الثالثة عشر: تذكر أن الكلمة القاسية في العتاب تقابلها كلمة طيبة تؤثر أكثر من الكلمة القاسية.
﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ الإسراء:٥٣
عند الصينين مثل يقول: نقطة عسل تصيد من الذباب ما لا يصيده برميل من العلقم!!
الرابعة عشر: تذكر ... أن الناس يتعاملون بعواطفهم أكثر من عقولهم!!
فامزج خطابك بعاطفة الحنو والقرب والإشفاق والحرص..
«يَا غُلَامُ سَمِّ اللَّهَ وَكُلْ بِيَمِينِكَ وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ» (١)
الخامسة عشر: اعط الخطأ حجمه..
стр. 457
فلا تعظّم حقير..ولا تحقّر عظيم..
فإنك حين تعظّم الحقير توغر الصدر..
وحين تحقّر العظيم تفسد الأمر..
السادسة عشر: ابن الثقة في نفس المخطئ..
ليكون أقدر على مواجهة الخطأ وإصلاحه.
السابعة عشر: لا تعيّر..!!
المسلم يحب الله، ويحب طاعة الله، وهو كذلك يبغض معصية الله ومن يقارفها؛ فالمؤمن يمتلك قلباً مرهفا ونفساً جيّاشة لا تملك الحياء مع من يجترىء على محارم الله، فالحب في الله والبغض في الله من أوثق عرى الإيمان، لكن من الناس من يشتط فبدلاً من بغضه للمعصية وصاحبها، يعيّر المذنب ويتعالى عليه!
جاء في الحديث عَنْ جُنْدَبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «حَدَّثََ أَنَّ رَجُلًا قَالَ وَاللَّهِ لَا يَغْفِرُ اللَّهُ لِفُلَانٍ وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ مَنْ ذَا
стр. 458
الَّذِي يَتَأَلَّى عَلَيَّ أَنْ لَا أَغْفِرَ لِفُلَانٍ فَإِنِّي قَدْ غَفَرْتُ لِفُلَانٍ وَأَحْبَطْتُ عَمَلَكَ» (١)
مر أبو الدرداء على رجل قد أصاب ذنبا وكانوا يسبونه فقال: (أرأيتم لو وجدتموه في قليب ألم تكونوا مستخرجيه قالوا بلى قال فلا تسبوا أخاكم واحمدوا الله الذي عافاكم قالوا أفلا تبغضه قال إنما أبغض عمله فإذا تركه فهو أخي) . (٢)
فمتى تسمو نفوسنا لتبلغ ما بلغه أولئك الأطهار..
أخي..
هبني أسأت كما زعمت # فأين عاطفة الأخوة
أو إن أسأتَ كما أسأتُ # فأين فضلك والمروّة؟! (٣)
بوركت وسددت ووفقت ...
стр. 459
أدب الحوار والمناقشة والجدل (١)
١- عدم إلجاء المناقش والمحاور إلى الاعتراف الفوري بخطئه.
٢- عليك أن تعطيه الفرصة للتراجع عن الرأي الخاطئ.
٣- عليك أن تؤسس نقاشك على ما تتفقان عليه. ووافقه على بعض آرائه - جدلا- إن جاز لك ذلك.
٤- عليك أن تختار ألفاظك التي توجهها إليه وكن مهذّب ومنضبط في ذلك.
٥- أعطه فرصة للتفكير-إن كان غير مكابر-لأن جوَّا الجدل مشحونٌٌ بالتوتر ويصعب على كل منَّا أن يُخذَل أمام المجموع.
٦- عليك بالهدوء المفتَعَل. وضبط الأعصاب أثناء الحِوار-ولو استثارك الآخر-عمد-لاختبار أعصابك، ولا تتعالى على من تناقشه ولو كان
стр. 460
الحق معك وكانت الحجة بجانبك فالتواضع له دوره في شدِّ وجذب الجمهور من الحاضرين إليك وأخذهم بآرائك.
٧- تجنب الأحكام الجاهزة التي لا تقدر على التصرف بألفاظها ومعانيها وقت إجراء الحوار فأنت لست بحاكم جائر ولا قاضٍ تفرض أحكامك بالقوة والعنف-وقصص الأنبياء مليئة بالحوار الهادئ والجدل المثمر البنَّاء.
٨- يمكنك أن تستبدل بالأمر الاقتراح كقولك -مثلا-:إذا لم تقتنع بكلامي فارجع إلى مصدر كذا وكذا، أو شاور من يعجبك رأيهم وتثق بعلمهم وخِبرتهم. -ولا تتعصَّب إلا للحق-.
