← Сияса и кади

Сияса и кади · id 22877

الأحكام السلطانية لأبي يعلى الفراء

القاضي أبو يعلى ابن الفراء

Полный текст (289 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

وإن شهدوا بالزنا أربعة فساق أو عبيد، أو عميان ففيه روايتان: إحداهما: أنهم قذفة يحدون. والثانية: لا حد عليهم، لأن لكمال العدد تأثيرا في إسقاط الحد عن الشهود مع الحكم برد شهادتهم. وإذا شهد أربعة بالزنا، وشهد نساء ثقات بأنها بكر، لم يجب الحد على المرأة، ولا على الشهود، ولو نقص عددهم وجب الحد، ولأن العدد قد كمل، وهم من أهل الشهادة في الجملة، لأن العبيد والعميان عند أحمد ﵀ من أهلها في الجملة، وأما الفسق فطريقه الاجتهاد، فقد يرد شهادتهم حاكم ويقبلها آخر، فهو غير مقطوع عليه، ونقصان العدد مقطوع عليه. والثالثة: أنهم إن كانوا عميانا وجب عليهم الحد، وإن كانوا عبيدا أو أحدهم عبدا لم يحدوا لأنا على كذب العميان، لأن الزنا طريقة المشاهدة: والعبيد لا يمكن القطع على كذبهم، نقلها سندي بن عبد الله الجوهري. وإذا شهدت البينة على إقراره بالزنا، لم يجز الاقتصار على شاهدين، ولا يجوز أقل من أربعة. وإذا رجم الزاني لم يحفر له بئر عند رجمه ويحفر للمرأة. وإذا رجم الزاني فهرب: نظرت. فإن رجم بالبينة اتبع حتى الموت بالرجم، وإن رجم بإقراره لم يتبع. وإذا ثبت الرجم بشهادة لم يجب علىالشهود حضور الرجم والبداءة به: وكذلك إن ثبت بإقراره، لم يجب على الإمام حضور الرجم والبداءة به ذكره أبو بكر. ولا تحد الحامل حَتَّى تَضَعَ: وَلَا بَعْدَ الْوَضْعِ حَتَّى يُوجَدَ لولدها من يرضعه. وَإِذَا ادَّعَى فِي الزِّنَا شُبْهَةً مُحْتَمَلَةً: مِنْ نِكَاحٍ فَاسِدٍ، أَوْ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ بِزَوْجَتِهِ، أَوْ جهل تحريم الزنا، وهو حديث عهد بالإسلام، درء بها سنة الحد.

стр. 247

وإذا أصاب ذات محرم بنكاح حُدَّ، وَلَا يَكُونُ الْعَقْدُ مَعَ تَحْرِيمِهَا بِالنَّصِّ شبهة في درء الحد. وَإِذَا تَابَ الزَّانِي بَعْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ الْحَدُّ، وَلَوْ تَابَ قَبْلَ الْقُدْرَةِ سقط عنه الحد، وكذلك السارق والمحارب. والمنصوص عنه في السارق في رواية أبي الحارث، وحنبل " إذا تاب قبل أن يقدر عليه ولم يقطع". وقد نقل الميموني عنه لفظين في الزاني، فقال: " إذا أقر أربع مرات ثم تاب قبل أن يقام عليه الحد، تقبل توبته، ولا يقام عليه الحد ". وقال: أي الميموني وناظرته في مجلس آخر فقال: " إذا رجع عما أقر به لم يرجم، فإن تاب فمن توبته أن يطهر بالرجم". فاللفظ الأول يقتضي قبول توبته بعد القدرة عليه، لأن إقراره إنما يكون عند الحاكم، واللفظ الثاني لا تقبل توبته بعد القدرة عليه، لأنه قال " من توبته أن يطهر بالرجم" ويحتمل أن يكون هذا بعد القدرة عليه. وَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَشْفَعَ فِي إسْقَاطِ الحد عَنْ زَانٍ وَلَا غَيْرِهِ، وَلَا يَحِلُّ لِلْمَشْفُوعِ إليه أن يشفع فيه. فأما قطع السرقة فكل مال بلغت قيمته نصابا إذاسرقه بَالِغٌ عَاقِلٌ، لَا شُبْهَةَ لَهُ فِي الْمَالِ، وَلَا فِي حِرْزِهِ، قُطِعَتْ يَدُهُ الْيُمْنَى، مِنْ مِفْصَلِ الْكُوعِ، فَإِنْ سَرَقَ ثَانِيَةً بَعْدَ قَطْعِهِ، قُطِعَتْ رِجْلُهُ الْيُسْرَى مِنْ مِفْصَلِ الْكَعْبِ، فَإِنْ سرق ثالثة، ففيه روايتان: إحداهما: لا يقطع فيهما. والثانية: تقطع في الثالثة يده اليسرى، وتقطع في الرابعة رجله اليمنى، فإن سرق الخامسة عزر ولم يقتل. وإذا سَرَقَ مِرَارًا قَبْلَ الْقَطْعِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا قطع واحد. والنصاب الذي يقطع فيه مقدر بأحد شيئين: ربع دينار فصاعدا من غالب الدنانير الجيدةن أو ثلاثة دراهم من غالب الدراهم الجيدة، أو قيمة ثلاثة دراهم من جميع الأشياء. والمال الذي تقطع فيه اليد: كل ما يتمول في العادة، وإن كان أصله مباحا: كالصيد والحشيش والحطب، وكذلك في الطعام الرطب لايقطع سارقه ويقطع بسرقته أستار

стр. 248

الكعبة وقناديل المساجد، والمنصوص عنه ستارة الكعبة. وَإِذَا سَرَقَ عَبْدًا صَغِيرًا لَا يَعْقِلُ، أَوْ أعجميا لا يفهم، قطع. ولو سرق حرا لم يقطع: نص عليه. ونقل صالح عنه إذا سرق صبيا صغيرا عليه قطع. والحرز معتبر في وجوب القطع، ويختلف بحسب اختلاف الأموال، اعتبارا بالعرف فيخفف الْحِرْزُ فِيمَا قَلَّتْ قِيمَتُهُ مِنْ الْخَشَبِ وَالْحَطَبِ، ويغلظ فيما كثرت قيمته من الفضة والذهب: فلا يجعل حرز الخشب كحرز الذهب، فَيُقْطَعُ سَارِقُ الْخَشَبِ مِنْهُ. وَلَا يُقْطَعُ سَارِقُ الفضة والذهب مِنْهُ. وَيُقْطَعُ نَبَّاشُ الْقُبُورِ إذَا سَرَقَ أَكْفَانَ الموتى. ويقطع جاحد العارية. وإذا شد رجل متاعه على بهيمة سائرة - كما جرت بمثلة العادة - فَسَرَقَ سَارِقٌ مِنْ الْمَتَاعِ مَا بَلَغَتْ قِيمَتُهُ ربع دينار: قطع، وَلَوْ سَرَقَ الْبَهِيمَةَ وَمَا عَلَيْهَا: لَمْ يُقْطَعْ لأنه سرق الحرز والمحرز. وقد قال أحمد في رواية جعفر بن محمد: في الصناديق التي في السوق " هي حرز، فإن حمله كما هو أو أدخل يده فيه فهو سارق، عليه القطع". وَلَوْ سَرَقَ إنَاءً مِنْ فِضَّةٍ أَوْ ذَهَبٍ قطع، وإن كان استعماله محظورا، لأنه مختلف في اتخاذها.

стр. 249

ويفارق هذا آلة اللهو أنه لا يقطع بسرقتها، لأنه متفق على تحريم اتخاذها، ومتفق على أنه لا قيمة للتالف منها، ومختلف في ضمان الصنعة في الأواني. وإذا اشترك جماعة في نقب ودخلوا الحرز وأخرج بعضهم نصابا، ولم يخرج الآخر. فالقطع على جماعتهم. وإذا اشترك اثنان في نقب، ودخل أحدهما فأخرج المسروق، وناوله الآخر خارج الحرز، فالقطع على الداخل دون الخارج، وهكذا إذا رمى به إليه فأخذه. فإن اشترك اثنان في النقب، فدخل أحدهما وترك المتاع بقرب النقب، وأدخل الآخر يده فأخذه، قطعا جميعا. فإن اشْتَرَكَ اثْنَانِ، فَنَقَبَ أَحَدُهُمَا وَلَمْ يَأْخُذْ، وَأَخَذَ الْآخَرُ، وَلَمْ يَنْقُبْ لَمْ يُقْطَعْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا. وإذا هتك الحرز ودخله واستهلك المال فيه، أغرم وَلَمْ يُقْطَعْ. وَإِذَا قُطِعَ السَّارِقُ وَالْمَالُ بَاقٍ رُدَّ عَلَى مَالِكِهِ، فَإِنْ عَادَ السَّارِقُ بَعْدَ قطعه فسرقه ثانية بعد إحرازه، قطع. فإن استهلك السارق ما سرقه قطع وأغرم، وَإِذَا وُهِبَتْ لَهُ السَّرِقَةُ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ القطع وَإِذَا عَفَا رَبُّ الْمَالِ عَنْ الْقَطْعِ، لَمْ يسقط. وَيَسْتَوِي فِي قَطْعِ السَّرِقَةِ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ، وَالْحُرُّ وَالْعَبْدُ، وَالْمُسْلِمُ وَالْكَافِرُ. وَلَا يُقْطَعُ صَبِيٌّ وَلَا مجنون. ويقطع السكران إذا سرق في سكره وَلَا يُقْطَعُ الْمُغْمَى عَلَيْهِ إذَا سَرَقَ فِي إغْمَائِهِ. وَلَا يُقْطَعُ عَبْدٌ سَرَقَ مِنْ مَالِ سيده، ولا أب سرق من مال ولده. ويقطع الأقارب بسرقة بعضهم من بعض، سوى الوالدين والمولودين. وأما حدّ الخمر فكل ما أسكر كثيره من خمر أو نبيذ، حُدَّ شَارِبُهُ، سَوَاءٌ سَكِرَ مِنْهُ أَوْ لَمْ يسكر.

стр. 250

وفي قدر الحد روايتان: إحداهما: ثمانون، والثانية: أربعون بالسوط، كسائر الحد. وقيل: بِالْأَيْدِي وَأَطْرَافِ الثِّيَابِ. وَيُبَكَّتَ بِالْقَوْلِ الْمُمِضِّ، وَالْكَلَامِ الرادع. ولو حد ثمانون، أو أربعون - على اختلاف الروايتين - فإن حدّ زيادة على ذلك فَمَاتَ، ضُمِنَتْ نَفْسُهُ. وَفِي قَدْرِ مَا يُضْمَنُ وجهان، خرجهما أبو بكر. أحدهما: جميع ديته، لأن نصف حده نص، ونصف حده مزيد، والأول أشبه بكلام أحمد، لأنه قد نص في الإجارة " إذا أخذ أجرة حمل أرطال معلومة، فزاد عليها: ضمن القيمة، ولم يسقط الضمان". ولو شربها لعطش، حد، لأنها لا تروي، وكذلك لو شربها لدواء لأنه ممنوع من شربها للدواء، لما روى أحمد بإسناده عن طارق بن سويد " أنه سأل النبي ﷺ عن الخمر، وقال: إنما أصنعها للدواء؟ فقال: إنها ليست بدواء، ولكن داء". وَإِذَا اعْتَقَدَ إبَاحَةَ النَّبِيذِ حُدَّ، وَإِنْ كَانَ على عَدَالَتِهِ. وَلَا يُحَدُّ السَّكْرَانُ حَتَّى يُقِرَّ بِشُرْبِ الْمُسْكِرِ، أَوْ يَشْهَدَ عَلَيْهِ شَاهِدَانِ أَنَّهُ شَرِبَ مختارا، وهو يعلم أنه مسكر.

стр. 251

وَحُكْمُ السَّكْرَانِ: فِي جَرَيَانِ الْأَحْكَامِ عَلَيْهِ كَالصَّاحِي، إذَا كَانَ عَاصِيًا بِسُكْرِهِ، فَإِنْ خَرَجَ عَنْ حكم المعصية، بأن شرب ما لا يعلم أنه مسكر، أو أكره على شربه على إحدى الروايتين لم يجر عليه قلم، كالمغمى عليه. فأما حد السكران الذي يمنع صحة العبادات ويوجب الفسق على شارب النبيذ، فهو الذي يجمع بَيْنَ اضْطِرَابِ الْكَلَامِ فَهْمًا وَإِفْهَامًا، وَبَيْنَ اضْطِرَابِ الحركة مشيا وقياما، فيتكلم بِلِسَانٍ مُنْكَسِرٍ، وَمَعْنًى غَيْرِ مُنْتَظِمٍ، وَيَتَصَرَّفَ بِحَرَكَةِ مختبط، ومشي متمايل، أومأ إليه أحمد في رواية حنبل، فقال: " السكران الذي إذا وضع ثيابه في ثياب لم يعرفها، وإذا وضع نعله بين تعال لم يعرفها، وإذا هذي فأكثر كلامه، وكان معروفا بغير ذلك". وحكى عن أبي حنيفة حده مازال مَعَهُ الْعَقْلُ، حَتَّى لَا يُفَرِّقَ بَيْنَ الْأَرْضِ والسماء، ولا يعرف أمه من زوجته. وأما حد القذف واللعان فحد القذف بالزنا ثمانون جلدة وهي حق لآدمي يستحق بالطلب ويسقط بالعفو. فإذا اجتمعت بالمقذوف بالزنا خمسة شروط، وفي قاذفه ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ وَجَبَ الْحَدُّ فِيهِ. أَمَّا الشُّرُوطُ الخمسة التي في المقذوف، فيهي أن يكون بالغا، عاقلا، حرا، مسلما، عَفِيفًا، فَإِنْ كَانَ صَبِيًّا، أَوْ مَجْنُونًا، أَوْ عبدا، أو كافرا، أو ساقط العفة بِزِنًا حُدَّ فِيهِ، فَلَا حَدَّ عَلَى قَاذِفِهِ لكن يغزر لأجل الأذى ولتبرئة اللسان. وقد قال الخرقي " ومن قذف عبدا أو مشركا، أو مسلما له دون العشر سنين، أو مسلمة لها دون التسع سنين، أدب ولم يحد". وظاهر هذا: أنه إذا كان له عشر سنين، أو تسع سنين حد القاذف، وإن لم يبلغ يحد قاذفه. وَأَمَّا الشُّرُوطُ الثَّلَاثَةُ فِي الْقَاذِفِ: فَهِيَ أَنْ يَكُونَ بَالِغًا، عَاقِلًا، حُرًّا، فَإِنْ كَانَ صَغِيرًا أَوْ مَجْنُونًا لَمْ يُحَدَّ وَلَمْ يُعَزَّرْ، وَإِنْ كان عبدا حد أربعين، نصف حد الحر لنقصه بالرقز ويحد الكافر كالمسلم، والمرأة كالرجل. ويفسق القاذف ولا تقبل شهادته، فَإِنْ تَابَ زَالَ فِسْقُهُ وَقُبِلَتْ شَهَادَتُهُ قَبْلَ الحد وبعده. والقذف باللواط وإتيان البهائم كالقذف بالزنا فِي وُجُوبِ الْحَدِّ. وَلَا يُحَدُّ الْقَاذِفُ بِالْكُفْرِ وَالسَّرِقَةِ، وَيُعَزَّرُ لِأَجْلِ الْأَذَى. وَالْقَذْفُ بِالزِّنَا مَا كان صريحا، كقوله: يا زاني، أو قد زنيت ن أو رأيتك تزني، فإن قال ثا فَاجِرُ، أَوْ يَا فَاسِقُ، أَوْ يَا لُوطِيُّ، كَانَ كِنَايَةً لِاحْتِمَالِهِ، فَلَا يَجِبُ بِهِ الْحَدُّ، إلا أن يريد القذف.

