين أنهم يتعمدون مخالفة الحديث الصحيح لقياس أو غيره فقد أخطأ عليهم، وتكلم إما بظن وإما بهوى، فهذا أبو حنيفة يعمل بحديث التوضؤ بالنبيذ في السفر مخالفة للقياس، وبحديث القهقهة في الصلاة مع مخالفته للقياس لاعتقاده صحتهما، وإن كان أئمة الحديث لم يصححوها"٤.
الخبر والقياس عند مالك:
٨٨٠- وإذا تركنا الأحناف وجدنا أنه روي عن مالك تقدم الخبر على القياس عند تعارضهما، ويقول الأستاذ أبو زهرة، إن الكثيرين من المالكية يقررون ذلك، وإنهم بالإجماع يذكرون أنه أحيانًا قد أخذ بالقياس ورد خبر الآحاد في تلك الحالة٥.
стр. 382
٨٨١- وقال القرافي: "حكى القاضي عياض في التنبيهات وابن رشد في المقدمات: في مذهب مالك في تقديم القياس أحد قولين١.
ثم ذكر الحجة في تقديم القياس على خبر الواحد، فقال: إن القياس موافق للقواعد الفقهية من جهة تضمنه لتحصيل المصالح أو درء المفاسد، أما الخبر المخالف لها فيمنع من تحقيق هذه المصالح أو من درء تلك المفاسد فيقدم الموافق للقواعد على المخالف لها٢.
وإذا كانت حجة من منع تقديم القياس على خبر الآحاد أن القياس فرع النصوص والفرع لا يقدم على أصله، لأنه لو قدم على أصله لأبطل الأصل، ولو أبطل أصله لبطل -فإنه يبدو من كلام القرافي أنه يرى أن مذهب مالك تقديم القياس على خبر الواحد بدليل أنه ينقد حجة من يرى تقديم القياس على خبر الآحاد فيقول:
ولا يقال: إن القياس فرع النصوص والفرع لا يقدم على أصله وإلا لأبطل أصله، لأن النصوص التي هي أصل القياس غير النص الذي قدم عليه القياس لا تناقض، فلم يقدم الفرع على أصله، بل على غير أصله٢.
٨٨٢- وذكر الدبوسي في تأسيس النظر٤ والشاطبي في الموافقات٥ كثيرًا من المسائل التي يقدم فيها مالك ﵁ القياس على خبر الواحد ومن هذه المسائل: "غسل الإناء من ولوغ الكلب، فقد جاء الحديث" عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله، ﷺ قال: "إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فيلغسله سبع مرات" ٦.
стр. 383
٨٨٣- قال الشاطبي: إن مالكًا قال في هذا الحديث: لا أدري ما حقيقته، وكان يضعفه ويقول: يؤكل صيده، فكيف يكره لعابه؟! فقد اتخذ من أكل صيده الثابت بأصل قطعي، وهو قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنْ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِين﴾ -دليلًا على طهارة لعابه، والحديث يدل على نجاسته، فتعارض الحديث مع استنباط قطعي من القرآن الكريم.
٨٨٤- ومن هذه التي تعارضت مع القياس، فردها الإمام مالك ﵁ -كما يذكر الشاطبي- حديث خيار المجلس الذي يوجب أن يكون لكلا العاقدين الحق في فسخ العقد ما دام المجلس متحدًا لم يتفرق.
٨٨٥- وهذا الحديث رواه الإمام مالك في الموطأ عن نافع عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "المتبايعان كل واحد منهما بالخيار على صاحبه ما لم يتفرقا، إلا بيع الخيار" وقال بعد روايته: "وليس لهذا عندنا حد معروف ولا أمر معمول به فيه"١. ورده؛ لأن المجلس ليس له نهاية معلومة، بحيث يكون للفسخ مدة معلومة، وإن شرط الخيار يبطل إجماعًا إذا لم تكن له مدة معلومة، فكيف يثبت بالشرع حكم لا يجوز شرطًا بالشرع؟ ... ولو كان يجوز الخيار لمدة مجهولة لجاز اشتراط الخيار من غير مدة ويضاف إلى ذلك أن الحديث بجهالة مدته يعارض قاعدة نفي الغرر والجهالة في العقود٢.