٩- الاستماع والإنصات للآخرين حتى يُكْملوا الإفصاح عن فكرتهم ثم الكَرُّ عليها بالنقد والتفنيد-وإن كان الآخَر مكابرا أو صاحب هوى- إذْ لا بدَّ من إجراء حوار مع كل ذي فكرة تحاول مجادلته وردَّه إلى الصواب حتى يزول الغبش وتنجلي الفكرة وتتضح الحجة ويبدو الموقف جليا واستمسك دائما بقول الله تعالى في محكم كتابه: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ البقرة١١١:، النمل:٦٤، ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ
стр. 461
مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾ الأنعام:١٤٨ سواء كان هذا الدليل عقليا أم كان نقلي وسمعي.
١٠- إياك ثم إياك أن تجادل للغلَب والانتصار والفوز والظفر فإن ذلك محبط للعمل مدمر للأجر والثواب جالب للمقت وليكنْ علمك والدعوة إليه والجهاد في سبيل توضيحه لله ومن أجل الله ثم لإظهار الحق وردِّ الباطل ودمغه فإذا هو زاهق
стр. 462
وصفة إيمانية لتجاوز الكروب والنكبات (١)
الدنيا طبعت على كدر فلا يكاد يمر بالمرء ساعات سعادة إلا وأعقبها ما يكدرها ويذهب صفوها، هذه هي طبيعة الدنيا، فالمرء يتعرض فيها للمشكلات وتنتابه الهموم والغموم ويجد الضيق والحرج لكن أمر المؤمن عجيب· فقد يسَّر الله له ما يزيل عنه همومه وغمومه ويشرح صدره ويبدله بعد الضيق سعادة وفرحاً، فإذا رجعنا لديننا الحنيف وجدنا فيه العلاج الناجع لهذه المضايقات··
منغصات ومكدرات (٢)
стр. 463
إن الحياة الدنيا مليئة بالمحن والمصائب والبلايا والشدائد لا تثبت على حال فهي دائمة التغيّر والتحول ﴿سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً﴾ الإسراء: ٧٧ ﴿وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ آل عمران: ١٤٠ فالحياة لا تدوم سعيدة ناعمة للشخص منذ ولادته إلى وفاته، بل تمر به منغصات ومكدرات، كما أنها لا تدوم ناغصة ومكدرة للشخص، بل يمر به من السعادة وتيسير الأمور ما ينسيه متاعبه وهمومه·
وقل أن تجد فرداً في هذه الحياة سالماً من المشاكل أو المصائب أو المحن إلا ما شاء الله، فهذا مصاب بالعلل والأسقام البدنية وهذا مصاب بعقوق الأبناء، وهذا مصاب بسوء خلق زوجته، أو امرأة بسوء خلق زوجها، وذاك مصاب بجيران سوء نغصوا عليه عيشه وتاجر مصاب بكساد تجارته أو تعرضه للخسارة وآخر مهموم بسبب فقره وقلة ذات يده، وآخر يكد ويجتهد ولا يصل إلى مبتغاه، في سلسلة من الآلام والمشاكل التي لا تعد، التي قد تستولي على بعض الناس حتى تراه يمشي وهو يحدث نفسه، لا يأتيه نوم بليل ولا يلين له جنب·
стр. 464
إن بُعد الناس عن ربهم وضعف توحيدهم وتوكلهم عليه سبحانه؛ من أكبر ما يجعلهم في مثل تلك الأحزان والمواجع يقول الله سبحانه: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ طه:١٢٤
إن القلب إذا فقد ما خلق له من معرفة الله ومحبته وتوحيده والسرور به والابتهاج بحبه والتوكل عليه والرضا به والحب فيه والبغض فيه والموالاة فيه والمعاداة فيه ودوام ذكره متى فقد أن تكون محبة الله ورسوله أحب إليه مما سواه وأرجى له من كل شيء، بل لا نعيم له ولا لذة ولا سرور إلا بذلك، وهذه الأمور للقلب بمنزلة الغذاء للجسد فإذا فقد الجسد غذاءه وصحته فالهموم والأحزان مسارعة إليه من كل صوب·
ذنوب ومعاص تجثم على القلب
إن الذنوب والمعاصي قد تجتمع على العبد حتى تجعل على قلبه مثل الران فيكون عرضة لأي عارض كما قال سبحانه: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى
стр. 465
قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ المطففين:١٤، وإن من أكبر ما أوجد عند الناس الهم والحزن تعلقهم بالأسباب المادية الدنيوية ونسيان الأسباب المعنوية، فالرزق بيد الله لا بيد أحد، والعبد مأمور ببذل السبب، والضر والنفع بيد الخالق سبحانه، واعلم أن «مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ وَمَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ» (١) ، فمتى ما ربط الإنسان قضاء حاجته بالمخلوق حتى إذا لم تتحقق تضجر وتحسر هو في الحقيقة لم يعلم أن هذه الأسباب مقدرة بتقدير الله سبحانه قبل أن يخلق الخلق·
إن من يتأمل في واقع الناس في هذا الوقت ويرى ما يتعرضون فيه من أمور قد تنغص عليهم حياتهم وما يقابلون ذلك من اللوم والتحسر كله من عدم معرفتهم للعلاج الذي جعله كاشفاً للغم ومزيلاً للهم، لو تمسك به الإنسان فلن يجد الهم والحزن إليه طريقاً·