стр. 252

فإن قال: يا عاهر. احتمل أن يكون كناية أيضا، واحتمل أن يكون صريحا، لقول النبي ﷺ : " وللعاهر الحجر". واختلفت الرواية عن أحمد في التعريض: هل يوجب الحد كالصريح؟ على روايتين: إحداهما: يجب به الحد كالصريح. والثانية: لا يجب به الحد، حتى يقر أنه أراد به القذف. والتعريض: أن يقول في حال الغضب جوابا لمن سابه: يا حلال ابن الحلال، خلقت من نطفة حلال، ما أنت بزان، ولا أمك بزانية، ولا يعرفك الناس بالزنا، ونحو قوله لزوجته، فضحتيني، وغطيت رأسي، وصيرت لي قرونا وتعلقين على الأولاد من غيري وقد نكست رأسي ونحو ذلك. وإذا قَالَ: يَا ابْنَ الزَّانِيَيْنِ كَانَ قَاذِفًا لِأَبَوَيْهِ، فيحد لهما إذا طالبا به. وإذا مات المقذوف سقط الحد عن القاذف، إذا لم يطالب، فإن كان طالب لم يسقط. فإن قذف ميتا، فهل يثبت لوارثه المطالبة بحد القذف، اختلف أصحاب أحمد. فقال أبو بكر في كتاب الخلاف " لا يملك الوارث المطالبة، كما لو قذف حيا ومات قبل المطالبة ". وقال الخرقي " ولو قذف أمه – وهي ميتة – مسلمة، كانت أو كافرة، حرة أو أمة حد القاذف إذا طالب الابن وكان حرا مسلما". فقد أثبت المطالبة بحد القذف، لأن الحق هماك ثبت للوارث ابتداء: ولهذا اعتبرنا حصانة الوارث دون الموروث، لأن هذا القذف يعود بالقدح في نسبه. وَلَوْ أَرَادَ الْمَقْذُوفُ أَنْ يُصَالِحَ عَنْ حَدِّ القذف بمال، لم يجز. وَإِذَا لَمْ يُحَدَّ الْقَاذِفُ حَتَّى زَنَى الْمَقْذُوفُ لم يسقط القذف. وَإِذَا قَذَفَ الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ بِالزِّنَا حُدَّ لَهَا إلَّا أَنْ يُلَاعِنَ مِنْهَا. وَاللِّعَانُ أَنْ يَقُولَ في الْجَامِعِ عَلَى الْمِنْبَرِ أَوْ عِنْدَهُ، بِمَحْضَرٍ مِنْ الحاكم وشهود أقلهم أربعة: " أشهد بالله إنني لَمِنْ الصَّادِقِينَ فِيمَا رَمَيْتُ بِهِ زَوْجَتِي هَذِهِ مِنْ الزِّنَا بِفُلَانٍ، وَأَنَّ هَذَا الْوَلَدَ مِنْ زنى، ماهو مني". إن أراد أن ينفي ولدا، وَيُكَرِّرَ ذَلِكَ أَرْبَعًا، ثُمَّ يَقُولَ فِي الْخَامِسَةِ " وعلىّ لعنة الله إنْ كُنْتُ مِنْ الْكَاذِبِينَ فِيمَا رَمَيْتُهَا بِهِ من الزنى بِفُلَانٍ". إنْ كَانَ ذَكَرَ الزَّانِيَ بِهَا " وَأَنَّ هذا الولد من زنا ما هُوَ مِنِّي" فَإِذَا قَالَ هَذَا فَقَدْ أَكْمَلَ لعانه وسقط به حدّ القذف عنه.

стр. 253

وتلاعن هي فَتَقُولَ " أَشْهَدُ بِاَللَّهِ أَنَّ زَوْجِي هَذَا لَمِنْ الكاذبين فيما رماني به من الزنى بفلان. وأن هذا الولد منه ما هو من زنى، تُكَرِّرُ ذَلِكَ أَرْبَعًا، ثُمَّ تَقُولُ فِي الْخَامِسَةِ " وعليّ غضب الله إن كان زوجي هذا من الصادقين فيما رماني به من الزنى بفلان" فإذا قالت ذلك فلا حدّ عليها وانتفى الولد عن الزوج، ولم تقع الفرقة حتى يفرق الحاكم بينهما. فإن التعن الزوج ولم تلتعن هي فلا حد عليها: وهل تحبس حتى تلاعن أو تقر؟ على روايتين. إحداهما: تحبس. والثانية: لا تحبس. وإذا قذفت المرأة زوجها. حدت ولم تلتعن. وإذا أكذب الزوج نفسه بعد لعانه لحق به الولد، وحد القذف، ولم تحل له الزوجة في إحدى الروايتين، والأخرى تحل له. وأما قود الجنايات وعقلها. فالجنايات على النفوس ثلاث: عمد، وخطأ، وشبه الْخَطَإِ. فَأَمَّا الْعَمْدُ الْمَحْضُ. فَهُوَ أَنْ يَتَعَمَّدَ قَتْلَ النَّفْسِ بِمَا يُقْطَعُ بِحَدِّهِ، كَالْحَدِيدِ، أَوْ بِمَا يَمُورُ فِي اللَّحْمِ مَوْرَ الْحَدِيدِ أَوْ يَقْتُلُ غَالِبًا بِثِقَلِهِ، كَالْحِجَارَةِ، وَالْخَشَبِ، فَهُوَ قَتْلٌ عمد يوجب القود. وحكم العمد: أن يكون ولي المقتول فيه مخيرا، مع تكافؤ الدمين، بين القود أو الدية، وَوَلِيُّ الدَّمِ هُوَ وَارِثُ الْمَالِ، مِنْ ذَكَرٍ أو أنثى، بفرض أو تعصيب. وَلَا قَوَدَ لَهُمْ إلَّا أَنْ يَجْتَمِعُوا عَلَى اسْتِيفَائِهِ. فَإِنْ عَفَا أَحَدُهُمْ سَقَطَ الْقَوَدُ وَوَجَبَتْ الدية. وَإِذَا كَانَ فِيهِمْ صَغِيرٌ أَوْ مَجْنُونٌ لَمْ يكن للبالغ أو العاقل أن ينفرد حتى يبلغ الصبي، ويفيق المجنون. وتكافؤ الدمين: أَنْ لَا يَفْضُلَ الْقَاتِلُ عَلَى الْمَقْتُولِ بِحُرِّيَّةٍ وَلَا إسْلَامٍ. فَإِنْ فَضُلَ الْقَاتِلُ عَلَيْهِ بِأَحَدِهِمَا، فَقَتَلَ حُرٌّ عَبْدًا أَوْ مُسْلِمٌ كَافِرًا، فَلَا قود.

стр. 254

وَيُقْتَلُ الْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَإِنْ فَضُلَتْ قِيمَةُ الْقَاتِلِ على المقتول. وإذا اختلفت أديان الكفار أقيد بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ. وَيُقَادُ الرَّجُلُ بِالْمَرْأَةِ، وَالْمَرْأَةُ بِالرَّجُلِ، وَالْكَبِيرُ بِالصَّغِيرِ، وَالْعَاقِلُ بِالْمَجْنُونِ. وَلَا قَوَدَ عَلَى صبي ولا مجنون، ولا يقاد والد بولده ويقاد الولد بوالده والأخ بأخته. وأما الخطأ المحض فهو أن ينتسب إليه القتل من غير قصد لإيقاع الفعل بالمقتول كرجل رمى هدفا فأصاب إنْسَانًا، أَوْ حَفَرَ بِئْرًا فَوَقَعَ فِيهَا إنْسَانٌ، أَوْ أَشْرَعَ جَنَاحًا فَوَقَعَ عَلَى إنْسَانٍ، أَوْ ركب دابة فرمحت إنسانا، أو وضع حجرا في طريق فتعثر به إنسان، فهذا وما أشبهه إذا حدثت عَنْهُ الْمَوْتُ: قَتْلٌ خَطَأٌ مَحْضٌ، يُوجِبُ الدِّيَةَ دُونَ الْقَوَدِ، وَتَكُونُ عَلَى عَاقِلَةِ الْجَانِي، لَا فِي مَالِهِ مُؤَجَّلَةً فِي ثَلَاثِ سِنِينَ مِنْ حين يموت القتيل. والعاقلة: من عدا الآباء والأبناء من العصبات، فلا يتحمل الْأَبُ وَإِنْ عَلَا، وَلَا الِابْنُ وَإِنْ سَفَلَ في إحدى الروايتين، والأخرى: الْآبَاءَ وَالْأَبْنَاءَ مِنْ الْعَاقِلَةِ. وَلَا يَتَحَمَّلُ الْقَاتِلُ مع العاقلة شيئا من الدية. وَاَلَّذِي يَتَحَمَّلُهُ الْمُوسِرُ مِنْهُمْ فِي كُلِّ سَنَةٍ نصف دينار، أو بقدره من الإبل، ويتحمل المتوسط ربع دينار أو بقدره مِنْ الْإِبِلِ، وَلَا يَتَحَمَّلُ الْفَقِيرُ شَيْئًا مِنْهَا، ومن أيسر بعد فقر تحمل ومن افتقر بعد يسار لم يتحمل. وهذا الذي ذكرنا من التقدير اختيار أبي بكر، وذكره في مختصره التنبيه. وظاهر كلام أحمد: أن ما يوضع على كل واحد من العاقلة غير مقدر، وإنما هو على حسب الاجتهاد فيما يمكن ويسهل، ولا يضر به. وفي رواية الميموني " على قدر ما يحتمل القوم".

стр. 255

ودية الْحُرِّ الْمُسْلِمِ، إنْ قُدِّرَتْ ذَهَبًا: أَلْفُ دِينَارٍ مِنْ غَالِبِ الدَّنَانِيرِ الْجَيِّدَةِ، وَإِنْ قُدِّرَتْ وَرِقًا: اثنا عشر ألف دِرْهَمٍ. وَإِنْ كَانَتْ إبِلًا فَهِيَ مِائَةُ بَعِيرٍ أخماسا: عشرون ابن مخاض، وعشروة ابنة مخاض، وعشرون بنت لبون، وعشرون حقة، وعشرون جذعة. وإن قدرت بالبقر فمائتي بقرة أسنان الزكاة. وإن قدرت غنما ألفا شاة أسنان الزكاة. وللدية أصول خمس: إبل، وبقر، وغنم وذهب، وفضة. واختلف الرواية عن أحمد في الحلل، فروى عنه مائتا حلة من حلل اليمن، قيمتها ستون درهما، وروي عنه ليست بأصل. ودية المرأة على النصف من دية الرجل في النفس، وأما في الأطراف فتساوي دية الرجل إلى ثلث الدية، فإذا زادت على الثلث فعلى النصف من دية الرجل. واختلف الرواية عن أحمد في دية اليهودي والنصراني، فروي عنه نصف دية المسلم. وروي عنه ثلث دية المسلم. فأما الْمَجُوسِيُّ فَدِيَتُهُ ثُلُثَا عُشْرِ دِيَةِ الْمُسْلِمِ، ثَمَانِمِائَةِ درهم، وهذا في قتله الخطأ. فأم قتله عمدا، فدية اليهودي والنصراني مثل دية المسلم، ودية المجوسي: الضعف من ديته ألف وستمائة. وَدِيَةُ الْعَبْدِ: قِيمَتُهُ مَا بَلَغَتْ، وَإِنْ زَادَتْ على دية الحر أضعافا. وَأَمَّا الْعَمْدُ شِبْهُ الْخَطَإِ فَهُوَ أَنْ يَكُونَ عَامِدًا فِي الْفِعْلِ غَيْرَ قَاصِدٍ لِلْقَتْلِ، كَرَجُلٍ ضرب رجلا بخشبة أو رماه بحجر يجوز أن يسلم من مثلها وأن يتلف، فأفضى إلى تلفه فلا قود في هذا، وَفِيهِ الدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ مُغَلَّظَةً. وَتَغْلِيظُهَا فِي الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ: أَنْ يُزَادَ عَلَيْهَا ثُلُثُهَا، وَفِي الإبل: أن يكون أرباعا: خمس وعشرون بنات مخاض، وخمس وعشرون بنات لبون، وخمس وعشرون حقة ,وخمس وعشرون جذعة.

стр. 256

وفي رواية أخرى: أنها أثلاثا: ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة في بطونها أولادها. ودية الخطأ المحض، في الجرم، وفي الأشهر الحرم، والإحرام، وعلى ذي الرحم مغلظة. ودية العمد المحض إذا عفا فِيهِ عَنْ الْقَوَدِ: مُغَلَّظَةٌ، تُسْتَحَقُّ فِي مَالِ القاتل حالة وقد ذكرنا صفة التغليظ. وإذا اشترك الجماعة في قتل الواحد، وجب القود على جميعهم، وإن كثروا، ولولي الدم أن يعفو عمن شاء منهم، ويقتل باقيهم، فإن عفا عن جميعهم فعليهم دية واحدة تقسط بينهم على أعداد رؤوسهم. فإن كان بعضهم جارحا وبعضهم ذابحا أو موجئا فالقود في النقس على الذابح والموجئ والجارح مأخوذ بالجراحة دون النفس. وفيه رواية أخرى: على كل واحد منهم دية كاملة، نقلها الفضل بن زياد واختارها أبو بكر في جملة مسائل أفردها. فإن قتل الواحد جماعة، فحضر أولياء الجميع، فطلبوا القصاص، قتل بجماعتهم، ولا دية عليه. وإن طلب بعضهم القود، وبعضهم الدية، قتل لمن طلب القصاص، ووجبت الدية لمن طلب الدية، سواء كان المطالب للدية ولي المقتول أولا أو ثانيا. أما إذا طلب جيمعهم القصاص فإنما سقط حقهم من الدية، لأن القصاص قد ثبت لولي كل واحد منهم على الانفراد، بدليل أنه لو عفا ولي المقتول الأول وجب القصاص لولي الثاني ولو سبق الثاني بقتل القاتل كان آخذا بحقه، فإذا رضيا جميعا بالقصاص فقد رضي كل واحد منهما بنصف حقه بعد ثبوته وأسقط الباقي، فيجب أن يسقط، كما قلنا في أشلّ قطع يده صغيرة فالمجني عليه بالخيار بين أخذ الدية - وهو بدل يده - وبين القصاص من الشلاء، ولا شيء له. وإذا طلب بعضهم القود وبعضهم الدية، كان لكل واحد منهم ما طلب، أنها جنايات لو كانت خطأ لم تتداخل، فإذا كانت عمدا لم تتداخل كما لو قطع يمنى رجلين: أنه يقطع لأحدهما ويغرم للآخر. وَإِذَا أَمَرَ الْمُطَاعُ رَجُلًا بِالْقَتْلِ، فَالْقَوَدُ عَلَى الْآمِرِ وَالْمَأْمُورِ مَعًا، وَلَوْ كَانَ الْآمِرُ غَيْرَ مُطَاعٍ، كَانَ الْقَوَدُ عَلَى الْمَأْمُورِ، دُونَ الْآمِرِ. وكذلك لو أكره رجل على القتل، وجب القود على المكره والمكره.