٨٨٦- ومن الأمثلة التي ردها كذلك لمعارضتها بالقياس حديث صيام الأيام الست من شوال وفضيلتها، فقد نهى عن صيام ست من شوال، وأخذ من ذلك بمبدأ سد الذرائع خشية أن تؤدي المداومة عليها إلى زيادة رمضان واعتقاد وجوبها.
٨٨٧- وقد روى هذا الحديث مسلم بن الحجاج فقال: حدثنا يحيى بن أيوب وقتيبة بن سعيد، وعلي بن حجر جميعًا عن إسماعيل قال ابن أيوب
стр. 384
حدثنا إسماعيل بن جعفر، أخبرني سعد بن سعيد بن قيس، عن عمر بن ثابت بن الحارث الخزرجي، عن أبي أيوب الأنصاري ﵁ أنه حدثه أن رسول الله، ﷺ قال: "من صام رمضان، وأتبعه بست من شوال كان كصيام الدهر" ١.
٨٨٨- ونكتفي بذكر هذه الأمثلة ومناقشتها؛ لأن غيرها لا يخرج بعضه عن طبيعتها وبعضها الآخر واضح منه تمامًا أنه يرفضه لا من أجل قياس، وإنما لمعارضته نص آخر أقوى منه، ومن هذا حديث عدد الرضعات الذي رده؛ لأنه يتعارض مع إطلاق الآية الكريمة: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُم﴾ ٢ وحديث المصراة الذي يتعارض مع الآية والحديث، كما سبق أن ذكرنا.
٨٨٩- أما الحديث الأول: وهو حديث غسل الإناء من ولوغ الكلب فالواقع أن الإمام مالكًا لم يرده؛ لأنه ثبت عن رسول الله ﷺ ، غاية الأمر أنه لم يجعل الأمر للوجوب، وإنما جعله للندب، ثم استخدم القياس فقط لتأييد فهمه هذا، وكلام ابن القاسم الذي ورد فيه قوله: إنه "لم يدر حقيقة هذا الحديث" يدل على ذلك، وقد أورده ابن عبد البر في كتابه الاستذكار كاملًا وهو: "جملة مذهب مالك عند أصحابه اليوم أن الكلب طاهر، وأن الإناء يغسل منه سبعًا عبادة، ولايهرق شيء مما ولغ فيه غير الماء وحده ليسار مؤونته، وأن من توضأ به إذا لم يجد غيره أجزأه وأنه لا يجوز التيمم لمن كان معه ما ولغ فيه كلب، وأنه لم يدر ما حقيقة هذا الحديث، واحتج بأنه يؤكل صيده، فكيف يكره لعابه؟ وقال مع هذا كله لا خير فيما ولغ فيه كلب: ولا يتوضأ به أحب إلى هذا كله ما روى ابن القاسم عنه"٣.
стр. 385
٨٩٠- وهكذا رأينا أن مالكًا لم يستطع أن يترك الحديث وقد صح عن رسول الله ﷺ وقبله، وكان من نتائج هذا القبول أن قال: إن غسل الإناء سبعًا على وفق ما جاء به الحديث عبادة، وأنه لا خير فيما ولغ فيه كلب، ولم يقل بنجاسته ووجوب غسله لأنه -بهذا الفهم- يتعارض مع ظاهر الآية الكريمة التي تحل أكل ما يصيده الكلب المعلم ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنْ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِين﴾ ١.
٨٩١- ومثل هذا تمامًا حديث النهي عن أكل عن كل ذي ناب من السباع، فقد أخذ به، لكنه لم يحمل النهي على التحريم، وإنما على الكراهة؛ لأنه يتعارض -بفهم التحريم- مع كتاب الله تعالى -ولما كان ثابتًا ومعه العمل قال بالكراهة كما قلنا.