стр. 466
التوكل على الله
إن التوكل على الله وربط الأمور به من أعظم مزيلات الهموم والغموم، فمن توكل على الله هدأ قلبه من كل ضائقة ولم يتحسر على شيء فاته، يقول سبحانه: ﴿وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ التغابن:١١، وقرأ عكرمة ومالك بن دينار (وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ) ، ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ الطلاق:٣، ويقول ﷺ : «واعلَمْ أنَّ ما أخطَأَكَ لم يَكُن لِيُصِيبَكَ، وما أصابَكَ لم يَكُن ليُخطِئَكَ، واعلَمْ أنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبرِ، وأنَّ الفَرَجَ مَعَ الكَرْبِ، وأنَّ معَ العُسْرِ يُسراً» (١)
لزوم الاستغفار
стр. 467
التوبة إلى الله من الذنوب والمعاصي والإكثار من العبادات ودوام الاستغفار مما يبعد الإنسان من منغصات الحياة، فقد قال ﷺ : «قُمْ يَا بِلَالُ فَأَرِحْنَا بِالصَّلَاة» (١) ، ﴿وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ البقرة:٤٥، ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا﴾ نوح: ١٢.
إن من أعظم ما يزيل عن المهموم همه وعن المحزون حزنه الاعتبار بقصص الأنبياء والمرسلين فهم مع أنهم أنبياء الله ورسله لم تكن حياتهم خالية من النكبات والمصائب، فقد أصابهم من الأمور الجالبة للهموم الشيء الكثير، لكن لتمسكهم بربهم واتصالهم به وشدة توكلهم عليه لم تؤثِّر فيهم هذه المصائب شيئاً، فمنهم من عقَّه ابنه ومنهم من عصته زوجته ومنهم من آذاه أبوه وقومه ومنهم من ابتلي بالأمراض
стр. 468
ومنهم من طرد ولكنهم صبروا واحتسبوا ولم يتضجروا، ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَاءهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاء﴾ يوسف:١١٠، فكيف بالإنسان وهو شخص عادي؟!!
دعوات المكروب
إن المؤمن الحق متى ما استشعر ما ينتظره من جزاء صبره على المحن والشدائد هانت عليه محنه وشدائده، ولقد مثَّل النبي ﷺ ما يصيب المؤمن في هذه الدنيا بأسهل شيء وهي الشوكة يشاكها العبد بأن الله يكفِّر بها عنه من الخطايا·
إن المؤمن إذا اشتدت به الهموم وضاق عليه أمره فعليه باللجوء إلى الله تعالى وسؤاله تفريج الكروب وكشف الهموم والغموم، فلقد «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا كَرَبَهُ أَمْرٌ قَالَ يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ بِرَحْمَتِكَ
стр. 469
أَسْتَغِيثُ» (١) ، وعن أنس أنه قال: «كُنْتُ أَخْدُمُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كُلَّمَا نَزَلَ فَكُنْتُ أَسْمَعُهُ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ وَالْعَجْزِ وَالْكَسَلِ وَالْبُخْلِ وَالْجُبْنِ وَضَلَعِ الدَّيْنِ وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ» (٢)
إن الكروب إذا تناهت فقد آذنت بالانفراج، وإن العسر إذا اشتد فقد قرب اليسر، فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا، وتأملوا قول الله سبحانه: ﴿وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّواْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ إِنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ التوبة:١١٨
стр. 470
الأصدقاء
إن كان هناك من علاج في تخفيف ما يصيب المرء من نكد الحياة وعسر الأمور وتقلب الدهر فإنه الإفضاء على صاحب صادق يحزن لحزنك ويفرح لفرحك، الصاحب الذي يحفظك إذا غبت ويقويك إذا ضعفت، وليس عيباً أن ينتقي الإنسان له صاحباً، فقد قال الله عن موسى: ﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي * وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي * كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا * إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيرًا﴾ طه:٢٥-٣٥، ونبينا محمد ﷺ كان يزور أبا بكر الصديق في مكة في اليوم أكثر من مرة يبث إليه همه ويشكو إليه غمه·
стр. 471
ولا بدَّ من شكوى إلى ذي مروءةٍ # يواسيك أو يسليك أو يتوجّع (١)
стр. 472
كيف تحصل السعادة (١)
إننا كثيراً ما نسمع ممن حولنا سواء كان من أقاربنا أو أصدقائنا من يقول أحس بضيق في صدري، وأحس بالملل والهم فتجده يحاول أن يبحث عن حل لهذه المشكلة وكثيراً ما يخطئ الباحث عن الحل لماذا؟!