стр. 257

وَأَمَّا الْقَوَدُ فِي الْأَطْرَافِ فَكُلُّ طَرَفٍ قُطِعَ من مفصل ففيه القود، فتقاد اليد باليد، والرجل بالرجل، والأصبع بالأصبع، والإبهام بالإبها، وَالسِّنِّ بِمِثْلِهَا، وَلَا تُقَادُ يُمْنَى بِيُسْرَى، وَلَا عليا بسفلى، ولا ضرس بسن، لا ثَنِيَّةٌ بِرُبَاعِيَّةٍ، وَلَا يُؤْخَذُ بِسِنِّ مَنْ قَدْ ثغر سن لَمْ يَثْغَرْ. وَلَا تُؤْخَذُ يَدٌ سَلِيمَةٌ بِيَدٍ شلاء، ولا لسان ناطق بأخرس، وَتُؤْخَذُ الْيَدُ الْكَاتِبَةُ وَالصَّانِعَةُ بِيَدِ مَنْ لَيْسَ بكاتب ولا صانع، وَلَا تُؤْخَذُ الْعَيْنُ الْقَائِمَةُ وَالْيَدُ الشَّلَّاءُ إلَّا بمثها. ويقاد أنف الذي يشم بأنف الأخشم، وأذن السميع بأذن الأصم. وَيُقَادُ مِنْ الْعَرَبِيِّ بِالْعَجَمِيِّ، وَمِنْ الشَّرِيفِ بِالدَّنِيءِ. فإن عفي عن القود في هذه الأطراف إلى الدية، ففي اليدين، الدية كاملة، وَفِي إحْدَاهُمَا نِصْفُ الدِّيَةِ، وَفِي كُلِّ أُصْبُعٍ: عُشْرُ الدِّيَةِ، وَهُوَ عَشْرٌ مِنْ الْإِبِلِ، وَفِي كل واحدة من أنامل الأصابع: ثلاثة أبعرة وثلث، وإلا أُنْمُلَةَ الْإِبْهَامِ، فَفِيهَا خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ. وَدِيَةُ الرجلين كاليدين إلَّا فِي أَنَامِلِهِمَا فَيَكُونُ فِي كُلِّ أُنْمُلَةٍ خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ. وَفِي الْعَيْنَيْنِ: الدِّيَةُ. وَفِي الجفون الأربع: جميع الدية، وفي كل عضو مِنْهَا: رُبْعُ الدِّيَةِ وَفِي الْأَنْفِ: الدِّيَةُ، وَفِي الْأُذُنَيْنِ: الدِّيَةُ، وَفِي إحْدَاهُمَا: نِصْفُ الدِّيَةِ، وَفِي اللسان: الدية وفي الشفتين: الدية، وفي إحداهما نصف الدِّيَةِ، وَفِي كُلِّ سِنٍّ: خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ، ولا فضل لضرس على سن، ولا لثنية على ناجذ. وفي ذهاب السمع: الدية، وفي ذهاب الشم، الدية، فإن قطع أذنه فأذهب سمعه فعليه ديتان، وكذا لو قطع أنفه فذهب شمه، فعليه ديتان. وفي ذهاب الْكَلَامِ: الدِّيَةُ، فَإِنْ قَطَعَ لِسَانَهُ فَأَذْهَبَ كَلَامَهُ، فعليه دية واحدة، وفي ذهاب العقل: الدية، وفي الذكر: الدية. وفي ذكر الخنثي والعنين حكومة مقدرة بثلث الدية. وَفِي الْأُنْثَيَيْنِ: الدِّيَةُ، وَفِي إحْدَاهُمَا: نِصْفُ الدِّيَةِ، وفي الإليتين: الدية، وفي إحْدَاهُمَا نِصْفُ الدِّيَةِ. وَفِي ثَدْيَيْ الْمَرْأَةِ: دِيَتُهَا، وفي أحدهما: نصف الدية، وفي ثديي الرجل: الدية.

стр. 258

وأما شجاج الرأس فأولهما: الحارصة: وَهِيَ الَّتِي أَخَذَتْ فِي الْجِلْدِ، وَلَا قَوَدَ فيها، وفيها حكومة. ثم الدامية: وهي التي قد أَخَذَتْ فِي الْجِلْدِ، وَأَدَمَتْ، وَفِيهَا حُكُومَةٌ. ثُمَّ الدامعة: وهي التي قد خرج دمها من قطع الجلد كالدمعة، وَفِيهَا حُكُومَةٌ. ثُمَّ الْمُتَلَاحِمَةُ: وَهِيَ الَّتِي قَطَعَتْ الجلد وَأَخَذَتْ فِي اللَّحْمِ، وَفِيهَا حُكُومَةٌ. ثُمَّ الْبَاضِعَةُ: وهي التي قطعت اللحم بعد الجلد، حتى ظهر، وَفِيهَا حُكُومَةٌ. ثُمَّ السِّمْحَاقُ: وَهِيَ الَّتِي قَطَعَتْ جَمِيعَ اللَّحْمِ بَعْدَ الْجِلْدِ وَأَبْقَتْ عَلَى عَظْمِ الرَّأْسِ غِشَاوَةً رَقِيقَةً، وَفِيهَا حُكُومَةُ. وَحُكُومَاتُ هَذِهِ الشِّجَاجِ: تَزِيدُ عَلَى حَسَبِ تَرْتِيبِهَا. ثُمَّ الْمُوضِحَةُ، وَهِيَ الَّتِي قَطَعَتْ الْجِلْدَ وَاللَّحْمَ وَالْغِشَاوَةَ وَأَوْضَحَتْ عن العظم، وفيها القود، فإن عفا عَنْهَا فَفِيهَا خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ. ثُمَّ الْهَاشِمَةُ، وهي التي أوضحت عن العظم حتى ظهر وشهمت عَظْمَ الرَّأْسِ حَتَّى تَكَسَّرَ وَفِيهَا عَشْرٌ مِنْ الْإِبِلِ، فَإِنْ أَرَادَ الْقَوَدَ مِنْ الْهَشْمِ لَمْ يكن له، وإن أراد من الموضحة أقيد لَهُ مِنْهَا، وَأُعْطِي فِي زِيَادَةِ الْهَشْمِ خَمْسًا من الإبل، هذا قياس قول أحمد، وأنه يجمع بين القصاص فيما يصح القصاص فيه، والأرض فيما لم يقتض منه. لأنه قال في رواية ابن منصور: في صحيح فقأ عين أعور عمدا " فإن أحب أن يستقيد من إحدى عينيه فله نصف الدية، وإن أحب أخذ الدية كاملة". وقياس قول أبي بكر: إن اختار القصاص لم يكن له أرش، لأنه قال: " فيمن قطع يدا تامة الأصابع ويده ناقصة أصبع، فاختار القصاص وأخذ دية إصبع قال" ليس له دية الأصبع" وحكم المسألتين سواء.

стр. 259

ثم المنقلةك وهي التي قد أَوْضَحَتْ وَهَشَّمَتْ حَتَّى شَظِيَ الْعَظْمُ وَزَالَ عَنْ موضعه فاحتاج إلَى نَقْلِهِ وَإِعَادَتِهِ، وَفِيهَا خَمْسَ عَشْرَةَ مِنْ الإبل، فإن استقاد من الموشحة أعطى في الهشم والتنقيل عشر مِنْ الْإِبِلِ. ثُمَّ الْمَأْمُومَةُ، وَتُسَمَّى الدَّامِغَةَ، وَهِيَ الواصلة إلى أم الدماغ وفيها ثلث الدية. فأما جراح الجسد فلا يتقدر دية شيء منها إلا الجائفة، وَهِيَ الْوَاصِلَةُ إلَى الْجَوْفِ، وَفِيهَا ثُلُثُ الدِّيَةِ. ولا قود في جراح الجسد إلا في الموضحة عن عظم، وفيها حكومة. وإذا قطع أطرافه واندملت وجب عَلَيْهِ دِيَاتُهَا، وَإِنْ كَانَتْ أَضْعَافَ دِيَةِ النَّفْسِ، وَلَوْ مَاتَ مِنْهَا قَبْلَ انْدِمَالِهَا كَانَتْ عَلَيْهِ دِيَةُ النَّفْسِ، وَسَقَطَتْ دِيَاتُ الْأَطْرَافِ، وَلَوْ مَاتَ بعد اندمال بعضها وجب عليه دية النفس وفيها لم يندمل مع دية الأطراف فيما اندمل. وفي لسان الأخرس، ويد الأشل، والأصبع الزائدة، والعين القائمة، حكومة وهي مقدرة بثلث دية اللسان، واليد، والأصبع والعين. والشجاج التي دون الموضحة فيها حكومة غير مقدرة. وَالْحُكُومَةُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ، أَنْ يُقَوِّمَ الْحَاكِمُ الْمَجْنِيَّ عَلَيْهِ لَوْ كَانَ عَبْدًا لَمْ يُجْنَ عليه، ثم يفوم لو كان عبدا بع الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ، وَيُعْتَبَرَ مَا بَيْنَ الْقِيمَتَيْنِ مِنْ دِيَتِهِ، فَيَكُونَ قَدْرُ الْحُكُومَةِ فِي جِنَايَتِهِ. وَإِذَا ضَرَبَ بَطْنَ امْرَأَةٍ، فَأَلْقَتْ مِنْ الضَّرْبِ جَنِينًا مَيِّتًا، فَفِيهِ - إذَا كَانَ حُرًّا - غُرَّةُ: عَبْدٍ، وأمة يستوي فيه الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى. وَعَلَى كُلِّ قَاتِلِ نَفْسٍ ضَمِنَ ديتها: الكفارة عامدا كان أو خاطئا، وفيها رواية أخرى، لا كفارة في قتل العمد. وَالْكَفَّارَةُ: عِتْقُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ، سَلِيمَةٍ مِنْ الْعُيُوبِ المضرة بالعمل، فإن أعسر بها صام شهين متتابعين، فإن عجز عنهما فهل ينتقل إلى الإطعام؟ على وجهين: أحدهما: يطعم ستين مسكينا، والثاني: لا شيء عليه. وَإِذَا ادَّعَى قَوْمٌ قَتْلًا عَلَى قَوْمٍ وَمَعَ الدعوى لوث (٣) . -وهو العداوة الظاهرة- فيكون القول قول المدعى. فيحاف خمسين يمينا. ويحكم له بالدية فى الدعوى الخطأ. وفى العمد القود. ولو نكل المدعى عن الأيمان او بعضها, حلف المدعى عَلَيْهِ خَمْسِينَ يَمِينًا. وَبَرِئَ.

стр. 260

وَإِذَا وَجَبَ الْقَوَدُ فِي نَفْسٍ أَوْ طَرَفٍ لَمْ يَكُنْ لِوَلِيِّهِ أَنْ يَنْفَرِدَ بِاسْتِيفَائِهِ إلَّا بِإِذْنِ السُّلْطَانِ فَإِنْ كَانَ فِي طَرَفٍ لَمْ يُمَكِّنْهُ السُّلْطَانُ مِنْ اسْتِيفَائِهِ حَتَّى يَتَوَلَّاهُ غَيْرُهُ. وأجرة إلي يتولاه في مال المقتص منه. ذكره أبو بكر. فَإِنْ كَانَ الْقِصَاصُ فِي نَفْسٍ جَازَ أَنْ يأذن له السلطان في استيفائه بنفسه، إن كان ثابت النفس عند استيفائه، وإلا استوفاه السلطان بأوحى سيف وأمضاه. فإذا انفرد وَلِيُّ الْقَوَدِ بِاسْتِيفَائِهِ، مِنْ نَفْسٍ أَوْ طَرَفٍ، ولم يتعد، عزره السلطان، لاقتنائهئن وقد صار إلى حقه بالقود، فلا شيء عليه. وما التعزير فهو تأديب على ذنوب لم تشرح فيها الحدود. ويختلف حكمه باختلاف حاله وأحواله فاعله. فيوافق الحدود من وجه، وهو أنه تأديب استصلاح وزجر، ويختلف بحسب اختلاف الذنب، ويخالف الحدود من وجهين. أحدهما: أن تأديب ذي الهيئة مِنْ أَهْلِ الصِّيَانَةِ أَخَفُّ مِنْ تَأْدِيبِ أَهْلِ البذاء وَالسَّفَاهَةِ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ " أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم". فَإِنْ تُسَاوَوْا فِي الْحُدُودِ الْمُقَدَّرَةِ، فَيَكُونُ تَعْزِيرُ مَنْ جَلَّ قَدْرُهُ، بِالْإِعْرَاضِ عَنْهُ. وَتَعْزِيرُ مَنْ دونه: بزاجر الكلام، وغاية الاستخفاف الذي لا قذف فيه ولا سب، ثم يعد بمن دون ذلك إلى الحبس، الذي ينزلون فيه على حسب رتبهم، وَبِحَسَبِ هَفَوَاتِهِمْ، فَمِنْهُمْ مَنْ يُحْبَسُ يَوْمًا، وَمِنْهُمْ من يحبس أكثر منه إلى غير غاية مقدرة، ثُمَّ يُعْدَلُ بِمَنْ دُونَ ذَلِكَ إلَى النَّفْيِ والإبعاد، إذا تعدت ذنوبه إلى اجتلاب غيره إليها، واستضراره بها. وقد قال أحمد ﵀، ورضي عنه: في المخنث في رواية المروزي " حكمه أن ينفي" وقال في رواية إسحاق - وقد سئل عن التعزير في الخمر- قال: " لا، إلا في الزنا والمخنث". وعامة نفيه مقدر بما دون الحول، ولو بيوم، لئلا يصير مساويا لتغريب الحول في الزنا.

стр. 261

ثُمَّ يُعْدَلُ بِمَنْ دُونَ ذَلِكَ إلَى الضَّرْبِ، ينزلون عَلَى حَسَبِ الْهَفْوَةِ، فِي مِقْدَارِ الضَّرْبِ وَبِحَسَبِ الرتبة في الامتهان والصيانة، وأكثر ما ينتهي إليه الضرب في التعزير، معتبر بالجرم. فإن كان الذنب في التعريض بالزنا روعي ما كان منه، فإن أصاب منها بوطء دون الفرج ضرب تسعة وتسعين سوطا، إن كان حرا، وإن كان عبدا تسعة وأربعين سوطا لينقص عن أكثر الحدود، وفي معناه وطء الشريك في الفرج للأمة المشتركة، ووطء الأب جارية ابنه، ووطء جارية نفسه بعد أن زوجها، أو وطء جارية امرأته بعد أن أذنت له في وطئها، وقد نص على هذا في رواية أبي الحارث، وأبي طالب، والميموني في الرجل يطأ جارية بينة وبين شريكه" يجلد إلا سوطا" كذا قال سعيد بن المسيب. وقال في رواية، ابن نختان في رجل فجر بامرئ فيما دون الفرج يضرب مائة، لأن عليا أتى برجل وجد مع امرأة في لحافها، فضربه مائة. وقال في رواية إسحاق بن إبراهيم، وصالح، "إذا وطئ جارية امرأته وقد أحلتها له، يرجم". وإن وجدوهما في إزار ولا حائل بينهما متباشرين غير متعاطيين للجماع، أو وجدوهما غير مباشرين، أو وجدوهما في بيت متبذلين عريانين غير مباشرين، أو وجدوهما يشير إليها وتشير إليه بغير الكلام، أو وجدوه يتبعها ولم يقفوا على ذلك، فضربه مبني على أدنى الحدود، فإن قلنا: أدناهما ثمانون في تحد الشرب، ضرب تسعة وتسعين، إن كان حرا وتسعة وثلاثين إن كان عبدا، لينقص عن أدنى الحد". قال في رواية ابن منصور: في رجل وجد مع امرأة في لحافها، قال علي " يجلد مائة" وعلى مذهبنا لا يجلد وعليه تعزير والتعزير دون عشر جلدات. وكذلك قال، في رواية أحمد بن سعيد بن عبد الخالق في اللوطي " إذا أولج وخالط، فالجم أحصن أو لم يحصن، فإذا وجد على ظهره، أو معه، يؤدب كما يصنع به إذا وجد مع امرأة ". وقال في رواية أبي الصقر " إذا قال الرجل، يا مرابي، يا شارب الخمر، يا عدو الله، يا خائن، يا ظالم، يا كاذب،: عليه في هذا كله أدب، والأدب من ثلاثة إلى عشرة". وكذلك قال في رواية صالح " أذهب إلى حديث علي: أنه ضرب النجاشي عشرين لإفطار في رمضان بعد ضربه ثمانين".