٨٩٢- أما عبارة "أنه لم يدر حقيقة هذا الحديث" فتدل على حيطة مالك وحذره إزاء ما صح عن رسول الله ﷺ أكثر مما تدل على الجرأة على تركه، كما فهم بعض الدارسين لفقهه؛ لأنه -على الرغم من أنه يقول: إن الأمر بالغسل للاستحباب- فإنه لا يريد أن يحكم على الحديث بهذا الذي ذهب إليه، فأعلن أنه لا يدري ما حقيقة هذا الحديث من حيث فهمه، لا من حيث ثبوته، فهو ثابت عنده بدليل ما سبق من كراهته للماء الذي يشرب منه الكلب واستحباب غسل الإناء، وبدليل روايته في كتابه الموطأ فهو لا يروي فيه إلا أحاديث الثقات فقد سأله بعضهم عن راو، فقال: "هل رأيته في كتبي ... ؟ أي إنه لا يدون في كتبه إلا الثقات وأحاديثهم"٢.
٨٩٣- إذن لم يترك مالك هذا الحديث بالقياس -كما فهم بعض الباحثين- وإنما قبله لأنه صح عن رسول الله، ﷺ ، وقد استخدم القياس هنا حقًّا، ولكنه استخدمه لتأييد فهمه للحديث لا لرده.
стр. 386
٨٩٤- والحديث الثاني شبيه بهذا من حيث إن الإمام مالكًا رواه في موطئه، فهذه دلالة على أنه صحيح، ومن حيث فهمه له فهمًا خاصًّا غير ما يدل عليه ظاهره، وهو تفسير التفرق بالكلام وإتمام الإيجاب والقبول؛ يقول الدكتور محمد يوسف موسى عليه رحمة الله مبينًا وجهة نظر مالك وغيره ممن ذهب مذهبه في خيار المجلس، موضوع هذا الحديث "أما من ناحية الأحاديث التي استدل بها الذين أثبتوا هذا النوع من الخيار، فإن الآخرين يعمدون إلى تأويلها -كما قلنا- وفهمها على نحو آخر لا يجعلها يؤخذ منها وجوب خيار المجلس للمتبايعين متى تم البيع بصدور الإيجاب والقبول من طرفيه عن رضًا منهما ... ومعنى هذا أن تلك الأحاديث -أحاديث خيار المجلس- صحيحة عند الجميع"١.
٨٩٥- وقد ذهب مالك إلى هذا الفهم حتى لا يتعارض الحديث مع الآية الكريمة التي تقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ فالله تعالى قد أباح للمشتري أكل ما يشتري، وللبائع أخذ الثمن بعد وقوع التجارة، وهي الإيجاب والقبول في عقد البيع وعن تراض، فالذين يمنعون ذلك بإيجاب الخيار "مدة المجلس" يخرجون عن ظاهر الآية ويخصصونها من غير دلالة وهذا ما توقاه مالك رحمة الله تعالى عليه٢.
٨٩٦- ويقول ابن العربي المالكي عند الكلام على هذه الآية مبينًا أنها هي وغيرها من الآيات التي وردت في ذكر البيع والشراء والمداينة والمعاملة إنما هي مطلقة لا ذكر للمجلس ولا لافتراق الأبدان فيها: "قوله تعالى: ﴿عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ هو حرف أشكل على العلماء حتى اضطربت فيه آراؤهم، ... واختار الطبري أن يكون تأويل الآية إلا تجارة تعاقدتموها، وافترقتم بأبدانكم عن تراض منكم فيها، وهذه دعوى.. إنما يدل مطلق الآية على التجارة على الرضا وذلك ينقضي بالعقد، وينقطع بالواجب وبقاء
стр. 387
التخاير في المجلس لا تشهد له الآية لا نطقًا ولا تنبيهًا. ثم بين أن الآيات التي ذكرت في البيع والشراء لا تدل على خيار المجلس١.