لأن الحلول عادة تكون مرتبطة بدنياه التي يعيشها فيظن أنه إذا ملك المال والسيارة والمنزل الفخم؛ أصبح سعيداً!! مع أن السعادة لا تحصل بهذه الأمور؛ إنما تحصل بطاعة الله تعالى·
القناعة
ولست أرى السعادة جمع مال # ولكن التقي هو السعيد
وتقوى الله خير الزّاد ذخراً # وعند الله للأتقى مزيدُ (٢)
стр. 473
والله يقول: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ طه:١٢٤، فإذا أردنا أن نعالج هذه الظاهرة فلا بد من أمور، أقتصر على بعض منها:
١- الإيمان بالله والعمل الصالح: قال تعالى: ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّة﴾ النساء:١٢٤
٢- الإكثار من ذكر الله تعالى قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ الرعد:٢٨
٣- تذكر الموت وقصر الأمل؛ لأن من كان همه الآخرة نسي الدنيا ولم يلتفت إليها·
٤- القناعة، فمن رزق القناعة، رزق السعادة، ولذلك يقول ﷺ : «انْظُرُوا إِلَى مَنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ
السعادة في ثلاث (١)
الحياة السعيدة مطلب كل إنسان، لها يسعى ومن أجلها يكد ويقرع الأبواب ويسلك الأسباب ويستهين بالصعاب·
ولا تزال السعادة للإنسان وإن طال عمره ودنا أجله أعز مطلوب وأغلى مرغوب، تستشرفه النفوس مهما شاخت، والإنسان حارث ساعٍ بطبعه في تحصيل منافعه، كثير الهم لما يطلبه أو مما يحاذره·
وليس عيباً في الإنسان أن يطلب السعاة أو يحرص على أسبابها فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ
стр. 476
احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجَزْ وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا وَلَكِنْ قُلْ قَدَرُ اللَّهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ» (١)
وإنما العيب أن يحرص الإنسان على ما يضره لجهله وسوء ظنه وتقديره، معتقدًا أن فيما يسعى إليه السعادة والحق أن ما سعى إليه وحرص عليه هو عين الشقاء وإن تضمن متعاً عاجلة، فيكون كمن يطلب الشفاء في مخدر يظن أن فيه دواءه، وأكثر الناس هذه حاله يطلب السعادة ولكن لا يعرف أي طريق يسلك ولا أي باب يقرع ويقف إما حائراً أو يخبط خبط عشواء حتى يأتي اليوم الذي يقول فيه: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ﴾ المؤمنون: ١٠٦
إن من الناس من يطلب السعادة في المال، ومنهم من يطلبها في الجاه والسلطان، ومنهم من يراها في شهوات البطن والفرج، ومنهم من
стр. 477
يظنها في السياحة والأسفار، وإن كل ذلك إلاّ متاع الحياة الدنيا، قال الله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ آل عمران: ١٤
ولما تباين سعي الناس وراء السعادة لزم أن نسأل سؤالاً مهماً، وهو كيف يعرف العبد أنه حصل على السعادة، وما هي العلامات والأمارات التي تميز السعيد من الشقي؟
لأن كثيراً من الناس يجهد وينصب ويظن أنه في الطريق الصحيح ثم يخيب آخر الأمر ظنه، فبعد الجهد والتعب والنصب كثير ممن طلب السعادة في تلك المسالك بلسان الحال أو المقال الفشل في الوصول إلى السعادة وأيقنوا أن تلك المتع الوقتية وإن أسعدت حينا فكثيراً ما كانت عقباها إلى الندم، أو كانت كلفتها من جيوش الهم والنصب التي لا يقوم لها ما قدمته لهم، والسبب أنهم ما ضبطوها بما يكفل لهم السعادة الحقيقية·
стр. 478