стр. 262

وقال الخرقي " ولا يبلغ بالتعزير الحد، وأدنى الحدود أربعون. إذا قلنا: حد شارب الخمر ثمانون، وإن قلنا: أربعون، فأدناها عشرون في حق العبد". فإن سرق من حرز مثله أقل من نصاب، أو سرق نصابا من غير حرز غرم مثليه وقد نص على ذلك في سرقة الثمار المعلقة. وقا لأيضا في رواية ابن منصور، في الضالة المكتومة، " إذا أزلت عنه القطع، فعليه غرامة مثلها". وإن جمع المتاع في الحرز واسترجع منه قبل إخراجه، أو نقب الحرز ودخل ولم يأخذ، أو نقب الحرز ولم يدخل، ولم يأخذ، أو تعرض للنقب، أو ليفتح بابا ولم يفعل، غزر أدنى الحدود ولم يبلغ به. وقد قال أحمد في رواية أبي طالب: " إذا جمعه في البيت وكوره ولم يخرجه، يؤدب ولا يقطع، فإن أخذ الثوب وشقه يقطع ويضرب". وما عدا هذين الذنبين - أعني الزنا والسرقة - فلا يبلغ في تعزيره أدنى الحدود، وقد حكينا كلامه فيمن افترى على غيره بالكلام فقال: يا ظالم، يا مرابي، يا كذاب يؤدب من ثلاثة إلى عشرة. فهذا الكلام في أحد الوجوه التي يختلف فيه التعزير والحدود. والوجه الثاني أن الحد لا يجوز العفو عنه، ولا تسوغ الشفاعة فيه، فهل يجوز في التعزير العفو وتسوغ الشفاعة فيه؟. نظرت، فإن تعلق بحق آدمي وعفا عن حقه جاز عفوه. قال في رواية الأثر: في رجل قذف رجلا، فقدمه إلى السلطان: هل له أن يعفو بعد ما رفعه إلى السلطان؟ فقال " إذا كان في نفسه فهو حق له، وإذا قذف أبه فهو شيء يطلبه لغيره". فقد أجاز العفو بد الترافع فيما كان حقا لآدمي، وأبطله إذا عفا عما كان حقا لأبيه. ونقل ابن منصور عنه " إذا افترى على أبيه - وقد هلك - فعفا ابنه قال: عفوه جائز". فقد أجاز ههنا عفوه فيما كان لأبيه. وهذا محمول على أن الافتراء على الأب كان بعد موته، فيتعلق الحق بالابن، ولهذا قلنا، إذا قذف أمه وهي ميتة كانت المطالبة للابن.

стр. 263

فأما في حق السلطنة، فهل يسقط بعفو صاحبه إذا كان السلطان يرى أن المصلحة في استيفائه؟ ظاهر كلام أحمد رحمه الله تعالى، أنه يسقط، لأنه لم يفرق، ويحتمل أن لا يسقط، للتهذيب والتقويم. وإن تعلق بحق الله تعالى، فهل يجوز للسلطان إسقاطه؟. قال في رواية ابن منصور، في الرجل يضرب رقيقه، قال: إي والله، يؤدبه على ترك الصلاة، وعلى المعصية، ويعفو عنه فيما بينه وبينه". وظاهر هذا عدم جواز العفو فيما تعلق بحق الله تعالى، وهو ترك الصلاة. وكذلك قال في رواية حنبل في شاهد الزور" ذاك إلى السلطان، إن شاء عاقبه " فقد خيره في ترك تعزيره. وذكر في رسالة الأصطخري " ومن طعن على أحد من الصحابة وجب على السلطان تأديبه وليس له أن يعفو عنه". وظاهر هذا أنه لا يجوز العفو عنه. ولو تشاتم وتواثب والده مع ولده، سقط تعزير الوالد في حق والده، ولم يسقط تعزير الولد في حق والده، كما لا يسقط في حد القذف، ويكون تعزيره مختصا بحق السلطنة. وهل يجوز لولي الأمر أن يعفو عنه؟ يخرج على الروايتين. ولا يجوز له العفو مع مطالبة الوالد، لأنه حق له. والتعزير لا يُوجِبُ ضَمَانَ مَا حَدَثَ عَنْهُ مِنْ التَّلَفِ وكذلك الْمُعَلِّمُ إذَا ضَرَبَ صَبِيًّا أَدَبًا مَعْهُودًا فِي العرف، فأفضى إلى تلفه، وكذلك الزوج إذا ضرب عند النشوز وتلفت فلا ضمان عليه. وقد نص على ذلك في رواية أبي طالب وقد سئل: هل بين المرأة وزوجها قصاص؟ فقال: " إذا كان في أدب بضربها فلا". وكذلك نقل بكر بن محمد " في الرجل يضرب امرأته، فيكسر يدها أو رجلها، أو يعقرها على وجه الأدب، فلا قصاص عليه". وذكر أبو بكر الخلاف في كتاب الأدب فقال " إذا ضرب المعلم الصبيان ضربا غير مبرح وكان ذلك ثلاث فليس بضامن " وعلى قياس هذا الأب إذا أدب ابنه.

стр. 264

فأما صفة الضرب في التعزير فيجوز بالعصا وبالسوط الذي كسرت ثمرته كالحد، ولا يجوز بسوط لم تكسر ثمرته. وقد قال أحمد في رواية إبراهيم بن هانئ: والزني أشد ضربا من القاذف، قيل له: يقطع الثمرة؟ قال: نعم سوطا بين سوطين". ويعطى كل عضو حقه، ولا يجوز أن يبلغ بتعزيره إنهار دمه. وَضَرْبُ الْحَدِّ يَجِبُ أَنْ يُفَرَّقَ فِي الْبَدَنِ كله إلا المقاتل. ولا يجوز أن يجمع على موضع واحد من الجسد، والتعزير في ذلك كالحد. ويجوز أن يصلب في التعزير حيا. ولا يمنع إذا صلب من طعام وشراب، وَلَا يُمْنَعُ مِنْ الْوُضُوءِ لِلصَّلَاةِ، وَيُصَلِّي مُومِيًا. ولا يعيد، ولا يتجاوز بصلبه ثلاثة أيام. وهل يجرد في نكال التعزير مِنْ ثِيَابِهِ إلَّا قَدْرَ مَا يَسْتُرُ عَوْرَتَهُ؟ فقد اختلف الرواية عنه في الجلد، فروى الميموني أنه قال في الزنا " يجرد ويعطى كل عضو حقه". ونقل أبو الحارق" يجلد مائة وعليه ثيابه". ونقل ابن منصور " يضرب على قميص، لو ترك عليه ثياب الشتاء ما بالي بالضرب". ويجوز أن ينادى عليه بذنبه إذا تكرر منه، ولم يقلع عنه. ولايجوز أَنْ يُحْلَقَ شَعْرُهُ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ تُحْلَقَ لحيته. وهل يسود وجهه؟ فقيل: يجوز، وقيل: لا يجوز. وقد قال أحمد في رواية عبد الله بن إبراهيم: في شاهد الزور " يطاف به في حيه، ويشهر أمره، ويؤدب". وقال أيضا في رواية مهنا في شاهد الزور، " يبعث به في محلته يقولون: هذا فلان يشهد الزور، اعرفوه، وقيل له: ثم يضرب؟ قال: نعم، قيل له: نصف الحد؟ قالك لا، أقل، قيل له: يسود وجهه؟ قال قد روي عن عمر ﵁ أنه سود وجه شاهد الزور، قيل له: فترى أنت أن تسود وجهه؟ قال: لا أدري " وكأنه كره تسويد الوجه. فقد نص على أنه ينادى بذنبه، ويطاف به، ويضرب مع ذلك، وتوقف عن تسويد وجهه. وقد روى أبو بكر الخلال بإسناده عن مكحول قال: قال عمر بن الخطاب " شاهد الزور يجلد أربعين، ويسخم وجهه، ويطال حبسه".

стр. 265

وروي أن عمر " كان يطوف ذات ليلة في سكة من سكك المدينة إذ سمع امرأة، وهي تهتف " وتقول: هل من سبيل إلى خمر فأشربها أم هل سبيل إلى نصر بن حجاج؟ فلما أصبح أتى بنصر، فإذا أحسن الناس وجها وأحسنهم شعرا، فقال له، عزمة من أمير المؤمنين لتأخذن من شعرك، فأخذ من شعره". فصل في أحكام الحسبة والحسبة، هِيَ أَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ، إذَا ظَهَرَ تَرَكَهُ، وَنَهْيٌ عن المنكر إذا ظهر فعله. وَهَذَا، وَإِنْ صَحَّ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ، فَالْفَرْقُ بين المحتسب والمتطوع مِنْ تِسْعَةِ أَوْجُهٍ. أَحَدُهَا: أَنَّ فَرْضَهُ مُتَعَيَّنٌ عَلَى الْمُحْتَسِبِ بِحُكْمِ الْوِلَايَةِ، وَفَرْضُهُ عَلَى غَيْرِهِ داخل في فرض الكفاية. الثاني: أَنَّ قِيَامَ الْمُحْتَسِبِ بِهِ مِنْ حُقُوقِ تَصَرُّفِهِ الذي لا يجوز أن يتشاغل عنه بغيره. وقيام المتطوع به من النوافل الذي يجوز التشاغل عنه لغيره. الثالث: أنه منصوب للاستعداء إليه فيم يجب، وليس المتطوع منصوبا للاستعداء. الرابع: أن على المحتسب إجابة من استعدى به، وليس على المتطوع إجابته. الخامس: أَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَبْحَثَ عَنْ الْمُنْكَرَاتِ الظَّاهِرَةِ، لِيَصِلَ إلَى إنْكَارِهَا ,وَيَفْحَصَ عَمَّا تُرِكَ مِنْ الْمَعْرُوفِ الظَّاهِرِ، لِيَأْمُرَ بِإِقَامَتِهِ، وَلَيْسَ عَلَى غَيْرِهِ من المتطوعة بحق ولا فحص. السادس: أن له أن يتخذ على الإنكار أَعْوَانًا، لِأَنَّهُ عَمَلٌ هُوَ لَهُ مَنْصُوبٌ، وَإِلَيْهِ مَنْدُوبٌ، لِيَكُونَ لَهُ أَقْهَرَ، وَعَلَيْهِ أَقْدَرَ، وَلَيْسَ لمتطوع أن يندب لذلك أعوانا. السابع: له أن يعزر على المنكرات الظاهرة، ولا يتجاوزها إلَى الْحُدُودِ، وَلَيْسَ لِلْمُتَطَوِّعِ أَنْ يُعَزِّرَ عَلَى منكر.

стр. 266

الثامن: أن له أن يرتزق من بيت المال، على حسبه، ولا يجوز لمتطوع أن يرتزق على إنكاره. التاسع: أَنَّ لَهُ اجْتِهَادَ رَأْيِهِ فِيمَا تَعَلَّقَ بِالْعُرْفِ دُونَ الشَّرْعِ، كَالْمَقَاعِدِ فِي الْأَسْوَاقِ، وَإِخْرَاجِ الْأَجْنِحَةِ، فَيُقِرُّ وَيُنْكِرُ مِنْ ذَلِكَ مَا أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إلَيْهِ، وَلَيْسَ هَذَا لِلْمُتَطَوِّعِ. فَيَكُونُ الْفَرْقُ بَيْنَ والي الحسبة، وإن كانت أمرا بالمعروف، ونهيا عن المنكر، وبين غيره من المتطوعة، وَإِنْ جَازَ أَنْ يَأْمُرَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَى عَنْ المنكر، من هذه الوجوه التسعة. ومن شروط والي الحسبة أن يكون خبيرا عَدْلًا، ذَا رَأْيٍ وَصَرَامَةٍ وَخُشُونَةٍ فِي الدِّينِ، وعلم بالمنكرات الظاهرة. وهل يفتقر إلى أَنْ يَكُونَ عَالِمًا مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ فِي أحكام الدين ليجتهد رأيه؟ يحتم أن يكون من أهله، ويحتمل أن لا يكون ذلك شرطا إذا كان عارفا بالمنكرات المتفق عليها. وَاعْلَمْ أَنَّ الْحِسْبَةَ وَاسِطَةٌ بَيْنَ أَحْكَامِ الْقَضَاءِ وأحكام المظالم. فأما ما بينها وَبَيْنَ الْقَضَاءِ: فَهِيَ مُوَافِقَةٌ لِأَحْكَامِ الْقَضَاءِ مِنْ وجهين، ومقصرة عَنْهُ مِنْ وَجْهَيْنِ وَزَائِدَةٌ عَلَيْهِ مِنْ وَجْهَيْنِ. فَأَمَّا الْوَجْهَانِ فِي مُوَافَقَتِهَا لِأَحْكَامِ الْقَضَاءِ فَأَحَدُهُمَا: جواز الاستعداء عَلَى الْمُسْتَعْدَى عَلَيْهِ فِي حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ، وَلَيْسَ هَذَا عَلَى عُمُومِ الدَّعَاوَى، وَإِنَّمَا يَخْتَصُّ بِثَلَاثَةِ أَنْوَاعٍ مِنْ الدَّعْوَى. أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ فِيمَا يتعلق ببخس أو تطفيف في كيل أو وزن. والثاني: فيما تعلق بِغِشٍّ، أَوْ تَدْلِيسٍ فِي مَبِيعٍ أَوْ ثَمَنٍ. والثالث: ما تعلق بمبطل وَتَأْخِيرٍ لِدَيْنٍ مُسْتَحَقٍّ مَعَ الْمُكْنَةِ. وَإِنَّمَا جَازَ نَظَرُهُ فِي هَذِهِ الْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ مِنْ الدَّعَاوَى، دُونَ مَا عَدَاهَا مِنْ سَائِرِ الدَّعَاوَى، لِتَعَلُّقِهَا بِمُنْكَرٍ ظَاهِرٍ، هُوَ مَنْصُوبٌ لِإِزَالَتِهِ، وَاخْتِصَاصِهَا بِمَعْرُوفٍ بَيِّنٍ، هُوَ مَنْدُوبٌ إلَى إقَامَتِهِ، لِأَنَّ مَوْضُوعَ الْحِسْبَةِ إلْزَامُ الْحُقُوقِ وَالْمَعُونَةِ عَلَى اسْتِيفَائِهَا وَلَيْسَ لِلنَّاظِرِ فِيهَا أَنْ يَتَجَاوَزَ ذَلِكَ إلَى الْحُكْمِ الناجز.

стр. 267

فهذا أحد وجهي الموافقة. والثاني: أن له إلزام المدعى عليه الخروج مِنْ الْحَقِّ الَّذِي عَلَيْهِ، وَلَيْسَ هَذَا عَلَى العموم في كل حق، وَإِنَّمَا هُوَ خَاصٌّ فِي الْحُقُوقِ الَّتِي جَازَ له سماع الدعوى فيها إذا وجبت باعتراف مع القدرة، لِأَنَّ فِي تَأْخِيرِهِ لَهَا مُنْكَرًا هُوَ مَنْصُوبٌ لِإِزَالَتِهِ. وَأَمَّا الْوَجْهَانِ فِي قُصُورِهَا عَنْ أَحْكَامِ الْقَضَاءِ فَأَحَدُهُمَا: قُصُورُهَا عَنْ سَمَاعِ عُمُومِ الدَّعَاوَى الْخَارِجَةِ عَنْ ظَوَاهِرِ الْمُنْكَرَاتِ: مِنْ الدَّعَاوَى فِي الْعُقُودِ وَالْمُعَامَلَاتِ، وَسَائِرِ الْحُقُوقِ وَالْمُطَالَبَاتِ، فَلَا يَجُوزُ أن ينتدب لسماع الدعاوى لَهَا، وَلَا أَنْ يَتَعَرَّضَ لِلْحُكْمِ فِيهَا، لَا فِي كَثِيرِ الْحُقُوقِ وَلَا فِي قَلِيلِهَا، مِنْ دِرْهَمٍ فَمَا دُونَهُ، إلَّا أَنْ يَرِدَ ذَلِكَ إليه بنص صريح يزيد على إطلاقه الْحِسْبَةِ، فَيَجُوزُ وَيَصِيرُ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ جَامِعًا بَيْنَ قَضَاءٍ وَحِسْبَةٍ، فَيُرَاعَى فِيهِ أَنْ يَكُونَ مِنْ أهل الاجتهاد، وإن اقتصر به على مُطْلَقِ الْحِسْبَةِ فَالْقُضَاةُ وَالْحُكَّامُ بِالنَّظَرِ فِي قَلِيلِ ذلك وكثير أَحَقُّ، فَهَذَا وَجْهٌ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهَا مَقْصُورَةٌ على الحقوق المعترف بها، فأما ما يدخله التجاحد والتناكر، فلا يجوز له النظر فيها، لأن الحاكم فيها يقف على سماع بينة وإحلاف يمين. ولا يجوز للمتحسب أن يسمع بينة على إثبات حق، ولا أن يحلف يمينا على نفي حق، والحكام والقضاة بسماع البينات وإحلاف الخصوم أحق. وما الْوَجْهَانِ فِي زِيَادَتِهَا عَلَى أَحْكَامِ الْقَضَاءِ فَأَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَجُوزُ لِلنَّاظِرِ فِيهَا أَنْ يَتَعَرَّضَ لِتَصَفُّحِ مَا يَأْمُرُ بِهِ مِنْ الْمَعْرُوفِ، وَيَنْهَى عَنْهُ من المنكر، وإن لم يحضره خصم يستعدي، وَلَيْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يَتَعَرَّضَ لِذَلِكَ إلَّا بِحُضُورِ خَصْمٍ يَجُوزُ لَهُ سَمَاعُ الدَّعْوَى مِنْهُ، فَإِنْ تَعَرَّضَ الْقَاضِي لِذَلِكَ خَرَجَ عَنْ مَنْصِبِ وِلَايَتِهِ وَصَارَ مُتَجَوِّزًا فِي قَاعِدَةِ نَظَرِهِ. وَالثَّانِي: أَنَّ لِلنَّاظِرِ فِي الْحِسْبَةِ مِنْ سَلَاطَةِ السَّلْطَنَةِ وَاسْتِطَالَةِ الحماة فيما يتعلق بِالْمُنْكَرَاتِ مَا لَيْسَ لِلْقُضَاةِ، لِأَنَّ الْحِسْبَةَ مَوْضُوعَةٌ على الرهبة، فَلَا يَكُونُ خُرُوجُ الْمُحْتَسِبِ إلَيْهَا بِالسَّلَاطَةِ وَالْغِلْظَةِ تَجَوُّزًا فِيهَا وَلَا خَرْقًا، وَالْقَضَاءُ مَوْضُوعٌ لِلْمُنَاصَفَةِ، فهو بالأناة والوقار أخص. وَأَمَّا مَا بَيْنَ الْحِسْبَةِ وَالْمَظَالِمِ فَبَيْنَهُمَا شَبَهٌ مؤتلف، وفرق مختلف أما الشَّبَهُ الْجَامِعُ بَيْنَهُمَا فَمِنْ وَجْهَيْنِ. أَحَدُهُمَا: أَنَّ مَوْضُوعَهُمَا مُسْتَقِرٌّ عَلَى الرَّهْبَةِ الْمُخْتَصَّةِ بِسَلَاطَةِ السَّلْطَنَةِ وقوة الصراحة.