٨٩٧- أرأيت كيف أن مالكًا لم يترك الحديث للقياس، وإنما فهمه فهمًا معينًا يتلاءم مع الآيات القرآنية الكريمة؟! وحتى لو قلنا: إنه ترك هذا الحديث فإنه لم يتركه مؤثرًا القياس عليه، وإنما لمعارضته للآيات القرآنية الكريمة وبعبارة أخرى: تركه لمعارضته لظاهر القرآن الكريم.
٨٩٨- وعبارته تعقيبًا على هذا الحديث: "ليس لهذا عندنا حد معروف، ولا أمر معمول به فيه" إنما تشير إلى أن الأمر ليس كما يفهم من ظاهر الحديث، فهو بهذا الظاهر لا يعمل به، وإنما يحتاج إلى فهم يتلاءم به مع النصوص القرآنية.
٨٩٩- ويقول القاضي عياض في هذه العبارة قولًا آخر يدل كذلك على غير ما ذهب إليه بعض الناس من أنه رد هذا الحديث من أجل القياس، يقول: "وقول مالك في هذا الحديث بعد ذكره له في موطئه: "وليس لهذا عندنا حد محدود ولا أمر معمول به" وهذه المعارضة أعظم تهاويلهم وأشنع تشانيعهم، قالوا: هذا رد للخبر الصحيح إذ لم يجد عليه عمل أهل المدينة، حتى قد أنكره عليه أهل المدينة، وقال ابن أبي ذئب فيه كلامًا شديدًا معروفًا، فالجواب أنه إنما أتيت بسوء التأويل، فإن قول مالك هذا ليس مراده رد البيعين بالخيار وإنما أراد بقوله ما قال في بقية الحديث، وهو قوله: "إلا بيع الخيار" فأخبر أن بيع الخيار ليس له حد عندهم، لا يتعدى إلا قدر ما تختبر فيه السلعة وذلك يختلف باختلاف المبيعات، فيرجع فيه إلى الاجتهاد والعوائد في البلاد وأحوال البيع٢.
٩٠٠- وننتقل إلى الحديث الثالث، وهو حديث صيام الست من
стр. 388
شوال١ وهذا الحديث هو الذي يمكن أن نقول فيه: إن مالكًا ﵀ تركه، فلم يذكره في الموطأ، وإنما أفتى بخلافه فيه فقد قال يحيى بن يحيى: سمعت مالكًا يقول في صيام ستة أيام بعد الفطر من رمضان: "إنه لم ير أحدًا من أهل العلم والفقه يصومها ولم يبلغني ذلك عن أحد من السلف، وإن أهل العلم يكرهون ذلك، ويخافون بدعته، وأن يلحق برمضان ما ليس منه أهل الجهالة والجفاء لو رأوا في ذلك رخصه عند أهل العلم ورأوهم يعملون ذلك".
٩٠١- ومن كلام مالك هذا نفهم أنه لم يرد الحديث للقياس وإنما لأن السلف لا يفعلون ذلك، والسلف لا يتركون هذه السنة لو صحت ولأنه لا يجد أحدًا من أهل العلم يفعل ذلك؛ اقتداء بالسلف، وعدمك بلوغهم هذا الحديث؛ لأن أحدًا منهم لا يستطيع أن يرغب عن سنة رسول الله ﷺ .
٩٠٢- ومما يؤيد ذلك تسميته له بالبدعة، ولم يقل أحد إن أهل العلم يكرهون رخصة من الرخص التي فعلها رسول الله ﷺ وحض عليها؛ لأن العامة سيحلقونها بفريضة من الفرائض ويعتقدون وجوبها ويحيطونها بالبدعة.
٩٠٣- إذن فالأمر لا يعدو أن مالكًا ﵁ عرض هذا الحديث على عمل الصحابة والتابعين فوجدهم لا يفعلونه بل يرغبون عنه فرأى أن الحديث لم يصدر عن رسول الله ﷺ . ومناقشة مالك في هذا
стр. 389
الحديث لا تكون على أساس: هل أخذ بخبر الواحد أو بالقياس وإنما على أساس آخر، وهو هل نترك خبر الواحد لعمل الصحابة أو بعضهم أو عمل العلماء أولًا؟ وأظننا نصل إلى جواب عندما نقرأ موقف الأحناف من عمل الصحابة أو فتواهم وموقف الشافعي المعارض له وهو ما سبق أن ذكرناه.