وإذا أردت أن تعلم علامات السير الصحيح في طريق السعداء فتأمل قول الإمام ابن القيم ﵀ يقول (١) : (من علامات السعادة والفلاح أن العبد كلما زيد في علمه زيد في تواضعه ورحمته وكلما، زيد في عمره نقص من حرصه، وكلما زيد في ماله زيد في سخائه وبذله، وكلما زيد في قدره وجاهه زيد في قربه من الناس وقضاء حوائجهم والتواضع لهم، وعلامات الشقاوة أنه كلما زيد في علمه زيد في كبره وتيهه، وكلما زيد في عمله زيد في فخره واحتقاره للناس وحسن ظنه بنفسه، وكلما زيد في عمره زيد في حرصه، وكلما زيد في ماله زيد في بخله وإمساكه، وكلما زيد في قدره وجاهه زيد في كبره وتيهه، وهذه الأمور ابتلاء من الله وامتحان يبتلي بها عباده فيسعد بها أقوام ويشفى بها أقوام) ·
فجماع ما ذكره الإمام أن السعيد هو الذي كلما زيد نعماً أحدثت تلكم النعم عملاً قلبياً تنبعث عنه الجوارح بعمل ظاهر·
стр. 479
وقال ابن القيم ﵀ أيضا (١) : (إذا أنعم عليه شكر وإذا ابتلي صبر وإذا أذنب استغفر فإن هذه الأمور الثلاثة عنوان سعادة العبد وعلامة فلاحه في دنياه وأخراه ولا ينفك عبد عنها أبدا فإن العبد دائم التقلب بين هذه الأطباق الثلاث)
وهذا الذي ذكره ابن القيم يشمل من زيد في النعم ومن انتقص منها فالسعيد الشاكر عند الزيادة، والصابر عند ذهابها، المستخدم لها فيما يرضي الله وذلك من الشكر، المقلع عن استخدام النعم في معصيته، الأواب التائب من سائر الذنوب التي لا يحبها الله تعالى ولا يرضاها وإن أحدثت متعة وقتية أو لذة فانية·
وقال أيضاً (٢) : (محبة العلم من علامات السعادة، وبغض العلم من علامات الشقاوة، وهذا كله إنما هو في علم الرسل الذي
стр. 480
جاؤوا به وورثوه للأمة لا في كل ما يسمى علماً، وأيضاً فإن محبة العلم تحمل على تعلمه واتباعه وذلك هو الدين، وبغضه ينهى عن تعلمه واتباعه) ·
فعلى الجميع بعد أن بُينت أمارات السعادة بياناً شافياً بما خط هذا العالم الجليل أن يقف وقفة صادقة مع النفس ويتأمل هل يسير في طريق صحيح يكفل له السعادة أم أن ما يرآه سراب يحسبه الظمآن ماء؟
стр. 481
لا تحزن أيها المبتلى ! (١)
أخي أيها المبتلى!
اسمح لي أن أذكرك عسى أن تطيب نفسك بهذه الذكرى، ولن أقول لك شيئاً أنت تجهله بل هو معلوم لديك، وليس بخافٍ عليك.
أخي مهما تعاظم معك الداء فإن مآله إلى زوال، ومهما اشتد سواد الليل؛ ﴿أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيْبٍ﴾ ؟! هود:٨١ بلى؛ وربي إنه لقريب! أي أخي:
ولرب نازلة يضيق بها الفتى # ذرعاً وعند الله منها المخرج
كملت فلما استحكمت حلقاتها # فرجت وكان أظنها لا تفرج (٢)
стр. 482
وانظر ـ رحمك الله ـ فيمن حولك من الناس ستجد فيهم من هو أعظم بلاءً مما أنت فيه، وانظر وقلِّبْ نظرك فسترى، وسترى ما لا يقوم له بصرك من أدواء الناس، وبلاياهم.
فإن لم تجد في نفسك من الإيمان الباعث على الصبر والاحتساب ـ وظني بك أنك نعم المؤمن الصابر المحتسب إن شاء الله ـ ما يهوِّن عليك مصيبتك؛ فاجعل أدواء الناس لك دواءً.
أنزل أدواء الناس، وبلاياهم، ومصائبهم، وأمراضهم على بليتك، ومصيبتك، ومرضك؛ يخف ويهون وقد يتلاشى ويزول ـ إن شاء الله ـ فمن نظر إلى مصيبة غيره تَهَاوَنَ مصيبته، واقرأ في كتب الغابرين تجد مصائب الناس مسطورة، وفي التاريخ مزبورة.
واقرأ القرآن، اقرأ خير كتاب في ذلك، سيحدثك عن أمراض عباد الله الصالحين، وعن محن المقربين، وشكاوى العابدين.
فذا أيوب؛ كم عانى من المرض؟ ولله صبره ما أجمله! أي قلب عامر بالإيمان يحمل بين جنبيه! لا تقل لي: قلب نبي؛ فأقول لك: نعم
стр. 483
نبي ولكنه بشر يَأْلَمُ كما تَأْلَم، ويحس كما تحس، ويحزن، ويغتم، ويصيبه ويعرض له من الأدواء، والأرزاء ما يعرض للآخَرين، بل هو في ذلك أشد بلاءً، وأعظم امتحاناً من غيره.