стр. 268

وَالثَّانِي: جَوَازُ التَّعَرُّضِ فِيهِمَا لِأَسْبَابِ الْمَصَالِحِ، وَالتَّطَلُّعِ إلَى إنْكَارِ الْعُدْوَانِ الظَّاهِرِ. وَأَمَّا الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا فَمِنْ وَجْهَيْنِ. أَحَدُهُمَا: أَنَّ النَّظَرَ فِي الْمَظَالِمِ مَوْضُوعٌ لِمَا عَجَزَ عَنْهُ الْقُضَاةُ، وَالنَّظَرُ فِي الْحِسْبَةِ مَوْضُوعٌ لِمَا رَفَّهَ عَنْهُ الْقُضَاةُ، وَلِذَلِكَ كانت رتبة المظالم أعلى، ورتبة الحسبة أخص، وَجَازَ لِوَالِي الْمَظَالِمِ أَنْ يُوَقِّعَ إلَى الْقُضَاةِ والمحتسبة، وَلَمْ يَجُزْ لِلْقَاضِي أَنْ يُوَقِّعَ إلَى وَالِي الْمَظَالِمِ، وَجَازَ لَهُ أَنْ يُوَقِّعَ إلَى الْمُحْتَسِبِ، وَلَمْ يَجُزْ لِلْمُحْتَسِبِ أَنْ يُوَقِّعَ إلَى وَاحِدٍ منهما. فهذا فرق والثاني: أَنَّهُ يَجُوزُ لِوَالِي الْمَظَالِمِ أَنْ يَحْكُمَ، وَلَا يجوز لوالي الحسبة أن يحكم. إذا قرر هذا فالحسبة تشتمل على أمر بمعروف ونهي عن منكر. أما الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ فَيَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ أَحَدُهَا: مَا تعلق بحدود الله تعالى. الثاني: ما تعلق بحقوق الآدميين. الثالث: ما كان مشتركا بينهما. أما المتعلق بحقوق الله تعالى فضربان: أحدهما: ما يَلْزَمُ الْأَمْرُ بِهِ فِي الْجَمَاعَةِ دُونَ الِانْفِرَادِ، كَتَرْكِ الْجُمُعَةِ فِي وَطَنٍ مَسْكُونٍ فَإِنْ كَانُوا عَدَدًا قَدْ اُتُّفِقَ عَلَى انْعِقَادِ الْجُمُعَةِ بِهِمْ كَالْأَرْبَعِينَ فَمَا زَادَ، فَوَاجِبٌ أَنْ يَأْخُذَهُمْ بِإِقَامَتِهَا. وَيُؤَدِّبَ عَلَى الْإِخْلَالِ بِهَا، وَإِنْ كَانُوا عَدَدًا قد اُخْتُلِفَ فِي انْعِقَادِ الْجُمُعَةِ بِهِمْ، فَلَهُ وَلَهُمْ أَرْبَعَةُ أَحْوَالٍ. أَحَدُهَا: أَنْ يَتَّفِقَ رَأْيُهُ وَرَأْيُ الْقَوْمِ عَلَى انْعِقَادِ الْجُمُعَةِ بِذَلِكَ الْعَدَدِ، فَوَاجِبٌ عَلَيْهِ أَنْ يَأْمُرَهُمْ بِإِقَامَتِهَا، وَعَلَيْهِمْ أَنْ يُسَارِعُوا إلى أمره بها، ويكون في تأديبهم في تركها ألين من تأديبهم على تركه مَا انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَيْهِ. وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يتفق رأيه ورأي القوم أَنَّ الْجُمُعَةَ لَا تَنْعَقِدُ بِهِمْ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَأْمُرَهُمْ بِإِقَامَتِهَا، وَهُوَ بِالنَّهْيِ عَنْهَا لَوْ أقيمت أحق. والحال الثَّالِثَةُ: أَنْ يَرَى الْقَوْمُ انْعِقَادَ الْجُمُعَةِ بِهِمْ، لا يَرَاهُ الْمُحْتَسِبُ فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُعَارِضَهُمْ فيها ولا يأمرهم بِإِقَامَتِهَا لِأَنَّهُ لَا يَرَاهُ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَنْهَاهُمْ عَنْهَا، وَيَمْنَعَهُمْ مِمَّا يَرَوْنَهُ فَرْضًا عَلَيْهِمْ. وَالْحَالُ الرَّابِعَةُ: أَنْ يَرَى الْمُحْتَسِبُ انْعِقَادَ الْجُمُعَةِ بهم ولا يراه القوم بهذا مما في استمرار تركه تعطيل الْجُمُعَةِ مَعَ تَطَاوُلِ الزَّمَانِ وَبُعْدِهِ، وَكَثْرَةِ الْعَدَدِ وَزِيَادَتِهِ فَهَلْ لِلْمُحْتَسِبِ أَنْ يَأْمُرَهُمْ بِإِقَامَتِهَا، اعْتِبَارًا بهذا المعنى؟ ظاهر كلام أحمد ﵀: أنه لا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَأْمُرَهُمْ بِإِقَامَتِهَا

стр. 269

اعْتِبَارًا بِالْمَصْلَحَةِ، لِئَلَّا يَنْشَأَ الصَّغِيرُ عَلَى تَرْكِهَا، فَيَظُنَّ أَنَّهَا تَسْقُطُ مَعَ زِيَادَةِ الْعَدَدِ، كَمَا تسقط بنقصانه. ولهذا المعنى قال أحمد يحضر الجمعة خلف البر والفاجر مع اعتباره عدالة الإمام في الصلاة. ويحتمل أن لَا يَتَعَرَّضُ لِأَمْرِهِمْ بِهَا، لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ حمل الناس على اعتقاده، ولا يَأْخُذَهُمْ فِي الدِّينِ بِرَأْيِهِ مَعَ تَسْوِيغِ الِاجْتِهَادِ فيه. وقد قال أحمد في رواية المروزي " لا تحمل الناس على مذهبك". فاما أَمْرُهُمْ بِصَلَاةِ الْعِيدِ فَلَهُ أَنْ يَأْمُرَهُمْ بِهَا، وأمره بها من الحقوق اللازمة لأنها من فروض الكفاية". وأما صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ فِي الْمَسَاجِدِ، وَإِقَامَةُ الْأَذَانِ فِيهَا للصلوات الخمس فمن شعائر الإسلام، وعلاماته التي فرق رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ دار الإسلام ودار الحرب. فإذا اجتمع أهل محلة أو بلد على تعطيل الجماعات في مساجدهم، وترك الأذان في أوقات صلاتهم، كان المحتسب مأمورا بأمرهم بالأذان والجماعة في الصلوات، على طريق الوجوب عليهم والإثم بتركه، بناء على أن الجماعة واجبة. فأما من ترك صلاة الجماعة من آحاد الناس فقياس المذهب: أن يعترض عليه لأنها من فرائض الأعيان، فهي كترك الجمعة، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ أَصْحَابِي أَنْ يَجْمَعُوا حَطَبًا، وَآمُرَ بِالصَّلَاةِ فَيُؤَذَّنَ لَهَا وَتُقَامَ، ثُمَّ أخالف إلى منازل قوم لا يحضرون الصلاة فأحرقها عليهم". ويكون الحكم في ترك الجماعة من آحاد الناس: بتأخيرهم الصلاة حتى يخرج وقتها، فيذكر بها ويؤمر بفعلها، ويراعى جوابه عنها، فإن قال: تركها لتوان وتهاون أَدَّبَهُ زَجْرًا. وَأَخَذَهُ بِفِعْلِهَا جَبْرًا. وَلَا اعْتِرَاضَ عَلَى مَنْ أَخَّرَهَا وَالْوَقْتُ بَاقٍ، لِاخْتِلَافِ الْفُقَهَاءِ في فضل التأخير. فإن كانت الجماعة فِي بَلَدٍ قَدْ اتَّفَقَ أَهْلُهُ عَلَى تَأْخِيرِ صلاتهم إلى آخر أوقاتها، والمحتسب يرى فضل تعجيلها، فهل يأمرهم بالتعجيل؟ يحتمل أن يأمرهم، لأن اجتماعهم على تأخيرها يفضي بالصغير الناشيء إلى أن هذا هو الوقت دون ما تقدمه. فأما الأذان والقنوت في الصلاة إذا خالف فيه رأي المحتسب فلا رأي لَهُ فِيهِ بِأَمْرٍ وَلَا نَهْيٍ وَإِنْ كَانَ يرى خلافه.

стр. 270

وَكَذَلِكَ الطَّهَارَةُ إذَا فَعَلَهَا عَلَى وَجْهٍ سَائِغٍ يخالف رَأْيَ الْمُحْتَسِبِ مِنْ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ بِالْمَائِعَاتِ، وَالْوُضُوءِ بماء تغير بالأشياء الطاهرات، والعفو عن قدر الدرهم من النجاسات، لا اعتراض له في شيء منه، وهل له الاعتراض في الوضوء بالنبيذ؟ يحتمل وجهين. أحدهما: أن له ذلك، لأنه ربما يئول إلى استباحته عند عدم الماء مع وجوده، وربما أفضى إلى جواز السكر منه، ويحتمل أن ليس له ذلك لما فيه من تسويغ الاجتهاد، فهذا الأمر بالمعروف في حقوق الله تعالى. وأما في حقوق الآدميين فضربان: عام، وخاص أما العام فكالبلد إبذا تَعَطَّلَ شُرْبُهُ، أَوْ اسْتُهْدِمَ سُورُهُ، أَوْ كَانَ يطرقه بنو السبيل من ذوي الحاجات فيكفوا عن معاونتهم. فَإِنْ كَانَ فِي بَيْتِ الْمَالِ مَالٌ لَمْ يتوجه عليهم فيه أمر بإصلاح شربهم وبناء سورهم، ولا بمعاونة بَنِي السَّبِيلِ فِي الِاجْتِيَازِ بِهِمْ، لِأَنَّهَا حُقُوقٌ تَلْزَمُ بَيْتَ الْمَالِ دُونَهُمْ وَكَذَلِكَ لَوْ اسْتُهْدِمَتْ مَسَاجِدُهُمْ وَجَوَامِعُهُمْ. فَأَمَّا إذَا أُعْوِزَ بَيْتُ الْمَالِ، كَانَ الْأَمْرُ بِبِنَاءِ سُورِهِمْ، وَإِصْلَاحِ شُرْبِهِمْ، وَعِمَارَةِ مساجدهم وجوامعهم ومراعاة بني السبيل متوجها إلى كافة ذوي المكنة منهم، فإن شرع ذوو المكنة في عمله وفي مراعاة بني السبيل سَقَطَ عَنْ الْمُحْتَسِبِ حَقُّ الْأَمْرِ بِهِ، وَلَمْ يلزمهم الاستئذان في ذلك، وَلَكِنْ لَوْ أَرَادُوا هَدْمَ مَا يُعِيدُونَ بِنَاءَهُ من المتهدم، لَمْ يَكُنْ لَهُمْ الْإِقْدَامُ عَلَى هَدْمِهِ فِيمَا عم أهل البلد من سوره وجامعه إلَّا بِاسْتِئْذَانِ وَلِيِّ الْأَمْرِ دُونَ الْمُحْتَسِبِ، لِيَأْذَنَ لهم في هدم بعد تضمينهم القيام بعمارته. ويجوز فِيمَا خُصَّ مِنْ الْمَسَاجِدِ فِي الْعَشَائِرِ وَالْقَبَائِلِ أن لا يَسْتَأْذِنُوهُ. وَعَلَى الْمُحْتَسِبِ أَنْ يَأْخُذَهُمْ بِبِنَاءِ مَا هَدَمُوهُ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُمْ بِإِتْمَامِ مَا استأنفوه. وقد قال أحمد في رواية أبي داود: - في مسجد يريدون أن يرفعوه ن الأرض ويجعل تحته سقاية، ومنعهم من ذلك المشايخ، وقالوا: لا نقدر نصعد - "يصار إلى قول أكثرهم " يعني أهل المسجد. فأما إذا كانت ذو الْمُكْنَةِ عَنْ بِنَاءِ مَا اسْتُهْدِمَ، وَعِمَارَةِ مَا استرم، فإن كان المقام بالبلد ممكنا وكان الشرب - وإن فسد - مقنعا تركهم وإياه، وإن تعذر المقام فيه لتعطيل شربه واندحاض سوره نظرت. فإن كان البلد ثغرا يضر بالإسلام تَعْطِيلُهُ، لَمْ يَجُزْ لِوَلِيِّ الْأَمْرِ أَنْ يُفْسِحَ فِي الِانْتِقَالِ عَنْهُ وَكَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ النَّوَازِلِ إذَا حَدَثَتْ فِي قِيَامِ كَافَّةِ ذَوِي الْمُكْنَةِ بِهِ، وَكَانَ تَأْثِيرُ الْمُحْتَسِبِ فِي مِثْلِ هَذَا إعلان للسلطان بِهِ، وَتَرْغِيبَ أَهْلِ الْمُكْنَةِ فِي عَمَلِهِ.