٩٠٤- والذي أرجحه أن مالكًا ﵀ لم يصله هذا الحديث بطريق صحيحة، فضم إليه قرينة عدم العلم من السلف وغيرهم فتركه.
٩٠٥- وبعد، فلعلنا نستطيع أن نقول: إن مالكًا ﵀ لا يترك الحديث الصحيح الثابت من أجل قياس من الأقيسة، وأن نوافق قول أحد العلماء الذي يقول: "وقد حكى عن مالك أن خبر الواحد إذا خالف القياس لا يقبل، وهذا القول باطل سمج، مستقبح عظيم، وأنا أجل منزلة مالك عن مثل هذا القول، ولا يدري ثبوته منه"١.*
الإمام الشافعي وعرض الخبر على القياس:
٩٠٦- وإذا تركنا ما قيل عن الإمام مالك إلى الإمام الشافعي وجدنا أنه يعلن أن لا مكان للقياس مع خبر الواحد، وغير الواحد من باب أولى، فوجود الخبر والقياس بمنزلة وجود الماء والتراب، وكما لا يجوز التيمم مع وجود الماء لا يجوز القياس مع وجود الخبر، يقول مبينًا هذا: "ويحكم بالكتاب والسنة المجتمع عليها التي لا اختلاف فيها فنقول لهذا: حكمنا بالحق في الظاهر والباطن، ويحكم بالسنةقد رويت عن طريق الانفراد لا يجتمع الناس عليها، فنقول: حكمنا بالحق في الظاهر؛ لأنه يمكن الغلط فيمن روي الحديث، ونحكم بالإجماع ثم القياس، وهو أضعف من هذا، ولكنها منزلة
стр. 390
ضرورة، لأنه لا يحل القياس والخبر موجود كما يكون التيمم طهارة في السفر عند الإعواز من الماء، ولا يكون من طهارة إذا وجد الماء، إنما يكون طهارة في الإعواز"١.
٩٠٧- لكنه ﵀ استخدم القياس على نحو آخر، وهو تعضيد ثبوت الأخبار وترجيحها على غيرها، يقول عن الأحاديث: "ومنها ما يختلف، ومنها ما لا يخلو من أن يكون أحد الحديثين أشبه بمعنى كتاب الله أو أشبه بمعنى سنن النبي ﷺ مما سوى الحديثين المختلفين، أو أشبه بالقياس، فأي الأحاديث المختلفة كان هذا فهو أولاهما أن يصار إليه"٢.
٩٠٨- وبعض الأمثلة التي ذكرها في كتابه اختلاف الحديث توضح ذلك:
في باب صلاة المنفرد خلف الصف روي "عن سفيان بن عيينة عن حصين ... عن هلال بن يساف ... قال: أخذ بيدي زياد بن أبي الجعد فوقف بي على شيخ بالرقة من أصحاب النبي ﷺ يقال له: وابصة بن معبد، فقال: أخبرني هذا الشيخ "أن رسول الله، ﷺ رأى رجلًا يصلي خلف الصف وحده فأمره أن يعيد الصلاة".
وقد سمعت من أهل العلم بالحديث من يذكر أن بعض المحدثين يدخل بين هلال بن يساف ووابصة فيه رجلًا، ومنهم من يرويه عن هلال، عن وابصة، سمعه منه، وسمعت بعض أهل العلم منهم كأنه يوهنه بما وصفت.
٩٠٩- "وسمعت من يروي بإسناد حسن أن أبا بكر ذكر للنبي، ﷺ أنه ركع دون الصف، فقال له النبي: "زادك الله حرصًا ولا تعد" فكأنه أحب له الدخول في الصف، ولم ير عليه العجلة