وهذا يونس ﵇ ويالها من شدة، وكربة، وجد نفسه فيها! لم يجد بشر نفسه فيها قبله، حيث حبسه الله في بطن الحوت، فأسقمه البلاء، قال تعالى: ﴿فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَآءِ وَهُوَ سَقِيْمٌ﴾ الصافات:١٤٥، نعم أسقمه السجن، وأمرضه، حتى عاد جسمه رخواً ليِّناً لا يقوى حتى على القيام، من الذي ما ساء قط، وما خص الرجال بالبلاء دون النساء؛ فللنساء من البلاء نصيب أيضاً.
فهذه مريم العذراء البتول رميت عن قوس الإفك بسهام الريبة، وتهمة الزنا؛ وهي الصبية العذراء العفيفة، الضعيفة التي لا تملك حيلة، ولا تستطيع سبيلاً، حتى تمنت الموت على الحياة ولم يكن هذا الذي كان، وهي المؤمنة التي تعلم أنه اختيار الله، وقدره، ومشيئته، فقالت: ﴿يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيَاً مَّنْسِيّاً﴾ مريم:٢٣ والنسي المنسي هو اللبن الذي ترك حتى تغير طعمه ومذاقه، تتمنى أن لو كانت لبناً ترك
стр. 484
وأهمل على هذا البلاء الذي اصطفاها الله له، ومع هذه الحسرات، وما يظهر في كلامها وشكواها من ضعف وعجز، إلا أنها صبرت لهذا الأمر، وقامت به فماذا كان؟ وما قيل لها؟ وكيف كانت عاقبة أمرها؟
قال تعالى: ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي﴾ مريم:٢٤، وكم كانت بحاجة إلى أن يقال لها: ﴿لَا تَحْزَنِي﴾ فقد كانت حقاً حزينة، ولا شك أن البلاء يُحْزن، فكم من مريض أحزنه المرض؛ بحاجة أن يقال له: (لَا تَحْزَنْ) ، ودواؤه أن له: (لَا تَحْزَنْ) ، وكم من حزين بسبب مصيبة أو كربة، أو شدة؛ ولذلك عندما اشتد الطلب من قريش لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولأبي بكر ﵁ عند الهجرة، حتى كاد أن يدركهم الطلب، فقام بعض كفار قريش على باب الغار، وأخذ أبو بكر ينظر أقدامهم وهم لا يرونه فحزن ﵁ فقال له رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بلسان الواثق بربه، ووعده، ونصره وتأييده: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا﴾ التوبة:٤٠، فنزلت بعدُ السكينة.
стр. 485
والحزن في أمر كهذا طبيعة بشرية! فالنفوس السوية تحزن، وكيف لا؟ وهذا نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم يحزن لموت عمه أبي طالب، ويحزن لموت خديجة حتى سمي ذلك العام بعام الحزن.
ويحزن أيضاً صلى الله عليه وعلى آله وسلم لموت ابنه إبراهيم فيقول «إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يَرْضَى رَبُّنَا وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ» (١) .
فإذا كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم تدمع عينه، ويحزن قلبه وهو من هو في منزلته؛ فكيف إذا كانت امرأة، وشابة عذراء، وليس هذا فقط بل وتنسب إلى بيت صلاح ودين وأرومة، بل وكانت عاكفة، عابدة اشتهرت بالصلاح، والخير والدين؛ ثم تأتي بولد ولا يعرف لها نكاح!
أفلا يحزن قلبها؟ أفلا تدمع عيناها؟ بلى يحزن! بلى تدمع! أفلا تقول: ﴿يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيَاً مَّنْسِيّاً﴾ مريم:٢٣ فهذا جِبِلَّةٌ،
стр. 486
وفطرة، ولكن لا ينبغي الاستسلام للحزن، وإذكاء الهم بهم آخر بل الواجب هو القيام، فعلى المرء أن يستمدَّ من الله العون. قال تعالى: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً﴾ مريم:٢٤، سرياً: أي: جدولاً جارياً. ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطَ عَلَيْكِ رُطَبَاً جَنِيّاً * فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُوِلِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِياً﴾ مريم:٢٥-٢٦.
فكم كانت مريم بحاجة إلى هذا المدد؛ وأن تسمع مثل هذه الكلمات لتشد وتربط على قلبها؛ وتعلم أن الله معها، وأنه ليس بتاركها، فتنزلت عليها السكينة، وغشيتها الرحمة، وكفاها الله ما أهمها.
وذاك إبراهيم ﵇ ولا يخفى عليك ما كان من أمره وهو الفتى الصغير الضعيف الذي لا حول له ولا قوة مع قومه، وكيف رمي في النار؟ وكيف أنجاه الله؟ ولو أَخَذْتُ أَقُصُّ عليك من القرآن في هذا الباب لصار اللبن الحليب كالقَار والقَطِرَان من هول البلاء، وعِظَمِ الداء، ولو قَلَّبْتَ صفحات القرآن فستجد في الذكر الحكيم ما يهون عليك مصيبتك، ويكون لك بلسماً وشفاءً.