стр. 271

وإن لم يكن هذا البلد ثغرا مضرا بِدَارِ الْإِسْلَامِ كَانَ أَمْرُهُ أَيْسَرَ، وَحُكْمُهُ أَخَفَّ، ولم يكن للمحتسب أخذ أهله بعمارته جبرا، لكن يقول لهم: أَنْتُمْ مُخَيَّرُونَ بَيْنَ الِانْتِقَالِ عَنْهُ أَوْ الْتِزَامِ مَا يُصْرَفُ فِي مَصَالِحِهِ الَّتِي يُمْكِنُ مَعَهَا دوام استيطانه. فإن أجابوا إلَى الْتِزَامِ ذَلِكَ كَلَّفَ جَمَاعَتَهُمْ مَا تَسْمَحُ بِهِ نُفُوسُهُمْ، وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَأْخُذَ كُلَّ واحد منهم في عينه بالتزام مَا لَا تَسْمَحُ بِهِ نَفْسُهُ مِنْ قَلِيلٍ ولا كثير، ويقول: ليخرج كل واحد منكم مَا سَهُلَ عَلَيْهِ وَطَابَ نَفْسًا بِهِ. وَمَنْ أَعْوَزَهُ الْمَالُ أَعَانَ بِالْعَمَلِ، حَتَّى إذَا اجْتَمَعَتْ كفاية المصلحة أو يلوح اجتماعها بضمان كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْمُكْنَةِ قَدْرًا طَابَ به نفسا أسرع حِينَئِذٍ فِي عَمَلِ الْمَصْلَحَةِ، وَأَخَذَ كُلَّ ضَامِنٍ مِنْ الْجَمَاعَةِ بِالْتِزَامِ مَا ضَمِنَهُ، وَإِنْ كَانَ مِثْلُ هَذَا الضَّمَانِ لَا يَلْزَمُ فِي الْمُعَامَلَاتِ الْخَاصَّةِ، لِأَنَّ حُكْمَ مَا عَمَّ مِنْ الْمَصَالِحِ مُوسِعٌ، فَكَانَ حُكْمُ الضَّمَانِ فِيهِ أَوْسَعَ. وَإِذَا عَمَّتْ هَذِهِ الْمَصْلَحَةُ لَمْ يَكُنْ لِلْمُحْتَسِبِ أَنْ يَتَقَدَّمَ بِالْقِيَامِ بِهَا حَتَّى يَسْتَأْذِنَ السُّلْطَانَ فِيهَا، لئلا يصير بالتفرد مفتاتا عليه. فإن شق اسْتِئْذَانُ السُّلْطَانِ فِيهَا أَوْ خِيفَ زِيَادَةُ الضَّرَرِ لِبُعْدِ اسْتِئْذَانِهِ جَازَ شُرُوعُهُ فِيهَا مِنْ غَيْرِ استئذان. وقد قال أحمد: لا تخرجوا لقتال العدو إلا بإذن الأمير، إلا أن يفجأهم عدو ويخافون كلبه". وأما الخاص كالحقوق إذا مطلت والديون إذا أخذت، فَلِلْمُحْتَسِبِ أَنْ يَأْمُرَ بِالْخُرُوجِ مِنْهَا مَعَ الْمُكْنَةِ إذَا اسْتَعْدَاهُ أَصْحَابُ الْحُقُوقِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يحبس بها لأن الحبس حكم، وليس له أن يلازم عليها.

стр. 272

وَلَيْسَ لَهُ الْأَخْذُ بِنَفَقَاتِ الْأَقَارِبِ، لِافْتِقَارِ ذَلِكَ إلى اجتهاد شرعي إلَّا أَنْ يَكُونَ الْحَاكِمُ قَدْ فَرَضَهَا فَيَجُوزُ أن يأخذ بِأَدَائِهَا. وَكَذَلِكَ كَفَالَةُ مَنْ تَجِبُ كَفَالَتُهُ مِنْ الصغار لا اعتراض لَهُ فِيهَا حَتَّى يَحْكُمَ بِهَا الْحَاكِمُ، فَيَجُوزُ له أَنْ يَأْمُرَ بِالْقِيَامِ بِهَا عَلَى الشُّرُوطِ الْمُسْتَحَقَّةِ منها. فأما قَبُولُ الْوَصَايَا وَالْوَدَائِعِ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْمُرَ بها أَعْيَانَ النَّاسِ وَآحَادَهُمْ، وَيَجُوزُ أَنْ يَأْمُرَ بِهَا عَلَى الْعُمُومِ، حَثًّا عَلَى التَّعَاوُنِ بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى، وقبول الودائع الوصايا. وَأَمَّا الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ فِيمَا كَانَ مُشْتَرَكًا بَيْنَ حقوق الله تعالى وحقوق الآدميين، كأخذ الأولياء بإنكاح الأيامى من أكفائهم إذَا طَلَبْنَ، وَإِلْزَامِ النِّسَاءِ أَحْكَامَ الْعِدَدِ، إذَا فارقن أزواجهن. وَلَهُ تَأْدِيبُ مَنْ خَالَفَ فِي الْعِدَّةِ مِنْ النِّسَاءِ، وَلَيْسَ لَهُ تَأْدِيبُ مَنْ امْتَنَعَ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ. وَمَنْ نَفَى وَلَدًا قَدْ ثَبَتَ فِرَاشُ أمه ولحوق نسبه أخذه بأحكام الآباء، وعزره على النَّفْيِ أَدَبًا. وَيَأْخُذُ السَّادَةَ بِحُقُوقِ الْعَبِيدِ وَالْإِمَاءِ، وأن لا يكلفوهم مِنْ الْأَعْمَالِ مَا لَا يُطِيقُونَ. وَكَذَلِكَ أَرْبَابُ البهائم بأخذهم بِعُلُوفَتِهَا إذَا قَصَّرُوا، وَأَنْ لَا يَسْتَعْمِلُوهَا فِيمَا لَا تُطِيقُ. وَمَنْ أَخَذَ لَقِيطًا وَقَصَّرَ فِي كَفَالَتِهِ أَمَرَهُ أَنْ يَقُومَ بِحُقُوقِ الْتِقَاطِهِ مِنْ التزام الكفالة أَوْ تَسْلِيمِهِ إلَى مَنْ يَلْتَزِمُهَا وَيَقُومُ بِهَا. وكذلك أخذ الضوال إذا قصر فيها أخذه بمثل ذلك من القيام بها أو تسليمها إلى من يقوم بِهَا، وَيَكُونُ ضَامِنًا لِلضَّالَّةِ بِالتَّقْصِيرِ، وَلَا يَكُونُ ضامنا للقيط. وإذا سلم الضالة إلى غيره ضمتها. وأما النهي عن المنكر فمنقسم ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: مَا كَانَ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى. وَالثَّانِي: مَا كَانَ مِنْ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ. وَالثَّالِثُ: مَا كَانَ مُشْتَرَكًا بَيْنَ الْحَقَّيْنِ.

стр. 273

أما المنهي عَنْهَا فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى فَعَلَى ثَلَاثَةِ أقسام أحدها: ما يتعلق بالعبادات. والثاني: ما يتعلق بالمحظورات. والثالث: ما يتعلق بالمعاملات. أما المتعلق بالعبادات فكالقاصد مخالفة هيئاتها المشروعة، مثل أن يَقْصِدُ الْجَهْرَ فِي صَلَاةِ الْإِسْرَارِ وَالْإِسْرَارَ فِي صلاة الجهر، أو يزيد في الصلاةن أو يزيد فِي الْأَذَانِ أَذْكَارًا غَيْرَ مَسْنُونَةٍ فَلِلْمُحْتَسِبِ إنْكَارُهَا، وتأديب المعاند فيها، وكذلك إذا أدخل بِتَطْهِيرِ جَسَدِهِ أَوْ ثَوْبِهِ. أَوْ مَوْضِعِ صَلَاتِهِ، أنكر عليه إذا تحقق ذلك منه، ولا يؤاخذ ذلك منه، ولا يؤاخذه بالتهم والظنون، وكذلك لَوْ ظَنَّ بِرَجُلٍ أَنَّهُ يَتْرُكُ الْغُسْلَ مِنْ الجنابة، أو يترك الصلاة والصيام لا يؤاخذه بالتهم، ولكن يجوز له بالتهمة أن يعظه ويحذره من عذاب الله تعال على إسقاط حقوقه والإخلال بمفترضاته. فَإِنْ رَآهُ يَأْكُلُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ لَمْ يُقْدِمْ عَلَى تَأْدِيبِهِ إلَّا بَعْدَ سُؤَالِهِ عَنْ سبب أكله، لأنه ربما كَانَ مَرِيضًا أَوْ مُسَافِرًا، وَيَلْزَمُهُ السُّؤَالُ إذَا ظَهَرَتْ مِنْهُ أَمَارَاتُ الرَّيْبِ، فَإِنْ ذَكَرَ مِنْ الْأَعْذَارِ مَا يَحْتَمِلُهُ حَالُهُ كَفَّ عَنْ زَجْرِهِ، وَأَمَرَهُ بِإِخْفَاءِ أَكْلِهِ لِئَلَّا يُعَرِّضَ نَفْسَهُ لِلتُّهْمَةِ، ولا يلزم إحلافه عند الاسترابة به، لأنه موكول إلى أمانته، وإن لم يذكر عذرا أنكر عليه وأدبه عليه تأديب زجر، وكذلك لَوْ عَلِمَ عُذْرَهُ فِي الْأَكْلِ أَنْكَرَ عَلَيْهِ الْمُجَاهَرَةَ بِتَعْرِيضِ نَفْسِهِ لِلتُّهْمَةِ، وَلِئَلَّا يَقْتَدِيَ بِهِ من ذوي الجهالة من لَا يُمَيِّزُ حَالَ عُذْرِهِ مِنْ غَيْرِهِ. وَأَمَّا الممتنع عن إخراج زكاته، فإن كان من الأموال الظاهرة أخذها العامل منه قهرا وعزره على الغلول إذا لم يكن له عذر، وإن كان من الأموال الباطنة احتمل أَنْ يَكُونَ الْمُحْتَسِبُ أَخَصَّ بِالْإِنْكَارِ عَلَيْهِ مِنْ عَامِلِ الصَّدَقَةِ، لِأَنَّهُ لَا اعْتِرَاضَ لِلْعَامِلِ فِي الأموال الباطنة، واحتمل أَنْ يَكُونَ الْعَامِلُ بِالْإِنْكَارِ عَلَيْهِ أَخَصَّ لِأَنَّهُ لو دفعها إليه أجزأه، ويكون تأديبه معتبرا بشواهد الحال فِي الِامْتِنَاعِ مِنْ إخْرَاجِ زَكَاتِهِ، فَإِنْ ذَكَرَ أنه مخرجها سرا وكل إلى أمانته. فإن رأى رجلا يتعرض لمسألة الناس وطلب الصدقة وعلم أنه غني عنها إما بمال أو عمل أنكر عليه وأدبه، وكان المحتسب بإنكاره أخص بذلك من عامل الصدقة. ولو رأي آثَارَ الْغِنَى وَهُوَ يَسْأَلُ النَّاسَ أَعْلَمُهُ تَحْرِيمَهَا على المستغني عنها، ولم ينكر عَلَيْهِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ فِي الْبَاطِنِ فَقِيرًا. وَإِذَا تَعَرَّضَ لِلْمَسْأَلَةِ ذُو جَلَدٍ وَقُوَّةٍ عَلَى العمل زجره وأمره أن يتعرض للاحتراف بعمل، فَإِنْ أَقَامَ عَلَى الْمَسْأَلَةِ عَزَّرَهُ حَتَّى يُقْلِعَ عنها.

стр. 274

وإن وجد فيمن يتصدى لعلم الشرع من ليس مِنْ أَهْلِهِ، مِنْ فَقِيهٍ أَوْ وَاعِظٍ، وَلَمْ يأمن اعترار النَّاسِ بِهِ فِي سُوءِ تَأْوِيلٍ، أَوْ تَحْرِيفِ جواب، أنكر عليه التصدي لما ليس مِنْ أَهْلِهِ، وَأَظْهَرَ أَمْرَهُ، لِئَلَّا يُغْتَرَّ بِهِ. وَمَنْ أُشْكِلَ عَلَيْهِ أَمْرُهُ لَمْ يَقْدَمْ عَلَيْهِ بالإنكار بعد الاختبار. وكذلك لَوْ ابْتَدَعَ بَعْضُ الْمُنْتَسِبِينَ إلَى الْعِلْمِ قَوْلًا خَرَقَ بِهِ الْإِجْمَاعَ وَخَالَفَ فِيهِ النَّصَّ وَرَدَّ قَوْلَهُ عُلَمَاءُ عَصْرِهِ أَنْكَرَهُ عَلَيْهِ وَزَجَرَهُ عَنْهُ، فَإِنْ أَقْلَعَ وَتَابَ وَإِلَّا فَالسُّلْطَانُ بِتَهْذِيبِ الدِّينِ أحق. وإذا انفرد بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ لِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى بِتَأْوِيلٍ عَدَلَ فِيهِ عَنْ ظَاهِرِ التَّنْزِيلِ إلَى بَاطِنِ بِدْعَةٍ، متكلف لَهُ غَمْضَ مَعَانِيهِ أَوْ تَفَرَّدَ بَعْضُ الرُّوَاةِ بِأَحَادِيثَ مَنَاكِيرَ تَنْفِرُ مِنْهَا النُّفُوسُ أَوْ يَفْسُدُ بِهَا التَّأْوِيلُ كَانَ عَلَى الْمُحْتَسِبِ إنْكَارُ ذَلِكَ. وَهَذَا إنَّمَا يَصِحُّ مِنْهُ إنْكَارُهُ إذَا تَمَيَّزَ عِنْدَهُ الصَّحِيحُ مِنْ الْفَاسِدِ وَالْحَقُّ مِنْ الْبَاطِلِ، وذلك من أحد وجهين: إما بأن يكون بقوته في العلم واجتهاده فيه، وَإِمَّا بِأَنْ يَتَّفِقَ عُلَمَاءُ الْوَقْتِ عَلَى إنْكَارِهِ وابتداعه فَيَعُولُ فِي الْإِنْكَارِ عَلَى أَقَاوِيلِهِمْ، وَفِي الْمَنْعِ منه على اتفاقهم. وَأَمَّا مَا تَعَلَّقَ بِالْمَحْظُورَاتِ فَهُوَ أَنْ يَمْنَعَ الناس من مواقف الريب ومظان التهمة ويقدم الإنكار ,ولا يعجل بالتأديب قبل الإنذار. وإذا رأى وقوف رجل وامرأة فِي طَرِيقٍ سَابِلٍ لَمْ تَظْهَرْ مِنْهُمَا أَمَارَاتُ الرِّيَبِ لَمْ يَعْتَرِضْ عَلَيْهِمَا بِزَجْرٍ وَلَا إنْكَارٍ، فَمَا يَجِدُ النَّاسُ بُدًّا مِنْ هَذَا. وَإِنْ كان الوقوف في طريق خالية فخلو المكان ريبة فينكرها، ولا يعجل في التأديب.

стр. 275

عليهما حذرا مِنْ أَنْ تَكُونَ ذَاتَ مَحْرَمٍ، وَلْيَقُلْ: إنْ كانت ذات محرم فصنها عن مواقف التهمة وإن كانت أجنبية فاحذر مِنْ خَلْوَةٍ تُؤَدِّيكَ إلَى مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى. وليكن زجره بحسب الأمارات. فإذا رأى المحتسب من هذه الحال ما ينكرها تأنى وفحص ورعى شَوَاهِدَ الْحَالِ، وَلَمْ يُعَجِّلْ بِالْإِنْكَارِ قَبْلَ الِاسْتِخْبَارِ. وقد سئل أحمد في رواية محمد بن يحيى المتطبب في الرجل السوء يرى مع المرأة؟ قال " صح به". وَإِذَا جَاهَرَ رَجُلٌ بِإِظْهَارِ الْخَمْرِ، فَإِنْ كَانَ مسلما أراقها وأدبه، وإن كان ذميا أدب على إظهارا وتراق عليه لأنها غير مضمونة. وأما المجاهر بإظهار النبيذ فهو كَالْخَمْرِ وَلَيْسَ فِي إرَاقَتِهِ غُرْمٌ، فَيَعْتَبِرُ وَالِي الحسبة شواهد الحال فيه، فينهى فيه عن المجاهرة، ويزجر عليه إن كان يعاقره، ولا يريقه إلى أَنْ يَأْمُرَهُ بِإِرَاقَتِهِ حَاكِمٌ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ لئلا يتوجه عليه غرم إن حكم فيه. فأما السَّكْرَانُ إذَا تَظَاهَرَ بِسُكْرِهِ وَسَخُفَ بِهَجْرِهِ أَدَّبَهُ على السكر والهجر تعزيرا. وَأَمَّا الْمُجَاهَرَةُ بِإِظْهَارِ الْمَلَاهِي الْمُحَرَّمَةِ فَعَلَى الْمُحْتَسِبِ كسرها، ولا يتشاغل بتفصيلها سواء كان خشبها يصلح لغير الملاهي أو لا يصلح. وأما اللعب فليس يقصد به الْمَعَاصِي، وَإِنَّمَا يُقْصَدُ بِهَا إلْفُ الْبَنَاتِ لِتَرْبِيَةِ الأولاد، ففيها وَجْهٌ مِنْ وُجُوهِ التَّدْبِيرِ تُقَارِنُهُ مَعْصِيَةٌ بِتَصْوِيرِ ذوات الأرواح وَمُشَابَهَةِ الْأَصْنَامِ، فَلِلتَّمْكِينِ مِنْهَا وَجْهٌ، وَلِلْمَنْعِ مِنْهَا وَجْهٌ، وَبِحَسَبِ مَا تَقْتَضِيهِ شَوَاهِدُ الْأَحْوَالِ يَكُونُ إنكاره وإقراره. وظاهر كلام أحمد ﵀ المنع عنها وإنكارها، وإذا كانت على صورة ذوات الأرواح. قال في رواية المروزي: وقد سئل عن الوصي يشتري للصبية لعبة إذا طلبت فقال " إن كانت صورة فلا". وقال في رواية أبو بكر بن محمد: وقد سأله عن حديث عائشة " كنت ألعب بالبنات" فقال " لا بأس بلعب اللعب، إذا لم يكن فيها صورة فإذا كانت صورة فلا". وظاهر هذا أنه منع من اللعب بها إذا كانت صورة. وقد روي أحمد بإسناده عن محمد بن إبراهيم بن الحرث التميمي " أن النبي ﷺ دخل على عائشة وهي تلعب بالبنات ومعها جوار، فقال: " ما هذا يا عائشة؟ قالت:

стр. 276

هذا خيل سليمان، فجعل يضحك من قولها ﷺ قال أحمد " هو غريب، لم أسمعه من غير هشيم عن يحيى بن سعيد". وقد حكى أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيَّ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ قلد حِسْبَةَ بَغْدَادَ فِي أَيَّامِ الْمُقْتَدِرِ، فَأَزَالَ سُوقَ الداذي ومنع منها وقال: لا تصلح إلَّا لِلنَّبِيذِ الْمُحَرَّمِ، وَأَقَرَّ سُوقَ اللُّعَبِ وَلَمْ يَمْنَعْ مِنْهَا. وَقَالَ: قَدْ كَانَتْ عَائِشَةُ ﵂ تلعب بالبنات بمشهد من رسول الله ﷺ فلا ينكره عليها، وذلك أن الداذي الأغلب مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ لَا يُسْتَعْمَلُ إلَّا فِي النَّبِيذِ، وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يُسْتَعْمَلَ نَادِرًا فِي الدواء، وهو بعيد. وليس يمنع إنْكَارُ الْمُجَاهِرَةِ بِبَعْضِ الْمُبَاحَاتِ كَمَا يُنْكَرُ الْمُجَاهَرَةُ بالمباح من مباشرة الأزواج والإماء. وقد قال أحمد في رواية أبي طالب في قوم يبيعون الداذي للمسكر: فكره ذلك وقال لا يباع ". وقال أيضا في رواية بكر بن محمد عن أبيه: في بيع التمر والزبيب ممن يعمله نبيذا وهو ممن يتدين به ويرى شرب المسكر، فقال " لا أبيعه ولا أعبيه عليه، وهو بمنزلة رجل يرى النكاح بغير ولي جائز، لا أشهد له، ولا أعيبه عليه، وإن تدين به". وقال في رواية أحمد بن الحسين: في بيع الحرير من النساء " لا بأس به، وإن باع للرجال لا يعجبني". فأما مَا لَمْ يَظْهَرْ مِنْ الْمَحْظُورَاتِ فَلَيْسَ لِلْمُحْتَسِبِ أَنْ يَتَجَسَّسَ عَنْهَا، وَلَا أَنْ يَهْتِكَ الْأَسْتَارَ حذرا من الاستسرار بها، قال النبي ﷺ " مَنْ أَتَى مِنْ هَذِهِ الْقَاذُورَاتِ شَيْئًا فَلْيَسْتَتِرْ بستر الله تعالى، فإنه من يبد لنا صفحته نقم عليه".

стр. 277

فَإِنْ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ اسْتِسْرَارُ قَوْمٍ بِهَا لأمارة دَلَّتْ وَآثَارٍ ظَهَرَتْ فَذَلِكَ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يكون في تركه انْتِهَاكِ حُرْمَةٍ يَفُوتُ اسْتِدْرَاكُهَا، مِثْلُ أَنْ يُخْبِرَهُ من يثق بصدقه أن رجلا خلا برجل ليقلته، أو بامرأة ليزني بها، فيجوز له في مثل هذه الحال أن يتجسس ويقدم على الكشف والبحث، حذرا مِنْ فَوَاتِ مَا لَا يُسْتَدْرَكُ مِنْ انْتِهَاكِ الْمَحَارِمِ، وَارْتِكَابِ الْمَحْظُورَاتِ وَهَكَذَا لَوْ عَرَفَ ذَلِكَ قَوْمٌ مِنْ الْمُتَطَوِّعَةِ، جَازَ لَهُمْ الْإِقْدَامُ عَلَى الكشف وَالْإِنْكَارُ، كَاَلَّذِي كَانَ مِنْ شَأْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شعبة. وذلك أنه كانت تَخْتَلِفُ إلَيْهِ بِالْبَصْرَةِ امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي هِلَالٍ يُقَالُ لَهَا أُمُّ جَمِيل بِنْتُ مِحْجَنِ بْنِ الْأَفْقَمِ، وَكَانَ لَهَا زَوْجٌ مِنْ ثَقِيفٍ يُقَالُ له الحجاج بن عبيد، فلبغ ذلك أبا بكرة بن مسروح وسهل بن معبد ونافعا بن الحرث وَزِيَادَ بْنَ عُبَيْدٍ، فَرَصَدُوهُ حَتَّى إذَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ هَجَمُوا عَلَيْهِمَا. وَكَانَ مِنْ أَمْرِهِمْ فِي الشهادة عليه عند عمر مَا هُوَ مَشْهُورٌ. فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ عُمَرُ هجومهم، وإن كان حدهم للقذف عند قصور الشهادة. والضرب الثاني: ما كان دون ذلك في الريبة، فَلَا يَجُوزُ التَّجَسُّسُ عَلَيْهِ، وَلَا كَشْفُ الْأَسْتَارِ عنه. وقد حكى " أن عمر دَخَلَ عَلَى قَوْمٍ يَتَعَاقَرُونَ عَلَى شَرَابٍ، وَيُوقِدُونَ فِي أَخْصَاصٍ، فَقَالَ: نَهَيْتُكُمْ عَنْ الْمُعَاقَرَةِ فَعَاقَرْتُمْ، وَنَهَيْتُكُمْ عَنْ الْإِيقَادِ فِي الْأَخْصَاصِ فَأَوْقَدْتُمْ، فَقَالُوا: يا أمير المؤمنين، قد نهى الله عن التجسس فتجسست، وعن الدخول بغير إذن فدخلت، فقال: هاتين بهاتين، وانصرف، ولم يعرض لهم". وقد اختلفت الرواية عن أحمد فيما ستر من المنكر من العلم به، هل ينكر؟. فروى ابن منصور وعبد الله في المنكر يكون مغطي، مثل طنبور ومسكر وأشباهه. فقال: " إذا كان مغطى فلا يكسره، وقد كشف ذلك في رواية يوصف بن موسى وأحمد بن الحسين في الطنبور والمسرك وما أشبهه إذا كان من وراء ثوب وهو يصفه أو يبينه، فقال " إذا كان مغطى فلا أري له".

стр. 278

ونقل عنه أنه يكسره فقال في رواية ابن منصور في الرجل يرى الطنبور والطبل مغطى والقنينة فقال " إذا كان يشتبه أنه طنبور أو طبل أو فيها مسكر كسره". وكذلك نقل محمد بن أبي حرب: في رجل لقى رجلا معه عود أو طنبور أو طبل مغطى يكسره. فإن سمع أصوات ملاهي منكرة من دار تظاهر أهلها بأصواتها، أنكره خارج الدار. ولم يهجم بالدخول عليهم، وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَكْشِفَ عَمَّا سِوَاهُ مِنْ الباطن. وقد نقل مهنا الأنباري عن أحمد أنه سمع صوت طبل في جواره فقام إليهم من مجلسه فأرسل إليهم ونهاهم. وقال في رواية محمد بن أبي حرب في الرجل يسمع المنكر في دار بعض جيرانه. قال: يأمره، فإن لم يقبل يجمع عليه الجيران ويهول عليه". فأما المعاملات المنكرة. كالشراء والبيوع الفاسدة، وما منع الشرع منه مت تراضي المتعاقدين به، فإذا كَانَ مُتَّفَقًا عَلَى حَظْرِهِ فَعَلَى وَالِي الْحِسْبَةِ إنْكَارُهُ وَالْمَنْعُ مِنْهُ وَالزَّجْرُ عَلَيْهِ، وَأَمْرُهُ فِي التأديب مختلف بحسب الْأَحْوَالِ وَشِدَّةِ الْحَظْرِ. وَأَمَّا مَا اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حَظْرِهِ وَإِبَاحَتِهِ فَلَا مَدْخَلَ لَهُ فِي إنكاره، إلا أن يكون مما ضعف فيه الخلاف، وَكَانَ ذَرِيعَةً إلَى مَحْظُورٍ مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ كَرِبَا النَّقْدِ فَالْخِلَافُ فِيهِ ضَعِيفٌ، وَهُوَ ذَرِيعَةٌ إلَى ربا النساء المتفق على تحريمه. وكنكاح المتعة، ربما صار ذريعة إلى استباحة الزنا، فيدخل في إنكاره كحكم ولايته. وقد قال أبو إسحاق في كتاب المتعة، إن قيل: إذا كنت قد فرقت بينهما وبين النكاح فهلا جعلت حكمها حكم السفاح؟ قيل: الأئمة المرضيون من الصحابة والتابعين جعلوها في حكم السفاح لا في حكم النكاح. وقال في تعاليقه على كتاب العلل " أولاد الرافضة أولاد زنى من أربعة أوجه: أحدها المتعة عندهم حلال وهي الزنى صراحا". وذكر ابن بطة في كتاب النكاح " لا يفسخ نكاح حكم به قاض إذا كان تأول فيه

стр. 279

تأويلا، إلا أن يكون قضى لرجل بعقد متعة، أو طلق ثلاثا في لفظ واحد وحكم بالمراجعة من غير زوج، فحكمه مردود وعلى فاعله العقوبة والنكال. ومما يتعلق بالمعاملات عشّ الْمَبِيعَاتِ وَتَدْلِيسُ الْأَثْمَانِ، فَيُنْكِرُهُ وَيَمْنَعُ مِنْهُ، وَيُؤَدِّبُ عليه بحسب الحال فيه. فإن كان هذا الغش بتدليس على المشتري ويخفى عليه فهو أغلظ الغشوش تحريما والإنكار عليه أغلظ، والتأديب فيه أَشَدُّ. وَإِنْ كَانَ لَا يَخْفَى عَلَى الْمُشْتَرِي كَانَ أَخَفَّ مَأْثَمًا، وَأَلْيَنَ إنْكَارًا، وَيَنْظُرُ فِي مشتريه، فإن اشتراه ليبيعه على غيره توجه الإنكار على البائع بغشه وعلى المشتري بابتياعه، لأنه قد يبيعه على من لا يعلم بغشه، وإن كَانَ يَشْتَرِيهِ لِيَسْتَعْمِلَهُ خَرَجَ الْمُشْتَرِي مِنْ جُمْلَةِ الْإِنْكَارِ وَتَفَرَّدَ الْبَائِعُ وَحْدَهُ. وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي تدليس الأثمان. وقد قال أحمد في رواية جعفر بن محمد: فيمن اشترى ألف درهم بدنانير بعضها جياد وبعضها مزيفة، وبعضها مكحلة " اشترى ما لا يحل، وباع ما لا يحل".

стр. 280

وكذلك قال في رواية حنبل: في الدراهم المحمول عليها، فقال " كل ما وقع عليه اسم الغش فالشراء به والبيع حرام". وقال في رواية مهنا " إذا جاء بالدينار إلى رجل يبصر الدينار فاشتراه على أنه رديء لا بأس ". وَيُمْنَعُ مِنْ تَصْرِيَةِ الْمَوَاشِي وَتَحْفِيلِ ضُرُوعِهَا عِنْدَ الْبَيْعِ لِلنَّهْيِ عَنْهُ، فَإِنَّهُ نَوْعٌ مِنْ التَّدْلِيسِ. ومما يتأكد على المحتسب: الْمَنْعَ مِنْ التَّطْفِيفِ وَالْبَخْسِ فِي الْمَكَايِيلِ وَالْمَوَازِينِ والصنجات وليكن الأدب عليه أظهر وأكثر. وَيَجُوزُ لَهُ إذَا اسْتَرَابَ بِمَوَازِينِ السُّوقَةِ وَمَكَايِيلِهِمْ أَنْ يَخْتَبِرَهَا وَيُعَايِرَهَا. وَلَوْ كَانَ لَهُ عَلَى ما يراه منها طابع معروف بين العامةلا يَتَعَامَلُونَ إلَّا بِهِ، كَانَ أَحْوَطَ وَأَسْلَمَ فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ وَتَعَامَلَ قَوْمٌ بِغَيْرِ مَا طُبِعَ بِطَابِعِهِ تَوَجَّهَ الْإِنْكَارُ عَلَيْهِمْ، إنْ كَانَ مَبْخُوسًا من وجهين: أحدهما: مخالفته فِي الْعُدُولِ عَنْ مَطْبُوعِهِ، وَإِنْكَارُهُ مِنْ الْحُقُوقِ السلطانية. والثاني: البخس والتطفيف في الحقوق، وإنكاره من الحقوق الشرعية. وإن كَانَ مَا تَعَامَلُوا بِهِ مِنْ غَيْرِ الْمَطْبُوعِ سليما من بخس ونقص توجه الإنكار بحق السلطنة وحدها لأجل المخالفة. وقد قال أحمد في رواية جعفر بن محمد: في ضرب الدراهم قال: " لا تصلح إلا في دار الضرب بإذن السلطان". وَإِنْ زَوَّرَ قَوْمٌ عَلَى طَابِعِهِ كَانَ الْمُزَوِّرُ فيه كالبهرج عَلَى طَابِعِ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ، فَإِنْ قُرِنَ التَّزْوِيرُ بغش كان الإنكار وَالتَّأْدِيبُ مُسْتَحَقًّا مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: فِي حَقِّ السَّلْطَنَةِ مِنْ جِهَةِ التَّزْوِيرِ. وَالثَّانِي: مِنْ جِهَةِ الشرع في الغش، وهو أغلظ المنكرين. وَإِنْ سَلِمَ التَّزْوِيرُ مِنْ غِشٍّ تَفَرَّدَ بِالْإِنْكَارِ السلطاني منهما. وإذا اتسع البلد حتى احتاج أهله إلى كيالين، ووزانين ونقاد، تَخَيَّرَهُمْ الْمُحْتَسِبُ، وَمَنَعَ أَنْ يُنْتَدَبَ لِذَلِكَ إلَّا مَنْ ارْتَضَاهُ مِنْ الْأُمَنَاءِ الثِّقَاتِ، وَكَانَتْ أُجُورُهُمْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ إنْ اتَّسَعَ لَهَا، فَإِنْ ضاق عنها قدرها لهم حتى لا يجرى فيها استزاده أو نُقْصَانٌ، فَيَكُونَ ذَلِكَ ذَرِيعَةً إلَى الْمُمَايَلَةِ وَالتَّحَيُّفِ في مكيل أو موزون. فَإِنْ ظَهَرَ مِنْ أَحَدِ هَؤُلَاءِ الْمُخْتَارِينَ لِلْكَيْلِ وَالْوَزْنِ تَحَيُّفٌ فِي تَطْفِيفٍ أَوْ مُمَايَلَةٌ فِي زيادة أدب وأخرج من جُمْلَةِ الْمُخْتَارِينَ، وَمُنِعَ أَنْ يَتَعَرَّضَ لِلْوَسَاطَةِ بَيْنَ النَّاسِ. وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي اخْتِيَارِ الدَّلَّالِينَ يُقِرُّ مِنْهُمْ الْأُمَنَاءَ وَيَمْنَعُ الْخَوَنَةَ وَهَذَا مِمَّا يَتَوَلَّاهُ ولاة الحسبة