стр. 487
نعم أخي؛ ودعني أقص عليك من واقع الناس الذي عايشته ما قد يكون لجراحك بَلْسَماً، ولحزنك مُذْهِباً:
هذه امرأة طريحة الفراش ظلت خمس سنوات ـ ولا زالت ـ طريحة الفراش لا تتحرك.. لا شيء فيها يتحرك سوى الرأس والعينين فقد عطل المرض كل عضو فيها فلا حراك اليوم.
جسد هَدَّهُ المرض، وأفناه الداء، تهاوى تحت شدته، وسقط تحت سطوته فجعله حطاماً لا يرجى صلاحه، أو ينتظر برؤه.
لو أبصرتها أبصرت هشيم المُحْتَضَر، ولو رأيتها رأيت الحزن أمامك ماثلاً: (فَمَنْظَرُ الْحُزْنِ مَشْهُودٌ بِمَنْظَرِهَا) ، بقايا نفس كانت بشراً! لا تملك حتى أن تَئِنَّ، وبعض الأنين رحمة! حتى اللسان أبكمه المرض، وأخرسه البلاء، فلا تسمع إلا همهمة كهمهمة الخرس البكم الذين لا يتكلمون.
يقول لي زوجها: أنا أقوم على خدمتها أغسلها، وأنظفها ولا أسمح لأحد أن يقوم بهذا عني، زوجتي منذ خمسة وعشرين عاماً، ليس لدينا أولاد، مرضت قبل خمس سنوات، والحمد لله.
стр. 488
بالله عليك كيف ترى نفس هذه المرأة؟ أي نفس نفسها؟ لها عينان تبصران، وعقل يعي، ونفس تتمنى وترجو كيف تراها من الداخل وهي ترى الأصحاء، المعافين في أبدانهم، كيف يقومون؟ وكيف يتحركون؟ وهي طريحة الفراش، لا تقوى أن تحرك في بدنها ذرة.
ألن يوسوس لها شيطانها بسوء حظها العاثر؟ ! ألن تندب نفسها؟ أليست هذه حياة؟ بلى حياة؛ ولكنها مريرة؟ فأي حياة هذه؟
ألن تذمها بقول الشاعر:
يا موت زُرْ إن الحياة مريرة # يا نفس ويحك إن حظك عاثر (١)
стр. 489
أم كيف هو الزوج الذي يحمل أعباء امرأة ليست بالطفل الصغير! وأنا أعجب والله منه في شيئين: في صبره على خدمة زوجه! وفي وفائه لها!
وهذه طفلة صغيرة..، تشكو تضخم الرأس، عندما أبصرت رأسها هالني منظره، واستعظمت ضخامته، وحجمه، رأس ضخم لا كالرؤوس، لو وضع على أضخم جثة بشرية لاستضخمه الناس؛ فكيف وهو على جثة صغيرة لا يتجاوز عمرها السنوات، والبنت طريحة الفراش مذ ولدت ورأسها يزداد كل يوم ضخامة إلى اليوم الذي رأيتها فيه، ولا يجدون لها دواءً، عجز الطبيب بطبه، وماذا صنع الدواء؟ لا شيء لم يستطع حتى أن يوقف تضخم الرأس! والرأس كل يوم في زيادة.
ظنوا دائها مساً! وليس بمس.
ظنوه سحراً! وما هو بسحر
ظنوه عيناً! وليس بعين.
فماذا يكون إذن؟
стр. 490
هذا علمه إلى الله.
والصغيرة طريحة الفراش، لا أحد يضمها، أو يشمها، ولا أحد يحملها أو يحركها، ـ ونفس صغيرة كهذه تحتاج شيئاً كهذا كحاجتها إلى الطعام والشراب ـ ومن ذا سيحملها؟! لا أحد يقوى، فرأسها سيكسر رقبتها ويدقها إن حُرِّكتْ، أو حملت.
بالله عليك يا أخي؛ أيُّ نفس معذبة باكية بين جنبي هذا الصغيرة؟ وأي قلب حزين قلب أمها؟ تصور بالله عليك حاول وقولي:كيف ستدخل الراحة نفسها؟ أم كيف تسكن الطمأنينة قلبها، وطفلتها الصغيرة هذا حالها؟ وأنت تعرف قلب الأم الرؤوف الرحيم، الودود الحنون.
فإن كنت يا أخي تملك عيناً تبكي بها على ما أصابك ففي دنيا الناس من لا عين له يبكي بها، فَكَفْكِفْ دُمُوعَكَ.