стр. 281

فأما اختيار القسام والزراع فالقضاة أخص بِاخْتِيَارِهِمْ مِنْ وُلَاةِ الْحِسْبَةِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ يُسْتَنَابُونَ في أموال الأيتام والغيب. وأما اختيار الحراس في القبائل والأسواق فإلى الحماة وأصحاب المعونة. وَإِذَا وَقَعَ فِي التَّطْفِيفِ تَخَاصُمٌ جَازَ أَنْ ينظر فيه المحتسب إن لم يكن مع التخاصم فيه تجاحد وتناكر، فإن أفضى إلى التجاحد والتناكر كَانَ الْقُضَاةُ أَحَقَّ بِالنَّظَرِ فِيهِ مِنْ وُلَاةِ الْحِسْبَةِ. لِأَنَّهُمْ بِالْأَحْكَامِ أَحَقُّ، وَكَانَ التَّأْدِيبُ فِيهِ إلَى الْمُحْتَسِبِ، فَإِنْ تَوَلَّاهُ الْحَاكِمُ جَازَ لِاتِّصَالِهِ بحكمه. وَمِمَّا يُنْكِرُهُ الْمُحْتَسِبُ فِي الْعُمُومِ وَلَا يُنْكِرُهُ في الخصوص والآحاد التبايع بما لم يألف أَهْلُ الْبَلَدِ مِنْ الْمَكَايِيلِ وَالْأَوْزَانِ الَّتِي لَا تعرف فيه وإن كَانَتْ مَعْرُوفَةً فِي غَيْرِهِ، فَإِنْ تَرَاضَى بِهَا اثنان لم يعترض عليهما بالإنكار والمنع، ويمنع أن يرتسم بها قوم في الْعُمُومِ، لِأَنَّهُ قَدْ يُعَامِلُهُمْ فِيهَا مَنْ لَا يعرفها فيصير مغرورا. وأما ما ينكره في حقوق الآدميين المحضة. مثل أَنْ يَتَعَدَّى رَجُلٌ فِي حَدٍّ لِجَارِهِ، أَوْ في حريم لداره، أو في وضع بنيان عَلَى جِدَارِهِ، فَلَا اعْتِرَاضَ لِلْمُحْتَسِبِ فِيهِ، مَا لم يستعده الجار عليه، لأنه حق يخصه يصح مِنْهُ الْعَفْوُ عَنْهُ وَالْمُطَالَبَةُ بِهِ. فَإِنْ خَاصَمَهُ فيه إلى المحتسب نظر فيه إن لم يكن بينهما تنازع وتناكر، وأخذ المتعدي بإزالة تعديه، وكان تأديبه عليه بحسب شواهد الحال، وإن تَنَازَعَا كَانَ الْحَاكِمُ بِالنَّظَرِ فِيهِ أَحَقَّ. وَلَوْ أَنَّ الْجَارَ أَقَرَّ جَارَهُ عَلَى تَعَدِّيهِ وَعَفَا عَنْ مُطَالَبَتِهِ بِهَدْمِ مَا تَعَدَّى فِيهِ ثُمَّ عاد مطالبا بذلك، كَانَ لَهُ ذَلِكَ وَأَخَذَ الْمُتَعَدِّيَ بَعْدَ الْعَفْوِ عَنْهُ بِهَدْمِ مَا بَنَاهُ. وَلَوْ كَانَ قَدْ ابْتَدَأَ الْبِنَاءَ، وَوَضَعَ الْأَجْذَاعَ بِإِذْنِ الْجَارِ، ثُمَّ رجع الجار في إذنه لم يأخذ الباني بهدمه. ولو انتشرت أغصان شجرة إلَى دَارِ جَارِهِ كَانَ لِلْجَارِ أَنْ يَسْتَعْدِيَ المحتسب حتى يُعَدِّيهِ عَلَى صَاحِبِ الشَّجَرَةِ لِيَأْخُذَهُ بِإِزَالَةِ مَا انْتَشَرَ مِنْ أَغْصَانِهَا فِي دَارِهِ، وَلَا تَأْدِيبَ عَلَيْهِ، لِأَنَّ انْتِشَارَهَا لَيْسَ مِنْ فِعْلِهِ. وَلَوْ انْتَشَرَتْ عُرُوقُ الشَّجَرَةِ تَحْتَ الْأَرْضِ حَتَّى دَخَلَتْ فِي قَرَارِ أَرْضِ الْجَارِ لَمْ يُؤْخَذْ بِقَلْعِهَا ولايمنع الْجَارُ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي قَرَارِ أَرْضِهِ وَإِنْ قطعها. وقد قال أحمد في رواية ابن منصور: " في رجل في حائط جاره شجرة وأغصانها في حائطه له أن يمنعه ويأمره بقطعها". وكذلك نقل إسحاق بن هانئ " في شجرة أصلوها في ملك صاحبها، وأغصانها مطلة على بستان جاره، لجاره أن يدفع ذلك عنه". وكذلك نقل الحسن بن محمد بن الحرث " في نخلة أصولها في داره، ورأسها في داري: يقطعها حتى لا تؤذيه، فقيل له: يقطع له؟ قال: يأمر صاحبه حتى يقطع".

стр. 282

فقد نص على أن له أخذه بإزالة ما انتشر منها وأنه يأمر صاحبه ولا يتولى هو ذلك بنفسه، لأن الحق توجه على المالك، وكان هو المطالب بإبقائه، كما يطلب الراهن ببيع الرهن. وقال في رواية إسحاق بن هانئ " في رجل في داره شجرة فنبتت من عروقها شجرة في دار رجل آخر: لمن الشجرة؟ فقال: ما أدري ما هذا؟ ربما كان ضررا على صاحب الأرض". وظاهر هذا أنه إذا لم يكن فيها ضرر، وهو أن تكون عروقها تحت الأرضن لا يؤخذ بقلعها لأنه اعتبر الضرر، والضرر إنما يكون بظهورها على وجه الأرض. وقد روى أبو حفص العكبري عن أبي بكر عبد العزيز عن أبي بكر الخلال عن حرب عن عمرو بن عثمان عن بقية بن الوليد عن سلمة القرشي عن العلاء بن الحرث عن مكحول قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " من أظلت شجرة داره فهو بالخيار بين أكل ثمرها أو قطع ما أظل عليه منها". وهذا محمول على أن صاحب الشجرة يأكل الثمرة. وروى أبو حفص أيضا بإسناده عن محمد بن علي قال" كان لسمرة بن جندب نخل في حائط رجل من الأنصار، وكان يدخل عليه وأهله فيؤذيه، فشكا ذلك الأنصاري إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فقال له: بعه، فأبى، قال: فاقلعه، فأبى: قال: هبه ولك مثلها في الجنة، فأبى: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنت مضار، اذهب فاقلع نخله". فقد أمره بقلعه. فإن نصب المالك تنورا في داره، فتأذى الجار بدخانه، أو نصب في داره رحا، أو وضع فيها حدادين أو قصارين، فهل يمنع من ذلك؟.

стр. 283

قد روى عن أحمد ألفاظ تقتضي المنع. فقال في رواية عبد الله: في رجل بنى في داره حماما أوحشا يضر بجاره أكرهه، قال النبي ﷺ لا ضرر ولا ضرار". وكذلك قال في رواية ابن منصور " لا يضر بجاره، يحفر إلى جنب بئره كنيفا أو بئرا إلى جنب حائطه وإن كان في حده". وكذلك قال في رواية أبي طالب " لا يجعل في داره حماما يؤذي جاره، ولا يحفر بئرا إلى بئره". والخلاف في هذه المسألة وفيما قبلها سواء وقد اختلفت الرواية عنه فيمن احتفر بئرا إلى جنب جاره فنضب ماء الأولة وغار هل يطم عليه؟ على روايتين: نقل الحسن بن ثواب عنه " لا تطم" وعلل بأن هذه في ملك صاحبها. ونقل الميموني " تطم" فيخرج في هذه الرواية روايتان. وَإِذَا تَعَدَّى مُسْتَأْجِرٌ عَلَى أَجِيرٍ فِي نُقْصَانِ أجر أو استزادة علم كَفَّهُ عَنْ تَعَدِّيهِ وَكَانَ الْإِنْكَارُ عَلَيْهِ مُعْتَبَرًا بِشَوَاهِدِ حَالِهِ. وَلَوْ قَصَّرَ الْأَجِيرُ فِي حَقِّ المستأجر فنقصه عن الْعَمَلِ، أَوْ اسْتَزَادَهُ فِي الْأُجْرَةِ مَنَعَهُ مِنْهُ وأنكره عليه إذا تخاصموا إليه. فإن اختلفوا أو تناكروا وكان الْحَاكِمُ بِالنَّظَرِ بَيْنَهُمَا أَحَقَّ. وَمِمَّا يُؤْخَذُ وُلَاةُ الحسبة بمراعاته من أخل الصَّنَائِعِ فِي الْأَسْوَاقِ ثَلَاثَةُ أَصْنَافٍ مِنْهُمْ مَنْ يراعي عمله في الوفاء والتقصير. ومنهم من يراعي حاله في الْأَمَانَةِ وَالْخِيَانَةِ. وَمِنْهُمْ مَنْ يُرَاعِي عَمَلَهُ فِي الجودة والرداءة. فأما من يراعي عَمَلِهِ فِي الْوُفُورِ وَالتَّقْصِيرِ فَكَالطَّبِيبِ وَالْمُعَلِّمِينَ، لِأَنَّ الطب إقدام عَلَى النُّفُوسِ، يُفْضِي التَّقْصِيرُ فِيهِ إلَى تَلَفٍ أوسقم. وللمعلمين الطرائق التي ينشأ الصغار عليها، ليكون نقلهم عنه بَعْدَ الْكِبَرِ عَسِيرًا، فَيُقَرُّ مِنْهُمْ مَنْ تَوَفَّرَ علمه، وحسنت طريقته، ويمنع، من قصر أو أساء مِنْ التَّصَدِّي لِمَا يُفْسِدُ بِهِ النُّفُوسَ، وَتَخْبُثُ به الآداب. وقد قال أحمد في رواية حرب: في الطبيب والبيطار " إذا علم أنه طبيب فلا يضمن " فإن لم يكن طبيبا فكأنه رأى عليه الضمان.

стр. 284

وقد روى أبو حفص بإسناده عن عَمْرو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أن رسول الله ﷺ قال: " من تطبب ولم يعلم منه طب قبل ذلك فهو ضامن". وأما من يراعي حالة فِي الْأَمَانَةِ وَالْخِيَانَةِ فَمِثْلُ الصَّاغَةِ، وَالْحَاكَةِ وَالْقَصَّارِينَ، وَالصَّبَّاغِينَ؛ لِأَنَّهُمْ رُبَّمَا هَرَبُوا بِأَمْوَالِ النَّاسِ، فَيُرَاعِي أَهْلَ الثِّقَةِ وَالْأَمَانَةِ مِنْهُمْ، فَيُقِرُّهُمْ وَيُبْعِدُ مَنْ ظَهَرَتْ خِيَانَتُهُ وَيُشْهِرُ أَمْرَهُ، لِئَلَّا يَغْتَرَّ بِهِ مَنْ لَا يَعْرِفُهُ. وَقَدْ قِيلَ: إنَّ الْحُمَاةَ وولاة المعونة أَخَصُّ بِالنَّظَرِ فِي أَحْوَالِ هَؤُلَاءِ مِنْ وُلَاةِ الحسبة، لأن الخيانة تابعة للسرقة. وأما ما يُرَاعِي عَمَلَهُ فِي الْجَوْدَةِ وَالرَّدَاءَةِ فَهُوَ مِمَّا يَنْفَرِدُ بِالنَّظَرِ فِيهِ وُلَاةُ الْحِسْبَةِ، وَلَهُمْ أَنْ يُنْكِرُوا عَلَيْهِمْ فِي الْعُمُومِ فَسَادَ الْعَمَلِ وَرَدَاءَتَهُ وإن لم يكن فيه مستعد. فأما فِي عَمَلٍ مَخْصُوصٍ اعْتَادَ الصَّانِعُ فِيهِ الْفَسَادَ وَالتَّدْلِيسَ، فَإِذَا اسْتَعْدَاهُ الْخَصْمُ قَابَلَ عَلَيْهِ بِالْإِنْكَارِ وَالزَّجْرِ، فَإِنْ تَعَلَّقَ بِذَلِكَ غُرْمٌ، رُوعِيَ حَالُ الغرم، فإن افتقر إلى تقدير أو تقويم لم يكن لِلْمُحْتَسِبِ أَنْ يَنْظُرَ فِيهِ، لِافْتِقَارِهِ إلَى اجْتِهَادٍ حكمي، وكان القاضي بالنظر فيه أحق أن ينظر فيه بإلزام الغرم والتأديب؛ لِأَنَّهُ أَخْذٌ بِالتَّنَاصُفِ، وَزَجْرٌ عَنْ التَّعَدِّي. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُسَعِّرَ عَلَى النَّاسِ الْأَقْوَاتَ وَلَا غيرها في رخص ولا غلاء. وما ما ينكره مِنْ الْحُقُوقِ الْمُشْتَرَكَةِ بَيْنَ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى وَحُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ فَكَالْمَنْعِ مِنْ الْإِشْرَافِ عَلَى مَنَازِلِ الناس، ويكره من علا بناؤه أن يستر سطحه. قال في رواية ابن منصور في الرجل يشرف على جاره "فالسترة على الذي أشرف".

стр. 285

وكذلك قال في رواية محمد بن يحيى الكحال في الذي يكون أعلا من جاره " يستر على نفسه". فإن قيل: كان يجب أن يقال: يلزمه أن لايشرف على غيره، ولا يلزمه أن يستر سطحه. قيل: لا يمكنه في العادة أن لايشرف على غيره إلا ببناء ستره، لأنه قد يسهو أو يغفل عن ترك الإشراف لظهوره عليه. وَيُمْنَعُ أَهْلُ الذِّمَّةِ مِنْ تَعْلِيَةِ أَبْنِيَتِهِمْ عَلَى أبنية المسلمين، فإن ملكوا أبنية عالية احتمل أن يقروا عليها، ويلزموا أن يستروا سطوحهم. ويأخذ أهل الذمة بما شرط فِي ذِمَّتِهِمْ، مِنْ لُبْسِ الْغِيَارِ، وَالْمُخَالَفَةِ فِي الهيئة، وترك المجاهرة بقولهم في عزيز ابن الله، والمسيح ابن الله. وَيُمْنَعُ عَنْهُمْ مَنْ تَعَرَّضَ لَهُمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ بِسَبٍّ أَوْ أَذًى، وَيُؤَدَّبُ عَلَيْهِ مَنْ خَالَفَ فِيهِ. وَإِذَا كَانَ فِي أَئِمَّةِ الْمَسَاجِدِ السَّابِلَةِ والجوامع الحافلة مَنْ يُطِيلُ الصَّلَاةَ حَتَّى يَعْجِزَ عَنْهَا الضُّعَفَاءُ وَيَنْقَطِعَ بِهَا ذَوُو الْحَاجَاتِ أَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ كما أنكر رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى معاذ حِينَ أَطَالَ الصَّلَاةَ بِقَوْمِهِ، وَقَالَ: " أَفَتَّانٌ أَنْتَ يا معاذ؟ ".
следующие страницы →