أي أخي! إن بالناس من المصائب ما ليس بك، فأنزل مصائبهم على مصيبتك تهون! وأنزل على ما تشتكي ما يشتكون! كم في هذه الدنيا من النفوس المعذبة؟ كم وكم؟؟ فمن لها؟ من للعيون الباكية؟
стр. 491
فاصبر أي أخي؛ صبر الكريم؛ فإن الله أرحم بك من نفسك التي بين جنبيك، واعلم أنك لن تزداد بالصبر عند الله إلا رفعة، وإيماناً، وديناً، ومنزلة.
واعلم أيضاً أن الله يصلي على الصابرين المسترجعين من أهل البلاء ولهم رحماته، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ البقرة:١٥٦-١٥٧
أي أخي!
قد ينعم الله بالبلوى وإن عظمت # ويبتلي اللهُ بعضَ القومِ بالنعم
فلعل بلاءك نعمة وإن كان عظيماً # فحسبك الله في كل لك الله
لما أدخل إبراهيم التيمي سجن الحجاج رأى قوما مقرنين في سلاسل، إذا قاموا قاموا معا، وإذا قعدوا قعدوا معا، فقال: يا أهل بلاء الله في نعمته، ويا أهل نعمة الله في بلائه، إن الله قد رآكم أهلا
стр. 492
ليبتليكم، فأروه أهلا للصبر، فقالوا: من أنت رحمك الله؟ قال: أنا ممن يتوقع من البلاء مثل ما أنتم عليه، فقال أهل السجن: ما نحب أنا خرجنا (١)
وأنا أقول لك ـ يا أخي ـ يا ذا بلاء الله في نعمته، ويا ذا نعمة الله في بلائه، إن الله رآك أهلاً ليبتليك فَأَرِه أهلاً للصبر.
قال لقمان لابنه وهو يعظه: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ لقمان:١٧.
واحتسب ـ أي أخي ـ عند الله مصيبتك، وقل: يا نفس صبراً لعل الجنة على هذا البلاء عقباك. (٢)
стр. 493
للبلايا نهايات معلومة الوقت عند الله فلابد للمبتلي من الصبر إلى أن ينقضي أوان البلاء (١)
للبلاء نهايات معلومة الوقت عند الله ، فلا بد للمبتلى من الصبر إلى أن ينقضي أوان البلاء، فإن تقلقل قبل الوقت، لم ينفع التقلقل، كما أن المادة إذا انحدرت إلى عضو، فإنها لن ترجع، فلا بد من الصبر إلى حين البطالة.
فاستعجال زوال البلاء مع تقدير مدته لا ينفع؛ فالواجب الصبر، وإن كان الدعاء مشروعًا، ولا ينفع إلا به، إلا أنه لا ينبغي للداعي أن يستعجل، بل يتعبد بالصبر والدعاء، والتسليم إلى الحكيم، ويقطع المواد التي كانت سببًا للبلاء، فإن غالب البلاء أن يكون عقوبة. فأما المستعجل، فمزاحم للمدبر، وليس هذا مقام العبودية؛ وإنما المقام الأعلى هو الرضا، والصبر هو اللازم، والتلاجي بكثرة الدعاء نعم المعتمدة،
стр. 494
والاعتراض حرام، والاستعجال مزاحمة للتدبير، فافهم هذه الأشياء، فإنها تهون البلاء) .اهـ
العافية والشكر (١)
عن عمر بن السكن: كنت عند سفيان بن عيينة، فقام إليه رجل من أهل بغداد فقال: يا أبا محمد، أخبرني عن قول مطرف: لان أعافي فأشكر أحب إلي من أن أبتلى فأصبر، أهو أحب إليك أم قول أخيه أبي العلاء: اللهم رضيت لنفسي ما رضيت لي؟ قال: فسكت عنه سكتة ثم قال: قول مطرف أحب إلي، فقال الرجل: كيف وقد رضي هذا لنفسه ما رضيه الله له؟ فقال سفيان: إني قرأت القرآن فوجدت صفة سليمان ﵇ مع العافية التي كان فيها: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ ص:٣٠، ووجدت صفة أيوب ﵇ مع البلاء الذي كان فيه: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ ص:٤٤، فاستوت الصفتان وهذا معافى
стр. 495
وهذا مبتلى، فوجدت الشكر قد قام مقام الصبر، فلما اعتدلا كانت العافية مع الشكر أحب إلي من البلاء مع الصبر.
أسباب تأخر الشفاء (١)
قد تبتلى بالسحر؛ فتدعو اللَّه، فيصرفه عنك، وقد لا؛ فتعالجه بالقرآن؛ فيصرفه اللَّه عنك، وقد لا؛ فتسعى في استخراجه من بطنك، أو من بطن الأرض سيَّان، وتهدى إليه فتنفث عليه؛ وينتهي كيد صانعيه.
وقد لا تهدى إليه، ولا ينتهي كيد صانعيه، وتبقى عمرك متورطاً فيه!
وهذا لأسباب ثلاثة فيما أعلم: